النص المفهرس
صفحات 241-260
(تنطف)؛ أي: تقطر، والنَّطْف: القطر. (یتکفّفون)؛ أي: یأخذون بأکفهم. (سبب)؛ أي : حبل. مِنْ عَجَائِبِ أَشْرِاطِ السَّاعَةِ ١٢٢ - (والَّذِي نَفْسي بيدِهِ؛ لا تَقومُ الساعةُ حتَّى يُكَلِّمَ السِّباعُ الإِنسَ، ويُكَلَّمَ الرجلَ عَذَبَةُ سوْطِهِ وشِراكُ نَعْلِه، ويُخْبِرَه فَخِذُهُ بما حَدَّثَ أَهْلُهُ بعدَهُ). رواه الإِمام أحمد (٣ / ٨٣ - ٨٤): ثنا يزيد: أنا القاسم بن الفضل الحُدَّاني عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: ((عدا الذئب على شاة فأخذها، فطلبه الراعي، فانتزعها منه، فأقعى الذئب على ذنبه؛ قال: ألا تتقى الله؟! تنزع مني رزقاً ساقه الله إلي؟! فقال: يا عجبي! ذئب مُقْعٍ على ذنبه يكلمني كلام الإِنس! فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك؟ محمد رَ* بيثرب، يخبر الناس بأنباء ما قد سبق! قال: فأقبل الراعي يسوق غنمه حتى دخل المدينة، فزواها إلى زاوية من زواياها، ثم أتى رسول الله مَ لّ فأخبره، فأمر رسول الله و 18 فنودي بالصلاة جامعة، ثم خرج، فقال للراعي: أخبرهم. فأخبرهم، فقال رسول الله وَ#1: صدق والذي نفسي بيده)) الحديث. قلت: وهذا سند صحيح، رجاله ثقات. والحديث أخرجه ابن حبان (٢١٠٩)، والعقيلي (٣ / ٤٧٧ - ٤٧٨)، والبزار (٢٤٣١)، والحاكم مفرقاً (٤ / ٤٦٧ و٤٦٧ - ٤٦٨) وقال: ((صحيح على شرط مسلم)). ٢٤١ ووافقه الذهبي . وأخرج الترمذي (٢١٨٢) منه قوله: ((والذي نفسي بيده ... ))، وقال: ((حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل، وهو ثقة مأمون)). قلت: وممَّا يدلُّ على ثقته وتثُبُّته: أن العقيلي روى عقب الحديث عن شعبة أنه سأل القاسم بن الفضل عن حديثه هذا، وقال له: لعلك سمعتَه من شهر بن حوشب؟ قال: لا؛ حدثنا أبو نضرة عن أبي سعيد، فما سكت حتى سكت شعبة. ( انظر الاستدراك رقم : ٤ ) . ٥٠١٠٠/ ٤ / ١٥ عَدَدُ مَنْ يَرَدُ حَوْصَه ◌ِچل ١٢٣ - (ما أَنْتُم بِجُزْءٍ مِن مائةٍ أَلْفِ جُزْءٍ مِمَّنْ يردُ عليَّ الحوضَ مِن أُمَّتي). أخرجه أبو داود (٥٧٤٦)، والحاكم (١ / ٧٦) وصححه، وأحمد (٤ / ٣٦٧ و٣٦٩ و٣٧١ ٣٧٢) من طريق شعبة عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا حمزة أنه سمع زيد بن أرقم قال : (كنا مع رسول الله وَ لل في سفر، فنزلنا منزلاً، فسمعته يقول: (فذكره). قال: كم كنتم يومئذ؟ قال: سبعمائة أو ثمانمائة)). قلت: وهذا سند صحيح، رجاله رجال الشيخين؛ غير أبي حمزة - واسمه طلحة بن يزيد الأنصاري -؛ فمن رجال البخاري، ووثقه ابن حبان والنسائي . الشَّمْسُ وَالقَمَرُ فِي النَّارِيَوْمَ القِيامَةِ ١٢٤ - (الشمسُ والقمرُ ثَوْرانِ مُكَوَّرانِ في النّارِ يومَ القيامةِ). أخرجه الإمام الطحاوي في ((مشكل الآثار)) (١ / ٦٦ - ٦٧): حدثنا محمد بن خزيمة: حدثنا مُعَلَّى بن أسد العَمِّي: حدثنا عبدالعزيز بن المختار بن عبدالله ٢٤٢ الداناج(١) قال : ((شهدت أبا سلمة بن عبدالرحمن جلس في مسجد في زمن خالد بن عبدالله ابن خالد بن أسيد؛ قال: فجاء الحسن فجلس إليه فتحدثا، فقال أبو سلمة: حدثنا أبو هريرة عن النبي وسلم قال: (فذكره). فقال الحسن: ما ذنبهما؟! فقال: إنما أحدثك عن رسول الله چر. فسكت الحسن. ورواه أحمد في ((مسائل ابنه صالح)) (ص ٦١)، والبيهقي في كتاب ((البعث والنشور))، وكذا البزار، والإِسماعيلي، والخطابي؛ كلهم من طريق يونس بن محمد: حدثنا عبدالعزيز بن المختار به . قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري، وقد أخرجه في ((صحيحه)) مختصراً، فقال (٢ / ٣٠٤ - ٣٠٥): حدثنا مسدد قال: حدثنا عبدالعزيز بن المختار به بلفظ : ((الشمس والقمر مكوّران يوم القيامة)). وليس عنده قصة أبي سلمة مع الحسن، وهي صحيحة . وقد وقع للخطيب التبريزي وهم في إسناد هذا الحديث والقصة؛ حيث جعل الحديث من تحديث الحسن عن أبي هريرة، والمناقشة بينهما، وقد نبهت عليه في تعليقي على كتابه («مشكاة المصابيح)) (رقم ٥٦٩٢). وللحديث شاهد، فقال الطيالسي في ((مسنده)) (٢١٠٣): حدثنا دُرُست عن يزيد بن أبان الرقاشي عن أنس رفعه إلى النبي وطهر بلفظ: ((إن الشمس والقمر ثوران عقيران في النار)). وهذا إسناد ضعيف من أجل الرقاشي؛ فإنه ضعيف، ومثله درست، ولكنه قد توبع . (١) بفتح الدال والنون: معناه: العالم؛ معرب (دانا)؛ كما في ((اللباب)) وغيره. ٢٤٣ ومن هذه الطريق أخرجه الطحاوي، وأبو يعلى (٣ / ١٧ / ١٠)، وابن عدي (١٢٩ / ٢)، وأبو الشيخ في ((العظمة)) كما في ((اللآلىء المصنوعة)) (١ / ٨٢)، وابن مردویه كما في ((الجامع الصغير))، وزاد: ((وإن شاء أخرجهما، وإن شاء تركهما)). وأما المتابعة المشار إليها؛ فقال أبو الشيخ : حدثنا أبو معشر الدارمي : حدثنا هُدبة: حدثنا حماد بن سلمة عن يزيد الرقاشي به . قال السيوطي : ((وهذه متابعة جليلة)). وهو كما قال، والسند رجاله ثقات؛ كما قال ابن عراق في ((تنزيه الشريعة)) (١ / ١٩٠ - الطبعة الأولى)؛ يعني: مَن دون الرقاشي، وإلا فهو ضعيف كما عرفت، ولكنه ليس شديد الضعف، فيصلح للاستشهاد به . ولذلك؛ فقد أساء ابن الجوزي بإيراده لحديثه في ((الموضوعات))! على أنه قد تناقض؛ فقد أورده أيضاً في ((الواهيات))؛ يعني: الأحاديث الواهية غير الموضوعة، وكل ذلك سهو منه عن حديث أبي هريرة هذا الصحيح. والله الموفق. معنى الحديث : وليس المراد من الحديث ما تبادر إلى ذهن الحسن البصري: أن الشمس والقمر في النار يعذّبان فيها عقوبة لهما؛ كلا؛ فإن الله عز وجل لا يعذِّب من أطاعه من خلقه، ومن ذلك الشمس والقمر؛ كما يشير إليه قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لهُ مَنْ فِي السَّماواتِ ومَنْ فِي الأرْضِ والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجومُ والجِبَالُ والشَّجَرُ والدَّوابُ وكَثِيرٌ مِن النَّاسِ وكَثِيرٌ حَقَّ عليهِ العَذابُ﴾(١)، فأخبر تعالى أن عذابه (١) الحج : ١٨. ٢٤٤ إنما يحق على غير من كان يسجد له تعالى في الدنيا؛ كما قال الطحاوي، وعليه؛ فإلقاؤهما في النار يحتمل أمرين : الأول: أنهما من وقود النار؛ قال الإِسماعيلي : ((لا يلزم من جعلهما في النار تعذيبهما؛ فإن لله في النار ملائكة وحجارة وغيرها؛ لتكون لأهل النار عذاباً، وآلة من آلات العذاب، وما شاء الله من ذلك؛ فلا تكون هي معذبة)». والثاني: أنهما يلقيان فيها تَبْكيتاً لعُبَّادِهِما. قال الخطابي : ((ليس المراد بكونهما في النار تعذيبهما بذلك، ولكنه تبكيت لمن كان يعبدهما في الدنيا؛ ليعلموا أن عبادتهم لهما كانت باطلًا)). قلت: وهذا هو الأقرب إلى لفظ الحديث، ويؤيده أن في حديث أنس عند أبي يعلى - كما في ((الفتح)) (٦ / ٢١٤) -: ((ليراهما من عبدهما))، ولم أرها في ((مسنده)). والله تعالى أعلم. مِنْ فَضَائِلِ طَلْحَ بِ عُبِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ١٢٥ - (مَنْ سَرَّهُ أَنْ ينظُرَ إِلى رجلٍ يَمْشي على الأرْضِ وقدْ قَضِى نَحْبَهُ؛ فليَنْظُرْ إِلى طَلْحَة). أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) (٣ / ١ / ١٥٥): أخبرنا سعيد بن منصور قال: نا صالح بن موسى عن معاوية بن إسحاق عن عائشة بنت طلحة عن عائشة قالت : ((إني لفي بيتي، ورسول الله وَيهو وأصحابه بالفناء، وبيني وبينهم الستر، أقبل طلحة بن عبيدالله، فقال رسول الله عَلَيلة: (فذكره))). ٢٤٥ وكذا رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (ق ٢٣٢ / ١)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١ / ٨٨) من طريق أخری عن صالح بن موسی به . ورواه أيضاً الطبراني في ((الأوسط))؛ كما في ((المجمع)) (٩ / ١٤٨) وقال: ((وفيه صالح بن موسى، وهو متروك)). قلت: ولم ينفرد به؛ فقد رواه إسحاق بن يحيى بن طلحة عن عمه موسى بن طلحة قال : ((بينما عائشة بنت طلحة تقول لأمها أم كلثوم بنت أبي بكر: أبي خير من أبيك. فقالت عائشة أم المؤمنين: ألا أقضي بينكما؟ إن أبا بكر دخل على النبي وَلات، فقال: يا أبا بكر! أنت عتيق الله من النار. قالت: فمن يومئذ سمي عتيقاً، ودخل طلحة على النبي * فقال: أنت يا طلحة! ممن قضى نحبه)). أخرجه الحاكم (٢ / ٤١٥ / ٤١٦)، وقال: ((صحيح الإِسناد)). وتعقبه الذهبي بقوله . ((قلت: بل إسحاق متروك، قاله أحمد)). قلت: ومع ضعفه الشديد؛ فقد اضطرب في إسناده، فرواه مرة هكذا، ومرة قال: عن موسى بن طلحة قال: ((دخلت على معاوية، فقال: ألا أبشرك؟ قلت: بلى. قال: سمعت رسول الله ﴿* يقول: طلحة ممَّن قضى نحبه)). أخرجه ابن سعد (٣ / ١ / ١٥٥ - ١٥٦)، والترمذي (٢ / ٢١٩ و٣٠٢)، وقال : ((حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإنما روي عن موسى بن طلحة عن أبيه)). ٢٤٦ قلت: ثم ساقه هو، وأبو يعلى (ق ٤٥ / ١)، والضياء في ((المختارة)) (١ / ٢٧٨) من طريق طلحة بن يحيى عن موسى وعيسى ابني طلحة عن أبيهما طلحة أن أصحاب رسول الله ◌َ لّ قالوا لأعرابي جاهل: سله عمَّن قضى نحبه؛ من هو؟ وكانوا لا يجترئون على مسألته؛ يوقرونه ويهابونه، فسأله الأعرابي؟ فأعرض عنه، ثم سأله؟ فأعرض عنه، ثم إني اطّلعت من باب المسجد وعليَّ ثياب خضر، فلما رآني رسول اللهِ وَ ل؛ قال: أين السائل عمَّن قضى نحبه؟ قال: أنا يا رسول الله! قال: هذا ممَّن قضی نحبه . وقال الترمذي : , ((هذا حديث حسن غريب)). قلت: وإسناده حسن؛ رجاله ثقات رجال مسلم؛ غير أن طلحة بن يحيى تكلم فيه بعضهم من أجل حفظه، وهو مع ذلك لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن . ولم ينفرد بالحديث؛ فقد أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١ / ١٣ / ٢) عن سليمان بن أيوب: حدثني أبي عن جدي عن موسى بن طلحة عن أبيه قال: كان النبي ◌َّ# إذا رآني قال: ((من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض؛ فلينظر إلى طلحة بن غبيدالله)). قلت: وهذا سند ضعيف؛ سليمان هذا صاحب مناكير، وقال ابن مهدي : ((عامة أحاديثه لا يتابع عليها)). وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٩ / ١٤٩): (رواه الطبراني، وفيه سليمان بن أيوب الطلحي، وقد وُثَّق، وضعفه جماعة، وفيه جماعة لم أعرفهم)) . وللحديث شاهد جيد مرسل بلفظ : ٢٤٧ ((من أراد أن ينظر إلى رجل قد قضى نحبه؛ فلينظر إلى طلحة بن عبيدالله)). أخرجه ابن سعد (٣ / ١ / ١٥٦): أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي قال: ثنا أبو عوانة عن حصين عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة قال: قال رسول الله ولايته: (فذكره). قلت: وهذا مرسل صحيح الإِسناد، رجاله كلهم ثقات، رجال الشيخين. ثم إن صالح بن موسى الذي في الطريق الأول قد رواه بإسناد آخر ولفظ آخر، وهو: ١٢٦ - (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلى شَهِيدٍ يَمْشي على وجْهِ الأرضِ ؛ فَلْيَنْظُرْ إِلى طلحَةَ بن عُبيدِاللهِ). أخرجه الترمذي (٢ / ٣٠٢ - بولاق) عن صالح بن موسى الطلحي - من ولد طلحة بن عبيدالله - عن الصلت بن دينار عن أبي نضرة؛ قال: قال جابر بن عبدالله: سمعت رسول الله * يقول: (فذكره)، وقال: ((حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث الصلت، وقد تكلم بعض أهل العلم في الصلت بن دينار وفي صالح بن موسى من قِبَل حفظهما)). قلت: هما بعد التحقيق ضعيفان جدّاً؛ غير أن صالح بن موسی لم ينفرد به، وهو ما أشعر به كلام الترمذي نفسه، فقال الطيالسي في ((مسنده)) (١٧٩٣): حدثنا الصلت بن دينار: [ثنا] أبو نضرة به بلفظ: ((مر طلحة بالنبي ◌َّ﴾، فقال: شهيد يمشي على وجه الأرض)). وهكذا رواه ابن ماجه (١٢٥) عن وكيع: ثنا الصلت الأزدي به . ورواه الواحدي في ((الوسيط)) (٣ / ٧ / ١٢١) عن الصلت به مثل رواية الترمذي . ٢٤٨ ورواه البغوي في ((تفسيره)) (٧ / ٥٢٨) من هذا الوجه بلفظ : ((نظر رسول الله ◌َو إلى طلحة بن عبيدالله فقال: من أحب أن ينظر إلى رجل يمشي على وجه الأرض قد قضى نحبه؛ فلينظر إلى هذا)). وقد عزاه صاحب ((مشكاة المصابيح)) للترمذي في رواية له، وهو وهم منه رحمه الله . وبالجملة؛ فالحديث بهذه الطرق والشواهد يرتقي إلى درجة الصحة، وهي وإن اختلفت ألفاظها؛ فالمؤدى واحد كما هو ظاهر، وقد ثبته الحافظ في ((الفتح)) (٨ / ٣٩٨ - بولاق). والله أعلم. وفي الحديث إشارة إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿مِنَ المُؤمِنينَ رِجَالٌ صَدَقوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَليهِ فمِنْهُمْ مَنْ قَضِى نَحْبَهُ ومِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلوا تَبْدِيلاً﴾(١). وفيه منقبة عظيمة لطلحة بن عبيدالله رضي الله عنه، حيث أخبر وم ير أنه ممَّن قضى نحبه؛ مع أنه لا يزال حيّاً ينتظر الوفاء بما عاهد الله عليه. قال ابن الأثير في ((النهاية)): ((النحب: النذر؛ كأنه ألزم نفسه أن يصدق أعداء الله في الحرب، فوفى به، وقيل: النحب الموت، كأنه يلزم نفسه أن يقاتل حتى يموت)). وقد قتل رضي الله عنه يوم الجمل؛ فويل لمن قتله . فَضْلُ الَّوْحِيدِ والاسْتَغْفَارِ ١٢٧ - (قالَ اللهُ تَعالى: يا ابنَ آدمَ! إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي؛ غَفَرْتُ لكَ على ما كانَ فيكَ ولا أُبالي، يا ابنَ آدَمَ! لو بَلَغَتْ ذُنوبُكَ (١) الأحزاب: ٢٣. ٢٤٩ ٢ عَنانَ السماءِ، ثم استَغْفَرَتَنِي؛ غفرتُ لكَ ولا أُبالي، يا ابنَ آدَمَ! إِنَّكَ لو أَيْتَنِي بِقُرابِ الأرضِ خَطايا، ثمَّ لَقِيتَنِي لا تُشْرِكُ بي شيئاً؛ لأنَيْتُكَ بقرابها مَغْفرةً) . رواه الترمذي (٢ / ٢٧٠) من طريق كثير بن فائد: حدثنا سعيد بن عبيد قال: سمعت بكر بن عبدالله المزني يقول: حدثنا أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله گالڼ يقول: (فذكره)، وقال: ((حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه)). قلت: ورجاله موثّقون؛ غير كثير بن فائد، فلم يوثقه غير ابن حبان، وفي ((التقريب)) أنه مقبول. قلت: لكن الحديث حسن كما قال الترمذي؛ فإن له شاهداً من حديث أبي ذر، يرويه شهر بن حوشب عن عمر بن معدیکرب عنه مرفوعاً به مع تقديم وتأخير. أخرجه الدارمي (٢ / ٣٢٢)، وأحمد (٥ / ١٧٢) من طريق غيلان بن جرير عن شهر به . وخالفه عبدالحميد - وهو ابن بهرام - فقال: ثنا شهر: حدثني ابن غنم أن أبا ذر حدثه به . أخرجه أحمد (٥ / ١٥٤)، وشهر فيه ضعف من قبل حفظه، وإن لم يكن هذا الاختلاف عليه من تردّدہ وسوء حفظه؛ فالوجه الأول أصح؛ لأن غيلان أوثق من ابن بهرام . وله شاهد آخر عند الطبراني في «معاجمه)) عن ابن عباس، وهو مخرج في ((الروض النضير)) (٤٣٢). وله عن أبي ذر طريق أخرى مختصراً بلفظ: ٢٥٠ - ١٢٨ - (قالَ اللهُ تَبَارَكَ وتَعالى: الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمثالِها أَو أَزِيْدُ، والسِّّئَةُ واحدةٌ أَو أَغْفِرُها، ولو لَقيتَني بِقِرابِ الأرْضِ خَطايا ما لمْ تُشْرِكْ بِي؛ لَقيتُكَ بِقُرابها مَغفرةً). رواه الحاكم (٤ / ٢٤١)، وأحمد (٥ / ١٠٨) عن عاصم عن المعرور بن سويد أن أبا ذر رضي الله عنه قال: ((حدثنا الصادق المصدوق # فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: الحسنة ... ))، وقال: (صحيح الإِسناد)). ووافقه الذهبي . قلت: عاصم هو ابن بهدلة، وهو حسن الحديث، وبقية الرجال ثقات، رجال الشیخین؛ فالإِسناد حسن. ورواه ابن حبان (١ / ٢٢٥ / ٢٢٦) من طريق أخرى عن المعرور به؛ دون الشطر الأول منه، وهو عند مسلم بتمامه وأتم منه، وسيأتي تخريجه في المجلد الثاني برقم (٥٨١). ١٢٩ - (قَدْ أَفْلَحَ مَن أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفافاً، وقَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ). رواه مسلم (٣ / ١٠٢)، والترمذي (٢ / ٥٦)، وأحمد (٢ / ١٦٨)، والبيهقي (٤ / ١٩٦) من طريق عبدالله بن يزيد المقرىء: حدثنا سعيد بن أبي أيوب: حدثني شرحبيل بن شريك عن أبي عبدالرحمن الحُبُلي عن عبدالله بن عمرو بن العاصي مرفوعاً . وقال الترمذي : (حديث حسن صحيح)). ٢٥١ ورواه ابن ماجه (٤١٣٨) عن ابن لهيعة عن عبيدالله بن أبي جعفر وحميد بن هانىء الخولاني أنهما سمعا أبا عبدالرحمن الحبلي يخبر عن عبدالله بن عمرو به نحوه . وابن لهيعة سيىء الحفظ، لكن لا بأس به في المتابعات. وتابعه عبدالرحمن بن سلمة الجمحي؛ قال: سمعت عبدالله بن عمرو به مرفوعاً؛ إلا أنه قال: ((فصبر عليه))؛ مكان: ((وقنعه الله ... )). أخرجه ابن حبان (٢ / ٣١ -٣٢)، والفسوي في ((المعرفة)) (٢ / ٥٢٣)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٦ / ١٢٩)، وقال: ((غريب من حديث سعيد عن عبدالرحمن)). قلت: وهذا إسناد صحيح أو حسن - على الأقل - في المتابعات والشواهد: سعيد هو ابن عبدالعزيز التنوخي، وهو ثقة إمام كالأوزاعي ؛ إلا أنه اختلط في آخره . وعبدالرحمن، ذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٥ / ٨٩) برواية سعيد هذا عنه، وكذلك ذكره الفسوي في ((ثقات التابعين المصريين)) (٢ / ٤٨٧ و٥٢٣). (تنبيه): عزاه السيوطي في ((الصغير)) و((الكبير)) (٢ / ٩٥ / ١) لمسلم ومن ذكرنا معه غير البيهقي فتعقبه المناوي بقوله : ((تبع في العزو لما ذكر عبدالحق. قال في ((المنار)): وهذا لم يذكره مسلم، وإنما هو عند الترمذي ... )). قلت: وهذا وهم من صاحب ((المنار)) ثم المناوي؛ فالحديث في المكان الذي أشرنا إليه من مسلم: في ((كتاب الزكاة). وفي الحديث فضل الكفاف والقناعة به، ومثله الحديث الآتي : ٢٥٢ ١٣٠ - (اللهُمَّ! اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحمَّدٍ قُوتاً). أخرجه البخاري (٤ / ٢٢٢)، ومسلم (٣ / ١٠٣ و٨ / ٢١٧)، وأحمد (٢ / ٢٣٢) من طرق عن محمد بن فضيل عن أبيه عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله رَله: (فذكره)، واللفظ لمسلم، وكذا أحمد؛ إلا أنه قال: ((بيتي))؛ بدل: ((محمد))، ولفظ البخاري: ((اللهم! ارزق آل محمد قوتاً)). ويؤيد اللفظ الأول أن الأعمش رواه عن عمارة بن القعقاع به . أخرجه مسلم، والترمذي (٢ / ٥٧ - بولاق)، وابن ماجه (٤١٣٩)، والبيهقي (٧ / ٤٦) من طرق عن وكيع: حدثنا الأعمش به. وقال الترمذي : ((حديث حسن صحيح)). وأخرجه مسلم من طريق أبي أسامة قال: سمعت الأعمش به؛ إلا أنه قال: ((كفافاً))؛ بدل: ((قوتاً)). وكذلك رواه القاسم السرقسطي في ((غريب الحديث)) (ج٢ / ٥ / ٢) عن حماد بن أسامة قال: حدثنا الأعمش به؛ إلا أنه قال: (رزقي ورزق آل محمد كفافاً)). فقد اختلف في متنه على الأعمش، والرواية الأولى التي رواها مسلم أرجح عندي؛ لموافقتها لرواية بعض الرواة عن الأعمش. والله أعلم. (تنبيه): أورد السيوطي الحديث في ((الجامع الصغير)) بلفظ مسلم وبزيادة: ((في الدنيا))، وعزاه لمسلم والترمذي وابن ماجه، وكذلك أورده في ((الجامع الكبير)) (١ / ٣٠٩) من رواية هؤلاء الثلاثة وكذا أحمد وأبي يعلى والبيهقي، ولا أصل لها عند أحد منهم؛ إلا أن تكون عند أبي يعلى، وذلك مما أستبعده، فإن ثبتت عنده؛ فهي . زيادة شاذة بلا شك؛ لمخالفتها لروايات الثقات الحفاظ. والله أعلم. ثم تحققت مما استبعدت، فرأيته في ((مسند أبي يعلى)) (٦١٠٣) دونها. ٢٥٣ فائدة الحديث: فيه وفي الذي قبله دليل على فضل الكفاف، وأخذ البلغة من الدنيا والزهد فيما فوق ذلك؛ رغبة في توفر نعيم الآخرة، وإيثاراً لما يبقى على ما يفنى، فينبغي للأمة أن تقتدي به ◌َّلي في ذلك. وقال القرطبي : معنى الحديث أنه طلب الكفاف؛ فإن القوت ما یقوت البدن ویکف عن الحاجة، وفي هذه الحالة سلامة من آفات الغنى والفقر جميعاً؛ كذا في ((فتح الباري)) (١١ / ٢٥١ - ٢٥٢). قلت: ومما لا ريب فيه أن الكفاف يختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والأحوال، فينبغي للعاقل أن يحرص على تحقيق الوضع الوسط المناسب له؛ بحيث لا ترهقه الفاقة، ولا يسعى وراء الفضول الذي يوصله إلى التبسط والترفه؛ فإنه في هذه الحال قلما يسلم من عواقب جمع المال، لا سيما في هذا الزمان الذي كثرت فيه مفاتنه، وتيسرت على الأغنياء سبله. أعاذنا الله تعالى من ذلك، ورزقنا الكفاف من العیش. مُسابقتُهُ مِ لأَهْلِهِ ١٣١ - (هذه بتِلْكَ السَّبْقَةِ). أخرجه الحميدي في («مسنده)) (ق ٤٢ / ٢)، وأبو داود (٢٥٧٨)، والنسائي في ((عشرة النساء)) (ق ٧٤ / ١) والسياق له، وابن ماجه (١٩٧٩) مختصراً، وأحمد (٦ / ٣٩ / ٢٦٤) مختصراً ومطولاً من طريق جماعة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها: ((أنها كانت مع رسول الله وَّه في سفر وهي جارية؛ [قالت: لم أحمِلِ اللحم ولم أبدنْ]، فقال لأصحابه: تقدموا. [فتقدَّموا]، ثم قال: تعالي أسابقك. فسابقته، ٢٥٤ فسبقته على رجلي، فلما كان بعد (وفي رواية: فسكت عني حتى إذا حملت اللحم وبدنت ونسيت)؛ خرجت معه في سفر، فقال لأصحابه: تقدموا. [فتقدموا]، ثم قال: تعالي أسابقك. ونسيت الذي كان، وقد حملت اللحم، فقلت: كيف أسابقك يا رسول الله! وأنا على هذا الحال؟ فقال: لتفعلن. فسابقته، فسبقني، فـ [جعل يضحك، و] قال: (فذكره))) . قلت: وهذا سند صحيح على شرط الشيخين، وقد صححه العراقي في («تخريج الإحياء)) (٢ / ٤٠). وخالف الجماعة حماد بن سلمة، فقال: عن هشام بن عروة عن أبي سلمة عنها مختصراً بلفظ : ((قالت: سابقت النبي (®﴾ فسبقته)). أخرجه أحمد (٦ / ٢٦١)، وحماد ثقة حافظ، فيحتمل أن يكون قد حفظ ما لم يحفظ الجماعة، وأن هشاماً يرويه عن أبيه وعن أبي سلمة، ويؤيده أن حماداً رواه أيضاً عن علي بن زيد عن أبي سلمة به. أخرجه أحمد (٦ / ١٢٩ و١٨٢ و٢٨٠). التّكَنِي مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ وَّ ١٣٢ - (اكْتَنِي [بابنِكِ عبدِ اللهِ - يعْني: ابنَ الزُّبِيرِ]، أَنتِ أمّ عبدِ اللهِ). أخرجه الإِمام أحمد (٦ / ١٥١): ثنا عبد الرزاق: ثنا معمر عن هشام عن أبيه أن عائشة قالت للنبي ◌َّطاهر: يا رسول الله! كل نسائك لها كنية غيري! فقال لها رسول الله ◌َ *: (فذكره بدون الزيادة). قال: فكان يقال لها: أم عبدالله حتى ماتت، ولم تلد قط . ٢٥٥ قلت: وهذا سند صحيح، وإن كان ظاهره الإِرسال؛ فإن عروة هو ابن الزبير، وهو ابن أخت عائشة أسماء، فعائشة خالته؛ فهو محمول على الاتصال. وقد جاء كذلك، فقال أحمد في ((المسند)) (٦ / ١٨٦) وفي ((مسائل ابنه صالح)) (ص ١٣١)، وعنه الدولابي في ((الكنى والأسماء)) (١ / ١٥٢): ثنا عمر بن حفص أبو حفص المعيطي قال: ثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به نحوه وفيه الزيادة . وهذا إسناد صحيح أيضاً؛ فإن عمر هذا قال فيه أبو حاتم : ((لا بأس به)). وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقد تابعه حماد بن زيد قال: ثنا هشام بن عروة به . أخرجه أبو داود (٤٩٠)، وأحمد (٦ / ١٠٧ و٢٦٠)، وأبو يعلى (ق ٢١٤ / ٢) . ورواه وكيع فقال: عن هشام عن رجل من ولد الزبير عنها . أخرجه أحمد (٦ / ١٨٦ و٢١٣). وهذا الرجل هو عروة بن الزبير؛ کما في رواية حماد بن زيد وعمر بن حفص ومعمر كما تقدم، وكذلك رواه قران بن تمام كما قال أبو داود. ورواه أبو أسامة وحماد ابن سلمة ومسلمة بن قعنب عن هشام، فسموا الرجل: ((عباد بن حمزة))، وهو ابن عبدالله بن الزبير، وهو ثقة؛ فهو من ولد الزبير، فيحتمل أن يكون هو الذي عناه هشام في رواية وکیع . وسواء كان هذا أو ذاك؛ فالحديث صحيح؛ لأنه إما عن عروة أو عن عباد، وكلاهما ثقة، والأقرب أنه عنهما معاً؛ كما يقتضيه صحة الروايتين عن كل منهما. ٢٥٦ وفي الحديث مشروعية التكني ولو لم يكن له ولد، وهذا أدب إسلامي ليس له نظير عند الأمم الأخرى فيما أعلم؛ فعلى المسلمين أن يتمسكوا به رجالاً ونساء، ویدعوا ما تسرّب إلیھم من عادات الأعاجم کـ (البیك) و(الأفندي) و (الباشا)، ونحو ذلك كـ (المسيو)، أو (السيد)، و(السيدة)، و(الآنسة)؛ إذ كل ذلك دخيل في الإِسلام، وقد نصَّ فقهاء الحنفية على كراهة (الأفندي)؛ لما فيه من التزكية؛ كما في ((حاشية ابن عابدين))، والسيد إنما يُطْلَق على مَن كان له نوع ولاية ورياسة، وفي ذلك جاء حديث: ((قوموا إلى سيدكم))، وقد تقدم برقم (٦٦)، ولا يُطلق على كل أحد؛ لأنه من باب التزكية أيضاً. ( انظر الاستدراك رقم : ٥ ) . أَوَّلُ مَخْلوقٍ ١٣٣ - (إِنَّ أَوَّلَ شيءٍ خَلَقَهُ اللهُ تعالى القلمُ، وأَمَرَهُ أَنْ يكتُبَ كُلَّ شيءٍ یکونُ). رواه ابن أبي عاصم في ((السنة)) (١٠٨) و((الأوائل)) (رقم ٣)، وأبو يعلى (١٢٦ / ١)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٩ / ٣)، و((الأسماء والصفات)) (ص ٢٧١) من طريق أحمد: ثنا عبدالله بن المبارك قال: ثنا رباح بن زيد عن عمر بن حبيب عن القاسم بن أبي بزّة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعاً . قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات، من رجال ((التهذيب). وله شاهد من حديث ابن عمر مرفوعاً نحوه، وفيه زيادة هامَّة، خرَّجته من أجلها فيما يأتي من المجلد السابع برقم (٣١٣٦). من فوائد الحديث: وفي الحديث إشارة إلى رد ما يتناقله الناس، حتى صار ذلك عقيدة راسخة في قلوب كثير منهم، وهو أن النور المحمّدي هو أول ما خلق الله تبارك وتعالى، ولیس ٢٥٧ لذلك أساس من الصحة، وحديث عبدالرزاق غير معروف إسناده، ولعلنا نفرده بالكلام في ((الأحاديث الضعيفة)) إن شاء الله تعالى. وفيه رد على من يقول بأن العرش هو أول مخلوق، ولا نصَّ في ذلك عن رسول الله ، وإنما يقول به من قال كابن تيمية وغيره استنباطاً واجتهاداً، فالأخذ بهذا الحديث - وفي معناه أحاديث أخرى - أولى؛ لأنه نصٌّ في المسألة، ولا اجتهاد في مورد النص كما هو معلوم. وتأويله بأن القلم مخلوق بعد العرش باطل؛ لأنه يصح مثل هذا التأويل لو كان هناك نصٌّ قاطع على أن العرش أول المخلوقات كلها، ومنها القلم، أما ومثل هذا النص مفقود؛ فلا يجوز هذا التأويل. وفيه ردّ أيضاً على من يقول بحوادث لا أول لها، وأنه ما من مخلوق إلا وهو مسبوق بمخلوق قبله، وهكذا إلى ما لا بداية له؛ بحيث لا يمكن أن يقال: هذا أول مخلوق. فالحديث يبطل هذا القول، ويعيِّن أن القلم هو أول مخلوق؛ فليس قبله قطعاً أي مخلوق. ولقد أطال ابن تيمية رحمه الله في الكلام في رده على الفلاسفة محاولاً إثبات حوادث لا أول لها، وجاء في أثناء ذلك بما تحار فيه العقول، ولا تقبله أكثر القلوب، حتى اتّهمه خصومه بأنه يقول بأن المخلوقات قديمة لا أول لها، مع أنه يقول ويصرِّح بأن ما من مخلوق إلا وهو مسبوق بالعدم، ولكنه مع ذلك یقول بتسلسل الحوادث إلی ما لا بداية له؛ كما يقول هو وغيره بتسلسل الحوادث إلى ما لا نهاية؛ فذلك القول منه غير مقبول، بل هو مرفوض بهذا الحديث، وكم كنا نودُّ أن لا يلج ابن تيمية رحمه الله ، هذا المولج؛ لأن الكلام فيه شبيه بالفلسفة وعلم الكلام الذي تعلمنا منه التحذير والتنفیر منه، ولکن صدق الإمام مالك رحمه الله حین قال: ((ما منا من أحد إلا رَدَّ وَرُدَّ عليه؛ إلا صاحب هذا القبرِلا)). ٢٥٨ وَصِيّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ١٣٤ - (إِنَّ نبيَّ اللهِ نوحاً ◌ََّ لَمَّا حَضَرَتْهُ الوفاةُ؛ قالَ لابنِهِ: إِنِّي قاصّ عليكَ الوصيةَ: آمُرُك بائنتينِ، وأَنْهاَ عنِ اثنتينٍ، آمُرُكَ بـ (لا إِلهَ إِلَّ اللهُ)؛ فإِنَّ السماواتِ السبعَ والأرضينَ السبعَ لو وُضِعَتْ فِي كِقَّةٍ، ووُضِعَتْ لا إِلهَ إِلَّ اللهُ فِي كِفَّةٍ؛ رَجَحَتْ بهِنَّ لا إِلهَ إِلَّ اللهُ، ولو أَنَّ السَّماواتِ السبعَ والأرضين السبعَ كُنَّ حَلْقَةً مُبْهَمَةً؛ إِلَّ قَصَمَتْهُنَّ لا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وسُبحانَ اللهِ وبحمدِهِ؛ فإِنَّها صلاةُ كلِّ شيءٍ، وبها يُرِزَقُ الخلقُ. وأَنْهاَكَ عنِ الشرك والكِبْرِ. قالَ : قلتُ - أَو: قيلَ -: يا رسولَ اللهِ! هذا الشركُ قد عرَفْناهُ، فما الكِبْرُ؟ - قال : - أَنْ يكونَ لأحدِنا نعلانِ حَسَنتانِ لهما شِراكانِ حَسَنانِ؟ قالَ: لا. قالَ: هو أنْ يكونَ لأحدِنا أصحابٌ يجْلِسونَ إِليهِ؟ قالَ: لا. قيلَ: يا رسولَ اللهِ! فما الكِبْرُ؟ قالَ: سَفَهُ الحقِّ، وغَمْصُ النّاس ). رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٥٤٨)، وأحمد (٢ / ١٦٩ - ١٧٠ و٢٢٥)، والبيهقي في ((الأسماء)) (٧٩ - هندية) من طريق الصقعب بن زهير عن زيد بن أسلم قال حماد: أظنه عن عطاء بن يسار عن عبدالله بن عمرو قال: كنا عند رسول الله وَالر، فجاء رجل من أهل البادية عليه جبة سيجان مزرورة بالديباج، فقال: ألا إن صاحبكم هذا قد وضع كل فارس ابن فارس - قال: يريد أن يضع كل فارس ابن فارس، ويرفع كل راع ابن راع - قال: فأخذ رسول الله وَل بمجامع جبته، وقال: ألا أرى عليك لباس من لا يعقل، ثم قال: (فذكره). وقلت: وهذا سند صحيح . ٢٥٩ وقال الهيثمي (٤ / ٢٢٠): (رواه أحمد والطبراني بنحوه، وزاد في رواية: وأوصيك بالتسبيح؛ فإنها عبادة الخلق، وبالتكبير. ورواه البزار من حديث ابن عمر، ورجال أحمد ثقات)). غريب الحديث : (مبهمة)؛ أي: محرمة مغلقة كما يدل عليه السياق، ولم يورد هذه اللفظة من الحديث ابن الأثير في ((النهاية))، ولا الشيخ محمد طاهر الهندي في ((مجمع بحار الأنوار))، وهي من شرطهما. (قصمتهن)، وفي رواية: (فصمتهن)؛ بالفاء؛ قال ابن الأثير: ((القصم: كسر الشيء وإبانته، وبالفاء: كسره من غير إبانة)). قلت: فهو بالفاء أليق بالمعنى. والله أعلم. (سفه الحق)؛ أي: جهله، والاستخفاف به، وأن لا يراه على ما هو عليه من الرجحان والرزانة. وفي حديث لمسلم: ((بطر الحق))، والمعنى واحد. (غمص الناس)؛ أي: احتقارهم، والطعن فيهم، والاستخفاف بهم. وفي الحديث الآخر: ((غمط الناس))، والمعنى واحد أيضاً. فوائد الحديث: قلت: وفيه فوائد كثيرة، أكتفي بالإشارة إلى بعضها : ١ - مشروعية الوصية عند الوفاة. ٢ - فضيلة التهليل والتسبيح، وأنها سبب رزق الخلق. ٣ - وأن الميزان يوم القيامة حق ثابت وله كفتان، وهو من عقائد أهل السنة؛ خلافاً للمعتزلة وأتباعهم في العصر الحاضر ممَّن لا يعتقد ما ثبت من العقائد في الأحاديث الصحيحة؛ بزعم أنها أخبار آحاد لا تفيد اليقين، وقد بينت بطلان هذا الزعم في كتابي ((مع الأستاذ الطنطاوي)) يسر الله إتمامه. ٢٦٠