النص المفهرس
صفحات 141-160
بإتمام الصلاة؛ فالذي لم يدركها إطلاقاً أولى أن لا يؤمر بها، وليس ذلك إلا مِن باب الزجر والردع له عن إضاعة الصلاة، فلم يجعل الشارع الحكيم لمثله كفارة كي لا يعود إلى إضاعتها مرة أخرى؛ متعلُّلاً بأنه يمكنه أن يقضيها بعد وقتها، كلا فلا قضاء للمتعمد؛ كما أفاده هذا الحديث الشريف وحديث أنس السابق: ((لا كفارة لها إلا ذلك)). ومن ذلك يتبيَّن لكل من أوتي شيئاً من العلم والفقه في الدين؛ أن قول بعض المتأخرين: ((وإذا كان النائم والناسي للصلاة - وهما معذوران - يقضيانها بعد خروج وقتها؛ كان المتعمد لتركها أولى)): أنه قياس خاطىء؛ بل لعله من أفسد قياس على وجه الأرض؛ لأنه من باب قياس النقيض على نقيضه، وهو فاسد بداهة، إذ كيف يصح قياس غير المعذور على المعذور والمتعمد على الساهي؟! ومن لم يجعل الله له كفارة على من جعل الله له كفارة؟! وما سبب ذلك إلا من الغفلة عن المعنى المراد من هذا الحديث الشريف، وقد وفقنا الله تعالى لبيانه، والحمد لله تعالى على توفيقه . وللعلامة ابن القيم رحمه الله تعالى بحث هام مفصل في هذه المسألة، أظن أنه لم يسبق إلى مثله في الإفادة والتحقيق، وأرى من تمام هذا البحث أن أنقل منه فصلين: أحدهما في إيطال هذا القياس، والآخر في الرد على من استدل بهذا الحديث على نقيض ما بيِّنَّا، قال رحمه الله بعد أن ذكر القول المتقدم: . ((فجوابه من وجوه : أحدها: المعارضة بما هو أصح منه أو مثله، وهو أن يقال: لا يلزم من صحة القضاء بعد الوقت من المعذور - المطيع لله ورسوله الذي لم يكن منه تفريط في فعل ما أمر به وقبوله منه - صحته وقبوله من متعدٍّ لحدود الله، مضيع لأمره، تارك لحقه عمداً وعدواناً؛ فقياس هذا على هذا في صحة العبادة وقَبولها منه وبراءة الذمة بها من أفسد القياس. الوجه الثاني: أن المعذور بنوم أو نسيان لم يصل الصلاة في غير وقتها، بل في ١٤١ نفس وقتها الذي وقّته الله له؛ فإن الوقت في حق هذا حين يستيقظ ويذكر؛ كما قال وَالر: ((من نسي صلاة؛ فوقتها إذا ذكرها))، رواه البيهقي والدارقطني(١)؛ فالوقت وقتان: وقت اختيار، ووقت عذر، فوقت المعذور بنوم أو سهو هو وقت ذكره واستيقاظه؛ فهذا لم يصلُّ الصلاة إلا في وقتها، فكيف يقاس عليه من صلاها في غير وقتها عمداً وعدواناً؟! الثالث: أن الشريعة قد فرَّقت في مواردها ومصادرها بين العامد والناسي، وبين المعذور وغيره، وهذا مما لا خفاء به؛ فإلحاق أحد النوعین بالآخر غير جائز. الرابع: أنا لم نسقطها عن العامد المفرط ونأمر بها المعذور حتى يكون ما ذكرتم حجة علينا، بل ألزمنا بها المفرط المتعدي على وجه لا سبيل له إلى استدراكها تغليظاً عليه، وجوزنا للمعذور غير المفرط. (فصل): وأما استدلالكم بقوله ◌َّ: ((من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس؛ فقد أدرك))؛ فما أصحه من حديث! وما أراه على مقتضى قولكم! فإنكم تقولون: هو مدرك للعصر، ولو لم يدرك من وقتها شيئاً البتة؛ بمعنى : أنه مدرك لفعلها صحيحة منه مبرئة لذمته، فلو كانت تصح بعد خروج وقتها وتقبل منه؛ لم يتعلق إدراكها بركعة، ومعلوم أن النبي ◌َّلو لم يرد أن من أدرك ركعة من العصر صحت صلاته بلا إثم، بل هو آثم بتعمد ذلك اتفاقاً؛ فإنه أمر أن يوقع جميعها في وقتها، فعلم أن هذا الإِدراك لا يرفع الإِثم، بل هو مدرك آثم، فلو كانت تصح بعد الغروب؛ لم يكن فرق بين أن يدرك ركعة من الوقت؛ أو لا يدرك منها شيئاً. فإنْ قلتم: إذا أخرها إلى بعد الغروب؛ كان أعظم إثماً. قيل لكم: النبي ◌َّي لم يفرِّق بين إدراك الركعة وعدمها في كثرة الإِثم وخفته، (١) قلت: هو بهذا اللفظ لا يثبت، في إسناده ضعف، وإن كان في المعنی یغني عنه حديث أنس المتقدم . ١٤٢ وإنما فرق بينهما في الإِدراك وعدمه، ولا ريب أن المفوّت لمجموعها في الوقت أعظم من المفوّت لأكثرها، والمفوِّت لأكثرها فيه أعظم من المفوّت لركعة منها . فنحن نسألكم ونقول: ما هذا الإِدراك الحاصل بركعة؟ أهذا إدراك يرفع الإِثم؟ فهذا لا يقوله أحد! أو إدراك يقتضي الصحة؟ فلا فرق فيه بين أن يفوّتها بالكلية، أو يفوّتها إلا ركعة منها!)). ٦٧ - (قُومُوا إِلى سَيِّدِكُم فَأَنْزِلُوهُ. فقالَ عُمَرُ: سَيِّدُنا اللهُ عزَّ وجَلَّ. قالَ: أَنْزِلُوهُ. فَأَنْزَلُوهُ). أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٤ / ٤٠٨ - ٤١١)، والإِمام أحمد (٦ / ١٤١ - ١٤٢) - والسياق له -، وابن سعد (٣ / ٤٢١ - ٤٢٣)، وابن حبان (٦٩٨٩ - الإِحسان) عن محمد بن عمرو عن أبيه عن علقمة بن وقاص قال: أخبرتني عائشة قالت : ((خرجت يوم الخندق أقفو آثار الناس. قالت: فسمعتُ وئيد الأرض ورائي؛ يعني : حس الأرض. قالت: فالتفتُّ؛ فإذا أنا بسعد بن معاذ ومعه ابن أخيه الحارث ابن أوس یحمل مجنه. قالت: فجلست إلى الأرض، فمرَّ سعد وعلیہ درع من حدید قد خرجت منها أطرافه، فأنا أتخوف على أطراف سعد. قالت: فمر وهو يرتجز ويقول : لَبِّثْ قَليلاً يُدْرِكِ الهَيْجا حَمَل (١) مَا أَحْسَنَ المَوْتَ إِذا حَانَ الأجَل قالت: فقمت، فاقتحمت حديقة؛ فإذا فيها نفر من المسلمين، وإذا فيهم عمر ابن الخطاب، وفيهم رجل عليه سبغة له - يعني: مغفراً -، فقال عمر: ما جاء بكِ؟ (١) الأصل: ((ليت ... جمل))، والتصحيح من ((مجمع الزوائد)) (٦ / ١٣٧) برواية أحمد والمصادر المذكورة أعلاه. ١٤٣ العمري والله إنك لجريئة! وما يُؤمِنُك أن يكون بلاءٌ أو يكون تحوزٌ؟ قالت: فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت لي ساعتئذ فدخلت فيها! قالت: فرفع الرجل السبغة عن وجهه؛ فإذا طلحة بن عبيدالله، فقال: يا عمر! إنك قد أكثرت منذ اليوم، وأين التحوُّز أو الفرار إلا إلى الله عز وجل؟ قالت: ويرمي سعداً رجلٌ من المشركين من قريش - يقال له: ابن العرقة - بسهم له، فقال له: خذها وأنا ابن العرقة. فأصاب أكحله فقطعه، فدعا الله عز وجل سعدٌ، فقال: اللهم! لا تمتني حتى تقر عيني من قريظة. قالت: وكانوا حلفاء مواليه في الجاهلية. قالت: فرقى كَلمُه - أي : جرحه -، وبعث الله عز وجل الريح على المشركين، فكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويّاً عزيزاً، فلحق أبو سفيان ومن معه بتهامة، ولحق عيينة بن بدر ومن معه بنجد، ورجعت بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم، ورجع رسول الله وَّر إلى المدينة، فوضع السلاح، وأمر بقبة من أدم فضُربت على سعد في المسجد. قالت: فجاء جبريل عليه السلام، وإن على ثناياه لنقع الغبار، فقال: أوَ قد وضعت السلاح؟! والله ما وضعت الملائكة بعد السلاح، اخرج إلى بني قريظة فقاتلهم. قالت: فلبس رسول الله وله لأمته، وأذن في الناس بالرحيل أن يخرجوا، فخرج رسول الله وَّ، فمرَّ على بني غنم، وهم جيران المسجد حوله، فقال: ((من مربكم؟)). قالوا: مر بنا دحية الكلبي، وكان دحية الكلبي تشبه لحيته وسنه ووجهه جبريل عليه السلام. فقالت: فأتاهم رسول الله ◌َيهر، فحاصرهم خمساً وعشرين ليلة، فلما اشتد حصرهم واشتد البلاء؛ قيل لهم: انزلوا على حكم رسول الله وَله، فاستشاروا أبا لبابة بن عبدالمنذر، فأشار إليهم أنه الذبح. قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ. فقال رسول الله وَلقول: («انزلوا على حكم سعد بن معاذ)). فنزلوا، وبعث رسول الله و لقد إلى سعد بن معاذ، فأتي به على حمار عليه إكاف من ليف، وقد حُمل عليه، وحف به قومه، فقالوا: يا أبا عمرو! حلفاؤك ومواليك وأهل النكاية ومن قد علمت، فلم(١) يرجع إليهم شيئاً، ولا يلتفت (١) الأصل: ((وأنى لا))، والتصويب من ((المجمع)). ١٤٤ إليهم، حتى إذا دنا من دورهم؛ التفت إلى قومه، فقال: قد أنى لي (١) أن لا أبالي في الله لومة لائم. قال: قال أبو سعيد: فلما طلع على رسول الله وَلقر؛ قال: ((قوموا إلى سيدكم ... )) الحديث. قال رسول الله وَ ليل: ((احكم فيهم)). قال سعد: فإني أحكم أن تقتل مقاتلتهم، وتُسبى ذراريهم، وتُقسم أموالهم. فقال رسول الله وَلّ: ((لقد حكمت بحكم الله عز وجل وحكم رسوله)). قالت: ثم دعا سعد؛ قال: اللهم! إن كنت أبقيت على نبيك وَّ# من حرب قريش شيئاً؛ فأبقني لها، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم؛ فاقبضني إليك. قالت: فانفجر كَلْمُه، وكان قد بریء حتى ما يرى منه إلا مثل الخرص، ورجع إلى قبته التي ضرب عليه رسول الله وجهالقر. قالت عائشة: فحضره رسول الله وَ ليل وأبو بكر وعمر. قالت: فوالذي نفس محمد بيده؛ إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وأنا في حجرتي، وكانوا كما قال الله عز وجل: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾(٢). قال علقمة: قلت: أي أمَّه! فكيف كان رسول الله وكل يصنع؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد، ولكنه كان إذا وجد؛ فإنما هو آخذ بلحيته)). قلت: وهذا إسناد حسن . وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٦ / ١٢٨): ((رواه أحمد، وفيه محمد بن عمرو بن علقمة، وهو حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات)). وقال الحافظ في ((الفتح)) (١١ / ٤٣): ((وسنده حسن)). قلت: وأخرجه البخاري (٤ / ١٧٥)، ومسلم (٥ / ١٦٠)، وأبو داود (٥٢١٥)، والبيهقي في ((الدلائل)) (٤ / ١٨)، وأحمد (٢ / ٢٢ و٧١)، وأبو يعلى (١) أنى الشيء يأني أنياً : حان وأدرك . (٢) الفتح: ٢٩ . ١٤٥ في ((مسنده)) (ق ٧٧ / ٢) من حديث أبي سعيد الخدري : ((أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد، فأرسل النبي وَ ير إليه، فجاء، فقال: قوموا إلى سيدكم - أو قال: خيركم -، فقعد عند النبي وَالر، فقال: هؤلاء نزلوا على حكمك. قال: فإني أحكم أن تُقتل مقاتلتهم، وتُسبى ذراريهم. فقال: لقد حكمت بما حکم به الملك». فائدتان : ١ - اشتهر رواية هذا الحديث بلفظ: ((لسيدكم))، والرواية في الحديثين كما رأيت: ((إلى سيدكم))، ولا أعلم للفظ الأول أصلاً، وقد نتج منه خطأ فقهي، وهو الاستدلال به على استحباب القيام للقادم كما فعل ابن بطّال وغيره . قال الحافظ محمد بن ناصر أبو الفضل في ((التنبيه على الألفاظ التي وقع في نقلها وضبطها تصحيف وخطأ في تفسيرها ومعانيها وتحريف في كتاب الغريبين عن أبي عبيد الهروي)) (ق ١٧ / ٢): ((ومن ذلك ما ذكره في هذا الباب من ذكر السيد، وقال كقوله لسعد حين قال: ((قوموا لسيدكم)): أراد أفضلكم رجلاً. قلت: والمعروف أنه قال: ((قوموا إلى سيدكم))، قاله ◌َّ لجماعة من الأنصار لما جاء سعد بن معاذ محمولاً على حمار، وهو جريح ... أي: أنزلوه واحملوه، لا قوموا له من القيام له؛ فإنه أراد بالسيد: الرئيس المتقدم عليهم، وإن كان غيره أفضل منه)). ٢ - اشتهر الاستدلال بهذا الحديث على مشروعية القيام للداخل، وأنت إذا تأملت في سياق القصة؛ يتبين لك أنه استدلال ساقط من وجوه كثيرة: أقواها قوله چالتر : ((فأنزلوه))؛ فهو نصٌّ قاطع على أن الأمر بالقيام إلى سعد إنما كان لإِنزاله من أجل كونه مريضاً، ولذلك قال الحافظ: ((وهذه الزيادة تخدش في الاستدلال بقصة سعد على مشروعية القيام المتنازع فيه، وقد احتج به النووي في (كتاب القيام) ... )). ١٤٦ وُجُوبُ التّفُرِ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ ٦٨ - (لَقَدْ نَزَلَتْ عليَّ الليلةَ آيَاتٌ؛ وَيْلٌ لمِنْ قَرأَها ولم يتفَكَّرْ فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآية(١). رواه أبو الشيخ ابن حيان في ((أخلاق النبي بَلر)) (٢٠٠ - ٢٠١)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٥٢٣ - الموارد) عن يحيى بن زكريا بن إبراهيم بن سويد النخعي : نا عبدالملك بن أبي سليمان عن عطاء قال: ((دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة رضي الله عنها، فقال عبدالله بن عمير: حدثينا بأعجب شيء رأيتيه من رسول الله وَيّ، فبكت وقالت: قام ليلة من الليالي، فقال: يا عائشة! ذريني أتعبَّد لربي. قالت: قلت: والله إني لأحب قربك، وأحب ما يسرك. قالت: فقام فتطهر، ثم قام يصلي، فلم يزل يبكي حتى بلَّ حجره، ثم بكى، فلم يزل يبكي حتى بلَّ الأرض، وجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله! تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: أفلا أكون عبداً شكوراً؟ لقد نزلت ... )) الحديث. قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات؛ غير يحيى بن زكريا؛ قال ابن أبي حاتم (٤ / ٢ / ١٤٥): ((سألت أبي عنه؟ قال: ليس به بأس، هو صالح الحديث)). والحديث عزاه الحافظ المنذري في ((الترغيب)) (٢ / ٢٢٠) لابن حبان في «صحیحه))، وأقره . وله طريق أخرى عن عطاء، أخرجها أبو الشيخ أيضاً (١٩٠ - ١٩١)، ورجالها ثقات؛ غير أبي جناب الكلبي - واسمه يحيى بن أبي حية -؛ قال الحافظ في (١) آل عمران: ١٩٠. ١٤٧ ((التقريب)): ((ضعفوه لكثرة تدليسه)). قلت: وقد صرح هنا بالتحديث، فانتفت شبهة تدليسه. فقه الحديث : فيه فضل النبي ◌َّ، وكثرة خشيته وخوفه من ربه، وإكثاره من عبادته، مع أنه تعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ فهو المنتهى في الكمال البشري، ولا جرم. في ذلك؛ فهو سيد البشريّة . لكن؛ ليس فيه ما يدل على أنه وسلّر قام الليل كله؛ لأنه لم يقع فيه بيان أن النبي عليه الصلاة والسلام ابتدأ القيام من بعد العشاء أو قريباً من ذلك، بل إن قوله: ((قام ليلة من الليالي، فقال ... )): الظاهر أن معناه: ((قام من نومه ... ))؛ أي: نام أوله ثم قام؛ فهو على هذا بمعنى حديثها الآخر: ((كان ينام أول الليل، ويحيي آخره ... )). أخرجه مسلم (٢ / ١٦٧). وإذا تبيَّن هذا؛ فلا يصح حينئذ الاستدلال بالحديث على مشروعية إحياء الليل كله؛ كما فعل الشيخ عبدالحي اللكنوي في ((إقامة الحجة على أن الإكثار من التعبد ليس بدعة))؛ قال (ص ١٣): ((فدل ذلك على أن نفي عائشة قيام الليل كله محمول على غالب أوقاته وجَ لّ). قلت: يشير بـ ((نفي عائشة)) إلى حديثها الآخر: ((ولم يقم رسول الله ويم ليلة يتمها حتى الصباح، ولم يقرأ القرآن في ليلة قط)). أخرجه مسلم (٢ / ١٦٩ - ١٧٠)، وأبو داود (١٣٤٢)، واللفظ له. قلت: فهذا نصٌّ في النفي المذكور لا يقبل التأويل، وحمله على غالب الأوقات إنما يستقيم لو كان حديث الباب صريح الدلالة على أنه سي قام تلك الليلة ١٤٨ بتمامها، أما وهو ليس كذلك كما بيَّنَّا؛ فالحمل المذكور مردود، ويبقى النفي المذكور سالماً من التقييد، وبالتالي تبقى دلالته على عدم مشروعية قيام الليل كله قائمة؛ خلافاً لما ذهب إليه الشيخ عبدالحي في كتابه المذكور، وفيه كثير من المؤاخذات التي لا مجال لذكرها الآن، وإنما أقول: إن طابعه التساهل في سرد الروايات المؤيدة لوجهة نظره؛ من أحاديث مرفوعة، وآثار موقوفة، وحسبك مثالاً على هذا أنه ذهب إلى تحسين حديث: ((أصحابي كالنجوم؛ بأيهم اقتديتم اهتديتم))؛ تقليداً منه لبعض المتأخرين؛ دون أن ينظر في دعواهم: هل هي تطابق الحقيقة وتوافق القواعد العلمية؟ مع ما في التحسين المذكور من المخالفة لنصوص الأئمة المتقدمين؛ كما بَيَّتُه في ((الأحاديث الضعيفة)) (٥٢)؛ فراجعه لتزداد بصيرة بما ذكرنا. مثلُ الَّهِي عَنِ الْمُنْكَرِ وَالسَّكِتِ عَلَيْهِ ٦٩ - (مَثَلُ القائمِ عَلى حُدودِ اللهِ والواقِعِ (وفي روايةٍ: والرَّاتع) فيها، [والمُذْهِن فيها]؛ كَمَثَلِ قَوْمِ اسْتَهَمُوا عَلى سَفينةٍ [في البحر]، فأَصابَ بَعضُهُم أَعْلاها، و[أَصابَ] بعضُهُمْ أَسْفَلَها [وَأَوْعَرَها]، فكانَ الَّذي (وفي رواية: الّذينَ) في أسفَلِها إِذا اسْتَقَوْا مِن الماءِ فَمَرُّوا على مَنْ فوقَهُم، [فتَأَذَّوْا بِهِ] (وفي روايةٍ: فكانَ الَّذينَ في أَسْفَلِها يَصْعَدُونَ فَيَسْتَقونَ الماءَ، فَيَصُبُّونَ على الَّذِينَ في أُعْلاهُ، فقالَ الَّذِينَ فِي أَعْلاها: لا تَدَعُكُمْ تَصْعَدُونَ فَتُؤْذونَنَا). فقالوا: لو أَنَّا خَرَقْنا في نَصيبنا خَرْقاً [فاسْتَقَيْنا منهُ] ولم نُؤْذِ مَنْ فوقَنا (وفي روايةٍ: ولم نَمُرَّ على أَصحابِنا فُؤْذِيَهُم)، [فَأَخَذَ(١) فأْساً، فجَعَلَ يَنْقُرُ أَسفلَ السَّفِينَةِ، (١) أي : أحدهم. ١٤٩ فَأَتَوْهُ فقالوا: ما لَكَ؟ قالَ: تَأَذَّيْتُم بي، ولا بُدَّ لي مِنَ الماءِ]، فإِنْ تَركوهُمْ وما أرادوا؛ هَلَكوا جميعاً، وإِنْ أَخَذوا على أَيديهِم؛ نَجَوا وأنّجَوْا جَميعاً). رواه البخاري (٢ / ١١١ و١٦٤)، والترمذي (٢ / ٢٦)، والبيهقي (١٠ / ٢٨٨)، وأحمد (٤ / ٢٦٨ و٢٧٠ و٢٧٣) من طريق زكريا بن أبي زائدة والأعمش عن الشعبي عن النعمان بن بشير عن النبي وَ ل# قال: (فذكره). وقال الترمذي : «حديث حسن صحيح)). وقد تابعهما مغيرة ومطرف عن الشعبي مختصراً ومطولاً عند ابن حبان (١ / ٢٥٨ / ٢٩٧ و٢٩٨ و٣٠١)، ولفظه في رواية: ((المداهن في حدود الله والراكب حدود الله، والآمر بها والناهي عنها؛ كمثل قوم ... )). وتابعهم مجالد بن سعيد عند أحمد (٤ / ٢٧٣)، وهو ضعيف، وفي سياقه زيادة: (( ... مثل ثلاثة ركبوا في سفينة، فصار لأحدهم أسفلها وأوعرها ... )). وتابعهم غيره، فقال ابن المبارك في ((الزهد) (ق ٢١٩ / ٢): أنا الأجلح عن ((إنَّ قوماً ركبوا سفينة فاقتسموها، فأصاب كل رجل منهم مكاناً، فأخذ رجل منهم الفأس، فنقر مكانه، قالوا: ما تصنع؟ فقال: مكاني أصنع به ما شئت! فإن أخذوا على يديه؛ نجَوْا ونجا، وإن تركوه؛ غرق وغرقوا؛ فخذوا على أيدي سفهائكم قبل أن تهلكوا)) . وأخرجه ابن المبارك في ((حديثه)) أيضاً (ج٢ / ١٠٧ / ٢) ومن طريقه ابن أبي الدنيا في ((الأمر بالمعروف)) (ق ٢٧ / ٢)، والبغوي في ((شرح السنة)) (١٤ / ٣٤٣). لکن الأجلح هذا - وهو ابن عبدالله أبو حجية الكندي - فيه ضعف، لا سيما عن الشعبي . ١٥٠ قال العقيلي : ((روى عن الشعبي أحاديث مضطربة لا يتابع عليها)). قلت: وهذا اللفظ هو الذي شاع في هذا الزمان عند بعض الكتاب والمؤلفين، فأحببت أن أنبه على ضعفه، وأن أرشد إلى أن اللفظ الأول هو الصحيح المعتمد، وقد ضممت إليه ما وقفت عليه من الزيادات الصحيحة. والله الموفق. ومجموعها يدل على أن القوم كانوا على أنواع ثلاثة : أولاً: (القائم على حدود الله)؛ أي: المتمسك بأحكام الله، الأمر بالمعروف، والناهي عن المنكر. ثانياً: (الواقع فيها)؛ أي: مرتكبها والمخالف لها. ثالثاً: (المدهن فيها)؛ أي: المحابي والمرائي الذي لا يغير المنكر. وراجع ((الفتح)) (٥ / ٢٩٥). مِنْ مُلاطَفَتِ مَ للأطفال ٧٠ - (كانَ رَسولُ اللهِ وَ لَيُدْلِعُ لِسانَهُ للحَسَنِ بنِ عليّ، فيرى الصَّبيُّ حُمِرَةَ لسانِهِ، فَيَبْهَشُ إِليهِ). رواه أبو الشيخ ابن حيان في ((كتاب أخلاق النبي وَّر وآدابه)) (ص ٩٠)، والبغوي في ((شرح السنة)) (١٣ / ١٨٠ / ٣٦٠٣) من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة به . قلت: وهذا إسناد حسن، ونقل الزبيدي في ((شرح الإحياء)) (٧ / ٥٠١) عن العراقي أنه قال: ((رواه أبو يعلى بسند جيد))، وهذا في ((تخريج الإحياء)) للعراقي (٣ / ١٣٠)، لكن ليس فيه: ((بسند جيد))، فإما أن يكون سقط من الناسخ أو الطابع، ١٥١ أو هو في ((التخريج الكبير)) له. قوله: ((فيبهش))؛ أي: يسرع؛ في ((النهاية)): ((يقال للإِنسان إذا نظر إلى الشيء فأعجبه واشتهاه وأسرع إليه: قد بهش إليه)). مِنْ أَبِ الطَّعامِ ٧١ - (كَانَ إِذا قُرِّبَ إِليهِ الطّعامُ؛ يقولُ: بِسمِ اللهِ، فإِذا فَرَغَ؛ قالَ: اللهُمَّ! أَطْعَمْتَ، وأَسْقَيْتَ، وأَقْنَيْتَ، وهَدَيْتَ، وأَحْيَيْتَ؛ فلكَ الحمدُ على مَا أَعْطَيْتَ). رواه أحمد (٤ / ٦٢، ٥ / ٣٧٥)، وأبو الشيخ في ((أخلاق النبي ◌َّ)) (ص ٢٣٨) عن بكر بن عمرو عن عبدالله بن هبيرة السبائي عن عبدالرحمن بن جبير: أنه حدثه رجل خدم رسول الله و # ثمان سنين: ((أنه كان يسمع رسول الله وهل إذا قرب)) الحدیث . قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات، رجال مسلم . (أقنيت)؛ أي: مَلَّكت المال وغيره. وفي هذا الحديث أن التسمية في أول الطعام بلفظ: ((بسم الله))؛ لا زيادة فيها، وكل الأحاديث الصحيحة التي وردت في الباب - كهذا الحديث - ليس فيها الزيادة، ولا أعلمها وردت في حديث؛ فهي بدعة عند الفقهاء بمعنى البدعة، وأما المقلدون؛ فجوابهم معروف: ((شو فيها؟!)). فنقول: فيها كل شيء، وهو الاستدراك على النبي وَل# الذي ما ترك شيئاً يقرِّبنا إلى الله إلا أمرنا به وشرعه لنا، فلو كان ذلك مشروعاً ليس فيه شيء؛ لفعله ولو مرة واحدة، وهل هذه الزيادة إلا كزيادة الصلاة على النبي وَيّر من العاطس بعد ١٥٢ الحمد؟! وقد أنكرها عبدالله بن عمر رضي الله عنه؛ كما في ((مستدرك الحاكم)) (٤ / ٣٦٥)، وجزم السيوطي في ((الحاوي للفتاوي)) (١ / ٣٣٨) بأنها بدعة مذمومة، وقال ابن عابدين في ((الحاشية)) (١ / ٥٤١) بكراهيتها؛ فهل يستطيع المقلدون الإِجابة عن السبب الذي حمل السيوطي على الجزم بذلك؟! قد يبادر بعض المغفَّلين منهم فيتهمه - كما هي عادتهم - بأنه وهابي! مع أن وفاته كانت قبل وفاة محمد بن عبدالوهاب بنحو ثلاث مئة سنة !! ويذكرني هذا بقصة طريفة في بعض المدارس في دمشق؛ فقد كان أحد الأساتذة المشهورين من النصارى يتكلم عن حركة محمد بن عبدالوهاب في الجزيرة العربية، ومحاربتها للشرك والبدع والخرافات، ويظهر أنه أطرى في ذلك، فقال بعض تلامذته: يظهر أن الأستاذ وهابي !! وقد يسارع آخرون إلى تخطئة السيوطي، ولكن؛ أين الدليل؟! والدليل معه، وهو قوله وَله: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه؛ فهو رد))، متفق عليه، وهو مخرج في ((غاية المرام)) (رقم ٥). وفي الباب غيره مما سنجمعه في كتابنا الخاص بالمحدثات، والمسمى بـ ((قاموس البدع))، نسأل الله تعالى أن ييسر لنا إتمامه بمنَّه وفضله . مِنْ مَكارِمِ الأُخْلاقِ ٧٢ - (أَحِبَّ للنَّاسِ ما تُحِبُّ لنفسِكَ). رواه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٢ / ٤ / ٣١٧ / ٣١٥٥)، وعبد بن حميد في ((المنتخب من المسند)) (٥٣ / ٢)، وابن سعد (٧ / ٤٢٨)، والقطيعي في ((الجزء المعروف بالألف دينار)) (٢٩ / ٢) عن سيار عن خالد بن عبدالله القسري عن أبيه: ((أن النبي ◌َ لّ قال لجده يزيد بن أسيد ... (فذكره)). ١٥٣ ورواه عن روح بن عطاء بن أبي ميمونة قال: ثنا سيار به؛ إلا أنه قال: حدثني أبي عن جدي قال: ((قال لي رسول الله وَله: أتحب الجنة؟ وقال: فأحب ... )) الحديث. ورواه ابن عساكر (٥ / ٢٤٢ / ٢) عن القطيعي من الوجه الثاني، والحاكم (٤ / ١٦٨) وقال: ((صحيح الإسناد)). ووافقه الذهبي . قلت: وخالد بن عبدالله القسري هو الدمشقي الأمير؛ قال الذهبي في ((الميزان)): ((صدوق، لكنه ناصبي بغيض ظلوم، قال ابن معين: رجل سوء يقع في علي رضي الله عنه)). وذكره ابن حبان فى ((الثقات)) (٢ / ٧٢). وأبوه عبدالله بن يزيد أورده ابن أبي حاتم (٢ / ٢ / ١٩٧) ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (١ / ١٢٣). والحديث؛ قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٨ / ١٨٦): (رواه عبدالله والطبراني في ((الكبير)) و ((الأوسط)) بنحوه، ورجاله ثقات)). وللحديث شاهد من حديث أبي هريرة بلفظ : ((وأحِبَّ للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمناً)) الحديث. أخرجه الترمذي (٢ / ٥٠)، وأحمد (٢ / ٣١٠)، وقال الترمذي: ((حديث غريب، والحسن لم يسمع من أبي هريرة)). قلت: وراويه عن الحسن - وهو البصري - أبو طارق، وهو مجهول كما في ١٥٤ ((التقريب)). ومما یشهد له أيضاً: ٧٣ - (لا يؤمِنُ أحدُكُم حتّى يُحِبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسِهِ [مِن الخیر]). أخرجه البخاري (١ / ١١)، ومسلم (١ / ٤٩)، وأبو عوانة في ((صحيحه)) (١ / ٣٣)، والنسائي (٢ / ٢٧١ و٢٧٤)، والترمذي (٢ / ٨٤)، والدارمي (٢ / ٣٠٧)، وابن ماجه (رقم ٦٦)، والطيالسي (رقم ٢٠٠٤)، وأحمد (٣ / ١٧٦ و٢٠٦ و٢٥١ و٢٧٢ و٢٧٨ و٢٨٩) من حديث أنس بن مالك مرفوعاً. وقال الترمذي: «حدیث صحیح)). والزيادة لأبي عوانة والنسائي وأحمد وأبي يعلى (٥ / ٢٨٨٧ و٢٩٥٠ و٢٩٦٧ و٣٠٨١ و ٣١٥١ و٣١٨٢ و ٣١٨٣ و٦ / ٣٢٥٧)، وابن حبان (١ / ٢٢٩ / ٢٣٥) في رواية لهم، وإسنادها صحيح . وللحديث شاهد من حديث علي مرفوعاً بلفظ : ((المسلم على المسلم ست ... ويحب له ما يحب لنفسه، وينصح له بالغيب)). أخرجه الدارمي (٢ / ٢٧٥ - ٢٧٦)، وابن ماجه (١٤٣٣)، وأحمد (١ / ٨٩)؛ بسند ضعيف. واعلم أن هذه الزيادة ((من الخير)) زيادة هامة تحدِّد المعنى المراد من الحديث بدقة، إذ إن كلمة ((الخير)) كلمة جامعة تعم الطاعات والمباحات الدنيوية والأخروية وتخرج المنهيات؛ لأن اسم الخير لا يتناولها كما هو واضح، فمِن كمال خلق المسلم أن يحب لأخيه المسلم من الخير مثلما يحب لنفسه، وكذلك أن يبغض لأخيه ما ١٥٥ يبغض لنفسه من الشر، وهذا وإن لم يذكره في الحديث؛ فهو من مضمونه؛ لأن حب الشيء مستلزم لبغض نقيضه، فترك التنصيص عليه اكتفاءً؛ كما قال الكرماني، ونقله الحافظ في ((فتح الباري)) (١ / ٥٤) وأقره . وقد عزا هذه الزيادة بعض المخرجين للشيخين، وذلك من جهلهم بهذا العلم . وُجُوبُ ذِكْرِ اللهِ وَالصَّلاةِ على النِّ ◌َّ فِي كَلِّ مَجْلِسٍ ٧٤ - (ما جَلَسَ قومٌ مجلساً لم يَذْكُرُوا اللهَ فيهِ، ولم يُصَلُّوا على نبِّهِم؛ إِلَّا كانَ عليهِمْ تِرَةً، فإِنْ شاءَ عَذَّبَهُم، وإِنْ شاءَ غَفَرَ لهُم). أخرجه الترمذي (٢ / ٢٤٢)، وإسماعيل القاضي في ((فضل الصلاة على النبيِ وَ س98)) (رقم ٥٤ - بتحقيقي)، وابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (رقم ٤٣٣)، والطيالسي (٢٣١١)، وأحمد (٢ / ٤٤٦ و٤٥٣ و٤٨١ ٤٨٤ و٤٩٥)، والطبراني في ((الدعاء)) (٣ / ١٦٦٢ و١٩٢٣ و١٩٢٤ و١٩٢٥)، والبيهقي في ((سننه)) (٣ / ٢١٠)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٨ / ١٣٠) من طرق عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة مرفوعاً. وقال الترمذي : حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة مرفوعاً. قلت: وصالح مولى التوأمة، وهو ابن نبهان، وإن كان ضعيفاً لاختلاطه، فهو صحيح الحديث إذا روى عنه قدماء أصحابه قبل اختلاطه، وهذا منه؛ فإنه من الطرق المشار إليها آنفاً: زياد بن سعد وابن أبي ذئب عند أحمد، وعمارة بن غزية عند الطبراني والحاكم، وقال: ((صحيح الإِسناد)). على أنه قد تابعه جماعة، منهم أبو صالح السمان كما يأتي بعد حديث، فانتقاد الذهبي تصحيح الإِسناد بصالح مردود، ولا سيما وقد قال في ((الكاشف)): ١٥٦ ((وقال ابن معين: هو حجة قبل أن يختلط، فرواية ابن أبي ذئب عنه قبل اختلاطه)). وانظر الرد على حسان في المقدمة (ص ٢٣). وقوله: (تِرة))؛ أي: نقص، والهاء فيه عوض من الواو المحذوفة . ثم رواه الترمذي من طريق أبي إسحاق عن الأغر أبي مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد معاً مرفوعاً؛ قال: (مثله، ولم يسق لفظه). كذا قال: ((مثله))، وعندي وقفة في كون حديث الأغر مثله؛ فقد أخرجه مسلم (٨ / ٧٢) وابن ماجه (٢ / ٤١٨) بلفظ : ٧٥ - (مَا جَلَسَ قَوْمُ مجلساً يَذْكُرُونَ اللهَ فيهِ؛ إِلَّ حَقَّتْهُمُ الملائكةُ، وَتَغَشَّتْهُمُ الرَّحِمةُ، ونَزَلَتْ عليهِمُ السَّكينَةُ، وذَكَرَهُم اللهُ فيمَنْ عِنْدَهُ). والسياق لابن ماجه، ورواه الترمذي قبل حديث الباب بحديثين وقال: (حسن صحيح)). وقوله: ((مثله))؛ فالله أعلم؛ فإني في شكٌّ من ثبوت ذلك عن الترمذي، وإن كان ورد ذلك في بعض نسخ كتابه؛ فقد أورد السيوطي في ((الجامع الصغير)) هذا الحديث من رواية الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة وأبي سعيد معاً، وفي عزوه لابن ماجه نظر أيضاً؛ فإني لم أجد عنده إلا اللفظ الثاني الذي رواه مسلم، والعلم عند الله تعالی . ولم يقع في نسخة ((السنن)) التي عليها شرح ((تحفة الأحوذي)) سَوْق هذا الإِسناد الثاني عقب حديث الباب . ولهذا اللفظ عنده طريق أخرى عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ : (( ... وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه ١٥٧ بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة ... ))، والباقي مثله. وهو طرف من حديث رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في ((تخريج علم أبي خيثمة)) (١١٣ / ١٧)، و((صحيح أبي داود)) (١٣٠٨). ٧٦ - (ما قَعَدَ قومٌ مَقْعَداً لم يَذْكُرُوا فيهِ اللهَ عزَّ وجلَّ، ويُصلُّوا على النبيِّ وَّرَ؛ إِلَّ كانَ عليهِمْ حَسْرةً يومَ القيامَةِ، وإِنْ دَخَلُوا الجَنَّةَ ؛ للثواب). رواه أحمد (٢ / ٤٦٣)، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٤٠٩ - ٤١٠)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٢٣٢٢ - موارد)، والخطيب في ((الفقيه والمتفقه)) (٢٣٧ / ١) من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً. وإسناده صحيح . وقال الهيثمي (١٠ / ٧٩): ((رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح)). وأخرجه ابن الجوزي في ((منهاج القاصدين)) (١ / ٧٢ / ٢)، لكن وقع عنده عن ((أبي سعيد الخدري))؛ بدل: ((أبي هريرة))؛ فلعله وهم من بعض رواته . قلت: ورواه سهيل بن أبي صالح عن أبيه بلفظ : ٧٧ - (مَا مِنْ قَومٍ يَقومونَ مِن مَجْلِسٍ لا يذكُرُونَ اللهَ فيهِ؛ إِلَّ قامُوا عَلى مِثْلِ جِيفَةِ حِمارٍ، وكانَ عليهِمْ حَسْرةً يومَ القيامَةِ). رواه أبو داود (٨٤٥٥)، والنسائي (٤٠٨)، والطحاوي (٢ / ٣٦٧)، وأبو الشيخ في ((طبقات الأصبهانيين)) (٢٢٩)، وابن بشران في ((الأمالي)) (٣٠ / ٦ / ١ عام ٣٩٢٧)، وابن السني (٤٣٩)، والحاكم (١ / ٤٩٢)، وأبو نعيم (٧ / ٢٠٧)، ١٥٨ والبيهقي في ((الشعب)) (١ / ٤٠٣ / ٥٤١)، وأحمد (٢ / ٣٨٩ و٥١٥ و٥٢٧) من طرق عنه. وقال الحاكم : ((صحيح على شرط مسلم)). ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، وصححه النووي أيضاً. وأخرجه ابن حبان (١ / ٣٩٧ / ٥٨٩) من هذا الوجه نحوه بلفظ : ((من غير ذكر الله، والصلاة على النبي (مَثّر)). فزاد فيه ((الصلاة على النبي ◌َّ))، لكن فيه عنده مؤمل بن إسماعيل، وهو سبىء الحفظ . وقول المعلق على ((الإِحسان)) (٢ / ٣٥١ - طبع المؤسسة): ( ... قد توبع)): وهم من أوهامه الكثيرة - وما أظنه من شعيب ! - فإن مؤملاً لم يتابع على هذه الزيادة الهامة في هذا الإِسناد، لكنها قوية بما تقدم ويأتي من الطرق والشواهد، خلافاً لبعض المتعالمين! ومنهم سعيد بن أبي سعيد المقبري، ولفظه : ٧٨ - (مَن قَعَدَ مَقعَداً لم يَذْكُرِ اللهَ فِيهِ؛ كانَتْ عليهِ مِن اللهِ تِرَةٌ، ومَن اضْطَجَعَ مَضْجَعاً لا يذكُرُ اللهَ فيهِ؛ كانتْ عليهِ مِن اللهِ تِرَةَ). رواه أبو داود (٤٨٥٦ و٥٠٥٩)، والنسائي (٤٠٣ - ٤٠٤)، والبيهقي في ((الشعب)) (١ / ٤٠٣ / ٥٤٣)، والحميدي في ((مسنده)) (١١٥٨) الشطر الأول، وابن السني (٧٤٣) الشطر الثاني فقط من طريق محمد بن عجلان عنه . قلت: وهذا إسناد حسن، وكذا قال النووي في ((الرياض)) (٨٢٢)، ونحوه في ((نتائج الأفكار)) للحافظ (ق ٢٠٦ / ٢). وعزاه المنذري في ((الترغيب)) (٢ / ٢٣٥) لأبي داود بهذا اللفظ، وبزيادة: ١٥٩ ((وما مشى أحد ممشى لم يذكر الله فيه؛ إلا كان عليه من الله ترة))، ثم قال: ((ورواه أحمد وابن أبي الدنيا والنسائي وابن حبان في ((صحيحه))؛ كلهم بنحو أبي داود)). ولي عليه ملاحظتان: الأولى: أن الزيادة المذكورة ليست عند أبي داود في الموضعين المشار إليهما من كتابه، وإنما هي عند الأصبهاني في ((ترغيبه)) (ق ١٧٢ / ٢) من طريق ابن عجلان، وتابعه ابن أبي ذئب عند ابن حبان (٢٣٢١)، وعنده بدل قضية الاضطجاع : ((وما أوى أحد إلى فراشه، ولم يذكر الله فيه؛ إلا كان عليه ترة))، وهي عند النسائي بلفظ: ((ومن قام مقاماً لم يذكر الله فيه ... )). الثانية: أن أحمد لم يروه من هذا الطريق باللفظ المذكور، وإنما رواه من طريق أخرى باللفظ الآتي . ومنهم أبو إسحاق مولى الحارث، ولفظه: ٧٩ - (مَا جَلَسَ قومٌ مِجْلِساً، فلمْ يَذْكُرُوا اللهَ فيهِ؛ إِلَّ كانَ عليهِمْ تِرةً، وما مِن رجلٍ مشى طريقاً، فلم يذكُرِ اللهَ عزَّ وجلَّ؛ إِلَّ كانَ عليهِ تِرةً، وما مِن رجلٍ أَوى إِلى فِراشِهِ، فلمْ يَذْكُرِ اللهَ؛ إِلَّ كانَ عليهِ تِرةً). رواه أحمد (٢ / ٤٣٢)، والنسائي (٤٠٥)، وابن السني (٣٧٥)، والحاكم (١ / ٥٥٠) عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي إسحاق به. وقال أحمد : (عن إسحاق)). وقال الحاكم : ((عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث))، وزاد في متنه: ((ولم يصلوا على نبيهم ەپڼ))، وقال : ١٦٠