النص المفهرس

صفحات 61-80

فيه رواية أحمد من طريق ابن لهيعة عن زبان المتقدمة من روايته عن سهل بن معاذ
ابن أنس، فتحرف على الطابع (بن أنس) إلى (عن أنس)! فصار الحديث من مسند
أنس! ولم يتنبه لهذا الخطأ الشيخ الصابوني لجهله الشديد بهذا العلم الشريف،
فجعل الحديث في ((مختصره) (٢ / ٣٧٩) من رواية أحمد عن أنس! وهذا مما لا
أصل له في كتب السنة إطلاقاً .
ومع هذا الخطأ الفاحش منه، فإن إيراده لهذا الحديث الضعيف مما يؤكد جهله
المذکور، ويدل على كذبه فیما ادعاه في مقدمة «مختصره» أنه لم یورد فيه إلا
الأحاديث الصحيحة! وقد نبّهت على كثير من أحاديثه الواهية في مناسبات كثيرة من
هذه السلسلة وغيرها، فانظر مثلاً مقدمة المجلد الرابع من ((الضعيفة)) (ص ٧)،
ومقدمة ((الصحيحة)) المجلد الرابع أيضاً (ص هـ ـ م)، الأمر الذي يجعل الباحث
يقطع بأنه دعيٍّ يتشبع بما لم يعط، والله المستعان)).
٢٢ - (إِنَّكُمْ أَنْ تَتَّخِذوا ظُهورَ دَوَابّكُم منابرَ؛ فإِنَّ اللهَ تعالى إِنَّما
سخَّرها لكُم لِتُبلِّغَكُمْ إِلى بَلَدٍ لم تكونوا بالِغِيهِ إِلَّ بِشِقِّ الأنْفُسِ،
وجَعَلَ لكُم الأرْضَ؛ فعليها فاقْضُوا حاجاتِكُم).
رواه أبو داود (رقم ٢٥٦٧)، وعنه البيهقي (٥ / ٢٥٥)، وأبو القاسم
السمرقندي في ((المجلس ١٢٨ من الأمالي))، وعنه ابن عساكر (١٩ / ٨٥ /١) من
طريقين عن يحيى بن أبي عمرو السيباني عن أبي مريم عن أبي هريرة مرفوعاً.
قلت: وهذا سند صحيح؛ يحيى بن أبي عمرو السَّيباني - بفتح المهملة
وسكون التحتانية بعدها موحدة - وهو ثقة، ووقع في ترجمة أبي مريم من ((التهذيب)):
((الشيباني))؛ بالشين المعجمة، وهو تصحيف.
وأبو مريم؛ قال العجلي في ((الثقات)) (ص ٩٤ من ترتيب السبكي):
٦١

((أبو مريم، مولى أبي هريرة، شامي تابعي ثقة)).
واعتمده الحافظ، فقال في ((التقريب))، ومن قبله الذهبي في ((الكاشف)):
((ثقة)) .
ومنه تعلم أن قول ابن القطان المذكور في ((فيض القدير)): ((ليس مثل هذا
الحديث يصح؛ لأن فيه أبا مريم مولى أبي هريرة، ولا يُعْرَف له حال، ثم قيل: هو
رجل واحد، وقيل: هو رجلان، وكيفما كان؛ فحاله - أو حالهما - مجهول، فمثله لا
يصح))؛ فمردودٌ بتوثيق العجلي له، وقد روى عنه جماعة؛ كما في ((التهذيب))، وبقول
أحمد :
((رأيت أهل حمص يحسنون الثناء عليه)).
وفي رواية عنه :
((هو صالح معروف عندنا))، قيل له: هذا الذي يروي عن أبي هريرة؟ قال:
(نعم)) . ذكره ابن عساكر.
(تنبيه): وقع في نسخة ((سنن أبي داود)) التي قام على تصحيحها الشيخ محمد
محيي الدين عبدالحميد: ((ابن أبي مريم))، والصواب: ((أبي مريم))؛ كما ذكرنا.
٢٣ - (اتَّقوا اللهَ في هذه البهائِمِ المُعْجَمَةِ؛ فارْكَبوها صالِحَةً،
وكِلوها صالِحَةً).
رواه أبو داود (رقم ٢٤٤٨) من طريق محمد بن مهاجر عن ربيعة بن زيد عن
أبي كبشة السلولي عن سهل بن الحنظلية قال:
((مر رسول الله وَ لا ببعير قد لحق ظهره ببطنه، فقال: (فذكره))).
قلت: وسنده صحيح؛ كما قال النووي في ((الرياض))، وأقره المناوي.
٦٢

وقد تابعه عبد الرحمن بن یزید بن جابر قال: حدثني ربيعة بن یزید به أتم منه،
ولفظه :
((خرج رسول الله وَّر في حاجة، فمرَّ ببعير مناخٍ على باب المسجد من أول
النهار، ثم مرَّ به آخر النهار وهو على حاله، فقال: ((أين صاحب هذا البعير؟))،
فَابْتُغِيَ، فلم يوجد، فقال رسول الله وَير: ((اتَّقوا الله في هذه البهائم، ثم اركبوها
صحاحاً، واركبوها سماناً))؛ كالمتسخط آنفاً)).
رواه ابن حبان (٨٤٤)، وأحمد (٤ / ١٨٠ - ١٨١)، والطبراني في ((الكبير))
(٥٦٢٠)، وسنده صحيح على شرط البخاري .
(تنبيه): قوله: (كُلُوها): قَيَّدوها بضم الكاف، من الأكل، وعليه جری المناوي
في شرح هذه الكلمة، فإذا صحت الرواية بذلك؛ فلا كلام، وإلا فالأقرب عندي
أنها: (كِلُوها)؛ بكسر الكاف، من وَكَلَ يَكِلُ كِلْ؛ أي: اتركوها، هذا هو المتبادر من
سياق الحديث، ويؤيده الحديث المتقدم (رقم ٢٢) بلفظ: ((اركبوا هذه الدواب
سالمة، وايتدعوها سالمة ... ))؛ أي: اتركوها سالمة. والله أعلم.
(المعجمة)؛ أي: التي لا تقدر على النطق؛ فتشكو ما أصابها من جوع أو
عطش، وأصل الأعجم: الذي لا يفصح بالعربية ولا يجيد التكلم بها؛ عجمياً كان أو
عربيّاً، سمي به لعجمة لسانه، والتباس كلامه.
٢٤ - (أَفَلَا قَبْلَ هذا؟! أَتريدُ أَنْ تُميتَها مَوْتَتَيْن؟!).
رواه الطبراني في ((الكبير)) (٣ / ١٤٠ / ١)، و((الأوسط)) (١ / ١/٣١ - من
زوائده)، والبيهقي (٩ / ٢٨٠) عن يوسف بن عدي: ثنا عبدالرحيم بن سليمان
الرازي عن عاصم الأحول عن عكرمة عن ابن عباس قال:
((مرَّ رسول الله ◌َّ على رجل واضع رجله على صفحة شاة، وهو يحدُّ شفرته،
وهي تلحظ إليه ببصرها، فقال: (فذكره))).
٦٣

وقال الطبراني :
((لم يصله بهذا الإِسناد إلا عبد الرحيم بن سليمان، تفرَّد به يوسف)).
قلت: وهما ثقتان من رجال البخاري، وكذلك سائر الرواة؛ فالحديث صحيح
الإِسناد. وقال الهيثمي (٥ / ٣٣):
(رواه الطبراني في ((الكبير)) و ((الأوسط))، ورجاله رجال الصحيح)).
وفي نفي الطبراني المذكور نظر بيِّن؛ فقد أخرجه الحاكم (٤ / ٢٣١ و٢٣٣)
من طريق عبدالرحمن بن المبارك: ثنا حماد بن زيد عن عاصم به، ولفظه:
((أتريد أن تميتها موتات؟! هلا حددت شفرتك قبل أن تُضْجِعَها؟)).
وقال الحاكم :
((صحيح على شرط البخاري)). ووافقه الذهبي.
وقال في الموضع الآخر:
((على شرط الشيخين)).
٢٥ - (مَن فَجَعَ هذه بوَلِدها؟! رُدُّوا وَلَدَها إِليها).
رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (رقم ٣٨٢)، وأبو داود (رقم ٢٦٧٥)،
والحاكم (٤ / ٢٣٩) عن عبدالرحمن بن عبدالله عن أبيه قال:
(كنا مع رسول الله وسلّ في سفر، فانطلق لحاجة، فرأينا حُمَّرة معها فرخان،
فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة، فجعلت تَفَرَّشُ، فجاء النبي ◌َّفقال: (فذكره)).
والسياق لأبي داود، وزاد:
((ورأى قرية نمل قد حرقناها، فقال: ((مَن حرق هذه؟)). قلنا: نحن. قال:
(إنه لا ينبغي أن يعذِّب بالنار إلا رب النار)).
٦٤

وسنده صحيح، وقال الحاكم :
((صحيح الإِسناد)). ووافقه الذهبي.
وسيأتي بزيادة في التخريج وشاهد لبعضه (٤٨١ - ٤٨٢).
(الحمّرة)؛ بضم الحاء وفتح الميم المشدَّدة: طائر صغير كالعصفور، أحمر
اللون .
(تفرَّش)؛ بحذف إحدى التاءين؛ كـ (تذكَّر)؛ أي: ترفرف بجناحيها، وتقترب
من الأرض.
٢٦ - (والشَّاهُ إِنْ رَحِمْتَها رَحِمَكَ اللهُ).
رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (رقم ٣٧٣)، والطبراني في ((المعجم
الصغير)) (ص ٦٠)، وفي ((الأوسط)) (١ / ١٢١ / ١ - من زوائده)، و((الكبير)) (١٩
/ ٢٢)، وكذا أحمد (٣ / ٤٣٦ و٥ / ٣٤)، والحاكم (٣ / ٥٨٦)، وابن عدي في
((الكامل)) (ق ٢٥٩ / ٢)، وأبو نُعيم في ((الحلية)) (٢ / ٣٠٢ و٦ / ٣٤٣)، وابن
عساكر (٦ / ٢٥٧ / ١) من طرق عن معاوية بن قرة عن أبيه قال:
((قال رجل: يا رسول الله! إني لأذبح الشاة فأرحمها. قال: (فذكره)))، وزاد
البخاري: ((مرتين)).
وسنده صحيح، وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٤ / ٣٣):
((رواه أحمد والبزار والطبراني في ((الكبير)) و ((الصغير))، وله ألفاظ كثيرة، ورجاله
ثقات)) .
٢٧ - (مَنْ رَحِمَ - ولو ذَبِيحَةَ عُصْفُورٍ - رَحِمَهُ اللهُ يَوْمَ القِيامَةِ).
رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (رقم ٣٧١)، وتمام في ((الفوائد)) (ق ١٩٤
/ ١)، والبيهقي في ((الشعب)) (٣ / ٣ / ١٤٥ / ١) عن القاسم بن عبد الرحمن عن
٦٥

أبي أمامة مرفوعاً.
قلت: وسنده حسن، وقال الهيثمي (٤ / ٣٣):
((رواه الطبراني في «الكبير)) [٧٩١٣ و٧٩١٥]، ورجاله ثقات)).
ورواه الضياء المقدسي في ((المختارة))؛ كما في ((الجامع الصغير)) للسيوطي.
٢٨ - (ُذِّبَتِ امرأةٌ في هِرَّةٍ سَجَتَتْها حتَّى ماتَتْ فدخَلَتْ فيها
النَّارَ؛ لَ هِيَ أَطْعَمَتْها وسَقَْها إِذْ حَبَسَتْها، ولا هِيَ تَرَكَتْها تَأْكُلُ مِنْ
خَشاش الأرضِ ).
i
رواه البخاري في ((صحيحه)) (٢ / ٧٨ - طبع أوروبا)، وفي ((الأدب المفرد))
(رقم ٣٧٩)، ومسلم (٧ / ٤٣) من حديث نافع عن عبدالله بن عمر مرفوعاً.
ومسلم، وأحمد (٢ / ٥٠٧) من طرق عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه.
(خَشاش الأرض): هي الحشرات والهوام.
٢٩ - (بينما رجلٌ يَمشي بطريقٍ؛ إِذِ اشتَدَّ عليهِ العَطَشُ، فوجدَ
بئراً، فنزلَ فيها فشربَ وخَرَجَ، فإِذا كلبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ
العَطَشِ ، فقالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هذا الكلبَ مِنَ العَطَشِ مِثْلُ الذي
بَلَغَ مِنِّي، فنزلَ البثْرَ، فملأ خُقَّهُ، ثمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حتى رَقِيَ فسَقِى
الكلبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لهُ. فقالوا: يا رسولَ اللهِ! وإِنّ لنا في
البهائمِ لأجْراً؟ فقال: في كُلِّ ذاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ).
رواه مالك في ((الموطأ)) (ص ٩٢٩ - ٩٣٠)، وعنه البخاري في «صحيحه)) (٢
/ ٧٧ - ٧٨ و١٠٣، ٤ / ١١٧ - طبع أوروبا)، وفي ((الأدب المفرد)) (رقم ٣٧٨)،
٦٦

ومسلم (٧ / ٤٤)، وأبو داود (رقم ٢٥٥٠)، وأحمد (٢ / ٣٧٥ و٥١٧)؛ كلهم عن
مالك عن سُمي مولى أبي بكر عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة مرفوعاً.
ورواه أحمد (٢ / ٥٢١) من طريق أخرى عن أبي صالح به مختصراً.
٣٠ - (بينما کَلِبٌ يُطِيفُ برَكِيَّةٍ قد كادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ؛ إِذْ رَأَتْهُ بَغِيِّ
مِن بَغايا بَنِي إِسرائيلَ، فَتَزَعَتْ مُوقَها، فَاسْتَقَتْ لهُ بِهِ فَسَقَتْهُ إِيَّاهُ، فَغُفِرَ
لها بهِ).
رواه البخاري (٢ / ٣٧٦ - طبع أوروبا)، ومسلم (٧ / ٤٥)، وأحمد (٢ /
٥٠٧) من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة مرفوعاً.
وتابعه أنس بن سيرين عن أبي هريرة نحوه.
ورواه أحمد (٢ / ٥١٠) وسنده صحيح أيضاً.
(الرَّكِيَّة): بئر لم تُطْوَ أو طُوبَت.
ومن الآثار في الرفق بالحيوان :
أ - عن المسيِّب بن دار قال:
((رأيتُ عمر بن الخطّاب ضربَ جمَّلاً، وقال: لِمَ تَحْمِلُ على بعيرِك ما لا
يُطيقُ؟!)).
رواه ابن سعد في ((الطبقات)) (٧ / ١٢٧).
وسنده صحيح إلى المسيب بن دار، ولكني لم أعرف المسيب هذا.
ثم تبيَّن لي أن الصواب في اسم أبيه: (دارم)، هكذا ورد في سند هذا الأثر
عند أبي الحسن الإِخميمي في ((حديثه)) (ق ٦٢ / ٢)، وهكذا أورده ابن أبي حاتم
في ((الجرح والتعديل)) (٤ / ١ / ٢٩٤)، وقال:
٦٧

«مات سنة ست وثمانین)).
ولم یذکر فیه جرحاً ولا تعديلاً.
وأما ابن حبان؛ فذكره في ((الثقات)) (١ / ٢٢٧)، وكناه بأبي صالح.
ب - عن عاصم بن عُبيد الله بن عاصم بن عُمر بن الخطّاب:
((أنَّ رجلاً حدَّ شفرةً، وأخذَ شاةً ليذْبَحَها، فضرَبَهُ عمرُ بالدِّرَّةِ، وقال: أتُعذّبُ
الرُّوحَ؟! أَلا فعلتَ هذا قبلَ أنْ تَأْخُذَها؟!)).
رواه البيهقي (٩ / ٢٨٠ - ٢٨١).
جـ۔۔ عن محمد بن سیرین :
((أنَّ عمرَ رضيَ اللهُ عنه رأى رجلاً يجرُّ شاةً ليذبَحَها، فضرَبَهُ بالدِّرَّةِ، وقال:
سُقْها - لا أُمَّ لك - إلى الموتِ سَوْقاً جميلاً)).
رواه البيهقي أيضاً.
د۔ عن وهب بن کَیْسان:
((أنَّ ابْنَ عُمَرَ رأى راعيَ غَنَمٍ في مكانٍ قبيحٍ ، وقد رأى ابنُ عمَرَ مكاناً أمثلَ
منه، فقال ابنُ عمرَ: ويحكَ يا راعي! حَوِّلها؛ فإني سمعتُ النبيَّ رَّ يقول:
(كُلُّ راعٍ مسؤولٌ عن رعيَِّهِ)).
رواه أحمد (رقم ٥٨٦٩)، وسنده حسن.
والمرفوع منه متفق عليه، وهو مخرَّج مطولاً في ((تخريج مشكلة الفقر)) (٩٣)،
و ((غاية المرام)) (٢٦٩).
هـ - عن معاوية بن قرة قال:
((كان لأبي الدرداء جملٌ يُقال له: (دمون)، فكان إذا استعاروه منه؛ قال: لا
تحملوا عليه إلا كذا وكذا؛ فإنه لا يطيق أكثر من ذلك، فلما حضرَتْهُ الوفاة قال: يا
٦٨

دمون! لا تخاصمني غداً عند ربي؛ فإني لم أكنْ أحْمِلُ عليك إلا ما تطيق)).
رواه أبو الحسن الإِخميمي في ((حديثه)) (ق ٦٣ / ١).
و- عن أبي عثمان الثقفي قال:
كان لعمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه غلامٌ يعمل على بغلٍ له، يأتيه بدرهم
كل يوم، فجاء يوماً بدرهم ونصف، فقال: أما بدا لك؟ قال: نفقت السوق. قال:
لا؛ ولكنك أتعبتَ البغلَ! أجِمَّهُ ثلاثة أيام(١).
رواه أحمد في ((الزهد)) (١٩ / ٥٩ / ١) بسند صحيح إلى أبي عثمان، وأما
هذا؛ فلم أجد له ترجمة .
تلك هي بعض الآثار التي وقفتُ عليها حتى الآن، وهي تدلُّ على مبلغ تأثّر
المسلمين الأوَّلين بتوجيهات النبي ◌ََّ في الرفق بالحيوان، وهي في الحقيقة قُلٌّ مِن
جُلٌّ، ونقطة من بحر، وفي ذلك بيان واضح أن الإِسلام هو الذي وضع للناس مبدأ
الرفق بالحيوان؛ خلافاً لما يظنه بعض الجهال بالإِسلام أنه من وضع الكفار
الأوروبيين، بل ذلك من الآداب التي تلقَّوها عن المسلمين الأولين، ثم توسَّعوا فيها،
ونظّموها تنظيماً دقيقاً، وتبنَّتها دولهم، حتى صار الرفق بالحيوان من مزاياهم اليوم،
حتى توهَّم الجهال أنه من خصوصيَّاتهم! وغرَّهم في ذلك أنه لا يكاد يُرى هذا النظام
مطبَّقاً في دولة من دول الإِسلام، وكانوا هم أحق بها وأهلها!
وقد بلغ الرفق بالحيوان في بعض البلاد الأوروبية درجة لا تخلو من المغالاة،
ومن الأمثلة على ذلك ما قرأتُه في ((مجلة الهلال)) (مجلد ٢٧ ج ٩ ص ١٢٦) تحت
عنوان: ((الحيوان والإِنسان»:
((إن محطة السكك الحديدية في (كوبنهاجن) كان يتعشعش فيها الخفاش زهاء
نصف قرن، فلما تقرَّر هدمها وإعادة بنائها، أنشأت البلدية برجاً كلفته عشرات الألوف
(١) أي: أرحه. وفي ((النهاية)):
(( ... دونكها فإنها تجم الفؤاد؛ أي: تريحه، وقيل: تجمعه وتكمل صلاحه ونشاطه)).
٦٩

من الجنيهات؛ منعاً من تشرُّد الخفاش)).
وحدث منذ ثلاث سنوات أن سقط كلب صغير في شق صغير بين صخرتين في
إحدى قرى (إنكلترا)، فجنّد له أولو الأمر مائة من رجال المطافئ لقطع الصخور
وإنقاذ الكلب!
وثار الرأي العامُّ في بعض البلاد أخيراً عندما اتُّخذ الحيوان وسيلة لدراسة
الظواهر الطبيعية؛ حين أرسلت روسيا كلباً في صاروخها، وأرسلت أمريكا قرداً !!
سُنَّةُ مَتْوَكَةٌ يَجِبُ إِحْياؤها
استفاضت الأحاديث الصحيحة عن النبي ◌ّل# في الأمر بإقامة الصفوف
وتسويتها؛ بحيث يندر أن تخفى على أحد من طلاب العلم فضلاً عن شيوخه، ولكن
ربما يخفى على الكثيرين منهم أن من إقامة الصف تسويته بالأقدام، وليس فقط
بالمناكب، بل لقد سمعنا مراراً من بعض أئمة المساجد - حين يأمرون بالتسوية -
التنبيه على أن السنة فيها إنما هي بالمناكب فقط دون الأقدام! ولما كان ذلك خلاف
الثابت في السنة الصحيحة؛ رأيتُ أنه لا بدَّ من ذكر ما ورد فيه من الحديث؛ تذكيراً
لمن أراد أن يعمل بما صحَّ من السنة؛ غير مغترِّ بالعادات والتقاليد الفاشية في الأمة .
فأقول: لقد صحَّ في ذلك حديثان:
الأول: من حديث أنس.
والآخر: من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما.
أما حديث أنس؛ فهو:
٣١ - (أَقِيموا صُفوفَكُم، وتَراصُوا؛ فإِنِّي أَرَاكُمْ مِن وَراءِ ظَهْرِي).
رواه البخاري (٢ / ١٧٦ - فتح طبعة بولاق)، وأحمد (٣ / ١٨٢ و٢٦٣)،
والمخلص في ((الفوائد)) (١ / ١٠ / ٢) من طرق عن حميد الطويل: ثنا أنس بن
٧٠

مالك قال :
((أقيمت الصلاة، فأقبل علينا رسول الله وَلهير بوجهه، فقال: (فذكره)).
زاد البخاري في رواية :
((قبل أن يكبر)).
وزاد أيضاً في آخره:
((وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه)).
وهي عند المخلّص، وكذا ابن أبي شيبة (١ / ٣٥١) بلفظ:
«قال أنس: فلقد رأيت أحدنا يلصق منکبه بمنکب صاحبه، وقدمه بقدمه، فلو
ذهبتَ تفعل هذا اليوم؛ لنفر أحدكم كأنه بغل شموس)».
وسنده صحيح أيضاً على شرط الشيخين.
وعزاها الحافظ لسعيد بن منصور والإِسماعيلي .
وترجم البخاري لهذا الحديث بقوله :
((باب إلزاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصف)).
وأما حديث النعمان؛ فهو:
٣٢ - (أَقِيْموا صُفوفَكُم (ثلاثاً)، واللهِ لَتُقيمُنَّ صُفوفَكُمْ أَو
لَيُخالِفَنَّ اللهُ بِينَ قُلوبِكُم).
أخرجه أبو داود (رقم ٦٦٢)، وابن حبان (٣٩٦)، وأحمد (٤ / ٢٧٦)،
والدولابي في ((الكنى)) (٢ / ٨٦) عن أبي القاسم الجدلي حسين بن الحارث قال:
سمعتُ النعمان بن بشير يقول:
((أقبل رسول الله وسلّر على الناس بوجهه، فقال: (فذكره)).
٧١

قال: ((فرأيتُ الرجل يلصِقُ مَنْكِبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبةِ صاحبه،
وكعبه بكعبه)).
قلت: وسنده صحيح، وعلقه البخاري مجزوماً به، ووصله ابن خزيمة أيضاً في
((صحيحه) (١ / ٨٢ - ٨٣)، وأقره المنذري في ((الترغيب)) (١ / ١٧٦)، والحافظ
في ((الفتح)) (٢ / ١٧٦)، ومن طريق ابن خزيمة أخرجه ابن حبان في ((صحيحه))
(١١٤ / ٣٩٦ - موارد).
ثم روى المتنَ الدولابيُّ من طريق بقية بن الوليد: حدثنا حريز قال: سمعتُ
غيلان المقرىء يحدث عن أبي قُتَيْلَة مرثد بن وداعة [قال: سمعتُ] النعمان بن بشير
يقول: (فذكره).
وهذا سند لا بأس به في المتابعات، ورجاله ثقات؛ غير غيلان المقرىء،
ولعله غيلان بن أنس الكلبي مولاهم الدمشقي، فإن يكن هو؛ فهو مجهول الحال،
روى عنه جماعة، وقال الحافظ: إنه مقبول.
ثم تبيّن أن قوله: ((المقرىء)) وهَمّ؛ كما قاله البخاري وابن حبان، وأنه غيلان
ابن مَعْشر المُقرائي (لباب ٣ / ٢٤٧)، ترجمه ابن أبي حاتم (٧ / ٥٣) برواية جمع،
ووثَّقه ابن حبان (٥ / ٢٩٠).
١
فقه الحديث :
وفي هذين الحديثين فوائد هامة:
الأولى: وجوب إقامة الصفوف وتسويتها والتراص فيها؛ للأمر بذلك، والأصل
فيه الوجوب؛ إلا لقرينة؛ كما هو مقرَّر في الأصول، والقرينة هنا تؤكّد الوجوب، وهو
قوله وَالَ: ((أو ليخالِفَنَّ الله بين قلوبكم))؛ فإن مثل هذا التهديد لا يقال فيما ليس
بواجب؛ کما لا يخفى .
الثانية: أن التسوية المذكورة إنما تكون بلصق المنكب بالمنكب، وحافة القدم
بالقدم؛ لأن هذا هو الذي فعله الصحابة رضي الله عنهم حين أمروا بإقامة الصفوف،
٧٢

والتراص فيها، ولهذا قال الحافظ في ((الفتح)) بعد أن ساق الزيادة التي أوردتها في
الحدیث الأول من قول أنس :
((وأفاد هذا التصريحُ أن الفعل المذكور كان في زمن النبي ◌ََّ، وبهذا يتم
الاحتجاج به على بيان المراد بإقامة الصف وتسويته)).
ومن المؤسف أن هذه السنة من التسوية قد تهاون بها المسلمون، بل
أضاعوها؛ إلا القليل منهم؛ فإني لم أرها عند طائفة منهم إلا أهل الحديث؛ فإني
رأيتهم في مكة سنة (١٣٦٨هـ) حريصين على التمسُّك بها كغيرها من سنن
المصطفى عليه الصلاة والسلام؛ بخلاف غيرهم من أتباع المذاهب الأربعة - لا
أستثني منهم حتى الحنابلة - فقد صارت هذه السنة عندهم نسياً منسيّاً، بل إنهم
تتابعوا على هجرها والإِعراض عنها، ذلك لأن أكثر مذاهبهم نصَّت على أن السنة في
القيام التفريج بين القدمين بقدر أربع أصابع، فإن زاد كره؛ كما جاء مفصَّلاً في ((الفقه
على المذاهب الأربعة)) (١ / ٢٠٧)، والتقدير المذكور لا أصل له في السنة، وإنما
هو مجرد رأي، ولو صحَّ لوجب تقييده بالإِمام والمنفرد حتى لا يعارض به هذه السنة
الصحيحة؛ كما تقتضيه القواعد الأصولية .
وخلاصة القول: إنني أهيب بالمسلمين - وبخاصة أئمة المساجد - الحريصين
على اتباعه وَي9، واكتساب فضيلة إحياء سنته وَ ر؛ أن يعملوا بهذه السنة، ويحرصوا
عليها، ويدعوا الناس إليها، حتى يجتمعوا عليها جميعاً، وبذلك ينجون من تهديد :
((أو ليخالفَنَّ اللهُ بين قلوبكم)).
وأزيد في هذه الطبعة فأقول:
لقد بلغني عن أحد الدعاة أنه يهوّن من شأن هذه السنة العملية التي جرى عليها
الصحابة، وأقرّهم النبي ◌َّ عليها، ويلمح إلى أنه لم يكن من تعليمه وَلَّ إياهم، ولم
ينتبه - والله أعلم - إلى أن ذلك فهم منهم أولاً، وأنه وََّ قد أقرَّهم عليه ثانياً، وذلك
كاف عند أهل السنة في إثبات شرعية ذلك؛ لأن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، وهم
٧٣

القوم لا يشقى متّبع سبيلهم. ( انظر الاستدراك رقم : ١ ) .
الثالثة: في الحديث الأول معجزة ظاهرة للنبي أقل، وهي رؤيته پیّ من ورائه،
ولكن ينبغي أن يعلم أنها خاصة في حالة كونه بيّية في الصلاة، إذ لم يرد في شيء من
السنة أنه كان يرى كذلك خارج الصلاة أيضاً. والله أعلم.
الرابعة: في الحديثين دليلٌ واضحٌ على أمر لا يعلمه كثير من الناس، وإن كان
صار معروفاً في علم النفس، وهو أن فساد الظاهر يؤثّر في فساد الباطن، والعكس
بالعكس، وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة، لعلَّنا نتعرَّض لجمعها وتخريجها في
مناسبة أخرى إن شاء الله تعالى .
الخامسة: أن شروع الإِمام في تكبيرة الإحرام عند قول المؤذِّن: ((قد قامت
الصلاة)) بدعة؛ لمخالفتها للسنة الصحيحة؛ كما يدل على ذلك هذان الحديثان، لا
سيما الأول منهما؛ فإنهما يفيدان أن على الإِمام بعد إقامة الصلاة واجباً ينبغي عليه
القيام به، وهو أمر الناس بالتسوية؛ مذكراً لهم بها؛ فإنه مسؤول عنهم: ((كلكم راع،
وكلكم مسؤول عن رعيته ... )).
٣٣ - (يُبْصِرُ أَحدُكُم القَذاةَ في عينٍ أَخيهِ، ويَنْسى الجِذْعَ - أَو
الجذْلَ - في عينِهِ مُعْتَرضاً).
رواه ابن صاعد في ((زوائد الزهد لابن المبارك)) (ق ١٦٥ / ١ من الكواكب
٥٧٥ رقم ٢٢٢ - ط)، وابن حبان في ((صحيحه)) (١٨٤٨)، وأبو الشيخ في ((الأمثال))
(٢١٧)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٤ / ٩٩)، وعنه الديلمي (٤ / ٣٣٣)، والقضاعي
في ((مسند الشهاب)) (ق ٥١ / ١) من طرق عن محمد بن حمير قال: ثنا جعفر بن
برقان عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة مرفوعاً. وقال أبو نعيم:
((غریب من حديث يزيد؛ تفرد به محمد بن حمير عن جعفر)).
قلت: ورجاله كلهم ثقات رجال الصحيح، ولا علة فیه؛ فهو حديث صحيح،
٧٤

ولا ينافيه قوله: ((غريب))؛ لأن الغرابة قد تجامع الصحة؛ كما هو مقرَّر في مصطلح
الحدیث .
والحديث عزاه السيوطي في ((الجامع الصغير)) لأبي نعيم فقط! وقال المناوي :
((قال العامري : حسن)) .
ورواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٥٩٢) من طريق مسكين بن بكير الحذاء
الحراني عن جعفر بن برقان به موقوفاً على أبي هريرة.
ومسكين هذا صدوق يخطىء؛ فرواية ابن حمير المرفوعة أرجح؛ لأنه لم
يوصف بالخطأ، وكلاهما من رجال البخاري .
ثم رأيتُ في بعض تعليقاتي على ((فيض القدير)) أنَّ الإِمام أحمد أخرج الحديث
في «الزهد» (ص ١٧٨) موقوفاً، فقال: حدثني کثیر: حدثنا جعفر به.
وكثير هذا هو ابن هشام، وقد صرَّحت بذلك رواية ابن أبي الدنيا في ((الصمت)
(١١٤ / ١٩٤) من طريق أحمد، وهو الكلابي الرقي، وهو ثقة، من رجال مسلم؛
فهو متابع قوي لمسكين بن بكير، فإنْ لم يتابَع ابنُ حمير من ثقة على رفعه؛ فالأرجح
أن الحديث موقوف، والله سبحانه وتعالى أعلم.
٣٤ - (إِذا ذُكِرَ أَصْحابِي؛ فأَمْسِكوا، وإِذا ذُكِرَ النُّجومُ؛ فَأَمْسِكوا،
وإِذا ذُكِرَ القَدَرُ؛ فَأَمْسِكوا).
روي من حديث ابن مسعود، وثوبان، وابن عمر، وطاوس مرسلاً، وكلها ضعيفة
الأسانيد، ولكن بعضها يشد بعضاً.
١ - أما حديث ابن مسعود؛ فأخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٢ / ٧٨ / ٢)، وأبو
نُعيم في ((الحلية)) (٤ / ١٠٨) من طريق الحسن بن علي الفَسَوي: نا سعيد بن
سلمان: نا مسهر بن عبدالملك بن سلع الهمداني عن الأعمش عن أبي وائل عن
٧٥

عبدالله مرفوعاً. وقال أبو نعيم:
((غريب من حديث الأعمش، تفرَّد به عنه مسهر)).
قلت: وهو ضعيف. قال البخاري :
((فيه بعض النظر)).
كذا رواه عنه ابن عدي (٣٤٣ / ١)، وكذلك هو في ((التهذيب)).
وفي ((الميزان)):
((قال البخاري: فيه نظر))؛ بإسقاط لفظة: ((بعض))، ولعله سهوٌ من الذهبي أو
الناسخ .
وقال النسائي :
«ليس بالقوي)).
وأما ابن حبان؛ فذكره في ((الثقات))!
وقال الحافظ فى ((التقريب)):
((لين الحديث)).
وبقية رجال الإِسناد ثقات رجال الشيخين؛ غير الفَسَوي هذا؛ ترجمه الخطيب
(٧ / ٣٧٢)، وروى عن الدارقطني أنه قال:
«لا بأس به)).
وسعيد بن سليمان هو الضبي الواسطي، ثقة حافظ من رجال الشيخين.
ومن هذا البيان تعلم خطأ قول الهيثمي (٧ / ٢٠٢):
((رواه الطبراني، وفيه مسهر بن عبدالملك؛ وثَّقه ابن حبان وغيره، وفيه خلاف،
وبقية رجاله رجال الصحيح)).
فإن الفَسَوي هذا ليس من رجال الصحيح، بل ولا من رجال سائر الستة!
٧٦

وقال الحافظ العراقي في ((تخريج الإحياء)) (١ / ٥٠ - طبع الثقافة الإِسلامية):
(رواه الطبراني من حديث ابن مسعود بإسناد حسن)).
وتبعه الحافظ في ((الفتح)) (١١ / ٤٧٧).
وله عن ابن مسعود طريق آخر، رواه اللالكائي في ((شرح أصول السنة)) (٢٣٩
/ ١ من الكواكب ٥٧٦)، وابن عساكر (١٤ / ١٥٥ / ٢) عن النضر أبي قحذم عن
أبي قلابة عن ابن مسعود مرفوعاً .
وهذا سند ضعيف، وفيه علَّتان:
الأولى: الانقطاع بين أبي قلابة - واسمه عبدالله بن زيد الجرمي - وابن
مسعود؛ فإن بين وفاتيهما نحو (٧٥ سنة)، وقد ذكروا أنه لم يسمع من جماعة من
الصحابة منهم علي بن أبي طالب، وقد مات بعد ابن مسعود بثمان سنين .
الثانية: النضر، أبو قحذم، وهو ابن معبد، ضعيفٌ جدّاً، قال ابن معين:
((ليس بشيء)).
وقال أبو حاتم :
«یکتب حدیثه)).
وقال النسائي :
((ليس بثقة)).
٢ - وأما حديث ثوبان؛ فأخرجه أبو طاهر الزيادي في ((ثلاثة مجالس من
الأمالي)) (١٩١ / ٢)، والطبراني في ((الكبير)) (١ / ٧١ / ٢) عن يزيد بن ربيعة قال:
سمعتُ أبا الأشعث الصنعاني يحدث عن ثوبان به مرفوعاً.
قلت: وهذا سند ضعيف جدّاً:
يزيد بن ربيعة: هو الرحبي، الدمشقي، وهو متروك؛ كما قال النسائي والعقيلي
٧٧

والدارقطني .
وقال أبو حاتم :
((كان في بدء أمره مستوياً، ثم اختلط قبل موته)). قيل له: فما تقول فيه؟ فقال:
((ليس بشيء))، وأنكر أحاديثه عن أبي الأشعث)).
وقال الجوزجاني :
((أخاف أن تكون أحاديثه موضوعة)).
وأما ابن عدي؛ فقال:
((أرجو أنه لا بأس به))!
٣ - وأما حديث ابن عمر؛ فأخرجه ابن عدي (٢٩٥ / ١)، وعنه السهمي في
((تاريخ جرجان)) (٣١٥) من طريق محمد بن فضل عن كرز بن وبرة عن عطاء عنه
مرفوعاً به دون ذكر النجوم.
وقال ابن عدي :
((محمد بن فضل عامة حديثه مما لا يتابعه الثقات عليه)).
قلت: وهو ابن عطية؛ قال الفلاس :
«كذاب)).
وضعَّفه البخاري جدّاً، فقال:
«سکتوا عنه)).
وکرز بن وبرة ترجم له السهمي ترجمة طويلة (٢٩٥ - ٣١٦)، وساق له أحاديث
كثيرة من روايته عن عبدالله بن عمر، والربيع بن خُثَيم، وطاوس، ونعيم بن أبي هند،
وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وأبي أيوب، وقال:
(«إنه كان معروفاً بالزهد والعبادة)».
٧٨

ولم یذکر فیه جرحاً ولا تعديلاً.
طريق ثان عن ابن عمر أخرجه السهمي (٢٥٤ - ٢٥٥) من طريق محمد بن
عمر الرومي: حدثنا الفرات بن السائب: حدثنا ميمون بن مهران عنه مرفوعاً بتمامه .
وهذا سند ضعيف جدّاً؛ الفرات هذا قال الدارقطني وغيره:
«متروك)».
وقال البخاري :
«منكر الحديث)).
وقال أحمد :
((قريب محمد بن زياد الطحان في ميمون؛ يُتُّهم بما يُتَّهم به ذاك)).
وقال ابن عدي (٣١٤ / ٢):
((وعامة أحاديثه خاصة عن ميمون بن مهران مناكير)).
ومحمد بن عمر الرومي لين الحديث؛ كما في ((التقريب)).
والحديث أورده السيوطي في ((الجامع الصغير)) من رواية الطبراني عن ابن
مسعود، وابن عدي عنه وعن ثوبان، وابن عدي عن عمر.
وقال المناوي في «شرحه)):
((قال الحافظ العراقي: سنده ضعيف. وقال الهيثمي: فيه يزيد بن ربيعة
ضعيف. وقال ابن رجب: روي من وجوه في أسانيدها كلها مقال. وبه يعرف ما في
رمز المؤلف لحسنه تبعاً لابن صَصْری، ولعله اعتضد)).
قلت: قد عرفت أن طرقه كلها ما عدا الأول ضعيفة جدّاً، فلا يتقوى الحديث
بها؛ كما تقرر في علم أصول الحديث. والله أعلم.
ثم إن السيوطي عزاه لابن عدي عن عمر، ولم أره عنده عن عمر، بل عن ابنه
٧٩

عبدالله بن عمر، فلعله سقط من قلم السيوطي أو بعض النساخ كلمة: ((ابن)). والله
أعلم .
٤ - ثم وجدت للحديث شاهداً مرسلا أخرجه عبدالرزاق في ((الأمالي)) (٢ /
٣٩ / ١): ثنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه مرفوعاً به.
قلت: وهذا سند صحيح لولا إرساله، ولكنه مع ذلك شاهد قويٌّ لما قبله من
الشواهد والطرق، وبخاصة الطريق الأول الذي حسَّنه الحافظان العراقي
والعسقلاني، فيقوى الحديث به. والله أعلم.
٣٥ - (تَلَا قَوْلَ اللهِ عزَّ وجَلَّ في إِبراهيمَ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ
كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾(١)، وقال عيسى عليه السلامُ:
﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فِإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فإِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ
الحَكِيمُ﴾ (٢)، فرفعَ يديهِ وقالَ: ((اللهُمَّ! أُمَّتي أُمَّتي))، وبكى، فقالَ اللهُ
عزَّ وجلَّ: يا جِبريلُ! اذْهَبْ إِلى مُحَمَّدٍ - وَرَبُّكَ أَعْلَمُ - فَسَلْهُ: ما
يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فسَأَلَهُ؟ فَأَخْبَرَهُ رَسولُ اللهِ
وَّ بما قالَ - وهُو أَعْلَمُ - فقالَ اللهُ: يا جبريلُ! اذْهَبْ إِلى محمَّدٍ،
فقلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ ولا نَسوؤَكَ).
أخرجه مسلم (١ / ١٣٢)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٧١٩١ - الإِحسان)،
وابن جرير في ((التفسير)) (١٣ / ١٥٣)، و ((الفوائد)) لأبي بكر النيسابوري (ق ١٤٢ /
١)، وابن منده في ((التوحيد)) (ق ٥٣ / ١) من طرق عن عبدالله بن وهب قال:
(١) إبراهيم: ٣٦.
(٢) المائدة: ١١٨ .
٨٠