النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ ٢٤٤ _ باب: في فضل الذكر مِنْ هَذَا أوْ أَفْضَلُ؟)) فَقالَ: ((سُبْحانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي السَّماءِ، وسُبْحانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي الْأَرْضِ، وسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا بَيْنَ ذَلِكَ، وسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا هُوَ خَالِقٌ، واللَّهُ أَكْبَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَالْحَمْدُ للَّهِ مِثْلَ ذَلِكَ، ولا إِلّهَ إِلّ اللّهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إِلّ بِاللَّهِ مِثْلَ ذَلِكَ)) رواهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ(١). ١٣٤١ - وعَنْ أَبي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ لي رسُولُ اللَّهِ ◌ِهِ: ((أَلَا في جواز الخلوة بهن، والدخول عليهن للأمن من الفتنة لعصمته وَ طله (وبين يديها نوى) بالقصر، وهو العجم (٢) واحدة نواة، والجمع نوايات وأنواء كما في المصباح (أو حصى) بالقصر واحده حصاة (تسبح به فقال: ألا أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا) أي: التسبيح بما عندها من النوى أو الحصى (أو أفضل) شك من سعد، ويحتمل أن أو بمعنى الواو، وإنما كان أفضل؛ لأن قوله عدد ما خلق وما ذكر بعده يكتب له به ثواب بعدد المذكورات كما علم مما تقدم في حديث جويرية. وما تعده بالنوى أو الحصى قليل تافه بالنسبة لذلك الكثير الذي لا يعلم كنهه إلا بارئه (فقال سبحان الله عدد ما خلق) ما عام في الأجناس كلها ما يعقل منها وما لا يعقل (في السماء وسبحان الله) أتى بالعاطف لاختلاف المقدر به (عدد ما خلق في الأرض وسبحان الله عدد ما) خلق (بين ذلك) أي: المذكور من السماء والأرض أو المذكور مما خلق فيهما (وسبحان الله عدد ما هو خالق) أي: خالقه من بدء الخلق إلى منتهاه. قال العاقولي: أجمل بعد التفصيل لأن اسم الفاعل إذا أسند إلى الله تعالى أفاد الاستمرار فلا يقصد منه زمان دون زمان بل استغراق سائر الأزمنة. قال في فتح الإِلّه: إلا أن يقال أن مقابلته بخلق يدل على أن المراد عدد ما خلق قبل تكلمي بهذا الذكر وعد ما هو خالق بعده إلى ما لا نهاية له وهذا أولى (والله أكبر مثل ذلك) بالنصب على المصدر كالنظاير قبله (والحمد لله مثل ذلك. ولا إله إلا الله مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك. رواه الترمذي وقال: حديث حسن) غريب. قال في السلاح: ورواه أبو داود، والنسائي، والحاكم في مستدركه، وابن حبان في صحيحه. ١٤٤١ - (وعن أبي موسى) الأشعري (رضي الله عنه قال: قال رسول الله (شير: ألا) بفتح (١) أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات، [باب: ١١٤]، (الحديث: ٣٥٦٨). (٢) في الصحاح: العجم بالتحريك النوى وكل ما كان في جوف مأكول كالزبيب وما أشبهه اهـ. ٢٤٢ ١٤ - كتاب: الأذكار أَدُلُّكَ عَلَى كَثْزِ مِنْ كُنوزِ الْجَنَّةِ؟)) فَقُلْتُ: بَلَى يا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ((لا حَوْلَ ولا قُوَّةً إلّا بِاللَّهِ)) مُتَّفَقْ عَلَيْهِ(١). ٢٤٥ - باب: في ذكر اللَّه تعالى قائماً وقاعداً ومضطجعاً ومحدثاً وجنباً وحائضاً إلّ القرآن، فلا يحل لجنب ولا حائض قال اللَّهُ تعالى (٢): ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمواتِ والْأَرْضِ واخْتِلافِ الَّيْلِ والنَّهارِ بالهمزة وتخفيف اللام للتنبيه (أدلك على كنز من كنوز الجنة) أي: ذخيرة من ذخائرها أو من محصلات نفائسها. قال المصنف: المعنى أن قائلها يحصل ثواباً نفيساً يدخر له في الجنة (فقلت: بلى يا رسول الله قال: لا حول ولا قوة إلا بالله) أي: لا تحويل للعبد عن معصية الله، ولا قوة له على طاعة الله إلا بتوفيق الله. وقيل: معنى لا حول لا حيلة. وقال النووي: هي كلمة استسلام وتفويض، وأن العبد لا يملك من أمره شيئاً، ولا له حيلة في دفع شر، ولا في جلب خير إلا بإرادة الله تعالى (متفق عليه) ورواه ابن ماجه، والحاكم في مستدركه، من حديث أبي هريرة بلفظ ((ألا أدلك على كلمة من تحت العرش من كنز الجنة تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فيقول الله: أسلم عبدي واستسلم)). باب فضل ذكر الله تعالى قائماً وقاعداً ومضطجعاً حال من فاعل المصدر المحذوف، أي: ذكر العبد الله حال قيامه الخ، والمراد من المضطجع ما يعم المستلقي ونحوه (ومحدثاً) حدثاً أصغر، من نحو نوم بدليل قوله (وجنباً وحائضاً) والنفساء إما داخلة في الحائض؛ لأن النفاس دم حيض مجتمع وإن لم يعط حكمه من كل وجه، أو مقايسة عليها (إلا القرآن) وبين وجه الاستثناء بقوله: (فلا يحل لجنب ولا حائض) شيء منه ولو حرفاً واحداً بقصد القرآن ولو مع غيره، أما عند قصد نحو الذكر أو الإِطلاق فلا يحرم، بل يستحب لهما التسمية عند نحو الأكل قاصدين التبرك، وكذا الأذكار المطلوبة في أماكنها من نحو إنا الله وإنا إليه راجعون عند المصيبة. (قال الله تعالى إن في (١) أخرجه البخاري في كتاب: الدعوات، باب: قول لا حول ولا قوة إلا بالله وفي المغازي والقدر (١٥٩/١١)، وأخرجه مسلم في كتاب: الدعاء والذكر، باب: استحباب خفض الصوت بالذكر (الحديث: ٢٧٠٤). (٢) سورة آل عمران، الآيتان: ١٩٠، ١٩١. ٢٤٣ ٢٤٥ - باب: في ذكر الله تعالى قائماً وقاعداً لآياتٍ لُأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامَاً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} ١٤٤٢ _ وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلى كلِّ أَحْيانِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١). ١٤٤٣ _ وعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ◌َ قَالَ: ((لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا. فَقُضِيَ خلق السموات والأرض) إذ جعل. الأولى: مرفوعة لا على عمد. والثانية: مدحوة مسطحة على ماء جمد (واختلاف الليل والنهار) أي: وفي اختلافهما بالظلمة والإِضاءة، أو تعاقبهما أو تكوير أحدهما على الثاني وإيلاجه فيه، أو تعارضهما بالطول والقصر، فتارة يطول هذا أو يقصر ذاك ثم يعتدلان، ثم يقصر الذي كان طويلاً ويطول الذي كان قصيراً، كل ذلك بتقدير العزيز العليم، ويجوز عطف الاختلاف على مدخول الخلق، ويراد به التقدير (لآيات لأولي الألباب) دلالات على الوجود والوحدة، والعلم، والقدرة لذوي العقول الخالصة، وقد ورد ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها (الذين يذكرون الله) وصف لأولي (قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم) أي: يصلون قائمين، فإن لم يستطيعوا فقاعدين، فعلى (٢) جنب، أو المراد مداومة الذكر، فإن الإِنسان قلما يخلو عن إحدى هذه الحالات. والثاني : أنسب بالترجمة. ١٤٤٢ _ (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله وَل# يذكر الله على) أي في (كل) أي: جميع (أحيانه) سواء كان متطهراً من الحدثين أو به أحدهما، وظاهر أنه ليس المراد حال الإِحداث، فقد أخبر رسول الله وَّر أن الله يمقت الكلام حينئذ، وجاء أن الكلام وقت الجماع منهي عنه (رواه مسلم) في الجامع الصغير، ورواه أحمد وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه . ١٤٤٣ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي (وَّر قال: لو أن) بفتح الهمزة بتقدير فعل عامل بعد لولا اختصاصها بالفعل أي: لو ثبت أن (أحدكم) أي: الواحد منكم (إذا أتى أهله) أي: عند الجماع أي: إرادته (قال باسم الله) أي: أتحصن ويكتب بالألف، كما قال (١) أخرجه مسلم في كتاب: الحيض، باب: ذكر الله تعالى في حال الجنابة وغيرها،، (الحديث: ١١٧). (٢) لعله (فإن لم يستطيعوا فعلى الخ). ع. ٢٤٤ ١٤ - كتاب: الأذكار بَيْنَهُما ولَدْ لَم يَضُرَّهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). ٢٤٦ - باب: فيما يقوله عند نومه واستيقاظه ١٣٤٤ - عَنْ حُذَيْفَةَ وَأَبي ذَرِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالا: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ إِذَا أَوَى إلى فِراشِهِ قَالَ: ((بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ أَحْيا وَأَمُوتُ)) وإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ: ((الْحَمْدُ للَّهِ الَّذي المصنف: وحذفها تخفيفاً خاص بالبسملة (اللهم جنبنا الشيطان) أي: بعده عنا يتعدى للثاني مخففاً، ومثقلاً كما في المصباح. قال فيه: جنبت الرجل الشر جنوباً من باب قعد أبعدته عنه، وجنبته بالتثقيل مبالغة اهـ (وجنب الشيطان ما رزقتنا) دخل فيه الجماع، لأن الرزق ما ينتفع به البدن، والجماع منه لما فيه من إذهاب المواد المفسد بقاؤها للبدن (فقضي) عطف على قال (بينهما ولد لم يضره) أي: الشيطان وحذف المعمول ليعم كما جاء في لفظ: لم يضره الشيطان أبداً والمراد أن الضرر الناشيء من تسلط الشياطين كالصرع، وإلقاء الوسوسة في الصدر يندفع بقوله هذا عند إرادة الجماع (متفق عليه) ورواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة. باب ما يقوله عند نومه أي: إرادته، وهو زوال الشعور بسبب انحلال أعصاب الدماغ بالرطوبات الصاعدة إليه من المعدة. والصحيح أنه غير السنة كما يدل عليه عطفه عليها في آية الكرسي، وغير النعاس، وعلامة النوم الرؤيا، وعلامة النعاس سماع كلام الحاضرين وإن لم يفهمه (واستيقاظه). ١٤٤٤ _ (عن حذيفة وأبي ذر رضي الله عنهما قالا: كان رسول الله وح له إذا أوى) بالقصر كما هو الأفصح (إلى فراشه) أي: دخل فيه أو انزوى إليه (قال: باسمك) أي: بذكر اسمك (اللهم أحيا) ما حييت (و) عليه (أموت) أي: الموت الحقيقي أو الموت المجازي، وهو النوم، فعليه في الحديث استعارة تبعية مصرحة، ووجه شبهه به زوال الشعور، والحركة (١) أخرجه البخاري في كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس والنكاح باب ما يقول الرجل إذا أتى أهله، والدعوات، باب: ما يقول إذا أتى أهله، والتوحيد، باب: السؤال بأسماء الله تعالى (١٦١/١١) .. وأخرجه مسلم في كتاب: النكاح، باب: ما يستحب أن يقوله عند الجماع، (الحديث: ١١٦٠). ٢٤٥ ٢٤٦ - باب: فيما يقوله عند نومه أَحْيَانَا بَعْدَمَا أَمَاتَنَا وإليْهِ النُّشورُ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١). الاختيارية مع كل منهما، وفيه إيماء إلى أن مقصود الحياة، وهو التقرب إلى الله تعالى بأداء عبادته لما فات من النائم ألحق بالميت فأطلق عليه ذلك. وقال العيني: قيل: فيه دليل على أن الاسم غير المسمى، ومنع لا سيما أن لفظ الاسم يحتمل أن يكون مقحماً كهو في قوله ثم اسم السلام عليكما (وإذا استيقظ) أي: تيقظ (قال: الحمد لله الذي أحيانا) بالاستيقاظ المعد لتحصيل مراضي الله تعالى (بعدما أماتنا) أي: بالنوم الذي هو أخو الموت فيما تقدم. فهو كما تقدم استعارة مصرحة تبعية. وقال الكرماني : الموت تعلق انقطاع الروح بالبدن، وذلك قد يكون ظاهراً فقط وهو النوم. ولذا يقال إنه أخو الموت وظاهراً وباطناً، وهو الموت المتعارف. اهـ. وظاهره أن الموت مشترك بينهما فيكون ما في الحديث إطلاق حقيقي، وقال أبو إسحاق الزجاج: النفس التي تفارق الإِنسان عند النوم هي التي للتمييز، والتي تفارقه عند الموت هي التي للحياة، وهي التي يزول بزوالها النفس (وإليه النشور) هو الحياة بعد الموت. يقال نشر الميت ينشر نشوراً، والمراد بالنشور إليه تعالى الذهاب إليه ليجازي العامل بمقتضى عمله خيراً أو شراً، وأتى بهذه ليحمل استحضارها المرء على التيقظ للإقبال على مولاه يقظة ونوماً، فلا يقضي به نومه لتكاسل أو تباطؤ عما طلب منه، ولا تيقظه لغفلة عما طلب منه من دوام مراقبة وحضور (رواه البخاري) في الدعوات، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي في الكبرى، وابن ماجه كلهم من حديث حذيفة. وقد رواه البخاري من حديث أبي ذر أيضاً، وكذا رواه النسائي في الكبرى أيضاً، ورواه مسلم والنسائي من حديث البراء، إلا أنه قال: إذا دخل مضجعه من الليل بدل قوله: إذا أوى إلى فراشه. قال الحافظ في أمالي الأذكار: بعد أن أخرجه من حديث حذيفة وأبي ذر والبراء، وذكر مخرج حديث كل من ذكرناه ما لفظه، وحاصل ما سقته أن المتن متفق عليه عن النبي ومتر. أخرجه البخاري من حديث حذيفة وأبي ذر ولم يخرج حديث البراء إلّ مسلم فقط، ففات الشيخ التنبيه على تخريج مسلم له. اهـ والحديث سبق مشروحاً في باب آداب النوم. (١) أخرجه البخاري في كتاب: الدعوات، باب: ما يقول إذا نام وفي التوحيد والسؤال بأسماء الله تعالى (٩٦/١١، ٩٧، ١١١). ٢٤٦ ١٤ - كتاب: الأذكار ٢٤٧ - باب: في فضل حلق الذكر والندب إلى ملازمتها والنهي عن مفارقتها لغير عذر قال اللَّهُ تعالى(١): ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنِاَ عَنْهُمْ﴾ . ١٤٤٥ _ وعَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّاللَّهِ تَعالَى مَلائِكَةٌ يَطُوفُونَ فِي الْطُرُقِ يَلْتَمِسونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدوا قَوْماً يَذْكُرُونَ اللَّهَ باب فضل حِلَقِ بكسر المهملة وفتح اللام، جمع حلقة بفتح المهملة وسكون اللام، نحو قصعة وقصع، وبدرة وبدر قاله الأزهري: وقيل: حلق بفتحتين على غير قياس. وحكى يونس عن أبي عمرو بن العلاء أن حلقة بفتح الحاء واللام لغة في السكون، قال: وعليه فالجمع بفتح الحاء كقصبة وقصب، وجمع ابن السراج بينهما فقال: قالوا حلق بفتح الحاء ثم خففوا الواحد حين ألحقوه الزيادة اهـ من المصباح (الذكر) بكسر الذال تقدم معناه (والندب) أي الدعاء (إلى ملازمتها) بذكر فضلها (والنهي) تنزيهاً (عن مفارقتها لغير عذر، قال تعالى: واصبر نفسك) أي: احبسها (مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي) طرفي النهار (يريدون وجهه) أي: يريدون الله لا عرضاً من الدنيا (ولا تعد) تنصرف (عيناك) بصرك (عنهم) أي: إلى غيرهم بالنظر إلى ذوي الغنى، أو الرتب من كفار قريش الطالبين منه وس# أن يفرد لهم مجلساً لا يكون فقراء الصحابة فيه، وهو سبب النزول وعدي تعد بعن، مع أنه متعد بنفسه لتضمنه معنى النبوة، يقال: ثبت عنه عينه إذا ازدرته فلم تعلق به . ١٤٤٥ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّار: إن الله تعالى ملائكة يطوفون في الطرق) بضمتين والجملة الفعلية في محل الصفة لاسم إن والطرق خبرها قدم للاختصاص (يلتمسون أهل الذكر) جملة حالية من ضمير يطوفون، أو صفة بعد صفة، والذكر يتناول الصلاة، وقراءة القرآن، والدعاء بخير الدارين، وتلاوة الحديث، ودراسة العلم، ومناظرة العلماء ونحوها. قال الحافظ في الفتح: الأشبه اختصاص ذلك بمجالس (١) سورة الكهف، الآية: ٢٨. ٢٤٧ ٢٤٧ - باب: في فضل حلق الذكر والندب غَزَّ وَجَلَّ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ، فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّماءِ الدُّنْيا، فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: مَا يَقولُ عِبادي؟ قَالَ: يَقولونَ: يُسَبِّحُونَكَ، ويُكَبِّرُونَكَ ويَحْمَدونَكَ، ويُمَجِّدُونَكَ، قَالَ فَيَقولُ: هَلْ رَأوْنِي؟ فَيَقولونَ: لا واللهِ مَا رَأوكَ، قَالَ فَيَقولُ: كَيْفَ لَوْ رَأَوني؟. التسبيح والتكبير ونحوهما. والتلاوة فحسب، وإن كان قراءة الحديث، ودراسة العلم، والمناظرة فيه من جملة ما دخل تحت مسمى ذكر الله تعالى (فإذا وجدوا) من الوجدان مفعوله (قوماً يذكرون الله عز وجل) عند مسلم: فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكر (تنادوا) وفي رواية الإسماعيلي : يتنادون، أي: ينادي بعضهم بعضاً دلالة على المطلوب (هلموا) أي: تعالوا وهذا ورد على لغة تميم، وأهل نجد حيث يلحقون بهم ضمائر المخاطب، تأنيثاً وتثنية وجمعاً، ولغة أهل الحجاز استعمالها في الجميع بلفظ واحد، واختلف في أصل هذه الكلمة فقيل: أصلها هل لك في كذا أمه؟ أي: أقصده، فركبت الكلمتان فقيل: هلم أي: اقصد. وقيل: أصلها هالم بضم اللام وتشديد الميم والهاء، للتنبيه حذفت ألفها تخفيفاً (إلى حاجتكم) وفي رواية إلى بغيتكم (فيحفونهم) بفتح التحتية وضم الحاء المهملة أي: يطوفون ويدورون حولهم (بأجنحتهم) وقيل: معناه يدفون أجنحتهم حول الذاكرين، فالباء للتعدية. وقيل: للاستعانة. قاله الحافظ في الفتح (إلى السماء الدنيا قال: فيسألهم ربهم) أي سؤالاً صورياً. بدليل قوله لدفع توهم حمله على حقيقته من استكشاف ما يجهله السائل (وهو أعلم بهم) والجملة حالية أو معترضة، ومن حكم السؤال إقرار الملائكة أن في بني آدم المسبحين والمقدسين، فيكون كالاستدراك لما سبق من قولهم ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾(١) (ما يقول عبادي) الجملة بيان لقوله فيسألهم ربهم، أو مفعول لقول مقدّر أي: قائلاً أولاً تقدير، بل هو ناصب بنفسه؛ لأنه نوع من القول (قال يقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك) وفي رواية الإسماعيلي ((مررنا بهم وهم يذكرونك، ويهللونك، ويحمدونك، ويسألونك)) وفي حديث أنس عن البزار ((يعظمون آلاءك، ويتلون كتابك، ويصلون على نبيك، ويسألونك لآخرتهم ودنياهم والمجد العز والشرف)) (قال: فيقول: هل رأوني) أي : أبصروني (فيقولون: لا والله ما رأوك) قال الحافظ في الفتح: كذا ثبت بلفظ الجلالة في جميع نسخ البخاري، وكذا في بقية المواضع وسقط لغيره (قال: فيقول: كيف لو رأوني؟ (١) سورة البقرة، الآية: ٣٠. ٢٤٨ ١٤ - كتاب: الأذكار قَالَ: يَقولون: لَوْ رَأَوْكَ كانوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً، وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجيداً، وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحاً، قال فَيقولُ: فَمَاذَا قَالوا يَسْأَلُونَنِي؟؛ قَال: يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ: وَهَلْ رَأوْهَا؟ قَالَ: يَقولونَ: لا واللهِ يا ربِّ مَا رَأَوْهَا. قَالَ: يَقولُ: فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأوْهَا؟ قَالَ: يَقولونَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كانوا أَشَدَّ عَلَيْها حِرْصَاً، وأَشَدَّ لَها طَلَباً، وَأَعْظَمَ فِيها رَغْبَةً. قَالَ: فَمِمَّ يَتْعَوَّذُونَ؟، قَالَ: يَقُولونَ مِنَ النَّارِ، قَالَ: يَقولُ: وهَلْ رَأوهَا؟ قَالَ: يَقولونَ: لا واللهِ ما رأوْهَا، قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة) أتى به كذلك ليزدوج مع ما بعده الممتنع بناء صيغة التفضيل منه؛ لكونه ثلاثياً مزيداً فيه. وإلّ فأفعل التفضيل يبنى من العبادة ويقال كانوا أعبد لك (وأشد تمجيداً) أعاد أفعل التفضيل ومتعلقه إطناباً (وأكثر لك تسبيحاً) عربه دون ما عربه في قرينه تفنناً (قال: فيقول) هكذا رواية أبي ذر أحد رواة البخاري بالفاء، وفي رواية غيره بحذفها (فما يسألون) وفي الرواية الآتية وماذا يسألوني؟ وعند أبي معاوية فأي شيء يطلبون؟ (قال: يقولون: يسألونك الجنة، وفي رواية جنتك) ثم علمهم بأنهم يسألونها يحتمل أن يكون لسماعهم له منهم، ويحتمل أن ذلك لظهوره وبدوه إذ المكلف يطلب من فضل ربه النعيم وكفاية الجحيم (قال: يقول: وهل رأوها) أي: أبصروها، وعند مسلم كما يأتي: فهل رأوا جنتي (قال: يقولون: لا والله يا رب) أتى به تلذذاً بالخطاب وطلباً لإِطالة الكلام مع الأحباب (ما رأوها قال: فيقول) أي: الله تعالى، ولأبي ذر فيقول (فكيف لو رأوها) الفاء عاطفة على مقدر أي: هذا طلبهم لها وما رأوها فكيف طلبهم لها لو رأوها؟ (قال: يقولون لو أنهم) أي: لو ثبت أنهم (رأوها كانوا أشد عليها حرصاً وأشد لها طلباً وأعظم فيها رغبة) هو هكذا في صحيح البخاري، وفي الفتح للحافظ ما يوهم أنه ليس عنده عليها، وعبارته قوله: كانوا أشد حرصاً: زاد أبو معاوية في روايته عليها، وفي رواية ابن أبي الدنيا ((كانوا أشد حرصاً، وأشد طلبة، وأعظم فيها رغبة)) اهـ. والظرف في كل من القرائن متعلق بأفعل قبله لا بالمصدر بعده، لمنع تقديم معمول المصدر عليه، ولو ظرفاً على خلاف في الظرف (قال) أي: الله (فمم) بتشديد الميم الثانية وإدغام نون من الجارة في ميمها وأصلها ما استفهامية فحذفت ألفها تخفيفاً أي: فمن أي شيء (يتعوذون) أي: يلوذون بالذكر ويعتصمون منه (قال) كذا هو بالإِفراد، وفي الكلام حذف، وهو قال: يقولون يتعوذون من النار، فسقط من قلم الشيخ يقولون، ففاعل قال: هو النبي ◌َّر، وفاعل يقولون الملائكة (يتعوذون من النار) أي: بك فحذف لدلالة المقام عليه (قال: فيقول: وهل رأوها؟ قال: ٢٤٩ ٢٤٧ - باب: في فضل حلق الذكر والندب فَيَقولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأوْها؟ قَالَ: يَقولونَ، لَوْ رَأَوْها كانوا: أَشَدَّ مِنْها فِراراً وأَشَدَّ لَها مَخَافَةً، قَالَ: فَيَقُولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ. قَالَ: يَقُولُ مَلَكُ مِنْ الْمَلائِكَةِ: فِيهِمْ فُلانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ، قَالَ: هُمُ الْجُلَسَاءُ لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهِ تَبَارَ وَتَعالَى مَلائِكَةٌ سَيَّارَةً فُضُلًا. يقولون لا والله ما رأوها) صرّحوا به مع دلالة عليها؛ إطناباً ولما تقدم (قال: فيقول فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون لو رأوها كانوا أشد منها فراراً) بكسر الفاء (وأشد لها مخافة) أي: خوفاً، وعدل عنه لما قاله تفخيماً لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى (قال: فيقول فأشهدكم) عطف على مقدّر أي: فأعذتهم فأشهدكم (أني قد غفرت لهم) حذف المفعول؛ للتعميم (قال: يقول ملك من الملائكة فيهم) أي: في جملتهم (فلان) تقدم أنه كناية عما يجهل من الإِعلام (ليس منهم) صفة أو حال مما قبله؛ لتخصيصه بتقديم الخبر (إنما جاء لحاجة) أي: غير ما ذكر من الذكر وما بعده (قال: هم الجلساء) أي: الكاملون المكملون (لا يشقى جليسهم) صفة أو حال أو خبر بعد خبر، أو مستأنفة لبيان المقتضى لكونهم أهل الكمال. قال الحافظ في الفتح: أخرج جعفر في الذكر عن الحسن البصري قال: ((بينما قوم يذكرون الله إذ أتاهم رجل فقعد إليهم قال: فنزلت الرحمة ثم ارتفعت فقالوا: ربنا فيهم عبدك فلان! قال: غشوهم رحمتي، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم)) وفي هذه العبارة مبالغة في نفي الشقاء عن جليس الذاكرين، فلو قال: يسعد بهم جليسهم لكان ذلك في غاية الفضل، لكن التصريح بنفي الشقاء أبلغ في حصول المقصود (متفق عليه) فيه أن هذا اللفظ للبخاري فقط أخرجه في الدعوات، من طريق جرير، عن الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة انفرد به عن مسلم وقوله: (وفي رواية لمسلم) هي المتفق عليها فإنها عند مسلم في الدعوات من طريق وهيب بن خالد، عن سهيل، عن أبيه عن أبي هريرة. وأخرجه البخاري في الدعوات عقيب حديث جرير، إلا أنه لم يسق لفظه (عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ◌َّر أن لله ملائكة سيارة) بفتح المهملة وتشديد التحتية أي: سياحين في الأرض (فضلاً) قال المصنف: أرجح وجوه ضبطه وأشهرها في بلادنا ضم أوليه. وضبط أيضاً بضم فسكون ورجحها بعضهم، وادعى أنها أكثر وأصوب، وضبط بفتح فسكون. قال القاضي : هي الرواية عند جمهور مشايخنا في الصحيحين، وبضم أوليه ورفع اللام على أنه خبر مبتدأ محذوف، وبضم ففتح آخره ألف ممدودة جمع فاضل، قال العلماء: معناه على ٢٥٠ ١٤ - كتاب: الأذكار يَتَِّعونَ مَجالِسَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدوا مَجْلِسً فِيه ذِكْرٌ قَعَدُوا مَعَهُمْ وحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضاً بِأَجْنِحَتِهِمْ حَتَّى يَعْلؤوا مَا بَيْنَهُمْ وبَيْنَ السَّماءِ الدُّنْيَا، فَإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وصَعِدوا إِلَى السَّماءِ، قَالَ فَيَسْأَلُهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: مِنْ أَيْنَ جِثْتُمْ؟ فَيَقُولونَ: جِئْنا مِنْ عِنْدِ عِبادٍ لَكَ فِي الْأَرْضِ يُسَبِّحونَكَ ويُكَبِّرُونَكَ ويُهَلِّلُونَكَ ويَحْمَدُونَكَ ويَسْأَلُونَكَ، قَالَ: ومَاذَا يَسْأَلُونِي؟ قَالُوا: يَسْألونَكَ جَنِّتَكَ، قَالَ: وهَلْ رَأوْا جَنَّتِي؟ قَالُوا: لا أَيْ رَبِّ، قَالَ: فَكَيَفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قَالوا: ويَسْتَجِيرونَكَ. قَالَ: ومِمَّ جميع الروايات أنهم زائدون على الحفظة وغيرهم من المرتبين مع الخلائق فهؤلاء السيارة لا وظيفة لهم إلا قصد حلق الذكر (يتتبعون) ضبط بالمهملة من التتبع، وهو البحث والتفتيش عن الشيء وبالغين المعجمة من الابتغاء والطلب. قال المصنف: وكلاهما صحيح (مجالس الذكر فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكر قعدوا معهم وحف بعضهم بعضاً بأجنحتهم) قال المصنف: كذا في كثير من نسخ بلادنا بالمهملة وبالفاء، وفي بعضها بالضاد المعجمة، أي: حث على الحضور والاستماع، وحكى القاضي عن بعض رواتهم، وحط بالمهملتين واختاره القاضي. قال: ومعناه أي: أشار بعضهم إلى بعض بالنزول، ويؤيدها قوله بعده في رواية البخاري ((هلموا إلى حاجتكم)) ويؤيد الرواية بالفاء قوله في البخاري ((يحفونهم بأجنحتهم» أي: يحدقون ويستديرون حولهم، ويحف بعضهم بعضاً (حتى يملأوا ما بينهم وبين السماء الدنيا) أي: أنهم يكثرون في مجلسه حتى يعلو بعضهم على بعض، ويملأوا ما ذكر (فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا) بكسر المهملة الثانية من باب علم (إلى السماء قال فيسألهم الله عز وجل وهو أعلم، من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عباد) التنوين فيه للتعظيم (لك) صفة (في الأرض) صفة بعد صفة لا حال؛ لأن شرط مجيء الحال من المضاف إليه مفقود، نعم يجوز جعل الظرف حالاً من المستقر في الظرف قبله وكذا قوله (يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك) فتكون أحوالاً مترادفة، ويجوز أن تكون أحوالاً من المستقر في الظرف قبلها، فتكون على إعراب الظرف، كذلك أحوالاً متداخلة وحذفوا المفعول، طلباً لحصول السؤال عنه فيطول الكلام المستعذب، فالحذف هنا نظير قول موسى ﴿ولي فيها مآرب أخرى﴾(١) (قال: وماذا يسألوني؟ قالوا: يسألونك جنتك، قال: وهل رأوا جنتي؟ قالوا: لا أي رب) بحذف ضمير المتكلم، ومعه غيره والأصل ربنا فيكون مفتوحاً، ويحتمل أن يكون الأصل أي: ربي بياء المتكلم، فحذفت (١) سورة طه، الآية: ١٨. ٢٥١ ٢٤٧ - باب: في فضل حلق الذكر والندب يَسْتَجِيرُونَنِي؟ قَالوا: مِنْ نَارِكَ يَا رَبِّ. قَالَ: وهَلْ رَأَوْا نَارِي؟ قَالُوا: لا. قال: فَكَيْفَ لَوْ رأوْا ناري؟ قَالُوا: ويَسْتَغْفِرُونَكَ، قَالَ فَيَقولُ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجارُوا. قَالَ: يَقولونَ: رَبِّ فِيهِمْ فُلانٌ عَبْدٌ خَطَاءٌ إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ، فَيَقُولُ: وَلَهُ غَفَرْتُ هُمُ الْقَوْمُ لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ))(١). اجتزاءً بدلالة الكسرة عليها، وهو مضبوط في الأصول من مسلم، والرياض بكسر الباء (قال: فكيف لو رأوا جنتي) سكت الراوي عن جوابهم عن هذا نسياناً وقد بينه في الرواية السابقة عند البخاري (قالوا: ويستجيرونك) أي: يسألونك الجوار أي الأمان (قال: ومما) بإثبات الألف. هكذا في الأصول، وجاء على خلاف الغالب من حذف ألفها عند جرها تخفيفاً، أي: ومن أي شيء (يستجيروني) بنون مخففة، والأصل يستجيرونني بنونين نون الرفع ونون الوقاية، فحذفت أحداهما تخفيفاً وفي تعيينها خلاف، الأرجح أنها نون الوقاية كما قاله ابن هشام (قالوا: من نارك) حذف المتعلق لدلالة وجوده في السؤال عليه (يا رب) غاير بين حرفي النداء تفنناً في التعبير، وأتى بحرف النداء الموضوع للبعيد دون العكس تفخيماً، قاله الشيخ خالد في شرح التوضيح. (قال: وهل رأوا ناري؟ قالوا: لا، قال: فكيف لو رأوا ناري) أظهر في محل الإِضمار في الجملتين؛ للتعظيم والتهويل (قالوا: يستغفرونك) كذا هو بحذف الواو في صحيح مسلم مصححاً عليه وهي مقدرة؛ لأنها معطوفة كالجمل قبلها، وليست جواب قوله: (فكيف لو رأوا ناري؟ فيقول: قد غفرت لهم) بدأ به في الجواب؛ لأنه أقرب مطلوب؛ وأسنى مرغوب؛ ولأن ما بعده مبني عليه فلذا فرع عليه قوله: (فأعطيتهم ما سألوا) يعني الجنة (وأجرتهم) بالقصر أي: آمنتهم (مما استجاروا) بحذف العائد المنصوب بما قبله محلاً والمجرور بمن أي: منه (قال: يقولون رب فيهم فلان عبد خطاء) بفتح المعجمة وتشديد المهملة وبالهمزة آخره، أي: كثير الخطايا (إنما مر) هو بمعنى قوله فيما قبله، إنما جاء لحاجة (فجلس معهم قال: فيقول: وله غفرت) بتقديم الظرف، للاهتمام (هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) قال الحافظ في الفتح: في الحديث فضل الذكر والذاكرين، وفضل الاجتماع على ذلك، وأن جليسهم يندرج معهم في جميع ما يتفضل عليهم إكراماً لهم، وإن لم يشاركهم في أصل الذكر. وفيه محبة الملائكة لبني آدم واعتناؤهم بهم، وفيه أن السؤال قد يصدر ممن هو أعلم بالمسؤول عنه من (١) أخرجه البخاري في كتاب: الدعوات، باب: فضل ذكر الله عز وجل (١٧٧/١١ و١٧٩). وأخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء ... ، باب: فضل مجالس الذكر، (الحديث: ٢٥). 200 ٢٥٢ ١٤ - كتاب: الأذكار ١٤٤٦ _ وعَنْهُ وعَنْ أَبي سَعيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَه : (لا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّ حَفْهُمُ الْمَلائِكَةُ، وغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، ونَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكينَةُ، وذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١). ١٤٤٧ _ وعَنْ أَبي واقِدٍ الْحَارِثِ بنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَه المسؤول؛ لإظهار الغاية بالمسؤول عنه، والتنويه بقدره والإعلان بشرف منزلته، وفيه بيان كذب من ادعى من الزنادقة أنه يرى الله تعالى جهراً في الدنيا، وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي أمامة رفعه ((واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا)) وغير ذلك. ١٤٤٦ - (وعنه) أي: أبي هريرة (وعن أبي سعيد) الخدري (رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله وَله: لا يقعد قوم) التقييد بالقعود وبالقوم جري على الغالب، فالاجتماع للذكر بأي ومن أي ترتب عليه ما يأتي، ويؤيده أنه تقدم من حديث أبي هريرة ((وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله)) والحديث تقدم بجملته في باب قضاء حوائج المسلمينٍ (يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة) أي: أحدقت بهم، وطافت بحفافيهم تشريفاً لهم وتنويهاً لما هم فيه من الذكر (وغشيتهم الرحمة) أي: آثارها من الفيض والفضل (ونزلت عليهم السكينة) بوزن فعيلة ما تسكن به نفسهم قال التوربشتي: هي الحالة التي يطمئن بها القلب فيسكن عن الميل إلى الشهوات، وعن الرعب والأصل فيها الوقار، وقيل: هي ملكة تسكن قلب المؤمن وتؤمن اهـ (وذكرهم الله فيمن عنده) عندية مكانة، لاستحالة المكان في حقه تعالى (رواه مسلم). ١٤٤٧ - (وعن أبي واقد) بالقاف والمهملة (الحارث بن عوف) بالفاء هو الليثي من بني ليث بن بكر بن عبد مناة من كنانة بن خزيمة، مشهور بكنيته، وما ذكره المصنف في اسمه واسم أبيه، هو أحد الأقوال، وقيل: عوف بن الحارث، وقيل: الحارث بن مالك، قيل: إنه شهد بدراً، وقيل: لم يشهدها، وكان معه لواء بني ضمرة، وبني ليث، وبني سعد بكر بن. عبد مناة، يوم الفتح، وقيل، أنه من مسلمة الفتح. قال ابن الأثير: والصحيح أنه شهد الفتح مسلماً، يعد في أهل المدينة، وشهد اليرموك بالشام، وجاور بمكة سنة، ومات بها، ودفن (١)) أخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء ... ، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، (الحديث: ٣٩). ٢٥٣ ٢٤٧ - باب: في فضل حلق الذكر والندب بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ والنَّاسُ مَعَهُ إِذْ أَقْبَلَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانٍ إِلَى رَسُولِ اللّهِ وَ﴿ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، فَوقَفَا عَلى رسُولِ اللَّهِ وَ﴿ فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً في الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فيها، وإمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وأمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذاهِباً. فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلاثَةِ؟ أَمَّا أحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآواهُ اللَّهُ، . في مقبرة المهاجرين بفخ سنة ثمان وستين، وهو ابن خمس وسبعين سنة، وقيل: خمس وثمانين (رضي الله عنه) روي له عن رسول الله وَّل أربعة وعشرون حديثاً، وقال البرقي: جاء عنه سبعة أحاديث، وفي مختصر التلقيح له في الصحيحين أحد وعشرون حديثاً اتفقا على أحد عشر منها، وانفرد البخاري باثنتين، ومسلم بثمانية (أن رسول الله وَّ بينما هو جالس في المسجد والناس معه) جملة حالية (إذ أقبل ثلاثة نفر) بفتح أوله تمييز لما قبله أي : ثلاثة، هم نفر لا أنه نوع الثلاثة على عدد نفر فيكونون تسعة، وهذا كما يقال ثلاثة رجال ليس المراد ثلاثة جموع رجل، وهو يطلق على الثلاثة والتسعة وما بينهما كما تقدم، والجملة أضيف إليها الظرف (فأقبل اثنان) ذكره بعد فأقبل ثلاثة إما لأن التقدير فأقبل اثنان منهم وإما لأن إقبال الثلاثة، إقبال إلى المجلس أو إلى جهته، وإقبال الاثنين (إلى رسول الله وال وذهب واحد فوقفا على رسول الله وسلم فأما أحدهما فرأى) أي: أبصر (فرجة في الحلقة) بسكون اللام أي: المستديرين بين يديه وَ ل ◌ّ (فجلس فيها وأما الآخر) بفتح الخاء (فجلس خلفهم) أي: خلف أهل الحلقة (وأما الثالث فأدبر ذاهباً) أي: لم يرجع، بل استمر في إدباره وإلا فأدبر مفرغر(١) ذاهباً، قلت أو يكون من قبيل ﴿فتبسم ضاحكاً﴾(٢) أي: حال مؤكدة (فلما فرغ رسول الله (سيد) أي: مما كان فيه من الخطبة أو تعليم العلم أو الذكر (قال: ألا) حرف تنبيه، ويحتمل أن تكون الهمزة للاستفهام ولا نفي، وفي الكلام طي فكأنهم قالوا: أخبرنا فقال: ألا (أخبركم عن النفر الثلاثة أما أحدهم فأوى) بالقصر أي: رجع (إلى الله فآواه الله) بالمد قال أئمة اللغة: في كل منهما القصر والمد ومصدر المقصور أويا على فعول ومصدر الممدود إيواء، ونسبة الإِيواء إلى الله تعالى، وكذا الاستحياء والإِعراض مجاز لاستحالتها في حقه تعالى، فالمراد بها لوازمها من إرادة إيصال الخير، وترك العقاب والإِذلال، أو نحو ذلك، وقرينة الصرف عن الحقيقة فيه وفي مثله مما يستحيل قيامه به تعالی (١) هكذا في النسخ. ع. (٢) سورة النمل، الآية: ١٩. ٢٥٤ ١٤ - كتاب: الأذكار وأمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وأمَّ الآخرُ فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). ١٤٤٨ _ وعَنْ أبي سَعيدٍ الْخُذْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: خرَجَ مُعاويَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى حَلَقَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنا نَذْكُرُ اللَّهَ، قَالَ: آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلا ذَلِكَ؟ قَالوا: مَا أَجْلَسَنَا إِلّ ذَلِكَ، قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً العقل. وفائدته: بيان الشيء بطريق عقلي وزيادة توضيح وتحسين اللفظ، ويسمى مثل هذا المجاز مجاز المشاكلة والمقابلة. انتهى ملخصاً من اللامع الصبيح (وأما الآخر) بفتح الخاء وفيه لكونه استعمله في غير الأخير رد على من زعم أنه لا يستعمل إلا في الأخير (فاستحيا) من المزاحمة لما فيها من التضييق، والحياء كذلك محمود والمذموم فيه الحياء الباعث على ترك التعلم، ولما كان ما فعله من الحياء الممدوح غفر الله له كما قال (فاستحيا الله منه) كما تقدم (وأما الآخر) بفتح المعجمة (فأعرض) عن مجلس رسول الله وق طر، الذي هو مجلس العلم (فأعرض الله عنه) فيه ذم الإِعراض عن مجلس العلم بغير عذر، وأن من أعرض كذلك فقد تعرض لسخط الله، فإنه أخبر بأن الله أعرض عنه (متفق عليه) رواه البخاري في العلم، وليس لأبي واقد في صحيحه إلا هذا الحديث. وقد وهم صاحب الكمال فقال في ترجمة أبي واقد: خرّج عن الخمسة إلا البخاري، ورواه مسلم في الاستئذان، ورواه أيضاً أبو داود في الاستئذان والنسائي في العلم. ١٤٤٨ - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خرج معاوية رضي الله عنه على حلقة) بإسكان اللام على المشهور، قال العسكري: هي كل مستدير خالي الوسط، وحكي فتح اللام، وهو قليل (في المسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا) أعادوه وزيادة في الإِيضاح (نذكر الله قال: الله) بمد الهمزة والأصل أالله بهمزتين أولاهما للاستفهام والأخرى همزة أل فأبدلت الثانية مدة، وجر الاسم الكريم. قيل: بالهمزة وهي من حروف القسم، وقيل: إن حرف القسم مقدر بعدها، وهو الذي صححه ابن هشام (ما أجلسكم إلا ذلك) أي: الذكر، وأتى فيه باسم الإِشارة الموضوع للبعيد مع قربه تشريفاً له كما في قوله تعالى : (١) أخرجه البخاري في كتاب: العلم، باب: من قعد حيث ينتهي به المجلس (١٤٣/١ و١٤٤). وأخرجه مسلم في كتاب: السلام، باب: من أتى مجلساً فوجد فرجة فجلس فيها وإلا وراءهم، (الحديث: ٢٦). ٢٥٥ ٢٤٧ - باب: في فضل حلق الذكر والندب لَكُمْ، ومَا كانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ أَقَلَّ عَنْهُ حَديثاً مِنِّي، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿َ خَرَجَ عَلى حَلَقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: (مَا أَجْلَسَكُمْ؟)) قَالُوا: جَلَسْنا نَذْكُرُ اللَّهَ ونَحْمَدُهُ عَلى مَا هَدانا للإِسْلامِ ومَنَّ بِهِ عَلَيْنَا، قَالَ: ((آللهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إلّ ذَلِكَ؟ أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةٌ لَكُمْ وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللّهَ يُباهي ﴿الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾(١) والجملة جواب القسم (قالوا: ما أجلسنا إلا ذلك) الأقرب أن الجملة جواب قسم حذف المقسم به اكتفاء بدلالة وجوده في السؤال عليه، ويدل عليه قوله: (قال: أما) بتخفيف الميم، أداة استفتاح (إني لم أستحلفكم تهمة لكم) بضم الفوقية، وفتح الهاء وسكونها كما في المصباح هي الشك والريبة، والتاء بدل من الواو لأنها من الوهم (وما كان أحد بمنزلتي) أي: بمكانتي وقربي (من رسول الله (مس لية) وذلك، لكون أخته أم حبيبة أم المؤمنين، ولتآلف النبي ◌َّ له لما علم فيه من السر الإِلَهي المصون والظرف. الأول: في محل الصفة. والثاني: لغو متعلق بمنزلة (أقل) بالنصب خبر كان (منه) أي: من ذلك الأحد (حديثاً) تمييز (مني) أي: لم يكن أحد مماثلاً لي في القرب، أقل مني حديثاً، وذلك احتياطاً وتحرزاً من أن يسهو بزيادة أو نقص، عند ذكر حديث، وهذه الجملة أتى بها إظهاراً لعنايته بالمخاطبين إذ حدثهم عن رسول الله بصير، مع إقلاله منه فقال: (إن رسول الله وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم) لكونهم كانوا في زمن لا يؤلف منهم الجلوس فيه في المسجد (قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده) من عطف الخاص على العام، إن أريد بالذكر ما يعم أنواعه، وإن أريد به فرد خاص منه، وبالحمد الثناء عليه بالأوصاف الثبوتية كان من عطف المغاير (على ما هدانا للإِسلام) على فيه للتعليل، وما فيه مصدرية أي: نحمده لذلك، والحمد في مقابلة النعمة يثاب عليه ثواب الواجب الفائق ثواب المندوب بسبعين ضعفاً (ومن به علينا) حذف الممتن به إيماء؛ لكثرته وقصور العبارة عن الإحاطة به قال سبحانه وتعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾(٢) (قال: آله) بالمد (ما أجلسكم إلا ذلك) أي: دون غيره من الأعراض والأغراض، وحذف المصنف جوابهم، وهو في مسلم ولفظه ((قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذلك)) وكذا وقع له في الأذكار، بأنه غير مذكور في صحيح مسلم، كما يأتي عنه مرات أخرج أصل الحديث، لا بخصوص هذه الزيادة، وهو من قلم الناسخ (أما أني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي) (١) سورة البقرة، الآيتان: ٢،١. (٢) سورة إبراهيم، الآية: ٣٤. ٢٥٦ ١٤ - كتاب: الأذكار بِكُمُ الْمَلائِكَةَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ٢٤٨ - باب: في الذكر عند الصباح والمساء قالَ اللَّهُ تعالى(٢): ﴿وَاذْكُرِ رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وخِيفَةٌ وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالغُدُوِّ وَالْأَصَالِ وَلا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾. قَالَ أهْلُ اللُّغَةِ: ((الأصالُ)) جَمْعُ أَصِيلٍ وَهُوَ: مَا بَيَنْ العَصْرِ والْمَغْرِبِ. أي: يفاخر ويعاظم (بكم الملائكة) والاستدراك المفاد بلكن لمفهوم قوله لم أستحلفكم تهمة، الخ فإنه ربما يؤخذ منه انتفاء مقتضى الاستخلاف فاستدركه لذلك (رواه مسلم) قال الحافظ في تخريج أحاديث الأذكار: وأخرجه أبو عوانة والترمذي، وقال: حديث حسن غريب، لا نعرفه إلّ من هذا الوجه. اهـ. باب الذكر عند الصباح هو لغة: كما قال ابن دريد في الجمهرة: من نصف الليل إلى الزوال (والمساء) بالمد، وهو: منه إلى نصف الليل، قال السيوطي: إنه لم يظفر بما ذكر فيهما إلّ فيها، وأما الصباح شرعاً فمن طلوع الفجر الصادق إلى طلوع الشمس، ثم الضحا، فالاستواء فالزوال ومنه المساء (قال الله تعالى واذكر ربك في نفسك تضرعاً) تذللاً وخضوعاً (وخيفة) أصلها خوفة فأبدلت الواو ياء؛ لسكونها وانكسار ما قبلها (ودون الجهر من القول بالغدو والآصال) قال ابن عطية: معناه دأباً في كل وقت وفي أطراف النهار (ولا تكن من الغافلين) عن ذكر الله، وتقدم بعض فوائد الآية أول كتاب الأذكار (قال أهل اللغة) أي: علماء متن اللغة وحدها: أصوات وأعراض يعبّر بها كل قوم عن مرادهم (الآصال) بالمد (جمع أصيل) على وزن فعيل كأيمان جمع يمين، ويجمع على أصل بضمتين وأصلان، أي: بضم فسكون وأصائل كما في القاموس (وهو ما بين العصر والمغرب) ثم ما ذكره من كونه جمع أصيل بلا واسطة هو قول الجمهور، وحكى ابن عطية في التفسير قولاً: أنه جمع لأصل بضمتين وهو (١) أخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء ... ، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، (الحدیث: ٤٠). (٢) سورة الأعراف، الآية: ٢٠٥. ٢٥٧ ٢٤٨ - باب: في الذكر عند الصباح والمساء وقالَ تعالَى (١): ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ وقالَ تعالَى(٢): ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: ((الْعَشِيُّ)): مَا بَيْنَ زَوالِ الشَّمْسِ وغُروِها. وقالَ تعالَى(٣): ﴿فِي بُيوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فيها بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآيةَ. وقالَ تعالى (٤): ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ﴾ . جمع أصيل قال: وجمع آصال أصائل فهو جمع الجمع (وقال تعالى: وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) قيل: المراد من التسبيح الصلاة، وقيل: على ظاهره، والظرف الأول في محل الحال (وقال تعالى: وسبح بحمد ربك بالعشي والإِبكار) أي: أواخر النهار وأوائله (قال أهل اللغة: العشي) بفتح المهملة وكسر المعجمة (ما بين زوال الشمس) أي: ميلها عن كبد السماء إلى جهة المغرب (وغروبها) قال في المصباح: ومنه يقال للظهر والعصر صلاتا العشي، قال: وقيل: هو آخر النهار، وقيل: العشي من الزوال إلى الصباح، وقيل: العشي والعشاء من صلاة المغرب إلى العتمة، وعليه قول ابن فارس: العشاءان المغرب والعتمة (وقال تعالى: في بيوت أذن الله) أي: أمر (أن ترفع) أي: يعظم قدرها، وتطهر من الدنس واللغو، وكل ما لا يليق فيها (ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو الآصال رجال) فاعل يسبح، ومن قرأ يسبح بصيغة المجهول فنائب الفاعل له، ورجال فاعل فعل محذوف، كأنه قيل: من يسبح فقال: يسبح رجال (لا تلهيهم تجارة) معاملة رابحة (ولا بيع عن ذكر الله) أو المراد: من التجارة الشراء فإنه أصلها ومبدؤها، أو التجارة الجلب، فإن من يجلب الأمتعة من بلد إلى بلد للبيع هو التاجر (الآية) أي إلى قوله ﴿تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ (٥) لأن ذلك تمام ذكر أوصافهم، والآية بعد لبيان عظيم جزائهم (وقال تعالى: إنا سخرنا الجبال معه) أي: مع داود (يسبحن) أي: مسبحات معه (بالعشي والإِشراق) أي (١) سورة طه، الآية: ١٣٠. (٢) سورة غافر، الآية: ٥٥ (٣) سورة النور، الآيتان: ٣٦، ٣٧. (٤) سورة ص، الآية: ١٨. (٥) سورة النور، الآية: ٣٧ ٢٥٨ ١٤ - كتاب: الأذكار ١٤٤٩ _ وعَنْ أبي هُريْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وحِينَ يُمْسي: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، مِائَةَ مَرَّةٍ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيامَةِ بَأفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زادَ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١). ١٤٥٠ - وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ◌َهِ فَقَالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَقِيتُ مِنْ عَقْرَبٍ لَدَغَتْنِي الْبَارِحَةَ. قَالَ: ((أَمَا لَوْ قُلْتَ حِينَ أمْسَيْتَ: أعُوذُ وقت إشراق الشمس، وهو وقت الضحا. وحكمة تخصيص أول النهار وآخره بما ذكر؛ ليكون البدء والختم بعمل ديني وطاعة. فيكون كفارة لما يكون في باقي النهار. ١٤٤٩ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّر من قال حين يصبح) أي: يدخل في الصباح الشرعي؛ لأن الألفاظ الشرعية إنما تحمل على عرف الشرع ما لم يصرف عنه صارف (وحين يمسي) أي: يدخل في المساء فالفعلان تامان كما في قوله: ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون﴾(٢) (سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت) أي: لم يجىء (أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به) أي: من ألفاظ الأذكار المأثورة (إلا واحد) بالرفع بدل من أحد على لغة تميم المجوزين الإِبدال في الاستثناء المنقطع (قال مثل ما قال) مثل قوله أو مثل ما قاله (أو زاد) أي: فالأول: جاء بمثل ما جاء به. والثاني: زاد عليه، هذا إن جعلنا أو ليست للشك من الراوي، بل للتنويع وإن جعلناها للشك فالاستثناء متصل على الوجه الثاني: منقطع على الأول: وعلى كل ففيه إيماء إلى أن الاستكثار من هذا محبوب إلى الله تعالى، وأنه ليس له حد لا يتجاوز عنه، كعدد المعقبات عقب المكتوبات (رواه مسلم) قال في السلاح: ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وعند أبي داود: سبحان الله العظيم وبحمده، ورواه الحاكم وابن حبان بنحوه وروي في الجامع الكبير من حديث ابن عمر مرفوعاً ((من قال: سبحان الله وبحمده كتب له عشر حسنات، ومن قالها: عشراً كتب الله له مائة حسنة، ومن قالها: مائة مرة كتب الله له ألف حسنة، ومن زاد زاده الله)) الحديث رواه ابن ماجه. ١٤٥٠ - (وعنه قال: جاء رجل إلى النبي ﴿ فقال: يا رسول الله ما لقيت) أي: شيء (١) أخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء، باب: فضل التهليل والتسبيح والدعاء، (الحديث: ٢٩). (٢) سورة الروم، الآية: ١٧ . ٢٥٩ ٢٤٨ _ باب: في الذكر عند الصباح والمساء بِكَلِمَاتِ اللَّهِ النَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ لَمْ تَضُرَّكَ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ١٤٥١ _ وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَصْبَحَ: ((اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنا وبِكَ أَمْسَيْنا، وبِك نَحْيا وبِكَ نَموتُ وإِلَيْكَ النُّشورُ)) وإِذَا أَمْسَى قَالَ: (اللَّهُمَّ بِكَ أَمْسَيْنا، وبِكَ نَحْيا وبِكَ نَموتُ وإِلَيْكَ النُّشورُ)) رواهُ أبو داودَ والتِّرْمِذِيُّ، عظيم لقيته (من عقرب) ظرف لغو (لدغتني) بالمهملة فالمعجمة، قال في المصباح من باب نفع (البارحة) الليلة الماضية وفي كلامه الإِيماء إلى عظيم ما أصابه من الألم والوصب من ذلك (قال: أما) أداة إستقباح أنك (لو قلت حين أمسيت) أي: دخلت في المساء (أعوذ) أي: أعتصم وألتجىء (بكلمات الله) أي: بأقضيته وشؤونه (التامات) لتنزهها عن كل نقص (من شر ما خلق) متعلق بأعوذ وما عام يدخل فيه سائر المؤذيات من الخلق، ومنه الهوى والشهوات (لم يضرك) يجوز في مثله من المضاعف المضموم العين المجزوم أربع لغات: الإِدغام مع الحركات الثلاث، والضم اتباعاً، والفتح، لأنه أخف الحركات، والكسر تخلصاً من التقاء الساكنين، والرابعة فك الإدغام والجزم بالسكون (رواه مسلم) قال في السلاح: ورواه ما عدا البخاري من أصحاب الكتب الستة . ١٤٥١ - (وعنه عن النبي ◌ّ(*) بدل اشتمال (أنه كان يقول: إذا أصبح اللهم بك) أي: بقدرتك الباهرة (أصبحنا) أي: دخلنا في الصباح (وبك أمسينا) ذكر لحضوره في الذهن عند ذكر ضده (وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور) بضمتين أي: الرجوع (وإذا أمسى قال) عبر بالماضي تفنناً في التعبير، والمراد منه المستقبل (اللهم بك أمسينا) أي: دخلنا في المساء، وجعلهما الطيبي ناقصين فقال: الباء متعلقة بمحذوف هو الخبر ولا بد من تقدير مضاف، أي: أصبحنا أو أمسينا متلبسين بنعمتك أي: بحياطتك وكلاءتك أو بذكر اسمك (وبك نحيا وبك نموت وإليك المصير) قال في النهاية: أي إليك المرجع، يقال: صرت إلى فلان أصير مصيراً، وهو شاذ والقياس مصار مثل معاش اهـ. وتقدم الكلام على هذا الذكر في آداب النوم، لكن بلفظ: باسمك أموت وأحيا، وحينئذ فحديث الباب محتمل، لأن يكون على تقدير المضاف المصرح به في تلك أو على تقدير نحو قدرتك، أو إرادتك وعبّر بالمضارع حكاية عن الحال المستمر أي: مستمر حالنا على ذلك وعبر بالنون هنا، (١) أخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء ... ، باب: في التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء وغيره، (الحديث: ٥٥). ٢٦٠ ١٤ - كتاب: الأذكار وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ(١). ١٤٥٢ _ وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ أبا بَكْرِ الصِّديقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: يا رسُولَ اللَّهِ مُرْنِي بِكَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ إِذَا أَصْبَحْتُ وإِذَا أَمْسَيْتُ، قَالَ: ((قُلْ: اللَّهُمّ فَاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، عَالِمَ الْغَيْبِ والشِّهادَةِ، رَبَّ كِلِّ شَيْءٍ ومَلِيكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلّ أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسي وشَرِّ الشَّيْطانِ وشِرْكِهِ) قَالَ: ((قُلْها إِذَا أَصْبَحْتَ وإِذَا أَمْسَيْتَ وإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ)) رواهُ أَبو داوُدَ والتِّرمِذِيُّ، وقَالَ: للتأكيد والتفخيم (رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن) قال في السلاح: ورواه النسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه، وأبو عوانة في مسنده الصحيح وهذا لفظه. ١٤٥٢ - (وعنه أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: يا رسول الله مرني بكلمات) التنوين فيه للتعظيم (أقولهن إذا أصبحت وإذا أمسيت) لعظم مدلولها فأداوم عليها في الوقتين الذين هما أشرف الأوقات (قال: قل اللهم فاطر السموات والأرض) تقدم عن سيبويه أن الثاني على تقدير حرف النداء لا نعت لما قبله؛ لأن الميم يمنع منه أي: يا خالقهما ومبدعهما (عالم الغيب والشهادة) أي: ما غاب وما يشاهد فلا يعزب عن علمه شيء (رب) مالك وخالق ومربي ومصلح (كل شيء) من المكونات (ومليكه) أي: مالكه فعيل بمعنى فاعل (أشهد) أعلم وأبين وأصدق (أن لا إلّه) بالفتح أي: لا مستغنياً عن كل ما سواه ومفتقراً إليه كل ما عداه (إلا أنت) بدل من محل اسم لا قبل دخولها (أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان) أي: وسواسه وتسويله (وشركه) بكسر الشين وسكون الراء، أي: ما يدعو إليه من الإشراك بالله تعالى، وبفتح الشين والراء أي: ما يفتن به الناس من حبائله والواحدة شركه، بفتح الشين والراء وآخرها هاء، وهي حبالة الصائد روايتان ذكرهما الخطابي وغيره زاد في السلاح: والمشهور هو الوجه الأول وإضافته على الأول: من إضافة المصدر لمعموله. وعلى الثاني: من إضافة الجامد (قال:) أي: النبي ◌َّيّ للصديق (قلها إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك) بفتح أوله وثالثه أي : مكان إضجاعك وهذا مزيد على ما سأل (١) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب: ما يقول إذا أصبح، (الحديث: ٥٠٦٨). وأخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات، باب: ما جاء في الدعاء إذا أصبح وإذا أمسى ، (الحديث: ٣٣٩١).