النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
٢٥٢ - باب: في مسائل من الدعاء
١٤٩٥ _ وعَنْ جَابِرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لا تَدْعُوا عَلى
أُنْفُسِكُمْ، ولا تَدْعُوا عَلَى أولادِكُمْ، ولا تَدْعُوا عَلى أَمْوالِكُمْ، لا تُوافِقوا مِنَ اللهِ ساعَةً
يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءً فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١) .
١٤٩٦ _ وعَنْ أبي هُريْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((أَقْرَبُ مَا يَكُونُ
الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(٢).
الترمذي: حسن غريب، وقال في السلاح: رواه الترمذي والنسائي، وابن حبان في صحيحه
بهذا اللفظ، وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه من حديث أسامة إلّ من هذا الوجه.
١٤٩٥ - (وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّر: لا تدعوا على أنفسكم ولا
تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على أموالكم) أعاد الفعل المنهي عنه في كلا الجملتين
المعطوفتين، إيماءً إلى استقلال كل بالنهي عنه. وحذف المعمول يؤذن بالعموم أي: لا
تدعوا على من ذكر، وما ذكر بشيء من الضرر (لا توافقوا) علة للنهي أي: لئلا توافقوا
والفعل منصوب بأن المقدرة مع لام الجر، لدلالة المقام عليهما، ويجوز أن يقال إنه مجزوم
وهو جواب شرط مقدر؛ لكونه في جواب النهي أي: إن لا تدعوا لا توافقوا الخ حال الدعاء
بذلك (من الله ساعة يسأل) بصيغة المجهول ونائب فاعله يعود إلى الجلالة، وهو مفعوله
الأول (فيها عطاء) أي: شيئاً معطى (فيستجيب) بالرفع عطف على المرفوع قبله، أو على
إضمار هو وبالنصب جواب النهي، من قبيل لا تدن من الأسد فيأكلك على مذهب
الكسائي(٣) (لكم) لكون الوقت وقت إجابة (رواه مسلم) ورواه أحمد ومسلم وأبو داود من
حديث أم سلمة بلفظ ((لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما
تقولون)».
١٤٩٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَ ل قال: أقرب ما يكون العبد من
ربه) أي: قرباً معنوياً قرب مكانة لا قرب مكان (وهو ساجد) وقد تقدم الحديث مشروحاً في
باب فضل الذكر والحث عليه وقوله: (فأكثروا الدعاء) أي فيه، الفاء فيه تفريعية أو فصيحة
(رواه مسلم).
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الزهد والرقائق، باب: حديث جابر الطويل وقصه أبي اليسر، (الحديث:
٧٤).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: الصلاة، باب: ما يقال في الركوع والسجود، (الحديث: ٢١٥).
(٣) هذا غير ظاهر إذ الخلاف في الجزم عند حذف الفاء أما النصب عند ذكرها فمتفق عليه.

٣٠٢
١٥ - كتاب: الدعوات
١٤٩٧ _ وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لِ قَالَ: ((يُسْتَجَابُ لِحَدِكُمْ
مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقولُ: قَدْ دَعَوْتُ رَبِّي فَلَمْ يَسْتَجِبْ لِي. مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. وفي روايةٍ
لِمُسْلِمٍ : ((لا يزالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ.
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الاسْتِعْجالُ؟ قالَ: يَقولُ: قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ
يَسْتَجِبْ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ ويَدَعُ الدُّعَاءِ(١).
١٤٩٧ - (وعنه أن رسول الله وَلقر قال: يستجاب لأحدكم ما) مصدرية ظرفية (لم يعجل)
أي: مدة عدم عجلته (يقول(٢)) استئناف لبيان العجلة المانعة من الإِجابة (قد) للتحقيق
(دعوت ربي فلم يستجب لي) بالبناء للفاعل وذلك لأن الله تعالى ﴿قد جعل الله لكل شيء
قدراً﴾(٣) (وقد من بإجابة دعوة من دعاه، لكن في الوقت الذي قدره سبحانه وقضاه قد جعل الله
لكل شيء قدراً) أفلا يتقدم شيء عن إبانه، ولا يتأخر عن أوانه (متفق عليه) قال في الجامع
الكبير: رواه مالك وأبو داود والترمذي وابن ماجه (وفي رواية لمسلم) والترمذي (لا يزال)
اسمها ضمير الشأن والخبر (يستجاب للعبد) دعاؤه (ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم) هو داخل
فيما قبله فعطفه عليه كعطف جبريل وميكال في قوله ﴿من كان عدواً لله وملائكته ورسله
وجبريل وميكال﴾(٤) وذلك للاهتمام (ما لم يستعجل) بدل مما قبله بدل بداء، وقال
العاقولي: كان حق الظاهر أن يؤتى بالعاطف هنا فترك على تقدير عامل آخر، إشارة إلى
استقلال كل من القيدين، أي: يستجاب له ما لم يدع بإثم، وكأن سائلاً قال: هل الاستجابة
مقصورة على ذلك؟ فقيل: لا بل يستجاب له ما لم يستعجل. اهـ وقال: ابن حجر في فتح
الإِلّه: ترك العاطف فيه استئنافاً تنبيهاً على أن كل واحد منهما مستقل بمنع الاستجابة، أي:
يستجاب لأحدكم ما لم يدع بإثم، يستجاب لأحدكم ما لم يستعجل أهـ. وما ذكرته وجه آخر
قريب. والله أعلم (قيل: يا رسول الله ما الاستعجال) المرتب عليه المنع من الإِجابة (قال:
يقول: قد دعوت وقد دعوت) أي: تكرر مني الدعاء، وذكر الاثنين المراد به الإِشارة إلى
كثرة الدعاء وتكراره لا خصوص الاثنينية (فلم أر يستجب لي فيستحسر) بالرفع عطف على
يقول أي: فيعبى (عند ذلك) الاستعجال (ويدع) بفتح الدال أي: يترك (الدعاء) والحاصل
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الدعوات، باب: يستجاب للعبد ما لم يعجل، (١١٩/١١).
وأخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء ... ، باب: بيان أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل فيقول
دعوت فلم يستجب لي، (الحديث: ٩٠).
(٢) قوله: لأحدكم أي لكل واحد منكم، وقوله: يعجل بفتح المثناة والجيم وسكون العين، وقوله: يقول أي
بلسانه أو في نفسه . ع.
(٣) سورة الطلاق، الآية: ٣.
(٤) سورة البقرة، الآية: ٩٨.

٣٠٣
١٢٠
٢٥٢ - باب: في مسائل من الدعاء
١٤٩٨ - وعَنْ أبي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَالِهِ: أَيُّ الدُّعاءِ
أَسْمَعُ قَالَ: ((جَوْفُ اللَّيْلِ الآخِرُ، ودُبُرُ الصَّلَواتِ المَكْتوباتِ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ،
وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ (١).
أن الإجابة حاصلة؛ لكن تكون تارة معجلة، وتارة مؤخرة. ذكر مكي رحمه الله أن المدة بين
دعاء زكريا * بطلب الولد والبشارة أربعون سنة. وحكى ابن عطية عن ابن جريج
ومحمد بن علي والضحاك أن دعوة موسى وهرون على فرعون لم تظهر إجابتها إلا بعد
أربعين سنة، وحكى الإِمام أبو حامد الغزالي عن بعضهم أنه قال: إني أسأل الله عز وجل منذ
عشر سنين حاجة وما أجابني وأنا أرجو الإِجابة، سألت الله أن يوفقني لترك ما لا يعنيني.
انتهى منقولاً من السلاح.
١٤٩٨ - (وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله أي الدعاء أسمع) أي:
أقرب للإِجابة (قال: جوف الليل(٢)) أي: وسطه. وتقدم في شرح حديث داود: أن أفضل
القيام قيام الثلث بعد نوم النصف، وينام السدس الأخير وإنما كان ذلك حينئذٍ، لكمال
التوجه وفقد العلائق والعوائق؛ لأنه وقت التجليات الإِلّهية وتنزل الفيوض الربانية (ودبر)
بضمتين أي: عقب (الصلوات المكتوبات) أي: الفرائض، وذلك لأن الصلاة مناجاة العبد
لربه ومحل مسألته من فضله، وبعد تمام العمل يظهر الأمل (رواه الترمذي) ورواه النسائي
(وقال: حديث حسن) قال الترمذي: وقد روي عن أبي ذر، وابن عمر رضي الله تعالى عنهم
عن النبي ◌َّ ر أنه قال: ((جوف الليل الآخر الدعاء فيه أفضل وأرجى أو نحو هذا)) وروى
أبو داود، والترمذي والنسائي، والحاكم عن عمر بن عبسة رضي الله عنه أنه سمع النبي وَل
يقول: ((أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن
يذكر الله في تلك الساعة فكن)) قال الترمذي: بعد أن أخرجه بهذا اللفظ هذا حديث حسن
صحيح غريب من هذا الوجه، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات، [باب: ٧٩]، (الحديث: ٣٤٩٩).
وأخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات، [باب: ١١٩]، (الحديث: ٣٥٧٩).
(٢) قوله (جوف) هو بالرفع وفي الكلام مضاف محذوف أي دعاء جوف الليل.

٣٠٤
١٥ - كتاب: الدعوات
١٤٩٩ _ وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ قَالَ: (مَا عَلى
الْأَرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ تَعالَى بِدَعْوَةٍ إِلّ آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاها أوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ
مِثْلَها، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطبعَةِ رَحِمٍ) فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: إذَاً نُكْثِرَ، قَالَ: اللَّهُ
أَكْثَرُ)) رواهُ التِّرْمِذِيُّ وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَواهُ الْحَاكِمُ مِنْ رِوايةٍ
أبي سَعيدٍ وزَادَ فِيهِ: ((أوْ يَدْخِرُ لَهُ مِنَ الْأُجْرِ مِثْلَها))(١).
١٥٠٠ _ وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَ لِ كَانَ يَقولُ عِنْدَ
١٤٩٩ - (وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله وسلم قال: ما على الأرض
مسلم يدعو الله تعالى بدعوة) بفتح الدال المرة من الدعاء، والتنوين فيه للشيوع يشمل الدعاء
بالجليل والحقير، وبالقليل والكثير (إلا آتاه الله) أي: أعطاه (إياها) حالاً أو بعد (أو) للتنويع
(صرف) بالبناء للفاعل (عنه من السوء مثلها) أي: الدعوة المسؤولة أي: ما يكون نفع دفعه
كنفع حصولها (ما لم يدع) سكون الدال (بإثم أو قطيعة رحم) أي: فلا تجاب تلك الدعوة
المقترنة بشيء من ذلك؛ لأن الإِجابة تنتفي عن سائر الدعوات غيرها إذا دعا بهما كما قد
يتوهم، ونظيره حديث: ((الصلوات الخمس مكفرات لما بينهن ما لم تغش الكبائر) أي: فإن
الكبائر غير مكفرة لا أن الصغائر غير مكفرة حينئذٍ، والله أعلم (فقال رجل من القوم) لم أقف
على من سماه (إذاً نكثر) بالنصب أي: إذا كانت الدعوة بما عدا ما ذكر مجابة نكثر من سؤال
خيري الدارين لتحصيلهما بالوعد الذي لا يخلف (فقال: الله أكثر) بالمثلثة أي: أكثر إحساناً
ونوالاً مما تطلبون وتسألون (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح ورواه الحاكم من
رواية أبي سعيد) هو الخدري (وزاد فيه) قوله: (أو يدخر) أصله يذتخر بالمعجمة والفوقية،
قلبت الفوقية دالاً مهملة دفعاً للثقل فأدغمت فيها الذال لتقارب مخرجها منها أي: يجعل (له)
أي: الداعي (من الأجر مثلها) أي: من حيث النفع.
١٥٠٠ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله وَلقر كان يقول(٢) عند الكرب) بفتح
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات، باب: في انتظار الفرج وغير ذلك، (الحديث: ٣٥٧٣).
وصححه الحاكم: (١/ ٤٩٣).
أخرجه الترمذي في كتاب: الدعاء، باب: ما جاء أن دعوة المسلم مستجابه، (الحديث: ٣٣٨١).
((وهو من حديث جابر ... )).
(٢) في الجامع الصغير ((كان يدعو عند الكرب)) الخ.

٣٠٥
٢٥٢ - باب: في مسائل من الدعاء
الْكَرْبِ: ((لا إِلَه إلّ اللَّهُ الْعَظيمُ الْحَليمُ، لا إِلَه إلّ اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظيمِ، لا إِلَه
إلّ اللَّهُ رَبُّ السَّماواتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
فسكون وهو الأمر الذي يشق على الإِنسان ويملأ صدره غيظاً (لا إله إلا الله العظيم) قدراً
(الحليم) فلا يعاجل بالعقوبة (لا إله إلا الله رب العرش العظيم) بالجر عند الجمهور وصف
به العرش بعد أن وصف به الذات ليكون من باب الترقي، لأنه إذا اتصف بها بعض مكوناته
فلأن يتصف بها هو بالأولى، وقال ابن التين عن الداودي: هو بالرفع صفة رب (لا إلّه إلا الله
رب السموات) زاد في رواية السبع (ورب الأرض رب العرش) أي: مالك كل شيء وخالقه
ومصلحه، وأعاد لفظ الرب مع كل القرائن إيماء إلى أن لكل بالاستقلال من غير نظر لتبعيته
لغيره المتوهمة لولا ذلك، وروي ورب العرش بإثبات واو (الكريم) بالجر صفة العرش
ووصف به لأن الرحمة تنزل منه أو لأنه منسوب إلى أكرم الأكرمين لا إله إلا هو. وفي الإتيان
بهذه إيماء إلى أن الدواء من الكرب توحيد الله عز وجل، وعدم النظر إلى سواه أصلاً فمن
صفا له هذا المشرب فرج عنه الكرب، ونال من الفضل الأسنى ما أحب، وفي شرح
البخاري للعيني، قال ابن بطال: حدث أبو بكر الرازي قال: كنت بأصبهان عند أبي نعيم
أكتب الحديث عنه، وهناك شيخ يقال له أبو بكر بن علي عليه مدار الفتيا، فسعى به عند
السلطان فحبسه فرأيت النبي صل18 في المنام وجبريل عليه السلام عن يمينه يحرك شفتيه
بالتسبيح لا يفتر فقال لي النبي ◌َّهر قل: لأبي بكر بن علي يدعو بدعاء الكرب الذي في
صحيح البخاري حتى يفرج الله عنه. قال: فأصبحت فأخبرته فدعا به فلم يكرر إلا قليلاً
حتى أخرج من السجن، وقال الحسن البصري: أرسل إليّ الحجاج فقلتهن فقال: والله ما
أرسلت إليك إلا وأنا أريد قتلك، فلأنت اليوم أحب إليّ من كذا وكذا. وزاد في لفظ: فسل
حاجتك اهـ (متفق عليه) ورواه أحمد والترمذي وابن ماجه والطبراني في الكبير، وزاد:
اصرف عني شر فلان، كما في الجامع الصغير. قال العيني: اشتملت الجملة الأولى: على
التوحيد الذي هو أصل التنزيهات المسماة بالأوصاف الجلالية، وعلى العظمة التي تدل على
القدرة العظيمة، إذ العاجز لا يكون عظيماً، وعلى الحلم الذي لا يتصور من الجاهل بالشيء
إذ الجاهل بالشيء لا يتصور منه الحلم، وهما أصل الصفات الوجودية الحقيقة المسماة
بالأوصاف الإكرامية. وحكمة تخصيص الحليم بالذكر أن كرب المؤمن غالباً إنما هو من نوع
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الدعوات، باب: الدعاء عند الكرب، (١٢٣/١١).
وأخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء ... ، باب: دعاء الكرب، (الحديث: ٨٣).

٣٠٦
١٥ - كتاب: الدعوات
٢٥٣ - باب: في كرامات الأولياء وفضلهم
تقصير في الطاعات، أو غفلة في الحالات، وهذا يشعر برجاء العفو المقلل للحزن، وكون
الحلم حقيقة الطمأنينة عند الغضب؛ وذلك لا يطلق عليه تعالى يجاب عنه بأن المراد به
لازمها، أي: تأخير العقوبة وإطلاق الدعاء على هذا؛ لأنه يفتتح به الدعاء لكشف الكرب
كما تقدم نظيره، واشتملت الجملة الثانية على التوحيد والربوبية وعظم العرش، ووجه ذكر
الرب من بين سائر الأسماء الحسنى، هو كونه مناسباً لكشف الكرب الذي هو مقتضى
التربية، ووجه تخصيص العرش بالذكر كونه أعظم أجسام العالم فيدخل الجميع تحته دخول
الأدنى تحت الأعلى، وخص السموات والأرض بالذكر لأنهما من أعظم المشاهدات انتهى
ملخصاً.
باب كرامات الأولياء وفضلهم
الكرامات: جمع كرامة، وهي: إحدى الخوارق العادات. وهي خمس: إرهاص،
ومعجزة، وكرامة، ومعونة، ومهونة. فالإِرهاص الخارق للعادة المتقدم على تحدي النبي
ودعواه النبوة كإظلال الغمام فإنه لم يقع له وَّر إلا قبل النبوة خلافاً لمن وهم فيه. وسمي
إرهاصاً لما فيه من تأسيس النبوة، والمعجزة الخارق للعادة المقرون بالتحدي الواقع على
طبق ما ادعاه مع الأمن من المعارضة فيه، والتحدي طلب المعارضة والمقابلة. وقال
المحققون: دعوى الرسالة. وسميت معجزة لعجز البشر عن الإِتيان بمثله. أما ما لا يؤمن
معارضته فيسمى سحراً. وجوز قوم قلب الأعيان وإحالة الطبائع كصيرورة الإِنسان حماراً،
ومنعه آخرون قالوا: وإلّ لم يكن فرق بين النبي والساحر. ويرد بوضوح الفرق بينهما فإن
قالها عند التحدي لا يمكن معارضته لإطراد العادة الإِلّهية، إن المدعي النبوة كاذباً لا يظهر
على يديه خارق كذلك مطلقاً، وعند عدمه يمكن المعارضة بتعلم ذلك السحر، فظهر أن قيد
التحدي لا بد منه، لكنه لا يشترط عند كل معجزاته؛ لأن أكثر معجزاته و 18 صدر من غير
تحد، بل قيل: لم يتحد بغير القرآن وتمني الموت وإنما الشرط وقوعها ممن تسبق منه دعوى
التحدي، والكرامة الخارق للعادة لا على سبيل التحدي. ويدخل ما وجد من خوارق
العادات بعد التحدي كما روي بعد وفاته قليل من نطق بعض الموتى بالشهادتين وشبهه مما
تواترت به الأخبار فيسمى كرامة. وجرى القاضي عياض في الشفاء على أن منها ما يبدو من
الخوارق على يد النبي لا على سبيل التحدي. وتقدم آنفاً خلافه. والمعونة خارق للعادة
يبدو على يد بعض المؤمنين كإنقاذ من مهلكة وتخليص من ورطة بوجه خارق للعادة.

٣٠٧
٢٥٣ - باب: في كرامات الأولياء وفضلهم
قال اللَّهُ تعالى(١): ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا
وَكَانُوا يَتَّقُونَ الله لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ
ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ .
وَقَالَ تَعَالَى(٢): ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا * فَكُلِي واشْرَبِي﴾
الآيةَ.
والمهونة: خارق للعادة على خلاف دعوى المتحدي، كما وقع لمسيلمة أنه تفل في بئر
ليكثر ماؤها فغار. والأولياء جمع ولي. وهو المؤمن المطيع لمولاه فعيل بمعنى فاعل لأنه
وإلى الله باتباع مرضاته، أو بمعنى مفعول لأن الله تعالى والاه. وكرامات الأولياء متنوعة ذكر
منها الشيخ تاج الدين السبكي في الطبقات نيفاً وعشرين نوعاً. ويجمع ذلك كل ما جاز
وقوعه معجزة للنبي جاز كونه كرامة للولي. وهي على إطلاقها من غير استثناء خلافاً
لبعضهم. (قال الله تعالى: ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم) حين يخاف الناس عقاب الله
(ولاهم يحزنون) على فوات مأمول (الذين آمنوا وكانوا يتقون) بيان لأولياء الله (لهم البشرى
في الحياة الدنيا) الرؤيا الحسنة هي البشرى يراها المسلم أو ترى له، وقال بعضهم: بشرى
الملائكة عند احتضاره بالجنة. وعن الحسن هي ما يبشر الله المؤمنين في كتابه من جنة
ونعيمها (وفي الآخرة) الجنة ورضوان الله وقال بعضهم: المراد بتبشير الملائكة في القبر (لا
تبديل لكلمات الله) لا خلاف لمواعيده (ذلك) أي: كونهم مبشرين في الدارين (هو الفوز
العظيم. وقال تعالى) خطاباً لمريم (وهزي إليك بجذع النخلة) الباء مزيدة للتأكيد، أو
بمعنى افعلي الهز (تساقط) أي: تساقط النخلة (عليك رطباً جنياً) تمييز إن كان التساقط من
التفاعل، ومفعول إن كان من المفاعلة، أي: غضاً، وكانت تلك النخلة يابسة، فأورقت
كرامة لمريم لتكون كرامة أخرى ليطمئن قلبها، أو مثمرة لكن لم يكن حين ثمرها (فكلي) من
الرطب (واشربي) من النهر أو من عصير الرطب (وقري عيناً) وهو من القر أي: البرد فإن
دمعة السرور باردة، ودمعة الحزن حارة، أو من القرار فإن العين إذا رأت ما يسر سكنت إليه
من النظر إلى غيره (الآية) وأشار بها إلى تكلم عيسى ومخاطبته لقومها ومحاورته عنها ومن
(١) سورة يونس، الآيات: ٦٢، ٦٣، ٦٤.
(٢) سورة مريم، الآيتان: ٢٥، ٢٦.

٣٠٨
١٥ - كتاب: الدعوات
وَقَالَ تَعَالَى(١): ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيًّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ
أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّ اللَّهَ فَأُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ
ولادته إرهاصاً لنبوته وكرامة لها (وقال تعالى: كلما دخل عليها زكريا المحراب) أي: الغرفة
التي بناها لها في المسجد (وجد) هو الناصب لكلما على الظرفية (عندها رزقاً) قيل: كان
يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وبالعكس، وقيل: صحف فيها علم، والأول أصح (قال
يا مريم أنى لك هذا) من أين لك في غير أوانه والأبواب مغلقة (قالت: هو من عند الله) فلا
يستبعد. قيل: هي كعيسى تكلمت صغيرة ولم ترضع ثدياً، ويأتي رزقها من الجنة (إن الله
يرزق من يشاء بغير حساب) لكرمه وسعته. قال الشيخ تاج الدين السبكي في إثبات
الكرامة: ومنها قصة مريم من جهة حبلها من غير ذكر، وحصول الرطب الطري من الجذع
اليابس، ودخول الرزق عندها في غير أوان حضور أسبابه، وهي لم تكن نبية لا عندنا لقوله
تعالى: ﴿وأمه صديقة﴾(٣) ولا عند الخصم (٤) لاشتراطه الذكورة في النبي وهو متفق عليه بيننا
وبينه، ولا جائز أن يكون ذلك معجزة لزكريا لأن المعجزة يجب كونها بمشهد من الرسول
والقوم حتى تقوم الدلالة عليهم وما حكيناه من كرامتها نحو قول جبريل لها ﴿وهزي إليك
بجذع النخلة﴾(٥) الآية لم يكن بحضور أحد بدليل ﴿فإما ترين من البشر أحداً ﴾ (٦) وأيضاً
فالمعجزة تكون بالتماس الرسول، وزكريا ما كان يعلم بحصولها بدليل قوله: (أنى لك
هذا) وأيضاً فهذه الخوارق إنما ذكرت لتعظيم شأن مريم فيمتنع كونه كرامة لغيرها، ولا
جائز أن يكون إرهاصاً لعيسى، لأن الإِرهاص أن يخص الرسول قبل رسالته بالكرامات، وأما
ما يحصل به كرامة الغير لأجل أنه يستحبي بعد ذلك فذلك هو الكرامة التي يدعيها، ولأنه لو
جاز ذلك لجاز في كل معجزة ظهرت على يد رسول أنها إرهاص لنبي آخر يجيء بعد
وتجويز هذا يؤدي إلى سد الاستدلال بالمعجزة على النبوة. اهـ (وقال تعالى) حكاية عن
تخاطب أهل الكهف فيما بينهم (وإذ اعتزلتموهم) أي: الكفرة الذين في البلد المرجفين
بهم (وما يعبدون) أي: معبوداتهم أو الذين تعبدونهم (إلا الله) فإنهم كانوا يعبدونه صريحاً،
أو في ضمن عبادتهم (فأووا) انضموا (إلى الكهف ينشر) يبسط (لكم ربكم من رحمته)
(١) سورة آل عمران، الآية: ٣٧.
(٢) سورة الكهف، الآيتان: ١٦، ١٧.
(٣) سورة المائدة، الآية: ٧٥.
(٤) قوله (الخصم) مراده من ينكر كرامة الأولياء.
(٥) سورة مريم، الآية: ٢٥.
(٦) سورة مريم، الآية: ٢٦.

٣٠٩
٢٥٣ - باب: في كرامات الأولياء وفضلهم
رَبُّكُمْ مِنْ رَّحْمَتِهِ ويُهِىءْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مَّرْفَقاً * وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزاوَرُ عَنْ
كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينٍ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمالِ﴾ الآيةَ.
١٥٠١ - وعَنْ أبي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
يستركم بها من قومكم (ويهيىء) ييسر (لكم من أمركم) الذي أردتم (مرفقاً) بفتح أوله وكسر
ثالثه وبالعكس ما ترتفقون وتنتفعون به (وترى الشمس) لو رأيتهم (إذا طلعت تزاور) أي
تميل (عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم) أي: تقطعهم وتميل عنهم (ذات
الشمال. الآية) أي: قوله ﴿وهم في فجوة﴾(١) أي: متسع (منه) أي: من الكهف، فلا
يؤذيهم حر الشمس، وينالهم روح الهواء. قال بعضهم: صرف الله عنهم الشمس بقدرته،
وحال بينهم وبينها لأن باب الكهف على جانب لا تقع الشمس إلا على جبليه، فيكون كرامة
لهم كما قال: ﴿ذلك من آيات الله﴾(١) إذ أرشدهم إلى ذلك الغار، وصرف عنهم الأضرار.
١٥٠١ - (وعن أبي محمد عبد الرحمن ابن أبي بكر الصديق) عبد الله، لقب به لمبادرته
بتصديق النبي ◌َّي ليلة الإِسراء (رضي الله عنهما) الأولى عنهم، لأن محمداً ولد عبد الرحمن
كان صحابياً أيضاً كما صرح به المصنف نفسه في التهذيب، فقال: قال العلماء: لا يعرف
أربعة ذكور مسلمين متوالدين بعضهم من بعض أدركوا النبي ◌َير وصحبوه إلا أبو قحافة، وأبو
بكر وابنه عبد الرحمن وابنه محمد بن عبد الرحمن أبو عتيق، وعبد الرحمن شقيق عائشة أمه
أم رومان بضم الراء على المشهور. وحكى ابن عبد البر ضمها وفتحها، وشهد عبد الرحمن
بدراً وأحداً مع الكفار وأسلم في هدنة الحديبية وحسن إسلامه وكان اسمه عبد الكعبة،
وقيل: عبد العزى فسماه رسول الله وَل ◌َر عبد الرحمن، وكان شجاعاً حسن الرأي، وشهد
اليمامة مع خالد فقتل سبعة من الكفار، وهو قاتل محكم اليمامة ابن طفيل رماه بسهم في
نحره فقتله، وكان محكم في ثلمة الحصن، فلما قتله دخل المسلمون. قال الزبير بن بكار:
كان عبد الرحمن أسن ولد أبي بكر. روي له عن رسول الله والر ثمانية أحاديث اتفقا على
ثلاثة منها. توفي بالحشى جبل بينه وبين مكة ستة أميال، وقيل: عشرة أميال، ثم حمل على
الرقاب إلى مكة سنة ثلاث، وقيل: خمس، وقيل: ست وخمسين. والصحيح الأول،
وكانت وفاته فجأة، ولما أتي بالبيعة ليزيد بن معاوية بعثوا إليه بمائة ألف درهم ليستعطفوه
(١) سورة الكهف، الآية: ١٧.

٣١٠
١٥ - كتاب: الدعوات
أنَّ أَصْحابَ الصُّفَّةِ كانوا أُنَاساً فُقَراءَ، وَأَنَّ النَّبِيِّ وَ﴿ قَالَ مَرَّةً: ((مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعامُ
اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ، ومَنْ كانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخامِسٍ، بِسادِسٍ))
أوْ كما قَالَ، وأَنَّ أبا بَكْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَاءَ بِثَلاثَةٍ، وَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ◌َهَ بِعَشَرَةٍ، وَأَنَّ
أَبَا بَكْرٍ تَعَثَّى عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َهِ ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صَلّى الْعِشاءَ، ثُمَّ رَجَعَ فَجاءَ
بَعْدَمَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَتِ امْرَأْتُهُ: مَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ؟ قَالَ:
فردها، وقال: لا أبيع ديني بدنياي رضي الله عنه. اهـ ملخصاً من التهذيب (أن أصحاب
الصفة) الظلة التي جعلها رسول الله وَسير في مؤخر مسجده لما بناه يأوي إليها من لا أهل له،
ولا صاحب من المحتاجين، إذا نزل المدينة، وتقدمت عدتهم في باب فضل الزهد في
الدنيا (كانوا أناساً فقراء وأن النبي (يَسير قال مرة) أي: فيها (من كان عنده طعام اثنين فليذهب
بثالث) أي: فإن طعامه كافيهم وقع عند مسلم بثلاث. قال عياض: وهو غلط، والصواب ما
عند البخاري، ووجه المصنف رواية مسلم بأنها على تقدير مضاف، أي: بتمام ثلاث، وهو
الثالث فتتفق الروايتان (ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس بسادس) بحذف الواو
أي: وبسادس أو بحذف أو التي للشك في أنه قال: فليذهب بخامس، أو قال: فليذهب
بسادس، ويؤيد الثاني قوله: (أو كما قال) فإنه ظاهر في الشك وجاء كما تقدم في باب
الإِيثار من حديث جابر مرفوعاً: وطعام الأربعة يكفي الثمانية. وقال الحافظ في الفتح أي:
لیذهب بخامس إن لم یکن عنده ما يقتضي أكثر من ذلك، وإلّ فلیذهب مع الخامس بسادس
إن كان عنده أكثر من ذلك، قال: والحكمة في كونه يزيد واحداً فقط أن عيشهم يومئذ لم
يكن متسعاً فمن عنده مثلاً ثلاثة أنفس لا يضيق عليه أن يطعم الرابع من قوتهم، وكذا الأربعة
وما فوقها بخلاف ما لو زید بالإِضُعاف بعدد العيال، فإن ذلك يحصل الاكتفاء به عند إتساع
الحال (وإن أبا بكر) وفي نسخة: الصديق، وليست عند البخاري وكذا قوله (رضي الله عنه)
وأتى به المصنف تنبيهاً على أن الإِتيان بمثله مطلوب لا يعد زيادة في المروي (جاء بثلاثة)
أي: منهم (وانطلق النبي ◌َّر بعشرة) منهم (وإن أبا بكر رضي الله عنه تعشى عند النبي وَالّ
ثم لبث) أي: قام عند النبي ◌َّر بعده لأمر اقتضى المكث (حتى صلى العشاء) أي: معه وَلّ
(ثم رجع) إلى منزله بعد أن كان جاء أولاً إليه بالأضياف كما يدل عليه صريح قوله السابق،
وإن أبا بكر جاء بثلاثة ثم عاد لمنزله چ، وتعشى عنده، وصلى معه، ويدل له الرواية الآتية
بعد (فجاء بعد ما مضى من الليل) بيان لما في قوله (ما شاء الله). وفيه إيماء إلى مزيد تأخره
عند النبي ◌َّير وإبطائه (قالت له امرأته ما حبسك عن أضيافك؟ قال: أو ما عشيتهم) بكسر

٣١١
٢٥٣ - باب: في كرامات الأولياء وفضلهم
أَوَ مَا عَشَّيْتِهِمْ؟ قَالَتْ: أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ وقَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِمْ. قَالَ: فَذَهَبْتُ أنّا
فَاخْتَبَأْتُ، فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ، فَجَدَّعَ وسَبَّ، وقَالَ: كُلوا لا هَنيئاً واللَّهِ لا أَطْعَمُهُ أَبَداً،
قَالَ: وايْمُ اللَّهِ مَا كُنَا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلّ رَبَا مِنْ أَسْفَلِها أَكْثَرُ مِنْهَا حَتَّى شَبِعُوا وَصَارَتْ
أَكْثَرَ مِمَّا كانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَظَرَ إِلَيْها أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ لامْرَأَتِهِ: يا أُخْتَ بَنِي فِراسٍ
الفوقية، وفي بعض النسخ بزيادة تحتية بعدها لإشباع كسر الفوقية، قال: والواو عاطفة على
مقدر بعد الهمزة (قالت: أبوا) أي: امتنعوا (حتى تجيء وقد عرضوا) بصيغة الفاعل،
والضمير يرجع إلى الخدم أو الأهل، ووقع في رواية للبخاري قد عرضنا عليهم فامتنعوا
(عليهم) أي: الأضياف (قال) أي: عبد الرحمن (فذهبت أنا فاختبأت) أي: خوفاً من خصام
أبيه له، وتغيظه عليه (فقال: يا غنثر) سيؤتى ضبطه ومعناه (فجدع) بتشديد الدال المهملة
أي: دعا بالجدع، وهو القطع من الأذن والأنف، أو الشفة، وقيل: المراد به السب والأول
أصح (وسب) أي: شتم وحذف المعمول للعلم به، ظن أن عبد الرحمن قصر في حق
الأضياف فلما علم الحال أدبهم بقوله: (وقال: كلوا لا هنيئاً) أي: لا أكلتم هنيئاً وهو دعاء
عليهم. وقيل: أي: خير لم تهنئوا به أو لا بصحة. وقيل: إنما خاطب بهذا أهله لا الأضياف
(والله لا أطعمه) بفتح العين أي: لا أذوقه (أبداً قال) أي: عبد الرحمن (وأيم الله) همزته
همزة وصل عند الجمهور. وقيل: يجوز القطع وهو مبتدأ وخبره محذوف، أي: قسمي
وأصله أيمن وأصل الهمزة فيه القطع، ولكنها لكثرة الاستعمال خففت فوصلت، وفيها لغات
أيمن مثلث الميم، ومن مختصرة منه مثلثة الميم، وأيم كذلك ويم كذلك، قال ابن مالك:
وليس الميم بدلاً من الواو ولا أصلها من خلافاً لمن زعمه ولا أيمن جمع يمين خلافاً
الكوفيين (ما كنا نأخذ من لقمة إلا ربا) بالموحدة أي: زاد (من أسفلها) أي: الموضع الذي
أخذت منه (أكثر منها) بالرفع فاعل ربا (حتى شبعوا وصارت أكثر) بالمثلثة (مما كانت قبل
ذلك) أي: قبل أكلهم (فنظر إليها) أي: القصعة (أبو بكر فقال لامرأته) أم رومان (يا أخت
بني فراس) بكسر الفاء وتخفيف الراء آخره مهملة من كنانة. قيل: التقدير يا من هي من بني
فراس، والعرب تطلق على من كان متبعاً لقبيلة أنه أخوهم. وفيه نظر لأن أم رومان من ذرية
الحارث بن غنم، وهو ابن مالك بن أوس بن غنم. قال في الفتح: فلعله نسبها إلى بني
فراس بكونهم أشهر من بني الحارث ويقع في النسب كثيراً الانتساب إلى أخي جدهم.
والمعنى يا أخت القوم المنتسبين إلى بني فراس، ولا شك أن الحارث أخو فراس، فأولاد
كل منهما إخوة للآخرين بكونهم في درجتهم. وحكى عياض أنه قيل في أم رومان أنها من

٣١٢
١٥ - كتاب: الدعوات
مَا هَذَا!؟ قَالَتْ: لا وقُرَّةٍ عَيْنِي لَهِيَ الآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلاثِ مَرَّاتٍ! فَأَكَلَ مِنْها
أبو بَكْرٍ وَقَالَ: إِنَّمَا كانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطانِ (يَعْنِي يَمِينَهُ) ثُمَّ أَكلَ مِنْهَا
لُقْمَةً ثُمَّ حَمَلَها إِلَى النَّبِيِّ ◌َ﴿ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ، وكانَ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمٍ
عَهْدٌ، فَمَضَى الْأَجَلُ فَتَفَرَّقْنَا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِعَ كلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ، اللَّهُ أَعْلَمُ
بني فراس بن غنمٍ لا من بني الحارث، وعليه فلا حاجة إلى هذا التأويل، ولم أر في كتاب
ابن سعد لها نسباً إلى بني حارث، ساق لها نسبين مختلفين (ما هذا الاستفهام للتعجب
(قالت لا) زائدة أو نافية على تقدير لا شيء غير ما أقول (وقرة) بجرها على القسم (عيني)
يعبر بها على المسرة ورؤية ما يحبه الإِنسان ويوافقه، يقال ذلك لأن عينه قرت عن التلفت
إلى الغير بحصول غرضها فلا تستبشر لشيء آخر، فكأنه مأخوذ من القرآن، وأقسمت بذلك
لما وقع عندها من السرور وبالكرامة التي حصلت لهم ببركة الصديق رضي الله عنه. وزعم
الداودي أنها أرادت بقرة عينها النبي وَله، وأقسمت به. قال الحافظ: وفيه بعد قال الشيخ
زكريا: ولعله كان قبل النهي عن الحلف بغير الله تعالى (لهي) أي: القصعة أو البقية (الآن
أكثر منها قبل ذلك بثلاث مرات) أكثر بالمثلثة للأكثر ولبعضهم بالموحدة (فأكل منها أبو بكر
وقال: إنما كان ذلك من الشيطان يعني) بالمشار إليه بذلك (يمينه ثم أكل منها لقمة) لحديث
الصحيح: ((إني لا أحلف يميناً، فأرى غيرها خيراً منها إلا كفرت عن يميني، وفعلت الذي
هو خير)) ولقصد إرغام الشيطان فيما زينه له من اليمين أن لا يأكل منه، وفائدة قوله: ثم أكل
مع قوله فيما سبق فأكل، وليس إلا أكل واحد لدفع الإِيهام وأنه إنما أكل لقمة واحدة لما ذكر
من تكفير يمينه، أو أن مراده لا أطعمه منكم، أو في هذه الساعة أو عند الغضب، ولكن هذه
الثلاثة الأخيرة مبنية على جواز تخصيص العموم في اليمين، والاعتبار بعموم اللفظ لا
بخصوص السبب الوارد عليه (ثم حملها) أي: الجفنة (إلى النبي وَلّ فأصبحت) أي:
الجفنة على حالها (عنده) وإنما لم يأكلوا منها في الليل لكون ذلك وقع بعد مدة طويلة
(وكان بيننا وبين قوم عهد فمضى الأجل) الذي هو عدواً إليه (فتفرقنا اثني عشر رجلاً) فيه
الفاء فصيحة أي: جاءوا إلى المدينة ففرقنا من التفريق أي: ميزنا وجعل كل رجل من اثنتي
عشر فرقة. وفي بعض الروايات: فعرفنا بالمهملة وشد الراء أي: جعلناهم عرفاء. قال
الكرماني والبرماوي: وفي بعضها فقرينا من الفري وهي الضيافة قال الحافظ في الفتح:
على ذلك، وأفاد أن روايات مسلم اختلفت فيه هل قال: فرقنا أو قال عرفنا؟ وأن رواية
الإسماعيلي وعرفنا بالعين وجهاً واحداً، وسمي المعرف عريفاً لأنه يعرف الإِمام أحوال
العسكر. وبما ذكرت من اختلاف ألفاظ الروايات يعلم أن زيادة التاء في قوله فتعرفنا من قلم

٣١٣
٢٥٣ - باب: في كرامات الأولياء وفضلهم
كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ ، فَأَكَلوا مِنْها أَجْمَعُونَ. وفي رِوايَةٍ: فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ لا يَطْعَمُهُ،
فَحَلَفَتِ الْمَرْأَةُ لا تَطْعَمُهُ، فَحَلَفَ الضَّيْفُ أوِ الْأَضْيافُ أَنْ لا يَطْعَمَهُ أوْ يَطْعَمُوهُ حَتَّى
يَطْعَمَهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرِ: هَذِهِ مِنَ الشَّيْطانِ! فَدَعا بِالطَّعامِ فَأَكَلَ وأَكَلُوا، فَجَعَلوا
لا يَرْفَعونَ لُقْمَةً إِلَّ رَبَتْ مِنْ أَسْفَلِها أَكْثَرَ مِنْها، فَقالَ: يا أُخْتَ بَنِي فِراسٍ مَا هَذا؟!
فَقالتْ: وقُرَّةٍ عَيْنِي إِنَّها الآنَ لْأَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ أنْ نَأْكُلَ، فَأَكَلوا ..
الناسخ خصوصاً. وهذا اللفظ كله لمسلم واثني عشر بالنصب عند مسلم حال، وعند
البخاري بالألف. قال ابن مالك: هو على لغة من من يلزم المثنى الألف في الأحوال كلها،
ومنه ﴿إن هذان لساحران﴾(١) (رجلاً مع كل رجل منهم أناس الله أعلم كم مع كل رجل)
جملة معترضة أي: أناس الله يعلم عددهم ومميزكم محذوف أي: کم رجل (فأكلوا منها
أجمعون) أي: كل ذلك الجيش من تلك الجفنة، والذي وقع فيها في بيت أبي بكر ظهور
أول البركة فيها، وأما انتهاؤها إليه أن كفت الجيش، فما كان الأبعد أن صارت عند النبي وَيّ
على ظاهر الخبر (وفي رواية) هي للبخاري في باب الأدب في صحيحه (فخلف أبو بكر)
لما أخبر بإباء أضيافه عن الأكل حتى يحضر وأكل معهم (لا يطعمه) بفتح المثناة التحتية
والمهملة الثانية (فحلفت المرأة) أي: زوجته (لا تطعمه فحلف الضيف) المراد به الجيش
لأنهم كانوا ثلاثة واسم الضيف يقع على الواحد وما فوقه، وقال الكرماني: أو هو مصدر
يتناول المثنى والمجموع. قال في الفتح: وليس بواضح (أو) شك من الراوي (الضيفان ألا
يطعمه) أفرد باعتبار لفظ الضيف (أو يطعموه) ظاهر السياق أنه مع الأضياف، ولو جاء مع
لفظ الضيف، لكان مستقيماً ويكون الجمع بالنظر للمعنى (حتى يطعمه فقال أبو بكر: هذه)
أي: اليمين أو الحالة من الغضب الناشىء عنها اليمين (من الشيطان) أي: من وسواسه
(فدعا بالطعام فأكل وأكلوا) أتي بالواو إيماء إلى أنهم لم يؤخروا أكلهم عن أكله (فجعلوا لا
يرفعون) أي: من القصة (لقمة إلا ربت من أسفلها أكثر) بالمثلثة بالنصب مفعول ربا (منها
فقال: يا أخت بني فراس ما هذا؟ فقالت: وقرة عيني إنها الآن) أي: بعد الأكل منها (أكثر
منها قبل أن نأكل) يعني أهل هذا البيت والضيف (فأكلوا). قال الحافظ في الفتح: الصواب
ما في هذا الرواية وذلك لأن تلك تقتضي أن سبب أكل أبي بكر من الطعام ما رآه من البركة،
وهذه تقتضي أن سببه لجاج الأضیاف، وحلفهم أن لا یطعموا حتی یأکل، ویمکن رد تلك
إلى هذه بأن يجعل قوله في الرواية السابقة ((فأكل منها أبو بكر)) معطوفاً على أطعمه لا على
(١) سورة طه، الآية: ٦٣.

٣١٤
١٥ - كتاب: الدعوات
وبَعَثَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ نَِّ فَذَكَرَ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْها. وفي روايةٍ: أَنَّ أبا
بِكْرٍ قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: دُونَكَ أَضْيَافَكَ فَإِنِّي مُنْطَلِقٌ إِلَى النَّبِيِّنَ فَافَرُغْ
مِنْ قِراهُمْ قَبْلَ أَنْ أجِيءَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَأَتَاهُمْ بِمَا
عِنْدَهُ، فَقَالَ: اطْعَمُوا، فَقالوا: أيْنَ رَبُّ مَنْزِلَنا؟ قَالَ: اطعَمُوا،
قالوا: مَا نَحْنُ بِآكِلِينَ حَتَّى يَجِيءَ رَبُّ مَنْزِلَنا، قَالَ: اقْبلوا عَنَّا قِراكُمْ فَإِنَّهُ
إِنْ جَاءَ ولَمْ تَطْعَمُوا لَنَلْقَيَنَّ مِنْهُ، فَأَبَوْا، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يَجِدُ عَلَيَّ، فَلَمَّا جَاءَ تَنَخَّيْتُ عَنْهُ،
القصعة، التي دلت على بركة الطعام، وغايته أن حلف الأضياف أن لا يطعموه لم يذكر
فيها. ويحتمل الجمع بينهما بأن يكون أبو بكر أكل لأجل تحليل يمينهم، ثم لما رأى البركة
الظاهرة عاد فأكل منها؛ لتحصل له. وقال كالمعتذر عن يمينة التي حلف: إنما ذلك من
الشيطان. والحاصل أن الله أكرم أبا بكر فأزال ما حصل له من الحزن فأعاده سروراً وانقلب
الشيطان مدحوراً، واستعمل الصديق مكارم الأخلاق فحنث نفسه زيادة في إكرام ضيفانه،
ليحصل مقصوده من أكله ولكونه أكثر قدرة منهم على الكفارة. ووقع في رواية عند مسلم
فقال: ((أبو بكر: يا رسول الله بروا وحنثت فقال: بل أنت أبرهم وخيرهم)) قال الحافظ: ولم
يبلغني كفارته، ولعل سبب عدم تكفيره ما تقدم من احتمال أنه أضمر وقتاً معيناً، أو صفة
مخصوصة أي: الآن أو معكم، أو عند الغضب، أو بناء على أن اليمين هل يقبل التقليد بما
في النفس أولا؟ اهـ ملخصاً. (وبعث بها إلى النبي ◌َّ فذكر) أي: عبد الرحمن (أنه) أي:
النبي ◌َّ ﴿ (أكل منها وفي رواية) هي للبخاري في أبواب الأدب من صحيحه قبيل الباب
المذكور فيه اللفظ قبله (أن أبا بكر قال لعبد الرحمن) أي: ابنه وقد جاء الصديق بضيفه
(دونك) أي: خذ (أضيافك) وتوجه للقيام بهم (فإني منطلق إلى النبي ◌َّ فافرغ من قراهم)
أن ضيافتهم بالطعام والإِكرام (قبل أن أجيء) أي: أرجع من عنده وَّر (فانطلق عبد الرحمن
فأتاهم) بالقصر أي جاءهم (بما عنده) من قراهم (فقال اطعموا) بوصل الهمزة وفتح العين
(فقالوا: أين رب) أي: صاحب (منزلنا) أي: الذي أنزلنا ضيوفاً، سكت عن الجواب
اختصاراً وكأنه، والله أعلم قال: إنه غائب فأبوا الأكل (قال: اطعموا) أعاده توكيداً في
الطلب (قالوا: ما نحن بآكلين) أكدوا باسمية الجملة وزيادة الباء في الخبر (حتى يجيء رب
منزلنا) (قال اقبلوا عنا) وفي نسخة عني (قرأكم) أي: ما هيىء لضيافتكم فتناولوه، وإنما
كرر عبد الرحمن ذلك؛ خشية أن يجيء أبوه قبل قضائهم أمرهم فيوهم أنه من تقصيره
فيغتاظ عليه كما قال. (فإنه) أي: أبا بكر والشأن (إن جاء ولم تطعموا لنلقين) أي شيئاً

٣١٥
٢٥٣ - باب: في كرامات الأولياء وفضلهم
فَقالَ: مَا صَنَعْتُمْ؟ فَأخْبَرِوهُ، فَقالَ: يا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَسَكَتُّ، ثم قالَ: يا غُنْثَرُ
أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ تَسْمَعُ صَوْتِي لَمَا جِئْتَ، فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ: سَلْ أَضْيَافَكَ،
فقالوا: صَدَقَ، أَتَانا بِهِ، فَقَالَ: إِنَّمَا انْتَظَرْتُمُوني واللَّهِ لا أطْعَمُهُ اللَّيْلَةَ، فَقالَ
الآخَرونَ: واللَّهِ لا نَطْعَمُهُ حَتَّى تَطْعَمَهُ، قَالَ: وَيْلَكُمْ مَا لَكُمْ لا تَقْبَلون عَنَّا قِرَاكُمْ؟
هَاتِ طَعامَكَ، فَجَاءَ بِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ فَقالَ: بِسْمِ اللَّهِ، الْأُولَى مِنَ الشَّيْطانِ، فَأَكَلَ
وأَكَلوا. مُتَّفَقْ عَلَيْهِ.
عظيماً وذلك لما جبل عليه من مكارم الأخلاق، ومنه إكرام الضيف، فيتوهم إذا لم يتم
أمرهم أن ذلك من القصور في الإِكرام. وجملة لنلقين جواب للقسم المقدر واستغني بجوابه
عن جواب الشرط بعده (فأبوا فعرفت أنه يجد) يأتي ضبطه ومعناه (على ) لما ذكر (فلما جاء
تنحيت عنه) هو بمعنى قوله في الرواية قبل: فاختبأت، وذلك خوف خصامه وتغيظه عليه
(فقال) مخاطباً لزوجه وأهله (ما صنعتم) أي: بالضيف (فأخبروه ) (فقال: يا عبد الرحمن
فسكت) بضمير المتكلم خشية مما يقع في أول سورة الغضب وحدته (ثم قال: يا عبد
الرحمن فسكت فقال: يا غنثر أقسمت عليك) أي: بالله تعالى الذي لا يقسم بغيره فاكتفى
بدلالة عليك عن الذكر (إن كنت تسمع صوتي لما جئت) جواب قسم المكتفي لتقدمه عن
جواب الشرط (فخرجت فقلت: سل أضيافك) أي: هل وقع مني تقصير فالأمر عليه أمٍ هم
أبوا فلا لوم علي وقوله (فقالوا صدق) أي: فيما أومأ إليه كلامه من إتيانه بالقري وإبائناً منه
(أتانا به) جملة مفسرة للمصدق المقدر (فقال: إنما انتظرتموني والله لا أطعمه الليلة فقال
الآخرون) بفتح الخاء أي: الأضياف (والله لا نطعمه حتى تطعمه) الأول بالنون والثاني
بالفوقية المفتوحتين (فقال) لم أر في الشر كالليلة كذا في البخاري وسقط من الشيخ
(ويلكم) كلمة تقال على سبيل الدعاء على المدعو عليه (ما لكم لا تقبلون عنا قراكم) وفي
البخاري ما أنتم لا تقبلون بضمير جماعة الذكور بدل ضمير لجمع المجرور باللام، وزيادة
همزة قبل لا خطاباً لولده أو غيره (هات طعامك) بفتح الكاف أي: قدم ضبط في نسخة
البخاري بكسر الكاف ويدفعه أن الأنسب حينئذ هاتي بياء المخاطبة وقوله (فجاء به فوضع)
أي أبو بكر (يده فقال بسم الله) أي: آكل (الأولى) أي: الحالة التي نشأ عنها اليمين من
سورة الغضب (من الشيطان) عليه أي: وسواسه (فأكل وأكلوا. متفق عليه) أي: أصل
القصة وإلا فقد علمت أن الروايتين الأخيرتين للبخاري. قال الحافظ: وفي الحديث ما يقع
من لطف الله بأوليائه، وذلك أن خاطر أبي بكر تشوش، وكذا ولده وأهله وضيفه، بسبب

٣١٦
١٥ - كتاب: الدعوات
قَوْلُه (غُنْثَرُ)) بغين معجمةٍ مضمومةٍ ثمَّ نُونٍ ساكنةٍ ثُمَّ ثَاءٍ مثلثةٍ وهو: الْغَبِيُّ الْجَاهِلُ.
وقَوْلُه: ((فَجَدَّعَ)): أْ شَتَمَهُ، والْجَدْعُ: الْقَطْعُ. قولُه: ((يَجِدُ عَلَيَّ)) هُوَ بِكَسْرِ الجِيم:
أَيْ يَغْضَبُ(١).
١٥٠٢ - وعَنْ أبي هُريْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لَقَدْ كانَ
فِيمَا قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ مُحَدَّثونَ؛ فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَإِنَّهُ عُمَرُ)) رَواهُ الْبُخاريُّ.
امتناعهم من الأكل وتكدر خاطر أبي بكر من ذلك حتى احتاج إلى ما تقدم من الحرج،
بالحلف والحنث ولغير ذلك، فتدارك الله ذلك ورفعه بالكرامة، التي أبداها فانقلب ذلك
الكدر صفاء، والتكدر سروراً (قوله: غنثر بغين معجمة مضمومة ثم نون ساكنة ثم ثاء مثلثة)
سكت عن ضبطها، والمشهور فيها الفتح، وحكي ضمها. وحكي القاضي عياض عن بعض
شيوخه فتح أوله وثالثه. وحكى الخطابي مثل اسم الشاعر(٢) بفتح العين المهملة والتاء
الفوقية وسكون النون بينهما (وهو الغبي) بفتح العين المعجمة وكسر الموحدة (الجاهل)
وقيل: السفيه، وقيل: اللئيم، وقيل: هي الذباب وسمي به لصوته فشبهه به تحقيراً وتصعيراً
له، وقيل: مأخوذ من الغين(٣)، والنون زائدة أي: الذباب الأزرق وشبهه به لما ذكر (وقوله
فجدع) تقدم ضبطه وأنه بالدال المهملة (أي شتمه) ودعا عليه بالجدع. قال الحافظ: وقيل:
المراد السب، والأول أصح (والجدع القطع) أي: من الأذن أو الأنف أو الشفة (وقوله: يجد
عليّ هو بكسر الجيم أي يغضب) ومصدره موجدة.
١٥٠٢ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ له: لقد كان فيما) أي:
الخلق الذين (قبلكم من الأمم محدثون) صفة محذوف اسم كان، واحد الظرفين حال،
والثاني خبر، ومحدثون بفتح الدال جمع محدث، واختلف في تاويله فقال الأكثرون: هو
الملهم. وقالوا: المحدث الرجل الصادق الظن، وهو من ألقي في روعه شيء من قبل الملأ
الأعلى فيكون كالذي حدثه غيره، وبهذا جزم أبو أحمد العسكري. وقيل: من يجري
(١) أخرجه البخاري في كتاب: مواقيت الصلاة، باب: السمر مع الأهل وفي المناقب (٤٣٦/٦ و٤٤٢)
و (١٠/ ٤٣٤).
وأخرجه مسلم في كتاب: الأشربة، باب: إكرام الضيف وفضل إيثاره، (الحديث: ١٧٧).
(٢) أي ((عنتر)) ولكن اسم الشاعر ((عنترة)) بهاء التأنيث. ع
(٣) كذا والصواب (الغنثرة) كما في القاموس. ع.
.000

٣١٧
٢٥٣ - باب: في كرامات الأولياء وفضلهم
ورَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوايةٍ عَائِشَة.
الصواب على لسانه من غير قصد. وقيل: مكلم بكلمة الملائكة بغير نبوة، وهذا ورد في
حديث أبي سعيد مرفوعاً ولفظه ((قيل: يا رسول الله كيف يحدث؟ قال: تتكلم الملائكة على
لسانه)). ورويناه في فوائد الجوهري وحكاه المقابسي وآخرون، ويمكن رده إلى المعنى
الأول أي تكلمه في نفسه، وإن لم ير مكلماً في الحقيقة فيرجع إلى الإلهام، وفسره ابن
التين بالمتفرس، ووقع في مسند الحميدي عقب حديث عائشة: المحدث الملهم بالصواب
الذي يقع على فيه. وعند مسلم من رواية ابن وهب: وهم ملهمون وهي الإِصابة بغير نبوة
وفي رواية الترمذي عن بعض أصحاب ابن عيينة: محدثون يعني مفهمون. وفي رواية
الإِسماعيلي قال إبراهيم يعني ابن سعد رواية قوله محدث أي: يلقى في روعه. اهـ ويؤيده
حديث ((إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه)) أخرجه الترمذي من حديث ابن عمر. اهـ
من فتح الباري ملخصاً (فان يك في أمتي أحد) وعند بعض رواة البخاري من أحد بزيادة من
قبل لم يورد القول مورد التردد فإن أمته أفضل الأمم، وإذا ثبت أنه وجد في غيرهم، فإن
وجوده فيهم أولى، وإنما أورده مورد التأكيد، كقول القائل: إن كان لي صديق ففلان يريد
اختصاص كمال الصداقة لا نفيها عن غيره. وقيل: بل على الترديد، وذلك لثبوت هذا
المعنى في بني إسرائيل، وسبب احتياجهم حيث لا يكون حينئذ منهم نبي، فاحتمل
عنده ◌َ ﴿ ألا تحتاج هذه الأمة لذلك لاستغنائها بالقرآن عن حدوث نبي، وقد وقع الأمر
کذلك حتی إن المحدث منهم إذا تحقق وجوده لا یحکم بما یقع له، بل لا بد من عرض
ذلك على القرآن، فإن وافقه أو السنة عمل به وإلا فلا. واقتضت الحكمة وجودهم وكونهم
بعد العصر الأول زيادة في شرف هذه الأمة بوجود أمثالهم فيها، وقد تكون الحكمة في
تكريمهم مضاهاة بني إسرائيل في كثرة الأنبياء فيهم فلما فات هذه الأمة كثرة الأنبياء فيهم،
لكون نبيها خاتم الأنبياء، عوضوا بكثرة الملهمين (فإنه عمر) قال الطيبي: معنى الحديث
لقد كان فيما قبلكم من الأمم أنبياء ملهمون، وإن يك في أمتي أحد شأنه أي الإِلهام فهو
عمر، وكان جعله في انقطاع قرينه في ذلك هل نبىء أم لا؟ فلذلك أتى بلفظ إن، ويؤيده
حديث ((لو كان نبي بعدي لكان عمر)) فلو فيه بمنزلة إن في الآخر على سبيل الفرض
والتقدير. اهـ (رواه البخاري) أي: من حديث أبي هريرة (ورواه مسلم من رواية عائشة)
قال الحافظ في الفتح نقلاً عن أبي مسعود صاحب الأطراف في الحديث: من طريق أبي
سلمة فرواه أصحاب إبراهيم بن سعد عنه، عن أبيه عن أبي سلمة، عن أبي هريرة،
وخالفهم ابن وهب فرواه بهذا الإسناد فقال: عن أبي سلمة عن أبي هريرة لا عن عائشة.

٣١٨
١٥ - كتاب: الدعوات
وفي رِوايَتِهِمَا قَالَ ابنُ وهَبٍ: ((مُحَدَّثونَ)): أْ مُلْهَمونَ(١).
١٥٠٣ - وعَنْ جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: شَكا أهْلُ الْكوفَةِ سَعْداً
(يَعْني ابنَ أبي وقّاصٍ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى عُمَرَ بِنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
وقال محمد بن عجلان: فكأن أبا سلمة سمعه من عائشة، ومن أبي هريرة جميعاً. قلت: وله
أصل من حديث عائشة أخرجه ابن سعد من طريق ابن أبي عتيق عنها (وفي روايتهما) أي :
البخاري ومسلم، لكن قضية كلام الحافظ السابق أنه عند مسلم فقط (قال ابن وهب:
محدثون أي ملهمون) تقدم بسطه. قال المصنف في بستان العارفين، وفي رواية ((قد كان
فيمن قبلكم من بنى إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء)) الحديث رواه البخاري،
وكان على المصنف أن يذكر ما فيه للختنين، فمن كرامة عثمان رضي الله عنه ما ذكره الحافظ
ابن سيد الناس في كتاب المقامات العلية في الكرامات الجلية، فأخرج من طريق ابن سعد
عن ابن عمر قال: ((بينا عثمان يخطب إذ قام إليه جهجاه الغفاري فأخذ العصا من يده
فكسرها على ركبتيه، فدخلت منها شظية في ركبتيه فوقعت فيها الأكلة)) قال ابن سعد:
حديث عبد الله بن إدريس هذا لم أسمعه منه وهو عرض عليه. وأخرج أيضاً عن أنس بن
مالك قال: ((تناول النبي ◌َّه من الأرض سبع حصيات فسبحن في يده، ثم ناولهن أبا بكر
فسبحن في يده كما سبحن في يد النبي ◌َّو، ثم ناولهن عمر فسبحن في يده كما سبحن في
يد أبي بكر، ثم ناولهن عثمان فسبحن في يده كما سبحن في يد أبي بكر وعمر)). ومن
كرامات علي رضي الله عنه، أخرج الحافظ ابن سيد الناس في كتابه المذكور بسنده عن
الحسن بن علي قال: قال لي علي: ((إن رسول الله وم طهر مسح ظهري الليلة في منامي،
فقلت: يا رسول الله ما لقيت من أمتك من الأود واللدد؟ قال: ادع عليهم، قلت: اللهم
أبدلني بهم من هو خير لي منهم، وأبدلهم بي من هو شر مني، فخرج فضربه الرجل)).
١٥٠٣ - (وعن جابر بن سمرة) بفتح المهملة وضم الميم السوائي (رضي الله عنهما قال:
شكا أهل الكوفة سعداً) وقوله: (يعني ابن أبي وقاص رضي الله عنه) من الراوي عنه تعيين له
لتعدد المسمين بذلك (إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فعزله) إجابة لما طلبوه بالإِيماء
(١) أخرجه البخاري في كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب عمر ومن كتاب الأنساء (٤٠/٧ و٤١).
وأخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر رضي الله تعالى عليه (الحديث:
٢٣).

٣١٩
٢٥٣ - باب: في كرامات الأولياء وفضلهم
فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّاراً، فَشَكَوْا حَتَّى ذَكَروا أَنَّهُ لا يُحْسِنُ يُصَلِّي، فَأَرْسَلَ إِليْهِ فَقَالَ:
يا أبا إِسْحاقَ إِنَّ هَؤلاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لا تُحْسِنُ تُصَلِي، فَقالَ: أَمَّا أَنَا واللَّهِ فَإِنِّي كُنْتُ
أُصَنِّي بِهِمْ صَلاةَ رَسُولِ اللَّهِ﴿ لا أَخْرِمُ عَنْها: أُصَلِّي صَلاَتَيِ الْعِشاءِ فَأَرْكُدُ في
الْأُوْلَيْنِ وَأُخَفُّ فِي الْأُخْرَبَيْنِ، قَالَ: ذَلِكَ الظَّنُّ بِكَ يا أبا إِسْحَاقَ، وأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلاً
أوْ رِجَالاً إِلَى الْكوفَةِ يَسْأَلُ عَنْهُ أَهْلَ الْكَوفَةِ، فَلَمْ يَدَعْ مَسْجِداً إلَّا سَأَلَ عَنْهُ ويُثْنُونَ
مَعْروفَاً، حَتَّى دَخَلَ مَسْجِداً لِبَنِي عَبْسٍ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أُسَامَةُ بنُ قَتَادَةً يُكَنَّى
أبا سَعْدَةَ، فَقالَ: أَمَّا إِذْ.
والإِشارة (واستعمل) أي: ولى عاملاً (عليهم عماراً) هو ابن ياسر وقوله (فشكوا) عطف على
شكا أهل الكوفة كرره للإطناب وليعطف عليه قوله: (حتى ذكروا) في شكواهم منه (أنه لا
يحسن يصلي فأرسل إليه) أي: أبلغه قولهم كما عطف عليه عطف تفسير قوله: (فقال: يا أبا
إسحاق إن هؤلاء يزعمون) عبّر به إيماءً إلى تكذيبه لهم فيما قالوا فيه باطناً ففيه إيماء إلى أن
عزله ليس لتصديق ما قالوه فيه، وإنما هو ليفهم إجابة مطلوبهم (أنك لا تحسن تصلي) على
تقدير أن، كما يدل عليه ذكرها فيما قبل، أو على تنزيل الفعل منزلة المصدر أي: لا تحسن
الصلاة (فقال أما) بفتح الهمزة وتشديد الميم، حرف فيه معنى الشرط والتفصيل والتأكيد (أنا
والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله (وَّة) أي: مثلها (لا أخرم) بفتح الهمزة وبالخاء
المعجمة وكسر الراء، أنقص (عنها) وحذف المفعول؛ للتعميم (أصلي صلاتي العشاء)
هكذا للجرجاني من رواة البخاري، وعند غيرهم من العشاء (فأركد) أي: أقوم طويلاً (في
الأوليين) بضم الهمزة، وفتح اللام والتحتية الأولى (وأخفف) وفي نسخة من البخاري:
وأخف، بالإِدغام من باب أخف، وعلى كل فالهمزة مضمومة والخاء مفتوحة في رواية
الأصل مكسورة في الأخرى (في الأخريين) بضم الهمزة وفتح الراء، والتحتية الأولى (قال)
أي: عمر (ذلك الظن بك يا أبا إسحاق) وذلك لأنه من قدماء الصحابة وكبارهم، وأحد
العشرة المبشرة بالجنة (وأرسل معه رجلاً) هو محمد بن مسلم (أو رجالاً) شك من الرواة
في المرسل معه أو أحد أم فوقه (إلى الكوفة يسأل عنه أهل الكوفة) أتي بالظاهر والمقام
للضمير زيادة في الإِيضاح (فلم يدع مسجداً إلا سأل عنه) أي: أهله (ويثنون معروفاً) أي:
خيراً (حتى دخل مسجداً لنبي عبسى) بفتح المهملة، وسكون الموحدة، وبالسين المهملة
(فقام رجل منهم يقال له أسامة) بضم الهمزة (ابن قتادة يكنى أبا سعدة) بفتح المهملة الأولى
وسكون الثانية (فقال أما) بفتح الهمزة وتشديد الميم (إذ) ظرف لمقدر، أي: ما جوابنا وقت

٣٢٠
١٥ - كتاب: الدعوات
نَشَدْتَنَا فَإِنَّ سَعْداً كانَ لا يَسيرُ بِالسَّرِيَّةِ، ولا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّة، ولا يَعْدِلُ فِي
الْقَضِيَّةِ. قَالَ سَعْدٌ: أَمَا واللَّهِ لأَدْعُوَنَّ بِثَلاثٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا
كاذباً قَامَ رِياءً وسُمْعَةٌ، فَأَطِلْ عُمُرَهُ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ، وعَرِّضْهُ لِلْفِتَنِ! وكانَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا
(نشدتنا) بفتح النون والشين المعجمة، أي: طلبت منا القول وجواب أما قوله (فإن سعداً
كان لا يسير بالسرية) أي: معها وهو كناية عن وقت الحسن(١)، أي: لا يخرج معها لذلك،
وهي القطعة من الجيش (ولا يقسم بالسوية) أي: يؤثر بالعطاء من يشاء لغرض (ولا يعدل
في القضية) أي: الحكومة (قال سعد أما) بتخفيف الميم (والله لأدعون بثلاث) أي: من
الدعوات إنما دعا بها لأنه رماه بثلاث معايب فدعا عليه بعددها، وحذف المعدود لدلالة قوله
أدعون عليه وبينها بقوله: (اللهم إن كان عبدك هذا كاذباً قام رياء وسمعة) أي: ليراه الناس
ويسمعوه فيشهروا ذلك عنه فيكون له بذلك ذكر (فأطل عمره) بضم أوليه، وتسكين الثاني
تخفيفاً وذلك ليدوم تحسره وتعبه لقوله: (وأطلق فقره) فإن أصعب الفقر ما كان حال الكبر؛
لأنه وقت الضعف والعجز عن العمل فالفقر معه أشد، وجاء في رواية زيادة: وأكثر عياله
(وعرضه) بتشديد الراء (للفتن) أي: اجعله عرضة لها أو أدخله في معرضها أي: أظهره بها .
ففيه جواز الدعاء على الظالم بالفتنة في دينه. قال ابن المنير: وكان في النفس من ذلك
شيء، وذلك أن الدعاء بمثله مستلزم وقوع المعاصي، حتى تأملت هذا الحديث فوجدته
سائغاً. والسبب فيه أن وقوع المعاصي لم يطلب من حيث كونها معاصي، لكن من حيث ما
فيها من نكاية الظالم وعقوبته، كما أبيح تمني الشهادة، وندب مع أن فيه تمني قتل الكافر
المسلم وذلك معصية ووهن في الدين، وذلك لأن الغرض من تمني الشهادة؛ ثوابها لأنفسها
ووجدت في دعوات الأنبياء كقول موسى ﴿ربنا اطمس على أموالهم واشدد على
قلوبهم﴾(٢). وقول نوح ﴿ولا تزد الظالمين إلا ضلالاً﴾(٣). قال ابن المنير في الدعوات
الثلاث: مناسبة للحال، أما طول عمره فليراه من سمع بأمره، فيعلم كرامة سعد. وأما طول
فقره فلنقيض مطلوبه، لأن حاله يشعر بأنه طلب أمراً دنيوياً. وأما تعرضه للفتن فلكونه قام
فيها ورضيها دون أهل بلده. وقال غيره: لما نفى عن سعد الفضائل الثلاث الشجاعة التي
هي كمال القوة العصبية حيث قال: لا يسير والعفة التي هي كمال القوة الشهوية، حيث قال:
لا يقسم. والحكمة التي هي كمال القوة العقلية حيث قال: لا يعدل، وهذه الثلاثة متعلقة
(١) كذا ولعله ((شدة الجبن)). ع.
(٢) سورة يونس، الآية: ٨٨.
(٣) سورة نوح، الآية: ٢٤.
٠٠٠٠