النص المفهرس
صفحات 181-200
وقال البوصيري : ((رواته ثقات؛ كما في حاشية ((المطالب العالية)) (٢ / ١٠٩). ثم رواه ابن عدي عن الفرات؛ قال: حدثنا أصحاب لنا عن القاسم به، وقال: ((الفرات هذا لم أرَ المتقدمين صرَّحوا بضعفه، وأرجو أنه لا بأس به؛ لأني لم أرفي رواياته حديثاً منكراً)). قلت: وقال ابن أبي حاتم (٣ / ٢ / ٨٠): ((سألت أبي عنه؟ فقال: لا بأس به، محله الصدق، صالح الحديث)). وقال أحمد: (ثقة))؛ كما في ((الميزان)) و ((اللسان)). قلت: فالإِسناد صحيح، ولا يضرُّه جهالة أصحاب الفرات؛ لأنهم جمعٌ ينجبر به جهالتهم، ولعل منهم أبا وهب الكلاعي؛ فإنه قد رواه عن القاسم كما في الطريق الأولى؛ فالحديث صحيح . وقول الذهبي في ترجمة الفرات: ((حديث منكر))؛ منكر من القول، ولعله لم يقف على الطريق الأولى، بل هذا هو الظاهر. والله أعلم. والحديث مما فات السيوطي، فلم يورده في ((الجامع الكبير))، لا في باب (إن) ولا في (أول)، وإنما أورد فيه ما قد يصلح أن يكون شاهداً لهذا، فقال (١ / ٢٧٤ / ٢) : ((أول ما يكفأ أمتي عن الإِسلام كما يكفأ الإِناء في الخمر. ابن عساكر عن ابن عمرو)) . ثم رأيته في ((تاريخه)) (١٨ / ٧٦ /١) عن زيد بن يحيى بن عبيد: حدثني ابن ثابت بن ثوبان عن إسماعيل بن عبدالله قال: سمعت ابن محيريز يقول: سمعت عبدالله بن عمرو يقول: (فذكره)، وزاد في آخره: ((قال: وقلت (لعله: وقطب) رسول الله ◌َلتت)). ١٨١ وهذا إسناد لا بأس به في الشواهد. وللحديث طريق أخرى بلفظ آخر عن عائشة، يأتي في الذي بعده. (الطلاء)؛ قال في ((النهاية)): ((بالكسر والمد: الشراب المطبوخ من عصير العنب، وهو الرُّبُّ)). ثم ذكر الحديث، ثم قال: ((هذا نحو الحديث الآخر: سيشرب ناس من أمتي الخمر؛ يسمونها بغير اسمها. يريد: أنهم يشربون النبيذ المسكر المطبوخ، ويسمونه طلاءً؛ تحرُّجاً من أن یسموه خمراً)) . وللحديث شاهد صحيح بلفظ: ٩٠ - (لَيَسْتَحِلَّنَّ طَائفةٌ مِنْ أُمَّتِي الخَمْرَ باسمٍ يُسَمُّونَها إِيَّاهُ، وفي رواية : يسمُّونَها بغيرِ اسمِها). أخرجه ابن ماجه (٣٣٨٥)، وأحمد (٥ / ٣١٨)، وابن أبي الدنيا في ((ذم المسكر)) (ق ٤ / ٢) عن سعيد بن أوس الكاتب عن بلال بن يحيى العبسي عن أبي بكر بن حفص عن ابن محيريز عن ثابت بن السمط عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله عليه . قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات، وابن مُحیریز اسمه عبدالله، وهو ثقة من رجال الشیخین . وأبو بكر بن حفص، هو عبدالله بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص، وهو ثقة محتجٌّ به في ((الصحيحين)) أيضاً. وبلال بن يحيى العبسي ؛ قال ابن معين : ١٨٢ «ليس به بأس)). ووثقه ابن حبان . وقد تابعه شعبة، لكنه أسقط من الإِسناد ((ثابت بن السمط))، وقال: ((عن رجل من أصحاب النبي وَله))؛ بالرواية الثانية. أخرجه النسائي (٢ / ٣٣٠)، وأحمد (٤ / ٢٣٧)، وإسناده صحيح، وهو أصح من الأول. وروي عن أبي بكر بن حفص على وجه آخر من طريق محمد بن عبدالواهب أبي شهاب عن أبي إسحاق الشيباني عن أبي بكر بن حفص عن ابن عمر؛ قال: قال رسول الله #: (فذكره). أخرجه الخطيب في ((تاريخ بغداد)). (٦ / ٢٠٥). قلت: ورجاله ثقات؛ غير أبي شهاب هذا، فلم أعرفه . وللحديث شاهد يرويه سعيد بن أبي هلال عن محمد بن عبدالله بن مسلم أن أبا مسلم الخولاني حج، فدخل على عائشة زوج النبي ◌َّر، فجعلت تسأله عن الشام وعن بردها، فجعل يخبرها، فقالت: كيف تصبرون على بردها؟ فقال: يا أم المؤمنين! إنهم يشربون شراباً لهم يقال له: الطلاء. فقالت: صدق الله، وبلَّغ حِبِّي، سمعت چچِّ رسول الله ٹچ يقول: ((إن ناساً من أمتي يشربون الخمر يسمُّونها بغير اسمها)). أخرجه الحاكم (٢ / ١٤٧)، والبيهقي (٧ / ٢٩٤ - ٢٩٥)، وقال الحاكم: ((صحيح على شرط الشيخين)). وتعقبه الذهبي بقوله : («قلت: كذا قال: ((محمد))؛ فمحمد مجهول، وإن كان ابن أخي الزهري؛ ١٨٣ فالسند منقطع)». قلت: وسعيد بن أبي هلال كان اختلط، وقد تقدَّم الحديث عن عائشة بلفظ آخر قبل هذا الحديث. وله شاهد ثان من حديث أبي أمامة الباهلي؛ قال: قال رسول الله وَل: ((لا تذهب الليالي والأيام حتى تشرب طائفة من أمتي الخمر؛ يسمونها بغير اسمها)). أخرجه ابن ماجه (٣٣٨٤)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٦ / ٩٧) عن عبدالسلام ابنعبدالقدوس : ثنا ثور بن یزید عن خالد بن معدان عنه. وقال أبو نعيم : ((كذا حدثناه عن أبي أمامة، وروي عن ثور عن خالد عن أبي هريرة رضي الله تعالی عنه مثله)). قلت: ورجاله ثقات؛ غير عبد السلام هذا، وهو ضعيف؛ كما في ((التقريب)). وله شاهد ثالث يرويه أبو عامر الخزاز عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس أن رسول الله وَل# قال: ((إن أمتي يشربون الخمر في آخر الزمان؛ يسمونها بغير اسمها)). أخرجه الطبراني في «الكبير» (٣ / ١١٤ / ٣)، وأبو عامر اسمه صالح بن رستم المزني، وهو صدوق كثير الخطأ؛ كما في ((التقريب))؛ فمثله يستشهد به. والله أعلم . وله شاهد رابع يرويه حاتم بن حريث عن مالك بن أبي مريم قال: دخل علينا عبدالرحمن بن غنم، فتذاكرنا الطلاء، فقال: حدثني أبو مالك الأشعري أنه سمع رسول الله گۆ يقول: (ليشربنَّ ناس من أمتي الخمر؛ يسمونها بغير اسمها)). ١٨٤ أخرجه أبو داود (٣٦٨٨)، والبخاري في ((التاريخ الكبير)) (١ / ١ / ٣٠٥، ٤ / ١ / ٢٢٢)، وابن ماجه (٤٠٢٠)، وابن حبان (١٣٨٤)، والبيهقي (٨ / ٢٩٥، ١٠ / ٢٣١)، وأحمد (٥ / ٣٤٢)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (١ / ١٦٧ / ٢)، وابن عساكر (١٦ / ١١٥ / ٢)؛ كلهم عن معاوية بن صالح عن حاتم به . قلت: ورجاله ثقات، غير مالك بن أبي مريم؛ قال الذهبي : ((لا يعرف)). ووثقه ابن حبان على قاعدته! هذا هو علة الإِسناد، وأما المنذري؛ فأعله في ((مختصره)) (٥ / ٢٧١) بقوله : ((في إسناده حاتم بن حريث الطائي الحمصي، سئل عنه أبو حاتم الرازي، فقال: شيخ. وقال ابن معين: لا أعرفه)). قلت: قد عرفه غيره، فقال عثمان بن سعيد الدارمي : ((ثقة)) . وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن عدي : (لعزة حديثه لم يعرفه ابن معین، وأرجو أنه لا بأس به)). قلت: فإعلاله بشيخه مالك بن أبي مريم - كما فعلنا - أولى ؛ لأنه لم يوثقه غير ابن حبان؛ کما ذکرنا . هذا؛ وفي الحديث زيادة عند ابن ماجه والبيهقي وابن عساكر بلفظ: ((يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير)). والحديث صحيح بكامله : أما أصله؛ فقد تقدمت له شواهد. ١٨٥ وأما الزيادة؛ فقد جاءت من طريق أخرى عن عبدالرحمن بن غنم نحوه، ولفظه يأتي بعده، وقال البيهقي عقبه: ((ولهذا شواهد من حديث علي وعمران بن حصين وعبدالله بن بسر وسهل بن سعد وأنس بن مالك وعائشة رضي الله عنهم عن النبي وَلات)). ٩١ - (لَيَكونَنَّ مِنْ أَمَّتِي أَقوامُ يَستَحِلُونَ الحِرَ والحَرِيرَ والخَمْرَ والمعازِفَ، ولَيْزِلَنَّ أَقوامٌ إِلى جَنْبِ عَلَمٍ ، يروحُ عليهِمْ بِسارِحَةٍ لُهُم، يَأْتيهِمْ لحاجةٍ، فيقولونَ: ارْجِعْ إِلينا غَداً، فُبَيُّهُم اللهُ، ويَضَعُ العَلَمَ، ويَمْسَخُ آخرِينَ قِرِدةً وخَنازيرَ إِلى يومِ القيامَةِ). رواه البخاري في ((صحيحه)) تعليقاً، فقال (٤ / ٣٠): رقم ٥٥٩٠ ((باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه. وقال هشام بن عمار: حدثنا صدقة بن خالد: حدثنا عبدالرحمن بن يزيد بن جابر: حدثنا عطية بن قيس الكلابي: حدثني عبدالرحمن بن غنم الأشعري قال: حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري - والله ما كذبني - سمع النبي وَير يقول: (فذكره)). وقد وصله ابن حبان (٦٧١٩)، والطبراني (١ / ١٦٧ / ١)، والبيهقي (١٠ / ٢٢١)، وابن عساكر (١٩ / ٧٩ / ٢)، وغيرهم من طرق عن هشام بن عمار به . وله طريق أخرى عن عبدالرحمن بن يزيد، فقال أبو داود (٤٠٣٩): حدثنا عبدالوهاب بن نجدة: ثنا بشر بن بكر عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر به . ورواه ابن عساكر من طريق أخرى عن بشر به . قلت: وهذا إسناد صحيح، ومتابعة قوية لهشام بن عمار وصدقة بن خالد، ولم يقف على ذلك ابن حزم في ((المحلى))، ولا في رسالته في إباحة الملاهي، فأعل إسناد البخاري بالانقطاع بينه وبين هشام وبغير ذلك من العلل الواهية التي بيَّنها ١٨٦ العلماء من بعده، وردُّوا عليه تضعيفه للحديث من أجلها؛ مثل المحقق ابن القيم في ((تهذيب السنن)) (٥ / ٢٧٠ - ٢٧٢)، والحافظ ابن حجر في ((الفتح))، وغيرهما، وقد فصلت القول في ذلك في جزء عندي في الرد على رسالة ابن حزم المشار إليها، يسر الله تبییضه ونشره . ولبعضه شواهد؛ فانظر الحديث الذي قبله . وابن حزم رحمه الله، مع علمه وفضله وعقله؛ فهو ليس طويل الباع في الاطلاع على الأحاديث وطرقها ورواتها، ومن الأدلة على ذلك تضعيفه لهذا الحديث، وقوله في الإمام الترمذي صاحب ((السنن)): ((مجهول))(١)، وذلك مما حمل العلامة محمد بن عبدالهادي - تلميذ ابن تيمية - على أن يقول في ترجمته في ((مختصر طبقات علماء الحديث)) (ص ٤٠١): ١ ((وهو كثير الوهم في الكلام على تصحيح الحديث وتضعيفه، وعلى أحوال الرواة)). قلت: فينبغي أن لا يؤخذ كلامه على الأحاديث إلا بعد التثبت من صحته وعدم شذوذه، شأنه في ذلك شأنه في الفقه الذي يتفرَّد به، وعلم الكلام الذي يخالف السلف فيه؛ فقد قال ابن عبدالهادي بعد أن وصفه بقوة الذكاء وكثرة الاطلاع: ((ولكن تبيَّن لي منه أنه جهميٍّ جلد، لا يثبت معاني أسماء الله الحسنى إلا القليل؛ كالخالق والحق، وسائر الأسماء عنده لا يدل على معنى أصلاً؛ كالرحيم والعليم والقدير ونحوها، بل العلم عنده هو القدرة، والقدرة هي العلم، وهما عين الذات، ولا يدل العلم على شيء زائد على الذات المجرّدة أصلاً، وهذا عين السفسطة والمكابرة، وقد كان ابن حزم قد اشتغل في المنطق والفلسفة، وأمعن في ذلك، فتقرر في ذهنه لهذا السبب معاني باطلة)). (١) قاله في ((كتاب الفرائض))؛ كما في ((تهذيب التهذيب)). ١٨٧ غريب الحديث : (الحِر): الفرج، والمراد: الزنا. (المعازف): جمع معزفة؛ وهي آلات الملاهي؛ كما في ((الفتح)). (عَلَم): هو الجبل العالي . (يروح عليهم): بحذف الفاعل، وهو الراعي، بقرينة المقام، إذ السارحة لا بد لها من حافظ . (بسارحة): هي الماشية التي تسرح بالغداة إلى رعيها. (تروح)؛ أي: ترجع بالعشي إلى مألفها. (يأتيهم لحاجة): بيانه في رواية الإسماعيلي في ((مستخرجه على الصحيح)): ((يأتيهم طالب حاجة)). (فيبيتهم الله)؛ أي: يهلكهم ليلاً. (ويضع العلم)؛ أي: يوقعه عليهم. فقه الأحاديث: يستفاد من الأحاديث المتقدمة فوائد هامة نذكر بعضها : أولاً: تحريم الخمر، وهذا أمر مجمع عليه بين المسلمين والحمد لله؛ غير أن طائفة منهم - وفيهم بعض المتبوعين - خصُّوا التحريم بما كان من عصير العنب خاصة! وأما ما سوى ذلك من المشروبات المسكرة؛ مثل: (السَّكّر): وهو نقيع التمر إذا غلى بغير طبخ، و(الجعة): وهو نبيذ الشعير، و(السكركة): وهو خمر الحبشة من الذرة؛ فذلك كله حلال عندهم إلا المقدار الذي يسكر منه، وأما القليل منه؛ فحلال! بخلاف خمر العنب؛ فقليله ككثيره في التحريم. وهذا التفريق مع مصادمته للنصوص القاطعة في تحريم كل مسكر؛ كقول عمر ١٨٨ رضي الله عنه : ((نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة أشياء؛ من: العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل)). وکقوله ێ : ((كل مسكر خمر، وكل خمر حرام)). وقوله : «ما أسکر کثیره؛ فقليله حرام))(١). أقول: هذا التفريق مع مصادمته لهذه النصوص وغيرها؛ فهو مخالف للقياس الصحيح والنظر الرجيح، إذ أي فرق بين تحريم القليل الذي لا يسكر من خمر العنب المسكر كثيره، وبين تحليل القليل الذي لا يسكر من خمر الذرة المسكر؟! وهل حرم القليل إلا لأنه ذريعة إلى الكثير المسكر؟! فكيف يحلَّل هذا ويحرم ذاك والعلة واحدة؟! تالله إن هذا من الغرائب التي لا تكاد تصدَّق نسبتها إلى أحد من أهل العلم لولا صحة ذلك عنهم! وأعجب منه أن الذي تبنى القول به هو من المشهورين بأنه من أهل القياس والرأي (٢) !! قال ابن القيم في ((تهذيب السنن)) (٥ / ٢٦٣) بعد أن ساق بعض النصوص المذكورة : ((فهذه النصوص الصحيحة الصريحة في دخول هذه الأشربة المتّخذة من غير العنب في اسم الخمر في اللُّغة التي نزل بها القرآن وخوطب بها الصحابة مغنية عن (١) خرجت هذا الحديث وما قبله في ((تخريج الحلال والحرام)) (٥٧ - ٥٨)، و((الإِرواء)) (٢٤٣١ و٢٤٣٣). (٢) انظر ((شرح معاني الآثار) للطحاوي (١ / ٣٢٢ - ٣٢٩). ١٨٩ التكلُّف في إثبات تسميتها خمراً بالقياس مع كثرة النزاع فيه، فإذ قد ثبت تسميتها خمراً نصّاً؛ فتناوُلُ لفظ النصوص لها كتناوله لشراب العنب سواء تناولاً واحداً؛ فهذه طريقة منصوصة سهلة تريح من كلمة القياس في الاسم والقياس في الحكم، ثم إن محض القياس الجلي يقتضي التسوية بينها؛ لأن تحريم قليل شراب العنب مجمع عليه وإن لم یسکر، وهذا لأن النفوس لا تقتصر على الحد الذي لا یسکر منه، وقلیله يدعو إلى كثيره، وهذا المعنى بعينه في سائر الأشربة المسكرة؛ فالتفريق بينها في ذلك تفريق بين المتماثلات، وهو باطل، فلو لم يكن في المسألة إلا القياس؛ لكان كافياً في التحريم؛ فكيف وفيها ما ذكرناه من النصوص التي لا مطعن في سندها، ولا اشتباه في معناها؟! بل هي صحيحة، وبالله التوفيق)). وأيضاً؛ فإن إباحة القليل الذي لا يسكِر من الكثير الذي يسكر غير عملي؛ لأنه لا يمكن معرفته؛ إذ أن ذلك يختلف باختلاف نسبة كمية المادة المسكرة (الكحول) في الشراب، فربَّ شراب قليل كمية الكحول فيه كثيرة وهو يسكر، ورب شراب أكثر منه كمية الكحول فيه أقل لا يسكر! كما أن ذلك يختلف باختلاف بُنية الشاربين وصحتهم؛ كما هو ظاهر بيِّن، وحكمة الشريعة تنافي القول بإباحة مثل هذا الشراب، وهي التي تقول: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك))، و((من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه)). واعلم أن ورود مثل هذه الأقوال المخالفة للسنة والقياس الصحيح معاً في بعض المذاهب؛ مما يوجب على المسلم البصير في دينه الرحيم بنفسه أن لا يسلم قيادة عقله وتفكيره وعقيدته لغير معصوم، مهما كان شأنه في العلم والتقوى والصلاح، بل عليه أن يأخذ من حيث أخذوا من الكتاب والسنة إن كان أهلاً لذلك، وإلا سأل المتأهلين لذلك، والله تعالى يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾(١)؟ (١) النحل: ٤٣. ١٩٠ وبالإضافة إلى ذلك؛ فإنا نعتقد أن مَن قال بهذا القول من العلماء المشار إليهم؛ فهو مأجور على خطئه؛ للحديث المعروف(١)؛ لأنهم قصدوا الحق فأخطؤوه، وأما من وقف من أتباعهم على هذه الأحاديث التي ذكرنا، ثم أصرَّ على تقليدهم على خطئهم، وأعرض عن اتباع الأحاديث المذكورة؛ فهو - ولا شك - على ضلال مبين، وهو داخل في وعيد هذه الأحاديث التي خرَّجناها، ولا يفيده شيئاً تسميته لما يشرب بغير اسمه؛ مثل: الطلاء، والنبيذ، أو (الويسكي)، أو (الكونياك) ... وغير ذلك من الأسماء التي أشار إليها رسول الله وَّر في هذه الأحاديث الكريمة. وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُموها أَنْتُم وَآبَاؤُكُم ما أُنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلطانٍ﴾(٢). ثانياً: تحريم آلات العزف والطرب، ودلالة الحديث على ذلك من وجوه: أ - قوله: ((يستحلُّون))؛ فإنه صريح بأن المذكورات - ومنها المعازف - هي في الشرع محرمة، فيستحلها أولئك القوم. ب - قرن المعازف مع المقطوع حرمته: الزنا والخمر، ولو لم تكن محرمة؛ ما قرنها معها إن شاء الله تعالى. وقد جاءت أحاديث كثيرة، بعضها صحيح في تحريم أنواع من آلات العزف التي كانت معروفة يومئذ؛ كالطبل والقنين - وهو العود - وغيرها، ولم يأت ما يخالف (١) على أنه يحتمل أنه قد تبيَّن له الخطأ فيما بعد، فرجع عنه، ثم لم يشتهر ذلك عنه؛ فقد رأيت في ((فضائل أبي حنيفة)) لأبي القاسم السعدي (٤ / ٥١ / ١) بسنده عن شعيب بن إسحاق عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال: ((أخطأ الناس في قولهم: ((كل مسكر حرام))؛ إنما هو: ((كل سكر حرام)). قال شعيب: كأني أسمعه من فلق فيه - يعني: أبا حنيفة - يقول: إني أخاف أن يكون هو الذي أخطأ)). وإسناده جيد؛ إلا أني لم أجد للسعدي هذا ترجمة. (٢) النجم: ٢٣. ١٩١ ذلك أو يخصه، اللهم! إلا الدف في النكاح والعيد؛ فإنه مباح على تفصيل مذكور في الفقه، وقد ذكرته في ردي على ابن حزم. ولذلك اتفقت المذاهب الأربعة على تحريم آلات الطرب كلها، واستثنى بعضهم - بالإِضافة إلى ما ذكرنا - الطبل في الحرب، وألحق به بعض المعاصرين الموسيقى العسكرية، ولا وجه لذلك البتة لأمور: الأول: أنه تخصيصٌ لأحاديث التحريم بدون مخصص سوى مجرَّد الرأي والاستحسان، وهو باطل. الثاني: أن المفروض في المسلمين في حالة الحرب أن يُقْبِلوا بقلوبِهم على ربهم، وأن يطلبوا منه نصرهم على عدوهم؛ فذلك أدعى لطمأنينة نفوسهم، وأربط لقلوبهم؛ فاستعمال الموسيقى مما يفسد ذلك عليهم، ويصرفهم عن ذكر ربهم؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاتْبُتُوا واذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لعَلَّكُمْ تُفْلِحِونَ﴾(١). الثالث: أن استعمالها من عادة الكفار ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ باللهِ ولا باليومِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ ورَسولُهُ ولا يَدِينُونَ دِینَ الحَقِّ﴾(٢)؛ فلا يجوز لنا أن نتشبه بهم، لا سيما فيما حرَّمه الله تبارك وتعالى علينا تحريماً عاماً؛ كالموسيقى. ولا تغتر أيها القارىء الكريم بما قد تسمع عن بعض المشهورين اليوم من المتفقهة من القول بإباحة آلات الطرب والموسيقى ؛ فإنهم - والله - عن تقليد يفتون، ولهوى الناس اليوم ينصرون، ومن يقلِّدون؟ إنما يقلدون ابن حزم الذي أخطأ فأباح آلات الطرب والملاهي؛ لأن حديث أبي مالك الأشعري لم يصحَّ عنده، وقد عرفت أنه صحيح قطعاً، وأن ابن حزم أتِيَ من قصر باعه في علم الحديث كما سبق بيانه . وليت شعري! ما الذي حملهم على تقليده هنا دون الأئمة الأربعة؛ مع أنهم (١) الأنفال: ٤٥. (٢) التوبة: ٢٩. ١٩٢ ١ أفقه منه وأعلم وأكثر عدداً وأقوى حجة؟! لو كان الحامل لهم على ذلك إنما هو التحقيق العلمي؛ فليس لأحد عليهم من سبيل، ومعنى التحقيق العلمي - كما لا يخفى - أن يتَّعوا الأحاديث كلها الواردة في هذا الباب، ويدرسوا طرقها ورجالها، ثم يحكموا عليها بما تستحق من صحة أو ضعف، ثم إذا صح عندهم شيء منها؛ درسوها من ناحية دلالتها وفقهها وعامها وخاصها، وذلك كله حسبما تقتضيه قواعد علم أصول الحديث وأصول الفقه، لو فعلوا ذلك؛ لم يستطع أحد انتقادهم، ولكانوا مأجورين، ولكنهم - والله - لا يصنعون شيئاً من ذلك، ولكنهم إذا عرضت لهم مسألة؛ نظروا في أقوال العلماء فيها، ثم أخذوا ما هو الأيسر أو الأقرب إلى تحقيق المصلحة - زعموا - دون أن ينظروا موافقة ذلك للدليل من الكتاب والسنة، وبعضهم يقول: لا يوجد دليل قطعي على التحريم! فكم شرعوا للناس - بهذه الطريقة - أموراً باسم الشريعة، يبرأ الإِسلام منها. فإلى الله المشتكى. فاحرص أيها المسلم! على أن تعرف إسلامك من كتاب ربك، وسنة نبيك، ولا تقل: قال فلان؛ فإن الحق لا يعرف بالرجال، بل اعرف الحق تعرف الرجال، ورحمة الله على مَن قال : قَالَ الصَّحابَةُ لَيْسَ بِالتَّمْوِهِ العلمُ قالَ اللهُ قَالَ رَسولُهُ بَيْنَ الرَّسُولِ وبينَ رَأْيِ فَقيهِ مَا العِلْمُ نَصْبَكَ للخِلافِ سَفَاهَةً حَذَراً مِنَ التَّمْثِيلِ والتَّشبيهِ كَلَّ ولا جَحْدَ الصِّفاتِ ونَفْيَها ثالثاً: أن الله عز وجل قد يعاقب بعض الفساق عقوبة دنيوية مادية، فيمسخهم فيقلب صورهم - وبالتالي عقولهم - إلى بهيمة . قال الحافظ في ((الفتح)) (١٠ / ٤٩) في صدد كلامه على المسخ المذكور في الحدیث : ((قال ابن العربي: يحتمل الحقيقة كما وقع للأمم السالفة، ويحتمل أن يكون ١٩٣ كناية عن تبدُّل أخلاقهم. قلت: والأول أليق بالسياق)). أقول: ولا مانع من الجمع بين القولين - كما ذكرنا -، بل هو المتبادر من الحدیثین، والله أعلم. وقد ذهب بعض المفسرين في العصر الحاضر إلى أن مسخ بعض اليهود قردة وخنازير لم يكن مسخاً حقيقياً بدنياً، وإنما كان مسخاً خُلُقيّاً! وهذا خلاف ظاهر الآيات والأحاديث الواردة فيهم، فلا تلتفت إلى قولهم؛ فإنهم لا حجة لهم فيه؛ إلا الاستبعاد العقلي المشعر بضعف الإيمان بالغيب، نسأل الله السلامة. رابعاً: ثم قال الحافظ : ((وفي هذا الحديث وعيد شديد على من يتحيَّل في تحليل ما يحرم بتغيير اسمه، وأن الحكم يدور مع العلة، والعلة في تحريم الخمر الإِسكار، فمهما وجد الإِسكار؛ وجد التحريم، ولو لم يستمر الاسم؛ قال ابن العربي: هو أصل في أن الأحكام إنما تتعلق بمعاني الأسماء لا بألقابها؛ ردّاً على من حمله على اللفظ)»! ( انظر الاستدراك رقم : ٣ ) . ٩٢ - (ما أَنَا بِأَقْدَرَ عَلى أَنْ أَدَعَ لَكُمْ ذُلكَ على أَنْ تُشْعِلوا لي مِنها شُعْلةً؛ يعني: الشمس). رواه أبو جعفر البختري في ((حديث أبي الفضل أحمد بن ملاعب)) (٤٧ / ١ - ٢)، وابن عساكر (١١ / ٣٦٣ / ١، ١٩ / ٤٤ / ٢٠١) من طريق أبي يعلى وغيره كلاهما عن يونس بن بكير: نا طلحة بن يحيى عن موسى بن طلحة: حدثني عقيل بن أبي طالب قال: ((جاءت قريش إلى أبي طالب، فقالوا: أرأيت أحمد؟ يؤذينا في نادينا، وفي مسجدنا؛ فانهه عن أذانا. فقال: يا عقيل! ائتني بمحمد. فذهبت فأتيته به، فقال: يا ابن أخي! إن بني عمك زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم وفي مسجدهم؛ فانته عن ١٩٤ ذلك. قال: فلحظ رسول الله وَلو ببصره (وفي رواية: فحلق رسول الله وَل ببصره) إلى السماء، فقال: (فذكره). قال: فقال أبو طالب: ما كذب ابن أخي، فارجعوا)). قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم رجال مسلم، وفي يونس بن بكير وطلحة ابنیحیی کلام لا يضر. وقد تابعه عبدالواحد بن زياد: نا طلحة بن یحیی به . أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٢ / ٢٤١ / ١ / ٨٧١٧ - بترقيمي). وعبدالواحد بن زياد ثقة محتج به في ((الصحيحين))؛ فهو متابع قوي ليونس بن بكير. وأما حديث: ((يا عم! والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر، حتى يظهره الله أو أهلك دونه؛ ما تركته))؛ فليس له إسناد ثابت، ولذلك أوردته في ((الأحاديث الضعيفة)) (٩١٣). ٩٣ - (يا عائشةُ! ارْفَعِي عَنّا حَصيرَكِ هذا؛ فقد خَشِيتُ أَنْ يَكونَ يَفْتِنُ النَّاسَ). أخرجه الإمام أحمد (٦ / ٢٤٨): حدثنا عثمان بن عمر: ثنا يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة: أن رسول الله وَ الر كان يصلي على خُمرة، فقال: (فذكره). وأخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) (٢ / ١٠٥ / ١٠١١) والسراج في ((مسنده)) (ق ١٠٣ / ١) من طرق أخرى عن عثمان بن عمر به . قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٢ / ٥٦): ((رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، وهو عند مسلم وأصحاب السنن مختصراً في صلاته على الخمرة)). ١٩٥ قلت: فيه نظر من وجهين : الأول: أنه يوهم أنه عندهم من حديث عائشة، والواقع أنه عندهم من حديث ميمونة . والآخر: أنه ليس عند البخاري، وهو خطأ؛ فقد أخرجه في آخر الحيض وأوائل الصلاة، وهو مخرَّج في ((صحيح أبي داود)) (٦٦٣)، و ((الروض النضير)) (٨٧). (تنبيه): كان في الطبعة السابقة مكان هذا الحديث حديث آخر بلفظ: ((تكون إبل للشياطين ... ))، فحذفته من هنا؛ لأنه تبيَّن أن فيه انقطاعاً بين سعيد بن أبي هند وأبي هريرة، ومثله الحديث (١٩٥) في الطبعة السابقة . كَرَامَةُ الحَلِفِ بالأمانَةِ ٩٤ - (مَنْ حَلَفَ بالأمانَةِ؛ فليسَ مِنَّا). رواه أبو داود (٢٣٥٣): حدثنا أحمد بن يونس: ثنا زهير: ثنا الوليد بن ثعلبة الطائي عن ابن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله وَّه: (فذكره). قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات، وابن بريدة اثنان: عبدالله وسليمان، والأول أوثق، وقد احتج به الشيخان بروايته عن أبيه، فما قيل: إنه لم يسمع من أبيه؛ مرجوح، ولذلك لم يذكره العلائي في ((المراسيل))، والراجح أنه المراد هنا؛ فقد ذكره المِزِّي في شيوخ الوليد بن ثعلبة، وتبعه العسقلاني . وزهير هو ابن معاوية، أبو خيثمة الكوفي، وهو ثقة احتج به الشيخان أيضاً. ومثله أحمد بن یونس، واسم أبيه عبدالله بن يونس . والوليد بن ثعلبة وثّقه ابن معين وابن حبان، وقد أخرج حديثه هذا في ((صحيحه)) (١٣١٨)، والحاكم (٤ / ٢٩٨)، وصححه، ووافقه الذهبي. وقال النووي في ((رياض الصالحين)) (رقم ١٧١٨ - بتحقيقي): ١٩٦ «حدیث صحیح، رواه أبو داود بإسناد صحيح)). فلا تغترَّ بعد هذا بذاك العابث بـ ((الرياض)»، الذي حذف منه أحاديث كثيرة. صحيحة بزعم أنها معلولة! فأوردها في ((ضعيفته)) التي ذيَّل بها على ((رياضه))، منها هذا (رقم ١١٩)؛ بدعوى الانقطاع بين ابن بريدة وأبيه! وهو عبدالله بن بريدة؛ كما في رواية الحاكم، وكذا أحمد (٥ / ٣٥٢). ورواه الروياني في ((مسنده)) (١٦ / ٢ / ٢) من طريق ليث عن عثمان بن عمير عن سليمان بن بريدة عن أبيه . وهذا سند صحيح . قال الخطابي في ((معالم السنن)) (٤ / ٣٥٨) تعليقاً على الحديث: ((هذا يشبه أن تكون الكراهة فيها من أجل أنه إنما أمر أن يحلف بالله وصفاته، وليست الأمانة من صفاته، وإنما هي أمر من أمره وفرض من فروضه، فنُهوا عنه؛ لما في ذلك من التسوية بينها وبين أسماء الله عز وجل وصفاته)). اسْتِحْبَابُ الَّظَرِ إِلى المَرَةِ قَبْلَ خِطْتِها ٩٥ - (انْظُرْ إِليها؛ فإِنَّ فِي أَعْيُنِ الأنْصارِ شَيئاً؛ يعني: الصِّغَرَ). أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (٤ / ١٤٢)، وسعيد بن منصور في ((سننه)) (٥٢٣)، وكذا النسائي (٢ / ٧٣)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢ / ٨)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٤٠٣٠ - الإِحسان)، والدارقطني (٣٩٦)، والبيهقي (٧ / ٨٤) عن أبي حازم عن أبي هريرة: ((أن رجلاً أراد أن يتزوج امرأة من نساء الأنصار، فقال رسول الله ويطير: )). قلت: فذكره، والسياق للطحاوي، ولفظ مسلم والبيهقي : ((كنت عند النبي ◌َّرَ، فأتاه رجل، فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال له ١٩٧ رسول الله : أنظرت إليها؟ قال: لا. قال: فانظر ... )) الحديث. ولجملة الأعین شاهد من حديث أنس مرفوعاً أخرجه ابن حبان (١٢٣٧ - موارد) بسند حسن . وقد جاء تعلیل هذا الأمر في حديث صحيح، وهو: ٩٦ - (انظُرْ إِليها؛ فإِنَّهُ أَحْرِى أَنْ يُؤْدَمَ بِينَكُما). أخرجه سعيد بن منصور في «سننه» (٥١٥ -٥١٨)، وكذا النسائي (٢ / ٧٣)، والترمذي (١ / ٢٠٢)، والدارمي (٢ / ١٣٤)، وابن ماجه (١٨٦٦)، والطحاوي (٢ / ٨)، وابن الجارود في ((المنتقى)) (ص ٣١٣)، والدارقطني (ص ٣٩٥)، والبيهقي (٧ / ٨٤)، وأحمد (٤ / ١٤٤ - ٢٤٥ / ٢٤٦)، وابن عساكر (١٧ / ٤٤ / ٢) عن بكر بن عبدالله المزني عن المغيرة بن شعبة : أنه خطب امرأة، فقال النبي وَ له: (فذكره). وزاد أحمد والبيهقي : ((فأتيتها وعندها أبواها وهي في خدرها؛ قال: فقلت: إن رسول الله وَّ أمرني أن أنظر إليها؛ قال: فسكتا. قال: فرفعت الجارية جانب الخدر، فقالت: أُحرِّج " عليك؛ إن كان رسول الله وَلل أمرك أن تنظر؛ لَما نظرت، وإن كان رسول الله وَله لم يأمرك أن تنظر؛ فلا تنظر. قال: فنظرت إليها، ثم تزوجتها، فما وقعت عندي امرأة : بمنزلتها، ولقد تزوجت سبعين، أو بضعاً وسبعين امرأة)). وقال الترمذي والبغوي : ((حديث حسن)). وأقره العراقي في ((تخريج الإحياء)) (٢ / ٣٩). قلت: ورجاله كلهم ثقات؛ إلا أن يحيى بن معين؛ قال: ((لم يسمع بكر من المغيرة)). قلت: لكن قال الحافظ في ((التلخيص)) (ص ٢٩١) بعد أن عزاه إلى ابن حبان ١٩٨ وبعض من ذكرنا: ((وذكره الدارقطني في ((العلل))، وذكر الخلاف فيه، وأثبت سماع بكر بن عبدالله المزني من المغيرة)). قلت: ولعله لذلك لم يذكره العلائي في ((المراسيل)) (١٧٩ / ٦٥)، وقال البوصيري في ((الزوائد)) (ص ١١٨): ((إسناده صحيح، رجاله ثقات)). قلت: وعلى فرض أنه لم يسمع منه، فلعل الواسطة بينهما أنس بن مالك رضي الله عنه؛ فقد سمع منه بكر المزني وأكثر عنه، وهو قد رواه عن المغيرة رضي الله عنهما . أخرجه عبدالرزاق في ((الأمالي)) (٢ / ٤٦ / ١ - ٢)، وابن ماجه (١٨٦٥)، وأبو يعلى في ((مسنده)) (ق ١٧٠ / ١)، وابن حبان (١٢٣٦)، وابن الجارود، والدارقطني، والحاكم (٢ / ١٦٥)، والضياء في ((المختارة)) (ق ٨٨ / ٢)، والبيهقي؛ كلهم من طريق عبدالرزاق: أنا معمر عن ثابت عن أنس قال: ((أراد المغيرة أن يتزوَّج، فذكر ذلك للنبي وَّر، فقال: (فذكره))، وزاد: ((قال: ففعل ذلك، فتزوجها، فذكر من موافقتها)). وقال الحاكم: ((صحيح على شرط الشيخين)). ووافقه الذهبي، وكذلك صححه ابن القطان في كتابه القيم: ((النظر في أحكام النظر)) (ق ٧٠ / ٢). وقال البوصيري في ((الزوائد)) (١١٨ / ١): ((هذا إسناد صحيح، ورجاله ثقات، ورواه ابن حبان في ((صحيحه))، وعبد بن حميد في ((مسنده)) عن عبدالرزاق به)). ١٩٩ قلت: لكن أعله الدارقطني بقوله : ((الصواب عن ثابت عن بكر المزني)). ثم ساق من طريق ابن مخلد الجرجاني: نا عبد الرزاق: أنا معمر عن ثابت عن بكر المزني: أن المغيرة بن شعبة قال: ((أتيت النبي ◌ّ (نحوه)). قلت: ولكن الرواة الذين رووه عن عبدالرزاق بإسناده عن ثابت عن أنس أكثر؛ فهو أرجح؛ إلا أن يكون الخطأ من عبدالرزاق أو شيخه معمر، والله أعلم. (يؤدم)؛ أي: تدوم المودة . قلت: ويجوز النظر إليها، ولو لم تعلم أو تشعر به؛ لقوله صلطالت: ٩٧ - (إِذا خَطَبَ أَحَدُكُمُ امرأةً؛ فلا جُنَاحَ عليهِ أَنْ يَنْظُرَ إِليها إِذا كانَ إِنَّما يَنْظُرُ إِليها لخِطْبَتِهِ، وإِنْ كانَتْ لا تَعْلَمُ). أخرجه الطحاوي، وأحمد (٥ / ٤٢٤)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (١ / ٥٢ / ١ / ٨٩٨ - بترقيمي) من طرق عن زهير بن معاوية قال: ثنا عبد الله بن عيسى عن موسى بن عبدالله بن يزيد عن أبي حميد - وكان قد رأى النبي وَلار - قال: قال رسول الله وَر: فذكره. والسياق للطحاوي، وقال الطبراني: ((أبي حميد الأنصاري)). وقال أحمد: ((أبي حميد أو أبي حميدة، الشك من زهير)). ثم قال الطبراني : ((لم يروه عن عبدالله بن عيسى إلا زهير، ولا يروى عن أبي حميد الساعدي إلا بهذا الإِسناد)). ٢٠٠