النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
٢٨٢ - باب: في النهي عن تعذيب العبد
فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا! لَعَنَ اللَّهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا! إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴾﴿ لَعَنَ مَنِ
اتخَذَ شَيْئاً فِيهِ الرُّوحُ غَرَضاً. مُتْفَقَ عَلَيْهِ. ((الْغَرضُ)) بفتحِ الغينِ المعجمةِ والرَّاءِ
وهُوَ: الْهَدَفُ والشَّيْءُ الَّذِي يُرْمَى إِلَيْهِ(١).
١٦٠٠ - وعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﴾ أنْ تُصْبَرَ الْبَهائِمُ.
مُتَّفَقْ عَلَيْهِ. ومعناهُ: تُحْبَسَ لِلْقْلِ(٢).
الطير كل خاطئة من نبلهم) الجملة معطوفة أو حال: خاطئة لغة، والأفصح بالهمز، أي:
ما لم تصب المرمى. وقوله: خاطئة لغة، والأفصح مخطئة. يقال لمن قصد شيئاً فأصاب
غيره غلطاً، أخطأ فهو مخطىء، وفي لغة قليلة خاطىء. وهذا الحديث جاء على اللغة
الثانية، حكاها أبو عبيد والجوهري وغيرهما. والنبل بفتح النون وسكون الموحدة: السهام
العربية. وتقدم بسط الكلام فيها (فلما رأوا ابن عمر تفرقوا) خوفاً منه، لأنه كان لا تأخذه
في الله لومة لائم؛ (فقال ابن عمر من فعل هذا) استفهام توبيخ وتقريعٍ، وزاد في التقريع
والتبكيت (لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله وَل# لعن من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً)
وذلك لما فيه من تعذيب الحيوان، من غير سبب شرعي يقتضيه. والحديث مصرح، أن ذلك
من الكبائر، لما فيه من لعن فاعل ذلك؛ وذلك آية للكبيرة (متفق عليه. الغرض بفتح
المعجمة والراء) وبالضاد المعجمة (هو الهدف) بفتح الهاء والدال المهملة وبالفاء، وهو هنا
الغرض وزناً ومعنى (والشيء الذي يرمي إليه).
١٦٠٠ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: نهى النبي _ أن تصبر البهائم) بالبناء للمفعول
نائب، فاعله الإِسم بعده (متفق عليه) ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجة، ورواه البيهقي من
حديث ابن عباس وأبي هريرة بلفظ ((نهى عن صبر الروح وخصاء البهائم)) ورواه أحمد
ومسلم وابن ماجة من حديث جابر بلفظ ((نهى أن يقتل شيء من الدواب صبراً)) كذا في
الجامع الصغير (ومعناه) أن (تحبس للقتل) قال العلقمي: هو أن يمسك الحي، ثم يرمى
بشيء حتى يموت
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الذبائح، باب: ما يكره من المثلة (٥٥٤/٩).
وأخرجه مسلم في كتاب: الصيد والذبائح، باب: النهي عن صبر البهائم، (الحديث: ٥٩).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الذبائح، باب: ما يكره من المثلة (٥٥٣/٩ و٥٥٤)
وأخرجه مسلم في كتاب: الصيد والذبائح، باب: النهي عن صبر البهائم، (الحديث: ٥٨).

٤٤٢
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
١٦٠١ - وعَنْ أبي عَليَّ سُوَيْدِ بنِ مُقْرِّنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَقَدْ رَأيْتُنِي سَابِعَ
سَبْعَةٍ مِنْ بَنِي مُقَرِّنٍ، مَا لَنا خَادِمٌ إِلّ واحِدَةٌ لَطمَها أَصْغَرُنَا، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿ أَنْ
نَعْتِقَها. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وفي روايةٍ: سَابِعَ إِخْوَةٍ لي(١).
١٦٠٢ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعودٍ الْبَذْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ أضْرِبُ غُلامَاً لي
بِالسَّوْطِ فَسَمِعْتُ صَوْتاً مِنْ خَلْفي: ((اعْلَمْ أبا مَسْعودٍ)) فَلَمْ أَفْهَمِ الصَّوْتَ مِنَ
١٦٠١ - (وعن أبي علي سويد) بضم المهملة وفتح الواو وسكون التحتية بعدها مهملة (ابن
مقرن) بصيغة الفاعل من القرين بالقاف والراء والنون ابن عائذ بن منجا بن هجير بن
نضر بن حشية بن كعب بن نور بن هدمة بن الأطم بن عثمان بن عمر بن اد المزني، يقال
الولد عثمان بن عمرو وأخيه، أوس مزينة نسبوا إلى أمهم مزينة، بنت كلب بن وبرة يكنى أبا
عدي، وقيل أبو عمرو سكن الكوفة. روى له عن رسول الله وَلقر ثلاثة أحاديث، أخرج عنه
مسلم حديثاً واحداً، ولم يذكر ابن الأثير عام وفاته ولا محلها (رضي الله عنه قال لقد رأيتني)
بضم التاء، ومن خصائص أفعال القلوب، جواز اتحاد فاعلها ومفعولها، أي: علمتني (سابع
سبعة) ويصح كون رأى: بصرية، وسابع منصوب على أنه حال (من بني مقرن) وهم سبع
إخوة كلهم صحابة مهاجرون، لم يشاركهم أحد في مجموع ذلك، كما قاله ابن عبد البر،
وغيره النعمان ومعقل وعقيل وسويد وسنان وعبد الرحمن. قال ابن الصلاح: وسابع لم يسم
لنا، قال الحافظ زين الدين العراقي، في شرح ألفية الحديث: قد سماه ابن فتحون في ذيل
الاستيعاب، عبد الله بن مقرن. وذكر أنه كان على سيرة أبي بكر، في قتال أهل الردة، وأن
الطبري ذكر ذلك، وحكى ابن فتحون، أن بني مقرن عشرة فالله أعلم. وذكر الطبري في
الصحابة أيضاً: ضرار بن مقرن، خلف أخاه لما قتل بنهاوند اهـ. (ما لنا خادم إلا واحدة)
جملة في محل المفعول الثاني لرأى، إن كانت علمية. وسابعٍ حال من المفعول الأول.
وإن كانت بصرية فهي محل الحال من الياء، فتكون مع ما قبلَها حالاً مترادفة. (لطمها
أصغرنا) لم يعينه المحدثون فيما رأيته، أي: ضربها ببطن كفه (فأمرنا رسول الله وصالقر أن
نعتقها) ليكون اعتاقها كفارة لضربها؛ ففيه غلظ تعذيب المملوك، والاعتداء عليه (رواه
مسلم. وفي رواية) له (سابع إخوة لي) بدل قوله سابع: سبعة.
١٦٠٢ - (وعن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: كنت أضرب غلاماً لي بالسوط
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: صحبة المماليك، وكفارة من لطم عبده، (الحديث: ٣٢).

٤٤٣
٢٨٢ - باب: في النهي عن تعذيب العبد
الْغَضَبِ، فَلَمَّا دَنا مِنِّي إِذَا هُوَ رسولُ اللَّهِ وَ﴿ فَإِذَا هُوَ يَقولُ: ((اعْلَمْ أبا مَسْعودٍ أَنَّ اللَّهَ
أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ على هَذَا الْغُلامِ، فَقُلْتُ: لا أضْرِبُ مَمْلوكاً بَعْدَهُ أَبَداً. وفي رِوايَةٍ:
فَسَقَطَ السَّوْطُ مِنْ يَدِي مِنْ هَيْبَتِهِ. وفي روايةٍ: فَقُلْتُ يا رَسُولُ اللَّهِ هُوَ حُرَّ لِوَجْهِ اللَّهِ،
فَقالَ: ((أمَا إِنَّه لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلفَحَتْكَ النَّارُ أَوْ لَمَسِّتْكَ النَّارُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ
بِهَذِهِ الرِّواياتِ(١).
١٦٠٣ - وَعَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيِّ :﴿ قَالَ: مَن ضَربَ غُلاماً لَهُ
حَدَّاً لَمْ يَأْتِهِ أَوْ لَطَمَهُ فَإِنَّ كَفَّارَتَهُ أَنْ يَعْتِقَهُ» رَوَاهُ
فسمعت صوتاً من خلفي اعلم أبا مسعود) أتى به للتنبيه على ما بعده (فلم أفهم الصوت)
أي: ما اشتمل عليه من الكلام ومن في قوله (من الغضب) تعليلية، كهي في قوله تعالى
﴿مما خطيئاتهم أغرقوا﴾ (فلما دنا) أي: قرب (مني إذا) فجائية (هو رسول الله والر فإذا هو
يقول: إعلم) بصيغة الأمر (أبا مسعود) بحذف حرف النداء، اختصاراً (أن الله تعالى أقدر
عليك منك على هذا الغلام) أي: فاحذر انتقامه، ولا يحملك قدرتك على ذلك المملوك،
أن تتعدى فيما منع الله منه، من ضربه عدواناً. (فقلت لا أضرب مملوكاً بعده) أي: بعد
هذا القول الذي سمعته (أبدأ وفي رواية) هي لمسلم كما ستأتي (فسقط السوط من يدي من
هيبته) من تعليلية (وفي رواية فقلت يا رسول الله هو حر لوجه الله تعالى) أي: لذاته طلباً
لمرضاته (فقال أما) بتخفيف الميم (إنه لو لم تفعل) فيه إطلاق الفعل على الفاعل (للفحتك
النار) بتخفيف الفاء، وبالحاء المهملة، أي: أحرقتك (أو) شك من الراوي (لمستك النار)
ويلزم من مسها الإِحراق (رواه مسلم بهذه الروايات).
١٦٠٣ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ◌ّ قال من ضرب غلاماً له حداً) مفعول
له (لم یأته) أو لم يفعل ما يقتضي ذلك الحد الذي حد به (أو لطمه) أي: ضربه ببطن کفه،
من غير سبب (فإن كفارته) أي: مكفر إثم ذلك عنه (أن يعتقه) أي: محو ذلك الإِثم عنه،
بإعتاقه. قال القاضي عياض: أجمعوا على أن الإِعتاق غير واجب، وإنما هو مندوب. لكن
أجر هذا الإِعتاق، لا يبلغ أجر الإِعتاق شرعاً. وفي الحديث الرفق بالمماليك، إذا لم يذنبوا
أما إذا أذنبوا فقد رخص * بتأديبهم بقدر إثمهم، ومتى زادوا يأخذ بقدر الزيادة (رواه
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: صحبة المماليك، وكفارة من لطم عبده، (الحديث: ٣٥).

٤٤٤
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
مُسْلِمٌ(١).
١٦٠٤ - وعَنْ هِشامِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ مَرَّ بِالشَّام عَلى
أُناسٍ مِنَ الْأَنْبَاطِ، وقَدْ أُقيموا في الشَّمْسِ وصُبَّ عَلى رُؤوسِهِمُ الزَّيْتُ، فَقالَ:
مَا هَذَا؟ قِيلَ يُعَذَّبُونَ فِي الْخَراجِ. وفي روايةٍ: حُبِسوا في الْجِزْيَةِ، فَقالَ هِشامٌ:
أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَه يقولُ: ((إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذينَ يُعَذِّبونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا))
مسلم).
١٦٠٤ - (وعن هشام بن حكيم بن حزام) بن خويلد بن أسد القرشي الأسدي، صحابي
ابن صحابي، فلذا قال المصنف (رضي الله عنهما) قال في التقريب: له ذكر في
الصحيحين، في حديث عمر، حيث سمعه يقرأ سورة الفرقان. مات قبل أبيه، ووهم من
زعم أنه استشهد بأجنادين، خرّج عنه مسلم وأبو داود والنسائي. وفي التهذيب أسلم يوم
الفتح، توفي قبل حكيم أبيه، قاله ابن عبد البدر وغيره. وقيل: استشهد باجنادين، قاله
إبراهيم الأصبهاني وغيره، وغلطهم فيه ابن الأثير وقال: إنه وهم. والذي قتل باجنادين، هو
هشام بن العاص، سنة ثلاث عشر وقصة هشام بن حكيم، مع عياض بن غنم. وهو حديث
الباب، يدل على أنه عاش بعد اجنادين، فإنه مر على عياض وهو وال على حمص وإنما
فتحت بعد اجنادين بزمان طويل، روى عنه جماعة من التابعين. قال محمد بن سعد: وكان
هشام بن حكيم رجلاً صليباً(٢) مهيباً. وقال الزهري: كان يأمر بالمعروف في رجال معه،
وكان عمر بن الخطاب يقول: إذا بلغه أنه ينكر أمراً ما، بقيت أنا وهشام فلا يكون هذا.
روي له عن رسول الله وسلم أحاديث شتى، روى مسلم واحداً منها (أنه مر بالشام على أناس
من الأنباط) ويقال فيهم النبط بفتح أوليه، هم قوم من العرب، دخلوا في العجم والروم،
واختلطت أنسابهم، وفسدت ألسنتهم، سموا بذلك لمعرفتهم بأنباط الماء واستخراجه،
لكثرة معالجتهم الفلاحة. قاله في التوشيح. وقال قوم: هم فلاحو العجم وجملة (وقد أقيموا
في الشمس) حالية، وعطف عليها قوله (وصب على رؤوسهم الزيت) والفعل فيهما مبني
للمجهول (فقال ما هذا قيل يعذبون في الخراج) أي: من أجله وبسببه (وفي رواية حبسوا
في الجزية فقال هشام أشهد لسمعت) جواب قسم مقدر، أو جواب أشهد، لتنزيله، لتحققه
منزلة القسم؛ (رسول الله ﴿ يقول إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا) أي: بغير
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: صحبة المماليك، وكفارة من لطم عبده، (الحديث: ٢٩).
(٢) الصليب الشديد وكذا الصلب بضم الصاد. ع

٤٤٥
٢٨٢ - باب: في النهي عن تعذيب العبد
فَدَخَلَ عَلى الْأَمِيرِ فَحَدَّثَهُ فَأَمَرَ بِهِمْ فَخُلُّوا. رواهُ مُسْلِمٌ. ((الْأَنْبَاطُ)): الْفَلَّحُونَ
مِنَ الْعَجَمِ (١).
١٦٠٥ - وعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ حِماراً
مَوْسُوَ الْوَجْهِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، فَقَالَ: ((واللَّهِ لا أَسِمُهُ إِلاَّ أَقْصى شَيْءٍ مِنَ الْوَجْهِ)) وَأَمَرَ
◌ِحِمَارِهِ فَكُوِيَ فِي جَاعِرَتَيْهِ، فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ كَوَى الْجَاعِرَتَيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
((الْجَاعِرَتَانِ)) نَاحِيَتَا الْوَرِكَيْنِ حَوْلَ الدُّبُرِ(٢).
الحق، فلا يدخل فيه التعذيب بحق، كالقصاص والحدود والتعزير (فدخل) أي: هشام على
الأمير (وكان عمير بن معد الأنصاري الأوسي، بتصغير عمير قال القاضي عياض هو
الموجود لا كثر شيوخنا وفي أكثر النسخ أي من مسلم وأكثر الروايات وهو الصواب
(فحدثه) أي: بذلك (فأمر) بالبناء للفاعل أي: الأمير وبالبناء للمفعول (بهم فخلوا) بالبناء
للمفعول، والخاء معجمة، واللام مشددة، أي: تركوا من العذاب (رواه مسلم. الأنباط)
جمع نبط كإسبال وسبل (الفلاحون من العجم) بفتحتين، خلاف العرب، فيدخل فيه كل من
ليس بعربي، وكونهم من العجم، باعتبار الخلط، فلا ينافي كونهم عرباً باعتبار الأصل.
١٦٠٥ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: رأى رسول الله وَلقر حماراً موسوم الوجه)
أي: جعل وسمه نحو كيه في وجهه (فأنكر ذلك فقال) أي: ابن عباس (والله لا اسمه إلا
أقصى) أي: في أقصى (شيء من الوجه) على تنزيله منزلة المكان المبهم (وأمر بحماره
فكوى) بالبناء للمفعول (في جاعرتيه فهو) أي: ابن عباس (أول من كوي الجاعرتين) فراراً
من الوقوع في وسم الوجه المنهي عنه (رواه رواه مسلم الجاعرتان) بالجيم والعين المهملة
وبالراء (ناحيتا الوركين حول الدبر) قال في القاموس: الجاعرتان: موضع الرقمتين من
است الحمار ومضرب الفرس، بذنبه على فخذيه، أو حرفا الوركين المشرفين على
الفخذين، وككتاب وسمه فيهما اهـ.
(١) أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: الوعيد الشديد لمن عذب الناس بغير حق،
(الحديث: ١١٨).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: اللباس والزينة، باب: النهي عن ضرب الحيوان في وجهه، ووسمه فيه،
(الحديث: ١٠٨).

٤٤٦
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
١٦٠٦ - وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ مَرَّ عَلَيْهِ حِمارٌ قَدْ وُسِمَ في وجْهِهِ
فَقالَ: ((لَعَنَ اللَّهُ الَّذي وسَمَهُ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وفي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَيْضاً: نَهى
رسُولُ اللَّهِ وَ ﴿َ عَنِ الضَّرْبِ فِي الْوَجْهِ، وَعَنِ الْوَسْمِ فِي الْوَجْهِ (١).
٢٨٣ - باب: في تحريم التعذيب بالنار في كل حيوان حتى القملة ونحوها
١٦٠٧ - عَنْ أبي هُريْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ :﴿ فِي بَعْثٍ
فَقالَ: ((إِنْ وَجَدْتُمْ فُلاناً وَفُلانً) لِرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ سَمَّاهُما ((فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ)) ثُمَّ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ حِينَ أَرَدْنا الْخُروِجَ: ((إِنِّي كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحْرِقُوا فُلاَنَاً وَفُلاناً
١٦٠٦ - (وعنه أن النبي ◌َّر مر عليه حمار قد وسم) بصيغة المجهول (في وجهه فقال)
محرماً لذلك، ومنبهاً أنه من الكبائر (لعن الله الذي وسمه. رواه مسلم وفي رواية لمسلم
أيضاً نهى رسول الله وَلّر عن الضرب في الوجه وعن الوسم في الوجه) قال العلماء: لأن
الوجه لطيف، يجمع المحاسن، وأعضاؤه نفيسة لطيفة، وأكثر الإدراك بها، فقد يبطلها
ضرب الوجه، وقد ينقصها وقد يشوه الوجه، والشين فيه فاحش، لأنه بارز ظاهر، لا يمكن
ستره، ومتى ضربه لا يسلم من الشين غالباً. وشمل النهي، ضرب الخادم والزوجة والولد
للتأدیب، فلیجتنب الوجه وتأثير الوسم أشد.
باب تحريم التعذيب بالنار في كل حيوان حتى القملة ونحوها
بالجر عطفاً على المجرور قبله.
١٦٠٧ - (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعثنا رسول الله (ص ◌ّر في بعث) بفتح الموحدة
وسكون المهملة، وبعدها مثلثة، أي: جيش مبعوث به (فقال إن وجدتم فلاناً وفلاناً لرجلين
من قريش سماهما) أي: عينهما النبي ◌ّ﴿ ونسيهما الراوي (فأحرقوهما بالنار ثم قال
رسول الله وَالر حين أردنا الخروج) إلى ذلك المحل المرسل إليه (إني كنت أمرتكم أن
تحرقوا فلاناً وفلاناً) أي: وقد رجعت عنه (وإن النار لا يعذب بها إلا الله) جملة مستأنفة
(١) أخرجه مسلم في كتاب: اللباس والزينة، باب: النهي عن ضرب الحيوان في وجهه ووسمه فيه
(الحدیث: ١٠٧) وهو عن جابر.

٤٤٧
٢٨٣ - باب: في تحريم التعذيب بالنار
وإِنَّ النَّارَ لا يُعَذِّبُ بِها إِلا اللَّهُ فَإِنْ وجَدْتُمُوهُما فَاقْتُلُوهُمَا) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١).
١٦٠٨ _ وعَنِ ابنٍ مَسْعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ فِي سَفَرٍ
فَانْطَلَقَ لِحاجَتِهِ فَرَأَيْنَا حُمُّرَةً مَعَها فَرْخَانٍ، فَأَخَذْنَا فَرْخَيْها، فَجَاءَتِ الْحُمُّرَةُ تَعْرِشُ،
فَجَاءَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ فَقَالَ: (مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا)) ورَأَى قَرْيَةَ نَمْلٍ قَدْ
حَرَّقْنَاهَا فَقالَ: (مَنْ حَرَّقَ هذِهِ؟)) قُلْنَا نَحْنُ، قَالَ: ((إِنَّهُ لا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلّ
رَبُّ النَّارِ) رواهُ أبو داوُدَ بِإِسْنادٍ صَحيحٍ. قُوْلُه ((قَرْيَةُ نَمْلٍ ) مَعناهُ: مَوْضِعُ النّمْلِ
مَعَ النملِ (٢).
أو حالية (فإن وجدتموهما فاقتلوهما) في الحرب أو صبراً (رواه البخاري).
١٦٠٨ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال كنا مع رسول الله وَلي في سفر فانطلق لحاجته)
أي: حاجة الإِنسان (فرأينا حمّرة) بضم الحاء وتشديد الميم، أي: مع ضمها، وقد تخفف
وتشدد الراء: طائر صغير كالعصفور (معها فرخان) بفتح الفاء وبالراء والخاء المعجمة، تثنية
فرخ أي: ولدان. والجملة حالية، رابطها الضمير (فأخذنا فرخيها فجاءت الحمرة فجعلت
تعرش) قال في النهاية: التعريش أن ترتفع وتظلل بجناحيها على من تحتها (فجاء النبي رَيه
فقال من فجع) من باب نفع أي: رزأ (هذه بولدها ردوا ولدها) المراد منه الجنس، فيشمل
ما فوق الواحد (إليها) فردوه وسكت عنه، لظهور أنهم لا يتخلفون عن امتثال أمره و چ ،
(ورأى قرية نمل قد حرقناها) بالتضعيف اعتباراً بتعداد النمل (فقال من حرق هذه) أي :
القرية (قلنا نحن قال إنه لا ينبغي) أي: لا يجوز ولا يحل (أن يعذب بالنار إلا رب النار) نعم
من قتل بالنار، قتل بها قصاصاً، إن شاء الولي ذلك، وإن شاء اقتص بالسيف (رواه أبو داود
بإسناد صحيح، قوله قرية نمل) بفتح القاف والتحتية (معناه موضع النمل مع النمل) قال في
النهاية: قرية النمل: هي مسكنها وبيتها، والجمع قرى اهـ. وحينئذ فقول المصنف مع
النمل ليس تفسيراً لقرية النمل لغة، إنما هو بيان للمراد في الحديث، وأن المنهى عنه
إحراق النمل، لا بيته الخالي منه.
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: لا يعذب بعذاب الله (١٠٤/٦، ١٠٥).
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد، باب: في كراهية حرق العدو بالنار، (الحديث: ٢٦٧٥).

٤٤٨
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
٢٨٤ - باب: في تحريم مطل الغني بحقٍ طلبه صاحبه
قال الله تعالى(١): ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤْدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِها).
وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤدِّ الَّذِي أَوْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾.
١٦٠٩ - وعَنْ أبي هُريْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ قَالَ: «مُطْلُ الْغَنِيِّ
ظُلْمٌ، وإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلى مَلِيٍ فَلْيَتْبَحْ)) مُتَّفَقْ عَلَيْهِ. مَعْنى («أُتْبِعَ)):
باب تحريم مطل الغني
أي: تأخيره (بحق طلبه صاحبه) أي: وكان له الطلب، أما لو كان الحق مؤجلاً،
فطلبه قبل الأجل، فلا عبرة بطلبه، ولا تحريم في مطله. (قال الله تعالى: إن الله يأمركم أن
تؤدّوا الأمانات إلى أهلها) وإن أنزلت في خصوص رد المفتاح، لعثمان بن طلحة الحجبي،
لكن الأمانات فيها عام. لذلك ولغيره. والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (وقال
تعالى: فإن أمن بعضكم بعضاً) من غير رهن ولا إشهاد (فليؤد الذي اؤتمن أمانته) وجوباً
ومقابلة لائتمانه بأمانه .
١٦٠٩ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ولو قال مطل الغني) من إضافة
المصدر للفاعل، والمطل المد (٣) والمراد به هنا تأخير ما استحق أداؤه بغير عذر (ظلم) قال
السبكي: تسمية المطل ظلماً، يشعر بكونه كبيرة كالغصب. وقال المصنف: هو صغيرة
(وإذا أتبع) بسكون المثناة مبنياً للمفعول أي: أحيل (أحدكم علي مليء) بالهمز وقد يسهل
الغني (فليتبع) بالتخفيف والتشديد: فليحتل، وهو أمر ندب، وقيل إباحة وإرشاد، وقيل
وجوب. ((تنبيه)) قال الرافعي: الأشهر في الروايات ((وإذا أتبع)) وأنهما جملتان، لا تعلق
لإحداهما بالأخرى. ووجه الفاء: أن الجملة الأولى: كالتوطئة، والعلة لقبول الحوالة، أي:
إذا كان مطل الغني ظلماً، فليقبل من يحال بدينه عليه، فإن المؤمن من شأنه، أن يحترز عن
الظلم فلا يمطل (متفق عليه) ورواه أصحاب السنن الأربعة (معنى أتبع) بضم الهمزة وسكون
(١) سورة النساء، الآية: ٥٨.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٨٣.
(٣) في الأصل (والمدافعة) بدل (والمراد به) وهو تحريف. ع

٤٤٩
٢٨٥ - باب: في كراهية عود الإنسان في هبة
أَحِيلَ(١).
٢٨٥ - باب: في كراهية عود الإنسان في هبة لم يسلمها إلى الموهوب له
وفي هبة وهبها لولده وسلمها أو لم يسلمها وكراهية شرائه
شيئاً تصدق به من الذي تصدق عليه أو أخرجه عن زكاة
أو كفارة ونحوها ولا بأس بشرائه
من شخص آخر قد انتقل إليه
١٦١٠ - عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ قَالَ: ((الَّذِي يَعودُ في
هِيَتِهِ كالْكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِه) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وفي روايةٍ: ((مَثَلُ الَّذِي يَرْجِعُ في
صَدَقَتِهِ كمَثَلِ الْكَلْبِ
التحتية (أحيل).
باب كراهية
بتخفيف التحتية (عود) أي: رجوع (الإِنسان في هبة، لم يسلمها إلى الموهوب له)
قيدها بذلك لأنها بعد التسليم، لا يمكن الرجوع فيها لو أراد، إلا في هبة الأصل للفرع:
كما قال (وفي هبة وهبها لولده) أي: فرعه وإن سفل (وسلمها أو لم يسلمها) فإن له أن يرجع
فيها مطلقاً (وكراهة) بحذف التحتية تفنناً في التعبير (شرائه شيئاً تصدق به من الذي تصدق
عليه) تطوعاً (أو) من الذي (أخرجه عن زكاة أو كفارة أو نحوها) أفرد الضمير لأن العطف بأو
التي لأحد الشيئين ونحوها النذر (ولا بأس) كلمة تستعمل في الإِباحة (بشرائه من شخص
آخر قد انتقل إليه) أي إن الكراهة التنزيهية، مقصورة على صدور ذلك، مع من تصدق علیه
فقط، دون من أخذه من ذلك، ببيع أو هبة أو نحو ذلك.
١٦١٠ - (عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ◌َّر قال الذي يعود) أي: يرجع (في
هبته كالكلب يرجع) عبر به عن يعود تفنناً في التعبير (في قيئه) والتشبيه بالكلب الفاعل،
ما ذكر، للاستقذار والتنفير للتحريم (متفق عليه. وفي رواية لمسلم) وهي عند النسائي وابن
ماجة من حديث ابن عباس (مثل الذي يرجع في صدقته كمثل الكلب) صفته القبيحة، التي
٦٢
(١) أخرجه البخاري في كتاب: في أول الحوالات (٣٨١/٤).
وأخرجه مسلم في كتاب: المساقاة، باب: تحريم مطل الغنى، وصحة الحوالة، واستحباب قبولها ...
(الحديث: ٣٣).

٤٥٠
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
يَقِيءُ ثُمَّ يَعودُ في قَيْئِهِ فَأكُلُهُ)) وفي روايةٍ: ((الْعائِدُ فِي هِبَتِهِ كالعائِدِ في قَيْئِهِ))(١).
١٦١١ - وعَنْ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ في
سَبيلِ اللَّهِ فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أنْ أَشْتَرِيَهُ وَظَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعَهُ بِرُخْصٍ،
فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ :﴿ فَقالَ: ((لا تَشْتَرِهِ ولا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ وإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ ؛ فَإِنَّ
الْعَائِدَ في صَدَقَتِهِ كالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ، مُتُّفَقٌّ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: ((حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ) معناهُ: تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلى بَعْضِ
لها شأن في القبح يتحدث به، كصفة الكلب، حال كونه أو الذي (يقيء ثم يعود في قيئه)
أي: ما تقايأه(٢) من إطلاق المصدر على اسم المفعول (فيأكله وفي رواية) لهما، وهي عند
أحمد وأبي داود والنسائي من حديثه أيضاً (العائد في هبته كالعائد في قيئه) قال المصنف:
والحديث ظاهر في التحريم، وهو محمول على هبته لأجنبي. أما إذا وهب لولده وإن
سفل، فله الرجوع أي بشرطه. قال ابن دقيق العيد: وقع التشديد في التشبيه من وجهين:
أحدهما تشبيه الراجع بالكلب، والثاني تشبيه المرجوع فيه بالقيء.
١٦١١ - (وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال حملت على فرس) اسمه الورد، كان
لتميم الداري فإهداه للنبي ◌َّ فأعطاه لعمر (في سبيل الله) أي أعطى رجلاً فرساً، ليجاهد
الكفار عليه، وهو يطلق على المذكر والمؤنث، بلفظ واحد كما تقدم (فأضاعه الذي كان
عنده) أي: لم يكرمه بالإِطعام والعناية به (فأردت أن أشتريه) وظن أن استعادته بالشراء،
لا يكون رجوعاً في الهبة، فلا يتناول ما ورد فيه (وظننت أنه يبيعه برخص) أي: في السعر
لضعفه وهزاله (فسألت النبي ◌َّ) أي: عن ذلك (فقال لا تشتره ولا تعد) أي: ترجع (في
صدقتك وإن أعطاكه) أي: بالبيع منك (بدرهم فإن العائد في صدقته) أي: ولو بشرائها من
المتصدق بها عليه (كالعائد في قيئه متفق عليه) رواه البخاري في الزكاة وفي الهبة وفي
الجهاد. ومسلم في الفرائض، ورواه أيضاً في صحيحه. قال المزي وتعقب بأنه رواه في
الهبة، وهي بين الفرائض والوصايا، قال الحافظ: ورواه أيضاً النسائي في الأحكام ورواه ابن
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الهبة في أبواب متعددة (١٦٠/٥).
وأخرجه مسلم في كتاب: الهبات، باب: تحريم الرجوع في الصدقة والهبة بعد القبض إلا ...
(الحديث: ٥، ٦، ٧).
(٢) لعل الصواب (ما تقيأه) بتشديد الياء كما في القاموس وغيره. ع

٤٥١
٢٨٦ - باب: في تأكيد تحريم مال اليتيم
الْمُجاهِدينَ(١).
٢٨٦ - باب: في تأكيد تحريم مال اليتيم
قال اللَّه تعالى(٢): ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطونِهِمْ
نارَاً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ .
وَقَالَ تَعَالَى (٣): ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إلَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى (٤): ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وإِنْ تُخالِطوهُمْ
ماجة (قوله حملت على فرس في سبيل الله معناه) المراد في الحديث (تصدقت به على بعض
المجاهدين) كما قدمنا الإِشارة إليه.
باب تأکید تحریم مال اليتيم
أي إتلافه بأيّ وجه كان. واليتيم صغير لا أب له. (قال الله تعالى: إن الذين يأكلون)
أي: يتلفون، وعبر بالأكل: لأنه أغلب أنواع إتلاف المال؛ (أموال اليتامى ظلماً) حال من
الواو، أي: ظالمين بأكلها (إنما يأكلون في بطونهم ناراً) أي: ملء بطونهم ما يجر إلى
النار. وقد نقل أن في القيامة، يخرج لهب النار من فيه ومسامعه وأنفه وعينه، يعرفه من رآه
(وسيصلون سعيراً) أي: يدخلون ناراً (وقال تعالى: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي
أحسن) أي: بطريقة هي أحسن الطرق، كحفظه وتثميره وقال تعالى: (ويسئلونك عن
اليتامى) لما نزل ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾(٥) الآية اعتزلوا مخالطة اليتامى،
والأكل معهم، فشق ذلك، فذكر للنبي ◌ّ فنزلت (قل إصلاح لهم خير) أي: على حدة،
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: هل يشتري صدقته والهبة، باب: لا يحل لأحد أن يرجع في
هبته (١٧٣/٥، ١٧٤).
وأخرجه مسلم في كتاب: الهبات، باب: كراهة شراء الإنسان ما تصدق به ممن تصدق عليه،
(الحديث: ١).
(٢) سورة النساء، الآية: ١٠ .
(٣) سورة الأنعام، الآية: ١٥٢
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٢٠.
(٥) سورة النساء، الآية: ١٠.
..--

٤٥٢
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
فَإِخْوَانُكُمْ واللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾.
١٦١٢ - وعَنْ أبي هُريْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: «اجْتَنِبوا السَّبْعَ
الْموِقاتِ!)) قالوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ومَا هُنَّ؟ قالَ: الشَّرْكُ بِاللَّهِ، والسِّخْرُ، وقَتْلُ النّفْسِ
الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلّ بِالْحَقِّ، وأَكْلُ الرِّبا، وأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ،
وقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤمناتِ الْغافِلاتِ»
أو مداخلتهم لإِصلاحهم، خير من مجانبتهم. قيل أو إصلاح أموالهم من غير أجرة خير
(وإن تخالطوهم) أي: خلطتم طعامكم وشرابكم بطعامهم وشرابهم. وقيل إن تصيبوا من
أموالهم أجرة، من قيامكم بأمورهم (فإخوانكم) أي: فهم إخوانكم، ولا بأس من الخلطة
أو إصابة بعضهم من مال بعض (والله يعلم المفسد من المصلح) أي: يعلم من قصده
الإِفساد أو الإِصلاح، فيجازيه .
١٦١٢ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ◌َّر قال: اجتنبوا السبع الموبقات)
أبهمها ووصفها بما يشوق إلى معرفتها لتحذر؛ فإذا سمعت استقرت لأن ما جاء عن طلب،
ليس كالجائي عن غير تعب فلذا (قالوا يا رسول الله وما هن قال الشرك بالله) أي: الكفر به،
أي نوع من أنواعه. وذكر الإشراك لأنه الأغلب في الوجود؛ لا سيما في العرب. (والسحر)
وهو أمر خارق للعادة، يكون عند أقوال أو أعمال، يمكن معارضتها بمثلها، وهو حرام ومن
الكبائر (وقتل النفس التي حرم الله) بحذف العائد، وقبله مضاف مقدر أي: حرم قتلها، وهي
المحترمة. خرج به غير المحترمة من الحربي والمرتد (إلا بالحق) وذلك بأن اقتص منه بما
قتله، أو حد بالرجم، لكونه زانياً محصناً، (وأكل الربا) أي: المأخوذ بعقد، سواء كان ربا
فضل أو ربا نسيئة، وهو من الكبائر كما سيأتي قريباً. (وأكل مال اليتيم) أي: التسلط عليه
وإتلافه (والتولي يوم الزحف) أي: التولي وقت لقاء الجيش للكفار فراراً، وهو من الكبائر،
إن لم يزد جيشهم على ضعف جيش المسلمين، لما فيه من كسر جيش الإِسلام والفت في
أعضادهم؛ قال في المصباح: يطلق على الجيش الكبير: زحف، تسمية بالمصدر، وجمعه
زحوف كفلس وفلوس. أما التولي ليكر ثانياً أو يتحيز إلى فئة: فجائز (وقذف المؤمنات) وفي
نسخة المحصنات بفتح المهملة الثانية ويجوز كسرها (الغافلات) أي: رمى المؤمنات
الغوافل، عما يرمى به من الزنى بالزني، وذلك من الكبائر. نعم قال ابن عبد السلام: من
قذف محصنة في خلوة، بحيث لا يسمعه إلا الله والحفظة، فليس ذلك بكبيرة موجباً للحد.
وقال الحليمي قذف الصغيرة التي لا تحتمل الوقاع، بحيث يقطع بكونه كاذباً: صغيرة قال

٤٥٣
٢٨٧ - باب: في تغليظ تحريم الربا
مُتَّفَقْ عَلَيْهِ. ((الْمُوبِقَاتِ)): الْمُهْلِكَاتِ(١).
٢٨٧ - باب: في تغليظ تحريم الربا
تعالى ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب
عظيم﴾(٢) قيل: هذه الآية خاصة بمن قذف إحدى أمهات المؤمنين، فهو ملعون أبداً، وليس
له توبة وإلا صح أنها عامة مشروطة بعدم التوبة. وقد عده ومثله من الموبقات في هذا
الحديث. وفي حديث آخر ((قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة)) متفق عليه ورواه أبو داود
والنسائي. ((تتمة)) قال الزركشي: يجوز نصب الشرك ورفعه، وكذا ما بعده، فالرفع على أنه
خبر مبتدأ مضمر، أي: هي، أو مبتدأ خبره مضمر أي: منها والنصب على البدل. ((تنبيه))
قال المصنف، هذا الحديث فيه أن أكبر المعاصي: الشرك بالله وهو ظاهر لا خفاء به، وأن
القتل بغير حق يليه، ولذا نص عليه(٣) الشافعي والأصحاب وما سواهما، فلها تفاصيل
وأحكام تعرف مراتبها، ويختلف أمرها باختلاف الأحوال، والمفاسد المرتبة عليها، وعلى
هذا فيقال في كل منها، من أكبر الكبائر. وإن جاء في موضع آخر إنها أكبر الكبائر كان
المراد أنها منه (الموبقات) بالموحدة والقاف بصيغة الفاعل (المهلكات) بصيغة الفاعل.
باب تغليظ تحريم الربا
بالمد والقصر، وألفه بدل عن واو، ويكتب بهما (٤). هو لغة الربادة. وشرعاً عقد على
عوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد، أو مع تأخير في البدلين أو
أحدهما. قال بعضهم ولم يحلّ في شريعة من الشرائع، ولم يؤذن الله في كتابه عاصياً
بالحرب سواه، ولذا قيل إنه علامة سوء الخاتمة، كايذاء أولياء الله تعالى، فإنه صح فيه
الإِيذان بذلك. وظاهر الأخبار هنا أنه أعظم إثماً من الزنى، والسرقة، وشرب الخمر، لكن
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الوصايا في باب قوله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ... ﴾
وأخرجه في باب: الحدود والمحاربين (٢٩٤/٥).
وأخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: بيان الكبائر وأكبرها، (الحديث: ١٤٥).
(٢) سورة النور، الآية: ٢٣.
(٣) يقال نصت الظبية رأسها أي رفعته وشاع في كلام المؤلفين (نص عليه) ولي في اللغة فالصواب أن يقال
(صرح به). ع
(٤) أي بالواو بعدها ألف هكذا (الربوا). ع

٤٥٤
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
قال اللَّه تعالى(١): ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقومُونَ إلَّ كما يَقومُ الَّذي يَتَخَبَُّهُ
الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وحَرَّمَ
الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وأَمْرُهُ إِلى اللّهِ وَمَنْ عَادَ
فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ إِلى قَوْلِهِ
تَعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا) الآية.
أفتى الشهاب الرملي بخلافه، وتحريمه تعبدي، وما أبدى له إنما يصح حكمة لا علة. (قال
تعالى: الذين يأكلون الربا لا يقومون) من قبورهم (إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان)
أي إلا قيام المصروع (من المس) أي الجنون وهو متعلق بيقوم. وفي الحديث أنه وَلقّ ليلة
الإِسراء، مر على قوم بطونهم كالبيوت، وأخبر أنهم أكلة الربا (ذلك) أي: العذاب
(بأنهم) أي: بسبب أنهم (قالوا إنما البيع مثل الربا) اعترضوا على أحكام الله تعالى،
وقالوا البيع مثل الربا، فإذا كان الربا حراماً، فلا بد أن يكون البيع كذلك (وأحل الله البيع
وحرم الربا) يحتمل أن يكون تتمة المعترض (٢) المشرك، ويحتمل أن يكون من كلام الله
رداً عليهم، أي: اعترضوا، والحال أن الله فرق بين هذا وهذا، وهو الحكيم العليم (فمن
جاءه موعظة من ربه) أي: بلغه وعظ من الله (فانتهى) أي: فاتعظ وامتثل، حال وصول
الشرع إليه. (فله ما سلف) من المعاملة أي: له ما كان أكل من الربا زمن الجاهلية (وأمره
إلى الله) يحكم بينهم يوم القيامة (ومن عاد) إلى تحليله وأكله (فأولئك أصحاب النار هم
فيها خالدون) لكفرهم (يمحق الله الربا) أي: يذهب بركته فلا ينتفع في الدنيا والآخرة به
(ويربي الصدقات) أي: يكثرها وينميها، وقد ورد كما تقدم أن الله ليربي لأحدكم التمرة
واللقمة، كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله، حتى يكون مثل أحد (والله لا يحب) أي:
لا يرضى (كل كفار) أي: مصر على تحليل الحرام (أثيم) فاجر بارتكابه (إن الذين
آمنوا)(٣) بما جاء من الله (وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة) ذكرهما بعد
الأعم لشرفهما (لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم) من آت (ولا هم يحزنون) على
فائت (يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين) اتركوا ما لكم
(١) سورة البقرة، الآيات: ٢٧٥ - ٢٧٨.
(٢) لعله (كلام المعترض)
(٣) هذه والأخيرة ليستا في نسخ المتن.

٤٥٥
٢٨٨ - باب: في تحريم الرياء
وأَمَّ الْأَحاديثُ فَكثيرةُ فِي الصَّحِيحِ مَشْهورَةً؛ مِنْها حَديثُ أبي هُريْرَةَ السَّابِقُ في
البابِ قَبْلَهُ(١) .
١٦١٣ - وعَنِ ابنِ مَسْعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ آكِلَ الرِّبا
ومُوكِلَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمْ. وزادَ التِّرمِذِيَّ وغَيْرُهُ: وشَاهِدَيْهِ وكاتِبَهُ(٢).
٢٨٨ _ باب: في تحريم الرياء
على الناس، من الزيادة على رءوس الأموال بعد الإِنذار إن كنتم مؤمنين بشرع الله (فإن لم
تفعلوا) أي: إن لم تذروا ما بقي من الربا (فائذنوا) فاعلموا (بحرب من الله ورسوله)
يقال يوم القيامة لآكل الربا، خذ سلاحك للحرب، ولا بد للإِمام أن يستتيبهم، فإن تابوا،
وإلا وضع فيهم الحرب والسلاح (وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون) بأخذ الزيادة
(ولا تظلمون) بوضع رءوس الأموال، قيل: يفهم منه أن المصر على التحليل، ليس له
رأس المال، لأنه مرتد وماله فيء؛ (وأما الأحاديث فكثيرة في الصحيح مشهورة) أورد كثيراً
منها المنذري، في الترغيب والترهيب، ومنه أخذ ابن حجر الهيتمي، فأورد في كتابه
الزواجر (منها حديث أبي هريرة السابق في الباب قبله) ومنها حديث سمرة في حديث الرؤيا
الطويل السابق، في باب تحريم الكذب.
١٦١٣ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال لعن رسول الله وسلّليل آكل الربا) آخذاً كان
أو معطياً (وموكله) أي: مطعمه لغيره بإضافة أو هبة أو نحو ذلك، إذ الأيدي المترتبة على اليد
الغاصبة غاصبة (رواه مسلم زاد الترمذي) في جامعه (وغيره) كأبي داود والطبراني، لكن أفرد
لفظ شاهد وزاد: وهم يعلمون (وشاهديه) أي: الشاهدين بعقده على المتعاقدين (وكاتبه) وفيه
تغليظ شديد لأنه إذا لعن الكاتب والشاهدان، مع أنهما لا يصيبهما منه شيء، فلأن يلعن
المباشر له من آخذ أو معط بالأولى .
باب تحریم الرياء
بالتحتية والمد، وهو عمل الطاعة، ليراه الناس فيثنون عليه (قال الله تعالى: وما أمروا
(١) انظر الحديث رقم (١٦١٤).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: المساقاة، باب: لعن آكل الربا ومؤكله، (الحديث: ١٠٥).
ـر

٤٥٦
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
قال الله تعالى(١): ﴿ومَا أُمِرُوا إِلَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ الآيةَ.
وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿لا تُبْطِلوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذِى كالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئاءَ
النَّاسِ﴾ الآيَةَ .
وقال تعالى(٣): ﴿يُراءُونَ النَّاسَ ولا يَذْكُرونَ اللَّهَ إِلَّ قَلِيلاً﴾.
١٦١٤ - وعَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ يَقُولُ: (قَالَ
اللَّهُ تَعالَى: أنَا أَغْنَى الشَّركاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعي غَيْرِي
إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) أي: فلا يشرك مع ربه في عبادته أحداً، شركاً خفياً، وهو
الرياء (حنفاء) مائلين عن كل ما سوى الدين الحنيفي إليه (ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة
وذلك دين القيّمة) تقدم ما يتعلق بها في باب وجوب الزكاة (وقال تعالى: لا تبطلوا
صدقاتكم) أي: ثوابها (بالمن) تعداد النعمة على المحسن إليه (والأذى) إبطالاً (كـ)
ابطال (الذي ينفق ماله رئاء الناس) الضعفين اجتمعا في إحباط الثواب، وجعل العمل
معرى منه، سوى ما صحبه في كل منهما (ولا يؤمن بالله واليوم الآخر) وإحسان الكافر
لا يكسبه ثواباً، وإنما يتوقع بها تخفيف العقاب (فمثله) أي: صفته العجيبة الشأن،
(كمثل صفوان) حجر أملس (عليه تراب) جملة في محل الصفة (فأصابه وابل) مطر
غزير (فتركه صلداً) أملس نقياً من التراب، كذلك عمل المرائين، يضمحل عند الله، وإن
ظهر لهم أعمال، فيما يرى الناس كالتراب (لا يقدرون) الضمير للذين ينفقون، باعتبار
المعنى، فإنهم كثيرون (على شيء مما كسبوا) لا ينتفعون بما فعلوا (والله لا يهدي القوم
الكافرين) إلى خير، وفيه إيماء إلى أن الرياء من صفة الكفار، فعلى المؤمن أن يحذر منها
وقال تعالى: في وصف المنافقين (يراءون الناس) بأعمالهم وطاعاتهم (ولا يذكرون الله
إلا قليلا) أي: في قليل من الزمان، وهو حال اجتماعهم على المسلمين، أو إلا ذكراً قليلاً.
١٦١٤ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وهو يقول: قال الله تعالى
أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري) بأن قصد مراءاته، أو
(١) سورة البينة، الآية: ٥.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٦٤.
(٣) سورة النساء، الآية: ١٤٢

٤٥٧
٢٨٨ - باب: في تحريم الرياء
تَرَكْتُهُ وشِرْكَهُ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
١٦١٥ - وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللّهِ وَهِ يَقولُ: ((إنَّ أَوَّلَ
النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأْتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعْمَتَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ:
فَمَا عَمِلْتَ فِيها؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ. قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ
لِنْ يُقالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ،
وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وعَلَّمُهُ، وقَرَأَ الْقُرْآنَ،
تسميعه، لعله يقبل عليه بمال أو جاه أو ثناء؛ (تركته وشركه) كناية عن إحباط ثوابه، وحرمانه
من أجره، لما اقترفه من ترك الإِخلاص فيه؛ وفي الحديث إطلاق الشرك على الرياء، وتقدم
أنه شرك خفي، وهو وإن كان لا يقدح في أصل الإِيمان، لكن يبطل ثواب أصل الأعمال
المصحوبة (رواه مسلم) وابن ماجه.
١٦١٥ - (وعنه قال سمعت رسول الله وسلم يقول: إن أول الناس يقضى) بصيغة المجهول
(يوم القيامة) مضبوط بالنصب في أصل مصحح، فنائب الفاعل قوله (عليه) وجملة يقضي
عليه، في محل الصفة للناس، لأن أل فيه جنسية، وخبر إن قوله (رجل) مع ما عطف عليه،
ويقدر في أمثاله، سبق العطف على الرابط (استشهد) أي: قتل في معركة الكفار. (فأتي به)
بصيغة المجهول أي: فجيء به (فعرفه) أي: عرف الله العبد (نعمته) التي كانت عليه في
الدنيا (فعرفها قال فما عملت فيها قال قاتلت فيك) في فيه للتعليل أي: لأجلك ولنصر
دينك، وإعزاز كلمتك (حتى استشهدت) بالبناء للمجهول، لكن الفاعل معلوم (قال) أي :
الله كذبت، أي: في قولك، قاتلت فيك (ولكنك قاتلت) رياء (لأن يقال جريء) بالهمز من
الجرأة، إذ هي لغة الإقدام على الشيء (فقد قيل) أي: حصل لك في الدنيا ما قصدت من
قتالك (ثم أمر به) يحتمل أن يكون بالبناء للفاعل، وهو الأقرب أو بالبناء للمفعول لتعين
الآمر، ويتعين الأخير في الفعلين، من قوله (فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل
تعلم العلم) في عدوله عن قوله: آتاه الله علماً، كنظيره إيماء إلى أن طريق حصول العلم
عادة التعلم (وعلمه) بالتشديد، والمفعول الثاني محذوف للتعميم (وقرأ القرآن) الواو
لا ترتيب معها، وتقديمه تعلم العلم ذكراً على قراءة القرآن، يومىء إلى تقديم عن الاشتغال
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الزهد والرقائق، باب: من أشرك في عمله غير الله (وفي نسخة: باب تحريم
الرياء)، (الحديث: ٤٦).
■■سر،،، ،

٤٥٨
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
فأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَما عَمِلْتَ فِيها؟ قَالَ:
تَعَلّمْتُ الْعِلْمَ وعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ،
ولَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ لِيُقالَ عَالِمْ، وقَرَأَتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ قَارِىءٌ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ
عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمالِ ،
فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَها، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيها؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ
أَنْ يُنْفَقَ فِيها إلّا أَنْفَقْتُ فِيها لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ ولَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقالَ: هُوَ جَوَادٌ فَقَدْ
بها. لكثرة فرض العين منه، بخلافه منها فهو الفاتحة فقط (فأتي به) أي: فجيء به (فعرفه
نعمه) بصيغة الجمع وفيما قبله بالمفرد، إيماء إلى عظم العلم، وأن نعمته بمنزلة نعم من
غيره، أو أن الجمع هنا باعتبار التعلم والتعليم وقراءة القرآن (فعرفها قال فما عملت فيها قال
تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك) هو قيد للجمل قبله (القرآن)(١) بدليل قوله (قال كذبت)
أي: في قولك إن ذلك في الله، واستدرك من شيء دل عليه المقام، أي: لا شيء سواه
بقوله: (ولكنك تعلمت ليقال عالم وقرأت ليقال هو قارىء) إثبات المبتدأ في هذه الجملة،
وحذفه من التي قبلها من التفنن في التعبير (فقد قيل) أي: فحصل جزاء عملك المراد لك به
(ثم أمر) بالوجهين (به فسحب على وجهه) معاملة بنقيض قصده، فإنه قصد حصول الوجاهة
بما اكتسبه من الفضائل، فسحب عليه زيادة في إهانته (حتى ألقي في النار) ويستمر فيها بقدر
ما سبق له في العلم الأزلي، ثم يخرج إلى الجنة، لأن الرياء من الكبائر. ودل الكتاب
والسنة على أنها لا تخرج صاحبها من الإِيمان، وأن لا بد لصاحبها من الجنة (ورجل)
الإِتيان بالواو في الثلاثة، يدل أنهم يحاسبون دفعة واحدة، ولا إشكال في ذلك، فهو
ممكن. والله سبحانه لا يشغله شأن عن شأن (وسع الله عليه) وعطف عليه كالمفسر له قوله
(وأعطاه من) أي: بعض (أصناف المال فأتي به فعرفه نعمه) لتعدد الأصناف المنعم عليه
ببعض كل منها (فعرفها قال فما عملت فيها قال ما تركت من) مزيدة لتأكيد العموم (سبيل)
أي: طريق (تحب) أي: ترضى (أن ينفق) بالبناء للمجهول نائبه (فيها) وأنث على تأنيث
السبيل، ويجوز فيه التذكير (إلا أنفقت فيها لك) أي: خالصاً (قال كذبت) أي: في دعوى
الإِخلاص المدلول عليه بالظرف (ولكنك فعلت) عبر به دون أنفقت، إيماء إلى أن ما توهمه
انفاقاً، أي: إخراجاً في سبيل الخير، ليس كذلك. لأنه على وجه الرياء كذلك، فهو نفاق
(١) فصل بين كلامه بهذه الكلمة من الحديث ولو قدمها ثم قال وقوله فيك قيد الخ لكان أولى. ع.

٤٥٩
٢٨٨ - باب: في تحريم الرياء
قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلى وجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ((جَرِيءٌ)) بِفَتحِ
الجيمِ وكَسرِ الرَّاءَ وبالْمِدِّ أَيْ شُجاعٌ حَاذِقٌ(١)
١٦١٦ _ وعَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ نَاسَاً قَالُوا لَهُ: إِنَّا نَدْخُلُ عَلى
سُلْطَانِا فَنَقولُ لَهُمْ بِخَلافِ مَا نَتَكُلُّمُ إِذَا خَرِجْنا مِنْ عِنْدِهِمْ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا: كُنَّا نَعُدُّ هَذَا نِفاقاً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ ﴿ه. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٢).
١٦١٧ - وعَنْ جُنْدُبِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ سُفْيانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ
لا إنفاق، والفعل يعم سائر الأنواع فعبر به (ليقال هو جواد) بتخفيف الواو أي كثير الجود،
وهو من يعطي ما ينبغي لمن ينبغي (فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار
رواه مسلم. جريء بفتح الجيم وكسر الراء وبالمد أي: شجاع حاذق) هو تفسير بالمراد
وما ذكرناه باعتبار اللغة .
١٦١٦ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن ناساً) أصله أناس بضم الهمزة، فحذفت همزته
تخفيفاً، ويعوض عنها أل، فلا يجتمعان إلا شذوذاً، وهو اسم جمع، إذ لم يثبت فعال في
أبنية الجمع، مأخوذ من أنس: لأنهم يتأنسون بأمثالهم. وقيل: من ناس يعني تحرك. وقيل
من نسي قدمت اللام وقلبت ألفاً (قالوا له إنا ندخل على سلطاننا) أي: من له علينا ولاية
من سلطان فمن دونه (فنقول لهم) أي: بالثناء عليهم (بخلاف ما نتكلم) أي: به من الذم
(إذا خرجنا من عندهم) فما حكم ذلك (قال كنا نعد هذا نفاقاً) أي: من خصاله لأنه كذب
في الحديث وقوله (على عهد رسول الله وَ﴿) صلة نعد وأتي به تنبيهاً على رفع ذلك، لأنه
اجتهاد من ابن عمر، فيتوقف في موافقته أو مخالفته تخالف المجتهدين في الأحكام (رواه
البخاري).
١٦١٧ - (وعن جندب) بضم الجيم والدال وفتحها وسكون النون بينهما (ابن عبد الله بن
سفيان) بتثليث السين البجلي العلمي تقدمت ترجمته (رضي الله عنه قال قال النبي وَلّر من
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الإِمارة، باب: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله،
(الحديث: ١٤٩، ١٥٠).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الأحكام في باب: ذم ذي الوجهين، وباب: ما يكره من ثناء السلطان
(١٤٩/١٣، ١٥٠).

٤٦٠
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
النَّبِيُّ ◌َ: ((مَنْ سَمِّعَ سَمِّعَ اللَّهُ بِهِ، ومَنْ يُرائي يُرائي اللّهُ بِهِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَواهُ
مُسلِمْ أَيْضاً مِنْ رِوايةِ ابنِ عَبَّاسٍ. ((سَمِّعَ)) بِتَشْديدِ الميمِ، ومعناهُ: أَظْهَرَ عَمَلَهُ
لِلنَّاسِ رِياءً. ((سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ)): أَيْ فَضَحَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ. ومَعنى ((مَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّهُ
بِهِ): أَيْ مَنْ أَظْهَرَ لِلنَّاسِ الْعَمَلَ الصَّالِحَ لِيَعْظُمَ عِنْدَهُمْ وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ. ((رَاءَى
اللَّهُ بِهِ»: أَيْ أَظْهَرَ سَرِيرَتَهُ عَلَى رُؤوسِ الْخَلائِقِ(١).
سمع) بتشديد الميم أي: من عمل سراً وأراد أن يسمع الناس بعمله فيثنوا عليه (سمع الله به)
أي: أوصله لذلك، وجعله حظه من عمله (ومن يراءي)(٢) يعمل ليراه الناس مطيعاً، فيقبلون
عليه بالثناء، أو بالنداء (يراءى الله به) أي: يعطيه ما قصد بعمله، من إقبال الخلق، وذلك
سبب لإِعراض الحق (متفق عليه) قال في الجامع الكبير: ورواه أحمد والبخاري وابن ماجه
وابن حبان، وصرح به ابن أبي عوانة والبغوي. قال كلهم رووه من حديث جندب. وقال
المزي في الأطراف: أخرجه البخاري في الرقاق، ومسلم في آخر الكتاب، وابن ماجه في
الزهد من سننه كلهم من حديث جندب (ورواه مسلم) وأحمد (أيضاً من رواية ابن عباس)
وأحمد والطبراني وأبو الشيخ من حديث أبي بكرة (سمع بتشديد الميم ومعناه أظهر عمله)
الذي عمله خفية (للناس) متعلق بإظهار (رياء) علة للإِظهار (سمع الله به أي: فضحه يوم
القيامة) والحديث محتمل لهذا المعنى، ولما تقدم في شرحه. وهذا أنسب بالتحذير من
السمعة لما فيه من النكاية البليغة والفضيحة في ذلك الجمع (ومعنى من يراءى يراءى الله به
أي: من أظهر للناس العمل الصالح) بأن عمل بمشهدهم (ليعظم عندهم) بالبناء للفاعل من
العظمة وللمفعول من التعظيم (وليس هو كذلك) أي: ليس في نفس الأمر، وإذا خلا عنهم
ترك العمل الصالح، وهذا تفسير لقوله من راءى وقوله: (راءى الله به أي: أظهر سريرته على
رءوس الخلائق) أي: في يوم القيامة، ليكون أبلغ من الفضيحة؛ ويحتمل في الدنيا أي:
إن الله تعالى يطلع العباد على سريرته، ويعرفون منه خلاف ما يظهر، فلا ينال مراده .
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: الرياء والسمعة (٢٨٨/١١).
وأخرجه مسلم في كتاب: الزهد والرقائق، باب: من أشرك في عمله غير الله (وفي نسخة: باب تحريم
الرياء)، (الحديث: ٤٨).
(٢) نسخة (راءي) بصيغة الماضي في الموضعين.