النص المفهرس

صفحات 321-340

مَنْ هُوَ الرَّحِيُ؟
١٦٧ - (والَّذِي نَفْسي بيدِهِ؛ لا يَضَعُ اللهُ رَحْمَتَهُ إِلَّ عَلَى رَحيمٍ.
قالوا: كُلُنا يَرْحَمُ. قالَ: ليسَ برحمةِ أُحدِكُم صاحبَهُ؛ يرحمُ النَّاسَ
كافَّةً) .
رواه هنَّاد في ((الزهد)) (١٣٢٥)، وأبو يعلى في ((مسنده)) (٧ / ٢٥٠)،
والطبراني في ((مكارم الأخلاق)) (٥١ / ٤٠)، والحافظ العراقي في المجلس ٨٦ من
((الأمالي)) (٧٧ / ٢) من طريق محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن سنان
ابن سعد عن أنس بن مالك مرفوعاً. وقال الحافظ :
((هذا حديث حسن غريب، وسنان بن سعد؛ قيل فيه: سعد بن سنان، وقيل:
سعيد بن سنان، وثقه ابن معين وابن حبان، وقال: حدث عنه المصريون، وهم
يختلفون فيه، وأرجو أن يكون الصحيح سنان بن سعد)). قال:
«وقد اعتبرت حديثه، فرأيت ما روي عن سنان بن سعد يشبه أحاديث الثقات،
وما روي عن سعد بن سنان وسعيد بن سنان فيه المناكير، كأنهما اثنان، ولم يكتب
أحد حديثه؛ لاضطرابهم في اسمه. وقال النسائي: منكر الحديث. قلت: ولم ينفرد
به سنان، بل تابعه عليه أخشن السدوسي عن أنس رويناه في ((كتاب الأدب)) للبيهقي
بلفظ: ((لا يدخل الجنة منکم إلا رحیم. قالوا: يا رسول الله! کلنا رحیم. قال: ليس
رحمة أحدكم نفسه وأهل بيته حتى يرحم الناس))(١). وأخشن هذا ذكره ابن حبان في
((الثقات))(٢)، وقد أورد الرافعي في ((أماليه)) من حديث ثوبان مرفوعاً: ((إن أرفعكم
درجة في الجنة أشدكم رحمة للعامة))، فلم أستحسن إيراده في الإِملاء؛ لأن فيه
خمسة رجال على الولاء؛ ما بين ضعيف وكذاب ومجهول؛ فإنه من رواية خالد بن
(١) ((الأدب)) (رقم ٤٤).
(٢) (٤ / ٦١)، وهو مجهول كما قال الحسيني.
٣٢١
١

الهياج بن بسطام عن أبيه عن الحسن بن دينار عن الخصيب بن جحدر عن النضر
- وهو ابن شفي - عن أبي أسماء عن ثوبان. والحسن بن دينار والخصيب متهمان
بالكذب، فذكرت بدله حديث أنس المتقدم)».
قلت: وقد وجدت له شاهداً مرسلاً جيداً، أخرجه ابن المبارك في ((الزهد))
(٢٠٣ / ١): أنبأ إسماعيل بن إبراهيم: ثنا يونس عن الحسن مرفوعاً به.
الَّحْذِيُرُ مِنْ تَرْكِ كَلِمَةِ الحَقِّ
١٦٨ - (لا يَمْنَعَنَّ رَجُلاًّ هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقولَ بحقٌّ إِذا عَلِمَهُ [أَو
شَهدَهُ أو سمِعَهُ]).
أخرجه الترمذي (٢ / ٣٠)، وابن ماجه (٤٠٠٧)، والحاكم (٤ / ٥٠٦)،
والطيالسي (٢١٥٦)، وأحمد (٣ / ١٩ و٥٠ و٦١)، وأبو يعلى (ق ٧٢ / ١)،
والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (ق ٧٩ / ٢) من طريق علي بن زيد بن جدعان
القرشي عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً به. وقال الترمذي:
«حدیث حسن صحیح)).
وقال الحاكم :
((علي بن زيد لم يحتج به الشيخان)).
قال الذهبي :
((قلت: هو صالح الحدیث».
وأقول: الصواب فيه أن العلماء اختلفوا، والأرجح أنه ضعيف، وبه جزم
الحافظ في ((التقريب))، ولكنه ضُعِّف بسبب سوء الحفظ، لا تُهمةً في نفسه؛ فمثله
يحسن حديثه أو يصحح إذا توبع. وهذا الحديث لم يتفرد به عن أبي نضرة، بل قد
تابعه عليه جماعة :
٣٢٢

الأول: أبو سلمة أنه سمع أبا نضرة به.
أخرجه أحمد (٣ / ٤٤)، وابن عساكر (٧ / ٩١ / ٢) وسمى أبا سلمة سعيد
ابن زيد، ولم أعرفه، والظاهر أن هذه التسمية وهم من بعض رواته؛ فإني لم أجد فيمن
يكنى بأبي سلمة أحداً بهذه الاسم، ولا في ((الكنى)) للدولابي؛ فالأقرب أنه عبّاد بن
منصور الناجي البصري القاضي؛ فإنه من هذه الطبقة، ومن الرواة عنه شعبة بن
الحجاج، وهو الذي روى عنه هذا الحديث، فإذا صح هذا؛ فالسند حسن بما قبله؛
فإن عباداً هذا فيه ضعف مِن قبل حفظه أيضاً.
الثاني: المستمر بن الريان الإِيادي : ثنا أبو نضرة به .
أخرجه الطيالسي (٢١٥٨)، وأحمد (٣ / ٤٦ - ٤٧)، وأبو يعلى في («مسنده))
(٧٨ / ٢، ٨٣ /١).
والمستمر هذا ثقة من رجال مسلم، وكذلك سائر الرواة؛ فهو سند صحيح على
شرط مسلم .
الثالث: التيمي : ثنا أبو نضرة به؛ إلا أنه قال:
((إذا رآه أو شهده أو سمعه. فقال أبو سعيد: وددت أني لم أكن سمعته، وقال
أبو نضرة: وددت أني لم أكن سمعته)).
أخرجه أحمد (٣ / ٥٣): حدثنا يحيى عن التيمي به.
قلت: وهذا سند صحيح أيضاً على شرط مسلم، والتيمي اسمه سليمان بن
طرخان، وهو ثقة احتج به الشيخان .
الرابع : قتادة: سمعت أبا نضرة به، وزاد:
((فقال أبو سعيد الخدري: فما زال بنا البلاء حتى قصرنا، وإنا لنبلغ في السر».
أخرجه الطيالسي (٢١٥١): حدثنا شعبة عن قتادة به، وأحمد (٣ / ٩٢)، وابن
حبان (١٨٤٢)، والبيهقي (١٠ / ٩٠) من طريقين آخرين عن شعبة، وفي رواية عنده
٣٢٣

(٣ / ٨٤): ثنا يزيد بن هارون: أنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن رجل
عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً به. قال شعبة: فحدثت هذا الحديث قتادة، فقال: ما
هذا؟ عمرو بن مرة عن أبي البختري عن رجل عن أبي سعيد! حدثني أبو نضرة به إلا
أنه قال:
((إذا شهده أو علمه. قال أبو سعيد: فحملني على(١) ذلك أني ركبت إلى معاوية
فملأت أذنيه، ثم رجعت. قال شعبة: حدثني هذا الحديث أربعة نفر عن أبي نضرة
قتادة وأبو سلمة [و](٢) الجريري ورجل آخر)).
قلت: وهذا سند صحیح أيضاً، وقد تابعه خالد بن عبدالله عن الجريري به.
أخرجه ابن حبان (١٨٤٣)، وسنده صحيح أيضاً.
وللحديث طريق أخرى يرويه المعلّى بن زياد القُردوسي عن الحسن عن أبي
سعيد به بلفظ :
((إذا رآه أو شهد؛ فإنه لا يقرب من أجل، ولا يباعد من رزق، أو يقول بحق،
أو يذكر بعظيم)).
أخرجه أحمد (٣ / ٥٠ و٨٧)، وأبو يعلى (٨٨ / ١ - ٢)، وصرح الحسن
بالتحدیث عنده؛ فهو صحيح الإِسناد.
ثم رواه أحمد (٣ / ٧١) من طريق علي بن زيد عن الحسن عنه به؛ دون
الزيادة .
ورجال هذه الطريق ثقات، لولا أن الحسن مدلس، وقد عنعنه، ومع ذلك؛ فلا
بأس بها في الشواهد.
(١) كذا الأصل، ولعل حرف (على) زائد من بعض النساخ.
(٢) ساقط من الأصل، وإثباته ضروري، وإلا كان النفر ثلاثة، والجريري هو سعيد بن
إياس، وهو مكثر عن أبي نضرة.
٣٢٤

والحديث أورده السيوطي في ((الجامع الكبير)) من رواية أحمد وعبد بن حميد
وأبي يعلى والطبراني في ((الكبير)) وابن حبان والبيهقي عن أبي سعيد، وابن النجار عن
ابن عباس، وأورده (١ / ٢٩٣ / ١) عن أبي يعلى عن أبي سعيد بالزيادة.
((فإنه لا يقرب من أجل، ولا يبعد من رزق)).
ففاته أنها في ((مسند أحمد)) كما ذكرنا، كما فاته كون الحديث في الترمذي وابن
ماجه و ((المستدرك))!
وفي الحديث: النهي المؤكد عن كتمان الحق خوفاً من الناس، أو طمعاً في
المعاش، فكل من كتمه مخافة إيذائهم إياه بنوع من أنواع الإِيذاء؛ كالضرب والشتم
وقطع الرزق، أو مخافة عدم احترامهم إياه، ونحو ذلك؛ فهو داخل في النهي ومخالف
للنبي وَّ، وإذا كان هذا حال من يكتم الحق وهو يعلمه؛ فكيف يكون حال من لا
يكتفي بذلك، بل يشهد بالباطل على المسلمين الأبرياء، ويتهمهم في دينهم
وعقيدتهم؛ مسايرة منه للرعاع، أو مخافة أن يتهموه هو أيضاً بالباطل إذا لم يسايرهم
على ضلالهم واتهامهم؟! فاللهم ثبتنا على الحق، وإذا أردت بعبادك فتنة؛ فاقبضنا
إلیك غیر مفتونین .
الخُطْبَةُ الجَذْمَاءُ
١٦٩ - (كُلَّ خُطبةٍ ليس فيها تشهُّدٌ؛ فهي كاليدِ الجَذْماءِ).
أخرجه البخاري في ((التاريخ)) (٤ / ١ / ٢٢٩)، وأبو داود (٤٨٤١)، وابن
:
حبان (٥٧٩ و١٩٩٤)، والبيهقي (٣ / ٢٠٩)، وأحمد (٢ / ٣٠٢ و٣٤٣)، والحربي
في ((غريب الحديث)) (٥ / ٨٢ /١)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٩ / ٤٣) من طرق
عن عبد الواحد بن زياد: ثنا عاصم بن كليب عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً.
ثم روى البيهقي عن أبي الفضل أحمد بن سلمة: سمعت مسلم بن الحجاج
يقول: لم يروِ هذا الحديث عن عاصم بن كليب إلا عبدالواحد بن زياد، فقلت له:
٣٢٥

حدثنا أبو هشام الرفاعي : ثنا ابن فضيل عن عاصم به. فقال مسلم: إنما تكلم يحيى
ابن معين في أبي هشام بهذا الذي رواه عن ابن فضيل.
قال البيهقي :
((عبد الواحد بن زياد من الثقات الذين يُقبل منهم ما تفرَّدوا به)).
قلت: وهو ثقة، في حديثه عن الأعمش وحده مقال، وقد احتجَّ به الشيخان،
فليس هذا من روايته عن الأعمش؛ فهو حجة، وبقية رجال الإِسناد ثقات؛ فالسند
صحيح .
على أن متابعة أبي هشام الرفاعي - واسمه محمد بن يزيد بن محمد الكوفي -
لا بأس بها؛ فإن أبا هشام، وإن ضعفه بعض الأئمة؛ فليس من أجل تهمة فيه، وقد
أخرجه عنه الترمذي (١ / ٢٠٦)، وقال:
«حديث حسن صحيح غريب)).
(فائدة): قال المناوي في ((فيض القدير)):
((وأراد بالتشهد هنا الشهادتين، من إطلاق الجزء على الكل؛ كما في التحيات.
قال القاضي: أصل التشهُّد الإِتيان بكلمة الشهادة، وسمي التشهُّد تشهُّداً لتضمُّنه
إياهما، ثم اتّسع فيه، فاستعمل في الثناء على الله تعالى والحمد له)).
قلت: وأنا أظن أن المراد بالتشهد في هذا الحديث إنما هو خطبة الحاجة التي
كان رسول الله 18 يعلمها أصحابه: «إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره،
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن
يضلل؛ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً
عبده ورسوله)).
ودليلي علی ذلك حديث جابر بلفظ:
((كان رسول الله ي يقوم فيخطب فيحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ويقول:
٣٢٦

من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن يضلل؛ فلا هادي له، إن خير الحديث كتاب
الله ... )) الحديث.
وفي رواية عنه بلفظ :
((كان يقول في خطبته بعد التشهُّد: إن أحسن الحديث كتاب الله ... ))
الحدیث، رواه أحمد وغيره .
فقد أشار في هذا اللفظ إلى أن ما في اللفظ الأول قبيل ((إن خير الحديث ... ))
هو التشهد، وهو وإن لم يذكر فيه صراحة؛ فقد أشار إليه بقوله فيه: ((فيحمد الله ويثني
عليه)).
وقد تبيَّن في أحاديث أخرى في خطبة الحاجة أن الثناء عليه تعالى كان يتضمَّن
الشهادتين، ولذلك قلنا: إن التشهُّد في هذا الحديث إشارة إلى التشهُّد المذكور في
خطبة الحاجة؛ فهو يتّفق مع اللفظ الثاني في حديث جابر في الإشارة إلى ذلك، وقد
تكلمت عليه في ((خطبة الحاجة))؛ فليراجعه من شاء.
وقوله: ((كاليد الجذماء))؛ أي: المقطوعة، والجذم سرعة القطع؛ يعني: أن
كل خطبة لم يؤت فيها بالحمد والثناء على الله فهي كاليد المقطوعة التي لا فائدة بها .
مناوي .
قلت: ولعل هذا هو السبب أو على الأقل من أسباب عدم حصول الفائدة من
كثير من الدروس والمحاضرات التي تُلقى على الطلاب أنها لا تفتتح بالتشهد
المذكور، مع حرص النبي وَلّ البالغ على تعليمه أصحابه إياه؛ كما شرحته في الرسالة
المشار إليها، فلعلَّ هذا الحديث يذكِّر الخطباء بتدارك ما فاتهم من إهمالهم لهذه
السنة التي طالما نبَّهنا عليها في مقدمة هذه السلسلة وغيرها.
(تنبيه) :
عزى السيوطي في ((الجامع الصغير)) الحديث إلى أبي داود فقط، وزاد
٣٢٧

عليه في ((الكبير)) العسكري و((الحلية)) والبيهقي في ((السنن))؛ ففاته الترمذي وأحمد
والحربي .
مِنْ أَدَبِ الْمُجِالسَةِ والُباحّةِ
١٧٠ - (إذا قُلْتَ للنَّاسِ: أَنْصِتُوا وهُم يتكلَّمونَ؛ فقد أَلْغَيْتَ على
نَفْسِكَ [يعني: يوم الجمعة]).
رواه الإمام أحمد (٢ / ٣١٨): ثنا عبدالرزاق بن همام: ثنا معمر عن همام عن
أبي هريرة قال: قال رسول الله اليه ...
قلت: فذكر أحاديث كثيرة هذا أحدها.
وهذا سند صحيح على شرط الشيخين.
وقد أخرجاه في ((الصحيحين)) من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة
مرفوعاً بلفظ :
((إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإِمام يخطب؛ فقد لغوت)).
وكذلك أخرجه مسلم وغيره من طرق أخرى عن أبي هريرة؛ كما بينته في ((إرواء
الغليل)» (رقم ٦١٢).
والظاهر أن هذا حديث آخر يرويه همام - وهو ابن منبه أخو وهب - عن أبي
هريرة، غير الذي رواه سعيد ومن أشرنا إليه عن أبي هريرة. والله أعلم.
والحديث مما فات السيوطي في ((الجامع الكبير))، فخذه فائدة عزيزة قد لا
تجدها في مكان آخر. والله الموفق.
(ألغيت)؛ أي: قلت اللغو وما لا يحسن من الكلام؛ قال الراغب الأصبهاني
في ((المفردات)):
٣٢٨

((اللغو من الكلام ما لا يُعْتَدُّ به، وهو الذي يورَد لا عن رَويَّة فكر، فيجري
مجرى اللغا، وهو صوت العصافير ونحوها من الطيور. قال أبو عبيدة: لغوولغا؛ نحو:
عيب وعاب .
عن اللغا ورفث التكلم
وأنشدهم :
يقال: لغيت تلغى؛ نحو: لقيت تلقى، وقد يسمى كل كلام قبيح لغواً)).
قلت: وفي الحديث التحذير من الإِخلال بأدب رفيع من آداب الحديث
والمجالسة، وهو أن لا يقطع على الناس كلامهم، بل ينصت هو حتى ينتهي كلامهم،
وإن كان كبير القوم، ثم يتكلم هو بدوره إن شاء؛ فذلك أدعى إلى حصول الفائدة من
الكلام المتبادَل بين الطرفين، لا سيما إذا كان في بحث علميٍّ شرعيٍّ، وقد أخل - مع
الأسف - بهذا الأدب أكثر المتباحثين؛ فإليه نلفت أنظارهم، أدَّبنا الله تعالى جميعاً
بأدب نبيه وَلاً.
ثم وقفت على الحديث في ((صحيفة همام بن منبه)) التي يرويها الحافظ الثقة
أحمد بن يوسف السلمي (رقم ١٢٠): حدثنا عبدالرزاق به، وزاد ما استدركته في هذه
الطبعة وجعلته بين المعكوفتين في متن الحديث، وكذلك هي في ((مصنف
عبدالرزاق)) (٣ / ٢٢٣ / ٥٤١٨) من كتاب الجمعة، وهي من رواية الدبري عنه،
وفيها كلام؛ فالعمدة على رواية السلمي عنه.
وحينئذ؛ فالحديث لا علاقة له بما كنا عنونًا عنه، بل هو كحديث سعيد بن
المسيب وغيره عن أبي هريرة، فاقتضى التنبيه، والله أعلم.
١٧١ - (كانَ رَِّ يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ فَيُكَبِّرُ حتَّى يَأْتِيَ المُصَلَّى،
وحتَّى يَقْضِيَ الصَّلاةَ، فإِذا قَضى الصَّلاةَ؛ قطَعَ التَّكبيرَ).
أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢ / ١ / ٢): حدثنا يزيد بن هارون عن
ابن أبي ذئب عن الزهري: أن رسول الله و الله كان ... الحديث.
٣٢٩

ومن هذا الوجه أخرجه المحاملي في ((كتاب صلاة العيدين)) (٢ / ١٤٢ / ٢).
قلت: وهذا إسناد صحیح، لولا أنه مرسل، لکن له شاهد موصول يتقوَّى به،
أخرجه البيهقي (٣ / ٢٧٩) من طريق عبدالله بن عمر عن نافع عن عبدالله بن عمر:
((أن رسول الله وسل ◌ّ كان يخرج في العيدين مع الفضل بن عباس وعبدالله
والعباس وعلي وجعفر والحسن والحسين وأسامة بن زيد وزيد بن حارثة وأيمن بن أم
أيمن رضي الله عنهم؛ رافعاً صوته بالتهليل والتكبير، فيأخذ طريق الحذائين حتى
يأتي المصلى، وإذا فرغ؛ رجع على الحذائین حتى يأتي منزله)».
قلت: ورجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ غير أن عبدالله بن عمر وهو العمري
المكبر؛ قال الذهبي :
((صدوق، في حفظه شيء)).
قلت: فمثله مما يصلح للاستشهاد به؛ لأن ضعفه لم يأت من تهمة في نفسه،
بل من حفظه، فضعفه يسير؛ فهو شاهد قوي لمرسل الزهري، وبذلك يصير الحديث
صحيحاً كما تقتضيه قواعد هذا العلم الشريف.
وللحدیث طريق أخرى عن ابن عمر، روي من طريق الزهري : أخبرني سالم
ابن عبدالله أن عبدالله بن عمر أخبره به؛ مثل المرسل.
غير أن إسناده إلى الزهري واوٍ جدّاً؛ كما بينته في ((إرواء الغليل)) (٦٤٣)؛
فمثله لا یستشهد به؛ فلذلك أعرضت عن إيراده هنا .
وقد صح من طريق نافع عن ابن عمر موقوفاً مثله، ولا منافاة بينه وبين المرفوع ؛
لاختلاف المخرج؛ كما هو ظاهر؛ فالحديث صحيح عندي مرفوعاً وموقوفاً، ولفظ
الموقوف :
((كان يجهر بالتكبير يوم الفطر إذا غدا إلى المصلى حتى يخرج الإِمام، فيكبِّر
بتکبیرہ)» .
٣٣٠

أخرجه الشافعي في ((الأم) (١ / ٢٠٥)، وابن أبي شيبة (٢ / ١٦٤)،
والفريابي في ((كتاب أحكام العيدين)) (ق ١٢٩ / ١) بسند صحيح.
ورواه الدارقطني (١٨٠) وغيره بزيادة: ((ويوم الأضحى)).
وسنده جید .
وفي الحديث دليل على مشروعية ما جرى عليه عمل المسلمين من التكبير
جهراً في الطريق إلى المصلى، وإن كان كثير منهم بدؤوا يتساهلون بهذه السنة، حتى
كادت أن تصبح في خبر كان، وذلك لضعف الوازع الديني منهم، وخجلهم من
الصَّدع بالسُّنة والجهر بها، ومن المؤسف أن فيهم من يتولَّى إرشاد الناس وتعليمهم،
فكأن الإِرشاد عندهم محصور بتعليم الناس ما يعلمون! وأما ما هم بأمسِّ الحاجة إلى
معرفته؛ فذلك مما لا يلتفتون إليه، بل يعتبرون البحث فيه والتذكير به قولاً وعملاً من
الأمور التافهة التي لا يحسن العناية بها عملاً وتعليماً؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون .
ومما يحسن التذكير به بهذه المناسبة: أن الجهر بالتكبير هنا لا يُشرع فيه
الاجتماع عليه بصوت واحد كما يفعله البعض، وكذلك كل ذكر يُشرع فيه رفع الصوت
أو لا يُشرع؛ فلا يشرع فيه الاجتماع المذكور، ومثله الأذان من الجماعة المعروف في
دمشق بـ (أذان الجوق)، وكثيراً ما يكون هذا الاجتماع سبباً لقطع الكلمة أو الجملة
في مكان لا يجوز الوقف عنده؛ مثل: ((لا إله))! في تهليل فرض الصبح والمغرب؛
كما سمعنا ذلك مراراً.
فلنكن في حذر من ذلك، ولنذكر دائماً قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((وخير
الهدي هدي محمد».
تَمَنّي الكافِ الفِدَاءَ مِنَ الَّر
١٧٢ - (يَقولُ اللهُ لأَهْوَنِ أَهلِ النَّارِ عَذاباً [يومَ القيامةِ]: [يا ابنَ
آدَمَ! كيفَ وجدْتَ مَضْجَعَكَ؟ فيقولُ: شرَّ مَضْجَعٍ. فَيُقالُ لهُ: ] لو
٣٣١

:
كانتْ لكَ الدُّنيا ومَا فِيها أَكُنْتَ مُفتَدِياً بها؟ فيقولُ: نعم. فيقولُ:
[كَذَبْتَ] قد أردتُ منكَ أَهونَ مِن هذا وأَنْتَ في صُلْبِ (وفي روايةٍ: في
ظَهْرٍ) آدَمَ: أَنْ لا تُشْرِكَ [بِي شَيْئاً]، [ولا أُدْخِلكَ النَّارَ]، فأبيتَ إِلَّ
الشِّرْكَ. فَيُؤْمَرُ بِهِ إِلى النَّارِ).
رواه البخاري (٢ / ٣٣٣، ٤ / ٢٣٩ و٢٤٢)، ومسلم (٨ / ١٣٤ و١٣٥)،
وأحمد (٣ / ١٢٧ و١٢٩)، وكذا أبو عوانة، وابن حبان في ((صحيحيهما)) كما في
((الجامع الكبير)) (٣ / ٩٥ / ١) من طريق أبي عمران الجوني - والسياق له عند مسلم
وقتادة - كلاهما عن أنس عن النبي وله .
وله طریق ثالث عن ثابت عن أنس به نحوه.
عزاه الحافظ في ((الفتح)) (٦ / ٣٤٩) لمسلم والنسائي، ولم أره عند مسلم،
وأما النسائي؛ فالظاهر أنه يعني ((السنن الكبرى)) له، والله أعلم.
ثم رجعت إلى ((تحفة الأشراف))، فوجدت في ترجمة (ثابت عن أنس) (١ /
١٢٢) حديثاً آخر غير هذا عزاه لمسلم والنسائي، ونبه الحافظ في ((النكت الظراف))
أن حديث مسلم غير حديث النسائي، وهو كما قال، لكن حديث النسائي أخرجه
الحاكم (٢ / ٧٥) بزيادة في معنى حديث الترجمة، وفيه: ((فيقول الرب: كذبت؛ قد
سألتك دون ذلك فلم تفعل)»، وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، ثم خرجته
برقم (٣٠٠٨).
قوله: «فیقول: كذبت))؛ قال النووي :
(«معناه: لو رددناك إلى الدنيا؛ لما افتديت؛ لأنك سُئِلت أيسر من ذلك فأبيت،
فيكون من معنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وإِنَّهُمْ لَكَاذِبِونَ﴾(١)، وبهذا
(١) الأنعام: ٢٨.
٣٣٢

يجتمع معنى هذا الحديث مع قوله تعالى: ﴿لَوْ أُنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَميعاً ومِثْلَهُ
مَعَهُ لاَقْتَدَوْا بِهِ﴾(١)).
قوله: ((قد أردت منك))؛ أي: أحببت منك.
والإِرادة في الشرع تُطلق ويراد بها ما يعمُّ الخير والشر والهدى والضلال؛ كما
في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإِسْلامِ ومَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ
صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾(٢)، وهذه الإِرادة لا تتخلف.
وتطلق أحياناً ويراد بها ما يرادف الحب والرضى؛ كما في قوله تعالى: ﴿يُريدُ
اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَها (٣).
وهذا المعنى هو المراد من قوله تعالى في هذا الحديث: ((أردت منك))؛ أي :
أحببت .
والإِرادة بهذا المعنى قد تتخلف؛ لأن الله تبارك وتعالى لا يُجْبر أحداً على
طاعته، وإن كان خلقهم من أجلها، ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيَّؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٤)، وعليه؛
فقد يريد الله تبارك وتعالى من عبده ما لا يحبُّه منه، ويحبُّ منه ما لا يريده.
وهذه الإِرادة يسميها ابن القيم رحمه الله تعالى بالإِرادة الكونية؛ أخذاً من قوله
تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقولَ لهُ كُنْ فَيَكون﴾(*)، ويسمي الإِرادة الأخرى
المرادفة للرِّضى بالإِرادة الشرعية .
وهذا التقسيم؛ مَن فهمه؛ انحلَّت له كثير من مشكلات مسألة القضاء والقدر،
ونجا من فتنة القول بالجبر أو الاعتزال، وتفصيل ذلك في الكتاب الجليل ((شفاء
(١) الرعد: ١٨.
(٢) الأنعام : ١٢٥ .
(٣) البقرة: ١٨٥.
(٤) الكهف: ٢٩ .
(٥) يَس: ٨٢.
٣٣٣

العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل)) لابن القيم رحمه الله تعالى.
قوله: ((وأنت في صلب آدم))؛ قال القاضي عياض:
((يشير بذلك إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهورِهِمْ
ذُرِيَّاتِهِم﴾(١)؛ فهذا الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم، فمن وفَّى به بعد وجوده
في الدنيا؛ فهو مؤمن، ومن لو يوف به؛ فهو كافر؛ فمراد الحديث: أردت منك حين
أخذت الميثاق، فأبيت إذ أخرجتك إلى الدنيا إلا الشرك)). ذكره في ((الفتح)).
الزَّوْجَةُ الْمُؤْذِيَّةُ ودُعَاءُ الْحُورِ العِين
١٧٣ - (لا تُؤْذِي امرَأَةٌ زَوْجَها في الدُّنيا؛ إِلَّ قالَتْ زوجَتُهُ مِن
الحُورِ العين: لا تُؤْذِيهِ قاتَلَكِ اللهُ؛ فإِنَّما هو عندَكِ دَخيلٌ، يوشِكُ أَنْ
يُفارقَكِ إِلَيْنا).
أخرجه الترمذي (٢ / ٢٠٨ - بشرح التحفة)، وابن ماجه (٢٠١٤)، وأحمد (٥
/ ٢٤٢)، وأبو عبدالله القطان في ((حديثه عن الحسن بن عرفة)) (ق ١٥٥ / ١)،
والهيثم بن كليب في ((مسنده)) (١٦٧ / ١)، وأبو العباس الأصم في ((مجلسين من
الأمالي)) (ق ٣ / ١)، والطبراني في ((الكبير)) (٢٠ / ١١٣ / ٢٢٤)، وأبو نعيم في
((الحلية)) (٥ / ٢٢٠)، وفي ((صفة الجنة)) (١٤ / ٢) (٢) من طرق عن إسماعيل بن
عياش عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة الحضرمي عن معاذ بن
جبل عن النبي ◌َّ به. وقال أبو نعيم:
(١) الأعراف: ١٧٢ .
(٢) مخطوط في مكتبة شيخ الإِسلام عارف حكمت في المدينة المنورة، وهي نسخة تامة،
بخط حديث جميل، وفي الظاهرية منه الجزء الثاني من أصل ثلاثة أو أكثر، وهو ناقص من أوله،
وقد طبع بتحقيق علي رضا عبدالله، وقد أشار في مقدمته إلى هذا التعليق.
٣٣٤

(تفرد به بحیر)).
وأحد الجهلة المعاصرين يقول من عنده :
«تفرد به إسماعيل بن عياش))!
وقال الترمذي :
٠
((حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ورواية إسماعيل بن عياش عن
الشاميين أصلح، وله عن أهل الحجاز والعراق مناكير)).
قلت: وقد وثقه أحمد وابن معين والبخاري وغيرهم في روايته عن الشاميين،
وهذه منها؛ فإن بحير بن سعد شامي ثقة، وكذلك سائر الرواة؛ فالسند صحيح، ولا
أدري لماذا اقتصر الترمذي على استغرابه ولم يحسنه على الأقل، وقد صحح له غيرما
حدیث عن الشاميين؟!
ثم رأيت المنذري في ((الترغيب)) (٣ / ٧٨) نقل عن الترمذي أنه قال فيه:
«حدیث حسن)).
قلت: وكذا في نسخة بولاق من ((الترمذي)) (١ / ٢٢٠)، وهذا أقل ما يمكن
أن يُقال فيه، وقد أقره عليه الحافظ العراقي أيضاً في ((تخريج الإحياء)) (٢ / ٥٩)،
والزبيدي في ((شرح الإِحياء)) (٥ / ٤٠٨)، وكذا النووي في ((رياض الصالحين)) (رقم
٢٩٣ - تحقيقي).
ومع تتابع هؤلاء العلماء على تقوية هذا الحديث، وموافقة ذلك لتصحيح أولئك
الأئمة لرواية ابن عياش عن الشاميين، بل قال دُحَيم :
((إسماعيل بن عياش غاية))؛ يعني: في الصحة .
أقول: مع هذا كله أقدم المدعو حسان عبدالمنان على تضعيف هذا الحديث
في تعليقه على طبعته الممسوخة من ((الرياض)) (١٢٢ / ٢٠٧)، ولا مجال هنا
٣٣٥

لتفصيل القول في ذلك؛ فالحر تكفيه الإِشارة، لا سيما وقد رددت عليه في غيرما
موضع مفصلاً.
(دخيل)؛ أي: ضيف ونزيل؛ يعني: هو كالضيف عليك، وأنت لست بأهل له
حقيقة، وإنما نحن أهله، فيفارقك قريباً، ويلحق بنا.
(يوشك)؛ أي : یقرب، ويسرع، ویکاد.
في الحديث - كما ترى - إنذار للزوجات المؤذيات.
الصِّحَةُ خَيْرٌ مِنَ الغِنى
١٧٤ - (لا بِأُسَ بالغِنى لمَنِ اتَّقى، والصِّحَّةُ لمَنِ اتَّقى خيرٌ مِن
الغِنى، وطِيبُ النَّفْسِ مِن النَّعيمِ).
أخرجه ابن ماجه (٢١٤١)، والحاكم (٢ / ٣)، وأحمد (٥ / ٢٧٢ و٣٨١) من
طريق عبدالله بن سليمان بن أبي سلمة أنه سمع معاذ بن عبدالله بن خُبيب عن أبيه
عن عمه قال :
((كنا في مجلس، فجاء النبي ◌َّ ر وعلى رأسه أثر ماء، فقال له بعضنا: نراك
اليوم طيب النفس. فقال: أجل، والحمد لله. ثم أفاض القوم في ذكر الغنى، فقال:
(فذكره))» .
وقال الحاكم :
((صحيح الإِسناد، والصحابي الذي لم يسم هو يسار بن عبدالله الجهني)).
ووافقه الذهبي .
قلت: وهو كما قالا؛ فإن رجاله ثقات كلهم، وقال البوصيري في ((الزوائد)):
((إسناده صحيح، ورجاله ثقات)).
٣٣٦

الشُّرْبُ قائِماً
١٧٥ - (لا يَشْرَبَنَّ أَحَدٌ مِنكُم قائماً).
رواه مسلم (٦ / ١١٠ - ١١١) عن عمر بن حمزة: أخبرني أبو غطفان المُرِّي:
أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ير: (فذكره)، وزاد:
((فمن نسي؛ فليستقىء)).
قلت: وعمر هذا، وإن احتج به مسلم؛ فقد ضعفه أحمد وابن معين والنسائي
وغيرهم، ولذلك قال الحافظ في ((التقريب)):
(ضعيف)) .
فالحديث بهذه الزيادة ضعيف .
لكن صحَّ بلفظ آخر، ولذلك أوردته هنا بدونها؛ فقد رواه أبو زياد الطحان قال:
سمعت أبا هريرة يقول: عن النبي ونَ﴿ أنه رأى رجلاً يشرب قائماً، فقال له: ((قِهْ)).
قال: لمه؟ قال: ((أيسرُّك أن يشرب معك الهر؟)). قال: لا. قال: ((فإنه قد شرب معك
من هو شرٌّ منه؛ الشيطان!)).
أخرجه أحمد (٧٩٩٠)، والدارمي (٢ / ١٢١)، والطحاوي في ((مشكل الآثار))
(٣ / ١٩)، والبزار (٢٨٩٦) عن شعبة عن أبي زياد به .
وهذا سند صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير أبي زياد هذا؛ قال ابن
معين :
((ثقة)) .
وقال أبو حاتم :
((شيخ صالح الحديث))؛ كما في ((الجرح والتعديل)) (٤ / ٢ / ٣٧٣).
فقول الذهبي: ((لا يُعرف))؛ مما لا يُعَرَّج عليه، بعد توثيق هذين الإِمامين له.
٣٣٧

(تنبيه): كنت علقت على هذا الحديث في ((الرياض)) (رقم ٧٧٥) بكلمة
قصيرة محيلاً القراء فيها إلى هذا المكان وإلى ((الضعيفة)) التي بينت فيها - كما هنا -
أن الحديث صحيح دون الزيادة، فأورد الجاني على السنة الحديث في آخر ((رياضه))
(٥٢٤ / ٤٢) مضعفاً إياه بعمر بن حمزة دون أن يبيّن صحة أصله بهذه الطريق
الصحيحة والتي بعدها؛ فهل هو ناصح لقرائه أم ... ؟!
وقد ورد الحديث بلفظ آخر، وهو:
١٧٦ - (لَو يَعْلَمُ الذي يشرَبُ وهو قائمٌ ما في بَطْنِهِ؛ لاسْتَقاءَ).
أخرجه عبدالرزاق في ((المصنف)) (١٠ / ٤٢٧ / ١٩٥٨٨ و١٩٥٨٩)، وعنه
أحمد (٧٧٩٥ و٧٧٩٦)، وعنه ابن حبان في «صحيحه)) (٥٣٠٠ - الإِحسان) عن
الزهري عن رجل، وعن الأعمش عن أبي صالح؛ كلاهما عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله ورَ *: (وذكره).
ورواه الطحاوي في ((مشكل الآثار)) (٣ / ١٨) عن الأعمش به، وزاد:
((فبلغ عليَّ بن أبي طالب، فقام، فشرب قائماً)).
قلت: والإِسناد الثاني صحيح، رجاله رجال الشيخين، وفي السند الأول الرجل
الذي لم يسمَّ، والظاهر أنه هو أبو صالح شيخ الأعمش في الإِسناد الثاني، واسمه
ذكوان، وهو من شيوخ الزهري أيضاً، وعليه يعود السند الأول إلى أنه عن أبي صالح
عن أبي هريرة، وهو على شرط الشيخين كما ذكرت. ( أنظر الاستدراك رقم : ٦).
وفي «مجمع الزوائد» (٥ / ٧٩):
((رواه أحمد بإسنادين، والبزار، وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح)).
وفي الحديث تلميح لطيف إلى النهي عن الشرب قائماً، وقد جاء التصريح
بذلك من حديث أنس رضي الله عنه، وهو:
٣٣٨

١٧٧ - (نَهَى (وفي لفظٍ: زَجَرَ) عن الشّرْبِ قائماً).
رواه مسلم (٦ / ١١٠)، وأبو داود (رقم ٣٧١٧)، والترمذي (٣ / ١١١)،
والدارمي (٢ / ١٢٠ - ١٢١)، وابن ماجه (٢ / ٣٣٨)، والطحاوي في ((شرح
المعاني)) (٢ / ٣٥٧)، و((المشكل)) (٣ / ١٨)، وابن حبان (٥٢٩٧ ٥٢٩٩)،
والطيالسي (٢ / ٣٣٢)، وعبد الرزاق (١٠ / ٤٢٧ / ١٩٥٩٠)، وأحمد (٣ / ١١٨
و١٣١ و١٤٧ و١٩٩ و٢١٤ و٢٥٠ و٢٧٧ و٢٩١)، وأبو يعلى (١٥٦ / ٢، ١٥٨ / ٢،
١٥٩ / ٢)، والضياء في ((المختارة)) (٢٠٥ / ٢) من طريق قتادة عن أنس مرفوعاً.
وزاد الأخيران :
((والأكل قائماً)).
وفي إسنادهما مطر الوراق؛ ضعيف، وقد خولف؛ ففي رواية مسلم وغيره:
((قال قتادة: فقلنا: فالأكل؟ فقال: ذاك أشرُّ وأخبث)).
قلت: فروايتهما مدرجة .
ولقتادة فيه إسنادان آخران :
فرواه عن أبي عيسى الأسواري عن أبي سعيد الخدري باللفظ الثاني .
أخرجه مسلم والطحاوي .
ثم رواه عن أبي مسلم الجذمي عن الجارود بن العلاء رضي الله عنه.
أخرجه الطحاوي والترمذي، وقال:
((حديث حسن غريب)).
وله شاهد من حديث أبي هريرة مثله.
أخرجه أحمد (٢ / ٣٢٧)، والطحاوي، وسنده صحيح.
وله شاهد آخر من حديث جابر نحوه.
٣٣٩

أخرجه أبو عروبة الحراني في ((حديث الجزريين)) (٥١ / ١) بسند صحيح.
وظاهر النهي في هذه الأحاديث يفيد تحريم الشرب قائماً بلا عذر، وقد جاءت
أحاديث كثيرة أن النبي : ﴿ شرب قائماً، فاختلف العلماء في التوفيق بينهما،
والجمهور على أن النهي للتنزيه، والأمر بالاستقاء للاستحباب، وخالفهم ابن حزم،
فذهب إلى التحريم، ولعل هذا هو الأقرب للصواب؛ فإن القول بالتنزيه لا يساعد
عليه لفظ (زجر)، ولا الأمر بالاستقاء؛ لأنه - أعني: الاستقاء - فيه مشقة شديدة على
الإِنسان، وما أعلم أن في الشريعة مثل هذا التكليف كجزاء لمن تساهل بأمر
مستحب! وكذلك قوله: ((قد شرب معك الشيطان))، فيه تنفير شديد عن الشرب قائماً،
وما إخال ذلك يُقال في ترك مستحب.
وأحاديث الشرب قائماً يمكن أن تُحمل على العذر؛ كضيق المكان، أو كون
القربة معلقة، وفي بعض الأحاديث الإِشارة إلى ذلك، والله أعلم.
ثم رأيت كلاماً جيداً لابن تيمية يشبه هذا؛ فراجعه في ((المجموع)) (٣٢ /
٢٠٩ - ٢١٠).
تَعْليمُ المَرَّةِ الكِتابَةَ
١٧٨ - (أرْقيهِ، وعَلِّميها حَفْصَةَ كما عَلَّمْتيها الكتابَ، وفي
روايةٍ: الكتابةَ).
أخرجه الحاكم (٤ / ٥٦ - ٥٧) من طريق إبراهيم بن سعد عن صالح بن
كيسان: ثنا إسماعيل بن محمد بن سعد أن أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة القرشي
حدثه أن رجلاً من الأنصار خرجت به نملة، فدل على أن الشُّفاء بنت عبدالله ترقي
من النملة، فجاءها، فسألها أن ترقيه، فقالت: والله ما رقيت منذ أسلمت، فذهب
الأنصاري إلى رسول الله ◌َ ، فأخبره بالذي قالت الشفاء، فدعا رسول الله وله
٣٤٠