النص المفهرس
صفحات 381-400
وقال ابن أبي حاتم عن أبيه :
((لا أعلم روى هذا الحديث أحد غير هاشم بن البريد)).
قلت: وهو ثقة، ولا يضره أنه رمي بالتشيع، ولهذا قال البوصيري في ((الزوائد))
(ق ٢٧ / ٢) :
(هذا إسناد حسن)).
قلت: وظاهر الحديث أنه يسير قال ذلك وهو يبول؛ ففيه دليل على جواز الكلام
على الخلاء، والحديث الوارد في أن الله يمقت على ذلك، مع أنه لا يصح من قبل
إسناده؛ فهو غير صريح فيه؛ فإنه بلفظ :
((لا يتناجى اثنان على غائطهما، ينظر كل منهما إلى عورة صاحبه؛ فإن الله
يمقت على ذلك)).
ثم وقفت له على طريق أخرى، فأخرجته في المجلد السابع (رقم ٣١٢٠).
فهذا النص إنما يدل على تحريم هذه الحالة، وهي التحدث مع النظر إلى
العورة، وليس فيه أن التحدث وحده - وإن كان في نفسه مستهجناً - مما يمقته الله
تبارك وتعالى، بل هذا لا بد له من دليل يقتضي تحريمه، وهو شيء لم نجده؛ بخلاف
تحريم النظر إلى العورة؛ فإن تحريمه ثابت في غيرما حديث.
ثم رأيت لحديث الترجمة شاهداً من حديث ابن عمر بهذا اللفظ نحوه.
أخرجه ابن الجارود في ((المنتقى)) (٢٧ - ٢٨) وسنده حسن أيضاً.
ثم رأيته في ((فوائد عبدالباقي بن قانع)) (١٦٠ / ١ - ٢) أخرجه من طريقين عن
نافع عن ابن عمر، ورجالهما ثقات معروفون؛ إلا أن شيخه في الأول منهما محمد بن
عثمان بن أبي شيبة، وفيه كلام، وشيخه في الطريق الأخرى محمد بن عنبسة بن لقيط
الضبي، أورده الخطيب (٣ / ١٣٩)، وساق له هذا الحديث من طريق ابن قانع عنه،
ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، لكنه متابع عند ابن الجارود، فالحديث صحيح .
٣٨١
مِنْ أَدْبِ الطّعامِ
١٩٨ - (مَنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اللهَ في أَوَّلِ طعامِهِ؛ فَلْيَقُلْ حينَ
يذكُرُ: بسمِ اللهِ في أَوَّلِهِ وآخِرِهِ؛ فإِنَّه يستقبلُ طعاماً جديداً، ويمنَعُ
الخبيثَ ما كانَ يُصيبُ منهُ).
رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (١٣٤٠ - موارد)، وابن السني في ((عمل اليوم
والليلة)) (٤٥٣)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٣ / ٧٤ / ١)، و((الأوسط)) (١ /
٢٧٩ / ١ / ٤٧١٣) عن خليفة بن خياط: حدثنا عمر بن علي المقدمي قال: سمعت
موسى الجهني يقول: أخبرني القاسم بن عبدالرحمن بن عبدالله بن مسعود عن أبيه
عن جده قال: قال رسول الله وَل *: (فذكره).
قلت: وهذا سند صحیح، رجاله كلهم ثقات، ولا یضره إن شاء الله تدلیس
المقدمي الآتي الإِشارة إليه تحت الحديث (٢٠٧) مع تصريحه بالتحديث؛ لأن
للحديث شواهد تؤكد صحته، خرجت بعضها في ((الإِرواء)) (١٩٦٥). وانظر:
((الترغيب)) (٣ / ١١٥ -١١٦)، و(المجمع)) (٥ /٢٢ -٢٣).
وموسى الجهني هو ابن عبدالله، ويقال: ابن عبدالرحمن أبو سلمة، ويقال:
أبو عبدالله الكوفي .
والحديث قال الهيثمي (٥ / ٢٣٥):
((رواه الطبراني في ((الأوسط)) و ((الكبير))، ورجاله ثقات)).
قلت: ولأبي سلمة الجهني هذا حديث آخر بهذا الإِسناد؛ إلا أنه جاء فيه مكنّاً
غير مسمى، فخفي حاله على أئمة الحديث، وجهلوه، وصرّح بذلك الحافظ الذهبي
وغيره، فاغتررت بذلك برهة من الزمن، فتوقفت عن تصحيح الحديث المشار إليه،
إلى أن وقفت على حديث الطعام هذا، وأنه من رواية موسى الجهني، ففتح لي طريق
٣٨٢
معرفة أبي سلمة وأنه هو نفسه، فرجعت عن التوقف المشار إليه، ووفّقت لتصحيح
الحدیث والحمد لله الموفق، والحديث هو:
١٩٩ - (مَا أَصابَ أَحداً قَطُّ هَمِّ ولا حَزَنٌ، فقالَ: اللهُمَّ! إِنِّي
عَبْدُكَ، وابنُ عبدِكَ، وابنُ أَمَتِكَ، ناصِيَتِي بيدَِ، ماضٍ فِيَّ حُكْمُكَ،
عَدْلٌ فِيَّ قَضاؤكَ، أَسَلُكَ بِكُلِّ اسمٍ هو لَكَ، سمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَو
عَلَّمْتَهُ أَحداً مِن خَلْقِكَ، أَو أَنْزَلْتَه في كِتابِكَ، أَو استَأَثُرْتَ بِهِ فِي عِلْمٍ
الغَيْبِ عِنْدَكَ؛ أَنْ تَجْعَلَ القُرآنَ رَبِيعَ قَلبِي، ونُورَ صَدْري، وجِلاءَ
حُزْنِي، وذَهابَ هَمِّ؛ إِلَّ أَذْهَبَ اللهُ هَمَّهُ وحُزْنَهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكانَهُ فَرجاً.
قالَ: فقيلَ: يا رسولَ اللهِ! ألا نَتَعَلَّمُها؟ فقالَ: بَلَى: يَنْبَغِي لَمَن سَمِعَها
أَنْ يتعلَّمَها).
رواه أحمد (٣٧١٢)، والحارث بن أبي أسامة في ((مسنده)) (ص ٢٥١ - من
زوائده)، وأبو يعلى (ق ١٥٦ / ١)، والطبراني في ((الكبير)) (٣ / ٧٤ / ١)، وابن
حبان في ((صحيحه)) (٢٣٧٢)، والحاكم (١ / ٥٠٩)؛ من طريق فضيل بن مرزوق:
حدثنا أبو سلمة الجهني عن القاسم بن عبدالرحمن عن أبيه عن عبدالله قال: قال
رسول اللـه ◌َـ: (فذكره). وقال الحاكم:
((حديث صحيح على شرط مسلم، إن سلم من إرسال عبدالرحمن بن عبدالله
عن أبيه؛ فإنه مختلف في سماعه من أبيه)).
وتعقبه الذهبي بقوله :
((قلت: وأبو سلمة لا يُدرى من هو، ولا رواية له في الكتب الستة)).
قلت: وأبو سلمة الجهني ترجمه الحافظ في ((التعجيل)) وقال:
٣٨٣
((مجهول؛ قاله الحسيني. وقال مرة: لا يُدرى مَن هو؟ وهو كلام الذهبي في
((الميزان))، وقد ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وأخرج حديثه في ((صحيحه))، وقرأت
بخط الحافظ ابن عبدالهادي: يحتمل أن يكون خالد بن سلمة. قلت: وهو بعيد؛
لأن خالداً مخزوميٍّ وهذا جهنيٌّ)).
قلت: وما استبعده الحافظ هو الصواب؛ لما سيأتي .
ووافقه على ذلك الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى في تعليقه على ((المسند))
(٥ / ٢٦٧)، وأضاف إلى ذلك قوله:
((وأقرب منه عندي أن يكون هو موسى بن عبدالله أو ابن عبد الجهني، ويكنى
أبا سلمة؛ فإنه من هذه الطبقة)).
قلت: وما استقربه الشيخ هو الذي أجزم به؛ بدليل ما ذكره، مع ضميمة شيء
آخر، وهو أن موسى الجهني قد روى حديثاً آخر عن القاسم بن عبدالرحمن به، وهو
الحديث الذي قبله، فإذا ضمت إحدى الروايتين إلى الأخرى؛ ينتج أن الراوي عن
القاسم هو موسى أبو سلمة الجهني، وليس في الرواة مَن اسمه موسى الجهني؛ إلا
موسى بن عبدالله الجهني، وهو الذي يُكنى بأبي سلمة، وهو ثقة من رجال مسلم،
وكأن الحاكم رحمه الله أشار إلى هذه الحقيقة حين قال في الحديث: ((صحيح على
شرط مسلم ... ))؛ فإن معنى ذلك أن رجاله رجال مسلم، ومنهم أبو سلمة الجهني،
ولا يمكن أن يكون كذلك إلا إذا كان هو موسى بن عبدالله الجهني، فاغتنم هذا
التحقيق؛ فإنك لا تراه في غير هذا الموضع. والحمد لله على توفيقه.
٠
ثم وجدت حديثاً آخر من رواية موسى الجهني يرويه عن مصعب بن سعد عن
أبيه مرفوعاً بلفظ :
((أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة ... )) الحديث. رواه مسلم (٨
/ ٧١).
فهذا مما يؤكد قول الحاكم المتقدم: ((صحيح على شرط مسلم)).
٣٨٤
وعنده حديث ثان قبيل هذا، وهو مخرج في ((الكلم الطيب)) (١٤ / ٥).
بقي الكلام على الانقطاع الذي أشار إليه الحاكم، وأقره الذهبي عليه، وهو
قوله :
((إن سلم من إرسال عبدالرحمن بن عبدالله عن أبيه ... )).
قلت: هو سالم منه؛ فقد ثبت سماعه منه بشهادة جماعة من الأئمة؛ منهم :
سفيان الثوري، وشريك القاضي، وابن معين، والبخاري، وأبو حاتم، وروى
البخاري في ((التاريخ الصغير)) بإسناد لا بأس به عن القاسم بن عبدالرحمن بن عبدالله
ابن مسعود عن أبيه قال :
((لما حضر عبدالله الوفاة؛ قال له ابنه عبدالرحمن: يا أبت! أوصني. قال: ابك
من خطيئتك)).
فلا عبرة بعد ذلك بقول مَن نفى سماعه منه؛ لأنه لا حجة لديه على ذلك إلا
عدم العلم بالسماع، ومن علم حجة على من لم يعلم.
والحديث؛ قال الهيثمي في ((المجمع)) (١٠ / ١٣٦):
((رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح؛ غير
أبي سلمة الجهني، وقد وثقه ابن حبان»!
قلت: وقد عرفت مما سبق من التحقيق أنه ثقة من رجال مسلم، وأن اسمه
موسى بن عبدالله، ولم ينفرد بهذا الحديث، بل تابعه عبدالرحمن بن إسحاق عن
القاسم بن عبدالله بن مسعود به، لم یذکر عن أبيه .
أخرجه البزار في («مسنده)) (٤ / ٣١ / ٣١٢٢)، ومحمد بن الفضل بن غزوان
الضبي في ((كتاب الدعاء)) (ق ٢ / ١ - ٢)، وابن السني في ((عمل اليوم والليلة))
(٣٣٥).
وعبدالرحمن بن إسحاق، وهو أبو شيبة الواسطي، متفق على تضعيفه.
٣٨٥
ثم رأيت الحديث قد رواه محمد بن عبدالباقي الأنصاري في ((ستة مجالس))
(ق ٨ / ١) من طريق الإِمام أحمد، وقال مخرجه الحافظ محمد بن ناصر أبو الفضل
البغدادي :
(«هذا حديث حسن عالي الإِسناد، ورجاله ثقات)).
وللحديث شاهد من حديث فياض عن عبدالله بن زبيد عن أبي موسى رضي
الله عنه قال: قال رسول الله وَالر: (فذكره نحوه). وزاد في آخره:
((فقولوهنَّ، وعلّموهنَّ؛ فإن من قالها التماس ما فيهنَّ؛ أذهب الله عزَّ وجلَّ
حزنه، وأطال فرحه)).
أخرجه ابن السني (٣٤٣) بسند صحيح إلى فياض، وهو ابن غزوان الضبي
الكوفي ؛ قال أحمد:
((ثقة)) .
وشيخه عبدالله بن زبيد هو ابن الحارث اليامي الكوفي؛ قال ابن أبي حاتم (٢
/ ٢ / ٦٢) عن أبيه :
((روى عنه الكوفيون))، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعدیلاً.
قلت: فهو مستور، ومثله يستشهد بحديثه إن شاء الله تعالى.
والحديث قال الهيثمي :
((رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفه)).
قلت: وكأنه يعني عبدالله بن زبيد، وعليه فكأنه لم يقف على ترجمته في
((الجرح والتعديل))، ولو أنه لم يذكر فيه تعديلاً أو تجريحاً؛ فإن العادة أن لا يُقال في
مثله: ((لم أعرفه))؛ كما هو معلوم عند المشتغلين بهذا العلم الشريف.
(تنبيه): وقع في هامش المجمع تعليقاً على الحديث خطأ فاحش، حيث جاء
فيه :
٣٨٦
((قلت (القائل هو ابن حجر): هذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي
من روایة عبدالجليل بهذا الإِسناد؛ فلا وجه لاستدراكه)). ابن حجر.
ووجه الخطإ أن هذا التعليق ليس محله هذا الحديث، بل هو الحديث الذي
في ((المجمع)) بعد هذا؛ فإن هذا لم يروه أحد من أصحاب (السنن)) المذكورين،
وليس في إسناده عبدالجليل، بل هو في إسناد الحديث الآخر، وهو عن أبي بكرة
رضي الله عنه، فأخطأ الناسخ أو الطابع، فربط التعليق بالحديث الأول، وهو للآخر،
وخفي ذلك على الشيخ أحمد شاكر رحمه الله؛ فإنه بعد أن أشار لهذا الحديث ونقل
قول الهيثمي السابق في تخريج الحديث قال:
((وعلق عليه الحافظ ابن حجر بخطه بهامش أصله ... )).
ثم ذكر كلام الحافظ المتقدم!
وجملة القول؛ أن الحديث صحيح من رواية ابن مسعود وحده؛ فكيف إذا
انضم إليه حديث أبي موسى رضي الله عنهما؟!
وقد صححه شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وهذا قد صرَّح بذلك
في أكثر من كتاب من كتبه؛ منها (شفاء العليل)) (ص ٢٧٤)، وأما ابن تيمية؛ فلست
أذكر الآن في أي كتاب أو رسالة ذكر ذلك.
ثم تذكرت أنه أورده في كتابه ((الكلم الطيب)) (رقم ١٢٣) من رواية أحمد وابن
حبان في ((صحيحه)) وأقره.
الصَّلاةُ قبلَ اصْفِرارِ الشَّمْسِ
٢٠٠ - (نَهى عنِ الصَّلاةِ بعدَ العصرِ إِلَّ والشَّمسُ مُرْتَفِعَةٌ).
رواه أبو داود (١ / ٢٠٠)، والنسائي (١ / ٩٧)، وعنه ابن حزم في ((المحلى))
(٣ / ٣١)، وأبو يعلى في ((مسنده)) (١ / ١١٩)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٦٢١
٣٨٧
و٦٢٢)، وابن الجارود في ((المنتقى)) (٢٨١)، والبيهقي (٢ / ٤٥٨)، والطيالسي (١)
/ ٧٥ - من ترتيبه)، وأحمد (١ / ١٢٩ و١٤١)، والمحاملي في ((الأمالي)) (٣ / ٩٥
/ ١)، والضياء في ((الأحاديث المختارة)) (١ / ٢٥٨ و٢٥٩) عن هلال بن يساف عن
وهب بن الأجدع عن علي رضي الله عنه مرفوعاً. وقال ابن حزم:
((وهب بن الأجدع تابع ثقة مشهور، وسائر الرواة أشهر من أن يُسأل عنهم،
وهذه زیادة عدل لا يجوز تركها)).
وصرح ابن حزم في مكان آخر (٢ / ٢٧١) بصحة هذا عن علي رضي الله عنه
ولا شك في ذلك.
ولهذا قال الحافظ العراقي في ((طرح التثريب)) (٢ / ١٨٧)، وتبعه الحافظ ابن
حجر في ((الفتح)) (٢ / ٥٠):
(وإسناده صحیح)).
وأما البيهقي؛ فقد حاد عن الجادة حين قال:
((ووهب بن الأجدع ليس من شرطهما)).
قلت: وهل من شرط صحة الحديث أن يكون على شرط الشيخين؟ أو ليس قد
صحّحا أحاديث كثيرة خارج كتابيهما وليست على شرطهما؟! ثم قال:
((وهذا حديث واحد، وما مضى في النهي عنهما ممتدًّ إلى غروب الشمس
حديث عدد؛ فهو أولى أن يكون محفوظاً)).
قلت: كلاهما محفوظ، وإن كان ما رواه العدد أقوى، ولكن ليس من أصول
أهل العلم ردّ الحديث القوي لمجرد مخالفة ظاهرة لما هو أقوى منه مع إمكان الجمع
بينهما! وهو كذلك هنا؛ فإن هذا الحديث مقيِّد للأحاديث التي أشار إليها البيهقي ؛
کقوله {آل :
((ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس)). متفق عليه.
٣٨٨
فهذا مطلق يقِّده حديث علي رضي الله عنه، وإلى هذا أشار ابن حزم رحمه
الله بقوله المتقدم :
((وهذه زيادة عدل لا يجوز تركها)).
ثم قال البيهقي :
((وقد روي عن علي رضي الله عنه ما يخالف هذا، وروي ما يوافقه)).
ثم ساق هو والضياء في ((المختارة)) (١ / ١٨٥) من طريق سفيان قال: أخبرني
أبو إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي رضي الله عنه قال:
((كان رسول الله وَل يصلي ركعتين في دبر كل صلاة مكتوبة؛ إلا الفجر
والعصر)).
قلت: وهذا لا يخالف الحديث الأول إطلاقاً؛ لأنه إنما ينفي أن يكون النبي
1432ه صلى ركعتين بعد صلاة العصر، والحديث الأول لا يثبت ذلك حتى يعارض
بهذا، وغاية ما فيه أنه يدل على جواز الصلاة بعد العصر إلى ما قبل اصفرار الشمس،
وليس يلزم أن يفعل النبي ◌َّ كل ما أثبت جوازه بالدليل الشرعي كما هو ظاهر.
نعم؛ قد ثبت عن أم سلمة وعائشة رضي الله عنهما أن النبي ◌َّل صلى ركعتين
سنة الظهر البعدية بعد صلاة العصر، وقالت عائشة: إنه #ر داوم عليها بعد ذلك؛
فهذا يعارض حديث علي الثاني، والجمع بينهما سهل، فكلُّ حدث بما علم، ومن
علم حجة على من لم يعلم، ويظهر أن عليّاً رضي الله عنه علم فيما بعد من بعض
الصحابة ما نفاه في هذا الحديث؛ فقد ثبت عنه صلاته وَ ل* بعد العصر.
وذلك قول البيهقي :
((وأما الذي يوافقه ففيما أخبرنا ... )).
ثم ساق من طريق شعبة عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة قال:
(كنا مع علي رضي الله عنه في سفر، فصلى بنا العصر ركعتين، ثم دخل
٣٨٩
فسطاطه وأنا أنظر، فصلى ركعتين)).
ففي هذا أن عليّاً رضي الله عنه عمل بما دل عليه حديثه الأول من الجواز.
وروى ابن حزم (٣ / ٤) عن بلال مؤذن رسول الله وَالله قال:
((لم ينه عن الصلاة؛ إلا عند غروب الشمس)).
قلت: وإسناده صحيح، وهو شاهد قوي لحديث علي رضي الله عنهم.
وأما الركعتان بعد العصر؛ فقد روى ابن حزم القول بمشروعيتهما عن جماعة
من الصحابة، فمن شاء فليرجع إليه .
وما دل عليه الحديث من جواز الصلاة ولو نفلاً بعد صلاة العصر وقبل اصفرار
الشمس هو الذي ينبغي الاعتماد عليه في هذه المسألة التي كثرت الأقوال فيها، وهو
الذي ذهب إليه ابن حزم تبعاً لابن عمر رضي الله عنه كما ذكره الحافظ العراقي وغيره؛
فلا تكن ممَّن تغرُّه الكثرة، إذا كانت على خلاف السنة .
ثم وجدت للحديث طريقاً أخرى عن علي رضي الله عنه بلفظ:
((لا تصلوا بعد العصر؛ إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة)).
أخرجه الإمام أحمد (١ / ١٣٠): حدثنا إسحاق بن يوسف: أخبرنا سفيان عن
أبي إسحاق عن عاصم عن علي رضي الله عنه عن النبي ◌ُّل أنه قال: (فذكره).
قلت: وهذا سند جيد، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير عاصم، وهو
ابن ضمرة السلولي، وهو صدوق؛ كما في ((التقريب))، وصححه ابن خزيمة (٢ /
٢٦٥) .
٠,٠
قلت: فهذه الطريق مما يعطي الحديث قوة على قوة، لا سيما وهي من طريق
عاصم الذي روى عن علي أيضاً أن النبي و چور كان لا يصلي بعد العصر، فادعى
البيهقي من أجل هذه الرواية إعلال الحديث، وأجبنا عن ذلك بما تقدم، ثم تأكدنا
من صحة الجواب حين وقفنا على الحديث من طريق عاصم أيضاً. فالحمد لله على
٣٩٠
توفيقه. ثم وجدت له شاهداً حسناً من حديث أنس، سيأتي برقم (٣١٤).
التَُّ مِنَ الْبَوْلِ
٢٠١ - (مَن حَدَّثَكُمْ أَنَّ النبيَّ ◌ََّ كَانَ يَبولُ قائماً؛ فلا تُصَدِّقوهُ،
ما كانَ يبولُ إِلَّ قاعداً).
أخرجه النسائي (١ / ١١)، والترمذي (١ / ١٧)، وابن ماجه (١ / ١٣٠)،
والطيالسي (١ / ٤٥ - من ترتيبه)؛ كلهم عن شريك عن المقدام بن شريح عن أبيه
عن عائشة قالت: (فذكره). وقال الترمذي :
((حديث عائشة أحسن شيء في الباب وأصح)).
قلت: وهذا ليس معناه تحسين الحديث بله تصحيحه؛ كما هو معروف في
علم المصطلح، وكأن ذلك لضعف شريك القاضي .
ولكنه لم ينفرد به، بل تابعه سفيان الثوري عن المقدام بن شريح به .
أخرجه أبو عوانة في ((صحيحه)) (١ / ١٩٨)، والحاكم (١ / ١٨١)، والبيهقي
(١ / ١٠١)، وأحمد (١ / ١٣٦ و١٩٢ و٢١٣) من طرق عن سفيان به. وقال
الحاكم :
((صحيح على شرط الشيخين)) .
ووافقه الذهبي، وفيه نظر؛ فإن المقدام بن شريح وأباه لم يحتج بهما
البخاري؛ فهو على شرط مسلم وحده.
وقال الذهبي في ((المهذب)) (١ / ٢٢ / ٢):
«سنده صحیح)).
فتبين مما سبق أن الحديث صحيح بهذه المتابعة، وقد خفيت على الترمذي،
٣٩١
.
فلم يصحح الحديث، وليس ذلك غريباً، ولكن الغريب أن يخفى ذلك على غير واحد
من الحفاظ المتأخرين، أمثال العراقي والسيوطي وغيرهما، فأعلَّ الحديث بشريك،
وردا على الحاكم تصحيحه إياه؛ متوهمين أنه عنده من طريقه، وليس كذلك كما
عرفت .
وكنت اغتررت بكلامهم هذا لما وضعت التعليق على ((مشكاة المصابيح))،
وكان تعليقاً سريعاً اقتضته ظروف خاصة، لم تساعدنا على استقصاء طرق الحديث
كما هي عادتنا، فقلت في التعليق على هذا الحديث من ((المشكاة)) (٣٦٥):
((وإسناده ضعيف؛ فيه شريك، وهو ابن عبدالله القاضي، وهو سيىء الحفظ)).
والآن؛ أجزم بصحة الحديث للمتابعة المذكورة، ونسأل الله تعالى أن لا
يؤاخذنا بتقصيرنا .
قلت آنفاً: اغتررنا بكلام العراقي والسيوطي، وذلك أن الأخير قال في ((حاشيته
على النسائي)) (١ / ١٢):
((قال الشيخ ولي الدين (هو العراقي): هذا الحديث فيه لين؛ لأن فيه شريكاً
القاضي، وهو متكلّم فيه بسوء الحفظ، وما قال الترمذي: إنه أصح شيء في هذا
الباب؛ لا يدل على صحته، ولذلك قال ابن القطان: إنه لا يقال فيه: صحيح.
وتساهل الحاكم في التصحيح معروف، وكيف يكون على شرط الشيخين مع أن
البخاري لم يخرج لشريك بالكلية، ومسلم خرج له استشهاداً لا احتجاجاً؟!)).
نقله السيوطي وأقره! ثم تتابع العلماء على تقليدهما؛ كالسندي في حاشيته
على النسائي، ثم الشيخ عُبيدالله الرحماني المباركفوري في ((مرعاة المفاتيح شرح
مشكاة المصابيح)) (١ / ٢٥٣)، وغيرهم.
ولم أجد حتى الآن من نبّه على أوهام هؤلاء العلماء، ولا على هذه المتابعة؛
إلا أن الحافظ رحمه الله كأنه أشار إليها في ((الفتح)) (١ / ٣٨٢) حين ذكر الحديث،
٣٩٢
وقال :
((رواه أبو عوانة في ((صحيحه)) والحاكم)).
فاقتصر في العزو عليهما؛ لأنه ليس في طريقهما شريك؛ بخلاف أصحاب
((السنن))، ولذلك لم يعزه إليهم، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن
هدانا الله. (وانظر الرد على السقاف في المقدمة).
واعلم أن قول عائشة إنما هو باعتبار علمها، وإلا فقد ثبت في ((الصحيحين))
وغيرهما من حديث حذيفة رضي الله عنه قال:
((أتى النبي (وَّ سباطة قوم، فبال قائماً)).
وهو مخرج في «الإِرواء)» (٥٧).
ولذلك؛ فالصواب جواز البول قاعداً وقائماً، والمهم أمن الرشاش، فبأيهما
حصل وجب.
وأما النهي عن البول قائماً؛ فلم يصح فيه حديث؛ مثل حديث: ((لا تبل
قائماً))، وقد تكلمت عليه في ((الأحاديث الضعيفة)) (رقم ٩٣٨).
٢٠٢ - (إِنَّ الشَّمْسَ لَمْ تُحْبَسْ عَلى بَشَرٍ إِلَّ لِيوشَعَ لَيَالِيَ سَارَ إِلى
بيتِ المَقدسِ (وفي روايةٍ: غَزا نَبِيٌّ مِن الأنْبياءِ، فقالَ لقومِهِ: لا
يَتْبَعْنِي رجلٌ قَدْ مَلَكَ بُضْعَ امرأةٍ، وهو يُريدُ أَنْ يَبْنِيَ بها، ولمَّا يَبْنِ
[بها]، ولا آخَرُ قَد بَنِى بُنْياناً، ولمَّا يَرْفَعْ سُقُفَها، ولا آخَرُ قَدِ اشْتَرى
غَنماً أُو خَلِفاتٍ وهو مُنْتَظِرٌ ولادَها). قالَ: فَغَزا، فَأَدْنِى للقَرْيَةِ حِينَ
صلاةِ العصرِ أَو قَرِيباً مِن ذُلكَ (وفي روايةٍ : فَلَقِيَ العَدُوَّ عندَ غَيْبِوبَةِ
الشَّمسِ )، فقالَ للشَّمسِ: أَنتِ مَأْمورةٌ، وأَنَّا مأُمورٌ، اللهُمَّ! احْبِسْها
٣٩٣
عليَّ شيئاً، فُبِسَتْ عليهِ، حتَّى فَتَحَ اللهُ عليهِ، [فَغَنِموا الغَنائمَ]،
قالَ: فَجَمَعُوا ما غَنِمُوا، فأقبلتِ النَّارُ لتَأْكُلَهُ، فَأَبَتْ أَنْ تَطْعَمَهُ، [وكانُوا
إِذا غَنِموا الغنيمَةَ، بَعَثَ اللهُ تعالى عليها النَّارَ فَأَكَلَتْها]، فقالَ: فيكُم
غُلولٌ، فَلْيُبابِعْني مِن كُلِّ قَبِيلِةٍ رَجَلٌ. فبيايَعوهُ، فَلَصِقَتْ یدُ رجلٍ بيدِهِ.
فقالَ: فِيكُمُ الغُلُولُ، فَلْتُبَايِعْنِي قَبِيلَتُكَ. فبايَعَتْهُ. قَالَ: فَلَصِقَتْ بيدِ
رَجلين أو ثلاثةٍ [يدُهُ]، فقالَ: فِيكُمُ الغُلُولُ، أَنْتُمْ غَلَلْتُم. [قالَ: أَجَلْ
قَد غَلَّلْنا صورةَ وجْهِ بقرةٍ مِن ذَهَبٍ]، قالَ: فَأُخْرَجوا لهُ مِثْلَ رأس بقرةٍ
مِن ذهبٍ، قَالَ: فَوَضَعوهُ في المالِ وهُو بالصَّعيدِ، فَأَقْبَلَتِ النَّارُ
فَأَكَلَتْهُ، فلم تَحِلَّ الغَنائمُ لأحدٍ مِن قبلِنا، ذلك بأنَّ اللهَ تباركَ وتَعالى
٤ ٠ ٥٠ج
رأى ضَعْفَنا وعَجْزَنا فَطَيَّيَها لنا. (وفي روايةٍ: فقالَ رسولُ اللهِ عندَ
ذلك: إِنَّ اللهَ أَطْعَمَنا الغنائمَ رحمةً بنا وتَخْفيفاً لِما عَلِمَ مِن ضَعْفِنا)).
هذا حديث صحيح جليل مما حفظه لنا أبو هريرة رضي الله عنه، وله عنه أربع
طرق :
الأولى: قال الإِمام أحمد (٢ / ٣٢٥): ثنا أسود بن عامر: ثنا أبو بكر عن هشام
عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ له: (فذكر الرواية الأولى).
وهكذا أخرجه الطحاوي في ((مشكل الآثار)) (٢ / ١٠) من طريقين آخرين عن
الأسود بن عامر به .
قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات من رجال الشيخين، عدا أبا بكر،
وهو ابن عیاش؛ فإنه من رجال البخاري وحده، وفيه كلام لا ينزل به حديثه عن رتبة
الحسن، وأحسن ما قرأت فيه قول ابن حبان في ترجمته من ((الثقات)) (٢ / ٣٢٤):
٣٩٤
((كان أبو بكر من الحفاظ المتقنين، وكان يحيى بن القطان وابن المديني يسيئان
الرأي فيه، وذلك أنه لما كبر سنه؛ ساء حفظه، فكان يهم إذا روى، والخطأ والوهم
شيئان لا ينفك عنهما البشر، فلو كثر الخطأ حتى كان غالباً على صوابه؛ لاستحق
مجانبة رواياته، فأما عند الوهم يهم، أو الخطأ يخطىء، لا يستحق ترك حديثه بعد
تقدم عدالته وصحة سماعه)).
ثم قال :
((والصواب في أمره مجانبة ما عُلِم أنه أخطأ فيه، والاحتجاج بما يرويه، سواء
وافق الثقات [أو لا]؛ لأنه داخل في جملة أهل العدالة، ومن صحت عدالته؛ لم
يستحق القدح ولا الجرح إلا بعد زوال العدالة عنه بأحد أسباب الجرح، وهذا حكم
كل محدِّث ثقة صحت عدالته وتيقن خطؤه)).
قلت: ولهذا صرح الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) بصحة هذا السند، ثم قال (٦
/ ١٥٤) :
((فإن رجال إسناده محتجُّ بهم في الصحيح)).
وسبقه إلى نحوه الحافظ ابن كثير كما سيأتي، وكذا الذهبي؛ كما في ((تنزيه
الشريعة)) (١ / ٣٧٩).
الطريق الثانية: قال الإِمام أحمد أيضاً (٢ / ٣١٨): ثنا عبدالرزاق بن همام:
ثنا معمر عن همَّام عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ الر: (فذكر أحاديث كثيرة فوق
المائة بهذا الإِسناد، هذا الحديث أحدها، وهي جميعها في ((صحيفة همام بن منبه))
التي رواها أبو الحسن أحمد بن يوسف السلمي عن عبدالرزاق به، وهذا الحديث فيها
برقم (١٢٣).
وقد أخرجه مسلم في «صحيحه» (٥ / ١٤٥) من طريق محمد بن رافع: حدثنا
عبدالرزاق به بالرواية الثانية، واللفظ لمسلم.
٣٩٥
ثم أخرجه هو والبخاري في ((صحيحه)) (٦ / ١٥٤ - ١٥٦، ٩ / ١٩٣ - بشرح
الفتح) عن عبدالله بن المبارك عن معمر به .
الطريق الثالثة: قال الطحاوي (٢ / ١٠ - ١١): حدثنا محمد بن إسماعيل بن
سالم الصائغ: حدثنا عبيدالله بن عمر بن ميسرة (يعني: القواريري): حدثنا معاذ بن
هشام عن أبيه عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة به مثل الرواية الثانية،
وفيها أكثر الزيادات التى جعلناها بين القوسين [].
وهذا سند صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير محمد بن
إسماعيل هذا؛ قال ابن أبي حاتم (٣ / ٢ / ١٩٠):
((سمعت منه بمكة، وهو صدوق)).
وهذه الطريق عزاها الحافظ (٦ / ١٥٥) للنسائي وأبي عوانة وابن حبان
(٤٧٨٧ - إحسان).
الطريق الرابعة: أخرجها الحاكم (٢ / ١٣٩) عن مبارك بن فضالة عن عبيدالله
ابن عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مثل الرواية الثانية، وزاد في آخره:
((فقال كعب: صدق الله ورسوله، هكذا والله في كتاب الله، يعني في التوراة،
ثم قال: يا أبا هريرة! أحدثكم النبي ◌َّير أيَّ نيي كان؟ قال: لا. قال كعب: هو يوشع
ابن نون. قال: فحدثكم أي قرية هي؟ قال: لا. قال: هي مدينة أريحاء)).
وقال الحاكم: ((حديث غريب صحيح)).
ووافقه الذهبي! کذا قالا ، ومبارك بن فضالة مدلس وقد عنعنه؛ فليس إسناده
صحيحاً، بل ولا حسناً.
ومن هذه الطريق رواه البزار أيضاً كما في ((البداية والنهاية)) لابن كثير (١ /
٣٢٤).
ثم إن في هذه الطريق نكارة واضحة، وهي في هذه الزيادة؛ فإن فيها تسميته
٣٩٦ .
النبي بـ (يوشع) موقوفاً على كعب، وهي في الرواية الأولى مرفوعة إلى النبي وما9 .
وفيها تسمية المدينة بـ (أريحا)، وفي الرواية الأولى أنها بيت المقدس، وهذا
هو الصواب.
ومن الغريب أن يغفل الحافظ ابن حجر فيقول في تفسير القرية المذكورة في
رواية «الصحيحين» :
((هي أريحا؛ بفتح الهمزة، وكسر الراء، بعدها تحتانية ساكنة ومهملة مع
القصر(١)، سماها الحاكم في روايته عن كعب)).
فغفل عما ذكرنا من تسميتها بـ (بيت المقدس) في الحديث المرفوع، مع أنه
قد ذكره قبيل ذلك في كتابه وصححه كما نقلته عنه آنفاً.
وقد تنبه لذلك الحافظ ابن كثير؛ فإنه بعد أن نقل عن أهل الكتاب أن حبس
الشمس ليوشع وقع في فتح (أريحا)؛ قال (١ / ٣٢٣):
((فيه نظر، والأشبه - والله أعلم - أن هذا كان في فتح بيت المقدس الذي هو
المقصود الأعظم، وفتح (أريحا) كان وسيلة إليه)).
ثم استدل على ذلك بالرواية الأولى للحديث، ثم قال بعد أن ساقه من طريق
أحمد وحده :
((انفرد به أحمد من هذا الوجه، وهو على شرط البخاري، وفيه دلالة على أن
الذي فتح بيت المقدس هو يوشع بن نون عليه السلام لا موسى، وأن حبس الشمس
(١) وكذا في ((معجم البلدان)) أنه بالقصر، ووقع في ((المستدرك)): ((أريحاء))؛ بالمد كما
سبق، ولعله الأرجح؛ ففي ((القاموس)):
((وأريحاء كزليخاء وكربلاء: بلدة بالشام)). وقال ياقوت:
((هي مدينة الجبارين في الغور من أرض الأردن بالشام، بينها وبين بيت المقدس يوم
للفارس)».
٣٩٧.
كان في فتح بيت المقدس لا أريحا؛ لما قلنا)).
غريب الحديث :
(بُضع امرأة)؛ قال الحافظ:
((بضم الموحدة، وسكون المعجمة، البضع يطلق على الفرج والتزويج
والجماع، والمعاني الثلاثة لائقة هنا، ويطلق أيضاً على المهر وعلى الطلاق)).
(ولما يينِ بها)؛ أي: لم يدخل عليها، لكن التعبير بـ (لما) يشعر بتوقع ذلك.
(خَلِفات)؛ بفتح المعجمة وكسر اللام بعدها فاء خفيفة: جمع (خلفة)، وهي
الحامل من النوق، وقد يطلق على غير النوق.
(احبسها علي شيئاً): هو منصوب نصب المصدر؛ أي: قدر ما تقتضي حاجتنا
من فتح البلد. قال عیاض:
((اختلف في حبس الشمس هنا، فقيل: ردت على أدراجها. وقيل: وقفت.
وقيل: بطئت حركتها. وكل ذلك محتمل، والثالث أرجح عند ابن بطال وغيره)).
قلت: وأيها كان الأرجح؛ فالمتبادر من الحبس أن الغرض منه أن يتمكَّن النبي
يوشع وقومه من صلاة العصر قبل غروب الشمس، وليس هذا هو المراد، بل الغرض
أن يتمكّن من الفتح قبل الليل؛ لأن الفتح كان يوم الجمعة، فإذا دخل الليل؛ دخل
يوم السبت الذي حرم الله عليهم العمل، وهذا إذا صح ما ذكره ابن كثير عن أهل
الكتاب :
((وذكروا أنه انتهى من محاصرته لها يوم الجمعة بعد العصر، فلما غربت
الشمس أو كادت تغرب ويدخل عليهم يوم السبت الذي جعل عليهم وشرع لهم ذلك
الزمان ... والله أعلم)).
ثم رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية في ((منهاج السنة)) (٤ / ١٨٧) قد جزم بمعنى
ما نقلته .
٣٩٨
من فوائد الحديث :
١ - قال المهلب:
((فيه أن فتن الدنيا تدعو النفس إلى الهلع ومحبة البقاء؛ لأن مَن ملك بضع امرأة
ولم يدخل بها أو دخل بها، وكان على قرب من ذلك؛ فإن قلبه متعلق بالرجوع إليها،
ويجد الشيطان السبيل إلى شغل قلبه عما هو عليه، وكذلك غير المرأة من أحوال
الدنيا)).
٢ - قال ابن المنير:
((يستفاد منه الرد على العامة في تقديمهم الحج على الزواج؛ ظنّاً منهم أن
التعفف إنما يتأكد بعد الحج، بل الأولى أن يتعفّف ثم يحج)).
قلت: وقد روي في موضوع الحج قبل الزواج أو بعده حديثان كلاهما عن أبي
هريرة مرفوعاً، ولكنهما موضوعان؛ كما بينته في ((سلسلة الأحاديث الضعيفة)) (رقم
٢٢١ - ٢٢٢).
٣ - وفيه أن الشمس لم تُحْبَس لأحد إلا ليوشع عليه السلام؛ ففيه إشارة إلى
ضعف ما يُروى أنه وقع ذلك لغيره، ومن تمام الفائدة أن أسوق ما وقفنا عليه من ذلك:
أ - ما ذكره ابن إسحاق في ((المبتدأ)) من طريق يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه
أن الشمس حُبست لموسى عليه السلام لما حمل تابوت يوسف وله .
قلت: وهذا موقوف، والظاهر أنه من الإِسرائيليات، وقصة نقل موسى لعظام
يوسف عليهما السلام من قبره في مصر في ((المستدرك)) (٢ / ٥٧١ - ٥٧٢) بسند
صحيح عنه قَّة، وليس فيها ذكر لحبس الشمس.
ب - أنها حبست لداود عليه السلام:
أخرجه الخطيب في ((ذم النجوم)) له من طريق أبي حذيفة وابن إسحاق في
((المبتدا)) بإسناد له عن علي موقوفاً مطولاً. قال الحافظ:
٣٩٩
((وإسناده ضعيف جدّاً، وحديث أبي هريرة المشار إليه عند أحمد أولى؛ فإن
رجال إسناده محتجِّ بهم في الصحيح، فالمعتمد أنها لم تُحْبَس إلا ليوشع)).
جـ ــ أنها حبست لسليمان بن داود عليهما السلام في قصة عرضه للخيل، وقوله
الذي حكاه الله عنه في القرآن: ((ردُّوها علي)).
:
رواه الثعلبي ثم البغوي عن ابن عباس.
قال الحافظ :
((وهذا لا يثبت عن ابن عباس ولا عن غيره، والثابت عن جمهور أهل العلم
بالتفسير من الصحابة ومن بعدهم أن الضمير المؤنث في قوله: ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾(١)
للخيل. والله أعلم)).
د - ما حكاه عياض أن الشمس ردت للنبي وسل# يوم الخندق لما شغلوا عن صلاة
العصر حتى غربت الشمس، فردها الله عليه حتى صلى العصر.
قال الحافظ :
((كذا قال! وعزاه للطحاوي، والذي رأيته في ((مشكل الآثار)) للطحاوي ما
قدمت ذكره من حدیث أسماء)).
قلت: ويأتي حديث أسماء قريباً إن شاء الله تعالى.
وقصة انشغاله لر عن صلاة العصر في ((الصحيحين)) وغيرهما، وليس فيها ذكر
لرد الشمس عليه وَد. انظر: ((نصب الراية)) (٢ / ١٦٤).
هــ ومن هذا القبيل ما ذكره يونس بن بکیر في زياداته في «مغازي ابن إسحاق))
أن النبي وَلّ لما أخبر قريشاً صبيحة الإِسراء أنه رأى العير التي لهم وأنها تقدم مع
شروق الشمس، فدعا الله، فحبست الشمس حتى دخلت العير.
قلت: وهذا معضل، وأما الحافظ فقال:
(١) ص: ٣٣.
٤٠٠