النص المفهرس

صفحات 401-420

((وهذا منقطع، لكن وقع في ((الأوسط)) للطبراني من حديث جابر أن النبي :
أمر الشمس فتأخرت ساعة من نهار. وإسناده حسن)).
قلت: وفي النفس من تحسينه شيء، وإن كان سبقه إليه شيخه الهيثمي في
((المجمع)) (٨ / ٢٩٧)، ولعل الحافظ نقله عنه. والله أعلم. ولئن صح هذا؛ فلا
يعارض حديث يوشع عليه السلام لإمكان الجمع بينهما. قال الحافظ:
((ووجه الجمع أن الحصر محمول على ما مضى للأنبياء قبل نبينا وَّل، فلم
تحبس الشمس إلا ليوشع، وليس فيه نفي أنها تحبس بعد ذلك لنبينا وح الات)).
وبعد كتابة ما تقدم وقفت والحمد لله على إسناد الحديث، فتبين أنه ليس
بحسن، بل هو ضعيف أو موضوع، ولذلك أودعته في ((سلسلة الأحاديث الضعيفة
والموضوعة)) (رقم ٩٧٢).
و- ما رواه الطحاوي وغيره من حدیث أسماء بنت عميس أن الشمس ردت بعد
غروبها لعلي رضي الله عنه حتى صلى صلاة العصر، وكان قد فاتته بسبب نوم النبي
◌َّد على فخذه.
وهذه القصة لا تثبت، وهي عند الطحاوي من طريقين عن أسماء، فيهما
ضعف وجهالة، وقال الحافظ ابن كثير في ((البداية)» عقب حديث حبس الشمس ليوشع
عليه السلام :
((وفيه أن هذا كان من خصائص يوشع عليه السلام، فيدل على ضعف الحديث
الذي رويناه أن الشمس رجعت حتى صلى علي بن أبي طالب ... وقد صححه أحمد
ابن صالح المصري، ولكنه منكر، ليس في شيء من الصحاح ولا الحسان، وهو مما
تتوفر الدواعي على نقله، وتفردت بنقله امرأة من أهل البيت مجهولة لا يعرف حالها.
والله أعلم)).
وقد حكم عليها الذهبي بالوضع، وذلك من جهة المتن، وسبقه إلى ذلك شيخ
٤٠١

الإِسلام ابن تيمية، ومن قبله أبو الفرج ابن الجوزي حيث ذكره في ((الموضوعات))،
وقد تعقبه السيوطي في ((اللآلىء)) بما لا يجدي، وكذا الحافظ ابن حجر، حيث انتقد
على ابن تيمية وابن الجوزي حكمهما على الحديث بالوضع، والحق معهما؛ كما
بينته في السلسلة المشار إليها (رقم ٩٧٦).
وجملة القول: أنه لا يصح في حبس الشمس أو ردها شيء إلا هذا الحديث
الصحيح .
٢٠٣ - (اقْتَرَقَتِ الْيَهودُ عَلى إِحْدِى أَو اثنَتَيْنِ وسبعينَ فِرِقَةً،
وتفرَّقَتِ النَّصارى على إِحدى أو اثْنَتَيْنِ وسبعينَ فِرِقةً، وتفتَرِقُ أُمَّتي
على ثلاثٍ وسبعينَ فِرِقةً).
أخرجه أبو داود (٢ / ٥٠٣ - طبع الحلبي)، والترمذي (٣ / ٣٦٧)، وابن ماجه
(٢ / ٤٧٩)، وابن حبان في ((صحيحه)) (١٨٣٤)، والآجري في ((الشريعة)) (ص
٢٥)، والحاكم (١ / ١٢٨)، وأحمد (٢ / ٣٣٢)، وأبو يعلى في ((مسنده)) (ق ٢٨٠
/ ٢) من طرق عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً به. وقال
الترمذي :
(حديث حسن صحيح)).
وقال الحاكم:
((صحيح على شرط مسلم).
ووافقه الذهبي(١).
(١) ثم رأيت الحاكم قد أخرجه في مكان آخر (١ / ٦) وقال:
((احتج مسلم بمحمد بن عمرو))، ورده الذهبي بقوله :
(«قلت: ما احتجَّ مسلم بمحمد بن عمرو منفرداً، بل بانضمامه إلى غيره)).
٠
٤٠٢

قلت: وفيه نظر؛ فإن محمد بن عمرو فيه كلام، ولذلك لم يحتج به مسلم،
وإنما روى له متابعة، وهو حسن الحديث، وأما قول الكوثري في مقدمة ((التبصير في
الدين)) (ص ٥) إنه لا يحتج به إذا لم يتابع؛ فمن مغالطاته أو مخالفاته المعروفة؛ فإن
الذي استقر عليه رأي المحدثين من المحققين الذين درسوا أقوال الأئمة المتقدمين
فيه أنه حسن الحديث يحتج به، من هؤلاء النووي والذهبي والعسقلاني وغيره. على
أن الكوثري إنما حاول الطعن في هذا الحديث لظنه أن فيه الزيادة المعروفة بلفظ:
((كلها في النار إلا واحدة))، وهو ظنَّ باطل، فإنها لم ترد في شيء من المصادر التي
وقفت عليها من حديث أبي هريرة رضي الله عنه من هذا الوجه عنه، وإنما وردت من
حديث غيره كما يأتي في الحديث الذي بعده.
وقد ذكره السيوطي في ((الجامع الصغير)) كما أوردته بدون الزيادة، ولكنه عزاه
لأصحاب ((السنن)) الأربعة، وهذا وهم آخر؛ فإن النسائي منهم، ولم يخرجه، وقد
نص على ذلك كله الحافظ في ((تخريج الكشاف)» (٤ / ٦٣) بقوله:
(رواه أصحاب ((السنن)) إلا النسائي من رواية أبي هريرة دون قوله: (كلها ...
إلخ))).
والكوثري إنما اغتَرَّ في ذلك بكلام السخاوي على الحديث في ((المقاصد
الحسنة)) (ص ١٥٨)؛ فإنه ذكره من حديثه بهذه الزيادة، وعزاه للثلاثة وابن حبان
والحاكم!
وأما العجلوني في ((الكشف))؛ فقد قلد أصله ((المقاصد)) فيها، ولكنه اقتصر
في العزو على ابن ماجه وابن حبان والحاكم، وكل ذلك وهم نشأ من التقليد وعدم
الرجوع إلى الأصول.
وممِّن وقع في هذا التقليد مع أنه كثير التنديد به العلامة الشوكاني ؛ فإنه أورده
في ((الفوائد المجموعة)) بهذه الزيادة وقال (٥٠٢):
((قال في ((المقاصد)): حسن صحيح، وروي عن أبي هريرة وسعد وابن عمر
٤٠٣

وأنس وجابر وغيرهم)).
وهذا منه تلخيص لكلام ((المقاصد))، وإلا؛ فليس هذا لفظه، ولا قال: حسن
صحيح، وإنما هو قول الترمذي كما تقدم، وقد نقله السخاوي عنه وأقره، ولذلك
استساغ الشوكاني جعله من كلامه، وهو جائز لا غبار عليه، وإذا كان كذلك؛
فالشوكاني قد قلد أيضاً الحافظ السخاوي في كلامه على هذا الحديث، مع ما فيه من
الخطأ، والمعصوم من عصمه الله.
على أن للشوكاني في هذا المقام خطأ آخر أفحش من هذا، وهو تضعيفه في
((تفسيره)) لهذه الزيادة مقلداً أيضاً في ذلك غيره، مع أنها زیادة صحیحة، وردت عن
غير واحد من الصحابة بأسانيد جيدة كما قال بعض الأئمة، وإن تجاهل ذلك كله
الكوثري اتباعاً منه للهوى، وإلا فمثله لا يخفى عليه ذلك، والله المستعان.
وقد وردت زيادة ((كلها في النار إلا واحدة)) المشار إليها آنفاً من حديث معاوية
رضي الله عنه، وهذا لفظه:
٢٠٤ - (أَلا إِنَّ مَنْ قَبْلَكُم مِن أَهْلِ الكِتابِ افْتَرَقوا على ثِنْتَيْنِ
وسبعينَ مِلَّةً، وإِنَّ هذه المِلَّةَ سَتَفْتَرِقُ على ثلاثٍ وسبعينَ: ثِنتانِ
وسبعونَ في النَّارِ، وواحدةٌ في الجنَّةِ، وهي الجماعةُ).
أخرجه أبو داود (٢ / ٥٠٣ - ٥٠٤)، والدارمي (٢ / ٢٤١)، وأحمد (٤ /
١٠٢)، وكذا الحاكم (١ / ١٢٨)، والآجري في ((الشريعة)) (١٨)، وابن بطة في
((الإِبانة)) (٢ / ١٠٨ / ٢، ١١٩/ ١)، واللالكائي في ((شرح السنة)) (١ / ٢٣ /١)
من طريق صفوان: حدثني أزهر بن عبدالله الهوزني عن أبي عامر عبدالله بن لحي
عن معاوية بن أبي سفيان أنه قام فينا، فقال: ألا إن رسول الله وَار قام فينا، فقال:
(فذكره).
وقال الحاكم وقد ساقه عقب حديث أبي هريرة المتقدم :
٤٠٤

((هذه أسانيد تقام بها الحجة في تصحيح هذا الحديث)).
ووافقه الذهبي .
وقال الحافظ في ((تخريج الكشاف)) (ص ٦٣):
«وإسناده حسن)).
قلت: وإنما لم يصححه؛ لأن أزهر بن عبدالله هذا لم يوثقه غير العجلي وابن
حبان، ولما ذكر الحافظ في ((التهذيب)) قول الأزدي: ((يتكلمون فيه))؛ تعقّبه بقوله:
((لم يتكلموا إلا في مذهبه)).
ولهذا قال في ((التقريب)):
(صدوق، تكلموا فيه للنصب)).
والحديث أورده الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)) (١ / ٣٩٠) من رواية أحمد،
ولم يتكلم على سنده بشيء، ولكنه أشار إلى تقويته بقوله :
((وقد ورد هذا الحديث من طرق)).
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ((المسائل)) (٨٣ / ٢)(١):
(هو حديث صحيح مشهور)).
وصححه أيضاً الشاطبي في ((الاعتصام)) (٣ / ٣٨).
ومن طرق الحديث التي أشار إليها ابن كثير، وفيها الزيادة المذكورة في
الحديث الذي قبله، ما ذكره الحافظ العراقي في ((تخريج الإحياء)) (٣ / ١٩٩) قال:
«رواه الترمذي من حديث عبدالله بن عمرو وحسنه، وأبو داود من حديث
معاوية، وابن ماجه من حديث أنس وعوف بن مالك، وأسانيدها جياد)).
قلت: ولحديث أنس طرق كثيرة جدّاً، تجمع عندي منها سبعة، وفيها كلها
(١) مخطوط في المكتبة الظاهرية (فقه حنبلي - ٣).
٤٠٥

الزيادة المشار إليها، مع زيادة أخرى يأتي التنبيه عليها، وهذه هي :
الطريق الأولى: عن قتادة عنه .
أخرجه ابن ماجه (٢ / ٤٨٠)، وقال البوصيري في ((الزوائد)):
((إسناده صحيح، رجاله ثقات)).
قلت: وفي تصحيحه نظر عندي، لا ضرورة لذكره الآن؛ فإنه لا بأس به في
الشواهد.
الثانية : عن العميري عنه .
أخرجه أحمد (٣ / ١٢٠).
والعمیري هذا لم أعرفه، وغالب الظن أنه محرف من (النميري)، واسمه زياد
ابن عبدالله؛ فقد روى عن أنس، وعنه صدقة بن يسار، وهو الذي روى هذا الحدیث،
والنميري ضعيف، وبقية رجاله ثقات.
الثالثة: عن ابن لهيعة: ثنا خالد بن یزید عن سعيد بن أبي هلال عنه، وزاد:
((قالوا: يا رسول الله! مَن تلك الفرقة؟ قال: الجماعة الجماعة)).
أخرجه أحمد أيضاً (٣ / ١٤٥)، وسنده حسن في الشواهد.
الرابعة: عن سلمان أو سليمان بن طريف عنه.
أخرجه الآجري في ((الشريعة)) (١٧)، وابن بطة في ((الإِبانة)) (٢ / ١١٨ /
٢).
وابن طريف هذا لم أجد له ترجمة، ويحتمل أنه طريف بن سليمان؛ انقلب
على أحد رواته؛ كما قال بعض إخوتنا؛ لأنه كان يروي عن أنس؛ فالله أعلم.
الخامسة: عن سويد بن سعيد قال: حدثنا مبارك بن سحيم عن عبدالعزيز بن
صھیب عن أنس.
٤٠٦

أخرجه الآجري، وسويد ضعيف.
وأخرجه ابن بطة أيضاً، ولكني لا أدري إذا كان من هذا الوجه أو من طريق آخر
عن عبدالعزيز؛ فإن كتابه بعيد عني الآن(١).
السادسة: عن أبي معشر عن يعقوب بن زيد بن طلحة عن زيد بن أسلم عن
أنس به. وفيه الزيادة .
أخرجه الآجري (١٦)، وأبو معشر اسمه نجيح بن عبد الرحمن السندي، وهو
ضعيف، ومن طريقه رواه ابن مردويه؛ كما في ((تفسير ابن كثير)) (٢ / ٧٦ - ٧٧).
السابعة: عن عبدالله بن سفيان المدني عن يحيى بن سعيد الأنصاري عنه.
وفيه الزيادة بلفظ :
((قال: ما أنا عليه وأصحابي)).
أخرجه العقيلي في ((الضعفاء)) (ص ٢٠٧ - ٢٠٨)، والطبراني في ((الصغير))
(١٥٠)، و ((الأوسط)) (١ / ٣٠٢ /١ / ٥٠١٩ ٢ / ١٩٦ /١ /٨٠٠٤)، وقال:
((لم يروه عن يحيى إلا عبدالله بن سفيان)).
وقال العقيلي :
((لا يتابع على حديثه)).
قلت: وهو على كل حال خير من الأبرد بن أشرس؛ فإنه روى هذا الحديث
أيضاً عن يحيى بن سعيد به؛ فإنه قلب متنه، وجعله بلفظ :
((تفترق أمتي على سبعين أو إحدى وسبعين فرقة؛ كلهم في الجنة إلا فرقة
واحدة. قالوا: يا رسول الله! من هم؟ قال: الزنادقة، وهم القدرية)).
أورده العقيلي أيضاً وقال:
(١) هو في المكتبة الظاهرية بدمشق، وأنا أكتب الآن في المدينة.
٤٠٧

٠٫٠٠
مود
((ليس له أصل من حديث يحيى بن سعيد)).
وقال الذهبي في ((الميزان)):
((أبرد بن أشرس؛ قال ابن خزيمة: كذاب وضاع))(١).
قلت: وقد حاول بعض ذوي الأهواء من المعاصرين تمشية حال هذا الحديث
بهذا اللفظ الباطل، وتضعيف هذا الحديث الصحيح، وقد بينت وضع ذاك في
((سلسلة الأحاديث الضعيفة)) (رقم ١٠٣٥)، والغرض الآن إتمام الكلام على هذا
اللفظ الصحيح؛ فقد تبيَّن بوضوح أن الحديث ثابت لا شك فيه، ولذلك تتابع العلماء
خلفاً عن سلف على الاحتجاج به، حتى قال الحاكم في أول كتابه ((المستدرك)):
((إنه حديث كبير(٢)، في الأصول)).
قلت: ولا أعلم أحداً قد طعن فيه، إلا بعض مَن لا يعتدُّ بتفرده وشذوذه، أمثال
الكوثري الذي سبق أن أشرنا إلى شيء من تنطّعه وتحامله على الطريق الأولى لهذا
الحديث (رقم ٢٠٣) التي ليس فيها الزيادة المتقدمة: ((كلها في النار))؛ جاهلاً، بل
متجاهلاً حديث معاوية وأنس على كثرة طرقه عن أنس كما رأيت.
وليته اقتصر على ذلك؛ إذن لما التفتنا إليه كثيراً، ولكنه دعم رأيه بالنقل عن
بعض الأفاضل، ألا وهو العلامة ابن الوزير اليمني، وذكر أنه قال في كتابه ((العواصم
(١) (تنبيه هام): حديث الأبرد بن أشرس هذا قد أخرجه ابن عدي أيضاً في ((الكامل)) (٣ /
٩٣٤)؛ لكن انقلب فيه لفظ: ((الجنة))، إلى: ((النار))، فصار الحديث فيه كما يلي:
((كلها في النار إلا واحدة)). قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: ((الزنادقة، وهم أهل القدر))!
فصارت الفرقة الناجية هم الزنادقة، ولم تتبّه لذلك اللجنة القائمة من المختصين بإشراف
الناشر! كما جاء على الوجه الأول من كل المجلدات! فلم يعلِّقوا على هذا القلب بكلمة !! ويظهر
أنه خطأ قديم؛ فقد ساقه الذهبي في ترجمة خلف بن ياسين، وقال:
«هذا موضوع، وهو كما ترى متناقض)).
(٢) في الأصل: ((كثر))، وفي ((كشف الخفاء)) (١ / ٣٠٩) عنه: ((كثير))، وفي ((المقاصد))
ما أثبته، ولعله الصواب.
٤٠٨

والقواصم)) ما نصه :
((إياك أن تغتر بزيادة: ((كلها في النار إلا واحدة))؛ فإنها زيادة فاسدة، ولا يبعد
أن تكون من دسيس الملاحدة. وقد قال ابن حزم: إن هذا الحديث لا يصح)»(١).
وقفت على هذا التضعيف منذ سنوات، ثم أوقفني بعض الطلاب في الجامعة .
الإِسلامية على قول الشوكاني في تفسيره ((فتح القدير)) (٢ / ٥٦):
((قال ابن كثير في تفسيره: وحديث افتراق الأمم إلى بضع وسبعين مرويٍّ من
طرق عديدة، قد ذكرناها في موضع آخر. انتهى. قلت: أما زيادة كونها في النار إلا
واحدة؛ فقد ضعفها جماعة من المحدثين (!)، بل قال ابن حزم: إنها موضوعة)).
ولا أدري من الذي أشار إليهم بقوله: ((جماعة ... ))؛ فإني لا أعلم أحداً من
المحدثين المتقدمين ضعَّف هذه الزيادة، بل إن الجماعة قد صححوها، وقد سبق
ذكر أسمائهم، وأما ابن حزم؛ فلا أدري أين ذكر ذلك، وأول ما يتبادر للذهن أنه في
كتابه ((الفِصَل في الملل والنحل))، وقد رجعت إليه، وقلَّبت مظانه؛ فلم أعثر عليه،
ثم إن النقل عنه مختلف، فابن الوزير قال عنه: ((لا يصح))(٢)، والشوكاني قال عنه:
((إنها موضوعة))، وشتان بين النقلين كما لا يخفى، فإن صح ذلك عن ابن حزم؛ فهو
مردود من وجھین :
الأول: أن النقد العلمي الحديثي قد دل على صحة هذه الزيادة؛ فلا عبرة
بقول من ضعفها .
والآخر: أن الذين صححوها أكثر وأعلم بالحديث من ابن حزم، لا سيما وهو
(١) ثم طبع ((العواصم))، فرأيت هذا الكلام فيه (١ / ١٨٦) بنحوه، ومن الغريب عدم تعقبه
من المعلِّق عليه ببيان صحته، مع أنه قد صححه وقوَّى حديث ابن عمرو المتقدم في تعليقه على
((شرح السنة)) (١ / ٢١٣).
(٢) ثم رأيته في ((العواصم)) في الموضع المتقدم كما نقله الشوكاني، وكذلك نقله ابن الوزير
في موضع آخر منه (٣ / ١٧٢)؛ فهذا يبين أن نقل الكوثري عنه لم يكن دقيقاً.
٤٠٩

معروف عند أهل العلم بتشدُّده في النقد، فلا ينبغي أن يحتج به إذا تفرد عند عدم
المخالفة؛ فكيف إذا خالف؟!
ثم دلَّني أحد إخواننا من طلاب العلم على كلام لابن حزم في حديث الفرقة
الناجية، فإذا به ينفيه، ويسوق حديث نعيم بن حماد في التفرق، وفيه قوم يقيسون
الأمور برأيهم، ويقول فيه:
((هذا أصح ما في الباب)).
انظر رسالته في ((الإِمامة)) (ص ٢١٣) من الجزء الثالث من ((رسائله)) تحقيق:
إحسان عباس.
وأما ابن الوزير؛ فكلامه المتقدم يشعر بأنه لم يطعن في الزيادة من جهة
إسنادها، بل من حيث معناها، وما كان كذلك؛ فلا ينبغي الجزم بفساد المعنى؛
الإِمكان توجيهه وجهة صالحة ينتفي به الفساد الذي ادَّعاه. وكيف يُستطاع الجزم بفساد
معنى حديث تلقَّاه كبار الأئمة والعلماء من مختلف الطبقات بالقبول، وصرَّحوا
بصحته، وهذا یکاد یکون مستحيلاً؟!
وإن مما يؤيد ما ذكرته أمرین :
الأول: أن ابن الوزير في كتاب آخر له قد صحَّح حديث معاوية هذا، ألا وهو
كتابه القيم: ((الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم))(١)؛ فقد عقد فيه فصلاً
خاصّاً في الصحابة الذين طعن فيهم الشيعة وردُّوا أحاديثهم، ومنهم معاوية رضي الله
عنه، فسرد ما له من الأحاديث من كتب السنة مع الشواهد التي تدل على صحتها من
طريق جماعة آخرين من الصحابة لم تطعن فيهم الشيعة، فكان هذا الحديث منها (٢)!
(١) انظر الجزء الثاني منه (ص ١١٣ - ١١٥)، وهو مختصر كتابه المتقدم ((العواصم))؛ كما
صرح فيه (١ / ٢٢٥)، وألمح إلى ذلك في ((الروض)) (١ / ١٢).
(٢) ثم رأيته قد تكلم عليها في ((العواصم) (٣ / ١٧٠)، وأعلَّ حديث معاوية بأزهر الهوزني
بحجة أنه ناصبي! وسكت عنه المعلق عليه، فأساءا؛ لأنهما يعلمان أن العمدة في تقوية الحديث :
٤١٠

الأمر الآخر: أن بعض المحققين من العلماء اليمانيين ممَّن نقطع أنه وقف
على كتب ابن الوزير، ألا وهو الشيخ صالح المَقْبَلي، قد تكلم على هذا الحديث
بكلام جيد من جهة ثبوته ومعناه، وقد ذكر فيه أن بعضهم ضعَّف هذا الحديث، فكأنه
يشير بذلك إلى ابن الوزير، وأنت إذا تأملت كلامه؛ وجدته يشير إلى أن التضعيف لم
يكن من جهة السند، وإنما مِن قِبَل استشكال معناه، وأرى أن أنقل خلاصة كلامه
المشار إليه؛ لما فيه من الفوائد. قال رحمه الله تعالى في ((العَلَم الشامخ في إيثار
الحق على الآباء والمشايخ)) (ص ٤١٤):
((حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، رواياته كثيرة، يشد بعضها
بعضاً، بحيث لا يبقى ريبة في حاصل معناها ... (ثم ذكر حديث معاوية هذا،
وحديث ابن عمرو بن العاص الذي أشار إليه الحافظ العراقي وحسنه الترمذي، ثم
قال:) والإشكال في قوله: ((كلها في النار إلا ملة))؛ فمن المعلوم أنهم خير الأمم،
وأن المرجو أن يكونوا نصف أهل الجنة، مع أنهم في سائر الأمم كالشعرة البيضاء في
الثور الأسود حسبما صرحت به الأحاديث؛ فكيف يتمشى هذا؟ فبعض الناس تكلم
في ضعف هذه الجملة، وقال: هي زيادة غير ثابتة. وبعضهم تأول الكلام)). قال:
((ومن المعلوم أن ليس المراد من الفرقة الناجية أن لا يقع منها أدنى اختلاف؛
فإن ذلك قد كان في فضلاء الصحابة. إنما الكلام في مخالفة تصير صاحبها فرقة
مستقلة ابتدعها. وإذا حققت ذلك؛ فهذه البدع الواقعة في مهمات المسائل، وفيما
يترتب عليه عظائم المفاسد، لا تكاد تنحصر، ولكنها لم تخص معيناً من هذه الفرق
التي قد تحزبت والتأم بعضهم إلى قوم وخالف آخرون بحسب مسائل عديدة)).
ثم أجاب عن الإِشكال بما خلاصته:
((إن الناس عامة وخاصة، فالعامة آخرهم كأولهم، كالنساء والعبيد والفلاحين
= إنما هي الثقة وليس المذهب، وما أظن ابن الوزير رحمه الله يرى خلافه، ولكنها التقية التي رأى أن
يلجأ إليها أحياناً، كما صرح بذلك في مقدمة ((العواصم)) (١ / ٢٢٥)! ولكن ما عذر المعلق؟!
٤١١

والسوقة ونحوهم ممَّن ليس من أمر الخاصة في شيء؛ فلا شك في براءة آخرهم من
الابتداع كأولهم .
وأما الخاصة؛ فمنهم مبتدع اخترع البدعة وجعلها نصب عينيه، وبلغ في
تقويتها كل مبلغ، وجعلها أصلاً يرد إليها صرائح الكتاب والسنة، ثم تبعه أقوام من
نمطه في الفقه والتعصب، وربما جدَّدوا بدعته وفرَّعوا عليها وحمَّلوه ما لم يتحمله،
ولكنه إمامهم المقدم، وهؤلاء هم المبتدعة حقّاً، وهو شيء كبير، ﴿تَكَادُ السَّماواتُ
يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الجِبالُ هَدّأَ﴾(١)؛ كنفي حكمة الله تعالى، ونفي
إقداره المكلف، وككونه يكلف ما لا يطاق، ويفعل سائر القبائح ولا تقبح منه،
وأخواتهن! ومنها ما هو دون ذلك، وحقائقها جميعاً عند الله تعالى، ولا ندري بأيها
يصير صاحبها من إحدى الثلاث وسبعين فرقة.
ومن الناس (٢) من تبع هؤلاء وناصرهم وقوَّى سوادهم بالتدريس والتصنيف،
ولكنه عند نفسه راجع إلى الحق، وقد دسَّ في تلك الأبحاث نقوضها في مواضع،
لكن على وجه خفيٍّ، ولعله تخيل مصلحة دنيئة، أو عظم عليه انحطاط نفسه
وإيذاؤهم له في عرضه، وربما بلغت الأذية إلى نفسه. وعلى الجملة؛ فالرجل قد
عرف الحق من الباطل، وتخبط في تصرفاته، وحسابه على الله سبحانه، إما أن
يحشره مع من أحب بظاهر حاله، أو يقبل عذره، وما تكاد تجد أحداً من هؤلاء النظار
إلا قد فعل ذلك، لكن شرهم والله كثير، فلربما لم يقع خبرهم بمكان، وذلك لأنه لا
يفطن لتلك اللمحة الخفية التي دسُّوها إلا الأذكياء المحيطون بالبحث، وقد أغناهم
الله بعلمهم عن تلك اللمحة، وليس بكبير فائدة أن يعلموا أن الرجل كان يعلم الحق
ويخفيه. والله المستعان .
ومن الناس من ليس من أهل التحقيق، ولا هيىء للهجوم على الحقائق، وقد
(١) مريم: ٩٠.
(٢) وهم القسم الثاني من الخاصة في تقسيم المؤلف، وستأتي الإِشارة إليهم في كلامه.
٤١٢

تدرب في كلام الناس، وعرف أوائل الأبحاث، وحفظ كثيراً من غثاء ما حصلوه، ولكن
أرواح الأبحاث بينه وبينها حائل. وقد يكون ذلك لقصور الهمة والاكتفاء والرضى عن
السلف لوقعهم في النفوس، وهؤلاء هم الأكثرون عدداً، والأرذلون قدراً؛ فإنهم لم
يحظوا بخصيصة الخاصة، ولا أدركوا سلامة العامة. فالقسم الأول من الخاصة
مبتدعة قطعاً. والثاني ظاهره الابتداع، والثالث له حكم الابتداع .
ومن الخاصة قسم رابع، ثلة من الأولين وقليل من الآخرين، أقبلوا على الكتاب
والسنة، وساروا بسيرها، وسكتوا عما سكتا عنه، وأقدموا وأحجموا بهما، وتركوا تكلُّف
ما لا يعنيهم، وكان تهمُّهم السلامة، وحياة السنة آثر عندهم من حياة نفوسهم، وقرة
عين أحدهم تلاوة كتاب الله تعالى، وفهم معانيه على السليقة العربية والتفسيرات
المروية، ومعرفة ثبوت حديث نبوي لفظاً وحكماً؛ فهؤلاء هم السنة حقّاً، وهم الفرقة
الناجية، وإليهم العامة بأسرهم، ومن شاء ربك من أقسام الخاصة الثلاثة
المذكورين، بحسب علمه بقدر بدعتهم ونياتهم.
إذا حققت جميع ما ذكرنا لك؛ لم يلزمك السؤال المحذور، وهو الهلاك على
معظم الأمة؛ لأن الأكثر عدداً هم العامة قديماً وحديثاً، وكذلك الخاصة في الأعصار
المتقدمة، ولعل القسمين الأوسطين، وكذا من خفَّت بدعته من الأول، تنقذهم رحمة
ربك من النظام في سلك الابتداع بحسب المجازاة الأخروية، ورحمة ربك أوسع
لكل مسلم، لكنا تكلمنا على مقتضى الحديث ومصداقه، وأن أفراد الفرق المبتدعة
وإن كثرت الفرق فلعله لا يكون مجموع أفرادهم جزءاً من ألف جزء من سائر
المسلمين، فتأمل هذا تسلم من اعتقاد مناقضة الحديث لأحاديث فضائل الأمة
المرحومة)» .
قلت: وهذا آخر كلام الشيخ المَقْبَلي رحمه الله، وهو كلام متين، يدل على
علم الرجل وفضله ودقة نظره، ومنه تعلم سلامة الحديث من الإِشكال الذي أظن أنه
عمدة ابن الوزير رحمه الله في إعلاله إياه، والحمد لله على أن وفقنا للإِبانة عن صحة
٤١٣

هذا الحديث من حيث إسناده، وإزالة الشبهة عنه من حيث متنه، وهو الموفق، لا إله
١
إلا هو.
ثم وقفت على كلام لأحد الكتاب في العصر الحاضر ينكر في كتابه ((أدب
الجاحظ)) (ص ٩٠) صحة هذا الحديث للدفاع عن شيخه الجاحظ! فهو يقول: ((ولو
صح هذا الحديث؛ لكان نكبة كبرى على جمهور الأمة الإِسلامية، إذ يسجل على
أغلبيتها الخلود في الجحيم، ولو صح هذا الحديث؛ لما قام أبو بكر في وجه مانعي
الزكاة معتبراً إياهم في حالة ردة ... )) إلى آخر كلامه الذي يغني حكايته عن تكلف
الرد عليه؛ لوضوح بطلانه، لا سيما بعد قراءة كلام الشيخ المقبلي المتقدم.
على أن قوله: ((الخلود في الجحيم))؛ ليس له أصل في الحديث، وإنما أورده
الكاتب المشار إليه من عند نفسه؛ ليتخذ ذلك ذريعة للطعن في الحديث، وهو سالم
من ذلك كله كما بيَّنَّا، والحمد لله على توفيقه.
٢٠٥ - (إِذا رأَيْتَ النَّاسَ قَدْ مَرَجَتْ عُهودُهُم، وخَفَّتْ أَماناتُهُم،
وكَانُوا هكذا: وشَبَّكَ بِينَ أَصابِعِهِ. قالَ (الراوي): فقمتُ إِليهِ، فقلتُ
لهُ: كيفَ أَفْعَلُ عندَ ذلكَ جَعَلَني اللهُ فِدَاكَ؟ قالَ: الْزَمْ بِيتَكَ، واملِكْ
عليكَ لِسانَكَ، وخُذْ ما تَعْرِفُ، ودَعْ ما تُنْكِرُ، وعليكَ بِأَمرِ خاصَّةٍ
نفسِكَ، ودَعْ عنكَ أَمرَ العامةِ).
أخرجه أبو داود (٢ / ٤٣٨)، والحاكم (٤ / ٥٢٥)، وأحمد (٢ / ٢١٢)
واللفظ له عن هلال بن خباب أبي العلاء قال: حدثني عبدالله بن عمرو قال:
((بينما نحن حول رسول الله وَالر؛ إذ ذكروا الفتنة، أو ذكرت عنده، قال:
(فذكره))). وقال الحاكم:
((صحيح الإِسناد)). ووافقه الذهبي، وقال المنذري والعراقي:
٤١٤

«سنده حسن)).
نقله المناوي في «الفيض)»، وأقرهما، وهو كما قالا؛ فإن هلالاً هذا فيه كلام
يسير، لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن؛ إلا إذا خولف، وقد توبع على أصل الحديث
كما يأتي .
والحديث عزاه السيوطي للحاكم وحده بهذا اللفظ، وفيه مؤاخذتان :
الأولى: إيهامه أنه لم يخرجه أحد من أصحاب ((السنن)) ولا مَن هو أعلى طبقة
من الحاکم، ولیس کذلك کما هو بیِّنِ.
الثانية: إيهامه أيضاً أن اللفظ للحاكم، وهو لأحمد.
وللحدیث عن ابن عمر ثلاث طرق أخر:
الأول: عن أبي حازم عن عمارة بن عمرو بن حزم عن عبدالله بن عمرو بلفظ:
((كيف بكم ويزمان (أو يوشك أن يأتي زمان) يغربل الناس فيه غربلة، تبقى
حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم، واختلفوا، فكانوا هكذا: وشبك بين
أصابعه ... )) الحديث مثله دون قوله: ((الزم بيتك واملك عليك لسانك)).
أخرجه أبو داود (٢ / ٤٣٧ - ٤٣٨)، وابن ماجه (٢ / ٤٦٧ - ٤٦٨)، والحاكم
(٤ / ٤٣٥)، وأحمد (٢ / ٢٢١). وقال الحاكم:
((صحيح الإسناد)).
ووافقه الذهبي، وهو كما قالا ؛ فإن رجاله ثقات معروفون؛ غير عمارة هذا؛ فقد
وثقه العجلي وابن حبان، وروى عنه جماعة من الثقات.
الطريق الثاني: عن أبي حازم أيضاً عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
مرفوعاً :
((يأتي على الناس زمان يغريَلون فيه غربلة، يبقى منهم حثالة قد مرجت
عهودهم ... )) الحديث مثل الذي قبله .
٤١٥

أخرجه أحمد (٢ / ٢٢٠)، وسنده حسن.
الطريق الثالث: عن الحسن عن عبدالله بن عمرو قال: قال لي رسول الله ريآلات:
((كيف أنت إذا بقيت في حثالة من الناس؟ قال: قلت: يا رسول الله! كيف
ذلك؟ قال: إذا مرجت عهودهم وأماناتهم ... )) الحديث مثله.
أخرجه أحمد (٢ / ١٦٢)، ورجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير أن الحسن
البصري في سماعه من ابن عمرو خلاف، وأيهما كان؛ فهو مدلس، وقد عنعنه.
ومما يلاحظ أن هذه الطرق الثلاث ليس فيها الزيادة التي في الطريق التي قبل
هذه: ((الزم بيتك، واملك عليك لسانك))؛ فالقلب يميل إلى أنها زيادة شاذة؛ لأن
الذي تفرَّد بها - وهو هلال بن خباب - فيه كلام كما سبق؛ فلا يحتج به إذا خالف
الثقات، لكنها ثبتت بأحاديث أخرى؛ فانظر هذه السلسلة (٨٨٨ و١٥٣٥).
نعم؛ قد جاءت هذه الزيادة في حديث أبي ثعلبة الخشني نحو هذا، لكن لآ
يصح إسناده؛ كما بينته في ((الأحاديث الضعيفة)) (رقم ١٠٢٥).
وإن مما يؤيد شذوذها أنني وجدت لحديث ابن عمرو هذا شاهداً من حديث
أبي هريرة مثله، ليس فيه الزيادة، ولفظه :
٢٠٦ - (كيفَ بِكَ يا عبدَاللهِ بنَ عمرٍ و إِذا بَقِيتَ في حُثالَةٍ مِن
النَّاسِ مَرَجَتْ عُهودُهُم وأماناتُهُم، واخْتَلَفوا، فصاروا هكذا: وشَبَّكَ
بينَ أَصابِعِهِ. قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ! ما تَأْمُرُني؟ قالَ: عليكَ
بخاصَّتِكَ، ودَعْ عنكَ عَوامَّهُمْ).
أخرجه الدولابي في ((الكنى)) (٢ / ٣٥)، وابن حبان في ((صحيحه)) (١٨٤٩)،
وأبو عمرو الداني في ((السنن الواردة في الفتن)) (ق ١٦ / ٢)، وابن السماك في ((الأول
من الرابع من حديثه)) (١٠٨) من طريقين عن العلاء بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبي
٤١٦

هريرة قال: قال رسول الله ◌َلو: (فذكره).
قلت: وهذا سند صحيح على شرط مسلم.
وعلَّقه البخاري في ((صحيحه)) (١ / ٥٤٨) من طريق عاصم بن محمد عن
أخيه واقد - وهو ابن محمد بن زيد بن عبدالله بن عمر بن الخطاب - عن أبيه قال:
سمعت أبي وهو يقول: وقال عبدالله: قال رسول الله وصلته :
((يا عبد الله بن عمرو! كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس؟!)).
ووصله إبراهيم الحربي في ((غريب الحديث))، وحنبل بن إسحاق في ((كتاب
الفتن))، وأبو يعلى (ق ٢٦٧ / ٢) من هذا الوجه عن ابن عمر به، مثل حديث أبي
هريرة سواء؛ كما في ((الفتح)) (١٣/ ٣٢)؛ فهو شاهد قوي لحديث أبي هريرة.
وله شاهد آخر من حديث سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله وَالل يوماً
لعبدالله بن عمرو بن العاص: (فذكره).
أخرجه ابن أبي الدنيا في ((الأمر بالمعروف)) (ق ٥٥ / ١)، وابن شاهين في
((جزء من حديثه)) (ق ٢١٠ / ١ - محمودية)، والروياني في ((مسنده)) (ق ٢٠٢ / ١ -
٢)، وابن عدي (٣٦ / ١)، وكذا الطبراني كما في ((الفتح) عن أبي حازم عنه.
وأحد الإِسنادين عن أبي حازم عند ابن شاهين حسن .
وأستدرك الآن فأقول: لكن قد ثبتت هذه الزيادة: ((الزم بيتك ... )) في أحاديث
أخرى، خرَّجتُها فيما يأتي من هذه السلسلة، فانظرها برقم (٨٨٨ و١٥٧٥).
تغييرُ نَّ للأسماءِ القَبِيحَةِ
٥٠ وص
٢٠٧ - (كانَ يُغَيِّرُ الاسمَ القَبيحَ إِلى الاسمِ الحَسَنِ).
أخرجه الترمذي (٢ / ١٣٧)، وابن عدي (٢٤٥ / ٢) عن أبي بكر بن نافع
البصري: حدثنا عمر بن علي المقدمي عن هشام بن عروة عن أبيه، قال مرة: عن
٤١٧

عائشة ثم أوقفه: أن رسول الله وَالر ... الحديث.
سکت عليه المنذري، وقال ابن عدي :
((وهذا قد اختلفوا فيه على هشام بن عروة، فمنهم من أوقفه، ومنهم من أرسله،
ومنهم من قال: ((عائشة))، ومنهم من قال: ((عن أبي هريرة))، ولعمر بن علي هذا
أحادیث حسان، وأرجو أنه لا بأس به)).
قلت: هو في نفسه ثقة، لكنه كان يدلس تدليساً سيئاً جدّاً، بحيث يبدو أنه لا
يُعتدُّ بحديثه حتی لو صرح بالتحديث؛ كما هو مذكور في ترجمته من ((التهذيب))،
ولكنه لم يتفرد به كما يأتي، وبقية رجال الإِسناد ثقات رجال الشيخين؛ غير أبي بكر
ابننافع، واسمه محمد بن أحمد؛ فمن أفراد مسلم.
ومِمَّن تابع المقدمي محمد بن عبدالرحمن الطفاوي عن هشام بن عروة به .
أخرجه ابن عدي (٣٠٠ / ٢)، وقال:
«هذا الحديث ضعيف)).
قلت: بل هو صحيح؛ لما له من المتابعات والشاهد كما يأتي .
والطفاوي هذا قد احتج به البخاري، وفي حفظه ضعف يسير؛ فهو حسن
الحدیث إن شاء الله تعالى.
وقد تابعه شريك بن عبدالله القاضي أيضاً بلفظ:
٢٠٨ - (كَانَ إِذَا سَمِعَ اسماً قَبِيحاً؛ غَيَّرَهُ، فمرَّ على قريةٍ يُقالُ
لها: عَفِرَة، فسمَّاها: خَضِرَة).
أخرجه الطبراني في «المعجم الصغير)) (ص ٧٠) من طريق إسحاق بن يوسف
الأزرق: ثنا شريك به. وقال:
((لم يروه عن شريك إلا إسحاق)).
٤١٨

قلت: وهو ثقة، وكذلك سائر الرواة؛ غير أن شريكاً في حفظه ضعف، لكن
قد توبع في بعضه، أخرجه الطحاوي في ((شرح المعاني)) (٢ / ٣٤٤)، وأبو يعلى (٨
/ ٤٢ / ٤٥٥٦)، والطبراني في ((الأوسط)) (١ / ٣٨ / ١ / ٦٤٠)، والبيهقي في
((الشعب)) (٤ / ٣١٣ / ٥٢٢٨) من طريق عبدة بن سليمان عن هشام بن عروة به
بلفظ :
((أن النبي ◌َّلي مر بأرض تسمى عزرة، فسماها خضرة)).
قلت: وهذا سند صحيح، وهو يدل على أن من أرسله ولم يذكر فيه عائشة؛
أنه قصر.
ولم يتنبه الطبراني للمتابعات المتقدمة، فقال عقب هذا:
((لم يروه عن هشام إلا عبدة)).
وعزاه الهيثمي (٨ / ٥١) لأبي يعلى والطبراني في ((الأوسط))، وقال:
((ورجال أبي يعلى رجال الصحيح)).
وقال في طريق ((المعجم الصغير)):
((ورجاله رجال الصحيح)).
كذا قال، وشريك إنما أخرج له مسلم مقروناً بغيره.
(تنبيه): (عزرة)؛ كذا في الطحاوي بالزاي، وفي ((المجمع)): (عذرة)؛ بالذال
المعجمة، ولعله الصواب .
ثم تبين أنه (غَدِرَة)؛ بفتح الغين المعجمة وكسر الدال المهملة؛ كما قيده في
((النهاية)) وقال :
((كأنها كانت لا تسمح بالنبات، أو تُنبت ثم تسرع إليه الآفة، فشبهت بالغادر
لأنه لا يفي)).
ووقع في ((الأوسط)) (٢٧٠): «عذرة))؛ بالذال المعجمة.
٤١٩

وللحديث شاهد صحيح بلفظ :
٢٠٩ - (كانَ إِذا أَتَاهُ الرَّجُلُ ولهُ اسمٌ لا يُحِبُّهُ؛ حَوَّلَهُ).
أخرجه الخلال في «أصحاب ابن منده)) (ق ١٥٣ / ٢) قال: أخبرنا سعيد بن
يزيد الحمصي : حدثنا محمد بن عوف بن سفيان: حدثنا أبو اليمان: حدثنا إسماعيل
ابن عياش عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد قال: قال عتبة بن عبد السلمي :
(فذكره مرفوعاً).
وأخرجه الطبراني (١٧ / ١١٩ / ٢٩٣) من طريقين آخرين عن أبي اليمان به .
قلت: وهذا سند صحيح، رجاله كلهم ثقات معروفون؛ غير سعيد بن يزيد
الحمصي، والظاهر أنه ابن معيوف الحَجُوري، وهو ثقة كما في ((تاريخ ابن عساكر))
(٧ / ٣٦٨ / ٢)، وإسماعيل بن عياش صحيح الحديث عن الشاميين كما قال
البخاري وغيره، وهذا عنهم. والحديث؛ قال الهيثمي (٨ / ٥٢):
(رواه الطبراني، ورجاله ثقات، وفي بعضهم خلاف)).
قلت: وكأنه يشير إلى ابن عباس، وقد عرفت الجواب.
وهذه بعض الأسماء التي غيرها رسول الله وهو كما جاء في الأحاديث
الصحيحة: بَرَّة، عاصية، حزْن، شهاب، جثامة.
وإليك بعض الأحاديث في ذلك:
٢١٠ - (لا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُم؛ فإِنَّ اللهَ هو أَعْلَمُ بِالبَرَّةِ منكُنَّ
والفاجِرَةِ، سَمِّيها زَيْنَبَ).
أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٨٢١)، وأبو داود (٤٩٥٣) عن محمد
ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن عمرو بن عطاء أنه دخل على زينب بنت أبي
٤٢٠