النص المفهرس
صفحات 361-380
ومن العجيب أن النووي بعد أن صرح في ((الأذكار)) بكراهة السلام على
المصلي قال ما نصه :
((والمستحب أن يرد عليه في الصلاة بالإشارة، ولا يتلفظ بشيء)).
أقول: ووجه التعجّب أن استحباب الرد منه؛ يستلزم استحباب السلام عليه،
والعكس بالعكس؛ لأن دليل الأمرين واحد، وهو هذا الحديث وما في معناه، فإذا كان
يدل على استحباب الرد؛ فهو في الوقت نفسه يدل على استحباب الإِلقاء، فلو كان
هذا مكروهاً؛ لبينه رسول الله وَ الر، ولو بعدم الإِشارة بالرد؛ لما تقرَّر أن تأخير البيان
عن وقت الحاجة لا يجوز، وهذا بيِّن ظاهر، والحمد لله.
ومن ذلك أيضاً السلام على المؤذن وقارىء القرآن؛ فإنه مشروع، والحجة ما
تقدم؛ فإنه إذا ثبت استحباب السلام على المصلي؛ فالسلام على المؤذن والقارىء
أولى وأحرى، وأذكر أنني كنت قرأت في ((المسند)) حديثاً فيه سلام النبي ◌َّ على
جماعة يتلون القرآن، وكنت أود أن أذكره بهذه المناسبة وأتكلم على إسناده، ولكنه لم
يتيسر لي الآن .
وهل يردان السلام باللفظ أم بالإِشارة؟ الظاهر الأول؛ قال النووي :
((وأما المؤذن؛ فلا يكره له رد الجواب بلفظ المعتاد؛ لأن ذلك يسير، لا يبطل
الأذان ولا یخل به)).
ومن ذلك تكرار السلام بعد حصول المفارقة، ولو بعد مدة يسيرة؛ لقوله وعليه :
١٨٦ - (إِذا لَقِيَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُسَلِّمْ عليهِ، فإِنْ حَالَتْ بِينَهُما
شَجَرَةٌ أَوْ جِدَارٌ أَوْ حَجَرٌ ثُمَّ لَقِيَّهُ؛ فَلْيُسَلِّمْ عليهِ أيضاً).
رواه أبو داود (٥٢٠٠) من طريق ابن وهب قال: أخبرني معاوية بن صالح عن
أبي موسى عن أبي مريم عن أبي هريرة قال: إذا لقي ... قال معاوية: وحدثني
٣٦١
عبدالوهاب بن بخت عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله وَلقر مثله
سواء .
قلت: وإسناد المرفوع صحيح، رجاله كلهم ثقات، وأما إسناد الموقوف؛ ففيه
أبو موسى هذا، وهو مجهول، وقد أسقطه بعضهم من السند، فرواه عبدالله بن صالح
قال: حدثني معاوية عن أبي مريم عن أبي هريرة به موقوفاً.
أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (١٠١٠)، وعبدالله بن صالح فيه ضعف؛
فلا يحتج به، وخصوصاً عند مخالفته.
لكن قد أخرجه أبو يعلى (٢٩٧ / ١) عنه هكذا، وعنه عن معاوية بن صالح
عن عبدالوهاب بن بخت مثل رواية ابن وهب المرفوعة؛ فهذا أصح .
ثم رأيت المزي قال في ((التحفة)) (١٠ / ١٨٥ - ١٨٦):
((وهو أشبه بالصواب)).
وأَيَّده الحافظ في ((نكته عليه)) برواية ((الأدب المفرد)) التي ذكرتها.
وقد ثبت أن الصحابة كانوا يفعلون بمقتضى هذا الحديث الصحيح، فروى
البخاري في ((الأدب)) (١٠١١) عن الضحاك بن نبراس أبي الحسن عن ثابت عن
أنس بن مالك:
((أن أصحاب النبي ◌ّ كانوا يكونون، فتستقبلهم الشجرة، فتنطلق طائفة منهم
عن يمينها وطائفة عن شمالها، فإذا التقوا؛ سلِّم بعضهم على بعض)).
قلت: والضحاك هذا لين الحديث، لكن عزاه المنذري (٣ / ٢٦٨)،
والهيثمي (٨ / ٣٤) للطبراني في ((الأوسط))، وقالا:
«وإسناده حسن)).
فلا أدري أهو من طريق أخرى أم من هذه الطريق؟ وهو بلفظ:
((كنا إذا كنا مع رسول الله وَله، فتفرق بيننا شجرة، فإذا التقينا؛ يسلم بعضنا
٣٦٢
على بعض)).
ثم رأيته في مصورة ((المعجم الأوسط)) (٢ / ٢٠٥ / ١ / ٨١٥٣ - بترقيمي)
من طريق أخرى عن يزيد بن أبي منصور قال: ثنا أنس بن مالك قال: (فذكره).
وقال:
((لا يروى عن أنس إلا بهذا الإِسناد)).
كذا قال، ويرده ما تقدم ويأتي، وهو إسناد رباعي جيد، وهو في ((عمل اليوم
والليلة)) لابن السني (رقم ٢٤١) من طريق أخرى عن حماد بن سلمة: ثنا ثابت وحميد
عن أنس به .
وهذا سند صحيح .
ويشهد له حديث المسيء صلاته المشهور عن أبي هريرة.
((إن رسول الله * دخل المسجد، فدخل رجل فصلى، ثم جاء فسلم على
رسول الله وَلَه، فردَّ رسول الله وَّ السلام، قال: ارجع فصلِّ فإنك لم تصل. فرجع
الرجل فصلى كما كان صلى، ثم جاء إلى النبي وم طهر، فسلم عليه (فعل ذلك ثلاث
مرات).
أخرجه الشيخان وغيرهما، وبه استدل صديق حسن خان في ((نزل الأبرار)) (ص
٣٥٠ - ٣٥١) على أنه: ((إذا سلم عليه إنسان، ثم لقيه على قرب؛ يسن له أن يسلم
عليه ثانياً وثالثاً)).
وفيه دليل أيضاً على مشروعية السلام على مَن في المسجد، وقد دل على ذلك
حديث سلام الأنصار على النبي ◌َّر في مسجد قباء كما تقدم.
ومع هذا كله نجد بعض المتعصبين لا يعبؤون بهذه السنة، فيدخل أحدهم
المسجد ولا يسلم على مَن فيه؛ زاعمين أنه مكروه، فلعلَّ فيما كتبناه ذكرى لهم
ولغيرهم، والذكرى تنفع المؤمنين .
٣٦٣
تَعلُّمُ لُغَةِ الأجاِبِ وكِتابِهِمْ
١٨٧ - (تعلَّمْ كتابَ اليَهودِ؛ فإِنِّي لا آمَنُهُم على كِتابِنا).
رواه أبو داود (٣٦٤٥)، والترمذي (٢ / ١١٩)، والحاكم (١ / ٧٥) وصححه،
وأحمد (٥ / ١٨٦)، والفاكهي في ((حديثه)) (١ / ١٤ / ٢) واللفظ له؛ كلهم عن
عبدالرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد عن أبيه قال:
((لما قدم النبي ◌ّر المدينة؛ أتي بي إليه، فقرأت عليه، فقال لي: (فذكره).
قال: فما مر بي خمس عشرة؛ حتى تعلمته، فكنت أكتب للنبي وَله، وأقرأ كتبهم
إليه)).
وقال الترمذي :
((حديث حسن صحيح).
قلت: وإسناده حسن، وإنما صححه الترمذي لأن له طريقاً أخرى، وقد قال
الترمذي عقب ذلك:
((وقد روي من غير هذا الوجه عن زيد بن ثابت، رواه الأعمش عن ثابت بن
عبيد الأنصاري عن زيد بن ثابت قال: أمرني رسول الله وعلي أن أتعلم السريانية)).
قلت: وصله أحمد (٥ / ١٨٢)، والحاكم (٣ / ٤٢٢) عن جرير عن الأعمش
به بلفظ :
((قال لي رسول الله وَالر: أتحسن السريانية؟ فقلت: لا. قال: فتعلمها؛ فإنه
يأتينا كتبٌ، فتعلمتها في سبعة عشر يوماً)).
زاد الحاكم :
((قال الأعمش: كانت تأتيه كتب لا يشتهي أن يطلع عليها إلا من يثق به)).
وقال :
٣٦٤
((صحيح إن كان ثابت بن عبيد سمعه من زيد بن ثابت)).
قلت: لا أدري الذي حمل الحاكم على التردُّد في سماع ثابت إياه من زيد،
وهو مولاه، ولم يتَّهم بتدليس! قال ابن حبان في ((الثقات)) (١ / ٦):
«ثابت بن عبيد الأنصاري کوفي یروي عن عمر وزید بن ثابت، روى عنه ابن
سيرين والأعمش، وهو مولی زيد بن ثابت)).
وقد قيل: إن ثابت بن عبيد الأنصاري هو غير ثابت بن عبيد مولى زيد، فرّق
بينهما أبو حاتم في ((الجرح والتعديل)) (١ / ١ / ٤٥٤)، وعزى الحافظ في
((التهذيب)) هذا التفريق إلى ابن حبان أيضاً، وهو وهم، بل ما نقلته عن ابن حبان آنفاً
يدل على عدم التفريق، وهو الذي اعتمده الحافظ في ((التقريب))، وسواء كان هذا أو
ذاك؛ فكلاهما ثقة؛ فالسند صحيح .
والحديث علقه البخاري في ((صحيحه)) فقال:
((وقال خارجة بن زيد بن ثابت عن زيد بن ثابت أن النبي وير أمره أن يتعلم كتاب
اليهود)).
قال الحافظ ابن حجر في ((شرحه)) (١٣ / ١٦١):
((وقد وصله مطولاً في (كتاب التاريخ))).
ثم ذكر ابن حجر الطريق الأخرى التي علقها الترمذي، ثم قال :
((وهذه الطريق وقعت لي بعلو في ((فوائد هلال الحفار))، وأخرجه أحمد
وإسحاق في ((مسنديهما))، وأبو بكر بن أبي داود في ((كتاب المصاحف))، وأبو يعلى،
وعنده: ((إني أكتب إلى قوم فأخاف أن يزيدوا علي وينقصوا، فتعلم السريانية ...
(فذكره)). وله طريق أخرى أخرجها ابن سعد. وفي كل ذلك ردٌّ على من زعم أن
عبدالرحمن بن أبي الزناد تفرد به. نعم؛ لم يروه عن أبيه عن خارجة إلا عبدالرحمن؛
٣٦٥
فهو تفرُّد نسبي، وقصة ثابت يمكن أن تتحد مع قصة خارجة؛ فإن من لازم تعلم كتابة
اليهود تعلم لسانهم، ولسانهم السريانية، لكن المعروف أن لسانهم العبرانية، فيحتمل
أن زيداً تعلم اللسانين لاحتياجه إلى ذلك)).
قلت: وهذا الحديث في معنى الحديث المتداول على الألسنة: ((من تعلم
لسان قوم؛ أمن من مكرهم))، ولكن لا أعلم له أصلاً بهذا اللفظ، ولا ذكره أحد ممَّن
ألف في الأحاديث المشتهرة على الألسنة، فكأنه إنما اشتهر في الأزمنة المتأخرة.
وُجُوبُ نَقْضِ الشّعْرِ فِي غْلِ الحَيْضِ
١٨٨ - (انْقُضِي شعْرَكِ واغْتَسِلي؛ أي: في الحيضِ).
رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١ / ٢٦ / ١): نا وكيع عن هشام عن أبيه
عن عائشة أن النبي ◌َّر قال لها في الحيض: (فذكره).
وأخرجه ابن ماجه (٦٤١) من طريق ابن أبي شيبة وعلي بن محمد قالا: ثنا
وکیع به .
قلت: وهذا سند صحيح على شرط الشيخين، وهو عندهما في أثناء حديث
عائشة في قصة حيضها في حجة الوداع، وأن النبي ◌َّ قال لها:
((انقضي رأسك وامتشطي، وامسكي عن عمرتك ... )) الحديث، وليس فيه :
((واغتسلي))(١)، وهي زيادة صحيحة بهذا السند الصحيح، وسياق الشيخين يقتضيها
ضمناً، وإن لم يصرح بها لفظاً.
ولعل هذا هو وجه استدراك السندي على البوصيري قوله في ((الزوائد)): ((وهذا
إسناد رجاله ثقات)).
(١) انظر: ((نصب الراية)) (١ / ٨٠)، و((الفتح)) (١ / ٣٥٥)، و((نيل الأوطار)) (١ /٢٤٠).
٣٦٦
فقال السندي :
((قلت: ليس الحديث من ((الزوائد))، بل هو في ((الصحيحين)) وغيرهما)).
وأقول: ولكل وجهة؛ فالسندي راعى المعنى الذي يقتضيه السياق كما أشرت
إليه، والبوصيري راعى اللفظ، ولا شك أنه بهذه الزيادة: ((واغتسلي))؛ إنما هو من
الزوائد على الشيخين، ولذلك أورده البوصيري، وتكلم في إسناده ووثقه، وكان عليه
أن يصرِّح بصحته كما فعل المجد ابن تيمية في ((المنتقى)). والله الموفق.
ولا تعارض بين الحديث وبين ما رواه أبو الزبير عن عبيد بن عمير قال:
((بلغ عائشة أن عبدالله بن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن،
فقالت: يا عجباً لابن عمرو هذا؛ يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن! أفلا
يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن؟! لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله وَ لّ من إناء واحد، ولا
أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات)).
أخرجه مسلم (١ / ١٧٩)، وابن أبي شيبة (١ / ٢٤ / ١ -٢)، وعنه ابن ماجه
(٦٠٤)، والبيهقي (١ / ٨١)، وأحمد (٦ / ٤٣).
أقول: لا تعارض بينه وبين هذا لأمرين:
الأول: أنه أصح من هذا؛ فإن هذا وإن أخرجه مسلم؛ فإن أبا الزبير مدلس،
وقد عنعنه .
الثاني: أنه وارد في الحيض، وهذا في الجنابة كما هو ظاهر، فيجمع بينهما
بذلك، فيقال: يجب النقض في الحيض دون الجنابة، وبهذا قال الإِمام أحمد وغيره
من السلف .
وهذا الجمع أولى (١)؛ فقد جاء ما يشهد لهذا الحديث عن أم سلمة قالت:
(١) ثم نمي إلي أن بعضهم قال ما معناه: ((لا وجه لهذا الجمع هنا؛ لأن أمره مليار لعائشة =
٣٦٧
((قلت: يا رسول الله! إني امرأة أشد ضفر رأسي، فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال:
١٨٩ - (لا؛ إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي على رَأْسِكِ ثَلاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ
تُفيضينَ عليكِ فَتَظْهُرِينَ).
رواه مسلم (رقم ١٧٨)، وأصحاب ((السنن)) الأربعة، وأبو علي الحسين بن
محمد اللُّحياني في ((حديثه)) (ق ١٢٣ / ١)، وابن أبي شيبة، والبيهقي (١ / ١٨١)،
وأحمد (٦ / ٢٨٩ و٣١٤ - ٣١٥) من طريق سفيان الثوري وابن عيينة واللفظ له،
وروح بن القاسم وأيوب - وهو السَّخْتِياني - عن أيوب بن موسى عن سعيد بن أبي سعيد
المقبري عن عبدالله بن رافع مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت: (فذكره).
وقد رواه عن الثوري ثقتان: يزيد بن هارون، وعبدالرزاق بن همام، وقد اختلفا
عليه، فالأول رواه كرواية ابن عيينة، والآخر قال في حديثه :
((أفأنقضه للحيضة والجنابة؟)). وهو رواية لمسلم.
فزاد فيه: ((الحيضة))؛ فأرى أنها زيادة شاذة؛ لتفرُّد عبدالرزاق بها عن سفيان.
الثوري دون يزيد بن هارون، ورواية هذا أرجح؛ لموافقتها للفظ ابن عيينة وروح بن
القاسم والسختياني. والله أعلم.
وقد أفاض ابن القيم في ((التهذيب)) (١ / ١٦٧) في بيان شذوذ هذه الزيادة،
فمن أراد التحقق من ذلك؛ فليرجع إليه .
وهنا يحق لي أن أتساءل: ماذا يقول ذاك المصري الغماري الجائر؟ هل تعدَّيت
أنا وابن القيم على الإِمام مسلم بهذا التحقيق العلمي، أم هو المتعدي الجاني؟!
= بالاغتسال لم يكن للتطهر من الحيض؛ لأنها لم تكن قد طهرت منه بعد، وإلا لما أمرها بالإِمساك
عن عمرتها)).
قلت: وهذا حق واضح، جزاه الله خيراً.
٣٦٨
خَطَرُ أَذى الجار
١٩٠ - (لَ خَيْرَ فِيها؛ هِيَ مِن أَهْلِ النَّارِ. يعني: امرأةً تُؤْذِي
جيرانها بلسانِها).
رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (رقم ١١٩)، وابن حبان (٢٠٥٤)، والحاكم
(٤ / ١٦٦)، وأحمد (٢ / ٤٤٠)، وإسحاق بن راهويه (٤ / ٣٦ / ٢)، والبزار
(١٩٠٢ - الكشف)، وأبو بكر محمد بن أحمد المعدل في ((الأمالي)) (٦ / ١ - ٢)
والخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) (١٧٧ / ٣٧٩) من طريق الأعمش قال: حدثنا
أبو يحيى مولى جعدة بن هبيرة قال: سمعت أبا هريرة يقول:
((قيل للنبي وَّر: يا رسول الله! إن فلانة تقوم الليل وتصوم النهار، وتفعل
وتصدق، وتؤذي جيرانها بلسانها! فقال رسول الله وَله: لا خير فيها؛ هي من أهل
النار. قال: وفلانة تصلي المكتوبة وتصدق بأثوار [من الأقط]، ولا تؤذي أحداً. فقال
رسول الله وَر: هي من أهل الجنة)).
قلت: وإسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات معروفون؛ غير أبي يحيى هذا، وقد
بيَّض له الحافظ في ((التهذيب))، فلم يذكر توثيقه عن أحد، وبناء عليه قال في
((التقريب)):
((مقبول))؛ أي: لين الحديث.
وهذا منه عجيب؛ فقد روى ابن أبي حاتم (٤ / ٢ / ٤٥٧) عن ابن معين أنه
قال فيه: ((ثقة))، واعتمده الذهبي في ((الميزان))، فقال أيضاً: ((ثقة))، ويقوِّي ذلك أن
مسلماً أخرج له حديثاً واحداً؛ كما في ((تذهيب الكمال))، ووثقه ابن حبان أيضاً.
والحديث أخرجه ابن أبي شيبة أيضاً كما في ((الترغيب)) (٤ / ٢٣٥) وصحح
إسناده.
(أتوار) بالمثناة: كذا في ((المسند))، جمع (نور) بالمثناة الفوقية: إناء من صُفر.
٣٦٩
وفي ((الأدب)) وغيره: (أثوار) بالمثلثة - وهو الصواب - جمع (ثور)، وهي قطعة من
الأقط، وهو لبن جامد مستحجر؛ كما في ((النهاية)).
١٩١ - (كَانَ يَصومُ في السَّفَرِ ويُفْطِرُ، ويُصلِّي ركعتينِ لا يَدَعُهُما؛
يقولُ: لا يَزِيدُ عليهِما. يعني: الفَريضةَ).
أخرجه الطحاوي (١ / ٣٣٣)، وأحمد (١ / ٤٠٢ و٤٠٧)، والبزار (١ / ٤٧٠
/ ٩٩٢) من طريق حماد عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود مرفوعاً.
قلت: وهذا سند جيد، وهو على شرط مسلم، وحماد هو ابن أبي سليمان
الفقيه، وفيه كلام لا يضر، والحديث صحيح قطعاً بشقيه: أما قصر الصلاة؛ ففيه
أحاديث كثيرة مشهورة عن جماعة من الصحابة، فلا نطيل الكلام بذكرها، وأما الصوم
في السفر؛ فقد بدرت من الصنعاني في ((سبل السلام)) كلمة نفى فيها أن يكون النبي
وَ*ر صام في السفر فرضاً، فقال (٢ / ٣٤):
((ثبت عنه وَّر أنه لم يتم رباعية في سفر، ولا صام فيه فرضاً))!
ولهذا توجهت الهمة إلى ذكر بعض الأحاديث التي تدل على خطأ النفي
المذكور، فأقول:
ورد صومه وَّة في السفر عن جماعة من الصحابة، منهم عبدالله بن مسعود،
وعبدالله بن عباس، وأنس بن مالك، وأبو الدرداء.
١ - أما حديث ابن مسعود؛ فهو هذا.
٢ - وأما حديث ابن عباس؛ فقال أبو داود الطيالسي (١ / ١٩٠): حدثنا
سليمان (وهو ابن معاذ الضبي) عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً بالشطر
الأول منه .
وهذا سند حسن، رجاله رجال مسلم، وقد أخرجه في «صحيحه» (٣ /
٣٧٠
١٤١)، وكذا أحمد (١ / ٢٣٢) من طريق طاوس عن ابن عباس قال:
((لا تَعِبْ على مَن صام، ولا على مَن أفطر، فقد صام رسول الله وَّ في السفر
وأفطر)).
وأخرجه البخاري (٣ / ١٤٦) ومسلم وغيرهما من طريق عبيدالله بن عتبة عن
ابن عباس :
((أن رسول الله وَ ل خرج إلى مكة في رمضان، فصامه حتى بلغ الكديد أفطر،
فأفطر الناس)).
(الكَدِيد)؛ بفتح الكاف: مكان معروف بين عُسْفان وقُدَيْد، وبين الكديد ومكة
مرحلتان، وبينه وبين المدينة عدة أيام؛ كما في ((الفتح)) (٣ / ١٤٧).
وفي رواية للبخاري (٣ / ١٥١)، ومسلم (٣ / ١٤١) من طريق مجاهد عن
طاوس عن ابن عباس قال:
((خرج رسول الله صل# من المدينة إلى مكة، فصام حتى بلغ عسفان، ثم دعا
بماء، فرفعه إلى يده ليراه الناس، فأفطر حتى قدم مكة، وذلك في رمضان، فكان ابن
عباس يقول: قد صام رسول الله و 8* وأفطر، فمن شاء صام، ومن شاء أفطر)).
وأخرجه ابن جرير في «تفسيره)) (٣ / ٤٦٨ / ٢٨٨٣) عن العوام بن حوشب
قال :
((قلت لمجاهد: الصوم في السفر؟ قال: كان رسول الله وَ ل# يصوم فيه ويفطر.
قلت: فأيهما أحب إليك؟ قال: إنما هي رخصة، وأن تصوم رمضان أحب إلي)).
وسنده مرسل صحيح .
٣ - وأما حديث أنس؛ فرواه عنه زياد النميري : حدثني أنس بن مالك قال:
((وافق رسول الله # رمضان في سفره فصامه، ووافقه رمضان في سفر
٣٧١
فأفطره)).
رواه البيهقي (٤ / ٢٤٤)، وزياد هذا هو ابن عبدالله النميري البصري؛
ضعيف، یکتب حديثه للشواهد.
٤ - وأما حديث أبي الدرداء؛ فيرويه الوليد بن مسلم عن سعيد بن عبدالعزيز
عن إسماعيل بن عبيدالله عن أم الدرداء عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال:
(خرجنا مع رسول الله ګ في شهر رمضان في حرِّ شدید؛ حتى إن كان أحدنا
ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله رَيه وعبدالله بن
رواحة)).
أخرجه مسلم (٣ / ١٤٥): حدثنا داود بن رشيد: حدثنا الوليد بن مسلم به .
والوليد بن مسلم وإن كان ثقة؛ فإنه يدلس تدليس التسوية، وقد عنعن الإِسناد
کله .
لكن أخرجه أبو داود في «سننه» (١ / ٣٧٨): حدثنا مؤمل بن الفضل: ثنا
الوليد: ثنا سعيد بن عبدالعزيز ... فساقه مسلسلا بالتحديث في جميع الرواة إلا في
أم الدرداء، فقال: عن أبي الدرداء به؛ إلا أنه قال: ((في بعض غزواته))، ولم يقل:
«في شهر رمضان)) .
وهذا هو الصواب عندي أن حديث أبي الدرداء ليس فيه ((في شهر رمضان))،
وذلك لأمور:
الأول: أن سعيد بن عبدالعزيز وإن كان ثقة؛ فقد كان اختلط قبل موته كما
قال أبو مسهر، وقد اختلف عليه في قوله: ((في شهر رمضان))، فأثبته عنه الوليد بن
مسلم في رواية داود بن رشيد عنه، ولم يثبتها عنه في رواية مؤمل بن الفضل، وهو ثقة،
وتترجّح هذه الرواية عن الوليد بمتابعة بعض الثقات له عليها؛ منهم عمرو بن أبي
سلمة عن سعيد بن عبدالعزيز به بلفظ :
٣٧٢
((كنا مع رسول الله مَّر في السفر ... )).
أخرجه الشافعي في ((السنن)) (١ / ٢٦٩).
ومنهم أبو المغيرة، واسمه عبدالقدوس بن الحجاج الحمصي .
أخرجه أحمد (٥ / ١٩٤) عنه .
فهؤلاء ثلاثة من الثقات لم يذكروا ذلك الحرف ((شهر رمضان))؛ فروايتهم مقدمة
على رواية الوليد الأخرى كما هو ظاهر لا يخفى، ويؤيده الأمر التالي، وهو:
الثاني: أن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قد تابع سعيداً على رواية الحديث عن
إسماعيل بن عبيدالله بتمامه، ولكنه خالفه في هذا الحرف فقال:
((خرجنا مع رسول الله وَ ر في بعض أسفارنا ... )).
أخرجه البخاري (٣ / ١٤٧)، وعبد الرحمن هذا أثبت من سعيد، فروايته عند
المخالفة أرجح، لا سيما إذا وافقه عليها سعيد نفسه في أكثر الروايات عنه كما تقدم .
الثالث: أن هشام بن سعد قد تابعه أيضاً، ولكنه لم يذكر فيه الحرف المشار
إليه .
أخرجه أحمد (٦ / ٤٤٤) عن حماد بن خالد قال: ثنا هشام بن سعد عن عثمان
ابن حيان وإسماعيل بن عبيدالله عن أم الدرداء عن أبي الدرداء به .
وهشام بن سعد ثقة حسن الحديث، وقد احتج به مسلم كما يأتي .
الرابع: أن الحديث جاء من طريق أخرى عن أم الدرداء؛ لم يرد فيه الحرف
المذكور.
أخرجه مسلم (٣ / ١٤٥)، وابن ماجه (١ / ٥١٠)، والبيهقي (٤ / ٢٤٥)،
وأحمد (٥ / ١٩٤) من طرق عن هشام بن سعد عن عثمان بن حيان الدمشقي عن أم
الدرداء به بلفظ :
٣٧٣
((لقد رأيتنا مع رسول الله وَ لي في بعض أسفاره ... )).
وقرن أحمد في رواية له كما تقدم إسماعيل بن عبيدالله مع عثمان بن حيان؛
فقد روى هشام بن سعد الحديث من الطريقين عن أم الدرداء.
قلت: فهذه الوجوه الأربعة ترجّح أن قوله في رواية مسلم: ((في شهر رمضان))؛
شاذ لا يثبت في الحديث.
وقد أوهم الحافظ عبدالغني المقدسي في ((عمدة الأحكام)) حيث أورد الحديث
(رقم ١٨٣) بلفظ مسلم بهذه الزيادة أنها من المتفق عليها بين الشيخين؛ لأنه لم يقل
على الأقل: (واللفظ لمسلم))؛ كما هو الواجب في مثله، ولم أجد من نبَّه على شذوذ
هذه الزيادة، حتى ولا الحافظ ابن حجر، بل إنه ذكرها من رواية مسلم ثم بنى عليها
قوله :
((وبهذه الزيادة يتم المراد من الاستدلال (يعني: على جواز إفطار المسافر في
رمضان)، ويتوجه الرد بها على ابن حزم في زعمه أن حديث أبي الدرداء هذا لا حجة
فيه؛ لاحتمال أن يكون ذلك الصوم تطوعاً)).
فأقول: إن الرد المذكور غير متَّجه بعد أن حقَّقنا شذوذ رواية مسلم شذوذاً لا
يدع مجالاً للشك فيه، ولو أن الحافظ رحمه الله تيسر له تتبّع طرق هذا الحديث
وألفاظه لما قال ما ذكر.
وقد وهم في الحديث الصنعاني في ((العدة)) (٣ / ٣٦٨) وهماً آخر، فقال:
((وهذا الحديث في مسلم لأبي الدرداء، وفي البخاري نسبه لأم الدرداء)).
والصواب أن الحديث عند البخاري كما هو عند مسلم من مسند أبي الدرداء،
لكنهما أخرجاه من طريق أم الدرداء عنه .
هذا؛ وإنما يتجه الرد على ابن حزم بالأحاديث الأخرى التي سقناها عن جماعة
من الصحابة، وكذلك يُرَدُّ عليه بالحديث الآتي :
٠
٣٧٤
١٩٢ - (هي رخصةٌ (يعني: الفِطْرَ في السَّفَرِ) مِن اللهِ، فَمَن أَخَذَ
بها فحَسَنٌ، ومن أحبَّ أَن يصومَ؛ فلا جُناحَ عليهِ).
رواه مسلم (٣ / ١٤٥)، والنسائي (١ / ٣١٧)، والبيهقي (٤ / ٢٤٣) من
طريق أبي مراوح عن حمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله عنه أنه قال:
((يا رسول الله! أجد بي قوة على الصيام في السفر؛ فهل علي جناح؟ فقال
رسول الله ◌َ *: (فذكره))).
قال مجد الدين ابن تيمية في ((المنتقى)):
((وهو قوي الدلالة على فضيلة الفطر)).
قلت: ووجه الدلالة قوله في الصائم: ((فلا جُناح عليه))؛ أي: لا إثم عليه؛
فإنه يُشْعِر بمرجوحيَّة الصيام كما هو ظاهر، لا سيما مع مقابلته بقوله في الفطر:
((فحسن))، لكن هذا الظاهر غير مراد عندي، والله أعلم، وذلك لأن رفع الجُناح في
نصِّ ما عن أمر ما لا يدل إلا على أنه يجوز فعله وأنه لا حرج على فاعله، وأما هل هذا
الفعل مما يُثاب عليه فاعله أو لا؛ فشيء آخر، لا يمكن أخذه من النص ذاته، بل من
نصوص أخرى خارجة عنه، وهذا شيء معروف عند تتبّع الأمور التي ورد رفع الجناح
عن فاعلها، وهي على قسمين:
أ - قسمٌ منها يُراد بها رفع الحرج فقط، مع استواء الفعل والترك، وهذا هو
الغالب، ومن أمثلته قوله {ێتر :
١٩٣ - (خَمْسٌ مِنَ الدَّوابِّ ليس عَلى المُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُناحٌ:
الغُرابُ، والحِدَأَّةُ، والفَأْرَةُ، والعَقْرَبُ، والكَلْبُ العَقورُ).
أخرجه الشيخان، ومالكٌ، وأصحاب ((السنن)) الأربعة إلا الترمذي، والدارمي
(٢ / ٣٦)، والبيهقي، وأحمد (٢ / ٨ و٣٢ و٣٧ و٤٨ ٥٢ ٥٤ و٦٥ و٨٢ ١٣٨)
٣٧٥
من طرق عن ابن عمر مرفوعا به .
ومن الواضح أن المراد من رفع الجناح في هذا الحديث هو تجويز القتل، ولا
يفهم منه أن القتل مستحبُّ أو واجب أو تركه أولى .
ب - وقسم يراد به رفع الحرج عن الفعل، مع كونه في نفسه مشروعاً له فضيلة،
بل قد يكون واجباً، وإنما يأتي النص برفع الحرج في هذا القسم دفعاً لوهم أو زعم
مَن قد يظن الحرج في فعله، ومن أمثلة هذا ما روى الزهري عن عروة قال :.
((سألت عائشة رضي الله عنها، فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا
والمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عليهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بهما﴾(١)؛
فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة! قالت: بئس ما قلت يا ابن
أختي! إن هذه لو كانت كما أولتها عليه كانت: لا جناح عليه أن لا يطوّف بهما! ولكنها
أنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يُهلُّون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند
المشلّل(٢)، فكان من أهلَّ يتحرَّج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا؛ سألوا
رسول الله وَ﴿ عن ذلك؛ قالوا: يا رسول الله! إنا كنا نتحرَّج أن نطوف بالصفا
والمروة، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا والمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا
جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهما﴾(١)، قالت عائشة رضي الله عنها: وقد سن رسول الله وَيّ
الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما)).
أخرجه البخاري (١ / ٤١٤)، وأحمد (٦ / ١٤٤ و٢٢٧).
إذا تبيَّن هذا؛ فقوله وَّ في الحديث: ((ومن أحب أن يصوم؛ فلا جناح عليه))؛
لا يدل إلا على رفع الإِثم عن الصائم، وليس فيه ما يدل على ترجيح الإفطار على
الصيام .
(١) البقرة: ١٥٨.
(٢) هي الثنية المشرفة على (قُدَيْد)، و(قُدَيْد): قرية جامعة بين مكة والمدينة كثيرة المياه .
٣٧٦
ولكن؛ إذا كان من المعلوم أن صوم رمضان في السفر عبادة؛ بدليل صيامه وَجلد
فيه؛ فمن البدهي حينئذ أنه أمر مشروع حسن، وإذا كان كذلك؛ فإن وصف الإِفطار
في الحديث بأنه حسن لا يدل على أنه أحسن من الصيام؛ لأن الصيام أيضاً حسن
كما عرفت، وحينئذ؛ فالحديث لا يدل على أفضليَّة الفطر المدَّعاة، بل على أنه
والصيام متماثلان .
ويؤكد ذلك حديث حمزة بن عمرو من رواية عائشة رضي الله عنها: أن حمزة
ابن عمرو الأسلمي سأل رسول الله * فقال: يا رسول الله! إني رجل أسرد الصوم،
فأصوم في السفر؟ قال :
١٩٤ - (صُمْ إِنْ شِئْتَ، وأَقْطِرْ إِنْ شئتَ).
أخرجه الشيخان، وغيرهما من أصحاب الستة، وابن أبي شيبة (٢ / ١٥٠ /
١)، وعنه أبو حفص الكناني في ((الأمالي)) (١٧ / ١).
قلت: فخيَّره وَّ بين الأمرين، ولم يفضل له أحدهما على الآخر، والقصة
واحدة، فدل على أن الحديث ليس فيه الأفضلية المذكورة.
ويقابل هذه الدعوى قول الشيخ علي القاري في ((المرقاة)) إن الحديث دليل
على أفضلية الصوم، ثم تكلف في توجيه ذلك.
والحق أن الحديث يفيد التخيير لا التفضيل، على ما ذكرناه من التفصيل.
نعم؛ يمكن الاستدلال لتفضيل الإفطار على الصيام بالأحاديث التي تقول:
((إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته (وفي رواية: كما يحب أن
تؤتی عزائمه))).
وهذا لا مناص من القول به، لكن يمكن أن يقيَّد ذلك بمن لا يتحرج بالقضاء،
وليس عليه حرج في الأداء، وإلا عادت الرخصة عليه بخلاف المقصود. فتأمل.
٣٧٧
وأما حديث ((من أفطر (يعني: في السفر) فرخصة، ومن صام فالصوم أفضل))؛
فهو حديث شاذ لا يصح، والصواب أنه موقوف على أنس؛ كما بينته في ((الأحاديث
الضعيفة)) (رقم ٩٣٦)، ولو صح؛ لكان نصّاً في محل النزاع لا يقبل الخلاف،
وهيهات؛ فلا بد حينئذ من الاجتهاد والاستنباط، وهو يقتضي خلاف ما أطلقه هذا
الحديث الموقوف، وهو التفصيل الذي ذكرته. والله الموفق.
١٩٥ - (مَا مِنْ مُؤمِنٍ يُعَزِّي أَخاهُ بِمصيبَةٍ؛ إِلَّ كَساهُ اللهُ سُبحانَهُ
مِنْ حُلَلِ الكَرامةِ يومَ القِيامَةِ).
أخرجه ابن ماجه (١٦٠١)، والبيهقي (٤ / ٥٩) من طريق قيس بن أبي عمارة
مولی الأنصار قال: سمعت عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم يحدث
عن أبيه عن جده عن النبي 18 أنه قال: (فذكره).
قلت: قال البوصيري في ((زوائد ابن ماجه)) (٢ / ٥٠ -٥١ - دار العربية):
((هذا إسناد فيه مقال، قيس أبو عمارة، ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال
الذهبي في ((الكاشف)): ((ثقة))، وقال البخاري: ((فيه نظر))، وباقي رجال الإِسناد على
شرط مسلم، رواه ابن أبي شيبة في ((مسنده)) هكذا وعبد بن حميد)).
قلت: وهو كما قال، وما ذكره عن البخاري هو في ((تاريخه الصغير)) (ص
١٨٠) دون ((الكبير)) (٤ / ١ / ١٥٦)، وحكاه عنه العقيلي في ((الضعفاء)) (٣ /
٤٦٨)، وساق له حدیثین، وقال:
((لا يُتابع عليهما، ورُويا بإسناد أصلح من هذا)).
والحديثان المشار إليهما أحدهما في عيادة المريض، والآخر فيمن هو أولى
بالشفاعة، وأما قول الحافظ في ((التهذيب)):
((أحدهما الذي أخرجه ابن ماجه في التعزية بالميت))؛ يعني هذا؛ فوهم.
٣٧٨
وذكر أنه روى عن المترجم ثلاثة، وفاته رابع، وهو إسحاق بن محمد بن
عبدالرحمن المسيبي، وهو صاحب حديث الشفاعة عند العقيلي، وكل هؤلاء الرواة
الأربعة ثقات.
ولذلك وجدت نفسي قد عزفت عن قول الحافظ في ((التقريب)): ((فيه لين))
- وذلك بعد أن كنت اعتمدته في هذا الحديث، فأوردته في ((الضعيفة)) برقم
(٦١٠) -، وملت إلى توثيق ابن حبان إياه (٩ / ١٥)؛ لأن قول البخاري المتقدم:
((فيه نظر)) جرح غير مفسَّر، وقد قاله في الحديث الأول حديث العيادة كما أفاده
العقيلي .
ومع أن هذا الحديث قد جاء من طريق آخر كما تقدم في كلام العقيلي - انظر:
((الترغيب)) (٤ / ١٦٢ - ١٦٤) -؛ فقد تعقب ابن عدي في ((الكامل)) (٦ / ٢٠٧٠)
قول البخاري المذکور بقوله :
((وهذا الذي أشار إليه البخاري إنما هو حديث واحد، ولا يتبيَّن الضعف في
الرجل إذا كان له حدیث واحد)).
قلت: وهذا نقد سليم جيد، ولكن الرجل له أكثر من حديث واحد؛ فقد ذكر
العقيلي اثنين منها كما سبق، وحديث الترجمة حديث ثالث، وله شاهد كنت خرجته
في ((الإِرواء)) تحت هذا الحديث (٣ / ٢١٧)؛ فحديثه معروف غير مستنكر، فإذا
انضمَّ إلى ذلك رواية الثقات الأربعة عنه؛ اطمأنت النفس إلى توثيق ابن حبان له،
وصحة حديثه الذي لم يخالَف فيه، ولعل هذا هو الذي حمل الذهبي على توثيقه في
((كاشفه)). والله أعلم.
مِنَ الأَذْكَارِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ
١٩٦ - (كَانَ يَقولُ في دُبُر كُلِّ صَلاةٍ مكتوبةٍ [حينَ يُسلِّمُ]: لا إِلهَ
إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ، لا شريكَ لهُ، لَهُ الملكُ، ولهُ الحمدُ، وهُو على كُلِّ
١٣٧٩
شيءٍ قَديرٌ، اللهُمَّ! لا مانِعَ لِما أَعْطَيْتَ، ولا مُعْطِيَ لِمَا مَتَعْتَ، ولا
يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ).
رواه البخاري (٢ / ٢٦٤ - ٢٦٥)، ومسلم (٢ / ٩٥)، وأبو داود (١ / ٢٣٦)،
والنسائي (١ / ١٩٧)، وابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (رقم ١١٢)، وأحمد (٤
/ ٢٤٥ و٢٤٧ و٢٥٠ و٢٥١ ٢٥٤ و٢٥٥) من طريق وراد كاتب المغيرة بن شعبة قال:
((أملى عليَّ المغيرة بن شعبة في كتاب إلى معاوية أن النبي وَّ (فذكره)).
وهذا إسناد صحيح، وحديث معروف بالصحة، وقد كنت خرجته هنا لزيادات
كنت التقطتها من بعض الروايات وأضفتها إلى متن الحديث بين معكوفات في
الطبعات السابقة، وهي في الغالب طبق الأولى منها؛ لأنها صورة عنها، ثمَّ تبيَّن لي
أنها شاذَّة فحذفتها ونقلتها إلى ((الضعيفة)) (رقم ٥٥٩٨).
وفي الحديث مشروعية هذا الذكر بعد السلام من الفريضة، وقد حرم فضله من
ذهب إلى عدم مشروعية الزيادة على قوله: ((اللهم! أنت السلام ... )) إلخ عقب
الفرض، وأن ما سواه من الأوراد إنما تُقال عَقِب السنة البعدية! وفي هذا الحديث رد
صريح عليهم لا يقبل الرد، ومثله الحديث المتقدم برقم (١٠٢).
مِنْ ادَب الخلاء
ءَ.
١٩٧ - (إذا رَأَيْتَني على مِثْلِ هذه الحالةِ؛ فلا تُسَلَّمْ عليَّ؛ فإِنَّكَ
W
إِذا فعلتَ ذلك؛ لم أُردَّ عليكَ).
رواه ابن ماجه (١ / ١٤٥ - ١٤٦)، وابن أبي حاتم في ((العلل)) (١ / ٣٤) عن
عيسى بن يونس عن هشام بن البريد عن عبدالله بن محمد بن عقيل عن جابر بن
عبدالله: ((أن رجلًا مرَّ على النبي وَلّ وهو يبول، فسلّم عليه، فقال رسول الله
وَ لخير :... )) الحديث.
٣٨٠