النص المفهرس
صفحات 301-320
الأول: أنها أحاديث معلولة لا تقوم بها حجة، ولعلنا نتفرغ للكلام عليها وبيان عللها إن شاء الله تعالى . الثاني: أنه لو صح شيء منها؛ لم يجز أن يعارَض بها هذا الحديث الصحيح ؛ لأنها فعل من النبي لم يحتمل الخصوصية أو غيرها من الاحتمالات التي توهن الاحتجاج بها، على خلاف هذا الحديث؛ لأنه حديث قولي وخطاب عام موجه إلى الأمة؛ فهو حجة عليها؛ لما تقرَّر في علم الأصول أن القول مقدَّم على الفعل عند التعارض، والحاظر مقدم على المبيح، وهذا الحديث قول وحاظر، فهو المقدم على الأحاديث المذكورة لو صحت . وأما الالتزام والمعانقة؛ فما دام أنه لم يثبت النهي عنه في الحديث كما تقدم؛ فالواجب حينئذ البقاء على الأصل، وهو الإِباحة، وبخاصة أنه قد تأيَّد ببعض الأحاديث والآثار، فقال أنس رضي الله عنه: ((كان أصحاب النبي ◌َّ إذا تلاقوا؛ تصافحوا، وإذا قدموا من سفر؛ تعانقوا)). رواه الطبراني في ((الأوسط))، ورجاله رجال الصحيح؛ كما قال المنذري (١ / ٢٧٠)، والهيثمي (٨ / ٣٦)، وروى البيهقي (٧ / ١٠٠) بسند صحيح عن الشعبي ((كان أصحاب محمد ﴿ل إذا التقوا؛ صافحوا، فإذا قدموا من سفر؛ عانق بعضهم بعضاً)). وروى البخاري في ((الأدب المفرد)) (٩٧٠)، وأحمد (٣ / ٤٩٥) عن جابر بن عبدالله قال : ((بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله وَالر، فاشتريت بعيراً، ثم شددت عليه رحلي، فسرت إليه شهراً حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبدالله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب. فقال: ابن عبدالله؟ قلت: نعم. فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته)) الحديث. ٣٠١ وإسناده حسن كما قال الحافظ (١ / ١٩٥)، وعلقه البخاري. وصح التزام ابن التّيِّهان للنبي وَل حين جاءه ◌َّ إلى حديقته؛ كما في ((مختصر الشمائل)) (١١٣). وأما تقبيل اليد؛ ففي الباب أحاديث وآثار كثيرة، يدل مجموعها على ثبوت ذلك عن رسول الله _* والسلف، فنرى جواز تقبيل يد العالم إذا توفرت الشروط الآتية: ١ - أن لا يُتَّخذ عادة بحيث يتطبع العالم على مدِّ يده إلى تلامذته، ويتطبَّع هؤلاء على التبرُّك بذلك؛ فإن النبي ◌ََّ وإن قُبِّلت يده؛ فإنما كان ذلك على الندرة، وما كان كذلك؛ فلا يجوز أن يجعل سنة مستمرة؛ كما هو معلوم من القواعد الفقهية. ٢ - أن لا يدعو ذلك إلى تكبر العالم على غيره ورؤيته لنفسه؛ كما هو الواقع مع بعض المشايخ اليوم. ٣ - أن لا يؤدي ذلك إلى تعطيل سنة معلومة؛ كسنة المصافحة؛ فإنها مشروعة بفعله رَ * وقوله، وهي سبب شرعي لتساقط ذنوب المتصافحين؛ كما روي في غيرما حدیث واحد؛ فلا يجوز إلغاؤها من أجل أمر أحسن أحواله أنه جائز. ١٦١ - (اذْهَبْ فوارِ أَباَ (يعني: عليّاً رضيَ اللهُ عنهُ). قالَ: [لا أواريهِ]؛ [إِنَّهُ ماتَ مُشْركاً]. [فقالَ: اذهَبْ فوارِهِ] ثمَّ لا تُحْدِثَنَّ [حَدَثاً] حتى تَأْتِيَني. فذهبتُ فوارَيْتُه، وجِثْتُهُ [وعليَّ أَثَرُ التّرابِ والغُبارِ]، فَأُمَرَني فاغتَسَلْتُ، ودَعا لي [بِدعواتٍ ما يَسُرُّني أَنَّ لي بِهِنَّ ما عَلى الأرضِ مِن شَيءٍ]). أبو داود (٣١٢٤)، والنسائي (١ / ٢٨٢ - ٢٨٣)، وابن سعد في ((الطبقات)) (١ / ١٢٣)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٤ / ٩٥ و١٤٢ - طبع الهند)، وابن الجارود في ((المنتقى)) (ص ٢٦٩)، والطيالسي (١٢٠)، والبيهقي (٣ / ٣٩٨)، ٣٠٢ وأحمد (١ / ٩٧ و١٣١)، وأبو محمد الخلدي في جزء من ((فوائده)) (ق ٤٧ / ١) من طرق عن أبي إسحاق عن ناجية بن كعب عن علي قال: ((قلت للنبي وَّر: إن عمك الشيخ الضال قد مات، [فمَن يواريه؟] قال: (فذكره))» . قلت: وهذا سند صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير ناجية بن كعب، وهو ثقة كما في ((التقريب))، وقد قواه الرافعي، وتبعه الحافظ في ((التلخيص))؛ كما بينتُه في ((إرواء الغليل)) (٧٠٧). وله في ((مسند أحمد)) (١ / ١٠٣)، و((زوائد ابنه عليه)) (١ / ١٢٩ - ١٣٠) طريق أخرى عن الحسن بن يزيد الأصم قال: سمعت السدي إسماعيل يذكره عن أبي عبدالرحمن السلمي عن علي به، وزاد في آخره: ((قال: وكان علي رضي الله عنه إذا غسل الميت اغتسل)). قلت: وهذا سند حسن، رجاله رجال مسلم؛ غير الحسن هذا، وهو صدوق يهم؛ كما في ((التقريب)). من فوائد الحديث : ١ - أنه يشرع للمسلم أن يتولى دفن قريبه المشرك، وأن ذلك لا ينافي بغضه إياه لشركه، ألا ترى أن عليّاً رضي الله عنه امتنع أول الأمر من مواراة أبيه؛ معللا ذلك بقوله: ((إنه مات مشركاً))؛ ظنّاً منه أن دفنه مع هذه الحالة قد يدخله في التولي الممنوع في مثل قوله تعالى: ﴿لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عليهِمْ﴾(١)، فلما أعاد ◌َّ عليه الأمر بمواراته؛ بادر لامتثاله، وترك ما بدا له أول الأمر، وكذلك تكون الطاعة: أن يترك المرء رأيه لأمر نبيه وَليل . ويبدو لي أن دفن الولد لأبيه المشرك أو أمه هو آخر ما يملكه الولد من حسن (١) الممتحنة : ١٣. ٣٠٣ صحبة الوالد المشرك في الدنیا، وأما بعد الدفن؛ فليس له أن يدعو له أو يستغفر له؛ الصريح قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا للمُشْرِكِينَ ولو كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾(١)، وإِذا كان الأمر كذلك؛ فما حال من يدعو بالرحمة والمغفرة على صفحات الجرائد والمجلات لبعض الكفار في إعلانات الوفيات من أجل دريهمات معدودات! فليتق الله من كان يهمه أمر آخرته. ٢ - أنه لا يشرع له غسل الكافر ولا تكفينه ولا الصلاة عليه ولو كان قريبه؛ لأن النبي ◌َّيؤ لم يأمر بذلك عليّاً، ولو كان ذلك جائزاً لبَّهِ وَّ؛ لما تقرر أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وهذا مذهب الحنابلة وغيرهم. ٣ - أنه لا يشرع لأقارب المشرك أن يتبعوا جنازته؛ لأن النبي ◌َّ لو لم يفعل ذلك مع عمه، وقد كان أبر الناس به وأشفقهم عليه، حتى إنه دعا الله له حتى جعل عذابه أخف عذاب في النار؛ كما سبق بيانه في الحديث (رقم ٥٣)، وفي ذلك كله عبرة لمن يغترُّون بأنسابهم، ولا يعملون لآخرتهم عند ربهم، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ ولا يَتَسَاءَلُونَ﴾(٢). ١٦٢ - (لا يا بنتَ الصِّدِّيقِ! ولكنَّهُمُ الَّذينَ يصومونَ ويُصَلُّونَ ويَتَصَدَّقونَ وهُم يَخافُونَ أَنْ لا يُقْبَلَ مِنْهُم، ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾(٣)). أخرجه الترمذي (٢ / ٢٠١)، وابن جرير (١٨ / ٢٦)، والحاكم (٢/ ٣٩٣ - ٣٩٤)، والبغوي في ((تفسيره)) (٦ / ٢٥)، وأحمد (٦ / ١٥٩ و٢٠٥) من طريق مالك ابن مِغْوَل عن عبدالرحمن بن سعيد بن وهب الهمداني عن عائشة زوج النبي ◌َّل (١) التوبة: ١٣ .. (٢) المؤمنون: ١٠١. (٣) المؤمنون: ٦١. ٣٠٤ قالت : ((سألت رسول الله وَ﴾ عن هذه الآية: ﴿الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ (١)؟ قالت عائشة: هم الذين يشربون الخمر ويسرفون؟ قال: (فذكره)). وقال الترمذي : ((وقد رُوِي هذا الحديث عن عبد الرحمن بن سعيد عن أبي حازم عن أبي هريرة عن النبي ﴿﴿ نحو هذا)). قلت: وإسناد حديث عائشة رجاله كلهم ثقات، ولذلك قال الحاكم: ((صحيح الإِسناد)). ووافقه الذهبي. قلت: وفيه علة، وهي الانقطاع بين عبدالرحمن وعائشة؛ فإنه لم يدركها؛ كما في ((التهذيب)). لكن يقوِّيه حديث أبي هريرة الذي أشار إليه الترمذي؛ فإنه موصول، وقد وصله ابن جرير: حدثنا ابن حميد قال: ثنا الحكم بن بشير قال: ثنا عمر بن قيس عن عبدالرحمن بن سعيد بن وهب الهمداني عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قالت عائشة: الحدیث نحوه. وهذا سند رجاله ثقات؛ غیر ابن حميد، وهو محمد بن حميد بن حیان الرازي، وهو ضعيف مع حفظه . لكن لعله توبع؛ فقد أخرج الحديث ابن أبي الدنيا، وابن الأنباري في ((المصاحف))، وابن مردويه؛ كما في ((الدر المنثور)) (٥ / ١١)، وابن أبي الدنياَ في ((طبقة شيوخ ابن جرير))، فأستبعد أن يكون رواه عن شيخه هذا. والله أعلم. وله طريق آخر عند ابن جرير (١٨ / ٢٤) عن ليث وهشيم عن العوام بن حوشب (١) المؤمنون: ٦٠. ٣٠٥ عن عائشة . قلت: والسر في خوف المؤمنين أن لا تقبل منهم عبادتهم، ليس هو خشيتهم أن لا يوفيهم الله أجورهم؛ فإن هذا خلاف وعد الله إياهم في مثل قوله تعالى: ﴿فَأُمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِيهِمْ أَجورَهُم﴾(١)، بل إنه ليزيدهم عليها؛ كما قال: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾(٢)، والله تعالى لا يخلف وعده؛ كما قال في كتابه، وإنما السر أن القَبول متعلِّق بالقيام بالعبادة كما أمر الله عز وجل، وهم لا يستطيعون الجزم بأنهم قاموا بها على مُراد الله، بل يظنون أنهم قصَّروا في ذلك، ولهذا فهم يخافون أن لا تُقْبَل منهم . فليتأمل المؤمن هذا عسى أن يزداد حرصاً على إحسان العبادة والإِتيان بها كما أمر الله، وذلك بالإِخلاص فيها له، واتباع نبيه ◌َ لل في هديه فيها، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحداً﴾ (٣). ثم رأيت لشيخ الإسلام ابن تيمية كلاماً جيّداً حول هذا الحديث بنحو ما ذكرت، فراجعه في رسالته في ((التوبة)) (١ / ٢٥٧ - جامع الرسائل). السَّفَرُ الَّذِي يُجِزُ القَصْرَ ١٦٣ - (كَانَ رَسولُ اللهِ وَّ إِذا خَرَجَ مسيرةَ ثَلاثةِ أَميالٍ أو ثلاثة فراسِخَ (شكَّ شُعبةُ)؛ قَصَرَ الصَّلاةَ. (وفي روايةٍ: صلَّى ركعتينٍ)). أخرجه الإمام أحمد (٣ / ١٢٩)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢ / ٤٤٣ - هند)، والبيهقي (٣ / ١٤٦) والسياق له عن محمد بن جعفر: ثنا شعبة عن يحيى بن (١) النساء: ٧٣. (٢) فاطر: ٣٠. (٣) الكهف: ١١٠ . ٣٠٦ يزيد الهنائي قال : ((سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة - وكنت أخرج إلى الكوفة فأصلي ركعتين حتى أرجع -؟ فقال أنس: (فذكره))). قلت: وهذا سند جيد، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير الهنائي؛ فمن رجال مسلم وحده، وقد روى عنه جماعة من الثقات، وقال ابن أبي حاتم (٤ / ٢ / ١٩٨) عن أبيه : ((هو شیخ)). وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (١ / ٢٥٧) وسمى جده مرَّة، وقال: ((ومن قال: يزيد بن يحيى أو ابن أبي يحيى؛ فقد وهم)). والحديث أخرجه مسلم (٢ / ١٤٥)، وأبو داود (١٢٠١)، وابن أبي شيبة (٢ / ١٠٨ / ٢/١)، وعنه أبو يعلى في ((مسنده)) (ق ٩٩ / ٢) من طرق عن محمد بن جعفر به دون قول الهنائي: ((وكنت أخرج إلى الكوفة ... حتى أرجع))، وهي زيادة صحيحة، ومن أجلها أوردت الحديث. وكذلك أخرجه أبو عوانة (٢ / ٣٤٦) من طريق أبي داود (وهو الطيالسي) قال: ثنا شعبة به. ولم يروه الطيالسي في ((مسنده)). (الفرسخ): ثلاثة أميال، والميل من الأرض منتهى مد البصر؛ لأن البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يفنى إدراكه، وبذلك جزم الجوهري، وقيل : حده أن ينظر إلى الشخص في أرض مسطّحة فلا يدري أهو رجل أو امرأة، وهو ذاهب أو آت، كما في ((الفتح)) (٢ / ٤٦٧)، وهو في تقدير بعض علماء العصر الحاضر يساوي ١٦٨٠ م. فقه الحديث : يدل هذا الحديث على أن المسافر إذا سافر مسافة ثلاثة فراسخ (والفرسخ نحو ٣٠٧ ثمان كيلو مترات)؛ جاز له القصر، وقد قال الخطابي في ((معالم السنن)) (٢ / ٤٩): ((إن ثبت الحديث؛ كانت الثلاثة الفراسخ حدّاً فيما يقصر إليه الصلاة؛ إلا أني لا أعرف أحداً من الفقهاء يقول به)). وفي هذا الكلام نظر من وجوه : الأول: أن الحديث ثابت كما تقدم، وحسبك أن مسلماً أخرجه ولم يضعفه غيره . الثاني: أنه لا يضر الحديث ولا يمنع العمل به عدم العلم بمن قال به من الفقهاء؛ لأن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود. الثالث: أنه قد قال به راويه أنس بن مالك رضي الله عنه وأفتى به يحيى بن يزيد الهنائي راويه عنه كما تقدم، بل ثبت عن بعض الصحابة القصر في أقل من هذه المسافة، فروى ابن أبي شيبة (٢ / ٤٤٣) عن محمد بن زيد بن خليدة عن ابن عمر قال : ((تقصر الصلاة في مسيرة ثلاثة أميال)). وإسناده صحيح؛ كما بينته في ((إرواء الغليل)) (رقم ٥٦١). ثم روى من طريق أخرى عنه أنه قال: ((إني لأسافر الساعة من النهار وأقصر)) . وإسناده صحيح، وصححه الحافظ في ((الفتح)) (٢ / ٤٦٧). ثم روى عنه (٢ / ٤٥١) عنه : ((أنه كان يقيم بمكة، فإذا خرج إلى منى؛ قصر)). وإسناده صحيح أيضاً. ويؤيده أن أهل مكة لما خرجوا مع النبي ◌َّه إلى منى في حجة الوداع؛ قصروا ٣٠٨ أيضاً؛ كما هو معروف مشهور في كتب الحديث والسيرة، وبين مكة ومنى فرسخ ؛ كما في «معجم البلدان)). وقال جَبَلة بن سُحيم: سمعت ابن عمر يقول: ((لو خرجت ميلاً؛ قصرت الصلاة)). ذكره الحافظ وصححه. ولا يُنافي هذا ما في ((الموطأ)) وغيره بأسانيد صحيحة عن ابن عمر أنه كان يقصر في مسافة أكثر مما تقدم؛ لأن ذلك فعل منه، لا ينفي القصر في أقل منها لو سافر إليها؛ فهذه النصوص التي ذكرناها صريحة في جواز القصر في أقل منها، فلا يجوز ردها، مع دلالة الحديث على الأقل منها. وقد قال الحافظ في ((الفتح)) (٢ / ٤٦٧ - ٤٦٨): ((وهو أصح حديث ورد في بيان ذلك وأصرحه، وقد حمله مَن خالفه على أن المراد به المسافة التي يُبتدأ منها القصر، لا غاية السفر! ولا يخفى بُعد هذا الحمل، مع أن البيهقي ذكر في روايته من هذا الوجه أن يحيى بن يزيد قال: سألت أنساً عن قصر الصلاة، وكنت أخرج إلى الكوفة - يعني : من البصرة - أصلي ركعتين ركعتين حتى أرجع، فقال أنس: فذكر الحديث. فظهر أنه سأله عن جواز القصر في السفر لا عن الموضع الذي يبتدىء القصر منه. ثم إن الصحيح في ذلك أنه لا يتقيد بمسافة، بل بمجاوزة البلد الذي يخرج منها. وردَّه القرطبي بأنه مشكوك فيه فلا يُحتجُّ به. فإن كان المراد به أنه لا يحتجُّ به في التحديد بثلاثة أميال فمُسلَّم، لكن لا يمتنع أن يحتجّ به في التحديد بثلاثة فراسخ ؛ فإن الثلاثة أميال مندرجة فيها، فيؤخذ بالأكثر احتياطاً. وقد روى ابن أبي شيبة عن حاتم بن إسماعيل عن عبدالرحمن بن حرملة قال: قلت لسعيد بن المسيب: أأقصر الصلاة وأفطر في بريد من المدينة؟ قال: نعم. والله أعلم . قلت: وإسناد هذا الأثر عند ابن أبي شيبة (٣ / ٢٠) صحيح. ٣٠٩ وروی عن اللجلاج قال: (كنا نسافر مع عمر رضي الله عنه ثلاثة أميال، فنتجوَّز في الصلاة ونفطر)). وإسناده محتمل للتحسين، رجاله كلهم ثقات؛ غير أبي الورد بن ثمامة، روى عنه ثلاثة وقال ابن سعد : ((كان معروفاً قليل الحديث)). وقد دلت هذه الآثار على جواز القصر في أقل من المسافة التي دل عليها الحديث، وذلك من فقه الصحابة رضي الله عنهم؛ فإن السفر مطلق في الكتاب ، والسنة، لم يقَّد بمسافة محدودة؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصروا مِنَ الصَّلاةِ﴾ الآية(١). وحينئذ؛ فلا تعارض بين الحديث وهذه الآثار؛ لأنه لم ينف جواز القصر في أقل من المسافة المذكورة فيه، ولذلك قال العلامة ابن القيم في ((زاد المعاد في هدي خير العباد)) (١ / ١٨٩): ((ولم يحد ◌َّر لأمته مسافة محدودة للقصر والفطر، بل أطلق لهم ذلك في مطلق السفر والضرب في الأرض، كما أطلق لهم التيمم في كل سفر، وأما ما يروى عنه من التحديد باليوم أو اليومين أو الثلاثة؛ فلم يصح عنه منها شيء البتّة. والله أعلم)). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : ((كل اسم ليس له حد في اللغة ولا في الشرع؛ فالمرجع فيه إلى العرف، فما كان سفراً في عرف الناس؛ فهو السفر الذي علق به الشارع الحكم)). وقد اختلف العلماء في المسافة التي تُقْصَر فيها الصلاة اختلافاً كثيراً جدّاً، على نحو عشرين قولاً، وما ذكرناه عن ابن تيمية وابن القيم أقربها إلى الصواب، وأليق بيسر الإِسلام؛ فإن تكليف الناس بالقصر في سفر محدود بيوم أو بثلاثة أيام وغيرها من (١) النساء: ١٠١. ٣١٠ التحديدات، يستلزم تكليفهم بمعرفة مسافات الطرق التي قد يطرقونها، وهذا مما لا يستطيعه أكثر الناس، لا سيما إذا كانت مما لم تطرق من قبل! وفي الحديث فائدة أخرى، وهي أن القصر مبدؤه من بعد الخروج من البلدة، وهو مذهب الجمهور من العلماء؛ كما في ((نيل الأوطار)) (٣ / ٨٣)، قال: ((وذهب بعض الكوفيين إلى أنه إذا أراد السفر يصلي ركعتين ولو كان في منزله . ومنهم من قال: إذا ركب قصر إن شاء. ورجح ابن المنذر الأول بأنهم اتَّفقوا على أنه يقصر إذا فارق البيوت، واختلفوا فيما قبل ذلك؛ فعليه الإِتمام على أصل ما كان عليه حتى يثبت أن له القصر)). قال: ((ولا أعلم النبي ◌َّ قصر في سفر من أسفاره؛ إلا بعد خروجه من المدينة)). قلت: والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وقد خرجت طائفة منها في ((الإِرواء)) من حديث أنس وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم، فانظر (رقم ٥٦٢). جَمْعُ الَّقْدِيمِ ١٦٤ - (كَانَ رَّهِ فِي غَزْوَةِ تَبَوكَ إِذا ارْتَحَلَ قبلَ زَيْغِ الشَّمْسِ؛ أَخَّرَ الظُهْرَ إِلى أَنْ يجْمَعَها إِلى العصر، فيصَلََّهما جميعاً، وإِذا ارْتَحَلَ بعدَ زيغِ الشَّمسِ ؛ عَجَّلَ العصرَ إِلى الظُّهْرِ، وصلَّى الظُّهْرَ والعصرَ جميعاً، ثمَّ سارَ، وكانَ إِذا ارْتَحَلَ قبلَ المغرب؛ أَخَّرَ المغربَ حتَّى يُصَلِّيَها معَ العشاءِ، وإِذا ارْتَحَلَ بعدَ المغرب؛ عجَّلَ العشاءَ فصلَاها معَ المغرِبِ). أخرجه أبو داود (١٢٢٠)، والترمذي (٢ / ٤٣٨)، والدارقطني (١٥١)، والبيهقي (٣ / ١٦٣)، وأحمد (٥ / ٢٤١ - ٢٤٢) كلهم من طريق قتيبة بن سعيد: ٣١١ حدثنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عامر بن واثلة عن معاذ ابن جبل مرفوعاً. وقال أبو داود: ((لم يرو هذا الحديث إلا قتيبة وحده)). قلت: وهو ثقة ثبت، فلا يضر تفرُّده لو صح، ولذلك قال الترمذي : ((حديث حسن غريب، تفرد به قتيبة، لا نعرف أحداً رواه عن الليث غيره)). وقال في مكان آخر: «حدیث حسن صحیح)). قلت: وهذا هو الصواب؛ فإن رجاله كلهم ثقات رجال الشیخین، وقد صححه ابن القيم وغيره، وأعله الحاكم وغيره بما لا يقدح؛ كما بيَّنْتُه في ((إرواء الغليل)) (٥٧١)، وذكرتُ هناك متابعاً لقتيبة وشواهد لحديثه يقطع الواقف عليها بصحته. ورواه مالك (١ / ١٤٣ / ٢) من طريق أخرى عن أبي الطفيل به بلفظ : ((أنهم خرجوا مع رسول الله ير عام تبوك، فكان رسول الله ومثله يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، قال: فأخر الصلاة يوماً، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً، ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعاً)). ومن طريق مالك أخرجه مسلم (٧ / ٦٠)، وأبو داود (١٢٠٦)، والنسائي (١ / ٩٨)، والدارمي (١ / ٣٥٦)، والطحاوي (١ / ٩٥)، والبيهقي (٣ / ١٦٢)، وأحمد (٥ / ٢٣٧)، وفي رواية لمسلم (٢ / ١٥٢) وغيره من طريق أخرى: ((فقلت: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته)). فقه الحدیث : فيه مسائل : ١ - جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، ولو في غير عرفة ومزدلفة، وهو ٣١٢ مذهب جمهور العلماء؛ خلافاً للحنفية، وقد تأوَّلوه بالجمع الصوري؛ أي : بتأخير الظهر إلى قرب وقت العصر، وكذا المغرب مع العشاء، وقد ردَّ عليهم الجمهور من وجوه : أولاً: أنه خلاف الظاهر من الجمع . ثانياً: أن الغرض من مشروعيته التيسير ورفع الحرج كما صرَّحت بذلك رواية مسلم، ومراعاة الجمع الصوري فيه من الحرج ما لا يخفى . ثالثاً: أن في بعض أحاديث الجمع ما يبطل دعواهم؛ كحديث أنس بن مالك بلفظ: ((أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر، ثم يجمع بينهما)). رواه مسلم (٢ / ١٥١) وغيره. رابعاً: ويبطله أيضاً جمع التقديم الذي صرح به حديث معاذ هذا: ((وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس عجل العصر إلى الظهر)). والأحاديث بهذا المعنى كثيرة كما سبقت الإِشارة إلى ذلك. ٢ - وأن الجمع كما يجوز تأخيراً يجوز تقديماً، وبه قال الإِمام الشافعي في ((الأم)) (١ / ٦٧)، وكذا أحمد وإسحاق؛ كما قال الترمذي (٢ / ٤٤١). ٣ - وأنه يجوز الجمع في حال نزوله كما يجوز إذا جدَّ به السير؛ قال الإِمام الشافعي في ((الأم)) بعد أن روى الحديث من طريق مالك: «وهذا وهو نازل غیر سائر؛ لأن قوله: «دخل ... ثم خرج))، لا يكون إلا وهو نازل؛ فللمسافر أن يجمع نازلاً وسائراً». قلت: فلا يلتفت بعد هذا النص إلى قول ابن القيم رحمه الله في ((الزاد)) (١ / ١٨٩ ) : ((ولم يكن من هديه # ## الجمع راكباً في سفره كما يفعله كثير من الناس، ولا الجمع حال نزوله أيضاً)). ٣١٣ وقد اغتر بكلامه هذا بعض إخواننا السلفيين في بعض الأقطار؛ فلذلك وجب التنبيه عليه . ومن الغريب أن يخفى مثل هذا النص على ابن القيم رحمه الله مع وروده في ((الموطأ)) و((صحيح مسلم)) وغيرهما من الأصول التي ذكرنا، ولكن لعل الغرابة تزول إذا تذكرنا أنه ألف هذا الكتاب ((الزاد)) في حال بعده عن الكتب وهو مسافر، وهذا هو السبب في وجود كثير من الأخطاء الأخرى فيه، وقد بينت ما ظهر لي منها في ((التعليقات الجياد على زاد المعاد)). ومما يحمل على الاستغراب أيضاً أن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله صرَّح في بعض كتبه بخلاف ما قال ابن القيم رحمه الله؛ فكيف خفي عليه ذلك وهو أعرف الناس به وبأقواله؟ قال شيخ الإسلام في ((مجموعة الرسائل والمسائل)) (٢ / ٢٦ - ٢٧) بعد أن ساق الحديث : ((الجمع على ثلاث درجات، أما إذا كان سائراً في وقت الأولى؛ فإنما ينزل في وقت الثانية؛ فهذا هو الجمع الذي ثبت في ((الصحيحين)) من حديث أنس وابن عمر، وهو نظير جمع مزدلفة، وأما إذا كان وقت الثانية سائراً أو راكباً، فجمع في وقت الأولى؛ فهذا نظير الجمع بعرفة، وقد روي ذلك في ((السنن)) (يعني حديث معاذ هذا)، وأما إذا كان نازلاً في وقتهما جميعاً نزولاً مستمرّاً؛ فهذا ما علمت روي ما يستدل به عليه؛ إلا حديث معاذ هذا؛ فإن ظاهره أنه كان نازلاً في خيمته في السفر، وأنه أخر الظهر ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً، ثم دخل إلى بيته، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعاً؛ فإن الدخول والخروج إنما يكون في المنزل، وأما السائر؛ فلا یقال: دخل وخرج، بل نزل وركب. وتبوك هي آخر غزوات النبي وَّر، ولم يسافر بعدها إلا حجة الوداع، وما نقل ٣١٤ أنه جمع فيها إلا بعرفة ومزدلفة، وأما بمنى؛ فلم ينقل أحد أنه جمع هناك، بل نقلوا أنه كان يقصر الصلاة هناك، وهذا دليل على أنه كان يجمع أحياناً في السفر، وأحياناً لا یجمع، وهو الأغلب على أسفاره أنه لم یکن یجمع بينهما. وهذا يبيِّن أن الجمع ليس من سنة السفر كالقصر، بل يُفعل للحاجة، سواء أكان في السفر أو في الحضر؛ فإنه قد جمع أيضاً في الحضر لئلا يحرج أمته(١)؛ فالمسافر إذا احتاج إلى الجمع جمع، سواء أكان ذلك لسيره وقت الثانية أو الأولى، وشق النزول عليه، أو كان مع نزوله لحاجة أخرى، مثل أن يحتاج إلى النوم والاستراحة وقت الظهر ووقت العشاء، فينزل وقت الظهر وهو تعبان سهران جائع يحتاج إلى راحة وأكل ونوم، فيؤخر الظهر إلى وقت العصر، ثم يحتاج أن يقدم العشاء مع المغرب وينام بعد ذلك ليستيقظ نصف الليل لسفره؛ فهذا ونحوه يباح له الجمع . وأما النازل أياماً في قرية أو مصر وهو في ذلك المصر؛ فهذا وإن كان يقصر لأنه مسافر؛ فلا يجمع؛ كما أنه لا يصلي على الراحلة، ولا يصلي بالتيمُّم، ولا يأكل الميتة؛ فهذه الأمور أبيحت للحاجة، ولا حاجة به إلى ذلك؛ بخلاف القصر؛ فإنه سنة صلاة السفر)). تَوْحِيدُ الموازين ١٦٥ - (الوَزْنُ وَزْنُ أَهلِ مَكَّةَ، والمِكْيالُ مِكْيالُ أَهلِ المدينةِ). رواه ابن الأعرابي في ((معجمه)) (١٦٧ / ٢)، وأبو داود (٣٣٤٠)، والنسائي (٧ / ٢٨١ - المطبعة المصرية)، وابن حبان (١١٠٥)، والطبراني (٣ / ٢٠٢ / ١)، والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (٢ / ٩٩)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٤ / ٢٠)، (١) قلت: يشير إلى ما رواه مسلم من حديث ابن عباس، والطحاوي عن جابر، وهو مخرج في ((الإِرواء)) (٣ / ١ / ٥٧٩ / ٢). ٣١٥ ٠ والبيهقي (٦ / ٣١) من طريقين عن سفيان عن حنظلة عن طاوس عن ابن عمر مرفوعاً. قلت: وهذا سند صحيح كما قال ابن الملقن في ((الخلاصة)) (٦٤ - ٦٥)، وصححه ابن حبان والدارقطني والنووي وابن دقيق العيد والعلائي كما في ((فيض القدير))، ورواه بعضهم عن سفيان به، فقال: ((عن ابن عباس))؛ بدل: ((ابن عمر))، وهو خطأ؛ كما بينته في تخريج أحاديث بيوع الموسوعة الفقهية، ثم في ((الإِرواء)) (١٣٣١). قال الإِمام أبو جعفر الطحاوي رحمه الله : ((تأملنا هذا الحديث، فوجدنا مكة لم يكن بها ثمرة ولا زرع حينئذ، وكذلك كانت قبل ذلك الزمان، ألا ترى إلى قول إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبَّنَا إِنِّي إِسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾(١)، وإنما كانت بلد متجر، يوافي الحاجُ إليها بتجارات فيبيعونها هناك، وكانت المدينة بخلاف ذلك؛ لأنها دار النخل، ومن ثمارها حياتهم، وكانت الصدقات تدخلها، فيكون الواجب فيها من صدقة تؤخذ كيلاً، فجعل النبي وَيّ الأمصار كلها لهذين المصرين أتباعاً، وكان الناس يحتاجون إلى الوزن في أثمان ما يبتاعون، وفيما سواها مما يتصرَّفون فيه من العروض ومن أداء الزكوات وما سوى ذلك مما يستعملونه، فيما يسلِّمونه فيه من غيره من الأشياء التي يكيلونها، وكانت السنة قد منعت من إسلام موزون في موزون، ومن إسلام مكيل في مكيل، وأجازت إسلام المكيل في موزون، والموزون في مکیل، ومنعت من بيع الموزون بالموزون؛ إلا مثلاً بمثل، ومن بيع المكيل بالمكيل؛ إلا مثلاً بمثل، وكان الوزن في ذلك أصله ما كان عليه بمكة، والمكيال مكيال أهل المدينة، لا يتغير عن ذلك، وإن غيَّره الناس عما كان عليه إلى ما سواه من ضده، فيرحبون بذلك إلى معرفة الأشياء المكيلات التي لها حكم المكيال إلى ما كان عليه أهل المكاييل فيها يومئذ، وفي الأشياء الموزونات (١) إبراهيم: ٣٧ . ٣١٦ إلى ما كان عليه أهل الميزان يومئذ، وأن أحكامها لا تتغير عن ذلك ولا تنقلب عنها إلى أضدادها)). قلت: ومن ذلك يتبيّن لنا أن النبي ◌َّ هو أول من وضع أصل توحيد الموازين والمكاييل، ووجَّه المسلمين إلى الرجوع في ذلك إلى أهل هذين البلدين المفضلين: مكة المكرمة والمدينة المنورة . فليتأمل العاقل هذا، ولينظر حال المسلمين اليوم واختلافهم في مكاييلهم وموازينهم، على أنواع شتى؛ بسبب هجرهم لهذا التوجيه النبوي الكريم، ولمَّا شعر بعض المسؤولين في بعض الدول العربية المسلمة بسوء هذا الاختلاف؛ اقترح البعض عليهم توحيد ذلك وغيره كالمقاييس بالرجوع إلى عرف الكفار فيها! فوا أسفاه! لقد كنا سادة وقادة لغيرنا بعلمنا وتمسكنا بشريعتنا، وإذا بنا اليوم أتباع ومقلدون! ولمن؟ لمن كانوا في الأمس القريب يقلدوننا، ويأخذون العلوم عنا! ولكن لا بد لهذا الليل من أن ينجلي، ولا بد للشمس أن تشرق مرة أخرى، وها قد لاحت تباشير الصبح، وأخذت بعض الدول الإسلامية تعتمد على نفسها في كل شؤون حياتها، بعد أن كانت فيها عالة على غيرها، ولعلها تسير في ذلك على هدي كتاب ربها وسنة نبيها، ولله في خلقه شؤون. وُجُوبُ إِحْسَانِ صُحْبَةِ الزَّوْجَةِ ١٦٦ - (هِيَ لكَ على أَنْ تُحْسِنَ صُحبَتَها). رواه الطبراني (١ / ١٧٦ / ١): حدثنا أحمد بن عمرو البزار: نا زيد ابن أخزم: نا عبدالله بن داود عن موسى بن قيس عن حجر بن قيس - وكان قد أدرك الجاهلية - قال: خطب علي رضي الله عنه إلى رسول الله ﴾ فاطمة رضي الله عنها، فقال: (فذكره). ٣١٧ قلت: وهذا سند صحیح، رجاله كلهم ثقات، وعبدالله بن داود هو أبو عبدالرحمن الخريبي، والبزار هو الحافظ صاحب ((المسند)) المعروف به، وقد أخرجه فيه بإسناده المذكور (٢ / ١٥١ / ١٤٦ - كشف الأستار) بلفظ: ((هي لك يا علي! لستُ بدجال)). وكذلك أخرجه العقيلي في ((ضعفائه)) (٤ / ١٦٥) من طريق آخر عن موسى ابن قیس الحضرمي به، وقال البزار: ((ومعنى قوله وَير: ((هي لك؛ لست بدجال))؛ يدل على أنه قد كان وعده، فقال: إني لا أخلف الوعد)). قلت: وقد رواه أبو بلال الأشعري: حدثنا قيس بن الربيع عن موسى بن قيس به نحوه؛ بلفظ : (( ... لقد زوجتك غير دجال)). أخرجه العقيلي . فهذا يخالف تفسير البزار المتقدم، لكن أبو بلال وقيس بن الربيع ضعيفان؛ فلا يحتج بهما، وبخاصة عند المخالفة كما هنا. ثم قال البزار: ((وحجر لا نعلم روى عن النبي صل إلا هذا، ولا نعلمه إلا بهذا الإِسناد)). قلت: وقد أعله بعضهم بعلتين: الأولى: الإِرسال؛ فإن حُجر بن قيس (ويقال: ابن العنبس)، وإن كان الطبراني ذكره في (الصحابة)؛ فقد خولف، فذكره ابن حبان في (التابعين) من كتابه ((الثقات)) (٤ / ١٧٧)، وقال ابن معين: ((شيخ كوفي ثقة مشهور)). ٣١٨ وقال الخطيب في ((التاريخ)) (٨ / ٢٧٤): ((أدرك الجاهلية؛ غير أنه لم يلق رسول الله وَظاهر ... وصحب عليّاً، وسار معه إلى النهروان لقتال الخوارج، ورد المدائن بصحبته، وكان ثقة، احتج بحديثه غير واحد من الأئمة)). ونقل الحافظ في ((الإِصابة)) الاتفاق على أنه لم يلق النبي وَ له، وأجاب عن هذه العلة بقوله : ((فكأنه سمع هذا من بعض الصحابة)). قلت: والظاهر الذي يغلب على الظن أنه علي نفسه؛ لما عرفت من صحبته إياه، ولتعلق القضية به . والعلة الأخرى: موسى بن قيس، فقد قال العقيلي فيه - وقلده ابن الجوزي، بل وزاد عليه كما يأتي -: ((من الغلاة في الرفض، يحدث بأحاديث رديئة بواطيل))! كذا قال! وهو من غلوه وشططه الذي لا يُتابع عليه؛ لأنه مجرد دعوى لم تقرن بالحجة الملزمة؛ فإنه روی بسنده عنه قال: ((قال لي سفيان الثوري: أيهما أحب إليك أبو بكر أو علي؟ قلت: علي. قال: أرجو أن تدخل الجنة، أرجو أن تدخل الجنة)). أقول: فهذا - إن صح؛ فإن فيه مَن لا يحضرني حاله الآن ـــ مما لا يدل على الرفض المزعوم، كل ما فيه أنه يحب عليّاً أكثر من أبي بكر؛ كما هو ظاهر، وكثير من كبار السلف كانوا كذلك؛ كما يُعرف من تراجمهم، وإن كنا لا نفضَّل على أبي بكرٍ أحداً بعد رسول الله وَ ل﴿، وهذا مما تولَّى بيانه شيخ الإسلام رحمه الله في كتبه. وإن من جنف ابن الجوزي وغلوائه الذي عرف به أنه قلد العقيلي، وزاد عليه شططاً؛ فإنه أورد الحديث في ((موضوعاته)) (١ / ٣٨٢) وقال: ٣١٩ «هذا حديث موضوع، وضعه موسى بن قيس، وكان من غلاة الروافض، وهو إن شاء الله من حمير النار)). وكأن ابن الجوزي - غفر الله له - جهل ثناء الأئمة عليه، وفي مقدمتهم الإِمام أحمد رحمه الله؛ فقد قال ابنه في ((العلل)) (١ / ١٢٥ و٢٤١): ((سمعت أبي ذكر موسى بن قيس الحضرمي، فقال: ما أعلم إلا خيراً). ووثقه ابن معین أيضاً، وابن نمير، وابن حبان (٧ / ٤٥٥)، وابن شاهين (٣٠٥ / ١٢٩١)، وقال أبو حاتم - مع تشدده -: ((لا بأس به)). فشذوذ العقيلي وابن الجوزي عن هؤلاء الأئمة مردود عليهما، فلا جرم أن السيوطي في ((اللآلىء)) (١ / ٣٦٥)، وابن عراق في ((تنزيه الشريعة)) (١ / ٣٨٦) قد ردا عليهما شططهما، ولذلك لم يعرِّج على قولهما أحد ممن جاء بعدهما - فيما علمت - كالذهبي؛ فإنه قال في ((الكاشف)): ((ثقة، شيعي)). قلت: فلم يقل: ((رافضي))؛ بله: ((رافضي غال))! وعبارة الحافظ في ((التقريب)) أدق من هذه الحيثية؛ فإنه قال: «صدوق، رمي بالتشيع)). فكأنه يشير إلى تضعيف الرواية التي اعتمد عليها العقيلي كما تقدم. قال الهيثمي في ((المجمع)) (٩ / ٢٠٤) بعدما عزاه للبزار وحده: ((ورجاله ثقات؛ إلا أن حُجْراً لم يسمع من النبي 9َّ)). ثم عزاه للطبراني أيضاً، ووثق رجاله . وتقدم الجواب عن الإِرسال الذي أشار إليه، والله سبحانه وتعالى أعلم. ٣٢٠