النص المفهرس
صفحات 101-120
من يحمل منهم لقب (الدكتور)! فإنهم يكتبون فيما ليس من اختصاصهم، وما لا علم لهم به، وإني لأعرف واحداً من هؤلاء أخرج حديثاً إلى الناس كتاباً جُلُّه في الحديث والسيرة، وزعم فيه أنه اعتمد فيه على ما صح من الأحاديث والأخبار في كتب السنة والسيرة! ثم هو أورد فيه من الروايات والأحاديث ما تفرَّد به الضعفاء والمتروكون والمتّهمون بالكذب من الرواة؛ کالواقدي وغيره، بل أورد فيه حديث: «نحن نحكم بالظاهر، والله يتولَّى السرائر))، وجزم بنسبته إلى النبي ◌ّير؛ مع أنه مما لا أصل له عنه بهذا اللفظ؛ كما نَّه عليه حفاظ الحديث؛ كالسخاوي وغيره. فاحذروا أيها القراء! أمثال هؤلاء. والله المستعان . مِنْ تَرْبَةِ الأطْفالِ ٤٠ - (إذا كانَ جُنْحُ الليلِ؛ فَكُفُوا صِبياتَكُم؛ فإِنَّ الشياطينَ تَنْتَشِرُ حينئذٍ، فإِذا ذَهَبَتْ ساعةٌ مِن العِشاءِ؛ فخَلُوهُم). أخرجه البخاري (٢ / ٣٢٢ و ٤ / ٣٦ - ٣٧)، ومسلم (٦ / ١٠٦)، وأبو داود (٣٧٣٣) من طريق عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبدالله مرفوعاً. ورواه أحمد (٣ / ٣٨٨) بنحوه، وزاد : ((فإن للجن انتشاراً وخطفة)). وسنده صحيح، وهو رواية للبخاري في ((الأدب المفرد)) (١٢٣٥) ومسلم أيضاً. (جنح الليل)؛ أي: إذا أقبل ظلامه؛ قال الطَّيبي : (((جنح الليل): طائفة منه، وأراد به هنا الطائفة الأولى منه، عند امتداد فحمة العشاء)). ١٠١ مِنْ فَضْلِ الأذانِ ٤١ - (يَعْجَبُ رَبُّكُم مِن راعِي غَنَمٍ فِي رَأْسِ شَظِيَّةٍ بجبلٍ ؛ يُؤْذِّنُ بالصَّلاةِ ويُصَلِّي، فيقولُ اللهُ عزَّ وجَلَّ: انْظُرُوا إِلى عَبْدي هذا يُؤْذِّنُ ويُقيمُ الصَّلاةَ؛ يَخافُ مِنِّي؛ فقدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي وَأَدْخَلْتُهُ الجَنَّةَ). رواه أبو داود في ((صلاة السفر)) (رقم ١٢٠٣)، والنسائي في ((الأذان)) (١ / ١٠٨)، وابن حبان (٢٦٠) من طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث أن أبا عُشَّانة حدثه عن عقبة بن عامر قال: سمعتُ رسول الله وَالله يقول: (فذكره). قلت: وهذا إسناد مصريٌّ صحيح، رجاله كلهم ثقات، وأبو عُشانة؛ اسمه حي ابن يؤمن، وهو ثقة . (الشظية): قطعة من رأس الجبل مرتفعة. وفي الحديث من الفقه استحباب الأذان لمن يصلي وحده، وبذلك ترجم له النسائي . وقد جاء الأمر به وبالإقامة أيضاً في بعض طرق حديث المسيء صلاته؛ فلا ينبغى التساهل بهما . ٤٢ - (مَنْ أَذَّنَ اثْنَيْ عَشْرَةَ سَنةً؛ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَكُتِبَ لَهُ بِتَأْذِينِهِ في كُلِّ مَرَّةٍ سِتّونَ حَسَنةً، وبإِقامَتِهِ ثلاثونَ حَسَنةً). رواه ابن ماجه (رقم ٧٢٨)، والحاكم (١ / ٢٠٥)، وعنه البيهقي (١ / ٤٣٣)، وابن عدي (٢٢٠ / ١)، والبغوي في ((شرح السنة)) (١ / ٥٨ /١ -٢)، والضياء في ((المنتقى من مسموعاته بمرو)) (٣٢ / ١)؛ كلهم عن عبدالله بن صالح: ثنا يحيى بن ١٠٢ أيوب عن ابن جريج عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً، وقال الحاكم: ((صحيح على شرط البخاري)) . ووافقه الذهبي! وقال المنذري (١ / ١١١): ((وهو كما قال؛ فإن عبد الله بن صالح كاتب الليث، وإن كان فيه كلام؛ فقد روى عنه البخاري في (الصحیح))). وهذا من المنذري أولى من موافقة الذهبي المطلقة على تصحيح الحديث؛ لا سيما وهو قد أورده في ترجمة عبدالله بن صالح هذا في جملة ما أُنْكِر عليه من الأحاديث. وقال ابن عدي عقب الحديث: ((لا أعلم مَن روى بهذا الإسناد عن ابن وهب (كذا، ولعله: ابن أيوب) غير أبي صالح، وهو عندي مستقيم الحديث؛ إلا أنه يقع في حديثه - في أسانيده ومتونه - غلط، ولا يتعمَّد الكذب)). وقال البغوي : ((عبد الله بن صالح كاتب الليث صدوق؛ غير أنه وقع في حديثه مناكير)). ولذلك قال البوصيري في ((الزوائد)) (ق ٤٨ / ٢): ((إسناده ضعيف؛ لضعف عبد الله بن صالح)). وللحديث علة أخرى، وهي عنعنة ابن جريج، وقد قال البيهقي عقبه: ((وقد رواه يحيى بن المتوكل عن ابن جريج عمَّن حدثه عن نافع. قال البخاري: وهذا أشبه)). قلت: فتبيَّن أن هذا الإِسناد لا تقوم به حجة. ١٠٣ لكن ذكر له الحاكم شاهداً من طريق ابن وهب: أخبرني ابن لهيعة عن عبيدالله ابن أبي جعفر عن نافع به . وهذا سندٌ صحیح، رجاله كلهم ثقات، وابن لهيعة وإن كان فيه كلام من قبل حفظه؛ فذلك خاصٌّ بما إذا كان من غير رواية العبادلة عنه، وابن وهب أحدهم. قال عبد الغني بن سعيد الأزدي والساجي وغيرهما : ((إذا روى العبادلة عن ابن لهيعة؛ فهو صحيح: ابن المبارك، وابن وهب، والمقرىء)). وبذلك يصير الحديث صحيحاً، والحمد لله على توفيقه. وفي هذا الحديث فضلٌ ظاهرٌ للمؤَذِّن المثابر على أذانه هذه المدة المذكورة فيه، ولا يخفى أن ذلك مشروطٌ بمَن أَذَّن خالصاً لوجه الله تعالى، لا يبتغي من ورائه رزقاً ولا رياء ولا سمعة؛ للأدلَّة الكثيرة الثابتة في الكتاب والسنة، التي تفيد أن الله تعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما خلص له. راجع كتاب الرياء في أول ((الترغيب والترهيب)) للمنذري. وقد ثبت أن رجلاً جاء إلى ابن عمر، فقال: إني أحبُّك في الله. قال: فاشهد عليَّ أني أبغضك في الله! قال: ولِمَ؟ قال: لأنَّك تُلَحِّن في أذانك، وتأخذ عليه أجراً! أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٢ / ٢٦٤ / ١٣٠٥٩) وغيره. وإن مما يؤسَفُ له حقّاً أن هذه العبادة العظيمة، والشعيرة الإِسلامية، قد انصرف أكثر علماء المسلمين عنها في بلادنا، فلا تكاد ترى أحداً منهم يؤذِّن في مسجدٍ ما؛ إلا ما شاء الله، بل ربما خجلوا من القيام بها، بينما تراهم يتهافتون على الإمامة، بل ویتخاصمون! فإلى الله المشتكى من غربة هذا الزمان. ١٠٤ تَوْسِعُ الكَعَةِ وَفْعُ بابِ آَخَرَ لها ٤٣ - (يا عائشةُ! لولا أُنَّ قَوْمَكِ حَديثو عَهْدٍ بِشِرْكٍ، [وليسَ عِندي مِن النّفَقَةِ ما يُقَوِّي على بنائِهِ]؛ [لأُنْفَقْتُ كَنْزَ الكَعْبَةِ في سبيلِ اللهِ، و] لَهَدَمْتُ الكَعبةَ، فَأَلْزَقْتُها بالأرضِ، [ثمَّ لَبَيْتُها على أساس إِبراهيمَ]، وجَعَلْتُ لها بابَيْنِ [مَوْضوعَيْنِ فِي الأرْضِ]؛ باباً شرقِيَاً [يدخُلُ النَّاسُ منهُ]، وباباً غربيّاً [يخْرُجونَ منهُ]، وزِدْتُ فيها سنَّةَ أَذْرُعٍ مِن الحِجْرِ (وفي روايةٍ: ولأَدْخَلْتُ فيها الحِجْرَ)؛ فإِنَّ قريشاً اقتصَرَتْها حيثُ بنَتِ الكعبةَ، [فإِنْ بَدا لِقَوْمِكِ مِن بَعْدِي أَنْ يَبْنوهُ؛ فَهَلُّمِّي لأريكِ ما تَرَكُوا منهُ، فأراها قَرِيباً مِن سبعةِ أَذْرُعٍ ]). (وفي روايةٍ عنها قالت: سأَلتُ رسولَ اللهِ وَلَ عَنِ الجَدْرِ (أَيْ: الحِجْر)؛ أَمِنَ البيتِ هُو؟ قالَ: ((نعم)). قلتُ: فَلِمَ لم يُدْخِلوهُ في البيتِ؟ قالَ: ((إِنَّ قومَكِ قصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ)). قلتُ: فما شأْنُ بابِهِ مرتَفِعاً؟ قال: ((فَعَلَ ذلك قومُكِ ليُدْخِلوا مَن شاؤوا، ويَمْنَعُوا مَنْ شاؤوا (وفي روايةٍ: تعزُّزاً أَنْ لا يَدْخُلَها إِلَّ مَن أَرادوا، فكانَ الرَّجُلُ إِذا أَرادَ أَنْ يَدْخُلَهَا يَدَعونَهِ يَرْتَقِي؛ حتَّى إِذا كادَ أَنْ يَدخُلَ؛ دَفَعوهُ، فسقَطَ)، ولولا أَنَّ قومَكِ حَديثٌ عَهْدُهُم في الجاهلِيَّةِ، فَأَخافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلوبُهُم؛ لَنَظَرْتُ أَنْ أُدْخِلَ الجَدْرَ في البيتِ، وأَنْ أُلْزِقَ بابَهُ بِالأرْضِ))). [فلمَّا مَلَكَ ابْنُ الزُّبِير؛ هَدَمَها، وجَعَلَ لها بابَيْن] (وفي روايةٍ : فذلك الذي حَمَلَ ابنَ الزُّبِيْرِ على هَدْمِهِ. قالَ يزيدُ بنُ رُومانَ: وقد ١٠٥ شَهِدْتُ ابنَ الزُّبِيْرِ حينَ هَدَمَهُ وبَنَاهُ وَأَدْخَلَ فِيهِ الحِجْرَ، وقد رأَيْتُ أساسَ إِبراهيمَ عليهِ السلامُ حِجارةً مُتلاحِمَةً كَأَسْئِمَةِ الإِبلِ مُتلاحِكَةً). رواه البخاري (١ / ٤٤ ٤٩١، ٣ / ١٩٧، ٤ / ٤١٢)، ومسلم (٤ / ٩٩ - ١٠٠)، وأبو نُعيم في ((المستخرج)) (ق ١٧٤ / ٢)، والنسائي (٢ / ٣٤ - ٣٥)، والترمذي (١ / ١٦٦) وصححه، والدارمي (٢ / ٥٣ - ٥٤)، وابن ماجه (٢٩٥٥)، ومالك (١ / ٣٦٣)، والأزرقي في ((أخبار مكة)) (ص ١١٤ - ١١٥ و٢١٨ - ٢١٩)، وأحمد (٦ / ٥٧ و٦٧ و٩٢ ١٠٢ و١١٣ و١٣٦ و١٧٦ و١٧٩ و٢٣٩ و٢٤٧ و٢٦٢) من طرق عنها. من فقه الحدیث: يدل هذا الحديث على أمرين : الأول: أن القيام بالإِصلاح إذا ترتّب عليه مفسدةٌ أكبر منه؛ وجب تأجيله، ومنه أخذ الفقهاء قاعدتهم المشهورة: ((دفع المفسدة قبل جلب المصلحة)). الثاني: أن الكعبة المشرَّفة بحاجة الآن إلى الإصلاحات التي تضمَّنها الحديث؛ لزوال السبب الذي من أجله ترك رسول الله و # ذلك، وهو أن تنفر قلوب من كان حديث عهد بشرك في عهده وَّله، وقد نقل ابن بطال عن بعض العلماء: ((أن النفرة التي خشيها وَطر: أن ينسبوه إلى الانفراد بالفخر دونهم)). ويمكن حصر تلك الإِصلاحات فيما يلي : ١ - توسيع الكعبة وبناؤها على أساس إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وذلك بضم نحوستة أذرع من الحجر. ٢ - تسوية أرضها بأرض الحرم. ٣ - فتح باب آخر لها من الجهة الغربية. ١٠٦ : ٤ - جعل البابين منخفضين مع الأرض لتنظيم وتيسير الدخول إليها والخروج منها لكل مَن شاء. ولقد كان عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما قد قام بتحقيق هذا الإِصلاح بكامله إبان حكمه في مكة، ولكن السياسة الجائرة أعادت الكعبة بعده إلى وضعها السابق! وهاك تفصيل ذلك كما رواه مسلم وأبو نعيم بسندهما الصحيح عن عطاء قال: ((لما احترق البيت زمنَ يزيد بن معاوية حين غزاها أهل الشام، فكان من أمره ما كان؛ تركه ابن الزبير حتى قدم الناس الموسمَ؛ يريد أن يجرِّثَهُم - أو يُحَرِّبَهُم - على أهل الشام، فلما صدر الناس؛ قال: يا أيها الناس! أشيروا عليَّ في الكعبةِ؛ أنْقُضُها ثم أبني بناءَها أو أُصْلِحُ ما وهى منها؟ قال ابن عباس: فإني قد فُرِقَ لي رأيّ فيها: أرى أن تصلح ما وهى منها، وتدع بيتاً أسلم الناس عليه، وأحجاراً أسلم الناس عليها، ويُعِثَ عليها النبي ◌َّهِ. فقال ابن الزبير: لو كان أحدكم احترق بيتُه ما رضي حتى يُجِدَّه؛ فكيف بيت ربكم؟! إني مستخيرٌ ربي ثلاثاً، ثم عازم على أمري. فلما مضى الثلاث؛ أجمعَ رأيه على أن ينقضها، فتحاماه الناس أن ينزل بأول الناس يصعد فيه أمرٌ من السماء! حتى صَعِدَه رجلٌ، فألقى منه حجارة، فلما لم يره الناس أصابه شيء؛ تتابعوا فنَقَضوه حتى بلغوا به الأرض، فجعل ابن الزبير أعمدةً، فستر عليها الستور حتى ارتفع بناؤه، وقال ابن الزُّبير: إني سمعتُ عائشة تقول: إنَّ النبي ◌َّ قال: (فذكر الحديث بالزيادة الأولى، ثم قال): فأنا اليوم أجد ما أنفق، ولست أخاف الناس، فزادَ فيه خمس أذرع من الحجر، حتى أبدى أُسّأَ نظر الناس إليه، فبنى عليه البناء، وكان طول الكعبة ثماني عشرة ذراعاً، فلما زاد فيه؛ استقصره، فزاد في طوله عشر أذرُعٍ ، وجعل له بابين: أحدهما يُدْخَل منه، والآخر يُخْرَجُ منه، فلما قُتِل ابن الزبير؛ كتب الحجاج إلى عبدالملك يخبره بذلك، ويخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على أُسِّ نظر إليه العدول من أهل مكة، فكتب إليه عبدالملك: إنا لسنا من ١٠٧ تلطيخ ابن الزبير في شيء، أما ما زاد في طوله؛ فأقِرَّهُ، وأما ما زاد فيه من الحجر؛ فُرُدَّ إلى بنائه، وسدَّ الباب الذي فتحه. فنقضه وأعاده إلى بنائه)). ذلك ما فعله الحجاج الظالم بأمر عبد الملك الخاطىء، وما أظن أنه يُسَوِّغ له خطأه ندمُه فيما بعد؛ فقد روى مسلم وأبو نعيم أيضاً عن عبدالله بن عبيد؛ قال: ((وفد الحارث بن عبد الله على عبد الملك بن مروان في خلافته، فقال عبدالملك: ما أظن أبا خُبَيْبٍ (يعني: ابن الزُّبير) سمع من عائشة ما كان يزعمُ أنه سمعه منها. قال الحارثُ: بلى؛ أنا سمعتُه منها. قال: سمعتَها تقول ماذا؟ قال: قالت: قال رسول الله وَله: (قلت: فذكر الحديث). قال عبد الملك للحارثِ: أنت سمعتها تقول هذا؟ قال: نعم. قال: فنَكَتَ ساعةً بعصاه، ثم قال: وددتُ أني تركته وما تحمَّل)). وفي رواية لهما عن أبي قزعة : ((أن عبد الملك بن مروان بينما هو يطوف بالبيت؛ إذ قال: قاتلَ الله ابن الزبير حيثُ يكذِبُ على أمِّ المؤمنين؛ يقول: سمعتُها تقول: (فذكر الحديث). فقال الحارثُ بن عبدالله بن أبي ربيعة: لا تَقُل هذا يا أمير المؤمنين! فأنا سمعتُ أمَّ المؤمنين تحدِّثُ هذا. قال: لو كنتُ سمِعْتُه قبل أن أهدِمَه لتركْتُه على ما بنى ابنُ الزبير)). أقول: كان عليه أن یتثبّت قبل الهدم، فيسأل عن ذلك أهل العلم؛ إن كان يجوز له الطعن في عبدالله بن الزبير واتُّهامه بالكذب على رسول الله وَّ! وقد تبيَّنَ لعبدالملك صدقُه رضي الله عنه بمتابعة الحارث إياه؛ كما تابعه جماعة كثيرة عن عائشة رضي الله عنها، وقد جمعتُ رواياتهم بعضها إلى بعض في هذا الحديث، فالحديث مستفيض عن عائشة، ولذلك فإني أخشى أن يكون عبدالملك على علم سابق بالحديث قبل أن يهدم البيت، ولكنه تظاهر بأنه لم يسمع به إلا من طريق ابن الزبير، فلما جابهه الحارث بن عبدالله بأنه سمعه من عائشة أيضاً؛ أظهر الندم على ١٠٨ ما فعل، ولات حین مندم . هذا؛ وقد بلغنا أن هناك فكرة أو مشروعاً لتوسيع المطاف حول الكعبة، ونقل مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى مكان آخر، فأقترح بهذه المناسبة على المسؤولين أن يبادروا إلى توسيع الكعبة قبل كل شيء، وإعادة بنائها على أساس إبراهيم عليه السلام؛ تحقيقاً للرَّغبة النبويَّة الكريمة المتجلّية في هذا الحديث، وإنقاذاً للناس من مشاكل الزحام على باب الكعبة الذي يشاهد في كل عام، ومن سيطرة الحارس على الباب، الذي يمنع من الدخول مَن شاء ويسمح لمن شاء؛ من أجل دريهمات معدودات(١)! ٤٤ - (خِيارُكُم مَنْ أَطْعَمَ الطَّعامَ). رواه لُوين في ((أحاديثه)) (٢٥ / ٢): ثنا عبيدالله بن عمر عن عبدالله بن محمد ابن عقيل عن حمزة بن صهيب عن أبيه قال: قال عمر لصهيب: أي رجل أنت؛ لولا خصال ثلاث فيك! قال: وما هن: قال: اكتنيتَ وليس لك ولد، وانتميت إلى العرب وأنت من الروم، وفيك سرف في الطعام. قال: أما قولك: اكتنيتَ ولم يولد لك؛ فإن رسول الله مهلر كناني أبا يحيى. وأما قولك: انتميت إلى العرب ولست منهم، وأنت رجل من الروم؛ فإني رجل من النمر بن قاسط، فسبَّتْني الروم من الموصل بعد إذا أنا غلام عرفتُ نسبي . وأما قولك: فيك سرف في الطعام؛ فإني سمعتُ رسول الله وَّل يقول: (فذكره). وهكذا أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) (٣ / ٢٢٧)، والحاكم (٤ / ٢٧٨) وصحَّحه ووافقه الذهبي، والطبراني في ((الكبير)) (٤٤/٨ /٧٣١٠)، وابن عساكر أيضاً (١) قلت: ثم بلغنا أنه تحقَّق المشروع المذكور، فنقل المقام إلى مكان بعيد عن الكعبة، ولم يُبْنَ عليه، وإنما وضع فوقه صندوق بلوري، بحيث يرى المقام من تحته، فلعلَّهم يحقّقون أيضاً اقتراحنا هذا. والله الموفق . ١٠٩ (٨ / ١٩٤ - ١٩٥)، والضياء المقدسي في ((الأحاديث المختارة)) (١٦ / ١)، والحافظ ابن حجر في ((الأحاديث العاليات)) (رقم ٢٥)، وقال: ((حديث حسن، رواه ابن ماجه وأبو يعلى والطبراني)). قلت: وله شواهد من حديث جابر وغيره عند ابن عساكر يرتقي بها الحديث إلى درجة الصحة . أما ابن ماجه؛ فروى (٣٧٣٨) قصة الكنية فقط، وقال البوصيري في ((الزوائد)): ((إسناده حسن). ورواه أحمد (٦ / ١٦)، وعنه ((الحلية)) (١ / ١٥٣) بتمامه، وزاد: ((ورد السلام)). وإسناده حسن، وهو وإن كان فيه زهير، وهو ابن محمد التميمي الخراساني ؛ فإنه من رواية غير الشاميين عنه، وهي مستقيمة. لكن حمزة لم يوثقه غير ابن حبان، وما روی عنه إلا اثنان، لكنه تابعي، فیمکن تحسین حديثه. ثم رواه أحمد (٦ / ٣٣٣) من طريق زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب قال لصهيب: (فذكر نحوه). ورجاله ثقات، لكنه منقطع بين زيد وعمر؛ إلا أنه قد وصله الطبراني (٨ / ٣٧ / ٧٢٩٧) من طريق أخرى عن زيد بن أسلم عن أبيه به. وسنده ضعيف. وله شاهد عند لُوَيْن من حديث أبي هريرة مرفوعاً. ورجاله ثقات؛ غير أبي عبيد مولى عبدالرحمن الراوي له عن أبي هريرة، فلم أجد له ترجمة . وبالجملة؛ فالحديث قوي بهذه الطرق، وقد ذكر نحوه ابن حجر في ((الفتح)) (٤ / ٤١٣). من فوائد الحدیث : وفي هذا الحديث فوائد: الأولى: مشروعية الاكتناء لمن لم يكن له ولد؛ بل قد صحَّ في البخاري وغيره ١١٠ أن النبي وَّر كنى طفلة صغيرة حينما كساها ثوباً جميلاً، فقال لها: ((هذا سنا يا أم خالد! هذا سنا يا أم خالد)). وقد هجر المسلمون - لا سيما الأعاجم منهم - هذه السنة العربية الإِسلامية، فقلَّما تجد مَن يكتني منهم، ولو كان له طائفة من الأولاد، فكيف مَن لا ولد له؟! وأقاموا مقام هذه السنة ألقاباً مبتدعة؛ مثل: الأفندي، والبيك، والباشا، ثم السيد، أو الأستاذ، ونحو ذلك مما يدخل بعضه أو كله في باب التزكية المنهي عنها في أحاديث كثيرة؛ فلیتنبه لهذا . الثانية: فضل إطعام الطعام، وهو من العادات الجميلة التي امتاز بها العرب على غيرهم من الأمم، ثم جاء الإِسلام وأكَّد ذلك أيما توكيد؛ كما في هذا الحديث الشريف، بينما لا تعرف ذلك أوروبا، ولا تستذوقه، اللهم! إلا من دان بالإِسلام منها؛ کالألبان ونحوهم . وإن مما يؤسف له أن قومنا بدؤوا يتأثَّرون بأوروبا في طريقة حياتها - ما وافق الإِسلام منها وما خالف - فأخذوا لا يهتمُّون بالضيافة، ولا يلقون لها بالاً؛ اللهم! إلا ما كان منها في المناسبات الرسمية، ولسنا نريد هذا، بل إذا جاءنا أي صديق مسلم؛ وجب علينا أن نفتح له دورنا، وأن نعرض عليه ضيافتنا؛ فذلك حقُّ له علینا ثلاثة أيام ؛ كما جاء في الأحاديث الصحيحة. وإن من العجائب التي يسمعها المسلم في هذا العصر الاعتزاز بالعربية ممَّن لا يقدِّرها قدرها الصحيح، إذ لا نجد في كثير من دُعاتها اللفظيِّين من تتمثَّل فيه الأخلاق العربية؛ كالكرم، والغيرة، والعزة، وغيرها من الأخلاق الكريمة التي هي من مقوّمات الأمم. ورحم الله مَن قال: فإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلَاقُهُم ذَهَبُوا وإِنَّمَا الأمَمُ الأخْلاقُ مَا بَقِيَتْ وأحسن منه قول رسول الله مثل : ١١١ -. ٤٥ - (إِنَّمَا بُعِثْتُ لأَمِّمَ مَكارِمَ (وفي روايةٍ: صالِحَ) الأخلاقِ). رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (رقم ٢٧٣)، و ((التاريخ الكبير)) (٤ / ١ / ١٨٨)، وابن سعد في ((الطبقات)) (١ / ١٩٢)، والحاكم (٢ / ٦١٣)، وأحمد (٢ / ٣٨١)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٦ / ٢٦٧ / ١) من طريق ابن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً. وهذا إسناد حسن، وقال الحاكم : ((صحيح على شرط مسلم)). ووافقه الذهبي! وابن عجلان إنما أخرج له مسلم مقروناً بغيره. وله شاهد أخرجه ابن وهب في ((الجامع)) (ص ٧٥): أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم مرفوعاً به. وهذا مرسل حسن الإِسناد؛ فالحديث صحيح . وقد رواه مالك في ((الموطأ)) (٢ / ٩٠٤ / ٨) بلاغاً، وقال ابن عبدالبر في ((التمهيد)) (٢٤ / ٣٣٣ - ٣٣٤): ((هو حديث صحيح متصل من وجوه صحاح عن أبي هريرة وغيره). القدَرُ وَحَدِيثُ الْقَبْضَيْنِ حَقُّ ٤٦ - (هؤلاء لهذه وهؤلاء لهذه). رواه المخلِّص في ((الفوائد المنتقاة)) (١ / ٣٤ / ٢)، والبزار (٣ / ٢٠ / ٢١٤١ - كشف الأستار)، والطبراني في ((المعجم الصغير)) (ص ٧٣) من حديث إبراهيم بن سعيد الجوهري: ثنا أبو أحمد: ثنا سفيان عن أيوب وإسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر عن النبي ◌َّ أنه قال في القبضتين: (فذكره)، وزاد: ١١٢ ((فتفرق الناس، وهم لا يختلفون في القدر)). وإسناده صحيح على شرط مسلم. وله شاهد من حديث أبي سعيد عند البزار (٢١٤٢)، وسنده صحيح أيضاً. ٤٧ - (إِنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ قَبَضَ قَبْضَةً، فقالَ: في الجَنّةِ بِرَحْمَتي، وقَبَضَ قِبِضَةً، فقالَ: في النَّارِ ولا أُبالي). رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (١٧١ / ٢)، والعقيلي في ((الضعفاء)) (ص ٩٣)، وابن عدي في ((الكامل)) (٦٦ / ٢)، والدولابي في ((الأسماء والكنى)) (٢ / ٤٨) من حديث الحكم بن سنان عن ثابت عن أنس مرفوعاً. وقال ابن عدي : ((الحكم بن سنان بعض ما يرويه مما لا يُتابع عليه)). ونحوه قال العقيلي . قلت: قد تُوبع عليه؛ فالحديث صحيح، وقد أشار إلى ذلك العقيلي بقوله : ((وقد روي في القبضتين أحاديث بأسانيد صالحة)). قلت: وها نحن موردوها إن شاء الله تعالی . ٤٨ - (إِنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ خَلَقَ آدَمَ، ثمَّ أَخَذَ الخَلْقَ مِنْ ظَهْرِهِ، وقالَ: هؤلاءِ إِلى الجَنّةِ ولا أبالي، وهؤلاءٍ إِلى النّارِ ولا أبالي، فقالَ قائلٌ: يا رسولَ اللهِ! فعلى ماذا نَعْمَلُ؟ قالَ: عَلى مواقعِ القَدَرِ). رواه أحمد (٤ / ١٨٦)، وابن سعد في ((الطبقات)) (١ / ٣٠ و ٧ / ٤١٧)، وابن حبان في ((صحيحه)) (١٨٠٦)، وعبدالباقي ابن قانع في ترجمة عبدالرحمن الآتي من ((المعجم))، والحاكم (١ / ٣١)، والحافظ عبدالغني المقدسي في ((الثالث والتسعين من تخريجه)) (٤١ / ٢) من طريق أحمد عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي ١١٣ - وكان من أصحاب النبي وَلــ مرفوعاً. وقال الحاكم: ((صحيح)). ووافقه الذهبي، وهو كما قالا . وأخرجه ابن جرير في ((التفسير)) (١٥٣٧٧)، والآجري في ((الشريعة)) (١٧٢)، لكنهما قالا : عن عبدالرحمن بن قتادة النصري عن هشام بن حكيم مرفوعاً به، وزادا: ((وأشهدهم على أنفسهم)). ٤٩ - (خَلَقَ اللهُ آدَمَ حينَ خَلَقَهُ، فضَرَبَ كَتِفَهُ الْيُمْنِى، فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّةً بيضاءَ كأَنَّهُمُ الذَّرُّ، وضَرَبَ كَتِفَه اليُسرى، فأَخرجَ ذُرِيَّةً سوداءَ كَأَنَّهُم الحُمَمُ، فقالَ للَّذي في يمينِهِ: إِلى الجنَّةِ ولا أُبالي، وقالَ للَّذي في كَتِفه اليُسرى: إِلى النَّارِ ولا أُبالي). رواه أحمد، وابنه في ((زوائد المسند)) (٦ / ٤٤١)، والبزار (٢١٤٤)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١٥ / ١٣٦ / ١) من حديث أبي الدرداء مرفوعاً. قلت: وإسناده صحيح . ٥٠ - (إِنَّ اللهَ تبارَكَ وتعالى قَبَضَ قبضةً بيمينِهِ، فقالَ: هذهِ لهذهِ ولا أبالي، وقَبَضَ قَبْضَةً أُخْرى - يعني: بيدِهِ الأخْرى -، فقالَ: هذه لهذهِ ولا أبالي). رواه أحمد (١٧٦/٤-١٧٧ و٦٨/٥) والبزار (٢٠/٣) مختصراً عن أبي نضرة قال: «مرض رجلٌ من أصحاب رسول الله ◌َّر، فدخل عليه أصحابه يعودونه، فبكى، فقيل له: ما يبكيك يا عبدالله؟ ألم يقل لك رسول الله وَّر: خُذ من شاربك ١١٤ ثم أقره حتى تلقاني؟ قال: بلى، ولكني سمعتُ رسول الله وَلل يقول :... (فذكره، وقال في آخره:) فلا أدري في أي القبضتين أنا)). وإسناده صحيح . وفي الباب عن أبي موسى وأبي سعيد وغيرهما؛ فليراجعها من شاء في ((مجمع الزوائد» (٦ / ١٨٦ - ١٨٧). وحديث أبي موسى في ((حديث لُوَيْن)) (٢٦ / ١)، وفيه روح بن المسيب، وهو صويلح ؛ کما قال ابن معین . وحديث أبي سعيد تقدم قريباً. واعلم أن الباعث على تخريج هذا الحديث وذكر طرقه أمران: الأول: أن أحد أهل العلم - وهو الشيخ محمد طاهر الفتني الهندي - أورده في کتابه «تذكرة الموضوعات)) (ص ١٢)، وقال فيه : ((مضطرب الإِسناد)) . ولا أدري ما وجه ذلك؟! فالحديث صحيح من طرق كما رأيت، ولا اضطراب فيه؛ إلا أن يكون اشتبه عليه بحديث آخر مضطرب، أو عنى طريقاً أخرى من طرقه، ثم لم يتَّع هذه الطرق الصحيحة له. والله أعلم. والثاني: أن كثيراً من الناس يتوهَّمون أن هذه الأحاديث - ونحوها أحاديث كثيرة - تفيد أن الإِنسان مجبورٌ على أعماله الاختيارية؛ ما دام أنه حكم عليه منذ القديم وقبل أن يخلق: بالجنة أو النار. وقد يتوهّم آخرون أن الأمر فوضى أو حظ، فمن وقع في القبضة اليمنى؛ كان من أهل السعادة، ومن كان من القبضة الأخرى؛ كان من أهل الشقاوة . فيجب أن يعلم هؤلاء جميعاً أن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيءٌ﴾(١)؛ لا في ذاته، ولا (١) الشورى: ١١. ١١٥ في صفاته، فإذا قبض قبضة؛ فهي بعلمه وعدله وحكمته؛ فهو تعالى قبض باليمنى على مَنْ علم أنه سيطيعه حين يؤمر بطاعته، وقبض بالأخرى على مَن سبق في علمه تعالى أنه سيعصيه حين يؤمر بطاعته، ويستحيل على عدل الله تعالى أن يقبض باليمنى على مَن هو مستحقٌّ أن يكون من أهل القبضة الأخرى، والعكس بالعكس، كيف والله عزَّ وجل يقول: ﴿أَفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمينَ. مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمونَ﴾(١)؟! ثم إن كلَّا من القبضتين ليس فيها إجبارٌ لأصحابهما أن يكونوا من أهل الجنة أو من أهل النار، بل هو حكمٌ من الله تبارك وتعالى عليهم بما سيصدر منهم؛ من إيمان يستلزم الجنة، أو كفر يقتضي النار والعياذ بالله تعالى منها، وكل من الإِيمان أو الكفر أمران اختياريان، لا يُكْرهُ الله تبارك وتعالى أحداً من خلقه على واحدٍ منهما، ﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُّؤْمِنْ ومَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٢)، وهذا مِشاهَدٌ معلوم بالضرورة، ولولا ذلك؛ لكان الثواب والعقاب عبئاً، والله منزَّه عن ذلك. ومن المؤسف حقاً أن نسمع من كثير من الناس - حتى من بعض المشايخ - التصريح بأن الإِنسان مجبور لا إرادة له! وبذلك يلزمون أنفسهم القول بأن الله يجوز له أن يظلم الناس! مع تصريحه تعالى بأنه لا يظلمهم مثقال ذرّة، وإعلانه بأنه قادر على الظلم، ولكنه نزَّه نفسه عنه؛ كما في الحديث القدسي المشهور: ((يا عبادي! إني حرَّمتُ الظلمَ على نفسي ... ))(٣). وإذا جوبهوا بهذه الحقيقة؛ بادروا إلى الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾(٤)؛ مصرِّين بذلك على أن الله تعالى قد يظلم، ولكنَّه لا يُسأل عن ذلك! (١) القلم: ٣٥ - ٣٦. (٢) الكهف: ٣٩. (٣) هو في ((صحيح الجامع)) (٤٣٤٥)، و((مختصر مسلم)) (١٨٢٨). (٤) الأنبياء: ٢٣ . ١١٦ تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً! وفاتهم أن الآية حجة عليهم؛ لأن المراد بها - كما حقَّقه العلامة ابن القيم في ((شفاء العليل)) وغيره - أن الله تعالى لحكمته وعدله في حكمه ليس لأحد أن يسأله عما يفعل؛ لأن كل أحكامه تعالى عدلٌ واضحٌ؛ فلا داعي للسؤال. وللشيخ يوسف الدجوي رسالة مفيدة في تفسير هذه الآية، لعله أخذ مادتها من كتاب ابن القيم المشار إليه آنفاً، فليراجع . هذه كلمة سريعة حول الأحاديث المتقدمة؛ حاولنا فيها إزالة شبهة بعض الناس حولها، فإن وُفِّقتُ لذلك؛ فبها ونعمت، وإلا فإني أُحيل القارىء إلى المطوّلات في هذا البحث الخطير؛ مثل كتاب ابن القيم السابق، وكتب شيخه ابن تيمية الشاملة لمواضيع هامة هذا أحدها. لا خَيْرَ فِي العَرَبِ ولا فِي العَجَمِ إلَّبالإِسلامِ ٥١ - (أيُّما أهلُ بيتٍ من العربِ والعَجَمِ أَرادَ اللهُ بِهِمْ خيراً؛ أَدْخَلَ عليهِمُ الإِسلامَ، ثمَّ تقعُ الفِتَنُ كأَنَّها الظُلَلُ). رواه أحمد (٣ / ٤٧٧)، والحاكم (١ / ٣٤)، والبيهقي أيضاً في ((الأسماء)) (ص ١١٧)، وابن الأعرابي في ((حديث سعدان بن نصر)) (١ / ٤ / ١). وقال الحاكم : «صحیح، وليس له علة)). وأقره الذهبي، وهو كما قالا . وروى الحاكم (١ / ٦١ - ٦٢) من طريق ابن شهاب قال: ((خرج عمر بن الخطاب إلى الشام ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فأتوا على مخاضة وعمر على ناقة، فنزل عنها، وخلع خفيه فوضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ١١٧ ناقته فخاض بها المخاضة، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين! أأنت تفعل هذا؟! تخلع خفيك، وتضعهما على عاتقك، وتأخذ بزمام ناقتك، وتخوض بها المخاضة؟! ما يسرُّني أن أهل البلد استشرفوك! فقال عمر: أوَّه! لو يقل ذا غيرك أبا عبيدة؛ جعلتُه نكالاً لأمة محمد وَّ! إنَّ كنا أذل قومٍ ، فأعزَّنا الله بالإِسلام، فمهما نطلب العز بغير ما أعزَّنا الله به؛ أذلنا الله)). وقال الحاكم : ((صحيح على شرط الشيخين)). ووافقه الذهبي، وهو كما قالا . وفي رواية له : (يا أمير المؤمنين! تلقاك الجنود وبطارقة الشام وأنت على حالك هذه؟ فقال عمر: إنا قومٌ أعزَّنا الله بالإِسلام، فلن نبتغي العز بغيره)). (الظلل): هي كل ما أظلَّك، واحدتها ظلَّة، أراد كأنها الجبال والسحب. ٥٢ - (إِنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لا يَقْبَلُ مِن العَمَلِ إِلَّ مَا كانَ لهُ خالِصاً، وابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ). وسببه كما رواه أبو أمامة رضي الله عنه قال: ((جاء رجل إلى رسول الله وَله، فقال: أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر؛ ما له؟ فقال رسول الله يلر: لا شيء له. فأعادها ثلاث مرات؛ يقول له رسول الله وَالر: لا شيء له. ثم قال: (فذكره))). رواه النسائي في ((الجهاد)) (٢ / ٥٩). وإسناده حسن؛ كما قال الحافظ العراقي في ((تخريج الإحياء)) (٤ / ٣٢٨). والأحاديث بمعناه كثيرة؛ تجدها في أول كتاب ((الترغيب)) للحافظ المنذري. ١١٨ فهذا الحديث وغيره يدل على أن المؤمن لا يُقبل منه عمله الصالح إذا لم يقصد به وجه الله عز وجل، وفي ذلك يقول تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةٍ رَبِّهِ أَحَداً﴾(١). فإذا كان هذا شأن المؤمن؛ فماذا يكون حال الكافر بربه إذا لم يخلص له في عمله؟! الجواب في قول الله تبارك وتعالى : ﴿وَقَدِمْنَا إِلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَباءً مَنْثوراً﴾ (٢). وعلى افتراض أن بعض الكفار يقصدون بعملهم الصالح وجه الله على كفرهم؛ فإن الله تعالى لا يضيع ذلك عليهم؛ بل يجازيهم عليها في الدنيا، وبذلك جاء النص الصحيح الصريح عن رسول الله اَير، وهو: ٥٣ - (إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مُؤمِناً حَسَنَتَهُ؛ يُعْطَى بها (وفي روايةٍ: يُثابُ عليها الرِّزْقَ في الدُّنيا)، ويُجْزَى بها في الآخرةِ، وأَمَّا الكافرُ؛ فُيُطْعَمُ بحسناتٍ ما عَمِلَ بها للهِ في الدُّنيا، حتى إِذا أفضى إِلى الآخِرَةِ؛ لم يَكُنْ لهُ حَسَنَةٌ يُجْزی بها). أخرجه مسلم (٨ / ١٣٥)، وأحمد (٣ / ١٢٥)، ولتمام في ((الفوائد)) (٨٧٩) الشطر الأول. تلك هي القاعدة في هذه المسألة: أن الكافر يجازى على عمله الصالح شرعاً في الدنيا، فلا تنفعه حسناته في الآخرة، ولا يخفَّف عنه العذاب بسببها، فضلاً عن أن ينجو منه . (١) الكهف: ١١٠. (٢) الفرقان: ٢٣ . ١١٩ (تنبيه): هذا في حسنات الكافر الذي يموت على كفره؛ كما هو ظاهر الحديث، وأما إذا أسلم؛ فإن الله تبارك وتعالى يكتب له كل حسناته التي عمل بها في كفره، ويجازيه بها في الآخرة، وفي ذلك أحاديث كثيرة؛ كقوله وآلات : ((إذا أسلم العبد، فحسن إسلامه؛ كتب الله له كل حسنة كان أزلفها)) الحدیث. وسيأتي إن شاء الله تعالى برقم (٢٤٧). هذا؛ وقد يظن بعض الناس أن في السنة ما ينافي القاعدة المذكورة من مثل الحديث الآتي : عن أبي سعيد الخُدْري أن رسول الله وَِّ ذُكِرَ عنده عمُّه أبو طالب، فقال: ٥٤ - (لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شفاعتي يومَ القيامةِ، فَيُجْعَلَ في ضَحْضاحٍ مِن نارٍ يبلُغُ كَعْبَيْهِ، يَغْلِي مِنْهُ دِماغُه). رواه مسلم (١ / ١٣٥)، وأحمد (٣ / ٥٠ و ٥٥)، وابن عساكر (١٩ / ٥١ / ١)، وأبو يعلى في ((مسنده)) (ق ٨٦ / ٢). وجوابنا على ذلك من وجهين أيضاً: الأول: أننا لا نجد في الحديث ما يعارض القاعدة المشار إليها، إذ ليس فيه أن عمل أبي طالب هو السبب في تخفيف العذاب عنه، بل السبب شفاعته وَلا؛ فهي التي تنفعه . ويؤيِّد هذا الحديث التالي : عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: يا رسول الله! هل نفعت أبا طالب بشيء؛ فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: ١٢٠