النص المفهرس

صفحات 621-640

٦٢١
٣٧٠ - باب: في فضل المنثورات والملح
فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَواتِحَ سُورَةِ الكَهْفِ، إِنَّهُ خَارِجْ خَلَّةً
بَيْنَ الشَّامِ والْعِراقِ فَعاثَ يَمِينَأْ وَعاثَ شِمالاً؛ يا عِبادَ اللَّهِ فَاثْبُتُوا)). قُلْنا:
يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا لُبِثُهُ فِي الأَرْضِ؟ قالَ: ((أَرْبَعونَ يَوْمَاً: يَوْمُ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ،
وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ. قُلْنَا: يا رَسُولَ اللَّهِ فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَّةٍ
أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلاةُ يَوْمٍ؟ قالَ: (لا، اقْدُروا لَهُ قَدَرَهُ)) قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا إِسْرَاعُهُ في
أنت مؤمن وهو كافر، فقال الحافظ في الفتح: إنها ضعيفة فإن في سندها المسعودي وقد
اختلط، والمحفوظ أنه عبد العزى بن قطن وأنه هلك في الجاهلية (فمن أدركه منكم فليقرأ
عليه فواتح سورة الكهف) أي: فإنها تدفع فتنته عن قارئها، كما ورد كذلك وقيل عشر آيات
من آخر سورة الكهف. جاء ذلك في رواية أخرى قال القرطبي: والحزم والاحتياط أن يقرأ
عشراً من أولها وعشراً من آخرها. وعند أبي داود من حديث النواس ((فليقرأ عليه فواتح سورة
الكهف فإنها جوار لكم من فتنته)) اهـ. (أنه خارج خله بين الشام والعراق) قال المصنف:
هو في نسخ بلادنا بفتح المعجمة واللام وتنوين الهاء. وقال القاضي عياض: المشهور فيه
فتح المعجمة وتشديد اللام ونصب الهاء غير منونة. قيل معناه سميت ذلك وتأمله ورواه
بعضهم محله بضم اللام وبهاء الضمير أي: نزوله وحلوله. قال وكذا ذكره الحميدي في
الجمع بين الصحيحين ببلادنا، وهو الذي رجحه صاحب نهاية الغريب وفسره بالطريق
بينهما، وكان على المصنف حيث اقتصر على هذا المعنى فيما يأتي أن يضبطه (فعات يميناً
وعاث شمالاً) قال المصنف: روي بفتح المثلثة فيهما فعل ماض، وحكى القاضي أنه روى
عاث: بصيغة اسم الفاعل قال التوربشتي: إنما قال يميناً وشمالاً إشارة إلى أنه لا يكتفي
بإفساد ما يطؤه من البلاد، بل يبعث سراياه يميناً وشمالاً فلا يأمن من شره مؤمن، ولا يخلو
من فتنته موطن (يا عباد الله فاثبتوا) أي: على الإِيمان ولا تزيغوا عنه (قلنا يا رسول الله وما
لبثه في الأرض) استئناف للسؤال عن قدر لبثه في الدنيا (قال أربعون يوماً) هو ما بين طلوع
الشمس وغروبها (يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة) قال العلماء: هذا الحديث على
ظاهره، وهذه الأيام الثلاث طويلة على هذا القدر المذكور في الحديث، يدل عليه قوله
(وسائر) أي: باقي (أيامه كأيامكم) المعتادة في القدر (قلنا: يا رسول الله فذلك اليوم الذي
كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم) سألوا عن الذي هو كسنة، وظاهر جريان ذلك فيما هو كشهر وما
هو كجمعة، وسكتوا عن ذلك لظهور أن لا فرق بينهما في ذلك (قال لا) أي: لا يكفيكم
ذلك (أقدروا له) بضم الهمزة (قدره) أي: إنه إذا مضى بعد طلوع الفجر قدر ما يكون بينه

٦٢٢
١٧ - كتاب: المنثورات والملح
الأَرْضِ؟ قَالَ: ((كالغَيْثِ اسْتَذْبَرَتْهُ الرِّيحُ، فَيَأْتِي عَلى أَلْقَوْمِ فَيَدْعُوهُمْ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ
وَيَسْتَجِيبونَ لَهُ فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ والأَرْضَ فَتْبِتُ، فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِخَتُهُمْ أْوَلَ
مَا كَانَتْ ذُرِئٌ وَأَشْبَعَهُ ضُروعَاً وَأَمَدَّهُ خَواصِرَ، ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ
قَوْلَهُ فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ فَيُصْبِحِونَ مُمْحِلينَ
وبين الظهر كل يوم، فصلوا الظهر، ثم إذا مضى بعده قدر ما يكون بينها وبين العصر، فصلوا
العصر. وهكذا ما بينها وبين المغرب وما بين المغرب والعشاء وما بينهما وبين الصبح والظهر
والعصر، حتى ينقضي ذلك اليوم وقد وقع فيه صلوات سنة، كلها فرض مؤداة في وقتها.
واليومان الذي كشهر وكجمعه على قياس هذا. قال القاضي عياض: هذا حكم مخصوص،
شرعه لنا صاحب الشرع، ولولا هذا الحديث ووكلنا إلى اجتهادنا لاقتصرنا فيه على
الصلوات عند الأوقات المعروفة في غيره من الأيام. قال العاقولي : أقول هذا مما جره
التعمق في السؤال، إذ لو لم يسألوا وسكتوا، لكان حكمه حكم سائر الأيام ولكن سألوا،
فجرى مثل ما جرى لبني إسرائيل وسؤالهم عن البقرة حتى بلغ بهم الحرج ما علمت، وما
نقلناه من إجراء الحديث على ظاهره أولى مما مشى عليه التوربشتي من تأويله، وأن اليوم
لا يزاد فيه أصلاً وأنه كنى يكون يوم كسنة الخ عن شدة أهواله وفتنه، وبتقدير الصلوات عن
الاجتهاد عند مصادفة تلك الأهوال إلى كشفها. وقد ردّ ابن الجوزي ذلك التأويل، وكذا
القرطبي في المفهم بما فيه طول (قلنا يا رسول الله وما إسراعه في الأرض. قال: كالغيث
استدبرته الريح فيأتي على القوم فيدعوهم) أي: إلى أنه ربهم وإلى الإِيمان بذلك (فيؤمنون
به ويستجيبون له) أي: ويجيبونه (فيأمر السماء) أي: بالمطر (فتمطر) أي: حالاً (والأرض)
بالنصب أي: يأمرها بالنبات (فتنبت فتروح) أي: ترجع (عليهم سارحتهم) بالسين والراء
والحاء المهملات: هي المال السائم (أطول) بالنصب حال (ما) مصدرية (كانت ذري) بضم
الذال المعجمة جمع ذروة بضم وكسر أي: ترجع إليهم من المرعى أطول، ألوانها عظيمة
السنام، مرتفعة من السمن والشبع، (وأشبعه ضروعاً) بالشين المعجمة والموحدة والمهملة
أي: إملاءه وإسناد الشبع إليها من الإِسناد إلى السبب. وضبطه العاقولي بالمهملة والموحدة
والغين المعجمة قال: أي: أطوله لكثرة اللبن (وأمده خواصر) أي: لكثرة امتلائها من الشبع
(ثم يأتي القوم) أي: غير أولئك كما يدل عليه السياق وكون اللفظ الثاني إذا أعيد معرفة، غير
الأول أغلبيٍ لا كلي (فيدعوهم فيردون عليه قوله) ويثبتون على التوحيد (فينصرف عنهم)
أي: راجعاً (فيصبحون) أي: يصيرون (ممحلين) بالمهملة. قال التوربشتي: يقال أمحل

٦٢٣
٣٧٠ - باب: في فضل المنثورات والملح
◌َيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، ويَمِرُّ بِالْخَرْبَةِ فَيَقُولُ لَها: أَخْرِجي
كُنوزَكِ فَتَنْبَعُهُ كُنوزُها كَيعاسيبِ النَّحْلِ، ثُمَّ يَدْعوَ رَجُلًا مُمْتَلِئاً
شَباباً فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ فَيَقْطَعُهُ جُزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الْغَرَضِ، ثُمَّ يَدْعُوهُ فَيُقْبِلُ وَيَتَهَلَّلُ
وَجْهُهُ يَضْحَكُ، فَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ تَعالَى الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ لَهِ فَيَّنْزِلُ
عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضاءَ شَرْفِيٍّ دِمَشْقَ بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ، واضِعاً كَفَّيْهِ عَلى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنٍ،
إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمانٌ كاللُّؤْلُؤِ، فَلا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ
القوم إذا أصابهم المحل، وهو انقطاع المطر ويبس الأرض والكلأ (ليس بأيديهم شيء من
أموالهم) جملة حالية أو خبر ثان والأموال يحتمل قصرها على السارحة وذلك لموتها بفقد
المرعى، ويحتمل التعميم زيادة في المحنة، ويدل له ظاهر الكلام (ويمر بالخربة) بفتح
المعجمة وكسر المهملة وبالموحدة أي: الموضع الخراب (فيقول لها أخرجي كنوزك) أي :
ما كنز فيك. فالإِضافة لأدنى ملابسة (فتتبعه كنوزها كيعاسيب) بالمهملتين جمع يعسوب
أي: ذكور (النحل) بالنون فالمهملة أي: ملك النحل وأميرها إذ تطير بطيرانه (ثم يدعو
رجلًاً) قيل هو الخضر (ممتلئاً شباباً) منصوب على التمييز أي: في عنفوان شبابه (فيضرب
بالسيف فيقطعه جزلتين) بفتح الجيم على المشهور. وحكي كسرها وسكون الزاي سيأتي
معناها (رمية الغرض) بالنصب وعليه اقتصر المصنف فيما يأتي. قال التوربشتى إما أراد
سرعة نفوذ السيف فيه وتباعد ما بين الجزلتين، وإما أن في الكلام تقديماً وتأخيراً، التقدير
فيقتله إصابة الغرض فيقطعه جزلتين (ثم يدعوه فيقبل) أي: بعد أن حيي (ويتهلل وجهه)
أي: يستنير ويظهر عليه أمارات السرور ولذا قال (يضحك) وهي جملة في محل الحال
(فبينما هو كذلك) أي: الإِفساد في العباد (إذ بعث الله) أي: أنزل (المسيح) لقب به لأنه
مسيح القدمين. وقيل لأنه لبركته ما مسح ذا عاهة إلا برىء (ابن مريم ممثلة) كذا في الأصول
فإن كان مرفوعاً: ففيه دليل على الصلاة على باقي الأنبياء. وقد تقدم ما ورد لذلك من الدليل
القولي من الأحاديث المرفوعة (فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق) المنارة بفتح الميم
قال المصنف: وهي اليوم موجودة شرقي دمشق وهي بكسر الدال وفتح الميم هذا هو
المشهور وحكي صاحب المطالع كسر الميم وفي عينه الحركات الثلاث (بين مهرودتين
واضعاً كفيه على أجنحة ملكين) لعلهما جبريل وميكائيل ولم أر من عينهما (إذا طأطأ)
بالمهملتين (رأسه) بالنصب أي: أرخاه، وبالرفع على أنه فاعل بمعنى تفاعل، والأول
الموجود في النسخ ويناسبه قوله وإذا رفعه (قطر) أي: الماء منه (وإذا رفعه تحدر منه جمان

٦٢٤
١٧ - كتاب: المنثورات والملح
نَفَسِهِ إلّ مَاتَ، ونَفَسُهُ يَنْتَهِي إِلى حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبابِ لُدِّ
فَيَقْتُلَهُ، ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى وَهُ قَوْمَاً قَدْ عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ ويُحَدِّثُهُمْ
بِدَرَجَاتِهْم فِي الْجَنَّةِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ تَعالَى إلى عِيسَىِ﴿ أَنِّي قَدْ
أَخْرَجْتُ عِباداً لي لا يَدانِ لِأَحَدٍ بِقِتالِهِمْ فَحَرِّزْ عِبادي إلى الطُّورِ، ويَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ
وَمَأْجُوجَ
كاللؤلؤ) بضم الجيم وتخفيف الميم وهي حبات من الفضة تصنع على هيئة اللؤلؤ الكبار قاله
المصنف. والمراد: يتحدر منه الماء على هيئة اللؤلؤ في صفائه، فسمي الماء جماناً لشبهه
في الصفاء والحسن، واللؤلؤ بالهمز فيهما وتسهيلهما واواً فيهما، أو في أحدهما. ففيه أربع
لغات، وهو فى الأصول مهموز فيهما (فلا يحل) بكسر المهملة (لكافر يجد ريح نفسه) بفتح
الفاء (إلا مات) أي: لا يمكن ولا يقع لكافر عند ذلك، إلا الموت، قال القاضي: معناه
عندي حق واجب. ورواه بعضهم بضم المهملة وهو وهم وغلط (ونفسه ينتهي إلى حيث
ينتهي طرفه) جملة مستأنفة أو حالية وطرف بفتح المهملة وسكون الراء وبالفاء. أي: مرئية
فأطلق السبب وأريد المسبب (فيطلبه) أي: يطلب عيسى عليه السلام حينئذ الدجال (حتى
یدرکه بباب لد) بضم اللام وتشديد المهملة مصروف بلدة قريبة من بيت المقدس (فيقتله ثم
يأتي عيسى ◌َّ قوماً قد عصمهم الله منه) فبقوا على الإِيمان ولم يفتتنوا (فيمسح عن
وجوههم) يحتمل أنه على حقيقته، وظاهره فيمسحها تبركاً وبراً، ويحتمل أنه إشارة إلى
كشف ما كانوا فيه من الشدة والخوف (ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة فبينما هم) أي: الناس
وفي نسخة هو أي: عيسى عليه السلام وأفرد لأنه الأصل كذلك أي: بين ظهرانيهم (إذ
أوحى الله تعالى إلى عيسى لل أني قد أخرجت عباداً لي لا يدان) أي: لا قدرة ولا طاقة
(لأحد بقتالهم) لكثرة بأسهم، قال العاقولي وأضاف العباد إليه إظهاراً لتعظيم صفة القدرة
على اهلاك من تعلقت قدرته باهلاكه؛ فهو كقوله تعالى: ﴿بعثنا عليكم عباداً لنا﴾(١)
فالتعظيم للقدرة، إذ الكافر لا تعظيم له حقيقة (فحرز) بفتح المهملة وتشديد الراء وبالزاي
(عبادي إلى الطور) أي ضمهم إليه واجعله لهم حرزاً يقال: أحرزت الشيء أحرزه إحرازاً إذا
حفظته وضممته إليك وصنته عن الأخذ (ويبعث الله ياجوج وماجوج) بالهمز وتركه. قال في
المصباح: ياجوج وماجوج. أمتان عظيمتان. وقيل ياجوج اسم الذكران، وماجوج اسم
الإِناث. فالهمز فيهما أصل. ووزنهما مفعول ومفعول وعليه ترك الهمز تخفيفاً، وقيل اسمان
(١) سورة الإِسراء، الآية: ٥.

٦٢٥
٣٧٠ - باب: في فضل المنثورات والملح
وهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلى بُخَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ فَيَشْرِبُونَ
مَا فِيها، ويَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقولُونَ: لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ وَيُحْصَرُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَىَ لَ
وَأَصْحَابُهُ حَتّى يَكونَ رَأْسُ الثّورِ لِحَدِهِمْ خَيْراً مِنْ مِائِ دِينارٍ لِأَحَدِكُمُ الْيَوْمَ، فَيَرْغَبُ
نَبِيُّ اَللَّهِ عِيسَى وَهَ وَأَصْحَابُهُ رضِيَ اللَّهُ عِنْهُمْ إِلى اللَّهِ تَعالى، فَيُرْسِلُ اللَّهُ تَعالى
عَلَيْهِمْ النَّغَفَ فِي رِقابِهِمْ فَيُصْبِحِونَ فَرْ سَى كَمَوْتِ نَفْسٍ واحِدَةٍ، ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللَّهِ
أعجميان ألفهما كألف هاروت وما أشبهه، وعليه فالهمز قياس إنما هو على لغة من همز
الألف، كقائم ووزنها فاعول اهـ. وقال الحافظ في الفتح هما اسمان أعجميان عند
الأكثرين. وقيل عربيان. واختلف في اشتقاقهما. فقيل من أجيج النار أي: التهابها. وقيل
من الإِياجة أي الاختلاط وشدة الحر. وقيل من الأج أي: سرعة العدو. وقيل: من الأجاج
أي: الماء الشديد الملوحة وجميع ما ذكر من الاشتقاق مناسب لحالهم (من كل حدب) بفتح
أوليه المهملتين وبالموحدة النشر (ينسلون) أي: مسرعين (فيمر أولهم على بحيرة طبرية)
بضم الموحدة وفتح المهملة وسكون التحتية مصغر بحرة وطبرية بفتح المهملة والموحدة
اسم مكان بفارس (فيشربون ما فيها ويمر آخرهم فيقولون لقد كان بهذه مرة) أي: في وقت
(ماء) واسم كان أخر لنكارته وقدم عليه خبره الظرفي المسوغ للابتداء به (ويحصر) بضم
التحتية وفتح المهملة الثانية من المحاصرة (نبي الله عيسى وأصحابه) أي: يمنعون من
ياجوج وماجوج من النزول إلى الأرض حتى (يكون رأس الثور لأحدثم) أي: عنده، وإنما
ذكر رأس الثور ليقاس به البقية في ارتفاع القيمة وذهب بعضهم إلى أنه أراد برأس الثور نفسه
أي: تبلغ قيمة الثور إلى ما فوق المائة لاحتياجهم إليه في الزراعة. قال التوربشتي ولم
يصب لأن رأس الثور قل ما يراد به عند الإطلاق نفسه، بل يقال: رأس ثور أو رأس من
الثور، ثم إن في الحديث أنهم محصورون، وما للمحصور والزراعة لا سيما على الطور
اهـ. (خيراً من مائة دينار لأحدكم اليوم) وذلك لقوة حاجتهم للطعام واضطرارهم إليه
(فيرغب نبي الله عيسى ◌َ﴿ وأصحابه إلى الله تعالى) أي: ابتهلوا وتضرعوا إليه وسألوه دفع
أذى ياجوج وماجوج وفي إهلاكهم (فيرسل الله تعالى عليهم) أي: على يأجوح ومأجوج
(النغف) بضم النون وفتح الغين المعجمة وبالفاء دود يكون في أنوف الإِبل والغنم الواحدة
نغفة (في رقابهم فيصبحون فرسى) بفتح الفاء وسكون الراء وبالسين المهملة (كموت نفس
واحدة) أي: يموتون دفعة واحدة، قال التوربشتي: نبه بالكلمتين النغف وفرسى، على أنه
تعالى يهلكهم في أدنى ساعة بأهون شيء وهو النغف. فيفرسهم فرس السبع فريسته، بعد
.....

٦٢٦
١٧ - كتاب: المنثورات والملح
عِيسَى وَ﴿ وأصْحابُهُ رضِيَ اللَّهُ عَنْهم إِلى الأَرْضِ فَلا يَجِدونَ فِي الأَرْضِ مَوْضِعَ
شِيْرٍ إِلَّ مَلَهُ زَهُمُهُمْ وَنَنُهُمْ، فَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَهِ وَأَصْحَابُهُ رضِيَ اللَّهُ عنهمْ
إلى اللَّهِ تَعالى، فَيُرْسِلُ اللَّهُ طَيْراً كأَعْنَاقِ الْبُخْتِ فَتَحْمِلُهُمُ فَتَطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ
تَعالى، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ عَزَّ وَجِلَّ مَطَراً لا يَكِنُّ مِنْهُ بَيْتُ مَدَرٍ ولا وبَرٍ فَيَغْسِلُ الْأَرْضَ
حَتَّى يَتْرُكَها كالزَّلَقَةِ، ثُمَّ يُقالُ لِلْأَرْضِ أَنْبِي ثَمَرَتَكِ ودِرِّي بَرَكَتَكِ، فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ
الْعِصابَةُ مِنَ الرُّمَّانَةِ وَيَسْتَظِلُونَ بِقِحْفِها، ويُبارَكُ في الرُّسْلِ حَتَّى إِنَّ اللُّفْحَةَ مِنَ
الإِبلِ لَتَكْفِي الْفِئامَ مِنَ النَّاسِ، واللّفْحَةَ مِنَ الْبَقَرِ لَتَكْفِي الْقَبِيلَةَ مِنَ النَّاسِ،
واللّفْحَةَ مِنَ الْغَنَمِ لَتَكْفِي الْفَخْذَ
أن طارت نفرة البغي في رءُوسهم، فزعموا أنهم قاتلوا من في السماء (ثم يهبط نبي الله
عيسى وَ لّ وأصحابه إلى الأرض) لذهاب المانع من النزول إليها قبل (فلا يجدون في الأرض
موضع شبر) مفعول به ليجد (إلا ملأه زهمهم) بفتح الزاي والهاء (ونتنهم) بالنون والفوقية
أي: سهم رائحتهم الكريهة (فيرغب نبي الله عيسى ◌َير وأصحابه إلى الله تعالى) أي: في
دفع ذلك (فيرسل الله طيراً كأعناق البخت) بضم الموحدة وسكون المعجمة وبالفوقية
(فتحملهم فتطرحهم حيث يشاء الله تعالى) من بر أو بحر (ثم يرسل الله عز وجل مطراً) أي :
عظيماً کما يدل عليه وصفه بقوله (لا يكن) بكسر الكاف وتشديد النون (منه بيت مدر) بفتح
الميم والدال وهو الطين الصلب (ولا وبر) بفتح الواو الموحدة أي: الخبأ (فيغسل الأرض
حتى يتركها كالزلقة) من النقاء واللين (ثم يقال للأرض انبتي ثمرتك ودري بركتك) أي :
البركة التي كانت فيك أولاً (فيومئذ تأكل العصابة) بكسر المهملة الأولى (من الرمانة) لكمال
كبرها (ويستظلون بقحفها) بكسر القاف وهو مقعر قشرها، شبهها بقحف الرأس وهو الذي
فوق الدماغ، وقيل ما انفلق من جمجمته وانفصل قال السخاوي: في ختم سنن أبي داود
(ويبارك في الرسل) بكسر فسكون (حتى أن اللقحة) بكسر اللام على الاسم وفتحها القريبة
العهد بالولادة وجمعها لقح كبركة وبرك. واللقوح ذات اللبن وجمعها لقاح (من الابن) بكسر
الألف والموحدة وبسكونها (لتكفي الفئام من الناس واللقحة) الكائنة أو كائنة (من البقر
لتكفي القبيلة من الناس) هو فوق الفخذ عند علماء النسب (واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ)
قال ابن فارس: هي بإسكان الخاء لا غير أما التي بمعنى العضو، فبفتح فكسر أو سكون أو
بكسر فسكون أو فكسر اتباعاً، وهي لغات أربع جارية فيما كان على وزن علم، وعينه حرف

٦٢٧
٣٧٠ - باب: في فضل المنثورات والملح
مِنَ النَّاسِ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ آللَّهُ ريحاً طَيَِّةً فَتَأْخُذُهُمْ تَحْتَ
آباطِهِمْ فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤمِنٍ وكلِّ مُسْلِمٍ، ويَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ
يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الْحُمُرِ فَعَلَيْهِمْ تَقومُ السَّاعَةُ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قولُه: ((خَلَّةً: بَيْنَ
الشَّامِ والْعِراقٍ)): أيْ طَريقَاً بَيْنَهُما. وقَولُه: ((عَاثَ)) بالعينِ المهملةِ والثاء المثلثةِ،
وَالْعَيْثِ أَشَدُّ الْفَسادِ. و((الذُّرَى)): الأَسْنِمَةُ. و((الْيَعَاسِيبُ)): ذُكُورُ النَّحْلِ.
حلق. والفخذ تقدم أنهم الجماعة من الأقارب. وهم دون البطن، والبطن دون القبيلة كما
يأتي في كلامه (من الناس فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحاً طيبة فتأخذهم تحت آباطهم
فتقبض) بكسر الموحدة (روح كل مؤمن وكل مسلم) قال المصنف: كذا في جميع نسخ
مسلم، وكل بالواو وإسناد القبض إلى الريح مجاز من الإِسناد إلى السبب (ويبقى شرار
الناس يتهارجون) بالراء والجيم فيها (تهارج الحمر) بضمتين أي: تجامع الرجال النساء
علانية بحضرة الناس، كما تفعل الحمير، ولا يكترثون لذلك. والهرج الجماع بكسر الراء
يقال: هرج زوجته إذا جامعها، تهرجاً بتثليث حركة الراء ذكره المصنف (فعليهم) وحدهم
دون المؤمنين (تقوم الساعة) أي: القيامة (رواه مسلم) ورواه الأربعة قال التوربشتي: فإن
قيل: أوليس في هذه الأشياء الخارقة للعادة التي وردت في هذا الحديث وغيره من أحاديث
الدجال وظهورها على يديه مضلة للعقول، ومدعاة إلى اتباع الباطل وإخلال بما أعطى الله
أنبياءه من المعجزات؟ فالجواب: أن الملعون إنما ترك ذلك لأن في نفس القصة ما يدع
المتصبر عن الالتفات إليها فضلاً عن قبولها، ثم أنه لا يدعي النبوة بل يدعي الربوبية وهذا
مما لا مساغ له في العقول ولا موقع له في القلوب لقيام دلائل الحدوث في نفس المدعي،
مع أنه لم يترك دعواه حتى ألزم النقص الذي لا ينفك، ولا يخفى على ناظر مكانه، وهو
العور الذي به. وإلى هذا المعنى أشار بقوله: ولكن أقولكم فيه قولاً لم يقله نبي لقومه أنه
أعور الحديث. وقال أيضاً فإن قيل: أوليس قد ثبت في أحاديث الدجال أنه يخرج بعد
خروج المهدي وأن عيسى يقتله كما في آخر الحديث، وذلك دليل أنه لا يخرج وهو رَّ بين
أظهرهم، بل ولا تراه القرون الأولى من هذه الأمة، فما الحكم في قوله إن يخرج وأنا فيكم؟
فالجواب: إنما سلك هذه المسالك من التورية لإِبقاء الخوف على المكلفين من فتنته،
واللجأ إلى الله تعالى من شره، لينالوا الفضل من الله ويتحققوا بالشح على دينهم؟ اهـ.
(وقوله خلة بين الشام والعراق أي: طريقاً بينهما) تقدم ضبط خلة، والخلاف فيه وما ذكره
المصنف (وقوله عاث بالمهملة والمثلثة) تقدم أنه بصيغة الماضي، وحكي بصيغة اسم

٦٢٨
١٧ - كتاب: المنثورات والملح
و((جُزْلَتَيْنِ)): أيْ قِطْعَتَّيْنِ. والغَرَضَ ((الْهَدَفُ)) الَّذِي يُرْمَى بِالنُّشَّابِ: أَيْ يَرْمِيهِ رَمْيَةً
كَرَمْيَةِ النُّشَّابِ إِلى الْهَدَفِ. و «الْمَهْرودَةُ» بالدَّالِ المهملةِ والمعجمةِ وهِيَ، الثَّوْبُ
الْمَصْبوغُ. قولُه: ((لا يَدانٍ)): أَيْ لا طَاقَةَ.
الفاعل (والعيث) المشتق من عاث بالوجهين (أشد الفساد) في شرح مسلم للمصنف العيث
الفساد أو أشد الفساد والإِسراع فيه. واقتصر في القاموس على أنه الفساد من غير قيد
(والذرى) بضم ففتح، وبالقصر جمع ذروة (الأسنمة) جمع سنام. قال في المصباح: هو
للبعير كالالية للغنم. (واليعاسيب) بفتح التحتية وبالمهملتين وبعد الثانية تحتية ساكنة
فموحدة بوزن معاجيب (ذكور النحل) ويطلق على السيد والرئيس مجازاً (وجزلتين) بضبطه
السابق (أي: قطعتين) قال التوربشتي: يقال ضرب العبد فقطعه جزلتين. وجاء زمان الجزال
أي: زمن صرام النخل والجزلة والجزال بكسر الجيم فيهما. والغرض بالمعجمتين وأولاه
مفتوحتان (الهدف) بفتح أوليه وبالفاء (الذي يرمي به النشاب) بضم النون وتشديد المعجمة
واحده، نشابة مأخوذ من نشب الشيء بمعنى علق (أي يرميه رمية كرمي النشاب إلى الهدف)
هو أحد معانيه كما تقدمت الإِشارة إليه (والمهرودة بالدال المهملة والمعجمة) وهما روايتان
حكاهما المصنف. وقال: والمهملة أكثر والوجهان مشهوران للمتقدمين، والمتأخرين من
أهل اللغة والغريب وغيرهم وأكثر ما يقع في النسخ بالمهملة كما هو مشهور. وقال
التوربشتي: وذهب القتبي إلى أن الصواب فيه مهرودتين أي: صغراوين يقال: هريت
العمامة إذا لبستها صفرا، كأنه اختار ذلك لأنه ورد في هذا الطريق بين ممصرين والممصرة
من الثياب التي فيه صفرة خفيفة قال القرطبي: بعد نقل كلام القتبي ما لفظه: قلت لقد
صدق من قال في ابن قتيبة هجوم ولاج على ما لا يحسن، وقد أخطأ ابن قتيبة فيما خطأ فيه
الثقات وأهل التقييد، والتثليث والعلم من وجهين جزمه على الأئمة الحفاظ بالخطأ. وكان
حقه التوقف إن لم يجد محملًا لذلك اللفظ على النحو المروي وثانيها: أن العرب تقول
هريت الثوب لا هروت، ولا تقول أيضاً ألا هريت العمامة خاصة، فليس له أن يقيس على
العمامة، لأن اللغة رواية. والأصح قول الأكثرين. ويؤيده ما وقع في بعض الروايات بدل
مهرودتين ممصرتين الممصرة من الثياب هي المصبوغة بالصفرة اهـ. (وهو الثوب
المصبوغ) قال المصنف: معناه لابس مهرودتين أو ثوبين مصبوغين بورس ثم زعفران،
وقيل: هما شقتان والشقة نصف الملاية وقال التوربشتي: بين شقتين أو حلتين مهرودتين
(وقوله لا يدان) كذا في الأصل ولعله يدان بكسر النون (أي لا طاقة) ولا قدرة حكاه
المصنف عن العلماء قال: يقال ما لي بهذا الأمر يد وما لي به يدان، لأن المباشرة والدفاع

٦٢٩
٣٧٠ - باب: في فضل المنثورات والملح
و((النُّغَفُ)): دُودٌ. و((فَرْسَى)) جَمْعُ فَريس، وَهُوَ: الْقَتيلُ.
و ((الزَّلَقَةُ)) بفتحِ الزَّاي واللامِ والقَافِ، وروي الزُّلْفَةُ بِضم
الزايِ وإِسكانِ اللامِ وبالفاءِ وهِيَ: الْمِرْآةُ. و((الْعِصابَةُ)): الْجَمَاعَةُ. و((الرُّسْلُ))
بكسْرِ الراءِ: اللَّبَنُ. و((اللِّفْحَةُ)): آللَُّونُ. و((الْفِئامُ)) بكسر الْفاءِ وبعدها همزة:
الْجَمَاعَةُ. و((الْفَخْذُ)) مِنَ النَّاسِ: دُونَ الْقَبِيلَةِ(١).
إنما يكون باليد، فكأن يديه معدومتان لعجزه عن دفعه (والنغف) بضم ففتح، دود أي،
مخصوص (وفرسی) بوزن فعلى (جمع فريس) كمرضى ومريض وهو القتيل مأخوذ من فرس
الذئب الشاة إذا قتلها، . مه فريسة الأسد (والزلقة بفتح الزاي واللام والقاف) أي: يغسلها
كلها فتصير من ذلك زلقة (وروي الزلفة بضم الزاي وإسكان اللام وبالفاء) قال في شرح
مسلم: وروي بفتح الزاي واللام وبالفاء، قال القاضي عياض: روي بالفاء وبالقاف وإسكان
اللام. وبفتحها وكلها صحيحة قال في المشارق والزاي مفتوحة. واختلفوا في معناه فقال
ثعلب وأبو زيد وآخرون (هي المرآة) بكسر الميم وسكون الراء، قال في المصباح: أصلها
مرأيه على وزن مفعلة تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت الفاء وكسرت الميم لأنها آلة.
وجمعت على مرآيا قال الأزهري: وهو خطأ وهذا الذي اقتصر عليه المصنف، حكاه صاحب
المشارق. وعن ابن عباس أيضاً قال المصنف: شبهها في صفائها ونظافتها بالمرآة وقيل
معناه كمصانع الماء، أي: الماء ليستنقع فيها حتى تصير الأرض كالمصنع الذي يجتمع فيه
الماء. قلت: وعليه اقتصر التوربشتي. وقال أبو عبيدة: معناه الإِجانة الخضراء، وقيل:
الصحفة، وقيل: الروضة (والعصابة الجماعة والرسل بكسر الراء اللبن واللقحة اللبون
والفئام بكسر الفاء وبعدها همزة) الممدودة (الجماعة) زاد في شرح مسلم قوله الجماعة
الكثيرة، هذا هو المشهور والمعروف في كتب اللغة وكتب الغريب، ورواية الحديث أي:
إنه بالكسر مع الهمزة. قال القاضي ومنهم من لا يجيز الهمز بل يقوله بالياء وفي المشارق
وحكاه الخليل بفتح الفاء وهي رواية القابسي وذكره صاحب المعين غير مهموز، فأدخله في
حرف الياء. وحكى الخطابي أن بعضهم ذكره بفتح الفاء وتشديد الياء وهو غلط فاحش
(الفخذ من الناس دون القبيلة) وتقدم أن أولها الشعب، ثم القبيلة ثم الفصيلة، ثم العمارة،
ثم البطن، ثم الفخذ
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: ذكر الدجال، وصفته وما معه، (الحديث:
١١٠).

٦٣٠
١٧ - كتاب: المنثورات والملح
١٨٠٧ - وعَنْ رِبْعيِّ بْنِ حِراشٍ قَالَ: أَنْطَلَقْتُ مَعَ أَبي مَسْعودٍ الْأَنْصَارِيِّ إِلَى
حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ رضِيَ اللَّهُ عِنْهم فَقالَ لَهُ أَبُو مَسْعودٍ: حَدِّثْنِي مَا سَمِعْتَ مِنْ
رَسُولِ اللَّهِ ﴿ فِي الدَّجَّالِ. قَالَ: ((إِنَّ الدَّجَّالَ يَخْرُجُ وَإِنَّ مَعَهُ مَاءً ونَاراً، فَأمَّا
الَّذِي يَراهُ النَّاسُ مَاءً فَنَارَ تُحْرِقُ، وأمَّا الَّذي يَراهُ النَّاسُ نَاراً فَماءٌ باردٌ عَذْبٌ؛ فَمَنْ
أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقَعْ فِي الَّذِي يَراهُ نَاراً فَإِنَّهُ مَاءٌ عَذْبٌ طَيِّبٌ)) فَقَالَ أَبُو مَسْعودٍ: وَأَنَا قَدْ
سَمِعْتُهُ. مُتَّقَ عليْه(١).
١٨٠٧ - (وعن ربعيّ) بكسر الراء وسكون الموحدة وبالمهملة (بن حراش) بكسر المهملة
وتخفيف الراء آخره شين معجمة، وتقدم أنه تابعي (قال: انطلقت مع أبي مسعود
الأنصاري) هو البدري لشهوده وقعتها أو سكناه بها، على الخلاف المتقدم فيه، (إلى
حذيفة بن اليمان رضي الله عنهم فقال له أبو مسعود حدثني بما) أي: الذي (سمعت) بحذف
العائد، ويحتمل كون ما مصدرية والمصدر المنسبك بمعنى المفعول، ولا يخفى ما فيه من
البعد (عن رسول الله ﴿ في الدجال قال:) أي: النبي ◌َّل كما يدل له قول أبي مسعود آخراً
وأنا قد سمعته، وحذف العائد على حذيفة فلم يكتبه اكتفاء بدلالة المقام عليه (أن الدجال
يخرج) أي: في أواخر الدنيا (وأن معه ماء وناراً) جملة معطوفة على الجملة المحكية قبلها
أو حال من فاعل يخرج (فأما الذي يراه الناس) أي يبصرونه حال كونه (ماء فنار تحرق) بضم
التحتية من الاحراق (وأما الذي يراه الناس ناراً فماء عذب) أي: حلو (طيب) ضد الكدر.
قال المصنف: قال العلماء: من جملة فتنه التي امتحن الله بها عباده ليحق الحق ويبطل
الباطل، ثم يفضحه بعد، ويظهر عجزه وقال الحافظ: هذا كله يرجع إلى اختلاف المرء
بالنسبة إلى الراءي، فإما أن يكون الدجال ساحراً فيخيل الشيء بصورة عكسه، وإما أن
يجعل الله بأرض الجنة التي يسخرها للدجال ناراً وباطن النار جنة، وهذا هو الراجح وإما أن
يكون ذلك كناية عن الرحمة والنعمة بالجنة، وعن المحنة والنقمة بالنار، فمن أطاعه فأنعم
عليه بجنته يؤول أمره إلى دخول نار الآخرة وبالعكس، ويحتمل أن يكون ذلك من جملة
المحنة والفتنة فيرى الناظر ذلك من دهشته فيظنها جنة وبالعكس اهـ. (فقال أبو مسعود وأنا
قد سمعته متفق عليه) رواه البخاري في ذكر بني إسرائيل وفي الفتن. ورواه مسلم في
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل وفي الفتن، باب: ذكر الدجال،
(٨٧/١٣ و ٨٨).
وأخرجه مسلم في كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: ذكر الدجال، وصفته وما معه، (الحديث:
١٠٧ و١٠٨).

٦٣١
٣٧٠ - باب: في فضل المنثورات والملح
١٨٠٨ - وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو بنِ الْعاصِ رضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ، لا أدْرِي أَرْبَعِينَ يَوْمَاً
أَوْ أَرْبَعِينَ شَهْراً أَوْ أَرْبَعِينَ عَامَاً، فَيَبْعَثُ اللَّهُ تَعالَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﴿ فَيَطْلُبُهُ
فَيُهْلِكُهُ، ثُمَّ يَمِكُثُ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَداوَةٌ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ
الفتن. ورواه أيضاً أبو داود في الملاحم من سننه عن حذيفة موقوفاً. وعن أبي مسعود
الأنصاري مرفوعاً.
١٨٠٨ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ولم يخرج
الدجال في أمتي فيمكث أربعين. لا أدري أربعين يوماً أو أربعين شهراً أو أربعين عاماً. قال
في فتح الباري: والجزم بأنها أربعون يوماً مقدم على هذا الترديد (فيبعث الله عيسى ابن
مريم) أي: من السماء إلى الأرض (# فيطلبه) أي: فيدركه بالشام (فيهلكه) أي: بأن يقتله
ولا ينافيه من أنه يذوب حينئذ كذوبان الملح، لأن ذلك لعله يكون ابتداء اللقي، ثم يسارعه
عيسى بالقتل زيادة في الإِهانة (ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة) يحتمل
أنها المدة الخالصة من الأكدار البتة في زمن عيسى عليه السلام، وإلا فذكر الشيخ جلال
الدين السيوطي أنه يمكث بعد نزوله أربعين سنة ولفظه في حاشية تفسير البيضاوي قوله في
هذا الحديث: ويمكث في الأرض أربعين سنة. قال الحافظ عماد الدين ابن كثير: يشكل
عليه ما ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عمرو: أنه يمكث في الأرض سبع سنين،
قال: اللهم إلا أن يحمل هذه السبع على مدة إقامته بعد نزوله. وتلك مضافاً إلى مكثه فيها
قبل رفعه إلى السماء وكان عمره إذ ذاك ثلاثاً وثلاثين على المشهور. والله أعلم. أقول وقد
أقمت سنين أجمع بذلك ثم رأيت البيهقي قال في كتاب البعث والنشور هكذا في الحديث:
إن عيسى يمكث في الأرض أربعين سنة. وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمرو
فيبعث الله عيسى ابن مريم، فيطلبه فيهلكه ثم تلبث الناس بعده سبع سنين، ليس بين اثنين
عداوة. قال البيهقي: يحتمل أن يكون قوله: ثم يلبث الناس أي: بعد موته فلا يكون مخالفاً
للأول، فترجح عندي هذا التأويل، لأن الحديث ليس نصاً في الإِخبار عن مدة لبث عيسى،
وذاك نص فيها لأن ثم يؤيد هذا التأويل. وكذا قوله يلبث الناس بعده فيتجه أن الضمير فيه
لعيسى، لأنه أقرب مذكور؛ ولأنه لم يرد في ذلك سوى الحديث المحتمل ولا ثاني له. وورد
مكث عيسى أربعين سنة في عدة أحاديث، من طرق مختلفة: منها الحديث المذكور. وهو
صحيح. ومنها ما أخرجه الطبراني من حديث أبي هريرة أن رسول الله و الله قال: ((ينزل عيسى

٦٣٢
١٧ - كتاب: المنثورات والملح
رِيحأ بارِدَةٌ مِنْ قِبَلِ الشَّامِ فَلا يَبْقَى عَلى وجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ
خَيْرِ أوْ إِيمَانٍ إِلَّ قَبَضَتْهُ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ فِي كَبِدٍ جَبَلٍ لَدَخَلَتْهُ عَلَيْهِ حَتَّى
تَقْبِضَهُ، فَيَبْقَى شِرارُ النَّاسِ في خِفَّةِ الطَّيْرِ، وأَحْلامِ السِّباعِ؛ لا يَعْرِفونَ مَعْروفَاً،
ولا يُنْكِرونَ مُنْكَراً، فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ: أَلا تَسْتَجِيبونَ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تَأْمُرُنا!
فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبادَةِ الأَوْثَانِ، وهُمْ فِي ذَلِكَ دارَّ رِزْقُهُمْ، حَسَنَ عَيْشُهُمْ، ثُمَّ يُنْفَحُ في
الصُّورِ فَلا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّ أَصْغَى لِيتَاً وَرَفَعَ لِيتً،
ابن مريم، فيمكث في الأرض أربعين سنة، لو يقول للبطحاء سيلي عسلاً لسألت)). ومنها ما
أخرجه أحمد في مسنده عن عائشة مرفوعاً في حديث الدجال: ((فينزل عيسى ابن مريم
فيقتله، ثم يمكث في الأرض أربعين سنة، إماماً عادلاً وحكماً مقسطاً)) وورد أيضاً من حديث
ابن مسعود عند الطبراني فهذه الأحاديث المتعددة أولى من ذلك الحديث الواحد المحتمل
اهـ. (ثم يرسل الله عز وجل ريحاً باردة) تقدم في حديث النواس بدل باردة قوله طيبة فلعل
طيبها بردها وبين جهة مهبها بقوله: (من قبل الشام فلا يبقى) بالتحتية (على وجه الأرض أحد
في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضت) من الإِسناد إلى السبب كما تقدم (حتى لو أن
أحدكم) الخطاب للمؤمنين الموجود بعضهم حاله (دخل في كبد) بفتح فكسر على الأفصح
أي: وسط وداخل (جبل لدخلته عليه حتى تقبضه فيبقى شرار الناس) بكسر المعجمة (في
خفة الطير) بكسر المعجمة وتشديد الفاء، والطير يجوز أن يكون اسم جمع طائر، وأن يكون
واحد الطيور (وأحلام) بالمهملة (السباع) بكسر المهملة وبالموحدة وبعد الألف مهملة
أيضاً. قال المصنف: قال العلماء: معناه يكونون في سرعتهم إلى الشر وقضاء الشهوة
والفساد: كطيران الطير، وفي العدو خلف بعضهم بعضاً أحلام السباع العادية (لا يعرفون
معروفاً ولا ينكرون منكراً) لشدة الجهل (فيتمثل لهم الشيطان) أي: يتصور لهم على مثال
شخص فيخاطبهم (فيقول ألا تستجيبون فيقولون. فما تأمرنا فيأمرهم بعبادة الأوثان وهم في
ذلك دار) بتشديد الراء (رزقهم) أي: ما ينتفعون به (حسن عيشهم) أي: ما يعيشون به من
الطعام والشراب والملبس: والجملة خبر بعد خبر وجملة وهم الخ حال، أتى بها لبيان ما
ترتب على ضلالهم من رفاهية العيش وخصوبته. وفي الكلام حذف، أي: فيجيبونه لذلك
كما جاء ما يدل لذلك. (ثم ينفخ في الصور) نفخة الصعق (فلا يسمعه) أي : النفخ المدلول
عليه بالفعل. (أحد إلا أصغى ليتاً) بالصاد المهملة وبالغين المعجمة أي: مال (ورفع ليتاً

٦٣٣
٣٧٠ - باب: في فضل المنثورات والملح
وأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِبِلِهِ فَيُصْعَقُ وَيُصْعَقُ النَّاسُ
حَوْلَهُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ أَوْ قَالَ يُنْزِلُ اللَّهُ مَطَراً كَأَنَّهُ الطَّلُّ
أوِ الظُّلُّ فَتَبْتُ مِنْهُ أَجْسادُ النَّاسِ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرِى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ، ثُمَّ
يُقَالُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمُّوا إلى رَبَّكُمْ، وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤْلوونَ، ثُمَّ يُقالُ: أَخْرِجُوا
بَعْثَ النَّارِ، فَيُقالُ مِنْ كَمْ؟ فَيُقالُ مِنْ كلِّ ألفٍ تِسْعِمَاتَّةٍ وتِسْعَةٌ وَنِسْعِينَ؛ فَذَلِكَ يَوْمٌ
يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً، وَذَلِكَ يَوْمٌ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ)) رواهُ مُسلمٌ. ((اللَّيْتُ)): صَفْحَةُ
وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله) أي: يطينه ويصلحه (فيصعق ويصعق الناس ثم
يرسل الله أو قال: ينزل الله مطراً كأنه الطل) بالمهملة (أو) شك من الراوي (الظل)
بالمعجمة قال المصنف: والأصح بالمهملة، وهو الموافق للرواية الأخرى كمني الرجال
(فتنبت منه) أي: بسببه أو من معدية للفعل (أجساد الناس من عجب الذنب) الباقي من
جسد الإِنسان في القبر وهي عظم في أصل العصعص قدر الخردل (ثم ينفخ فيه) أي :
الصور (أخرى) للبعث (فإذا هم قيام) من قبورهم (ينظرون) أو ينظر بعضهم بعضاً أو
ينتظرون أمر الله فيهم (ثم يقال يا أيها الناس هلموا) كذا في نسخة بضمير الجماعة، وهي
لغة تميم. وفي أخرى صحيحة بحذفها وهي لغة الحجاز، وبها جاء التنزيل قال الله تعالى:
﴿قل هلم شهداءكم﴾(١) (إلى ربكم وقفوهم) أي: في عرصات القيامة (إنهم مسؤولون)
عن ما عملوه في الدنيا وتلبسوا به (ثم يقال) أي: للملائكة الموكلين بالناس يومئذ كما يدل
عليه قوله (أخرجوا بعث النار) بضمير الجماعة وهو لا ينافي الحديث الصحيح عند
البخاري، يقال لآدم اخرج بعث النار من ذريتك (الحديث) لجواز أمر كل منه ومنهم بذلك
زيادة في التهويل والتفظيع، وبعث مصدر بمعنى المفعول، أي: المبعوث إليها (فيقال من
كم فيقال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين) فالباقي من الألف للجنة واحد (فذاك يوم)
بالرفع خبر اسم الإشارة، ويجوز نصبه على الظرفية. والخبر محذوف وهو بالتنوين موصوف
بقوله: (يجعل الولدان شيبا) الإِسناد إلى اليوم من الإِسناد إلى السبب (وذاك يوم يكشف عن
ساق) أي: يكشف عن حقائق الأمور وشدائد الأهوال وكشف الساق، مثل في ذلك. وقيل
يكشف عن ساق: أي: نور عظيم يخرون له سجداً. جاء هذا التفسير مرفوعاً (رواه مسلم
(١) سورة الأنعام، الآية: ١٥٠
00

٦٣٤
١٧ - كتاب: المنثورات والملح
الْعُنُقِ. ومَعْناهُ يَضَعُ صَفْحَةَ عُنُقِهِ وَيَرْفَعُ صَفْحَتَهُ الْأخْرِى(١).
١٨٠٩ - وعَنْ أَنَسِ رضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلّ
سَيَطَؤُهُ الدَّجَالُ إِلَّ مَكَّةً وَالْمَدِينَةَ، ولَيْسَ نَقْبٌ مِنْ أنْقائِهِما إلّ عَلَيْهِ الْمَلائِكَةُ صافِّينَ
تَحْرُسُهُما، فَيَنْزِلُ بِالسَّبْخَةِ فَتَرْجُفُ الْمَدِينَةُ ثَلاثَ رَجَفَاتٍ يُخْرِجُ اللَّهُ مِنْها كلَّ كافِرٍ
ومُنافِقٍ)) رواهُ مُسْلمُ(٢).
الليت) بكسر اللام وسكون التحتية وبالمثناة الفوقية (صفحة العنق) بضمتين وبسكون الثاني
تخفيفاً. (ومعناه يضع صفحة عنقه ويرفع صفحة الأخرى) أي: من عظم الهول وشدة
الأمر.
١٨٠٩ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله مشيرة ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال)
الاستثناء مرفوع، واسم ليس مجرور بمن: للتأكيد؛ وخبرها محذوف. أي: ليس بلد
موجودة إلا سيطأه الدجال ابتلاء لأهله؛ وزيادة في ثواب التائبين. (إلا مكة والمدينة)
والمسجد الأقصى ومسجد الطور، كما جاء ذلك في حديث رواه أحمد بسندٍ، رجاله ثقات
أشار إليه الحافظ في الفتح (وليس نقب) بفتح النون وسكون القاف آخره موحدة أي: خرق
قال في المصباح وهو في الأصل مصدر سمي به (من أنقابها إلا عليه الملائكة صافين) حال
مقدرة من الظرف المستقر (تحرسهما) استئناف بياني، أو حال بعد أخرى متداخلة أو مترادفة
والمراد تحرسهما من الدجال (فينزل بالسبخة) بفتح المهملة والموحدة وبالخاء المعجمة،
وهي الأرض الرملة التي لا تنبت لملوحتها، وهذه الصفة خارج المدينة من غير جهة الحرة.
وجاء في رواية أنه ((ينزل بسبخة الجرف)) (فترجف المدينة ثلاث رجفات) قال الحافظ :
يجمع بينه وبين حديث لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال بأن الرعب المنفي الخوف
والفزع، حتى لا يحصل لأحد فيها بسبب نزوله بها شيء منه، أو هو عبارة عن غايته وهو
غلبته عليها والمراد بالرجفة الإِرفاق. وهو إشاعة مجيئه وأنه لا طاقة لأحد به، فيسارع حينئذ
إليه من يتصف بالنفاق أو الفسق، فظهر حينئذ تمام أنها تنفي خبثها اهـ. (يخرج الله منها كل
کافر ومنافق رواه مسلم).
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: في خروج الدجال ومكثه في الأرض ... ،
(الحديث: ١١٦).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: قصة الجساسة، (الحديث: ١٢٣).

٦٣٥
٣٧٠ - باب: في فضل المنثورات والملح
١٨١٠ - وعَنْهُ رضِيَ اللهُ عنه أنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ يَهُودِ
أَصْبِهَانَ سَبْعونَ ألفاً عَلَيهِمُ الطَيالِسَةُ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
١٨١٠ - (وعنه أن رسول الله وبر قال: يتبع) بسكون الفوقية (الدجال من يهود أصبهان)
بكسر الهمزة والموحدة وفتحها وتبدل فاء (سبعون ألفاً عليهم الطيالسة) جملة في محل
الحال المقدرة (رواه مسلم) ورواه أحمد وأبو عوانة وابن حبان قال الحافظ في الفتح:
ولا يلزم من هذا كراهة لبس الطيلسان. قال الحافظ السيوطي في كتاب ((الأحاديث الحسان
في فضل الطيلسان)): وهو واضح لأن الكراهة تحتاج إلى نهي خاص به، ولا وجود له، وإذا
لبس الكفار ملبوس المسلمين: لا يكره للمسلمين لبسه. قال الحافظ ابن حجر: وقيل المراد
بالطيالس الأكسية اهـ. وزاد غيره أن المراد الطيلسان المقور. قال السيوطي: وهذا أصح
الأقوال فيه، ويؤيده ما أخرجه أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله أن رسول الله وَ ل ذكر
الدجال فقال: ((يكون معه سبعون ألفاً من اليهود على رجل منهم ساج وسيف)). قال ابن
الأثير في النهاية: الساج: الطيلسان الأخضر، وقيل: هو الطيلسان المقور، ينسج كذلك.
قال الزركشي في الخادم: والمراد بالمقور المدور كما قاله الأزهري أنه ينسج مدوراً يعني
كهيأة السفرة ولهذا شبه بتقوير البطيح والجيب اهـ. وقال القاضي أبو يعلى بن الفراء من
الحنابلة: لا يمنع أهل الذمة من الطيلسان المقور الطرفين المكفوف الجانبين الملفف
بعضها إلى بعض ما كانت العرب تعرفه وهو لباس اليهود قديماً والعجم أيضاً والعرب تسميه
ساجاً، ويقال: إن أول من لبسه من العرب جبير بن مطعم. وكان ابن سيرين يكرهه اهـ.
وفي الأوائل للعسكري: أول من لبسه من العرب في الإِسلام عبد الله بن عامر بن كريز.
وقيل جبير بن مطعم. وكذا قال الشيخ تقي الدين بن تيمية: إن الطيلسان المقور لا أصل له
في السنة، ولم يكن من فعل النبي تعمل﴿ والصحابة، بل هو من شعار اليهود. وفي الصحيح
((أن الدجال يخرج معه سبعون ألفاً من اليهود عليهم الطيالسة)) وقال بعد كلام طويل ما لفظه:
فتبين بهذه النقول أن كل من وقع في كلامه من العلماء: كراهة الطيلسان وكونه شعار اليهود،
إنما أراد المنور، والذي على شكل الطرحة، يرسل من وراء الظهر والجانبين، من غير إدارة
تحت الحنك، ولا إلقاء لطرفيه تحت الكتفين، وأما المربع الذي يدار من تحت الحنك
ويغطى الرأس وأكثر الوجه ويجعل طرفاه على الكتفين، فلا خلاف في أنه سنة اهـ. كلام
السيوطي ملخصاً
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: في بقية من أحاديث الدجال، (الحديث:
١٢٤).

٦٣٦
١٧ - كتاب: المنثورات والملح
١٨١١ - وعَنْ أُمِّ شَريكِ رضِيَ اللَّهُ عنْها أَنَّها سَمِعَتِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ يَقولُ: ((لَيَنْفِرَنَّ
النَّاسُ مِنَ الدَّجَّالِ فِي الْجِبالِ)) رواهُ مُسْلَمٌ (١).
١٨١٢ - وعَنْ عِمْرانَ بنِ حُصَيْن رضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه وَه
يَقولُ: ((مَا بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ إِلَى قِيامِ السَّاعَةِ أَمْرٌ أَكْبَرُ مِنَ الدَّجَّالِ)) رَواهُ مُسْلمُ(٢).
١٨١١ - (وعن أم شريك) بفتح المعجمة وكسر الراء وسكون التحتية قال الحافظ في
التقريب: هي العامرية. ويقال الدوسية ويقال: الأنصارية اسمها غزية ويقال غزيلة
صحابية: يقال هي الراهبة (رضي الله عنها) خرج حديثها الشيخان والترمذي والنسائي وابن
ماجة اهـ. روي لها عن رسول الله وَ الله (أنها سمعت رسول الله وَ ل يقول لينفرن) بكسر الفاء
ويجوز ضمها (الناس) أي: المؤمنون (من الدجال) أي: لأجله وخوفاً من فتنته (في الجبال)
الظاهر: أن في: بمعنى على. كهي في قوله تعالى ﴿الأصلبنكم في جذوع النخل﴾ (٣)
وأكد ◌َّ الأمر بالقسم المؤذنة به اللام، زيادة في التقرير، وإيماء إلى عظيم فتنته وشدة شرها
(رواه مسلم).
١٨١٢ - (وعن عمران بن حصين) بكسر العين وضم الحاء وفتح الصاد المهملات وسكون
التحتية آخره نون. الصحابي ابن الصحابي (رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله اله
يقول ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أكبر) بالنصب من الكبر، بكسر ففتح أي : أعظم
(من الدجال) وذلك: لأنه لا ينجو منها إلا النزر اليسير. قال في فتح الباري: وأخرج أبو
نعيم في ترجمة حسان بن عطية من الحلية بسند صحيح إليه. قال: ((لا ينجو من فتنة الدجال
إلا اثني عشر ألف رجل وسبعة آلاف امرأة)) وهذا لا يقال من قبل الرأي فيحتمل أن يكون
مرفوعاً أرسله، ويحتمل أن يكون أخذه عن بعض أهل الكتاب (رواه مسلم) في أبواب
الفتن .
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: في بقية من أحاديث الدجال، (الحديث:
١٢٥).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: في بقية من أحاديث الدجال، (الحديث :.
١٢٦).
(٣) سورة طه، الآية: ٧١ .

٦٣٧
٣٧٠ - باب: في فضل المنثورات والملح
١٨١٣ - وعَنْ أَبي سَعيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضيَ اللَّهُ عنهُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: ((يَخْرُجُ
الدَّجَّالُ فَيَتَوَجَّهُ قِبَلَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَيَتْلَقَّاهُ الْمَسالِحُ مَسالِحُ الدَّجَّالِ، فَيَقُولُونَ
لَهُ: أَيْنَ تَعْمِدُ! فَيَقولُ: أَعْمِدُ إِلَى هَذَا الَّذِي خَرَجَ، فَيَقولُونَ لَهُ: أَوَ ما تُؤْمِنُ بِرَبِّنَا!
فَيَقولُ: مَا بِرَبِّنا خَفَاءٌ، فَيَقولون: أَقْتُلُوهُ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: أَلَيْسَ قَدْ نَهَاكُمْ
رَبُّكُمْ أَن تَقْتُلُوا أَحَداً دُونَهُ، فَيَنْطَلِقُونَ بِهِ إِلَى الدَّجَّالِ، فَإِذَا رَآهُ الْمُؤْمِنُ قَالَ: يَا أَيُّها
النَّاسُ إِنَّ هَذَا الدَّجَّالُ الَّذِي ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ، قَالٍ فَيَأْمُرُ الدَّجَّلُ بِهِ فَيُشَبَّحُ،
١٨١٣ - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي (وَيّم قال: يخرج الدجال) قال في
فتح الباري: الذي يدعيه أنه يخرج أولاً فيدعي الإِيمان والصلاح، ثم يدعي النبوة ثم يدعي
الألوهية. كما أخرجه الطبراني من طريق سليمان بن شهاب قال: نزل على عبد الله بن
المغنم وكان صحابياً، فحدثني عن النبي ◌َّ أنه قال: ((الدجال ليس به خفاء يجيء من قبل
المشرق فيدعو إلى الدين فيتبع ويظهر، ولا يزال حتى يقدم الكوفة ويظهر الدين، ويعمل به
ثم يتبع ويحث على ذلك ثم يدعي أنه نبي فيفزع من ذلك كل ذي لب ويفارقه فيمكث بعد
ذلك ثم يقول أنا إلّه فتغشى عينه وتقطع أذنه ويكتب بين عينيه كافر فلا يخفى ذلك على مسلم
فيفارقه كل أحد من الخلق في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان)) وسنده ضعيف. (فيتوجه
قبله) بكسر القاف وفتح الموحدة أي: جهته (رجل من المؤمنين) قال المصنف: قال أبو
إسحاق. يقال إن هذا هو الخضر. وأبو إسحاق هذا هو راوي صحيح مسلم عن مسلم وكذا
قال معمر في جامعه في أثر هذا الحديث، كما ذكره أبو سفيان وهذا منهم تصريح بحياة
الخضر وهو الصحيح اهـ. (فتلقاه المسالح) بالمهملتين (مسالح الدجال) بدل كل مما قبله
(فيقولون له إلى أين تعمد) بكسر الميم أي: تقصد (فيقول أعمد إلى هذا الذي خرج)
ضمن أعمد معنى: اذهب والإِتيان بالمجرور اسم إشارة للتحقير والإِهانة، كالتعبير بقوله
وخرج (فيقولون له أو ما تؤمن بربنا فيقول) رداً لقولهم ربنا، الظاهر في عموم المتكلم وغيره
(ما بربنا خفاء) أي: أن أوصافه العلية ظاهرة لاخفاء فيها، والدجال منظره يدل على كذبه
(فيقولون) أي: يقول بعضهم لبعض (اقتلوه فيقول بعضهم لبعض) عبر عنهم أولاً بيقولون،
وثانياً بما ذكرنا، تفنناً في التعبير ودفعاً لثقل التكرير، وإيماء إلى أن ما وقع من بعض القوم
ورضي به الباقون جازت نسبته للجميع (أليس قد نهاكم ربكم) يعنون الدجال (أن تقتلوا
أحداً دونه فينطلقون به إلى الدجال) فيأتون إليه (فإذا رآه المؤمن) أي: وقع بصره عليه ونظر
ما بعينيه من العور وما بوجهه من كتابة كافر (قال) عند رؤيته له (ياأيها الناس هذا الدجال

٦٣٨
١٧ - كتاب: المنثورات والملح
فَيَقُولُ: خُذُوهُ وشُجُوهُ، فَيَوسَعُ ظَهْرُهُ وَبِطْنُهُ ضَرْباً، فَيَقولُ: أَوَما تُؤْمِنُ بي؟ فَيَقولُ:
أَنْتَ الْمَسيحُ الْكَذَّابُ! فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُؤْشَرُ بِالْمِثْشارِ مِنْ مَفْرِقِهِ حَتَّى يُفَرَّقَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ،
قال ثُمَّ يَمْشِي الدَّجَّالُ بَيْنَ الْقِطْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقولُ لَهُ: قُمْ فَيَسْتَوي قَائِماً، ثُمَّ يَقولُ لَهُ:
أَتُؤْمِنُ بي؟ فَيَقولُ: مَا ازْدَدْتُ فِيكَ إِلَّ بَصِيرَةً، قال ثُمَّ يَقولُ: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ
لا يَفْعَلُ بِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، قال فَيَأْخُذُهُ الدَّجَالُ لِيَذْبَحَهُ، فَيَجْعَلُ اللَّهُ مَا بَيْنَ رَقَبَتِهِ إِلَى
تَرْقُوتِهِ
الذي ذكر رسول الله (سيد) بحذف العائد اختصاراً لأن المقام له (فيأمر الدجال به فيشبح)
بضم التحتية وفتح المعجمة والموحدة بعدها مهملة أي: يمد على بطنه (فيقول خذوه
وشجوه) بالمعجمة والجيم من الشج قال المصنف: وهو الجرح في الرأس والوجه. يقال
شجه إذا شق جلده. ويقال هو مأخوذ من شجت السفينة البحر إذا شقته جارية فيه كذا في
المصباح. وهذا أحد وجوه ثلاث في روايات ذكرها المصنف. ثانيها أنها من التشبيح والشق
معاً. وثالثها أنها من الشبح كذا قال المصنف. وصحح القاضي الوجه الثاني وهو الذي ذكره
الحميدي في الجمع بين الصحيحنِ، والأصح عندنا الأول (فيوسع) بالبناء للمفعول وهو
بالتحتية والمهملة (ظهره وبطنه ضرباً) بالنصب على التمييز (فيقول أو ما تؤمن بي فيقول)
صبراً على التعذيب في الله (أنت المسيح الكذاب) هو بمعنى الدجال على أحد الأقوال
(فيؤمر به فيؤشر بالمنشار) قال المصنف: هكذا الرواية بالهمز فيهما وهو الأفصح ويجوز
تخفيفاً إبدالها واواً في الفعل وياء في الثاني، ويجوز المنشار بالنون كما تقدم ذلك مراراً (من
مفرقه) بفتح الميم وكسر الراء أي: وسطه (حتى يفرق بين رجليه) غاية للفعل (ثم يمشي
الدجال بين القطعتين) زيادة في الفتنة (ثم يقول له قم فيستوي قائماً) أي: فيحبى فيستوي
قائماً (ثم يقول له أتؤمن بي فيقول: ما ازددت فيك إلا بصيرة) أي: استبصاراً أو تعرفاً أنك
الدجال (ثم يقول) أي: المؤمن (ياأيها الناس إنه لا يفعل) أي: الفعل المدلول عليه بالمقام
(بعدى بأحد من الناس فيأخذه الدجال ليذبحه) إذ لم يؤمن به (فيجعل الله ما بين رقبته إلى
ترقوته) بفتح الفوقية وضم القاف وسكون الراء: وهي العظم الذي بين نقرة النحر والعاتق
من الجانبين. قال بعضهم: ولا تكون الترقوة لشيء من الحيوان غير الإِنسان. ثم إن ((إلى)
يحتمل أنها بمعنى الواو، لأن ((بين)) لا تضاف إلا إلى متعدد، ويحتمل أن يقال في الكلام
مضاف مقدر أي أخر رقبته، ولعل هذا أقرب (نحاساً) بضم النون على الأفصح وبالمهملتين
يحتمل إجرائه على ظاهره وحقيقته وأن الله يجعل الجلدة أو عليها النحاس ويحتمل أنه مجاز

٦٣٩
٣٧٠ - باب: في فضل المنثورات والملح
نُحاسَاً فَلا يَسْتَطِيعُ إِلَيْهِ سَبِيلاً، قَال فَيَأْخُذُهُ بِيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَيَقْذِفُ بِهِ فَيَحْسَبُ
النَّاسُ أَنَّمَا قَذَفَهُ إِلَى النَّارِ وإِنَّمَا أُلْقِيَ فِي الْجَنَّةِ)) فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((هَذَا أَعْظَمُ
النَّاسِ شَهادَةً عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) رواهُ مُسلمٌ. وَرَوى الْبُخَارِيُّ بَعْضَهُ بِمْعناهُ:
((الْمَسالِحُ)) الْخُفَرَاءُ والطَّلَائِعُ(١).
١٨١٤ _ وعَنِ الْمُغيرَةِ بنِ شُعْبَةَ رضِيَ اللَّهُ عنْهُ قَالَ: مَا سَأَلَ أَحَدٌ رَسُولَ اللَّهِ وَه
أو كناية عن الحيلولة عنه وعدم التمكن منه كما قال (فلا يستطيع الوصول إليه) أي: بالقتل
وفي نسخة فلا يستطيع إليه سبيلاً أي بالقتل (فيأخذ بيديه ورجليه) الباء مزيدة في المفعول
للتأكيد كقوله تعالى ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ (٢) (فيقذف) بكسر الذال المعجمة
أي: يرمى (به فيحسب الناس) أي: يظنون (أنه قذف في النار) لكونها بصورتها (وإنما
ألقي) بالبناء للمجهول (في الجنة) حقيقة لأن ناره جنة، وبالعكس كما تقدم (فقال
رسول الله هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين) لأنه قال: الحق عند الظالم
الكاذب الجائر، وإن ثبت ما تقدم من أنه الخضر فيكون فيه بيان وقت وفاته، وأنه لا يبقى
إلى انقراض الدنيا، بل لا يلقى عيسى عليه السلام (رواه مسلم وروى البخاري) في كتاب
الفتن (بعضه بمعناه) من حديث أبي سعيد ولفظه ((يأتي الدجال وهو محرم عليه أن يدخل
نقاب المدينة، فيدخل بعض السباخ التي تلي المدينة فيخرج إليه يومئذ رجل وهو خير الناس
أو من خير الناس، فيقول أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله وَالر حديثه، فيقول:
أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته. هل تشكون في الأمر؟ فيقولون لا فيقتله ثم يحييه فيقول والله
ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه)). (المسالح)
بالمهملتين (هم الخفراء) بضم المعجمة وبالفاء (والطلايع جمع) طليعة وهو من يتقدم القوم
ويتطلع لهم الأخبار. وقال بعضهم، المسالح: الرجل المسلم جمع مسلحة. وهم قوم ذو
سلاح. ولعل المراد به هنا: مقدمة الجيش. أصله موضع السلاح ثم استعمل للثغر فإنه تعد
فيه الأسلحة، ثم للجند المترصدين ثم لمقدم الجيش، فإنهم كأصحاب الثغور لمن وراءهم
من المسلمين.
١٨١٤ - (وعن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه قال ما سأل أحد رسول الله والله أكثر
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الفن وأشراط الساعة، باب: في صفة الدجال وتحريم المدينة عليه وقتله المؤمن
وإحيائه، (الحديث: ١١٣) ..
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٩٥.
١

٦٤٠
١٧ - كتاب: المنثورات والملح
عَنِ الدَّجَّالِ أَكْثَرَ مِمَّا سَأَلْتُهُ، وإِنَّهُ قَالَ لي: (مَا يَضُرُّكَ))؟ قُلْتُ: إِنَّهُمْ يَقولُونَ إِنَّ مَعَهُ
جَبَلَ خُبْزِ ونَهْرَ مَاءٍ. قَالَ: (هُوَ أَهْوَنُ عَلى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ)) متَّفَقٌ عَلَيهِ(١).
١٨١٥ - وعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: (مَا مِنْ نَبِيِّ إِلَّ
وَقَدْ أَنْذَرَ أُمّتَهُ الْأَعْوَرَ الْكَذَّابَ؛ أَلا إِنَّهُ أَعْوَرُ وإِنَّ رَبَّكُمْ عَزَّ وجَلَّ لَيْسَ بِأَعْوَرَ،
مما سألته) أي: عنه أو من سؤالي وهذا لفظ البخاري. ولفظ مسلم أكثر ما سألته بحذف من
(وأنه قال لي ما يضرك) وفي رواية مسلم وما ينصبك منه بنون وصاد مهملة ثم موحدة من
النصب يعني التعب (قلت أنهم) بفتح الهمزة وبتقدير اللام المصرح بها في رواية البخاري
قال الحافظ والظرف متعلق بمحذوف أي: الخشية أو نحوها لأنهم (يقولون أن معه جبل
خبز) بضم المعجمة وسكون الموحدة بعدها زاي أي: معه من الخبز قدر الجبل. أو أطلق
الخبز وأريد به أصله: وهو القمح مثلاً. وفي رواية لمسلم معه جبال من خبز، ولحم ونهر من
ماء وفي رواية ((أن معه الطعام والأنهار)) وفي رواية ((أن معه الطعام والشراب)) (ونهر ماء)
بإسكان الهاء وبفتحها (قال: هو أهون على الله من ذلك) زاد مسلم. بل فقال هو أهون إلخٍ
قال عياض: معناه هو أهون من أن يجعل ما يخلقه على يديه مضلاً للمؤمنين، ومشككاً
القلوب الموقنين، بل ليزداد الذين آمنوا إيماناً ويرتاب الذين في قلوبهم مرض. لا أن المراد
بذلك: أنه ليس شيء من ذلك معه، بل المراد: أهون من أن يجعل شيئاً من ذلك آية على
صدقه، سيما وقد جعل فيه آية ظاهرة في كذبه وكفره، يقرؤها من يقرأ ومن لا يقرأ، زائدة
على شواهد كذبه من حديثه ونقصه. قال الحافظ في الفتح: وإنما أوله بذلك لصحة
الأحاديث، بأن معه ما ذكر من الطعام والشراب. وقال ابن العربي: ويحتمل أن يكون
المراد: هو أهون من أن يجعل ذلك له حقيقة، إنما هو تخييل وشبه على الأبصار، فيثبت
المؤمن ويزل الكافر. ومال ابن حبان في صحيحه إلى ذلك (متفق عليه).
١٨١٥ - (وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله وَسير ما من نبي إلا وقد أنذر قومه) وفي
نسخة أمته (الأعور الكذاب) وذلك لأنهم علموا بخروجه وشدة فتنته، وتوهم كل نبي إدراك
أمته فأنذرهم منه (إلا) بتخفيف اللام: أداة استفتاح وحرف تنبيه (أنه أعور وإن ربكم عز
وجل ليس بأعور) جملة معطوفة على مدخول أن قبلها، وإنما اقتصر على ذلك مع أن أدلة
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الفتن، باب: ذكر الدجال، (١٣ /٨٠، ٨١).
وأخرجه مسلم في كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: في الدجال وهو أهون على الله عز وجل،
(الحديث: ١١٤).
......