النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
٢٦٥ - باب: في جواز لعن أصحاب المعاصي غير المعينين
مُحْدِثاً فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ))(١) وَأَنَّ قَالَ: ((اللَّهِمَّ الْعَنْ رِعْلاً
وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ؛ عَصَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ))(٢) وهَذِهِ ثَلاثُ قَبَائِلَ مِنَ الْعَرَبِ، وَأَنَّهُ قَالَ:
(لَعَنَ اللَّهُ الْيَهوذَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَساجِدَ))(٣) وأَنَّهُ لَعَنَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ
بِالنِّساءِ والْمُتَشَبِّهَاتٍ مِنَ النِّساءِ بِالرِّجَالِ (٤).
الشيخان. قال المصنف قال القاضي: معناه من أتى فيها إثماً، أو آوى من أتاه وضمه إليه
وحماه. ومحدثاً قال المازري: بفتح الدال، فيكون مصدراً ميمياً أي: الإِحداث نفسه. ومن
كسر أراد فاعل الحدث، واستدلوا به على أن ذلك من الكبائر، لأن اللعن لا يكون إلا في
كبيرة، ومعناه أن الله تعالى يلعنه، وكذا الملائكة والناس أجمعون، وهذا مبالغة في إبعاده
عن رحمة الله تعالى، فإن اللعن لغة الطرد والإِبعاد. قالوا والمراد باللعن هنا العذاب الذي
يستحقه على ذنبه، والطرد عن الجنة أول الأمر، وليست هي كلعنة الكفار المبعدين عن
رحمة الله كل الإِبعاد (وأنه) ◌َ ليل (قال اللهم العن رعلاً) بكسر الراء وسكون العين المهملة
(وذكوان) بفتح المعجمة وسكون الكاف (وعصية) بصيغة التصغير وأولاه مهملان (عصوا الله
ورسوله) استئناف بياني لسبب لعنهم (وهذه) القبائل المذكورة (ثلاث قبائل من العرب)
تقدم الفرق بين القبيلة والشعب والبطن والفخذ، في باب(١) والحديث رواه البخاري في
صحيحه، لكن بلفظ ((يدعو عليهم)) (وأنه) وَلجر (قال لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم
مساجد) يتعبدون بعبادتها، رواه البخاري في الجنائز (وأنه) وَلّ (لعن المتشبهين من
الرجال) من بيانية (بالنساء) صلة متشبهين المحاكي منهم لهن في أفعالهن وأقوالهن
وأحوالهن (والمتشبهات من النساء بالرجال) رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه وابن
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الحج باب: فضل المدينة ودعاء النبي ولو فيها بالبركة ... (الحديث: ٤٦٣).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت
بالمسلمين نازلة، (الحديث: ٢٩٤).
(٣) أخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: النهي عن بناء المساجد على القبور ...
(الحديث: ١٩).
(٤) بياض بالأصل.

٤٠٢
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
وجَميعُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ في الصَّحيحِ بَعْضُها في صَحيحَي الْبُخارِيِّ ومُسْلِمٍ، وبَعْضُها
في أَحَدِهما، وإِنَّمَا قَصَدْتُ الاخْتِصارَ بِالإِشَارَةِ إِليْها. وسَأَذْكُرُ مُعْظَمَها فِي أَبْوابِها مِنْ
هَذَا الْكِتابِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعالَى.
٢٦٦ - باب: في تحريم سب المسلم بغير حق
قال الله تعالى(١): ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا
بُهْتَاناً وإِثْماً مُبِيناً﴾ .
١٥٥٧ - وعَنِ ابنِ مَسْعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((سِبابُ
الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وقِتَالُهُ كُفْرٌ»
ماجة من حديث ابن عباس (وجميع هذه الألفاظ المذكورة) عنه وَ لّر (في الصحيح) أي: في
جملة الحديث الصحيح (وبعضها في صحيحي البخاري ومسلم) الأقصر في الصحيحين
(وبعضها في أحدهما) وبعضها خارج عنهما كما علم مما ذكرنا (وإنما قصدت الاختصار
بالإِشارة إليها) أي: الأحاديث المذكورة، الدالة لما عقد له الترجمة (وسأذكر معظمها في
أبوابها من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى).
باب تحريم سب المؤمن بغير حق
أي: من اقتصاص منه بمثلها، قالوا مما لا يؤدي، لكذب أو سب أصلي الساب أو لا
أو من تعزيز، أو تأديب. أما لذلك فلا يحرم، بل يجب تارة ويندب أخرى. قال الله تعالى:
(والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا) من جناية أو استحقاق لأذى (فقد
احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً) فذكر فيها سائر أنواع الأذى، القولية من غيبة ونميمة وسخرية به،
والفعلية من ضرب وإهانة له، وغير ذلك. قيل: ونزلت في الذين يسبون علياً رضي الله عنه.
١٥٥٧ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله ( لفر سباب) بكسر السين
المهملة للمبالغة؛ أي: سب (المسلم كقتاله) أي: في الإِثم والتحريم. قال المصنف في
شرح مسلم: السب في اللغة: الشتم والتكلم في عرض الإِنسان بما يعيبه، والظاهر أن
المراد من قتاله المقاتلة المعروفة. قال القاضى: ويجوز أن يراد بها المشادة والمدافعة. قال
(١) سورة الأحزاب، الآية: ٥٨.

٤٠٣
٢٦٦ - باب: في تحريم سب المسلم بغير حق
مُتَّفَقَ عَلَيْهِ(١).
١٥٥٨ - وعَنْ أبي ذَرِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللّهِ وَ﴿ يَقولُ: ((لا يَرْمي
رُجُلٌ رَجُلاً بِالفِسْقِ أَوِ الْكُفْرِ، إِلَّ ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ))
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(٢).
١٥٥٩ - وعَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ،َ ﴿ قَالَ: ((الْمُتَسأَبَّانِ
الداودي يحتمل مساواة ذنب الساب للمقاتل. قال الطبري: وجه التشبيه بين اللعن والقتل:
أن اللعن هو الإبعاد من رحمة الله، والقتل إبعاد من الحياة (متفق عليه) ورواه أحمد
والترمذي والنسائي وابن ماجة، كلهم من حديث ابن مسعود. ورواه ابن ماجة أيضاً من
حديث أبي هريرة وسعد. ورواه الطبراني من حديث عبد الله بن مغفل، ومن حديث
عمرو بن النعمان بن مقرن. ورواه الدارقطني في الإِفراد من حديث جابر. وفي نسخة بدل
هذا الحديث ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) وهو للشيخين أيضاً. والفعال فيهما يحتمل
أنه على بابه، ويحتمل أنه للمبالغة أي: سبه وقتله أي: كل منهما كفر، أي: إن استحله
أو المراد به كفران النعمة، وعدم أداء حق أخوة الإِيمان.
١٥٥٨ - (وعن أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله وسلم يقول لا يرمي رجل رجلاً
بالفسق) كأن يقول فيه فاسق (أو الكفر) كأن قال فيه كافر مثلاً وأو للتنويع (إلا ارتدت) وفي
نسخة إلا ردت، أي: رجعت المرمية (عليه) أي: القائل (إن لم يكن صاحبه) أي: المقول
فيه (كذلك رواه البخاري) ففيه تفسيق من رمى غير الفاسق بالفسق، أي: خروجه عن
الطاعة. ويحتمل صيرورته فاسقاً بذلك، إن أصر عليه. وفيه تكفير من رمى المؤمن بالكفر،
أي: إن قصد به ظاهره واستحل ذلك.
١٥٥٩ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَلّر قال المتسابان) أي: اللذان
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: ما ينهى من السباب واللعن، وفي الإِيمان والفتن
(٣٨٧/١٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: قول النبي وَّر ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر))، (الحديث:
١١٦، ١١٧).
.(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب ما ينهى من السباب واللعن (٣٨٨/١٠).

٤٠٤
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
مَا قَالا، فَعَلَى الْبَادِي مِنْهُمَا حَتَّى يَعْتَدِيَ الْمَظْلُومُ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
١٥٦٠ - وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أُتِيَ النَّبِيُّ وَهَ بِرِجُلٍ قَدْ شَرِبَ قَالَ: ((اضْرِبُوهُ))
قَالَ أبو هُرِيْرَةَ: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، والضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، والضَّارِبُ بِثَوِْهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ
قالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَخْزاكَ اللَّهُ، قَالَ: ((لا تَقولُوا هَذَا؛ لا تُعينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ))
يسبب كل منهما الآخر (ما قالا) أي: إثم ما قالا من السب، وهو مبتدأ خبره (فعلى البادي
منهما حتى) أي: إلى أن (يعتدي) أي: يتجاوز (المظلوم) بأن يتجاوز حد الانتصار. قال
المصنف معناه أن إثم السباب الواقع بينهما يختص بالبادي منهما كله، إلا أن يجاوز الثاني
قدر الانتصار فيؤذي الظالم بأكثر مما قاله. وفيه جواز الانتصار ولا خلاف فيه، وتظاهر عليه
الكتاب والسنة. ومع ذلك فالصبر وللعفو أفضل، كما قال تعالى ﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك
لمن عزم الأمور﴾(٢) وكحديث ((وما ازداد عبد بعفو إلا عزا)) ((فإن قلت)) إذا لم يكن المسبوب
آثماً، وبرىء البارىء عن ظلمه بوقوع القصاص منهما، فكيف صح تقدير إثم ما قالا؟
((قلت)): إضافته بمعنى في، يعني إثم كائن فيما قالا، وهو إثم الابتداء، فعلى البادىء (رواه
مسلم) ورواه أحمد وأبو داود والترمذي. ثم هو في نسخ مسلم ((المتسابان)) بصيغة الافتعال.
وكذا عزاه إليه صاحب المشارق وغيره. والذي رأيته في نسخ الرياض، ما ذكرنا من
التفاعل .
١٥٦٠ - (وعنه قال أتي النبي ◌َّ برجل قد شرب) أي: الخمر. قال الدماميني: يصح
تفسير هذا الرجل بالنعيمان وبعبد الله الملقب بحمار (فقال اضربوه) أي: حدا (قال أبو
هريرة فمنا الضارب بيده والضارب بنعله، والضارب بثوبه) فيه جواز إقامة حد الخمر
بالضرب بغير السوط، وقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال، أصحها الجلد
بالسوط، ويجوز الاقتصار على الضرب، بالأيدي والثياب (فلما انصرف قال بعض القوم)
قال الحافظ: وفي الرواية التي بعده في البخاري، فقال رجل، وذلك الرجل هو عمر بن
الخطاب، إن كانت القضية متحدة مع حديث عمر في قصة حمار (أخزاك الله فقال لا تقولوا
هكذا) وفي نسخة ((هذا)) (لا تعينوا عليه الشيطان) لا الثانية: ناهية أيضاً، والجملة كالتعليل
لما قبلها. ووجه عونهم الشيطان بذلك، أن الشيطان يريد بتزيينه له المعصية حصول الخزي
(١) أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: النهي عن السباب، (الحديث: ٦٨).
(٢) سورة الشورى، الآية: ٤٣.

٤٠٥
٢٦٧ - باب: في تحريم سب الأموات
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١).
١٥٦١ - وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ،وَهِ يَقولُ: ((مَنْ قَذَفَ
مَمْلوَكَهُ بِالزِّنَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِلَّ أنْ يَكونَ كما قَالَ)» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(٢).
٢٦٧ - باب: في تحريم سب الأموات بغير حق ومصلحة شرعية
وهِيَ التّحْذِيرُ مِنَ الأْتِداءِ بِهِ فِي بِدْعَتِهِ وفِسْقِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
فِيهِ الآيَةُ وَالْأَحَادِيثُ السَّابِقَةُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ.
فإذا دعوا عليه به، فكأنهم قد حصلوا، مقصود الشيطان (رواه البخاري) وأشار في فتح
الباري إلى أن أبا داود أيضاً رواه وزاد في آخره: ((ولكن قولوا اللهم اغفر له اللهم
ارحمه)) فيستفاد منه منع الدعاء، بنحو ذلك على العاصي.
١٥٦١ - (وعنه قال سمعت رسول الله وَ ل# يقول من قذف) أي: رمى (مملوكه) ذكراً كان
أو أنثى (بالزنى يقام عليه الحد يوم القيامة) إظهاراً لكمال العدل؛ (إلا أن يكون) أي:
المملوك (كما قال) بحذف العائد لما وصرح به في رواية أي: كما قاله السيد فيه من كونه
زانياً، فلا حد عليه. وظاهر عموم الحديث انتفاء الحد، عند كون المملوك كذلك، وإن لم
يعلم به السيد (متفق عليه) ورواه أحمد وأبو داود والترمذي. واللفظ الذي ساقه المصنف
لمسلم، ولفظ الباقين («من قذف مملوكه وهو برىء مما قاله جلد يوم القيامة حداً إلا أن يكون
كما قال)) أشار إليه السيوطي في الجامع الكبير.
باب تحريم سب الأموات بغير حق ومصلحة شرعية
(وهي) أي: المصلحة الشرعية المرادة بالحق أيضاً، فعطفها عليه لتغاير الصفة
(التحذير من الاقتداء به في بدعته وفسته) متعلق بالاقتداء (ونحو ذلك) مما كان الميت
متلبساً به، مما لا يحسن التلبس به، لإِخلاله بالمروءة؛ وكجرح رواة الحديث لأن أحكام
الشرع مبنية عليه؛ (فيه الآية والأحاديث السابقة في الباب قبله) وكذا السابقة في باب حفظ
اللسان .
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الحدود، باب: ما يكره من لعن شارب الخمر (٥٧/١٢).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الحدود، باب: قذف العبيد (١٦٣/١٢، ١٦٤).
وأخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: التغليظ على من قذف مملوكه بالزنى، (الحديث: ٣٧).

٤٠٦
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
١٥٦٢ - وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لا تَسُبُوا
الْأَمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلى مَا قَدَّمُوا)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١).
٢٦٨ - باب: في النهي عن الإيذاء
قال الله تعالى(٢): ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا
بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾.
١٥٦٣ _ وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو بنِ الْعاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسانِهِ وَيَدِهِ، والْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ
١٥٦٢ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله و ليزر لا تسبوا الأموات) النهي فيه
للتحريم، وأل لإِبطال معنى الجمعية، أي: أيّ ميت. وعلل النهي بقوله (فإنهم قد أفضوا)
أي: وصلوا (إلى ما قدموا) من عملهم خيراً كان أو شراً، إذ لا فائدة في سبهم. والحديث
في سب أموات المسلمين. أما أموات الكفار فيجوز سبهم عموماً وأما المعين منهم، فلا
يجوز سبه، لاحتمال أنه مات مسلماً، إلا أن يكون ممن نص الشارع على موته كافراً، كأبي
لهب وأبي جهل (رواه البخاري) ورواه أحمد والنسائي من حديثها. ورواه أحمد والترمذي
والطبراني من حديث المغيرة، بلفظ ((لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء)). ورواه الطبراني عن
صخر الغامدي بلفظ: ((ولا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما اكتسبوا)) ورواه بهذا اللفظ
أي: لفظ البخاري، عن عائشة، كذا في الجامع الكبير.
باب النهي عن الإِيذاء
(قال الله تعالى: والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا) فيه دليل تسمية
فعل المكلف كسباً، وأتي به من صيغة الافتعال، إِيماً إلى المزاولة والإقبال على المعصية،
لكونها حظ النفس؛ (فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً).
١٥٦٣ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال قال رسول الله والهم
المسلم) أي: الكامل (من سلم المسلمون من لسانه ويده) أي: منه بالمرة. وذكراً لصدور
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الجنائز، باب: ما ينهى من سب الموتى وفي الرقاق، باب: سكرات الموت
(٢٠٦/٣).
(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٥٨.

٤٠٧
٢٦٨ - باب: في النهي عن الإيذاء
مَا نَهِى اللَّهُ عَنْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
١٥٦٤ - وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (مَنْ أَحَبَّ أنْ يُزَحْزَحْ
عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِّتُهُ وهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ، ولْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ
الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ) رَواهُ مُسْلِمٌ. وهُوَ بَعْضُ حَديثٍ طَويلٍ سَبَقّ في بابِ طَاعَةٍ
وُلَاةِ الْأَمُورِ (٢)(٣).
الأذى بهما في العادة الغالبة. (والمهاجر) أي: الكامل (من هجر) أي: ترك امتثالا لأمر الله
وإجلاله، وخوفاً منه (ما نهى الله عنه) شمل صغائر الذنوب وكبائرها. وكامل الهجرة من هجر
المعاصي رأساً وتحلي بالطاعة (متفق عليه) لكن في الجامع الصغير: الاقتصار على عزوه
للبخاري فقط، وأنه رواه أيضاً أبو داود والنسائي. وعند مسلم من حديث جابر ((المسلم من
سلم المسلمون من لسانه، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم))١ هـ. ولعل
المصنف أراد اتفاقهما على أصل الحديث.
١٥٦٤ - (وعنه قال قال رسول الله وَ ل﴿ من أحب أن يزحزح) بصيغة المجهول، وبالزاي
والحاء المهملة أي: يبعد (عن النار ويدخل الجنة) بصيغة المجهول أيضاً (فلتأته منيته وهو
يؤمن بالله واليوم الآخر) جملة حالية من الضمير المفعول به، والمراد: ليدم على الإِيمان،
وما معه حتى يأتيه الموت، وهو على ذلك. وهذا كقوله تعالى ﴿ولا تموتن إلا وأنتم
مسلمون﴾(٤) (وليأت) يجوز في مثله كسر لام الأمر، وهو الأصل، وإسكانها: لتقدم الواو
العاطفة؛ وكذا يجوزان مع ثم والفاء العاطفتين (إلى الناس الذي يحب) أي: يود (أن يؤتى
إليه) أي: منهم والمراد أن يحسن معاملتهم بالبشر وكف الأذى وبذل الندي كما يحب ذلك
منهم له (رواه مسلم وهو بعض حديث طويل سبق) بطوله مشروحاً (في باب طاعة ولاة
الأمور).
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الإِيمان، باب: المسلم من سلم المسلمون (١ /٥٠، ٥١).
وأخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: بيان تفاضل الإِسلام وأي الأمور أفضل، (الحديث: ٦٤).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: الإِمارة، باب: وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول، (الحديث: ٤٦).
(٣) انظر الحديث رقم (٦٦٨).
(٤) سورة آل عمران، الآية: ١٠٢ ..

٤٠٨
١٦ -كتاب: الأمور المنهي عنها
٢٦٩ - باب: في النهي عن التباغض والتقاطع والتدابر
قال اللَّهُ تعالى(١): ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ .
وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿أَذِلَّةٍ عَلى الْمُؤْمِنِيْنَ أَعِزَّةٍ عَلى الْكَافِرِينَ﴾ .
وَقَالَ تَعَالَى (٣): ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ
بَيْنَهُمْ﴾ .
١٥٦٥ - وعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: ((لا تَبَاغَضوا،
ولا تَحاسَدوا، ولا تَدَابُرُوا، ولا تَقاطَعُوا، وَكُونوا عِبادَ اللَّهِ إِخْواناً. ولا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ
باب النهي عن التباغض
بالقلوب (والتقاطع) ترك التواصل، المؤدي إلى البغضاء والنفرة (والتدابر) بالأجساد،
أي: يولي الرجل أخاه إذا لقيه ظهره إعراضاً عنه. (قال الله تعالى: إنما المؤمنون إخوة) أي :
وشأن الأخوة التواصل. قال تعالى في مدح المؤمنين ﴿والذين يصلون ما أمر الله به أن
يوصل﴾(٤). (وقال تعالى: أذلة على المؤمنين) أي: متذللين لهم، عاطفين عليهم،
خافضين لهم أجنحتهم (أعزة على الكافرين) متغلبين عليهم (وقال تعالى: محمد رسول الله
والذين معه) أي: من الصحابة (أشداء على الكفار) أي غلاظ عليهم قال تعالى مخاطباً لنبيه
﴿واغلظ عليهم﴾(٥) (رحماء بينهم) أي: يتراحمون ويتعاطفون لرحمة الإِيمان وصلته
بینهم .
١٥٦٥ - (وعن أنس رضي الله عنه أن النبي وسير قال لا تباغضوا) أي: لا تفعلوا ما يؤدي إلى
التباغض، وحذفت إحدى تاءيه تخفيفاً، وكذا فيما بعده (ولا تحاسدوا) أي: لا يتمن
بعضكم زوال نعمة أخيه، (ولا تدابروا ولا تقاطعوا) هي كالمتلازمة في الأداء إلى التقاطع
والتهاجر (وكونوا عباد الله) منادى بحذف حرفه، أو منصوب على الاختصاص، بناء على
وقوعه بعد ضمير المخاطب، وقد خرج عليه بعضهم قوله ◌َله: ((سلام عليكم دار قوم
مؤمنين)) (إخواناً) خبر كان، أو عباد خبر كان وإخواناً: خبر بعد خبر، أي: خاضعين لأمره
(١) سورة الحجرات، الآية: ١٠ .
(٢) سورة المائدة، الآية: ٥٤ .
(٣) سورة الفتح، الآية: ٢٩.
(٤) سورة الرعد، الآية: ٢١.
(٥) سورة التوبة، الآية: ٧٣.

٤٠٩
٢٦٩ - باب: في النهي عن التباغض
أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثٍ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
١٥٦٦ - وعَنْ أبي هُريْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ: ((تُفْتَحُ أَبْوابُ
الْجَنَّةِ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئاً، إلّ رَجُلًا كانَتْ
بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى
يَصْطَلِحا)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وفي رِوايَةٍ لَهُ: ((تُعْرَضُ الْأَعْمالُ في كلِّ يَوْمٍ خَميسٍ واثْنَيْنِ))
ممثلين له مجتمعين عليه متواصلين به (ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه) بالإِعراض عنه،
وترك أداء السلام عليه، (فوق ثلاث) أي: من الأيام، وحذفت التاء لحذف المعدود
واغتفرت الثلاث، لأن حدة المزاج قد تدعو للهجر زمنها (متفق عليه) قال في الجامع
الكبير: وزاد فيه بعد قوله إخواناً ((كما أمركم الله)). رواه مالك وأبو داود والطيالسي وأحمد
والترمذي. وتقدم الكلام عليه، ما عدا قوله ولا يحل لمسلم إلخ في باب تعظيم حرمات
المسلمین.
١٥٦٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَلقر قال: تفتح) بضم الفوقية الأولى،
وفتح الثانية (أبواب الجنة) الثمانية (يوم الإثنين ويوم الخميس) سميا بذلك: لأن أول
الأسبوع الأحد، وثانيه الإِثنين والخميس خامسه؛ وفتح يومهما ترافقًاً لهما، ولذلك كان اله
يكثر صومها (فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً) من الإِشراك، أو من المعبودات. وحذف
مفعول يغفر للتعميم، وشيئاً مفعوله، والتنوين فيه للإِشاعة أو للتعظيم (إلا رجلاً كانت بينه
وبين أخيه شحناء) بفتح المعجمة وسكون المهملة وبالنون والمد أي: عداوة وبغضاء (فيقال
أنظروا) بفتح الهمزة وكسر الظاء المعجمة أي أخروا (هذين حتى يصطلحا) وهذا محمول
على العداوة لحظ النفس: أما هي لله تعالى فلا تمنع من المغفرة. كيف وقد جاء الأمر بها
لذلك قال : ((أفضل الحب الحب في الله، وأفضل البغض البعض في الله)) (انظروا
هذين حتى يصطلحا) كرره للتأكيد، اهتماماً بأمره (رواه مسلم وفي رواية) وفي نسخة
روايات (له) أي: لمسلم (تعرض الأعمال) أي: أعمال الأسبوع (في كل خميس واثنين)
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب باب ما ينهى عن التحاسد (٤٠١/١٠، ٤٠٣).
وأخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم التحاسد والتباغض والتدابر (الحديث: ٢٣).

٤١٠
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
وذَكَرَ نَحْوَهُ(١).
٢٧٠ - باب: في تحريم الحسد وهو تمني زوال النعمة عن صاحبها
سواء كانت نعمة دين أو دنيا
قال اللّه تعالى(٢): ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
وفِيهِ حَديثُ أَنَسِ السَّابِقُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ.
١٥٦٧ - وعَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: «إِيَّكُمْ والْحَسَدَ فَإِنَّ
الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَناتِ كما تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ أوْ قَال الْعُشْبَ)» رواهُ أبو داوُدَ(٣).
أي: على رأسه وذلك لشرفه الصالح بالثناء عليه في الملكوت الأعلى وضده بضده (وذكر)
أي: مسلم (نحوه) أي: نحو ما في الحديث قبله.
باب تحريم الحسد
وهو من الكبائر لما سيأتي فيه (وهو تمني زوال النعمة عن صاحبها سواء كانت نعمة
دين أو دنيا) أما تمني مثلها. فغبطة، فإن كان في الدين: فمحمود، وإلا فلا. (قال الله
تعالى) في ذم اليهود (أم يحسدون الناس) أي: العرب أو محمداً ◌َّ (على ما آتاهم الله
من فضله) باعتبار اللفظ. (وفيه حديث أنس السابق في الباب قبله) أي: قوله ولا
تحاسدوا .
١٥٦٧ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ◌َّر قال: إياكم) منصوب على التحذير
(والحسد) وعلل النهي بقوله (فإن الحسد يأكل الحسنات) أي: يذهبها، ففيه استعارة
مكنية، تتبعها استعارة تخييلية (كما تأكل النار الحطب أو) شك من الراوي (قال العشب)
بضم المهملة وسكون المعجمة، والمراد هنا الكلأ أي: الحشيش، وهذا إيماء إلى سرعة
إبطاله الحسنات كما فى المشبه به (رواه أبو داود) .
(١) أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: النهي عن الشحناء والتهاجر، (الحديث: ٣٥).
(٢) سورة النساء، الآية: ٥٤.
(٣) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في الحسد، (الحديث: ٤٩٠٣).

٤١١
٢٧١ - باب: في النهي عن التجسس
٢٧١ - باب: في النهي عن التجسس والتسمع الكلام من يكره استماعه
قالَ اللَّهُ تَعالَى (١): ﴿ولا تَجَسَّسُوا﴾.
وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُّونَ الْمُؤمِنِينَ والْمُؤمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلوا
بُهْتَاناً وِثْماً مُبينَاً﴾.
١٥٦٨ - وعَنْ أبي هُريْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: «إِيَّاكُمْ والظَّنَّ
باب النهي عن التجسس
بالجيم والمهملتين أي: التتبع (والتسمع) أي: السماع (لكلام من يكره استماعه)
أي: المستمع، والظرف معمول للتسمع، ومعمول الأول محذوف، أي: عن الإِخبار (قال الله
تعالى: ولا تجسسوا) أي: لا تبحثوا عن عورات المسلمين ومعايبهم (وقال تعالى:
والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً) الآية
مطابقة لعجز الترجمة، لأن المتجسس على المعايب مؤذ لصاحبها؛ بما اكتسب، لما أخفى
ذلك، ولم يتجاهر به، نهي عن التطلع إلى أمره، والتوصل إليه طلباً للستر، بحسب
الإمكان .
١٥٦٨ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ◌َّ قال إياكم والظن) قال القرطبي: أي:
التهمة التي لا سبب لها، كمن يتهم بفاحشة من غير ظهور مقتضيها، ولذا عطف عليه:
(ولا تجسسوا) وذلك أن الشخص، يقع له خاطر التهمة، فيريد تحققه، فيتجسس
ويبحث، فنهى عن ذلك، وهذا موافق لقوله تعالى ﴿اجتنبوا كثيراً من الظن﴾(٣) الآية؛ ودلّ
سياق الآية على الأمر، بصون عرض المسلم غاية الصيانة، لتقدم النهي عن الخوض فيه
بالظن؛ فإن قال: إبحث لأتحقق، قيل له (ولا تجسسوا) فإن قال: تحققت من غير
تجسس، قيل له (ولا يغتب بعضكم بعضاً) وقال الحافظ في الفتح: ليس المراد به ترك
العمل بالظن الذي تناط به الأحكام غالباً، بل المراد ترك تحقيق الظن، الذي يضر بالمظنون
به، وكذا ما يقع في القلب من غير دليل. وقال المصنف: ليس المراد في الحديث بالظن
ما يتعلق بالاجتهاد، الذي يتعلق بالأحكام أصلا. بل الاستدلال له بذلك ضعيف أو باطل،
وتعقب بأن الضعف ظاهر، أما البطلان فلا لأن اللفظ صالح له، لا سيما إن حُمِل على ظن
(١) سورة الحجرات، الآية: ١٢.
(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٥٨
(٣) سورة الحجرات، الآية: ١٢.

٤١٢
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَديثِ، ولا تَحَسَّسُوا ولا تَجَسَّسُوا، ولا تَنَافَسُّوا، ولا تَحاسَدُوا،
ولا تَباغَضُوا، ولا تَدابَرُوا؛ وكُونوا عِبادَ اللَّهِ إِخْواناً كما أَمَرَكُمْ. الْمُسْلِمُ أَخُو
الْمُسْلِمِ: لا يَظْلِمُهُ ولا يَخْذُلُهُ، ولا يَحْقِرُهُ. التَّقْوِى هَهُنا، التَّقْوى هَهُنا)) ويُشيرُ إلى
مجرد عن الدليل، ليس مثبتاً ولا تحقيق نظر، كما قاله عياض. وكذا قال القرطبي الظن
الشرعي: وهو تغليب أحد الجانبين، ليس مراداً من الآية ولا من الحديث، فلا يُنظر لمن
استدل بهما على إنكار الظن (فإن الظن أكذب الحديث) قيل أريد من الكذب، عدم الطابقة
للواقع، سواء كان قولاً أم لا، ويحتمل أن يراد بالظن، ما ينشأ من القول، فيوصف به الظن
مجازاً؛ (ولا تحسسوا ولا تجسسوا) إحداهما بالجيم والأخرى بالحاء المهملة، وفي كل
منهما وفي المنهيات بعدهما حذف إحدى التاءين تخفيفاً. قال الخطابي أي: لا تجسسوا
عن عيوب الناس ولا تتبعوها، وأصله بالمهملة من الحاسة إحدى الحواس الخمس،
وبالجيم من الجس، بمعنى اختبار الشيء باليد، وهي إحدى الحواس الخمس، فتكون
التي بالحاء أعم، وقيل هما بمعنى: وذكر الثاني تأكيداً كقولهم بعداً وسحقاً. وقيل بالجيم
البحث عن العورات، وبالمهملة استماع حديث القوم. وقيل بالجيم: البحث عن بواطن
الأمور، وأكثر ما يكون في الشر، وبالمهملة عما يدرك بحاسة العين أو الأذن، ورجحه
القرطبي، وقيل بالجيم تتبعه لأجل غيره، وبالحاء تتبعه لأجل نفسه، ثم يستثنى من النهي
عن التجسس، ما إذا نعين لإنقاذ نفس من هلاك، كان يخبر باختلاء إنسان بآخر ليقتله
ظلماً؛ أو بامرأة ليزني بها؛ فهذا التجسس مشروع حذراً عن فوات استدراكه. نقله المصنف
عن الأحكام السلطانية للماوردي واستجاده (ولا تنافسوا) بالفاء والسين المهملة، من
المنافسة، الرغبة في الشيء والإنفراد به (ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا) والتدابر،
قيل: المعاداة، وقيل: الإِعراض، وقيل: استئثار الإِنسان عن أخيه (وكونوا عباد الله إخواناً)
أي: اكتسبوا ما تصيرون به إخوة، من التآلف والتحابب، وترك هذه المنهيات. قال الحافظ:
الجملة كالتعليل لما قبلها، أي: إذا تركتم هذه صرتم كالإِخوان، ومفهومه إذا لم تتركوها
تصيروا أعداء. وقيل معناه كونوا كإخوان النسب في الشفقة والرحمة والمحبة والمواساة
والمعاونة والنصيحة. (كما أمركم) قال القرطبي: لعله أشار بذلك، إلى الأوامر المتقدم
ذكرها، فإنها جامعة لمعاني الآخرة. والفاعل مضمر، يعود إلى ((الله)) وهو مصرح به في
مسلم، وهذه الجملة عند البخاري في أبواب الأدب، إلا أنه ليس فيه ((كما أمركم)) وفي
الجامع الصغير للسيوطي، رواه مالك وأحمد والشيخان وأبو داود والترمذي (المسلم أخو
المسلم) لاجتماعهما في الإِسلام (لا يظلمه) في نفسٍ ولا مالٍ ولا عرضٍ بوجه. والجملة

٤١٣
٢٧١ - باب: في النهي عن التجسس
صَدْرِه (بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ؛ كلُّ الْمُسْلِمِ عَلى الْمُسْلِمِ
حَرامٌ: دمُّهُ وِرْضُهُ ومَالُهُ؛ إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إلى أَجْسادِكُمْ ولا إِلى صُوَرِكُمْ وَأَعْمالِكُمْ
ولَكِنْ یَنْظُرُ إِلَى قُلوبِكُمْ»
وما بعدها خبرية لفظاً، إنشائية معنى (ولا يخذله) بضم الذال أي: يترك نصرته وإعانته،
ويتأخر عنه (ولا يحقره) بكسر القاف أي: يهينه ولا يعبأ به (التقوى هاهنا التقوى هاهنا
التقوى هاهنا) قال أبو هريرة (ويشير) أي: النبي ◌َّر بقوله هاهنا. (إلى صدره) أي: أن
محلها القلب، الذي هو في الصدر (بحسب امرىء) بسكون السين المهملة والباء مزيدة كما
في امرىء (من الشر) لعظمه وشدته عند الله؛ (أن يحقر أخاه المسلم) وذلك لما فيه من
إهمال حق أخيه والإِعراض عنه والنظر لنفسه والرضا عليها، وما يدريه أن ذلك المحتقر
عند الله بمكان قال ◌َلجر: ((رب أشعث أغبر ذي طمرين، لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبر
قسمه)) (كل المسلم على المسلم حرام) أي: محظور وممنوع (دمه وعرضه وماله) بدل
بعض من كل، وجعل العرض والمال منه، فيه مبالغة في المنع من التعرض بالسوء لهما،
كالمنع من الدم والعرض والنفس والحسب، يقال فلان نقي العرض، ، أي: بريء من
العيب والمراد منع هذه الأمور بما لم يأذن الشرع فيه، من نحو قصاص في الأول، ونحو
تعزير في الثاني، وقضاء ما امتنع من أدائه، مما هو واجب عليه. وهذا الحديث عند مسلم
كما ذكره المصنف هنا. وفي الأربعين حديثاً. قال السخاوي في تخريجها: وأخرجه أحمد
وأبو عوانة وأبو نعيم. وعند الترمذي في جامعه من حديث أبي هريرة: ((المسلم أخو المسلم
لا يخونه ولا يخذله ولا يكذبه كل المسلم على المسلم حرام ماله ودمه وعرضه» وكذا رواه
أبو داود في الباب عن جماعات منهم ابن عمر، بلفظ ((المسلم أخو المسلم لا يظلمه
ولا يخذله، بحسب امرىء من الشر، أن يحقر أخاه المسلم)) متفق عليه وكذا جاء بنحوه من
حديث واثلة بن الأسقع (إن الله لا ينظر) نظر اعتبار وإكرام (إلى أجسادكم ولا إلى صوركم
وأعمالكم) أي: إنه تعالى لا يرتب الثواب على كبر الجسم، وحسن الصورة، وكثرة العمل:
وقد جاء عند مسلم ((يجاء يوم القيامة بالرجل العظيم لا يزن عند الله جناح بعوضه اقرءوا إن
شئتم ﴿فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً﴾(١). وجاء في مناقب ابن مسعود لرجلٍ عبد الله تعدل
في الميزان جبل أحد. واستدرك مما قد يتوهم من الكلام السابق، من نفي النظر رأساً قوله
(ولكن ينظر إلى قلوبكم) فإن كانت متوجهة إليه مقبلة عليه، أقبل بسحائب فضله ووابل
(١) سورة الكهف، الآية: ١٠٥.

٤١٤
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
وفي رِوَايةٍ: ((لا تَحاسَدوا، ولا تَباغَضُوا، ولا تَحَسَّسُوا، ولا تَجَسَّسُوا،
ولا تناجَشُوا؛ وكُونُوا عِبادَ اللَّهِ إِخْواناً)) وفي رِوَايَةٍ: ((لا تَقاطَعوا،
ولا تَدَابُرُوا، ولا تَباغَضُوا، ولا تَحاسَدُوا؛ وكُونوا عِبادَ اللَّهِ إخْوانَاً)) وفي روايَةٍ:
((ولا تَهاجَروا، ولا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلى بَيْعِ بَعْضٍ» رَوَاهُ مُسْلِمُ بِكُلِّ هَذِهِ الرِّواياتِ.
وروى الْبُخَارِيُّ أَكْثَرَهَا(١)
جوده على أصحابها، وإن كانت معرضة عنه مشغولة بما سواه، أعرض عن أصحابها. وهذا
كما قال في الحديث الآخر ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا أصلحت صلح الجسد كله وإذا
فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)). والحديث عند مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ
((إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)). ورواه ابن ماجة
أيضاً كما في الجامع الصغير (وفي رواية لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تحسسوا ولا تجسسوا
ولا تناجشوا) أي: من النجش، وهو الزيادة في السلعة لا لرغبة، بل ليغر غيره ويخدعه،
وهو من أسباب البغضاء كما قيل، وقيل المراد به هنا ذم بعض بعضاً. قال المصنف:
والصحيح الأول (وكونوا) أي: صيروا (عباد الله إخواناً) أي: متحابين يحب كل لصاحبه
ما يحب لنفسه (وفي رواية لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله
إخواناً وفي رواية ولا تهاجروا) أي: يهجر الرجل أخاه فلا يبدؤه بالسلام، ولا يجيبه بالكلام
(ولا يبع بعضكم على بيع بعض) ومثله الشراء عى شرائه، والسوم على سومه، بعد استقرار
الثمن، والرضا به (رواه مسلم بكل هذه الروايات) أي: من حديث أبي هريرة كما یومیء
إليه صنيعه (وروى البخاري أكثرها) فحديث ((إياكم والظن)) إلى قوله: ((وكونوا عباد الله
إخواناً)) رواه البخاري أيضاً، وزاد فيه ((ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح
أو يترك)) ورواه كذلك مالك وأحمد وأبو داود والترمذي، وعند البخاري، في باب ما ينهى
عنه من التحاسد. من حديث أنس مرفوعاً ((لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا
عباد الله إخواناً ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث)). وعنده في أبواب البيوع من
حديث أبي هريرة مرفوعاً ((لا يبع المرء على بيع أخيه، ولا تناجشوا ولا بيع حاضر لباد)).
(١) أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تجريم الظن والتجسس والتنافس والتناجش
ونحوها، (الحديث: ٢٨، ٢٩، ٣٠، ٣١).
وأخرجه أيضاً في كتاب: البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم ... (الحديث: ٣٢).
وأخرجه البخاري في كتاب: أبواب متفرقة كالنكاح والوصايا والاكراه والمظالم (٤٠٤/١٠).

٤١٥
٢٧٢ - باب: في النهي عن سوء الظن
١٥٦٩ - وعَنْ مُعاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهَ يَقولُ: ((إِنَّكَ
إِنِ اتَّبَعْتَ عَوْراتِ الْمُسْلِمِينَ أَفْسَدْتَهُمْ، أَوْ كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ)) حَديثٌ صَحيحٌ رواهُ
أبو داوُدَ بِإِسْنادٍ صَحيحٍ (١).
١٥٧٠ - وعَنِ ابنِ مَسْعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ أُتِيَ بِرِجُلٍ فَقيلَ لَهُ: هَذَا فُلانٌ تَقْطُرُ
لِحْيَتُهُ خَمْراً، فَقالَ: إِنَّا قَدْ نُهِينَا عَنِ التَّجَسُّسِ وَلَكِنْ إِنْ يَظْهَرْ لَنَا شَيْءٌ نَأخُذْ بِهِ.
حَديثٌ صَحِيحٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ ومُسْلِمٍ (٢).
٢٧٢ - باب: في النهي عن سوء الظن بالمسلمين من غير ضرورة
١٥٦٩ - (وعن معاوية رضي الله عنه قال سمعت رسول الله وي لل يقول إنك إن اتبعت عورات
المسلمين) بالتجسس عنها واكتشاف ما يخفونه منها (أفسدتهم أو كدت) أي: قاربت (أن
تفسدهم) بإدخال ((أن)) في خبر كاد، وهو قليل. وفيه إيماء إلى توكيد الأمر للمسلمين، ففيه
إعجاز له ◌َّليل بالإِخبار عن المغيب، في وقت إخباره (حديث صحيح رواه أبو داود) في
الأدب من سننه (بإسناد صحيح) رواه عن عيسى بن محمد الرملي ومحمد بن عوف، كلاهما
عن الفرياني عن ثور بن يزيد عن راشد بن سعد المقري الحمصي عن معاوية .
١٥٧٠ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه أتي) بالبناء للمجهول (برجل فقيل له هذا فلان
تقطر لحيته خمراً) تمييز محول عن الحال، وكونه خمر لحيته لملابسته لها (قال إنا قد نهينا
عن التجسس) يحتمل أن يكون مراده النهي عن ذلك في القرآن، أو السنة أي: سمعه من
النبي ◌َ ﴿ أيضاً (ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به) ونعامله بمقتضاه من حد أو تعزير (حديث
صحيح رواه أبو داود بإسناد على شرط البخاري ومسلم) موقوف لفظاً، مرفوع حكماً لقوله
نهينا. ومن المعلوم أن ذلك، إنما يسند إليه وَلّ: وقول الصحابي أمرنا بكذا أو نهينا عن
كذا، من الألفاظ المكنى بها عن الرفع عن المحدثين، كما تقرر في علم الأثر.
باب النهي عن ظن السوء بالمسلمين من غير ضرورة
كأن يظن بهم نقصاً في دين، أو مروءة من غير أن يدل لذلك دليل. وقوله من غير
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في النهي عن التجسس (الحديث: ٤٨٨٨).
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في النهي عن التجسس (الحديث: ٤٨٩٠).

٤١٦
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
قال الله تعالى (١) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظِّّ
إِثْمٌ﴾ .
١٥٧١ - وعَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ ﴿ قَالَ: ((إِيَّاكُمْ والظَّنَّ
فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَديثِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢).
٢٧٣ - باب: في تحريم احتقار المسلم
قال الله تعالى(٣): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىْ أنْ يَكونُوا
خَيْراً مِنْهُمْ ولا نِساءً مِنْ نِساءٍ عَسَىْ أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ ولا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ
ضرورة، مخرج لما إن دعت إليه، كأن وقف مواقف التهم، أو بدا عليه علامة الريب.
قال الله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن﴾ هو ظن السوء بأخيك المسلم
﴿إن بعض الظن إثم﴾ فكونوا على حذر، حتى لا توقعوا فيه.
١٥٧١ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَ ◌ّل قال) محذراً من ظن السوء (إياكم
والظن فإن الظن أكذب الحديث. متفق عليه) وهو طرف من حديث، تقدم مشروحاً بجملته
في الباب قبله.
باب تحريم احتقار المسلم
أي: إهانته وإسقاطه من النظر والاعتبار (قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا يسخر
قوم من قوم) السخرية: الازدراء والاحتقار. وقوم أي: رجال (عسى أن يكونوا) أي:
المسخور بهم (خيراً منهم) أي: الساخرين. استئناف علة للنهي، واكتفى عسى ((بأن))
ومنصوبها عن الخبر. والذي اختاره ابن مالك، أنها حينئذ تامة (ولا نساء من نساء عسى أن
يكن خيراً منهن) أي: عند الله (ولا تلمزوا أنفسكم) أي: لا يعتب بعضكم بعضاً فإن
عيب أخيه، عيب نفسه. أو لأن المؤمنين كنفس واحدة. واللمز: الطعن باللسان (ولا
٦
(١) سورة الحجرات، الآية: ١٢.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: أبواب متفرقة كالنكاح والوصايا والاكراه، والمظالم (٤٠٤/١٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم الظن والتجسس ... (الحديث: ٢٨).
(٣) سورة الحجرات، الآية: ١١.

٤١٧
٢٧٣ - باب: في تحريم احتقار المسلم
ولا تَنَابُزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ ومَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ
الظَّالِمُونَ﴾
وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ مُمَزَةٍ لُمْزَةٍ﴾.
١٥٧٢ - وعَنْ أبي هُريْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ :﴿ قَالَ: ((بِحَسْبِ امْرِىء
مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ)) رواهُ مُسْلِمٌ. وَقَدْ سَبَقَ قَرِيباً بِطُولِهِ (٢) (٣)
تنابزوا بالألقاب) أي: يدعو بعضكم بعضاً، باللقب السوء، والنبز مختص باللقب السوء
عرفاً، ومنه يا فاسق يا كافر (بئس الاسم الفسوق) يعني السخرية واللمز والتنابز، وبئس
الذكر، الذي هو الفسق (بعد الإِيمان) يعني لا ينبغي أن يجتمعا فإن الإِيمان يأبى الفسوق،
أو كان في شتائمهم، يا يهودي يا فاسق، لمن أسلم فنهوا عنه (ومن لم يتب) من ذلك
(فأولئك هم الظالمون). (وقال تعالى: ويل) كلمة عذاب، أو واد في جهنم (لكل
همزة لمزة) أي: كثير الهمز واللمز، أو الغيبة. وقيل الهمزة: من اعتاد كسر أعراض
الناس، واللمزة من اعتاد الطعن فيهم، وعن بعض السلف الأول الطعن بالغيب، والثاني في
الوجه. وقيل باللسان وبالحاجب. نزلت فيمن كان يغتاب النبي ◌ّ والمؤمنين، كأمية بن
خلف، والأخنس بن شريف. وعن مجاهد وهي عامة .
......
١٥٧٢ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَ الر قال بحسب) أي: كافي (امرىء)
أي: إنسان (من الشر أن يحقر أخاه المسلم) أي: وذلك لعظمه في الشر، كاف له عن
اكتساب آخر، ولا يخفى ما فيه من فظاعة هذا الذنب، والنداء عليه بأنه غريق في الشرِ حتى
إنه لشدته فيه، يكفي من تلبس به عن غيره (رواه مسلم) في أثناء حديث (وقد سبق قريباً) في
باب النهي عن التجسس (بطوله) مشروحاً، وسبق معظمه في باب تعظيم حرمات
المسلمین.
(١) سورة الهمزة، الآية: ١.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم ظلم المسلم ... (الحديث: ٣٢)
(الحديث: ٣٢)، وقد
(٣) أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم ظلم المسلم
سيق بطوله.
00

٤١٨
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
١٥٧٣ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﴿ قَال: ((لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ
مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرِ!)) فَقَالَ رَجُلٌ: إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكونَ ثَوْبُهُ حَسَناً
ونَعْلُهُ حَسَنَةٌ. فَقالَ: ((إِنَّ اللَّهَ جَميلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ))
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ومَعْنى (بَطَرُ الْحَقِّ)): دَفْعُهُ. (وغَمْطُهُمْ)): احْتِقارُهُمْ. وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ
أَوْضَحَ مِنْ هَذَا في بابِ الْكِبْرِ (١).
١٥٧٤ - وعَنْ جُنْدُبِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((قَالَ
١٥٧٣ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي وَّر قال لا يدخل الجنة) أي: مع
الناجين الفائزين، أو لا يدخلها مطلقاً، إن استحله وقد علم حرمته والإجماع عليها (من كان
في قلبه مثقال ذرة من كبر) بكسر فسكون (فقال رجل) لم ينبه عليه المصنف في شرحه،
ولا وقفت على تنبيه لغيره (إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله جميلة) إظهاراً
لفضل الله تعالى وتحدثاً به، أي: فيكون ذلك من الكبر المرتب عليه ما ذكر (فقال إن الله
جميل يحب الجمال) أي: فذلك حيث لم يكن على وجه الخيلاء جميل، والله يرضاه ويثني
على فاعله. قال الله تعالى: ﴿وأما بنعمة ربك فحدّث﴾(٢). فلا يدخل في المذموم المرتب
عليه ما تقدم (الكبر) أي: المعهود ذكراً بقوله قبل من كبر (بطراً لحق وغمط الناس رواه
مسلم معني بطر الحق) بفتح الموحدة والطاء وبالراء (دفعه) وعدم الانقياد له. كما قال تعالى
﴿إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾(٣). وكما قال تعالى ﴿إنهم
كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون﴾(٤) (وغمطهم) بفتح الغين المعجمة، والطاء
المهملة، وفي رواية ((وغمصهم)) بإبدال الطاء صاداً مهملة، ومعناها (احتقارهم) والاستهانة
بهم (وقد سبق بيانه بأوضح من هذا في باب الکبر)
١٥٧٤ - (وعن جندب بن عبد الله) بن سفيان البجلي، ثم العلقمي بفتح العين المهملة
واللام ثم القاف، نسبة إلى علقمة بن عبقر بن أنمار (رضي الله عنه) سكن جندب الكوفة،
ثم تحول إلى البصرة يروى له عن رسول الله وم لل ثلاثة وأربعون حديثاً، اتفقا على سبعة
منها، وانفرد مسلم بخمسة عنه. خرّج عنه الأربعة، مات بعد الستين رضي الله عنه (قال قال
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: تحريم الكبر وبيانه، (الحديث: ١٤٧).
(٢) سورة الضحى، الآية: ١١.
(٣) سورة غافر، الآية: ٦٠.
(٤) سورة الصافات، الآية: ٣٥.

٤١٩
٢٧٤ - باب: في النهي عن إظهار الشماتة بالمسلم
رُجُلٌ واللَّهِ لا يَغْفِرُ اللّهُ لِفُلانٍ. فَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: مَنْ ذَا الَّذي يَتَأَلِى عَلَيَّ أَنْ
لا أَغْفِرَ لِفُلانٍ، إِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
٢٧٤ - باب: في النهي عن إظهار الشماتة بالمسلم
قال الله تعالى(٢): ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى(٣): ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ
أليمٌ فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾
رسول الله * قال رجل والله لا يغفر الله لفلان) وذلك من القائل، احتقاراً للمقول عنه،
وازدراء له أن تناله المغفرة لعظمها وجلالتها؛ (فقاد، الله عز وجل: من ذا الذي) قال
السفاقسي في إعراب نظيره، من آية الكرسي: الأولى أن ((من)) ركبت مع ذا للاستفهام،
والمجموع في موضع رفع بالابتدا والموصول بعد هو (يتألى) أي يحلف قال في المصباح:
يقال آلى إيلاء، مثل آتى إيتاء إذا حلف، فهو مولٍ وتألي وانتلي كذلك (علي ألا أغفر
لفلان) أي: بأن لا أغفر له (إني قد غفرت له) جملة مستأنفةً لبيان أن المحتقر عند ذلك
القائل، هو عند الله بمكان، وأن القائل بضده كما قال (وأحبطت عملك) أي: أبطلت ثوابه .
وفي الحديث تحذير من احتقار أحد من المسلمين، وإن كان من الرعاع. فإن الله تعالى
أخفی سره في عباده (رواه مسلم).
باب النهي عن إظهار الشماتة بالمسلم
قال في المصباح: شمت به يشمت أي: من باب فرح، إذا فرح بمصيبة نزلت به،
والاسم: الشماتة. واحترز بقوله ((إظهار)) عن الفرح الباطني، فإن طبع الإِنسان، الفرح
بلحاق المصيبة لمن يعاديه وينافيه، إلا من طهره الله من ذلك. (قال الله تعالى: إنما
المؤمنون إخوة) أي: وشأن الأخوة، أن يتحرك الأخ لما يلحق أخاه من الضرر. (وقال
تعالى: إن الذين يحبون أن تشيع) أي: تفشو (الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم
في الدنيا والآخرة) وجه استشهاده بالآية أنه إذا توعد على محبة شيوع الأمر القبيح الذي
(١) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب: النهي عن تقنيط الإنسان من رحمه الله تعالى،
(الحديث: ١٣٧).
(٢) سورة الحجرات، الآية: ١٠
(٣) سورة النور، الآية: ١٩.

٤٢٠
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
١٥٧٥ - وعَنْ واثِلَةَ بنِ الْأُسْفَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ رَّه:
(لا تُظْهِرِ الشِّماتَةَ لَأَخِيكَ فَيَرْحَمَهُ اللَّهُ ويَبْتَلِيَكَ)) رواهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ:
حَدِيثٌ حَسَنٌ(١).
وفي الْبابِ حَديثُ أبي هُرِيْرَةَ السَّابِقُ في بابِ التَّجَسُّسِ: ((كلُّ الْمُسْلِمِ عَلى
الْمُسْلِمِ حَرامٌ)) الْحَديثَ.
ارتكبه المؤمن المذنب به، بالعذاب المؤلم في الدارين، لما فيه من إضراره وايذائه فلان
يترتب ذلك بالأولى على من أظهر الفرح، بنزول بلية بالمؤمن، من غير سبب منه لذلك.
١٥٧٥ - (وعن واثلة) بالمثلثة (بن الأسقع) بالسين المهملة الساكنة، فقاف فعين مهملة
سبقت ترجمته (رضي الله عنه) في باب الرؤيا (قال قال رسول الله وَلالٍ لا تظهر الشماتة
لأخيك) بما نزل به. بل شأن المؤمن التألم بما يتألم منه أخوه، والفرح بما يفرح به (فيرحمه الله)
بأن يذهب عنه ما شمت به لأجله (ويبتليك) بالنصب عطف على المنصوب قبله في جواب
النهي (رواه الترمذي وقال حديث حسن) قال السيوطي في قوت المغتذى: هذا أحد
الأحاديث التي انتقدها الحافظ سراج الدين القزويني على المصابيح، وزعم أنه موضوع.
وقال الحافظ صلاح الدين العلائي: هذا الحديث ذكره ابن الجوزي في الموضوعات،
وقال: تفرد به عمر بن إسماعيل بن مجالد، وهو متروك عن حفص بن غياث. وعمر بن
إسماعيل كما ذكره: اتفقوا على ضعفه ووهانته، لكن لم ينفرد به. فقد رواه الترمذي من
طريق أمية بن القاسم عن حفص. قال شيخنا المزي في الأطراف: كذا وقع في جميع
الروايات أمية بن القاسم، وهو خطأ. وصوابه القاسم بن أمية الحذاء العبدي، رواه عنه
محمد بن عتاب بن حرب بتمامه، فقال: حدثنا القاسم بن أمية الحذاء بالبصرة، فذكره. وقد
ذكره ابن أبي حاتم في كتابه، وقال: سئل أبي عنه فقال: ليس به بأس صدوق. وسئل أبو
زرعة عنه فقال: كان صدوقاً. قال العلائي: فبرىء عمر بن إسماعيل بن مجالد من عهدته،
وبقي الحديث حسناً، كما قال الترمذي لكنه غريب، لتفرد القاسم بن أمية به؛ ١ هـ. (وفي
الباب) أي: النهي عن إظهار الشماتة بالمسلم (حديث أبي هريرة السابق في باب التجسس)
وأبدل من حدیث بدل بعض من كل قوله (كل المسلم على المسلم حرام الحدیث) فدخل فيه
ذلك، لما فيه من التعرض لإِيذائه، والتوصل إلى القدح في عرضه.
-20-30-05-
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: صفة القيامة، باب: ٥٤، (الحديث: ٢٥٠٦).