النص المفهرس
صفحات 121-140
٥٥ - (نعم؛ هو في ضَحْضاحٍ مِن نارٍ، ولولا أَنا (أَي: شفاعَتَهُ)؛ لكانَ في الدَّرْكِ الأسفلِ مِن النَّارِ). رواه مسلم (١ / ١٣٤ - ١٣٥)، وأحمد (١ / ٢٠٦ و٢٠٧ و٢١٠)، وأبو يعلى (٢١٣ / ٢ و٣١٣ / ٢)، وابن عساكر (١٩ / ٥١ / ١) واستقصى طرقه وألفاظه . فهذا الحديث نصٌّ في أن السبب في التخفيف إنما هو النبي عليه السلام؛ أي: شفاعته كما في الحديث قبله، وليس هو عمل أبي طالب؛ فلا تعارض حينئذ بين الحديث وبين القاعدة السابقة . ويعود أمر الحديث أخيراً إلى أنه خصوصية للرسول ◌َّر، وكرامة أكرمه الله تبارك وتعالى بها، حيث قبل شفاعته في عمه وقد مات على الشرك، مع أن القاعدة في المشركين أنهم كما قال الله عز وجل: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾(١)، ولكن الله تبارك وتعالى يخصُّ بتفضُّله من شاء، ومَن أحق بذلك من رسول الله وَ ◌ّ سيد الأنبياء عليهم جميعاً صلوات الله؟! والجواب الثاني: أننا لوسلَّمنا جدلاً أن سبب تخفيف العذاب عن أبي طالب هو انتصاره للنبي ودي مع كفره به؛ فذلك مستثنى من القاعدة، ولا يجوز ضربها بهذا الحديث؛ كما هو مقرَّر في علم أصول الفقه، ولكن الذي نعتمده في الجواب إنما هو الأول؛ لوضوحه. والله أعلم. مِنَ الَّطَبِّالَّبُوَّ ٥٦ - (كانَ يَأْكُلُ القِثَّاءِ بالرُّطَب). رواه البخاري (٢ / ٥٠٦)، ومسلم (٦ / ١٢٢)، وأبو داود (رقم ٣٨٣٥)، والترمذي (١ / ٣٣٩)، والدارمي (٢ / ١٠٣)، وابن ماجه (٣٣٢٥)، وأحمد (١ / (١) المدثر: ٤٨ . ١٢١ ٢٠٣)، وأبو الحسن أحمد بن محمد المعروف بابن الجندي في ((الفوائد الحسان)) (ق ٢ / ١)، وأبو نعيم في ((الطب)) (ق ١٣٩ / ١) من حديث عبدالله بن جعفر مرفوعاً، واللفظ لأبي داود والترمذي، وقال الآخرون: ((رأيت))؛ بدل: ((كان)). وقال الترمذي : ((حديث حسن صحيح)). وفي رواية لأحمد (١ / ٢٠٤) بلفظ : ((إن آخر ما رأيت رسول الله وَّر في إحدى يديه رطبات، وفي الأخرى قتَّاء، وهو يأكل من هذه، ويعض من هذه)). وفي إسناده نصر بن باب، وهو واهٍ. وعزاه الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٥ / ٣٨) للطبراني في ((الأوسط)) في حدیث طويل، وقال: ((وفيه أصرم بن حوشب، وهو متروك)). وكذلك عزاه إليه فقط الحافظ في ((الفتح)) (٩ / ٤٩٦)، وقال: ((في سنده ضعف)). وفاتهما أنه في ((المسند)) أيضاً كما ذكرنا. وفي عبارة الحافظ تهوينٌ ضعف إسناده، مع أنه شديد؛ كما يشير إلى ذلك قول الهيثمي في راويه: ((وهو متروك)). ولذلك أقول: إن الحديث بهذه الزيادة ضعيف، ولا يتقوَّى أحد الإِسنادين بالآخر؛ لشدة ضعفهما. نعم؛ له شاهد من حديث أنس بن مالك بلفظ : ((كان يأخذ الرطب بيمينه، والبطيخ بيساره، فيأكل الرطب بالبطيخ، وكان أحب ١٢٢ الفاكهة إليه)). ولكنه ضعيف أيضاً، شديد الضعف؛ لأنه من رواية يوسف بن عطيّة الصفار: ثنا مطر الوراق عن قتادة عن أنس بن مالك مرفوعاً. أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٢ / ٢٠٠ / ١ - رقم ٨٠٧١ من نسختي المصورة)، وقال: ((لم يروه عن قتادة إلا مطر، تفرَّد به يوسف بن عطيّة)). قلت: وهو متروك كما قال الهيثمي والحافظ في ((التقريب)). ومن طريقه أخرجه أبو نعيم في ((الطب)) (ق ١٣٩ / ٢)، وابن عدي (٧ / ٢٦١١)، والحاكم (٤ / ١٢١)، وعنهما البيهقي في ((الشعب)) (٢ / ٢٢٤ /١)، وذكر الحاكم أنه تفرَّد به يوسف هذا؛ قال الذهبي : ((وهو واهٍ)). وقول الحافظ فيه: ((وسنده ضعيف)): فيه ما قلناه آنفاً من قوله المتقدم في حديث ابن جعفر. وهو مع الضعف المذكور قد ذكر: ((البطيخ))؛ بدل: ((القثاء)). لكن لهذا أصل عن جماعة من أصحاب النبي ◌َّ؛ منهم أنس رضي الله عنه، ويأتي بعد هذا . وأخرج أبو داود (٣٩٠٣)، وابن ماجه (٣٣٢٤)، وأبو نعيم في ((الطب)) (ق ١٤٠ / ١) عن عائشة قالت: ((كانت أمي تعالجني للسمنة، تريد أن تدخلني على رسول الله وصلات، فما استقام لها ذلك حتى أكلت القثاء بالرطب، فسمنت كأحسن سمنة)). وإسناده صحيح . وعزاه الحافظ (٩ / ٥٧٣) لابن ماجه والنسائي، وسكت عنه، وكأنه يعني في ١٢٣ ((السنن الكبرى))، ثم تأكدنا من ذلك بعد أن طبع ((الكبرى)) (٤ / ١٦٧ / ٦٧٢٥). قال الحافظ : ((وعند أبي نُعيم في ((الطب)) من وجه آخر عن عائشة أن النبي ◌َّ أمر أبويها بذلك)». قلت: وينظر في إسناده. ثم وقفتُ على إسناده في النسخة المصوّرة من كتابه ((الطب النبوي)) (ق ١٤٠ / ٢)، ولكن صورة هذه الصفحة غير واضحة مع الأسف، ولكن قد ظهر لي من إسناده : (( ... ابن حميد الرازي: ثنا زيد بن حباب)). وابن حميد اسمه محمد، وهو من الرواة عن زيد بن حباب، وهو ضعيف، : فالظاهر أنه هو علة هذا الوجه، والله أعلم. ٥٧ - (كانَ يَأْكُلُ البطِّيخَ بِالرُّطَبِ، [فيقولُ: نَكْسِرُ حَرَّ هذا ببرْدِ هذا، وبَرْدَ هُذا بحرٍّ هذا]). رواه الحميدي في ((مسنده)) (٤٢ / ١)، وأبو داود (٣٨٣٥)، والترمذي (١ / ٣٣٨)، وأبو بكر محمد بن عبدالله الأبهري في ((الفوائد)) (ق ١٤٤ / ١)، وأبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) (١ / ١٠٣)، وفي ((الطب)) (١٣٩ / ١)، وكذا أبو جعفر البختري في ((الفوائد)) (٤ / ٧٧ / ٢)، وأبو بكر بن أبي داود في ((مسند عائشة)) (٥٤ / ٢) من حديث عائشة رضي الله عنها. وقال الترمذي: (حديث حسن غريب)). قلت: وإسناد الحمیدي صحيح على شرط الشيخين، وإسناد أبي داود حسن، والزيادة له، وعزاه الحافظ (٩ / ٤٩٦) للنسائي بدونها، وقال: ١٢٤ «سنده صحیح)). وهو في ((الكبرى)) له (٤ / ١٦٦ / ٦٧٢٢). وله شاهد من حديث أنس؛ مثل رواية النسائي . أخرجه ابن الضُّرَيْس في ((أحاديث مسلم بن إبراهيم الأزدي)) (٥ / ١) بسند رجاله ثقات . ورواه ابن ماجه (٣٣٢٦) من حديث سهل بن سعد؛ لكن إسناده واهٍ جدّاً؛ فيه يعقوب بن الوليد؛ کذَّبه أحمد وغيره . ففي حديث عائشة غُنية. قال ابن القيم في ((زاد المعاد)) (٣ / ١٧٥) بعد أن ذكره بالزيادة: ((وفي البطيخ عدة أحاديث، لا يصح منها شيء غير هذا الحديث الواحد، والمراد به الأخضر، وهو بارد رطب، وفيه جلاء، وهو أسرع انحداراً عن المعدة من القثاء والخيار، وهو سريع الاستحالة إلى أي خلط كان صادفه في المعدة، وإذا كان آكله محروراً؛ انتفع به جدّاً، وإن كان مبروداً؛ دفع ضرره بيسير من الزنجبيل ونحوه، وينبغي أكله قبل الطعام، ويتبع به، وإلا غثى وقياً. وقال بعض الأطباء: إنه قبل الطعام يغسل البطن غسلاً، ويذهب الداء أصلاً)). وهذا الذي عزاه لبعض الأطباء قد روي مرفوعاً إلى رسول الله وَلّ، ولكنه لا يصحُّ، وقد سبق الكلام عليه في ((الأحاديث الضعيفة)) (رقم ١٤٤)؛ فليراجعه مَن شاء . وقوله: ((المراد به الأخضر)): هو الظاهر من الحديث، ولكن الحافظ ردَّه في ((الفتح))، وذكر أن المراد به الأصفر، واحتجَّ بالحديث الآتي، ويأتي الجواب عنه فيه، وهو: ١٢٥ ٥٨ - (كَانَ يَأْكُلُ الرُّطَبَ معَ الخِرِيْزِ؛ يعني: البِطَيْخَ). رواه أحمد (٣ / ١٤٢ و١٤٣)، وأبو بكر الشافعي في ((الفوائد)) (١٠٥ /٢)، والترمذي في ((الشمائل)) كما في ((مختصره)) (ص ١١٠)، وابن سعد (١ / ٣٩٣)، والضياء في ((المختارة)) (٨٦ / ٢) عن جرير بن حازم عن حميد عن أنس مرفوعاً. ثم رواه الضياء من طريق أحمد: ثنا وهب بن جرير: حدثني أبي به نحوه. ثم قال: ((وروي عن مهنا صاحب أحمد بن حنبل عنه أنه قال: ليس هو صحيحاً، ليس يعرف من حديث حميد، ولا من غير حديث حميد، ولا يعرف إلا من قبل عبدالله بن جعفر. قلت - والله أعلم -: رواية أحمد له في ((المسند)) يوهن هذا القول، أو [يؤيد] رجوعه عنه بروايته له وتركه في كتابه، وحديث عبدالله بن جعفر في ((الصحيحين)) قال: رأيت النبي ◌ّ ر يأكل القثاء بالرطب)). قلت: وإسناده صحيح، ولا علة قادحة فيه، وجرير بن حازم وإن كان اختلط؛ فإنه لم يحدث في اختلاطه؛ كما قال الحافظ في ((التقريب))، ولذلك صحَّح إسناده في ((الفتح)) (٩ / ٤٩٦) بعد أن عزاه للنسائي - يعني: في ((الكبرى)) (٤ / ١٦٧ / ٦٧٢٦) - ثم قال : ((و (الخِربز) - وهو بكسر الخاء المعجمة وسكون الراء وكسر الموحدة بعدها زاي -: نوع من البطيخ الأصفر، وقد تكبر القثاء فتصفر من شدة الحر فتصير كالخربز؛ کما شاهدته كذلك بالحجاز. وفي هذا تعقب على من زعم أن المراد بالبطيخ في الحديث الأخضر، واعتلَّ بأن في الأصفر حرارة كما في الرطب، وقد ورد التعليل بأن أحدهما يطفىء حرارة الآخر. ١٢٦ والجواب عن ذلك بأن في الأصفر بالنسبة للرطب برودة، وإن كان فيه لحلاوته طرف حرارة. والله أعلم)) . أقول: وفي هذا التعقُّب نظر عندي؛ ذلك لأن الحديثين مختلفا المخرج؛ فالأول من حديث عائشة، وهذا من حديث أنس؛ فلا يلزم تفسير أحدهما بالآخر؛ لاحتمال التعدُّد والمغايرة، ولا سيما أن في الأول تلك الزيادة: «نكسر حر هذا ببرد هذا ... ))، ولا يظهر هذا المعنى تمام الظهور بالنسبة إلى الخربز؛ ما دام أنه يشابه الرطب في الحرارة. والله أعلم. من فوائد الحديث : قال الخطيب في ((الفقيه والمتفقه)) (٧٩ / ١ - ٢) بعد أن ساق إسناده إلى عبدالله بن جعفر: (في هذا الحديث من الفوائد: أن قوماً ممَّن سلك طريق الصلاح والتزهُّد قالوا: لا يحلُّ الأكل تلذُّذاً، ولا على سبيل التشهي والإِعجاب، ولا يأكل إلا ما لا بدَّ منه لإقامة الرمق، فلما جاء هذا الحديث؛ سقط قول هذه الطائفة، وصلح أن يأكل الأكل تشهِّياً وتفكُّهاً وتلذُّذاً. وقالت طائفة من هؤلاء: إنه ليس لأحد أن يجمع بين شيئين من الطعام، ولا بين أدمين على خوان؛ فهذا الحديث أيضاً يرد على صاحب هذا القول، ويُبيح أن يجمع الإِنسان بين لونين وبين أدمین فأكثر)) . قلت: ولا يعدم هؤلاء بعض أحاديث يستدلون بها لقولهم، ولكنها أحاديث واهية، وقد ذكرت طائفة منها في ((سلسلة الأحاديث الضعيفة))، (رقم ٢٤١ و٢٥٧). ٥٩ - (يا عليُّ! أَصِبْ من هذا؛ فهُو أَنفَعُ لك). رواه أبو داود (٣٧٥٦)، والترمذي (٢ / ٢ و٣)، وابن ماجه (٢٤٤٢)، وأحمد (٦ / ٢٦٤)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٨ / ٧٩ / ٣٧١٨)، والطبراني في ١٢٧ ((المعجم الكبير)) (٢٥ / ٩٩ / ٢٥٨)، والخطيب في ((الفقيه والمتفقه)) (٢٢٥ / ٢) من طريق فليح بن سليمان عن أيوب بن عبدالرحمن بن صعصعة الأنصاري عن يعقوب بن أبي يعقوب عن أم المنذر بنت قيس الأنصارية قالت: ((دخل عليَّ رسول الله وَّل ومعه عليٍّ عليه السلام، وعليٍّ ناقه(١)، ولنا دوالي(٢) معلّقة، فقام رسول الله ◌َي يأكل منها، وقام عليٍّ ليأكل، فطفق رسول الله ومح له يقول لعلي: ((مهْ؛ إنك ناقه))، حتى كفَّ علي عليه السلام. قالت: وصنعتُ شعيراً وسِلْقاً، فجئتُ به، فقال رسول الله مَ﴾ (فذكره)). وقال الترمذي : ((حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث فليح)). قلت: وهو مختلف فيه، وقد ضعَّفه جماعة، ومشّاه بعضهم، واحتج به الشيخان في ((صحيحيهما))، والراجح عندنا أنه صدوق في نفسه، وأنه يخطىء أحياناً، فمثله حسن الحديث إن شاء الله تعالى إذا لم يتبيَّن خطؤه . وقد أخرج حديثه هذا الحاكم في ((المستدرك)) (٤ / ٤٠٧)، وقال: «صحیح الإِسناد)). ووافقه الذهبي، وإنما هو حسنٌ فقط كما قال الترمذي، والله أعلم. قال ابن القيم رحمه الله في ((زاد المعاد)) (٣ / ٩٧) بعد أن ساق الحديث: ((واعلم أن في منع النبي ◌ِّرَ لعلي من الأكل من الدوالي وهو ناقةٌ أحسن التدبير؛ فإن الدوالي أقناء من الرطب تعلَّق في البيت للأكل بمنزلة عناقيد العنب، والفاكهة تضر بالناقه من المرض؛ لسرعة استحالتها، وضعف الطبيعة عن دفعها؛ فإنها بعدُ لم تتمكَّن قوّتها، وهي مشغولة بدفع آثار العلة وإزالتها من البدن، وفي الرطب (١) أي: حديث عهد بالإِفاقة من المرض. (٢) جمع دالية، وهي العذق من التمر يعلق حتى إذا أرطب أكل. ١٢٨ خاصة نوع ثقل على المعدة، فتشتغل بمعالجته وإصلاحه عما هي بصدده من إزالة بقية المرض وآثاره، فإما أن تقف تلك البقية، وإما أن تتزايد، فلما وضع بين يديه السِّلْق والشعير؛ أمره أن يصيب منه؛ فإنه من أنفع الأغذية للناقه، ولا سيما إذا طبخ بأصول السلق؛ فهذا من أوفق الغذاء لمن في معدته ضعف، ولا يتولَّد عنه من الأخلاط ما يُخاف منه)) . مِن أَدْبِ الَّوْمِ والسَفِ ٦٠ - (نهى عن الوَحْدَةِ: أَنْ يبيتَ الرجلُ وحدَهُ، أَو يسافِرَ وحدَهُ). رواه أحمد (٢ / ٩١) عن عاصم بن محمد عن أبيه عن ابن عمر مرفوعاً. قلت: وهذا إسناد صحيح، وهو على شرط البخاري، رجاله كلهم من رجال الشيخين؛ غير أبي عبيد الحداد - واسمه عبد الواحد بن واصل - فمن رجال البخاري وحده، وهو ثقة، وعاصم بن محمد هو ابن زيد بن عبدالله بن عمر بن الخطاب العمري، وقد روى عن العبادلة الأربعة، ومنهم جده عبدالله بن عمر. والحديث أورده في ((المجمع)) (٨ / ١٠٤)، وقال: ((رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح)). وله شاهد من مرسل عطاء قال : ((نهى رسول الله وَ ◌ّة (فذكره))). أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٩ / ٣٨ / ٦٤٣٩) عن ابن جريج عنه. ورجاله ثقات . وأسنده سليمان بن عيسى السجزي عن عطاء عن أبي هريرة قال: (فذكره). ١٢٩ أخرجه ابن عدي (٣ / ٢٩٠) في ترجمة سليمان هذا، وهو متهم بالكذب، فلا یستشهد به . وله شاهد موقوف، يرويه عاصم بن سليمان وغيره عن عمر بن الخطاب قال: ((لا يسافرنَّ رجلٌ وحده، ولا ينامنَّ في بيت وحده)). رواه عبدالرزاق في ((المصنف)) (١٠ / ٤٣١ / ١٩٦٠٧). ورجاله ثقات . وقد رواه جماعة عن عاصم بلفظ آخر، وهو: ٦١ - (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ فِي الوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ؛ ما سَارَ راكِبٌ بَيْلِ وَحْدَهُ [أبداً]). رواه البخاري (٢ / ٢٤٧)، والترمذي (١ / ٣١٤)، والدارمي (٢ / ٢٨٩)، وابن ماجه (٣٧٦٨)، وابن حبان في ((صحيحه)) (١٩٧٠ - موارد)، والحاكم (٢ / ١٠١)، وأحمد (٢ / ٢٣ و٢٤ و٨٦ و١٢٠)، والبيهقي (٥ / ٢٥٧)، وابن عساكر (١٨ / ٨٩ / ٢) من طرق عن عاصم بن محمد بن زید بن عبدالله بن عمر عن أبيه عن ابن عمر مرفوعاً. وقال الحاكم : ((صحيح الإِسناد)). ووافقه الذهبي . وقال الترمذي : ((حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث عاصم)). قلت: قد تابعه أخوه عمر بن محمد، فقال أحمد (٢ / ١١١ - ١١٢): ثنا ١ مؤمَّل: ثنا عمر بن محمد به، وثنا مؤمل مرة أخرى، ولم يقل: ((عن ابن عمر)). ١٣٠ وللحديث شاهد من حديث جابر بزيادة : ((ولا نام رجل في بيت وحده)). قال الهيثمي في ((المجمع)) (٨ / ١٠٤): ((رواه الطبراني في ((الأوسط))، وفيه محمد بن القاسم الأسدي؛ وثّقه ابن معين، وضعَّفه أحمد وغيره، وبقية رجاله ثقات)). قلت: الأسدي هذا؛ قال الحافظ في ((التقريب)): ((كذَّبوه)). فلا یستشهد به . وهذه الزيادة وردت في بعض طرق حديث ابن عمر، وهو قبل هذا الحديث؛ فعلیه الاعتماد فيها . ورويت أيضاً من حديث ابن عباس، لكن في إسناده كذَّاب، وهو مخرَّج في ((السلسلة الأخرى)) (٦٠٠٥). ٦٢ - (الرَّاكب شيطانٌ، والرَّاكِبانِ شيطانانِ، والثَّلاثةُ ركبٌ). مالك (٢ / ٩٧٨ / ٣٥)، وعنه أبو داود (٢٦٠٧)، وكذا الترمذي (١ / ٣١٤)، والحاكم (٢ / ١٠٢)، والبيهقي (٥ / ٢٦٧)، وأحمد (٢ / ١٨٦ و٢١٤)، والخطيب في ((التاريخ)) (٥ / ٣٨٣) من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً. وسببه كما في ((المستدرك)) والبيهقي : ((أن رجلاً قدم من سفر، فقال رسول الله وَّر: ((من صحبت؟). فقال: ما صحبتُ أحداً، فقال رسول الله وَار: (فذكره)). وقال الحاكم : ((صحيح الإِسناد)). ١٣١ ووافقه الذهبي، وقال الترمذي : «حدیث حسن)) . قلت: وإسناده حسن للخلاف في عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والمتقرر فيه أنه حسن؛ كما فصَّلت القول فيه في ((صحيح أبي داود)) (رقم ١٢٤). وفي هذه الأحاديث تحريم سفر المسلم وحده، وكذا لو كان معه آخر؛ لظاهر النهي في الحديث الذي قبل هذا، ولقوله فيه: ((شيطان))؛ أي: عاصٍ ؛ كقوله تعالى: ﴿شياطين الإِنسِ والجِنِّ﴾(١)؛ فإن معناه: عصاتهم؛ كما قال المنذري. وقال الطبري : ((هُذا زجرُ أدب وإرشاد؛ لما يُخاف على الواحد من الوحشة، وليس بحرام، فالسائر وحده بفلاة، والبائت في بيت وحده؛ لا يأمن من الاستيحاش؛ سيما إن كان ذا فكرة رديئة، أو قلب ضعيف، والحق أن الناس يتفاوتون في ذلك، فوقع الزجر لحسم المادة، فيكره الانفراد سدّاً للباب، والكراهة في الاثنين أخف منها في الواحد)). ذكره المناوي فى ((الفيض)). قلت: ولعل الحديث أراد السفر في الصحارى والفلوات التي قلَّما يرى المسافر فيها أحداً من الناس، فلا يدخل فيها السفر اليوم في الطرق المعبّدة الكثيرة المواصلات. والله أعلم. ثم إن فيه ردّاً صريحاً على خروج بعض الصوفية إلى الفلاة وحده للسياحة وتهذيب النفس - زعموا ! - وكثيراً ما تعرضوا في أثناء ذلك للموت عطشاً وجوعاً، أو لتكفف أيدي الناس؛ کما ذکروا ذلك في الحکایات عنهم، وخير الهدي هدي محمد صلی الله عليه وآله وسلم. (١) الأنعام: ١١٢. ١٣٢ قِصَّةُ بَيْعَةِ العَقْبَةِ ٦٣ - (تُبايِعوني على السَّمْعِ والطاعةِ في النَّشاطِ والكَسَلِ ، والنَّفَقَّةِ في العُسْرِ والْيُسْرِ، وعلى الأمرِ بالمعروفِ والنَّهي عن المنكرِ، وأن تقولوا في اللهِ؛ لا تخافونَ في اللهِ لومة لائمٍ ، وعلى أُنْ تنصُروني، فَتَمْنَعوني - إِذا قَدِمتُ عليكم - ممَّا تَمْنَعُونَ منهُ أَنْفُسَكُم وأَزواجكُم وأَبناءَكُم ولِكُمُ الجنَّةُ). رواه أحمد (٣ / ٣٢٢ - ٢٢٣ و٣٣٩)، والبزار (٢ / ٣٠٧ - ٣٠٨ / ١٧٥٦)، وابن حبان (٦٢٤١ و٦٩٧٣)، والبيهقي (٩ / ٩)، وفي ((الدلائل)) (٢ / ٤٤٢ - ٤٤٤) من طرق عن عبدالله بن عثمان بن خثيم عن أبي الزبير محمد بن مسلم أنه حدَّثه عن جابر قال : ((مکث رسول الله ◌َّر بمكة عشر سنين؛ يتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة، وفي المواسم بمنى؛ يقول: ((مَن يؤويني، مَن ينصرني؛ حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة؟))؛ حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر - كذا قال - فيأتيه قومه فيقولون: احذر غلام قريش؛ لا يفتنك. ويمشي بين رحالهم، وهم يشيرون إليه بالأصابع؛ حتى بعثنا الله إليه من يثرب، فآويناه، وصدَّقناه، فيخرج الرجل منا، فيؤمن به، ويُقرئه القرآن، فینقلب إلى أهله، فیسلمون بإسلامه، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهطٌ من المسلمين يُظهرون الإِسلام، ثم ائتمروا جميعاً، فقلنا: حتى متى نترك رسول الله وتقليل يطرد في جبال مكة ويخاف؟ فرحل إليه منا سبعون رجلاً حتى قدموا عليه في الموسم، فواعدناه شعب العقبة، فاجتمعنا عليه من رجل ورجلين حتى توافينا، فقلنا: يا رسول الله! نبايعك؟ قال: (فذكر الحديث). قال: فقمنا إليه، فبايعناه، وأخذ بيده ابن زرارة - وهو من أصغرهم - فقال: رويداً يا أهل يثرب! فإنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله وَلير، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك وأجركم ١٣٣ على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم جُيَيْنَة، فبَيَّنوا ذلك؛ فهو عذرٌ لكم عند الله. قالوا: أمط عنا يا سعد! فواللهِ لا ندع هذه البيعة أبداً، ولا نسلبها أبداً. قال: فقمنا إليه، فبايعناه، فأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة)). قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، وقد صرَّح أبو الزبير بالتحديث في بعض الطرق عنه . وقال الحافظ ابن كثير في تاريخه («البداية والنهاية)) (٣ / ١٥٩ - ١٦٠): ((رواه أحمد والبيهقي، وهذا إسناد جيد على شرط مسلم، ولم يخرجوه)). ثم رأيته في ((المستدرك)) (٢ / ٦٢٤ - ٦٢٥) من الوجه المذكور، لكن وقع فيه عنده زيادة منكرة، وهي عند ابن حبان أيضاً في إحدى روايتيه في ((الإِحسان)) (٩ / ٧٥ - ٧٦ - طبع الكتب العلمية وهي سيئة جدّاً) لم ينبه عليه المعلق على طبعة المؤسسة منه (١٥ / ٤٧٥)! كما أنه وقع سقط فاحش في متن الحديث من الطبعتين، قدر سطرين، لم يتنبه له المعلق المشار إليه، مع أن الكلام يشعر بذلك لأنه غير متصل! وقال الحاكم: ((صحيح الإِسناد، جامع لبيعة العقبة)). ووافقه الذهبي . ثم روى قطعة يسيرة من آخره من طريق أخرى عن جابر به، وقال: ((صحيح على شرط مسلم)). وأقره الذهبي . مِنْ فَضْلِ الَّْيَحِ ٦٤ - (مَن قالَ: سُبْحَانَ اللهِ العظيمِ وبحمدِهِ؛ غُرِسَتْ لهُ نخلةٌ في الجنَّةِ). رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٢ / ١٢٥ / ٢)، والترمذي (٢/ ٢٥٨ / ٢٥٩)، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (رقم ٨٢٧)، وأبو يعلى (٢٢٣٣)، وعنه ١٣٤ ابن حبان (٢٣٣٥)، والحاكم (١ / ٥٠١ - ٥٠٢)، والطبراني في «الدعاء)) (٣ / ١٥٥٧ - ١٥٥٩) من طريق أبي الزبير عن جابر مرفوعاً. وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح)). وقال الحاكم : ((صحيح على شرط مسلم)). ووافقه الذهبي . ولكن وقع في النسخة المطبوعة من ((التلخيص)) أنه قال: ((على شرط (خ)). وهو تحريف؛ فإن أبا الزبير إنما احتجَّ به مسلم فقط، ولكنه مدلِّس، وقد عنعنه، فإن كان سمعه من جابر؛ فالحديث صحيح، وأما قول المعلق على ((النسائي)): إن سناده قوي نظيف! فليس بنظيف! إلا مع الإِغضاء عن العنعنة! رد ثم وجدت ما يشهد له، وهو ما أخرجه ابن أبي شيبة (١٢ / ١٢٧ / ١) عن عمرو بن شعيب عن عبدالله بن عمرو قال: ((مَن قال: سبحان الله العظيم وبحمده؛ غرس له بها نخلة في الجنة)). ورجاله ثقات؛ إلا أنه منقطع بين عمرو وجده ابن عمرو، وهو وإن كان موقوفاً؛ فله حكم المرفوع؛ إذ إنه لا يقال بمجرد الرأي، ويؤيده أن البزار رواه (٤ / ١٣ / ٣٠٧٩ - الكشف) مرفوعاً مسنداً من طريق يونس بن الحارث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقال الهيثمي (١٠ / ٩٤): ((وإسناده جيد))! كذا قال! ويونس مختلف فيه، وقال الذهبي في ((المغني)): ((صُويلح، ضعفه أحمد والنسائي)). ١٣٥ وله شاهد مرفوع من حديث معاذ بن أنس بلفظ : ((من قال: سبحان الله العظيم؛ نبت له غرس في الجنة)). رواه أحمد (٣ / ٤٤٠)، وإسناده ضعيف، لکن یستشهد به؛ لأنه ليس شديد الضعف كذا الذي قبله، والله سبحانه وتعالى أعلم . وله شواهد أخرى يأتي بعضها برقم (٢٨٧٩). ذَنَبُ الاعتداءِ على الجار مُضاعَفُ ٦٥ - (لأنْ يَزْنِيَ الرَّجلُ بِعَشْرِ نِسوَةٍ أَيْسَرُ عليهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بامرأةٍ جارِهِ، ولأنْ يَسْرِقَ الرَّجلُ مِن عَشْرِ أَبياتٍ أَيْسَرُ عليهِ مِن أَنْ يَسْرِقَ مِن جارِهِ). رواه أحمد (٦ / ٨)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (رقم ١٠٣)، والطبراني في ((الكبير)) (مجموع ٦ / ٨٠ / ٢) عن محمد بن سعد الأنصاري قال: سمعت أبا ظبية الكلاعي يقول: سمعت المقداد بن الأسود قال: قال رسول اللـه وسلم لأصحابه: ((ما تقولون في الزنا؟)). قالوا: حرمه الله ورسوله؛ فهو حرام إلى يوم القيامة. قال: فقال رسول اللـه ◌َل#: (فذكر الشطر الأول من الحديث). ثم سألهم عن السرقة؟ فأجابوا بنحو ما أجابوا عن الزنا، (ثم ذكر ◌َّ الشطر الثاني منه). قلت: وهذا إسناد جيد، ورجاله كلهم ثقات، وقول الحافظ في الكلاعي هذا: ((مقبول)) - يعني: عند المتابعة فقط - ليس بمقبول؛ فقد وثقه ابن معين، وقال الدارقطني : ((ليس به بأس)). وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (١ / ٢٧٠)؛ فهو حجة. ١٣٦ ٠ وقال المنذري (٣ / ١٩٥) والهيثمي (٨ / ١٦٨): ((رواه أحمد والطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط))، ورجاله ثقات)). لا تُذْرُكُ صلاةُ الفَجْرِ والعصر إلَّ بِإِذَراكِ السّجدة الأولى ٦٦ - (إِذا أُدْرَكَ أَحَدُكُم [أَوَّلَ] سَجْدَةٍ مِن صلاةِ العصر قبلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمسُ؛ فليُتِمَّ صَلاَتَهُ، وإِذا أَدْرَكَ [أَوَّلَ] سجدةٍ مِن صلاةٍ الصُّبْحِ قبلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ؛ فليُتِمَّ صَلاتَهُ). أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (١ / ١٤٨): حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا شيبان عن يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً به دون الزيادتين، وهما عند النسائي والبيهقي وغيرهما، فقال النسائي (١ / ٩٠): أخبرنا عمرو بن منصور قال: حدثنا الفضل بن دكين به . وهذا سند صحيح؛ فإن عمراً هذا ثقة ثبت كما في ((التقريب))، وباقي الرجال معروفون، والفضل بن دكين هو أبو نعيم شيخ البخاري فيه، وقد توبع هو والراوي عنه على الزيادتين . أما عمرو؛ فتابعه محمد بن الحسين بن أبي الحنين(١) عند البيهقي (١ / ٣٦٨) وقال : (رواه البخاري في ((الصحيح)) عن أبي نُعيم الفضل بن دكين)). ويعني أصل الحديث كما هي عادته، وإلا ؛ فالزيادتان ليستا عند البخاري كما عرفت . وأما أبو نعيم؛ فتابعه حسين بن محمد أبو أحمد المروذي : ثنا شيبان به . (١) الأصل: ((الحسين))، والتصويب من ((تاريخ بغداد)) (٢ / ٢٢٥ - ٢٢٦) و((شذرات الذهب)) (٢ / ١٧١)، ووثَّقوه. ١٣٧ أخرجه السراج في «مسنده)) (ق ٩٥ / ١). وحسين هذا هو ابن بهرام التميمي، وهو ثقة محتج به في ((الصحيحين)). وللحديث عن أبي هريرة ستة طرق، وقد خرجتها في كتابي ((إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل)) (رقم ٢٥٠). وإنما آثرت الكلام على هذه الطريق؛ لورود الزيادتين المذكورتين فيها؛ فإنهما تحدِّدان بدقة المعنى المراد من لفظة: ((الركعة))، الوارد في طرق الحديث، وهو إدراك الركوع والسجدة الأولى معاً، فمن لم يدرك السجدة؛ لم يدرك الركعة، ومن لم يدرك الركعة؛ لم يدرك الصلاة. من فوائد الحدیث : ومن ذلك يتبين أن الحديث يعطينا فوائد هامة : الأولى: إبطال قول بعض المذاهب أن من طلعت عليه الشمس وهو في الركعة الثانية من صلاة الفجر؛ بطلت صلاته! وكذلك قالوا فيمن غربت عليه الشمس وهو في آخر ركعة من صلاة العصر! وهذا مذهب ظاهر البطلان؛ لمعارضته لنص الحديث؛ كما صرح بذلك الإِمام النووي وغيره. ولا يجوز معارضة الحديث بأحاديث النهي عن الصلاة في وقت الشروق والغروب؛ لأنها عامة، وهذا خاصٌّ، والخاص يقضي على العام؛ كما هو مقرر في علم الأصول. وإن من عجائب التعصب للمذهب ضد الحديث أن يستدل البعض به لمذهبه في مسألة، ويخالفه في هذه المسألة التي نتكلم فيها! وأن يستشكله آخر من أجلها! فإلى الله المشتكى مما جرَّ التعصب على أهله من المخالفات للسنة الصحيحة! قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (١ / ٢٢٩) بعد أن ساق حديث أبي هريرة هذا وغيره مما في معناه: ١٣٨ ((وهذه الأحاديث أيضاً مشكلة عند مذهبنا في القول ببطلان صلاة الصبح إذا طلعت عليها الشمس، والمصنف استدل به على أن آخر وقت العصر ما لم تغرب الشمس)) !! فيا أيها المتعصبون! هل المشكلة مخالفة الحديث الصحيح لمذهبكم؟! أم العكس هو الصواب؟! الفائدة الثانية: الرد على من يقول: إن الإِدراك يحصل بمجرد إدراك أي جزء من أجزاء الصلاة، ولو بتكبيرة الإِحرام، وهذا خلاف ظاهر للحديث، وقد حكاه في ((منار السبيل)) قولاً للشافعي، وإنما هو وجهً في مذهبه؛ كما في ((المجموع)) للنووي (٣ / ٦٣)، وهو مذهب الحنابلة، مع أنهم نقلوا عن الإِمام أحمد أنه قال: ((لا تدرك الصلاة إلا بركعة))؛ فهو أسعد الناس بالحديث. والله أعلم. قال عبدالله بن أحمد في ((مسائله)) (ص ٤٦): («سألت أبي عن رجل يصلي الغداة؟ فلما صلى ركعة قام في الثانية طلعت الشمس؟ قال: يتمُّ الصلاة، هي جائزة. قلت لأبي: فمن زعم أن ذلك لا يجزئه؟ فقال: قال النبي ◌َّر: من أدرك من صلاة الغداة ركعة قبل أن تطلع الشمس؛ فقد أدرك)). ثم رأيت ابن نجيح البزار روى في ((حديثه)) (ق ١١١ / ١) بسند صحيح عن سعيد بن المسيب أنه قال : ((إذا رفع رأسه من آخر سجدة؛ فقد تمت صلاته)). ولعله يعني آخر سجدة من الركعة الأولى، فيكون قولاً آخر في المسألة، والله أعلم. الفائدة الثالثة: واعلم أن الحديث إنما هو في المتعمد تأخير الصلاة إلى هذا الوقت الضيق؛ فهو على هذا آثم بالتأخير - وإن أدرك الصلاة - لقوله وقالت : ١٣٩ ((تلك صلاة المنافق؛ يجلس يرقب الشمس؛ حتى إذا كانت بين قرني الشيطان؛ قام فنقرها أربعاً؛ لا يذكر الله فيها إلا قليلًا)). رواه مسلم (٢ / ١١٠) وغيره من حديث أنس رضي الله عنه، وهو مخرج في ((صحيح أبي داود)) (رقم ٤٤١). وأما غير المتعمد - وليس هو إلا النائم والساهي - فله حكم آخر، وهو أنه يصليها متى تذكرها، ولو عند طلوع الشمس وغروبها؛ لقوله وكالات : ((من نسي صلاة [أو نام عنها]؛ فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك؛ [فإن الله تعالى يقول: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْري﴾(١)])). أخرجه مسلم أيضاً (٢ / ١٤٢) عنه، وكذا البخاري، وهو مخرج في ((الصحيح)) أيضاً (٤٦٩). فإذَنْ؛ هنا أمران: الإِدراك، والإِثم. والأول هو الذي سيق الحديث لبيانه، فلا يتوهمن أحد من سكوته عن الأمر الآخر أنه لا إثم عليه بالتأخير، كلا؛ بل هو آثم على كل حال؛ أدرك الصلاة أو لم يدرك، غاية ما فيه أنه اعتبره مدركاً للصلاة بإدراك الركعة، وغير مدرك لها إذا لم يدركها؛ ففي الصورة الأولى صلاته صحيحة مع الإِثم، وفي الصورة الأخرى صلاته غير صحيحة مع الإِثم أيضاً، بل هو به أولى وأحرى؛ كما لا يخفى على أولي النهى. الفائدة الرابعة: ومعنى قوله وَله: ((فليتم صلاته))؛ أي: لأنه أدركها في وقتها وصلَّاها صحيحة، وبذلك برئت ذمته، وأنه إذا لم يدرك الركعة؛ فلا يتمها؛ لأنها ليست صحيحة بسبب خروج وقتها؛ فليست مبرئة للذمة. ولا يخفى أن مثله - وأولی منه - مَن لم يدرك مِن صلاته شيئاً قبل خروج الوقت؛ فإنه لا صلاة له، ولا هي مبرئة لذمته؛ أي: أنه إذا كان الذي لم يدرك الركعة لا يؤمر (١) طّه: ١٤. ١٤٠