النص المفهرس
صفحات 1-20
مِاللَّهِ الرّحمنِ الرَّحْمِ 3 مقدمة الطبعة الجديدة : الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والصلاة والسلام على رسولنا محمد الذي بحديثه وسننه الصحیحة اهتدينا، المخاطب بقوله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾(١)، وعلى آله وصحبه الغر الميامين، الذين أثنى الله عليهم بقوله: ﴿والسَّابِقونَ الأوَّلونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصَارِ والَّذينَ اتَّبَعوهُمْ بإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ خالِدينَ فيها أبداً ذلك الفَوْزُ العَظيمُ﴾(٢)، وعلى من اقتدى بهم وسار على منهجهم إلى يوم الدين. أما بعد؛ فبين يدي القراء الكرام الطبعة الجديدة من المجلد الأول من كتابي ((سلسلة الأحاديث الصحيحة))، وتمتاز هذه الطبعة على سابقاتها - كما هي العادة في الطبعات الجديدة لسائر كتبي - بفوائد جديدة، وتحقيقات عديدة، وبردود قوية على بعض المعتدين على هذا العلم (١) الشورى: ٥٢. (٢) التوبة: ١٠٠ . الشريف، الذين يصدق فيهم المثل المعروف: ((تزبب قبل أن يتحصرم))؛ لأنهم جهلة بهذا العلم أولاً، ثم هم لا يقيمون وزناً للعارفين به من العلماء قديماً وحديثاً ثانياً، وقد ينضم إلى ذلك حقد دفين، وإعجاب بالرأي مهلك ثالثاً، لسان حال أحدهم يقول: ((يا أرض اشتدي، ما عليك أحد قدي))! كما يقال في بعض البلاد! وبين يدي الآن جزء صغير بعنوان ((الأحاديث الضعيفة في سلسلة الأحاديث الصحيحة)) للمدعو رمضان محمود عيسى، الناشر: دار الفكر - الخرطوم، انتقد من هذا المجلد من ((السلسلة الصحيحة)) اثني عشر حديثاً، لم أر في نقده إياها شيئاً من العلم والفهم يستفاد منهم، وإنما هو يلوك بعض القواعد العلمية يركن إليها، وهو لم يعها، أو لم يفهمها فهماً جيداً. وطريقته في النقد أنه ينقل كلامي وتخريجي للحديث، ثم يعقب عليه ناقداً بجهله وهواه، تحت عنوان (التعليق)، ثم يبدي رأيه الفج في تضعيف الحديث، يختلف ذلك عنه باختلاف نوعية الحديث: فهو تارة يضعف الراوي الثقة بقول من قال: ((يروي المناكير عن فلان)) (ص ١٧)، وهذا لا يعني التضعيف المطلق في اصطلاح العلماء؛ فهو ليس كمن قيل فيه: ((منكر الحديث)). وتارة يجهل أن قول الصحابي: ((من السنة كذا))؛ أنه في حكم المرفوع (ص ٣٤)، فضعف بذلك الحديث الآتي برقم (٢٢٩)، كما أنه لا يقيم وزناً مطلقاً لعمل الصحابة به، وهذا من كمال جهله وقلة تقديره لثناء ٢ الله عليهم؛ كما تقدم في افتتاحية هذه المقدمة. ثم هو في الغالب يضعف بقية الأحاديث بضعف مفردات طرقها، وهو بذلك يعني أنه لا يعتد بقول العلماء: إن الحديث الضعيف يتقوَّى بكثرة الطرق ما لم يشتد ضعفها. وإليكم مثالاً واحداً من تلك الأحاديث التي جار عليها وضعفها، وهو الحديث الأول عنده، والآتي برقم (١٠٩): قال (ص ٩) بعد أن نقل تخريجي إياه واستفاد منه عللَ طرقه: ((والحديث بها ضعيف؛ لأنه فقد في الأول والثاني والثالث والرابع شرط العدالة، وفي الخامس شرط الاتصال، ومما هو معلوم لدى علماء المصطلح أن طرق الكذابين والمتروكين والمجاهيل والأسانيد المنقطعة لا يقوي بعضها بعضاً، ولو كانت مئة طريق، والله أعلم)). وهذا الكلام وحده ينبىء من كان على شيء من المعرفة بهذا العلم أنه جاهل لا يستحق المناقشة؛ لأنه سوَّى فيه بين طرق الكذابين والطرق الأخرى التي هي دونها في الضعف، وهذا مع كونه خطأ في نفسه؛ فهو افتراء على العلماء؛ لأنهم يفرقون بين ما خف ضعفه فيقوى الحديث بمثله، وبين ما اشتد ضعفه، وعلى هذا التفريق جرينا منذ فقّهنا الله تبارك وتعالى هذا العلم، وعلى هذا الأساس بنیت صحة هذا الحديث؛ لأن أکثر طرقه ليس فيها ضعف شديد، لا سيما وقد وقفت على طريق أخرى عن مجاهد بإسناد رجاله ثقات، وصححه الحافظ ابن حجر، فألحقته بالطرق الأخرى تقوية لها كما سترى في هذه الطبعة إن شاء الله، وذلك من ٣ فوائدها . وقد يتساءل بعض القراء الألباء، فيقول: ما الذي يحمل هؤلاء الجهلة على الرد على الألباني، وقد وضع الله له القبول في الأرض - بإذنه تعالى -، وانتفع بكتبه ومؤلفاته من شاء الله من العلماء وطلاب العلم؟ فأقول: هناك أسباب أهمها - أو من أهمها - الحسد، مصداق قوله وَله: «دبَّ إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة، أما إني لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين))(١). وبعض هؤلاء الذين ينتصبون للرد عليّ يكاد أحدهم يفصح عن هذا السبب بقلمه؛ فهذا صاحب الجزء المردود عليه يذكر في مقدمته أن أحد إخوانه(٢) اقترح عليه أن يراجع ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) للشيخ محمد ناصر الدين الألباني؛ قال: ((لأن فيها أحاديث ضعيفة، والناس يأخذونها بثقة تامة على أنها محقّقة وصحيحة ... ))! ومن تلك الأسباب الخلاف الفكري أو المذهبي، وحب الظهور. وقد تتوفر هذه الأسباب كلها في بعض الرادين عليّ؛ كذا المدعو بـ (حسن السقاف)؛ فإنه لم یکن أحد يسمع باسمه من قبل، فوصل بذلك (١) حديث حسن. ((تخريج مشكلة الفقر)) (٢٠ / التحقيق الثاني). (٢) قلت: وأنا أخشى أن يكون هو الناشر؛ فقد عهدنا أحدهم يتستر ببعضهم، فيدفعهم إلى الرد علي لضغينة في قلبه، نسأل الله السلامة. ٤ إلى ما يريده من الظهور، ولو على حساب الطعن في السنة وأهلها، ومن العجيب أنه يتظاهر أنه صوفي، والصوفية على خلافه؛ فإن من مذهبهم الخمول لا الظهور، حتى قال أحد قدمائهم: ((كن ذنباً ولا تكن رأساً))! وهو إلى ذلك خلفي العقيدة، معتزلي النزعة، ينكر الصفات الإلهية، ويرمي المؤمنين بها من الأئمة وأتباعهم - وأنا منهم والحمد لله - في تعليقاته التي سوَّدها على كتاب ابن الجوزي ((دفع شبه التشبيه))، ويكذب عليهم أنواعاً من الأكاذيب لو استقصيت لكان من ذلك كتاب في مجلد؛ فهو يقول - على سبيل المثال - (ص ١١٤) من تعليقاته : ((ندم الحافظ ابن خزيمة على تأليفه كتابه («التوحيد)) أخيراً؛ كما روى ذلك الحافظ البيهقي في ((الأسماء والصفات)) (ص ٢٦٧))). وهذا كذب مزدوج؛ لأن ابن خزيمة لم يندم البتة، ولأن البيهقي لم ينسب ذلك إليه، وكيف يعقل أن يندم الحافظ ابن خزيمة على ((توحيده)) وهو الإِيمان المحض؟! بل كيف يعقل أن ينقل ذلك الحافظ البيهقي؟! سبحانك هذا بهتان عظيم من أفاك أثيم. وأنت أيها القارىء الكريم! إن رجعت إلى الصفحة المذكورة من ((الأسماء والصفات))؛ لم تجد فيها الندم المفترى، وإنما فيها اعتراف ابن خزيمة بأنه لا يحسن علم الكلام، في قصة رواها البيهقي إن صحت؛ فإن أبا الفضل البطاييني لم أعرفه، ولا ذكره السمعاني في هذه النسبة؛ فالله أعلم به، ومع ذلك فإني أقول: ٠ إن الاعتراف المذكور من ابن خزيمة - إن صح عنه - لا يعيبه كما ٥ يظن ذلك الجاهل المغرض، بل هو مما يرفع من شأنه، ویزید من فضله؛ فإن له في ذلك الأسوة الحسنة بالسلف الصالح والأئمة الأربعة ومن تبعهم بإحسان، وليس منهم يقيناً علماء الكلام، كيف وهم القائلون: ((علم السلف أسلم، وعلم الخلف أعلم وأحكم))(١)؟! وهذا هو الكفر بعينه لو كانوا يعلمون، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقولونَ إِلَّ كَذِباً﴾(٢). كيف لا ورسول الله صل على رأس السلف الذين غمزوا من علمهم! وليس الآن مجال ضرب الأمثلة التي خالفوا فيها سلف الأمة، ولكن يكفي المسلم الموفق أن يعلم أنهم وافقوا المعتزلة والخوارج في كثير من ضلالاتهم، من ذلك قولهم بأن القرآن كلام الله مخلوق، لكنهم لا يصرحون تصريح المعتزلة، بل يقولون - تقية -: كلام الله، غير مخلوق))! ثم يتأولونه بالكلام النفسي الذي لا يسمع! ولكنه يفهم! فعطلوا بذلك صريح قوله تعالى لكليمه موسى عليه السلام: ﴿فَاسْتَمِعْ لِما يُوحِى﴾(٣)، فجعلوا الكلام الإِلهي هو العلم الإِلهي (٤)، فعطلوا صفة الكلام، ولكن باللف والدوران! تماماً كما فعل المعتزلة - أو بعضهم - بصفة السمع والبصر، فقالوا: إن المراد: العلم (٥)! فعطلوا بذلك صفتي السمع والبصر كما عطلوا صفة (١) انظر ((حاشية الباجوري)) (ص ٥٥). وانظر إبطال هذه الخرافة في مقدمتي لكتابي ((مختصر العلو)) (ص ٣٤ - ٣٦). (٢) الكهف: ٥. (٣) طّه: ١٣. (٤) وهو مذهب الكوثري الجهمي، كما صرح في ((مقالاته)) (ص ٢٧)، شيخ ذاك الجاهل الباغي السقاف. (٥) انظر مقدمتي لكتابي ((مختصر العلو)) (ص ٢٦). ٦٠ الكلام، فإن لم يكن هذا هو التعطيل؛ فليس في الدنيا تعطيل. ولوضوح بطلان علم الكلام تاب منه جمع من أفاضل علمائهم(١)؛ مثل الشيخ العلامة أبي محمد عبدالله بن يوسف الجويني والد إمام الحرمين رحمهم الله، ورسالته في إثبات الاستواء والفوقية والحرف والصوت في القرآن المجيد، من أقوى الأدلة على ذلك؛ فقد كتبها نصيحة لأخوانه في الله، بَيَّن لهم فيها سبب تراجعه عن الأشعرية إلى السلفية، وهي مفيدة جدّاً لمن كان يرجو الله واليوم الآخر؛ فلتراجع في ((مجموعة الرسائل المنيرية)) (١ / ٥٧٠ - ٥٨٧). ولقد جرى على سننه ابنه إمام الحرمين؛ في التوبة والرجوع إلى مذهب السلف؛ كما حكى ذلك عنه غير واحد من العلماء، منهم الحافظ ابن حجر العسقلاني؛ فقد نقل في ((الفتح)) (١٣ / ٣٥٠) عنه أنه لم يستفد من علم الكلام إلا الحيرة، ولذلك قال: ((والآن؛ فقد رجعت واعتقدت مذهب السلف)). وقال عند موته ناصحاً لأصحابه كما فعل أبوه من قبل : ((يا أصحابنا! لا تشتغلوا بالكلام؛ فلو عرفت أنه يبلغ بي ما بلغت؛ ما تشاغلت به)). وإذا أردت أيها القارىء الكريم أن ترى أثراً من آثار علم الكلام الخطيرة، والمنافية للنقل الصحيح والعقل الصريح؛ فاقرأ كتب الكوثري (١) انظر المصدر السابق (ص ٢٧). ٧ ومن جرى مجراه، كذاك التلميذ السقاف، فسوف ترى ما يزيدك بصيرة وقناعة بأن الذي يتعلمونه منهم إنما ﴿يَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ ولا يَنْفَعُهُمْ﴾(١)، بل هو الكفر بعينه إذا التزموه، ولا أدل على ذلك من اتفاقهم على إنكار صفة العلو لله العلي القطعية الثبوت القطعية الدلالة؛ لتواترها في الكتاب والسنة وأقوال السلف والأئمة، محكمين فيها عقولهم العفنة، ومن ثم فقد اختلفوا : فمنهم - كالإِباضية والمعتزلة (٢) - من قال: إنه في كل مكان! ولازمه القول بالحلول أو وحدة الوجود كما هو عقيدة غلاة الصوفية! ومنهم من يقول: إنه لا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا يسار، ولا أمام ولا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه! ولقد سمعت هذا من بعض المشايخ في دمشق في خطبة الجمعة !! وأغرق بعضهم في التعطيل، فقال: لا متصلاً به، ولا منفصلاً عنه !! وهذا لعمر الله هو الكفر والجحد للوجود الإِلهي؛ فإنه لو قيل لأفصح العرب بياناً: صف لنا المعدوم الذي لا وجود له؛ لما استطاع أن يصفه بأكثر من هذا الذي وصف هؤلاء به ربهم !! (١) البقرة: ١٠٢. (٢) يثني السقاف على الإِباضية وكتابهم ((مسند الربيع))، ويوافقهم على تسميتهم إياه بـ ((الجامع الصحيح)) معارضة منهم لـ ((صحيح البخاري))، وهي زور؛ لكثرة الأحاديث الموضوعة فيه، ارتضى بعضها السقاف (ص ١٢٥)، ويصف الربيع بـ (الإِمام)! انظر ((الضعيفة)) (٦٣٣١)، ويصرح (ص ١٢٧) بأنه يوافق المعتزلة في تفسيرهم (الاستواء) بالاستيلاء! ويرد على أبي الحسن الأشعري لأنه رد ذلك عليهم !! ٠ ٨ وهذا الجحد هو الذي وقع فيه هذا الجاهل المتعالم الطاعن في أئمة السلف، والمفتري على أهل السنة شتى الافتراءات، فقال في رسالته المزعومة ((التنديد لمن عدد التوحيد)) (ص ٥٠): ((صرح أهل السنة والجماعة بأن الله سبحانه لا يوصف بأنه خارج العالم ولا داخله)). وكرر هذا في رسالة أخرى له أسماها كذباً وزوراً: ((عقيدة أهل السنة)) (ص ٢٦). قلت: فلينظر المسلم في هذا الوصف: هل هو وصف لموجود أم المعدوم؟! ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمَّا يَقولونَ عُلُوّاً كبيراً﴾(١). ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فإنه أصاب كبد الحقيقة حين وصف هؤلاء النفاة المعطلة ومعارضيهم من المشبهة بقوله : ((المشبه يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً، المشبه أعشى، والمعطل أعمى))! والحق الذي عليه السلف والأئمة: إثبات الصفات بدون تشبيه، وتنزيه بدون تعطيل. ومن اللطائف التي وقعت لبعض الأمراء العقلاء أنه لما سمع ذلك الوصف المعطل من بعض المشايخ المجادلين بالباطل؛ قال: ((هؤلاء قومٌ أضاعوا ربَّهم))! (١) الإِسراء: ٤٣. ٩ ويبدو لي أن ذلك الجاهل الطاعن في السلف شعر بخطورة الوصف المذكور، وأنه مرفوض نقلاً وعقلاً؛ لذا لجأ إلى التدليس على القراء بعبارة أخرى تؤدي الغرض الكمين في نفسه دون أن ينتبه له عامة قرائه، فقال في تعليقه له على كتاب ابن الجوزي المتقدم (ص ١٢٧): ((وهنا أمر مهم جدّاً، وهو أننا لا نقول بأن الله موجود في كل مكان ألبتة، بل نكفر من يقول ذلك، ونعتقد أن الله سبحانه موجود بلا مكان؛ لأنه خالق المكان)»! فأقول: هذا تصريح منك يناقض تصريحك السابق: أن الله تعالى ليس بخارج العالم، وذلك أنه لا مكان خارج العالم، فإن كنت صادقاً في قولك هذا؛ فقد اهتديت ورجعت إلى عقيدة السلف التي كنت ولا تزال - فيما نعلم - تتهم من دان بها بالكفر والتجسيم؛ مثل ابن تيمية وغيره كمثلي، وإلا قرأنا عليك قول الحق: ﴿فَيْل للَّذِينَ كَفروا مِنَ النَّارِ﴾(١)؛ مذكِّرين بالمثل العامي : من كان بيته من زجاج؛ فلا يرم الناس بالحجارة! وإن من تلك الآثار السيئة لعلماء الكلام والمتأثرين بفلسفتهم كذاك السقاف المغرور بهم: أنهم لا يقيمون وزناً لجهود أئمة الحديث وعلمائهم ونقادهم؛ فإنهم يسلطون أهواءهم على ما صححوا من الأحاديث أو ضعفوا، فما راق لهم منها قبلوه واحتجوا به، ولو كان ضعيفاً، وإلا رفضوه ولو كان صحيحاً !! وهذا ظاهر جدّاً في المتقدمين منهم والمتأخرين، وأوضح مثال على ذلك الشيخ الكوثري، وعبدالله الغماري؛ فقد ضعفوا (١) صّ: ٢٧. ١٠ حديث الجارية الذي فيه سؤاله وسلم: ((أين الله؟)). قالت: في السماء: قال وَالخلية: ((أعتقها فإنها مؤمنة))، وتبعهم على ذلك ذاك الهالك في تقليدهم؛ السقاف! بل إنه زاد عليهم طغياناً وغروراً، فقال في ((تعليقه على دفع شبه التشبيه)) (ص ١٠٨): ((ونحن نقطع بأن النبي ◌َّ لم يقل: أين الله))! وقال (ص ١٨٨): ((ذاك اللفظ المستشنع))! يقول المستهتر هذا وهو يعلم أن الحديث متّفق على صحته عند علماء المسلمين، متلقى بالقبول خلفاً عن سلف، واحتج به كبار الأئمة؛ كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وصححه مسلم وأبو عوانة وابن الجارود وابن خزيمة وابن حبان، ثم تبعهم على ذلك جماعة من الحفاظ - وبعضهم من المتأولة - كالبيهقي والبغوي وابن الجوزي والذهبي والعسقلاني وغيرهم . فماذا يقول المسلم العاقل في جاهل جاحد مكابر يخالف هؤلاء الأئمة والحفاظ؟! ويستشنع لفظ النبي ◌َّ# الذي صححوه !! بل ويصف الذين يرددون هذا اللفظ النبوي (ص ١٨٧) بـ (المجسمة)، بل ويصف فضيلة الشيخ ابن باز لأنه انتصر في تعليقه على ((الفتح)) (١ / ١٨٨) لعقيدة استواء الله على عرشه، وأنه يجوز السؤال بـ (أين الله؟)، فيقول مشيراً للشيخ حفظه الله : ((ولا عبرة بكلام المعلق عليه - ((الفتح)) - البتة؛ لأنه لا يعرف ١١ التوحيد، فليخجل بعد هذا من يدعو الناس إلى عقيدة ((الله في السماء)) ولیتب)) !! وبالجملة؛ فهو جهمي جلد، ينكر معاني آيات الصفات بطريق التأويل والتعطيل، كما فعل بآيات الاستواء، وينكر أحاديث الصفات الصحيحة بادعاء ضعفها ومخالفة علماء الحديث والجرح والتعديل، كهذا الحديث ونحوه كثير؛ فهو يضعف قوله وسلم: ((رأيت ربي في أحسن صورة))، ويفتري في تخريجه على بعض الأئمة، كما يضعف أحاديث اليدين والقبضة والأصابع والضحك وغيرها، فلعل بعض إخواننا يتفرغون له، ویکشفون للناس جهله وضلاله وعواره، كفى الله المؤمنين شروره. إذا عرفت أيها القارىء الكريم ما سبق من البيان لحال هذا الإِنسان - وهو قل من جل - ينكشف لك سبب حمله وطعنه على أتباع السنة وأئمتها والداعين إليها والذابين عنها، فلا يكاد يخلو صفحة من صحائف ما سوَّده من غمزه ولمزه، وقد خصَّني بقسط وافر منه، فلا يكاد يذكرني إلا وهو يصفني بـ (المجسم) و (المتناقض) !! مقروناً بالزور والكذب، الأمر الذي يدل دلالة قاطعة على أنه يحمل في قلبه ﴿غِلًا للَّذِينَ آمَنوا﴾! وأنه دبَّ إليه داء الأمم من قبلنا: البغضاء والحسد، هي الحالقة: حالقة الدين والعياذ بالله، إلى جهل بالغ بطرق نقد الأحاديث وتصحيحها. ولا أدل على ذلك من كتابه الذي أسماه بـ ((تناقضات الألباني))! فإنه يطفح حقداً وجهلاً وغروراً، مما ذكرني ببعض أشراط الساعة التي منها قوله رَله: ((وينطق فيها الرُّوَيْضَة)). قيل: وما الرويبضة؟ قال: ((الرجل التافه ١٢ ٠ (وفي طريق: السفيه) (١) يتكلم في أمر العامة)). ولست الآن في صدد الرد عليه؛ فهو أتفه عندي وأحقر من أن أضيع في ذلك وقتي، ولكن لا بدَّ لي هنا من كلمات مختصرات بقدر الإمكان، تتلاءم مع هذه المقدمة، فأقول: أولاً: الكتاب مشحون بالافتراءات والأكاذيب - كعادته في كل ما يسود -؛ فهاك مثالاً واحداً يغنيك عن غيره، قال في مقدمته (ص ٤): (وغير خاف أن الشیخ يعد نفسه وكذا من فتن به أنه وحید دهره وفريد عصره، وأن كلامه لا يجوز الاستدراك عليه، وأنه فاق السابقين في الوقوف على أطراف الحديث وزياداته وتمحيصها ... )) إلخ هرائه. وليس لي ما أقوله تجاه هذه الفرية ذات القرون سوى ﴿سُبْحَانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾(٢) وإثم مبين، لا يصدر إلا ممن لا يؤمن بمثل قول رب العالمين: ﴿ومَنْ يَكْسِبْ خَطيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْم بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وإِثْماً مُبيناً﴾(٣)؛ فإن ما يطبع مجدداً من كتبي، وما أصرح به في كثير منها حتى في مقدماتي؛ لتستأصل شأفة فريته هذه استئصالاً، وتصفع بها وجهه الكالح صفعاً، مثل قولي في مقدمة الطبعة الثامنة من كتابي ((صحيح الكلم الطيب)) (ص ٩): (١) أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٨ / ٦٧ / ١٢٣ - ١٢٤) بإسنادين أحدهما متصل صحيح أو حسن على الأقل، والرواية الأولى مخرجة في ((الصحيحة)) المجلد الرابع (رقم ١٨٨٧) من حديث أبي هريرة وأنس. (٢) النور: ١٦. (٣) النساء: ١١٢. ١٣ ((حذفنا أربعة أحاديث تبين لي أنها ليست من شرطنا ... والثاني منها كان قد راجعني فيه بعض إخواننا الطلاب كتابيّاً وشفهيّاً؛ فلهم الفضل والشكر». ومثله ما تراه في مقدمة الطبعة الجديدة للمجلد الأول من ((الضعيفة)) في الرد على أمثال هذا الباهت من جهة، وبيان سبب التراجع عن بعض الآراء والأحكام الذي يعتبره هذا الظالم تناقضاً من جهة أخرى، فراجعها؛ فإنها مهمة جدّاً. ومثله ... ومثله ... مما يصعب حصره. ثم إننا نقول لك: ما هو الفرق بين اتهامك هذا وبين ما لو قال لك قائل : إنك ــ دون شك أو ريب - دسيس بين المسلمين، ومن أعداء الإِسلام كاليهود أو غيرهم؛ لإِفساد عقائدهم، وإيقاع البلبلة في صفوف عامتهم، بما تبثه فيما ينسب إليك من المؤلفات التي تشعر أن من ورائك من يمدك في الغي والطعن في أئمة المسلمين وحفاظهم، كمثل قولك في كتاب ((التوحيد)) لابن خزيمة: إنه كتاب شرك، وتضعيفك لإِمام السنة حماد ابن سلمة، وتكفيرك لشيخ الإسلام ابن تيمية ومن نحا نحوه، وهذا كله مبثوث في المؤلفات المشار إليها، وبخاصة التعليق على ((دفع الشبه))، لو قال لك قائل هذا؛ فما هو ردك؟ فمهما كان جوابك؛ فهو حجتنا عليك. وفي ختام هذا المقطع ألفت نظر القراء إلى شريط مسجل بعنوان ((موتوا بغيظكم)) للأخ الفاضل الدكتور ناصر العمر؛ ففيه البيان الكافي في ١٤ ٠ : الرد على هذا الجاني وما يرمي إليه بطعنه على الألباني . ثانياً: ليس لـ ((تناقضاته)) أية قيمة علمية تذكر؛ لأنه إذا كان مصيباً في شيء مما ادعاه من التناقض؛ فذلك لا يعني أكثر من أن الألباني بشر يخطىء كما يخطىء غيره؛ فلا فائدة للقراء من بيانها، ولا سيما أن الألباني نفسه يعلن ذلك كلما جاءت المناسبة؛ كما تقدم ويأتي . ثالثاً: أن الذي يفيد القراء إنما هو بيان الصحيح من تلك التناقضات المزعومة، وذلك مما لم يفعل؛ لأن غرضه إرواء غيظ قلبه بالتشهير بالألباني ورفع الثقة بعلمه، وصرف القراء عن الاستفادة منه ﴿مُوتوا بِغَيْظِكُمْ﴾(١)، وليس غرضه النصح لقرائه، ولو أنه فعل؛ لكشف للناس عن جهله وبعده عن التحقيق العلمي، كما سينكشف ذلك بالأمثلة التالية مما انتقده في هذا المجلد. الحديث الأول برقم (٢٠١): نقلت هناك تضعيفي الإِسناده بشريك في تعليقي على الحديث في ((المشكاة))، وأنني تبعت في ذلك جمعاً من الحفاظ، ثم صححته من طريق أخرى لم يقفوا عليها؛ فهل في هذا شيء من التناقض أيها القراء؟! فماذا يمكن أن يُقال في هذا الجاني الذي ذكر هذا (١ / ٤٠) مثالاً للتناقض، ثم لم ينصح للقراء ببيان الصواب في الحديث: أهو صحيح أم ضعيف؟! ونحو هذا أحاديث أخرى زعم فيها التناقض؛ كالحديث الآتي (١١٣ و١١٤)، وإنما هو في مخه! (١) آل عمران: ١١٩. ١٥ الحديث الثاني برقم (٢٨٠): قويته هناك من رواية أبي نضرة وغيره عن أبي سعيد الخدري بلفظ مختصر جدّاً: ((كان رسول الله صل﴿ يوصينا بكم؛ يعني: طلبة الحديث)). وضعفته في ((المشكاة))؛ لأنه من رواية أبي هارون العبدي، المتهم بالكذب، عن أبي سعيد مطولاً بلفظ: قال: ((قال رسول الله وَي: إن الناس لكم تبع، وإن رجالاً يأتونكم من "أقطار الأرض يتفقهون في الدين، فإذا أتوكم؛ فاستوصوا بهم خيراً)). ومع هذا التفاوت سنداً ومتناً المستلزم تفاوت الحكم عليهما تصحيحاً وتضعيفاً، زعم الجائر الجاني (ص ٦٠) أن هذا تناقض! فاعتبروا يا أولي الأبصار! الحديث الثالث (٢٣٠): خرجته هناك من رواية أبي داود وغيره، ثم قلت : ((وأصله في ((صحيح البخاري)) ... )). فتعقبني الجائر الجاني بقوله (ص ١٨٦): ((كذا قال، والحديث برمته وبحروفه في البخاري (رقم ٧٨٣)، ويكفيه تلبيس ... )) إلخ بهته . وهذا كذب مكشوف لا يصدر إلا من كل أفاك أثيم؛ فالحديث في البخاري بالرقم الذي ذكره الجاني، ومن خباثته لم يذكر لفظه؛ تضليلاً لقرائه، وهاك هو: ١٦ ((عن أبي بكرة أنه انتهى إلى النبي وَّ وهو راكع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي وَلَه، فقال: زادك الله حرصاً ولا تعد)). فقابل أيها القارىء الكريم هذا اللفظ باللفظ المخرج هناك؛ تجد أن قولي: ((وأصله في ((صحيح البخاري)) ... ))؛ صواب ودقيق، استفدته من الممارسة لهذا العلم الشريف؛ ففيه هناك زيادتان ليستا عند البخاري مع اختلاف سیاقه عنه، وهما: الأولى: مشي أبي بكرة إلى الصف. والأخرى: قوله ◌َله: ((أيكم الذي ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف؟)). ولذلك عزا الحافظ في ((الفتح)) (٢ / ٢٦٨) هاتين الزيادتين لأبي داود وغيره؛ فهل صدق المأفون في قوله: ((إن الحديث برمته وحروفه في البخاري))؟! ومن هو الملبس؟! أدع الحكم للقراء، وصلى الله على محمد القائل: ((إذا لم تستحيٍ ؛ فاصنع ما شئت))! وهناك شخص آخر ابتلي الناس والمكتبة الإِسلامية به أخيراً، ممَّن يصدق فيه المثل المعروف ((تزبب قبل أن يتحصرم))؛ كالذي قبله، لكنه يختلف عنه في أسلوبه؛ فذاك يشكك الناس في السنة في الطعن في شخص الألباني ورميه بالنقائص والجهل! وهذا يتظاهر بالثناء على الألباني وتقدير علمه، ولكنه يطعن في السنة مباشرة بتضعيفه الأحاديث الصحيحة التي صححها العلماء. ١٧ وقد كنت بينت شيئاً من حاله، وذكرت نماذج من الأحاديث التي ضعفها في المجلد الثاني الذي طبع حديثاً من هذه السلسلة، فليرجع القراء إلى مقدمته وبعض الاستدراكات المطبوعة في آخره، الذي أرجو أن یکون في متناول أيديهم قريباً إن شاء الله. ولما كان قد ضعف أيضاً بضعة أحاديث من هذا المجلد الأول من ((الصحيحة))؛ رأيت أنه لا بدَّ لي من بيان خطئه في ذلك ومخالفته لقواعد أهل هذا العلم وأحكامهم . ١ - الحديث (١٢ - لا تتخذوا الضيعة ... ). هذا الحديث من تلك الأحاديث الصحيحة التي كان المومى إليه قد استلَّها من كتاب ((رياض الصالحين)) في عشرات من الأحاديث الأخرى ضعفها كلها، وطبعه بهذا الاسم! دونها، ولكنه جمعها في باب خاص ألحقه بآخر طبعته تحت عنوان: ((الأحاديث الضعيفة المحذوفة من أصل الكتاب)» !! وإن من غرائبه أن تخريجه لهذه الأحاديث قد استفاده غالباً من كتبي وتخريجاتي، فهو يضعها أمامه، ثم ينقد ما فيها حسب هواه، ولا يتعرض بذکر لما یخالفه . فهذا الحديث مثلاً قد قوَّاه من الأئمة الحفاظ جمع؛ كالترمذي وابن حبان والحاكم، والذهبي ومن قبله كالنووي والمزي، ثم الحافظ العسقلاني، وكذا الشارح للحديث؛ كالقرطبي الذي جمع بينه وبين غيره من الأحاديث الصحيحة؛ فإن من المعلوم أن الجمع فرع التصحيح، فلم ١٨ يعبأ بهؤلاء جميعاً ولا بغيرهم كالإِمام البغوي؛ فإنه حسنه أيضاً في ((شرح السنة)) (١٤ / ٢٣٧)، ومثلهم كثير لو تيسر تتبعهم، ولا بقاعدتهم في تقوية الحديث بمجموع طرقه؛ كما فعل مثله في الحديث الذي قبله كما ستراه برقم (١١). فأخذ المومى إليه يضعف هذا الحديث من طريقيه اللذين ذكرتهما هناك، فقال في الطريق الأولى (٥١٨ / ٢٣): ((فيه جهالة سعد بن الأخرم)). فتجاهل الحقائق التالية : أنه قیل بصحبته . وأنه وثقه ابن حبان والعجلي . وأنه حسنه مخرجوه: الترمذي، والبغوي . وتصحيح الحاكم وغيره ممَّن سبق ذكره! وأعل الطريق الأخرى بقوله : ((فيه ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف)). وكأنه اكتشف بهذا التضعيف أمراً كان خافياً علي! مع أنني نبهت هناك على ضعفه بقولي : (وسنده حسن في الشواهد)). ولكنني نبهت بهذا أن ضعفه ليس بشديد، ولذلك حسنت حديثه كشاهد، فلم يجب عن ذلك بشيء، وليست هذه طريقة العلماء الذين ١٩ يدافعون بحق عن حديث رسول الله وَلو، بل هي طريقة أهل الأهواء الذين يحكمون بالضعف على الأحاديث الصحيحة، ثم يلتمسون لها عللا غير قادحة، وها هو المثال بين يديك أيها القارىء الكريم؛ فإن ليئاً هذا ليس ضعفه شديداً بحيث إنه لا يستشهد به كما أوهم هذا (المتزبب)؛ فقد أخرج له مسلم في «صحيحه)) مقروناً بغيره، وهذا صريح منه بأنه يستشهد به، وقد بين السبب الحافظ الناقد الإِمام الذهبي فقال في ((الكاشف)): ((فیه ضعف يسير من سوء حفظه)). وهذا معنى ما ختم به ابن عدي ترجمة ليث في كتابه ((الكامل)) (٦ / ٨٧) بعد أن روى عن جمع تضعيفه : ((له أحاديث صالحة، وقد روى عنه شعبة والثوري وغيرهما من الثقات، ومع الضعف الذي فیه یکتب حديثه)). فهذا كله يدل على أن مجرد كون الراوي ضعيفاً لا يعني عند العلماء أنه لا يستشهد به، كما كنت شرحت ذلك فيما مضى، وهذا مما يجهله هذا الرجل، ولذلك ابتلي بالتوسع جدّاً في تضعيف الأحاديث الصحيحة. والله المستعان . وإن من عجبه وغروره أنه يتقوَّى في التضعيف المذكور بالشيخ شعيب الأرناؤوط، فيختمها بقوله: ((وافقني على تضعيفه الشيخ شعيب))! ولست أدري - والله - إذا كان صادقاً في هذا، وهل استطاع أن يستجر الشيخ بطريقة أو بأخرى إلى موافقته؟! ولكني أدري أن الواقع يكذبه في بعض تلك الأحاديث على الأقل، وهذا منها؛ فإنه مع ادعائه الموافقة المذكورة فيه؛ رأيت الشيخ قد خالفه في تعليقه على ((شرح السنة)) (١٤ / ٢٠