النص المفهرس

صفحات 41-60

١٠ - عن أبي أمامة الباهلي قال، ورأى سِكَّةً وشيئاً من آلةٍ
الحرْثِ، فقالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ وَّهِ يقولُ:
(لا يَدْخُلُ هذا بيتَ قومٍ ؛ إِلَّ أَدْخَلَهُ اللهُ الذُّلَّ).
أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (٥ / ٤ - بشرح الفتح)، ورواه الطبراني في
((الكبير)) (٢٣ / ٨) من طريق أخرى عن أبي أمامة مرفوعاً بلفظ:
((ما من أهل بيت يغدو عليهم فدان؛ إلا ذلُّوا)).
وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٤ / ١٢٠):
((وفيه امرأتان لم أعرفهما)).
وقد وفَّق العلماء بين هذا الحديث والأحاديث المتقدمة آنفاً بوجهين اثنين:
الأول: أن المراد بالذل ما يلزمهم من حقوق الأرض التي تطالبهم بها الولاة من
خراج أو عشر، فمن أدخل نفسه في ذلك؛ فقد عرضها للذل.
قال المناوي في ((الفيض)):
((ليس هذا ذمّاً للزراعة؛ فإنها محمودةٌ مثابٌ عليها؛ لكثرة أكل العوافي(١) منها،
إذ لا تلازم بين ذلِّ الدنیا وحرمان ثواب البعض».
ولهذا قال ابن التين :
((هذا من إخباره ◌ّل بالمغيّبات؛ لأن المشاهد الآن أن أكثر الظلم إنما هو على
أهل الحرث)).
الثاني: أنه محمولٌ على مَن شغَلَه الحرث والزرع عن القيام بالواجبات؛
كالحرب ونحوه، وإلى هذا ذهب البخاري، حيث ترجم للحديث بقوله :
(١) جمع (عافية). قال في ((النهاية)):
((العافية والعافي: كل طالب رزق؛ من إنسان، أو بهيمة، أو طائرٍ)).
٤١

(باب ما يُحْذَر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع، أو مجاوزة الحد الذي أمر به)).
فإن من المعلوم أن الغلوَّ في السعي وراء الكسب يلهي صاحبه عن الواجب،
ويحمله على التكالب على الدنيا، والإِخلاد إلى الأرض، والإعراض عن الجهاد؛
كما هو مشاهَد من الكثيرين من الأغنياء.
ويؤيد هذا الوجه قوله وَلات :
١١ - (إِذا تَبايَعْتُم بالعِيْنَةِ(١)، وأَخَذْتُمْ أَذنابَ البَقَرِ، وَرَضِيتُم
بالزَّرْعِ ، وتَرَكْتُمُ الجِهادَ؛ سَلَّطَ اللهُ عليكُمْ ذُلّ لا يَنْزِعُهُ حتى تَرْجِعُوا
إِلی دینگم).
:
وهو حديث صحيح لمجموع طرقه، وقد وقفتُ على ثلاث منها؛ كلها عن ابن
عمر رضي الله عنهما مرفوعاً:
الأولى: عن إسحاق أبي عبدالرحمن أن عطاء الخراساني حدَّثه أن نافعاً حدثه
عن ابن عمر قال: (فذكره).
أخرجه أبو داود (رقم ٣٤٦٢)، والدولابي في ((الكنى)) (٢ / ٦٥)، وابن عدي
في ((الكامل)) (٢٥٦ / ٢)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٥ / ٣١٦)، والطبراني
في ((مسند الشاميين)) (ص ٤٦٤).
وتابعه فضالة بن حصين عن أيوب عن نافع به .
رواه العسكري في ((تصحيفات المحدِّثين)) (١ / ١٩١)، وابن شاهين في جزء
من الأفراد (١ / ١)، وقال:
(١) (العينة): أن يبيع شيئاً من غيره بثمن مؤجَّل، ويسلمه إلى المشتري، ثم يشتريه قبل
قبض الثمن بثمن أقل من ذلك القدر يدفعه نقداً. قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
((فهذا مع التواطؤ يبطل البيعين؛ لأنها حيلة)).
٤١

«تفرد به فضالة)).
قلت: قال أبو حاتم:
((مضطرب الحديث)) ..
وقال البيهقي :
«روي ذلك من وجهين ضعيفين عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر)).
يشير بذلك إلى تقوية الحديث.
وقد وقفتُ على أحد الوجهين المشار إليهما، وهو الطريق:
الثانية: عن أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن عطاء بن أبي رباح عن ابن
عمر.
أخرجه أحمد (رقم ٤٨٢٥)، وفي ((الزهد)) (٢٠ / ٨٤ / ١ -٢)، والطبراني
في ((الكبير)) (٣ / ٢٠٧ / ١)، وأبو أمية الطرسوسي في ((مسند ابن عمر)) (٢٠٢ /
١).
قلت: وهذا إسناد جيد كما يأتي عن ابن تيمية، وعطاء بن أبي رباح قد سمع
من ابن عمر؛ خلافاً لمن نفاه من بعض المتقدمين، وعلى إثباته جرى الحافظ في
((التهذيب))، وقد وجدتُ سماعَه منه في بعض الأحاديث؛ كالحديث الآتي برقم
(١٠٦) بسند حسن، وانظر في ((المعجم الكبير)) الأحاديث (١٣٥٧٨ و١٣٦٠٥
و١٣٦١٥)، وكأنه لذلك صحَّح له الشيخ أحمد شاكر غيرما حديث؛ منها هذا.
والوجه الثاني أخرجه أبو يعلى في ((مسنده)) (١٠ / ٢٩ / ٥٦٥٩)، والطبراني
في ((الكبير)) (٣ / ١٠٧ / ١) عن ليث عن عبدالملك بن أبي سليمان عن عطاء.
وأخرجه ابن أبي الدنيا في ((العقوبات)) (٧٩ / ١)، والروياني في ((مسنده))
(٢٤٧ / ٢) من وجه آخر عن ليث عن عطاء، أسقط من بينهما ابن أبي سليمان، وكذا
رواه أبو نُعيم في ((الحلية)) (١ / ٣١٣ - ٣١٤).
٤٣

الثالثة: عن شهر بن حوشب عن ابن عمر.
رواه أحمد (رقم ٥٠٠٧).
ثم وجدت له شاهداً من رواية بشير بن زياد الخراساني: ثنا ابن جريج عن
عطاء عن جابر: سمعتُ رسول الله وَ له: (فذكره).
أخرجه ابن عدي في ترجمة بشير هذا من ((الكامل))، وقال:
((وهو غير معروف، في حديثه بعض النكرة)). وقال الذهبي :
٠
((ولم يُتْرَك)).
فتأمل كيف بيَّن هذا الحديث ما أُجْمِل في حديث أبي أمامة المتقدم قبله؟!
فذكر أن تسليط الذل ليس هو لمجرد الزرع والحرث؛ بل لما اقترن به من الإِخلاد
إليه، والانشغال به عن الجهاد في سبيل الله؛ فهذا هو المراد بالحديث، وأما الزرع
الذي لم يقترن به شيء من ذلك؛ فهو المراد بالأحاديث المرغّبة في الحرث؛ فلا
تعارض بینھا ولا إشكال.
ثم رأيتُ شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله قد صرَّح بتقوية الحديث، فقال في
((مجموع فتاويه)) (٢٩ / ٣٠):
(وقد روی أحمد وأبو داود بإسنادين جيدين عن ابن عمر: (فذكره)».
قلت: وقد تنطَّع بعض المعاصرين ممَّن لم يتقن هذا العلم وقواعده، فانتقد
تصحيحي لهذا الحديث لمجموع طرقه ببيانه لعلل مفرداتها! فكأنه لا يؤمن بقاعدة
تقوية الحديث بالطرق! ولذلك تعقّب أيضاً الإِمام الشوكاني الذي كان ممِّن سبقني
إلى تقوية الحديث، فقال المومى إليه:
((ولنا (!) بعض التحفظات على قول الشوكاني رحمه الله: ((وهذه الطرق يشد
بعضها بعضاً))، فنحن لا نوافقه على هذا القول لما بيِّنَّاه))!
كذا قال ۔ هداه الله -، وهو لم يصنع شيئاً سوى بيان ضعف المفردات - كما
ذكرت - مما لا يعجز عنه كل مبتدىء في هذا العلم! ولم يتعرَّض للجواب عن القاعدة
٤٤

المذكورة ألبتة، فوقع لجهله بهذا العلم في مخالفة مَن ذكرنا من العلماء وغيرهم،
كابن القطان الفاسي؛ فإنه صحَّح الطريق الثانية في كتابه القيم ((الوهم والإِيهام)) (٢
/ ١٥١ / ٢)، ومثله ابن كثير في ((تفسيره))؛ فإنه قوى الطريق الأولى بالثالثة، واعتبرها
شاهداً للأولى، وصححه ابن القيم في ((الداء والدواء))، فإلى الله المشتكى من تسلط
الجهلة على هذا العلم، ومخالفتهم للعلماء تضعيفاً وتصحيحاً وتحريفاً. انظر ما فعله
الشيخ الصابوني في صحابي الحديث الآتي برقم (٢١)، فصيره بجهله من مسند
أنس، وهو عن معاذ بن أنس!
(تنبيه): من البواعث على كتابة هذا المقال: أن مستشرقاً ألمانيّاً زعم لأحد
الطلاب المسلمين السوريين هناك أن الإِسلام يحذّر أهله من تعاطي أسباب استثمار
الأرض! واحتجَّ بهذا الحديث، وقال: إنه في البخاري؛ متعامياً عن المعنى الذي
ذكره البخاري نفسه في ترجمته للحديث كما سبق .
١٢ - (لا تَتَّخِذوا الضَّيْعَةَ فَتَرْغَبوا في الدُّنيا).
رواه البخاري في ((التاريخ)) (٢ / ٢ /٥٤)، والترمذي (٤ / ٢٦٤)، وأبو
الشيخ في ((الطبقات)) (٢٩٨)، وأبو يعلى في ((مسنده)) (٢٥١ / ١)، وعنه ابن حبان
(٢٤٧١ - موارد)، والحاكم (٤ / ٢٢٢)، وأحمد (رقم ٢٥٨٩ و٤٠٤٧)، والخطيب
(١ / ١٨) عن شِمْر بن عطية عن مغيرة بن سعد بن الأخرم عن أبيه عن ابن مسعود
مرفوعاً.
ومن هذا الوجه أخرجه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٢ / ٢ / ٥٤)، وكذا ابن
أبي شيبة (١٣ / ٢٤١)، والحميدي (١ / ٦٧ / ١٢٢)، وأبو يعلى (٥٢٠٠)، وعنه
ابن حبان (٢٤٧١)، وأبو نعيم في ((الأخبار)) (٢ / ١١٦)، لكن وقع في ((التاريخ))
(هشیم) مکان (شِمر)!
وحسنه الترمذي، وأقره النووي في ((الرياض))، والمِزِّي في ترجمة (سعد)،
وقال الحاكم :
٤٥

((صحيح الإِسناد)).
ووافقه الذهبي، وهو كما قالا بما بعده.
ثم رواه أحمد (رقم ٤١٧٤ و٤١٨١) من طريق أبي التياح عن ابن الأخرم رجل
من طيىء عن ابن مسعود مرفوعاً بلفظ :
((نهى عن التبقر في الأهل والمال)).
وتابعه أبو حمزة قال: سمعتُ رجلاً من طيىء يحدث عن أبيه عن عبدالله
مرفوعاً به.
رواه البغوي في ((حديث علي بن الجعد)) (ج٦ / ٢٠ / ٢)، فزاد في السند :
((عن أبيه))، وهو الصواب؛ لرواية شِمْر كذلك.
وله شاهد من رواية ليث عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً باللفظ الأول.
أخرجه المحاملي في ((الأمالي)) (٦٩ / ٢)، وسنده حسن في الشواهد.
وأورده الحافظ باللفظ الأول مجزوماً به في شرح حديث أنس المتقدم في
المقال السابق، ثم قال:
((قال القرطبي : يجمع بينه وبين حديث الباب بحمله على الاستكثار والاشتغال
به عن أمر الدين، وحمل حديث الباب على اتّخاذها للكفاف أو لنفع المسلمين بها
وتحصيل توابعها)).
قلت: ومما يؤيِّد هذا الجمع اللفظ الثاني من حديث ابن مسعود؛ فإن (التبقر):
التكثر والتوسع. والله أعلم. وانظر الرد على حسان في المقدمة.
واعلم أن هذا التكثَّر المفضي إلى الانصراف عن القيام بالواجبات - التي منها
الجهاد في سبيل الله - هو المراد بالتهلكة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُوا
بَأَيْدِيكُمْ إِلى التَّهْلُكَةِ﴾(١)، وفي ذلك نزلت الآية؛ خلافاً لما يظن كثير من الناس! فقد
(١) البقرة: ١٩٥.
٤٦

قال أسلم أبو عمران :
١٣ - (غَزَوْنَا مِنَ المدينةِ نُريدُ القُسْطَنْطِينِيَّةَ [وعلى أَهْلِ مِصْرَ
عُقبةُ بنُ عامر]، وعلى الجماعةِ عبدُالرحمن بنُ خالدٍ بن الوليدِ،
ءُ
والرومُ مُلْصِقو ظُهورِهِم بحائطِ المدينةِ، فحملَ رجلٌ [منَّا] على
العدُوِّ، فقالَ الناسُ: مَهْ مَهْ! لا إِلهَ إِلَّ اللهُ! يُلْقِي بَيَدَيْهِ إِلى التَّهْلُكَةِ!
فقالَ أَبو أَيُّوبَ [الأنصارِيُّ: إِنَّمَا تَأَوَّلُونَ هذه الآية هكذا؛ أَنْ حَمَل
رَجُلٌ يقاتِلُ يلتَمِسُ الشهادةَ، أَو يُبْلي مِن نفسِهِ!] إِنَّمَا نَزَلَتْ هذه الآيةُ
فينا معشرَ الأنصارِ، لمَّا نَصَرَ اللهُ نبيَّهُ، وأَظْهَرَ الإِسلامَ، قُلْنا [بينَنَا خَفِيّاً
مِن رسولِ اللهِ وَ﴿]: هَلُمَّ تُقيمُ في أَموالِنا ونُصْلِحُها، فأنزلَ اللهُ
تعالى: ﴿وَأَنَّفِقُوا فِي سَبيلِ اللهِ ولا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلى التَّهْلُكَةِ﴾ (١)،
فالإِلقاءُ بالأيدي إِلى التَّهلُكةِ: أَنْ نُقيمَ في أَموالِنا ونُصْلِحَها وَدَعَ
الجهادَ. قالَ أَبو عِمرانَ: فلمْ يزلْ أَبو أَيُّوبَ يُجاهِدُ في سبيلِ اللهِ حتى
دُفِنَ بِالقُسطَنْطِينِيَّةِ).
رواه أبو داود (١ / ٣٩٣)، والنسائي في ((الكبرى)) (٦ / ٢٩٩ / ١٠٢٩)، وابن
أبي حاتم في «تفسيره)) (١ / ١٠ / ٢)، وابن حبان (١٦٦٧ - موارد)، والحاكم (٢ /
٢٧٥)، وقال :
((صحيح على شرط الشيخين)). ووافقه الذهبي .
وقد وهما؛ فإن الشيخين لم يخرجا لأسلم هذا؛ فالحديث صحيح فقط.
(١) البقرة: ١٩٥ .
٤٧

مِنْ أَدَبَِّ عنْدَ الْتَّدِيعِ
فيه ثلاثة أحاديث:
الأول: عن ابن عمر، وله عنه طرق:
أ - عن قَرْعَة قال: أرسلني ابن عمر في حاجةٍ، فقالَ: تعالَ حتَّى أُودِّعَك كما
ودَّعني رسولُ اللهِ وَ، وأرسَلَني في حاجةٍ لهُ، فقال:
١٤ - (أَسْتَوْدِعُ اللهَ دِينَكَ وَأَمَاتَتَكَ وَخَوَاتِيْمَ عَمَلِكَ).
رواه أبو داود (رقم ٢٦٠٠)، والحاكم (٢ / ٩٧)، وأحمد (٢ / ٢٥ و٣٨
و١٣٦)، وابن عساكر (١٤ / ٢٩٠ /٢ و١٥ / ٤٦٩ /١) عن عبد العزيز بن عمر بن
عبدالعزیز عنه .
ورجاله ثقات؛ لكن اختلف فيه على عبدالعزيز، فرواه بعضهم هكذا، وأدخل
بعضهم بينه وبين قزعة رجلاً سمَّاه بعضهم (إسماعيل بن جرير)، وسماه آخرون
(يحيى بن إسماعيل بن جرير)، وقد ساق الحافظ ابن عساكر الروايات المختلفة في
ذلك، وقال الحافظ في ((التقريب)):
((إن الصواب قول من قال: يحيى بن إسماعيل)).
قلت: وهو ضعيف، لكن يتقوى الحديث بالطرق الأخرى، وفي رواية لابن
عساكر:
((كما ودّعني رسول الله مَّر، فأخذ بيدي، فصافحني، ثم قال: (فذكره)).
ب - عن سالم أن ابن عمر كان يقول للرجل إذا أراد سفراً: ادنُ مني أودِّعْكَ
كما كان رسول اللـه وَس* يودِّعنا، فيقول: (فذكره).
أخرجه الترمذي (٢ / ٢٥٥ - طبع بولاق)، وأحمد (٢ / ٧)، والطبراني في
٤٨

((الدعاء)) (٨٢١)، وعبدالغني المقدسي في ((الجزء الثالث والستون)) (٤١ / ١) عن
سعيد بن خُثيم عن حنظلة عنه. وقال الترمذي :
(حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه من حديث سالم)).
قلت: وهو على شرط مسلم؛ غير أن سعيداً قد خُولف في سنده، فرواه الحاكم
(١ / ٤٤٢ ,٢ / ٩٧) عن إسحاق بن سليمان والوليد بن مسلم عن حنظلة بن أبي
سفيان عن القاسم بن محمد قال:
كنتُ عند ابن عمر، فجاءه رجلٌ فقال: أردت سفراً. فقال: انتظر حتى
أودعك: (فذكره). وقال:
((صحيح على شرط الشيخين)).
ووافقه الذهبي، وهو كما قالا .
ولعل الترمذي إنما استغربه من حديث سالم من أجل مخالفة هذين الثقتين
- إسحاق بن سليمان والوليد بن مسلم - لابن خثيم؛ حيث جعله من رواية حنظلة عن
سالم، وجعلاه من رواية حنظلة عن القاسم بن محمد عنه، ولعله أصح .
وأخرجه أبو يعلى في ((مسنده)) (٩ / ٤٧١ / ٥٦٢٤ و١٠ / ٤٢ / ٥٦٧٤)،
وكذا ابن خزيمة في ((صحيحه)) (٤ / ١٣٧ / ٢٥٣١) من طريق الوليد بن مسلم
وحده .
١
ج - عن مجاهد قال:
(«خرجتُ إلى العراق أنا ورجل معي، فشيعنا عبدالله بن عمر، فلما أراد أن
يفارقنا؛ قال: إنه ليس معي ما أعطيكما (كذا الأصل، ولعله: أعظكما)، ولكن
سمعتُ رسول الله وََّ يقول: ((إذا استُودِعَ اللهُ شيئاً؛ حفظه))، وإني أستودع الله
دينكما وأمانتكما وخواتيم عملكما)).
٤٩

أخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) (٢٣٧٦)، والطبراني في ((الدعاء)) (٨٢٨)،
وفي ((المعجم الأوسط)) (٢ / ٢٨٦ / ٢ / ٤٨٠٤ بترقيمي)، بسند صحيح.
د - عن نافع عنه قال:
كان رسول الله وَلّ إذا ودَّع رجلاً؛ أخذ بيده، فلا يدعها حتى يكون الرجل هو
يدع يدَ النبي ◌َّر، ويقول: (فذكره).
رواه الترمذي (٢ / ٢٥٥ طبع بولاق)، وقال:
((حديث غريب من هذا الوجه)).
قلت: يعني أنه ضعيف؛ لخصوص هذه الطريق، وذلك لأنها من رواية إبراهيم
ابن عبدالرحمن بن زيد بن أمية عن نافع، وهو - أعني: إبراهيم هذا - مجهول.
لكنه لم ينفرد به؛ فقد رواه ابن ماجه (٢ / ٩٤٣ رقم ٢٨٢٦) عن ابن أبي ليلى
عنه، وابن أبي ليلى سيىء الحفظ، واسمه محمد بن عبدالرحمن، ولم يذكر قصة
الأخذ بالید .
وتابعه زيد بن أسلم عنه في ((الدعاء)) للمحاملي (رقم ٥).
ولها شاهد من حديث أنس عند الترمذي وأبي داود من طريقين عنه، وسيأتي
إن شاء الله تخريجه برقم (٢٤٨٥).
١٥ - عن عبد الله الخَطْمي قال:
(كان النبيُّ ◌ِ﴿ إِذا أَرادَ أَنْ يَسْتَوْدِعَ الجيشَ؛ قالَ: فذكره).
رواه أبو داود (٢٦٠١)، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٥٠٧)، وابن السني
في ((عمل اليوم والليلة)) (رقم ٤٩٨)، والحاكم (٢ / ٩٧ - ٩٨) بإسناد صحيح على
شرط مسلم؛ غير أبي جعفر الخطمي - واسمه عمير بن يزيد - وهو ثقة اتفاقاً .
٥٠

١٦ - عن أبي هُريرة:
(أَنَّ النبيَّ ◌ََّ كَانَ إِذا وَدَّعَ أَحداً؛ قالَ: فذكره).
أخرجه أحمد (٢ / ٣٥٨) عن ابن لهيعة عن الحسن بن ثوبان عن موسى بن
وردان عنه .
قلت: ورجاله موثَّقون؛ غير أن ابن لهيعة سيىء الحفظ، وقد خالفه في متنه
الليث بن سعد وسعيد بن أبي أيوب عن الحسن بن ثوبان به بلفظ :
«أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه)).
وهذا عن أبي هريرة أصح، وسنده جيد.
رواه أحمد (٢ / ٤٠٣)، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٥٠٨)، وكذا ابن
السني (٤٩٩)، والطبراني في ((الدعاء)) (٨٢٠).
وتابعهما رشدين بن سعد عند الطبراني (٨٢٣٠)، وقول المعلق عليه: ((وتابعه
الليث وعبدالله بن صالح)): وهم؛ فإن ابن صالح إنما رواه عن الليث!
ثم رأيت ابن لهيعة قد رواه بهذا اللفظ أيضاً عند ابن السنّي رقم (٥٠١)، وابن
ماجه (٢ / ٩٤٣ رقم ٢٨٢٥)، فتأكدنا من خطئه في اللفظ الأول.
مِنْ فَوائِدِ الحَديثِ:
يستفاد من هذا الحديث الصحيح جملة فوائد :
الأولى: مشروعية التوديع بالقول الوارد فيه: ((أستودع الله دينك وأمانتك
وخواتيم عملك))، ويجيبُه المسافرُ فيقول: ((أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه)).
وانظر: ((الكلم الطيب)) (٩٣ / ١٦٧).
الثانية: الأخذ باليد الواحدة في المصافحة، وقد جاء ذكرها في أحاديث كثيرة،
٥١

وعلى ما دلَّ عليه هذا الحديث يدل اشتقاق هذه اللفظة في اللغة؛ ففي ((لسان
العرب)» :
((والمصافحة: الأخذ باليد، والتصافح مثله، والرجل يصافح الرجل: إذا وضع
صَفح كفه في صفح كفه، وصفحا كفيهما: وجهاهما، ومنه حديث المصافحة عند
اللقاء، وهي مفاعلة من إلصاق صفح الكف بالكف، وإقبال الوجه على الوجه)).
قلت: وفي بعض الأحاديث المشار إليها ما يفيد هذا المعنى أيضاً؛ كحديث
حذيفة مرفوعاً :
((إن المؤمن إذا لقي المؤمن، فسلّم عليه، وأخذ بيده فصافحه؛ تناثرت
خطاياهما كما يتناثر ورق الشجر)).
قال المنذري (٣ / ٢٧٠):
((رواه الطبراني في ((الأوسط))، ورواته لا أعلم فيهم مجروحاً)).
قلت: وله شواهد يرقى بها إلى الصحة؛ منها: عن أنس عند الضياء المقدسي
في ((المختارة)) (ق ٢٤٠ / ١ - ٢)، وعزاه المنذري لأحمد وغيره.
فهذه الأحاديث كلها تدلُّ على أن السنة في المصافحة الأخذ باليد الواحدة،
فما يفعله بعض المشايخ من التصافح باليدين كلتيهما خلاف السنة؛ فليعلم هذا.
الفائدة الثالثة: أن المصافحة تشرع عند المفارقة أيضاً، ويؤيِّده عموم قوله وليد:
((من تمام التحية المصافحة)).
وهو حديث جيد باعتبار طرقه، ولعلنا نفرد له فصلًا خاصّاً إن شاء الله تعالى.
ثم تتبّعت طرقه، فتبيَّن لي أنها شديدة الضعف، لا تصلح للاعتبار وتقوية
الحديث بها، ولذلك أوردته في ((السلسلة الأخرى)) (١٢٨٨).
ووجه الاستدلال - بل الاستشهاد - به إنما يظهر باستحضار مشروعية السلام
٥٢
۔۔

عند المفارقة أيضاً؛ لقوله {التر :
((إذا دخل أحدكم المجلس؛ فليسلم، وإذا خرج؛ فليسلم؛ فليست الأولى
بأحق من الأخرى)).
رواه أبو داود والترمذي وغيرهما بسند حسن.
فقول بعضهم: إن المصافحة عند المفارقة بدعة؛ مما لا وجه له.
نعم؛ إن الواقف على الأحاديث الواردة في المصافحة عند الملاقاة يجدها أكثر
وأقوى من الأحاديث الواردة في المصافحة عند المفارقة، ومن كان فقيه النفس؛
يستنتج من ذلك أن المصافحة الثانية ليست مشروعيتها كالأولى في الرتبة، فالأولى
سنة، والأخرى مستحبَّة، وأما أنها بدعة؛ فلا؛ للدليل الذي ذكرنا.
وأما المصافحة عقب الصلوات؛ فبدعة لا شك فيها(١)؛ إلا أن تكون بين اثنين
لم يكونا قد تلاقيا قبل ذلك؛ فهي سنة كما علمت.
مِنْ صَبْرِ الأنبياءِ على الابتلاءِ
١٧ - (إِنَّ نبيَّ اللهِ أَيُّوبَ جَ لَبِثَ بِهِ بَلَاؤُهُ ثَمان عَشْرَةَ سنةً، فَرَفَضَهُ
القريبُ والبعيدُ؛ إِلَّ رَجُلينِ من إِخوانِهِ كانا يَغْدُوانِ إِليهِ ویَروحانِ،
فقالَ أَحدُهما لصاحِبِه ذاتَ يومٍ : تَعْلَمُ واللهِ لِقَدْ أَذْتَبَ أَيُّوبُ ذنباً ما
أَذْنَبَهُ أَحدٌ مِن العَالَمينَ، فقالَ لهُ صاحِبُهُ: وما ذاكَ؟ قالَ: منذُ ثمان
عشرةَ سنةً لمْ يَرْحَمْهُ اللهُ فِيَكْشِفَ ما بهِ. فلمَّ راحا إِلى أَيُّوبَ؛ لم يصبِرِ
الرجلُ حتى ذَكَرَ ذُلكَ لهُ، فقالَ أَيُّوبُ: لا أَدْري ما تَقولانٍ؛ غيرَ أَنَّ اللهَ
(١) وقد صرَّح بذلك جماعة من العلماء، منهم العز بن عبدالسلام، وسنذكر نصَّ كلامه في
ذلك فى رسالتنا الرابعة من ((تسديد الإصابة)) إن شاء الله تعالى.
٥٣

تعالى يعلمُ أَنِّي كنتُ أَمُرُّ بالرَّجُلين يتنازعانِ، فيذكُرانِ اللهَ، فَأَرْجِعُ إِلى
بيتي، فأُكَفِّرُ عنهما؛ كراهِيَةَ أَنْ يُذْكَرَ اللهُ إِلَّ فِي حَقٍّ. قالَ: وكانَ
يخرُجُ إِلى حاجتِهِ، فإِذا قضى حاجَتَهُ، أَمْسَكَتْهُ امراتُهُ بيدِهِ حتى يَبْلُغَ،
فلمَّا كانَ ذاتَ يومٍ ؛ أبطأً عليها، وأُوحِيَ إِلى أَيوبَ أَنِ ﴿أَرْكُضْ
برجْلِكَ هُذا مُغْتَسَلٌ باردٌ وشَرابٌ﴾(١)، فاستَبْطَأَتْهُ، فَتَلَقَّتْهُ تنظرُ وقد
أَقبلَ عليها قد أَذهَبَ اللهُ ما بهِ مِن البلاءِ وهو أحسنُ ما كانَ، فلما رأَتَّهُ؛
قالتْ: أَيْ باركَ اللهُ فيكَ! هل رأَيْتَ نبيَّ اللهِ هذا المُبْتَلى؟ واللهِ على
ذلك؛ ما رأَيْتُ أَشْبَهَ منكَ إِذ كانَ صحيحاً! فقالَ: فإِنِّي أَنا هُو. وكانَ
لهُ أَنْدَرَانِ (أي: بيدَرانِ): أَنْدَرُ للقَمْحِ، وأَنْدَرُ للشَّعير، فبعَثَ اللهُ
سحابتَيْنِ، فلمَّا كانت إِحداهُما على أَنْدَرِ القمحِ ؛ أَفْرَغَتْ فِيهِ الذَّهَبَ
حتى فاضَ، وأَفرغتِ الأخْرى في أَنْدَرِ الشَّعيرِ الوَرِقَ حتى فاضَ).
رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (١ / ١٧٦ - ١٧٧)، والبزار (٥٣٥٧ - كشف)، وأبو
نعيم في ((الحلية)) (٣ / ٣٧٤ - ٣٧٥) من ثلاث طرق عن سعيد بن أبي مريم: ثنا
نافع بن يزيد: أخبرني عقيل عن ابن شهاب عن أنس بن مالك مرفوعاً، وقال:
((غريب من حديث الزهري، لم يروه عنه إلا عقيل، ورواته متَّفق على
عدالتهم، تفرد به نافع)).
قلت: وهو ثقة كما قال، أخرج له مسلم، وبقية رجاله رجال الشيخين؛
فالحديث صحيح .
(١) ص: ٧٤ .
٥٤

وقد صححه الضياء المقدسي، فأخرجه في ((المختارة)) (٢٢٠ / ٢ - ٢٢١ /
٢) من هذا الوجه، ورواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٢٠٩١)، وابن عساكر في ((تاريخ
دمشق)) (٣ / ٢٥١ - ٢٥٢) من طريقين عن ابن وهيب: أنبأنا نافع بن يزيد.
وهذا الحديث مما يدل على بطلان الحديث الذي في ((الجامع الصغير))
بلفظ :
((أبى الله أن يجعل للبلاء سلطاناً على عبده المؤمن)).
وسيأتي تحقيق الكلام عليه في ((الأحاديث الضعيفة)) (٤٧١) بإذنه تعالى .
ماذا يقولُّ إِذَا مَرَّبِغْ كافِ؟
١٨ - (حيثُمَا مَرَرْتَ بقبرٍ كافٍ؛ فبَشِّرْهُ بِالنَّارِ).
رواه الطبراني (١ / ١٩ / ١): حدثنا علي بن عبد العزيز: نا محمد بن أبي
نعيم الواسطي: نا إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه قال:
جاء أعرابي إلى النبي وَلّ، فقال: إن أبي كان يصل الرحم، وكان، وكان؛
فأين هو؟ قال: ((في النار)). فكأن الأعرابي وجد من ذلك، فقال: يا رسول الله! فأين
أبوك؟ قال: (فذكره). قال: فأسلم الأعرابي بعدُ، فقال: لقد كلَّفني رسول الله وَل
تعبأً: ما مررتُ بقبرٍ كافٍ؛ إلا بشرتُه بالنار.
قلتُ: وهذا سند صحيح، رجاله كلهم ثقات معروفون، وطَرْحُ ابن معين
لمحمد بن أبي نعيم لا يُلتفت إليه بعد توثيق أحمد وأبي حاتم إياه، ولا سيما أنه قد
توبع في إسناده :
أخرجه البزار (١ / ٦٤ - ٦٥)، والضياء في ((المختارة)) (١ / ٣٣٣) من طريقين
عن زيد بن أخزم: ثنا يزيد بن هارون: نا إبراهيم بن سعد به، وقال:
٥٥

((سئل الدارقطني عنه؟ فقال: يرويه محمد بن أبي نعيم والوليد بن عطاء بن
الأغر عن إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عامر بن سعد، وغيره يرويه عن إبراهيم بن
سعد عن الزهري مرسلاً، وهو الصواب. قلت: وهذه الرواية التي رويناها تقوِّي
المتصل)).
قلت: وزيد بن أخزم ثقة حافظ، وكذلك شيخه يزيد بن هارون؛ فهي متابعة
قوية لابن أبي نعيم الواسطي، تشهد لصدقه وضبطه.
لكن قد خولف زید بن أخزم في إسناده، فقال ابن ماجه (رقم ١٥٧٣): حدثنا
محمد بن إسماعيل بن البختري الواسطي: ثنا يزيد بن هارون عن إبراهيم بن سعد
عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: جاء أعرابي ... (الحديث بتمامه).
وهذا إسناد ظاهره الصحة، ولذلك قال في ((الزوائد)) (ق ٩٧ / ٢):
((إسناده صحيح، رجاله ثقات؛ محمد بن إسماعيل وثقه ابن حبان والدارقطني
والذهبي، وباقي رجال الإِسناد على شرط الشيخين)).
قلت: لكن قال الذهبي فيه :
((لكنه غلط غلطة ضخمة)).
ثم ساق له حديثاً صحيحاً زاد فيه: ((الرمي عن النساء))، وهي زيادة منكرة، وقد
رواه غيره من الثقات فلم يذكر فيه هذه الزيادة، وأقره الحافظ ابن حجر على ذلك.
قلت: فالظاهر أنه أخطأ في إسناد هذا الحديث أيضاً، فقال فيه: ((عن سالم
عن أبيه))، والصواب: عن عامر بن سعد عن أبيه؛ كما في رواية ابن أخزم وغيره.
وقد قال الهيثمي في ((المجمع)) (١ / ١١٧ - ١١٨) بعد أن ساقه من حديث
سعد :
((رواه البزار، والطبراني في ((الكبير))، ورجاله رجال الصحيح)).
ثم وقفت على إسناد البزار في كتابه ((البحر الزخَّار))، فقال (٣ / ٢٩٩ /
٥٦

١٠٨٩): حدثنا زيد بن أخزم ومحمد بن عثمان بن مخلد؛ قالا: نا يزيد بن هارون
بسنده المتقدم .
من فقه الحديث:
وفي هذا الحديث فائدة هامة أغفلتها عامة كتب الفقه، ألا وهي مشروعية تبشير
الكافر بالنار إذا مرَّ بقبره، ولا يخفى ما في هذا التشريع من إيقاظ المؤمن، وتذكيره
بخطورة جرم هذا الكافر، حیث ارتکب ذنباً عظيماً تهون ذنوب الدنيا كلها تجاهه ولو
اجتمعت، وهو الكفر بالله عز وجل والإِشراك به، الذي أبان الله تعالى عن شدَّةٍ مقته
إياه حين استثناه من المغفرة فقال:
﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَنْ يَشاءُ﴾(١).
ولهذا قال ◌َئية :
((أكبر الكبائر أن تجعل لله ندّاً وقد خلقك)).
متفق عليه .
وإن الجهل بهذه الفائدة مما أدى ببعض المسلمين إلى الوقوع في خلاف ما
أراد الشارع الحكيم منها؛ فإننا نعلم أن كثيراً من المسلمين يأتون بلاد الكفر لقضاء
بعض المصالح الخاصة أو العامة، فلا يكتفون بذلك، حتى يقصدوا زيارة بعض قبور
من يسمُّونهم بعظماء الرجال من الكفار! ويضعون على قبورهم الأزهار والأكاليل،
ويقفون أمامها خاشعين محزونين؛ مما يُشْعِر برضاهم عنهم، وعدم مقتهم إياهم؛ مع
أن الأسوة الحسنة بالأنبياء عليهم السلام تقضي خلاف ذلك؛ كما في هذا الحديث
الصحيح، واسمع قول الله عز وجل:
﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيْمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ
ومِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدَا بَيْننا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبداً ﴾ الآية(٢).
(١) النساء: ٤٨ و١٣١.
(٢) الممتحنة : ٤.
٥٧

هذا موقفهم منهم وهم أحياء، فكيف وهم أموات؟!
وروى البخاري (١ / ١٢٠ - طبع أوروبا)، ومسلم (٨ / ٢٢١)، والنسائي في
((الكبرى)) (٦ / ٣٧٣ / ١١٢٧٠)، وابن حبان (٦١٦٦ - ٦١٧٠)، والحميدي (رقم
٦٥٣)، وعبدالرزاق (٦ / ٤١٥ / ١٦٢٥) عن ابن عمر أنه ومؤ* قال لهم لما مر
بالحجر:
١٩ - (لا تَدْخُلوا على هؤلاءِ القَوْمِ المُعَذَّبِينَ؛ إِلَّ أَنْ تَكُونوا
باكِينَ، فإِنْ لَمْ تَكُونوا باكِينَ؛ فلا تَدْخُلوا عليهِم؛ أَنْ يُصيبَكُم ما
أَصابَهُم، [وتَقَنَّعَ بردائِهِ وهُو على الرَّحلِ ]).
ورواه أحمد (٢ / ٩ و٥٨ و٦٦ و٧٢ و٧٤ و٩١ و٩٦ ١١٣ و١٣٧)، والزيادة له
في روايته، وكذا ابن حبان .
وقد ترجم لهذا الحديث صديق خان في ((نزل الأبرار)) (ص ٢٩٣) بـ ((باب
البكاء والخوف عند المرور بقبور الظالمين وبمصارعهم، وإظهار الافتقار إلى الله
تعالى، والتحذير من الغفلة عن ذلك)).
أسأل الله تعالى أن يفقُّهنا في ديننا، وأن يلهمنا العمل به؛ إنه سميع مجيب.
مِنَ الرَّفْقِ بِالحَيَوانِ
٤
٢٠ - (أَفلا تَتَقي اللهَ في هذهِ البَهِيمَةِ التي مَلْكَكَ اللهُ إِيَّاها؟! فإنَّهُ
شَكَا إِلَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وتُدْئِبُهُ).
رواه أبو داود (١ / ٤٠٠)، والحاكم (٢ / ٩٩ - ١٠٠)، وأحمد (١ / ٢٠٤ -
٢٠٥)، وأبو يعلى في ((مسنده)) (٣١٨ / ١)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (٦ / ٢٦)،
٥٨

وابن عساكر في ((تاريخه)) (٩ / ٢٨ / ١)، والضياء في ((الأحاديث المختارة)) (١٢٤
- ١٢٥) من طريق محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب عن الحسن بن سعد مولى الحسن
ابن علي عن عبدالله بن جعفر قال:
أردفني رسول اللـه وَّ خلفَه ذات يوم، فأسرَّ إليَّ حديثاً لا أحدِّث به أحداً من
الناس، وكان أحبَّ ما استتربه رسول الله وَّ لحاجته هدفٌ أو حائش النخل، فدخل
حائطاً لرجل من الأنصار، فإذا جمل، [فلما رأى النبي ◌َّ؛ حنَّ وذرفت عيناه، فأتاه
النبي ◌َّر، فمسح سراته إلى سنامه وذفراه، فسكن]، فقال: ((مَن ربُّ هذا الجمل؟
لمن هذا الجمل؟))، فجاء فتى من الأنصار، فقال: لي يا رسول الله! فقال: (فذكر
الحديث). وقال الحاكم :
((صحيح الإِسناد)).
ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، بل إنهما قد قصَّرا؛ فإنه على شرط مسلم؛ فقد
أخرجه في ((صحيحه)) (١ / ١٨٤ - ١٨٥) بهذا الإِسناد دون قصة الجمل.
وذكر النووي في ((رياض الصالحين)) (ص ٣٧٨) أن البرقاني رواه بإسناد مسلم
بتمامه، وكأنه لهذا قال ابن عساكر عقبه :
((رواه مسلم))؛ يعني : أصله لا بتمامه .
والزيادة التي بين القوسين لابن عساكر والضياء.
(تُدْئِبِه): تُكِدُّه وتّتْعِبُهُ؛ كما في ((النهاية)).
٢١ - (ارْكُبُوا هذهِ الدَّوابَّ سالمةً، وايْتَدِعوها سالمةً، ولا
تَتَّخِذوها کَراسِيَّ).
أخرجه ابن حبان (٢٠٠٢ - موارد)، والحاكم (١ / ٤٤٤ ٢ / ١٠٠)،
والبيهقي (٥ / ٢٢٥)، وأحمد (٣ / ٤٤٠ ٤ / ٢٣٤)، وابن قانع في ((معجم
الصحابة))، وابن عبدالحكم في ((فتوح مصر)) (٢٩٦)، وابن عساكر (٣ / ٩١ /١)
٥٩

عن الليث بن سعد عن يزيد بن حبيب عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه - وكانت له
صحبة - مرفوعاً. وقال الحاكم:
((صحيح الإِسناد)).
ووافقه الذهبي، وهو کما قالا ؛ فإن رجالہ کلھم ثقات، وسهل بن معاذ لا بأس
به في غير رواية زبان عنه، وهذه ليست منها .
وقد أخرجه أحمد (٣ / ٤٣٩ و٤٤٠) من طريق ابن لهيعة: ثنا زبان عن سهل
به، وزاد :
((فربَّ مركوبة خير من راكبها، وأكثر ذكراً لله منه)).
وهذه الزيادة ضعيفة؛ لما عرفت من حال راويه زبان عن سهل، ولا سيما أن
فيه ابن لهيعة، وهو ضعيف أيضاً.
ولا تغترَّ بقول الهيثمي (٨ / ١٠٧) عقب هذه الرواية بهذه الزيادة:
((رواه أحمد والطبراني، وأحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح؛ غير سهل
ابن معاذ بن أنس؛ وثقه ابن حبان، وفيه ضعف)).
فإن السند الذي ينطبق عليه هذا الكلام إنما هو سند الرواية الأولى التي ليس
فيها هذه الزيادة، فتنبه .
وقوله: (وايْتَدِعوها)؛ أي : اتركوها ورقّهوا عنها إذا لم تحتاجوا إلى ركوبها، وهو
افتعل من وَدُعَ - بالضم - وداعةً ودعةً؛ أي: سكن وترفه، وايتدع، فهو متّدع؛ أي :
صاحب دعة، أو من وَدَع إذا ترك؛ يقال: اتَّدع وايتدع على القلب والإِدغام والإِظهار.
كذا في ((النهاية)) و((لسان العرب))، ومنه يتّضح أن قوله: ((وايتدعوها)) صواب؛ خلافاً
لظن أحد المصححين الفضلاء، فاقتضى التنبيه. والله الموفق.
(تنبيه): وقع خطأ مطبعي فاحش في ((تفسير ابن كثير)) (٣ / ٤٢)، فإنه ساق
٦٠