النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
٢٤١ - باب: في فضل العلم
السَّماواتِ ومَنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ في الْماءِ، وفَضْلُ الْعالِمِ عَلى الْعَابِدِ
كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلى سَائِرِ الْكَواكِبِ، وإِنَّ الْعُلَماءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِياءِ، وإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا
دِينَاراً وَلا دِرْهَماً وإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظُّ وافِرٍ»
السموات ومن في الأرض حتى الحيتان) بالرفع والجر نظير ما مر. ويؤيد الأول أن في
رواية: والحيتان بالواو العاطفة بدلها (في) جوف (الماء) وأتى بذلك؛ مبالغة في التعميم
خصوصاً إن أريد بالحيتان الحيوان البحري فهو أكثر من البري، لما جاء أن عوالم البر
أربعمائة عالم وعوالم البحر ستمائة عالم، وسبب عموم استغفار هذه الموجودات للعلماء؛
طالبين تخليهم عما لا يليق بمقامهم من الأدناس شمول بركة علمهم وعملهم لجميع أولئك .
إذ لا إلّه يقوم نظام العالم إلا بالعلم. ولا مانع من جعل الاستغفار من غير العقلاء من نحو
الجماد على حقيقته؛ لأنه ممكن فهو من قبيل قوله تعالى: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده
ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾(١) (وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب)
هو بالنصب عطف على اسم أن السابق، ويؤيده أن في رواية المشكاة: وإن فضل الخ، وزاد
في هذه الرواية بعد قوله ((كفضل القمر)) قوله ((ليلة البدر)) ووجه ذلك أن نور العبادة وكمالها
ملازم لذات العابد لا يتخطاه، فهو كنور الكواكب ونور العلم وكماله، يتعدى إلى الغير
فيستضيء به العالم، لكنه ليس من ذاته، وإنما استفاده من شمس الوجود الذي لا أكمل منه
محمد #، فهو كنور القمر المكتسب من نور الشمس التي لا أضوء منها، وبما ذكر علم أن
الكلام في عالم غير مخل بشيء من الواجبات وإلا كان إثماً مذموماً (وأن العلماء ورثة
الأنبياء) علماً وعملاً وكمالاً وتكميلاً، ولا يتم ذلك إلا لمن صفت مصادر علمه وعمله
ومواردهما عن الهوى والحظوظ، حتى أمدته كلمات الله التي لا تفنى إلى أن صار من
الراسخين في العلم، القائمين بصور الأعمال على ما ينبغي، فسلمٍ من الإخلاد إلى أرضٍ
الشهوات الخافضة إلى أرذل الدركات (إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً) أي: مالاً
وخص بالذكر؛ لأنهما أغلب أنواعه، وفي نفيهما عنهم إيماء إلى رذالة الدنيا فأعرضوا عنها
ولم يأخذوا منها إلا قدر الضرورة، فلم يورثوا شيئاً منها، لئلا يتوهم أنهم كانوا يطلبون شيئاً
منها يورث عنهم (إنما ورثوا العلم) بأحوال الظاهر والباطن، على تباين أجناسه واختلاف
أنواعه بتعليمهم لأممهم (فمن أخذه) أي: فبسبب ما ذكر من تلك الفضائل العلية من ورث
العلم (أخذ بحظ) أي: نصيب من الكمال (وافر) لا نهاية له، ومن ثم قال الثوري: لا أعلم
(١) سورة الإِسراء، الآية: ٤٤ .

١٨٢
١١ - كتاب: العلم
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ(١).
١٣٨٧ - وعَنِ ابنِ مَسْعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَلِ يَقولُ:
(نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأْ سَمِعَ مِنَّا شَيْئاً فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ)) رَواهُ
اليوم شيئاً أفضل من طلب العلم، قيل له: ليس لهم نية؟ قال: طلبهم له نية، وقال الحسن:
من طلب العلم يريد ما عند الله، كان خيراً له مما طلعت عليه الشمس، وقال مالك: لمن
أراد المبادرة إلى الصلاة، وترك ما هو فيه من العلم ليس ما تذهب إليه فوق ما أنت فيه إذا
صحت النية. وقال الشافعي: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة (رواه أحمد وأبو داود
والترمذي) وقال: بعد أن أخرجه في العلم من جامعه، من طريق محمود بن حداس
الطالقاني بإسناده بنحوه ما لفظه هكذا ((حدثنا محمود)) وإنما يروى هذا الحديث عن عاصم
عن الوليد بن جميل عن كثير بن قيس عن أبي الدرداء. وهذا أصح من حديث محمود، ولا
نعرف هذا الحديث من حديث عاصم، وليس إسناده عندي بمتصل. اهـ ورواه ابن ماجه
والدرامي كما في المشكاة، ورواه ابن حبان في صحيحه والبيهقي في الشعب كما في
الجامع الكبير.
١٣٨٧ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَليل يقول: نضر الله امرأً)
بالضاد المعجمة المشددة ويروى بالتخفيف. يقال: نضره وأنضره ونضره، أي: نعمه من
النضارة، وهي في الأصل حسن الوجه والبريق. والمراد حسن خلقه وقدره. قاله في النهاية .
قال بعضهم: إني لأرى في وجوه أهل الحديث نضرة أشار به إلى إجابة الدعوة لهم (سمع
منا) بغير توسطه، والضمير يحتمل أنه للجماعة فيشمل من روى عن الصحابة(٢) شيئاً فأداه
كما سمعه (شيئاً) قليلاً كان أو كثيراً (فبلغه كما سمعه) أي: من حيث المعنى فلا يضر في
ذلك الرواية بالمعنى بشرطه، ويحتمل أن تختص الدعوة بمن أدى باللفظ لما فيه من مزيد
الاعتناء والتوجه، حتى حفظ لفظه واستحضره (فرب) هي للتكثير واستعمالها فيه حقيقة لا
مجاز خلافاً لزاعمه (مبلغ) بصيغة المفعول، من التبليغ كذا في الأصول (أوعى) أكثر وعياً،
أي: تنبهاً لخبايا عرائس المعاني ونفائس المقاصد (من سامع) فلذا دعا مية للضابط الحافظ
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: العلم باب: الحث على طلب العلم (الحديث: ٣٦٤١ و٣٦٤٢).
وأخرجه الترمذي في كتاب: العلم، باب: ما جاء في فضل الفقه على العبادة (الحديث: ٢٦٨٢).
(٢) قوله: (الصحابة) أي أو غيرهم من العلماء. ع

١٨٣
٢٤١ - باب: في فضل العلم
التِّرْمِذِيُّ، وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(١).
١٣٨٨ - وعَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((مَنْ سُئِلَ
عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أَلْجِمَ يَوْمَ الْقِيامَةِ بِلِجامٍ مِنْ نَارِ) رَوَاهُ أَبو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ:
حَدِيثٌ حَسَنٌ(٢).
ألفاظ السنة الراوي لها، كذلك بما ذكر، لأن حفظه للسنة مع أدائها كما سمع سعي في
نضارتها، فكأنه جعل المعنى بذلك غضاً طرياً، بخلاف ما لو أبدلها ولو بمرادف فإنه جعله
مبتذلاً، ألا ترى أنه لو أبدل نضر، بنحو حسن لفاتت الدقيقة المستفادة من نضر، وقس عليه
الباقي. ثم قيل: التقدير من سامع له منه # فيؤخذ منه أنه قد يكون في التابعين من يمتاز
على بعض الصحابة، بكونه أفقه منه وأفهم منه فيما بلغه له عنه روسية، ولا بدع في ذلك فإنه
قد يكون في المفضول مزايا لا تكون في الفاضل (رواه الترمذي وقال: حديث حسن
صحيح) ورواه الدرامي من حديث أبي الدرداء، ورواه الشافعي والبيهقي في المدخل عن
ابن مسعود أيضاً بلفظ «نصر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها فرب حامل فقه غير فقيه
ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)) الحديث ورواه أحمد والترمذي، وأبو داود وابن ماجه
والدرامي والضياء عن زيد بن ثابت. قال في فتح الإله: أعلم أن في تغيير ألفاظ هذين
الحديثين مع اتحادهما في أن كلاً منهما مسوق للحث على تبليغ ما سمعه من غير تغيير
شيء منه، تأييداً لجواز الرواية بالمعنى للعارف بمؤدى الألفاظ والمراد بها، ودلالة على أن
القصد إنما هو أصل المعنى دون المحسنات التي ينتجها باهر بلاغته #، التي لا يصل أحد
إلى معشار عشرها؛ لأن رعاية ذلك متعذرة فيلزم عليها منع الرواية بالمعنى مطلقاً، وفي ذلك
حرج وضياع لكثير من السنة، فاقتضت المصلحة العامة التوسيع للناس في طرق الرواية نظر
إلى أن المقصود أصل المعنى لا غير اهـ.
١٣٨٨ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّر: من سئل عن علم) أي:
شرعي محتاج إليه حالاً (وكتمه) أي: لم يبينه للسائل (ألجم) بالبناء للمفعول (يوم القيامة
بلجام من نار) فيه عظم وعيد كتم العلم الشرعي بشرطه (رواه أبو داود والترمذي وقال:
حديث حسن) ورواه أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم في المستدرك كما في الجامع
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: العلم، باب: ما جاء في الحث على التبليغ السماع، (الحديث: ٢٦٥٨).
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب: العلم، باب: كراهية منع العلم، (الحديث: ٣٦٥٨).
وأخرجه الترمذي في كتاب: العلم، باب: ما جاء في كتمان العلم، (الحديث: ٢٦٤٩).

١٨٤
١١ - كتاب: العلم
١٣٨٩ - وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ تَعَلَّمَ عِلْماً مِمَّا
يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لا يَتَعَلَّمُهُ إِلّ لِيُصيبَ بِهِ عَرِضَاً مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ
الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيامَةِ)): يَعْنِي رِيحَها، رَواهُ أبو داوُدَ بِإِسْنادٍ صَحِيحٍ (١).
الصغير.
١٣٨٩ - (وعنه رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وما يقول: من تعلم علماً مما يبتغى)
بالبناء للمفعول أي: يطلب (به وجه الله عز وجل) يحتمل أن هذا صفة كاشفة؛ لأن الكلام
في العلم المحمود، وذلك الابتغاء لازم له وأنه احتراز عن العلوم التي ليست كذلك؛ لعدم
وجوبها كعلم العروض أو لتحريمها كعلم السحر (لا يتعلمه) جملة حالية من الفاعل أو
المفعول (٢)؛ لتخصصه بالوصف (إلا) استثناء من أعم العلل، أي: لا يطلبه لغرض من
الأغراض إلا (ليصيب به غرضاً) بالمعجمتين أي: شيئاً (من الدنيا) أي: من تمتعاتها وإن
قل، ومعلوم أن قصد هذا ولو مع قصد الآخرة موجب للإِثم، فيحتمل أن التقييد به ليترتب
العقاب الآتي عليه، أو لأن الغالب أن من قصد الدنيا لا يقصد معها الآخرة (لم يجد عرف
الجنة يوم القيامة يعني) أي: النبي ◌َّه بقوله: عرف الجنة، بفتح المهملة وسكون الراء
وبالفاء (ريحها) وهذا كناية عن مباعدته عنها، فقد جاء عند الطبراني: ((وإن عرفها ليوجد من
مسيرة خمسمائة عام)) وعن عدم دخولها إما مطلقاً إن استحل ذلك، لأن حرمة طلب العلم
لذلك مجمع عليها، معلومة من الدين بالضرورة، أو مقيداً بأنه لا يدخلها مع الناجين، أو لا
يجد عرفها في الموقف الذي هو المراد بيوم القيامة حقيقة إن لم يستحل ذلك، وعلى الثالث
فيكون في الحديث إيماء إلى أن من صح قصده في طلب العلم الشرعي يمده الله برائحة
الجنة يوم القيامة، تقوية لقلبه، وإزالة لكربه، بخلاف من لم يكن كذلك، فإنه لمرض قلبه
يصير يوم القيامة كذي مرض بدماغه يمنعه من إدراك الروائح. وفي الحديث إيماء إلى أن من
أخلص في طلبه لله ثم جاءته الدنيا من غير قصدها به لا يضره ذلك (رواه أبو داود بإسناد
صحيح) ورواه أحمد وابن ماجه والحاكم في المستدرك، والبيهقي في الشعب، ورواه
الترمذي من حديث ابن عمر بلفظ ((من تعلم علماً لغير الله فليتبوأ مقعده من النار)) وروى ابن
ماجه من حديث أبي هريرة ((من تعلم العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: العلم، باب: في طلب العلم لغير الله تعالى، (الحديث: ٣٦٦٤).
(٢) لو كانت حالاً من المفعول لكانت حالاً جارية على غير ما هي له. ع

١٨٥
٢٤١ - باب: في فضل العلم
١٣٩٠ - وعَنْ عبدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بنِ الْعاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِوَهِ يَقولُ: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعَاً يَنْزِعُهُ مِنَ النَّاسِ ، ولَكِنْ
يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَماءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمً اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤوساً جُهَّالاً
فَسُئِلُوا فَأَقْتُوا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
به وجوه الناس إليه أدخله الله جهنم)» وجاءت أحاديث في ذلك وهي محمولة على ما تقرر من
حدیث الباب.
١٣٩٠ - (وعن ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله وَ ل يقول: إن
الله لا يقبض) بكسر الموحدة (العلم) أي: في آخر الزمان عند رفعه من الأرض (انتزاعاً)
مفعول مطلق، أي: قبض انتزاع أو تمييز أو حال أي: منتزعاً (ينتزعه من الناس) لأن الله
كريم يستحي أن ينزع السر من أهله (ولكن) استدراك من مفهوم الكلام قبله الموهم لعدم
انتزاعه بالكلية بإثبات طريق انتزاعه بقوله: (يقبض العلم بقبض العلماء) أي: بموتهم متعلق
بمحذوف، أي: ينتزعه بقبضهم، دل عليه ما قبله. وفي التعبير بما ذكر إيماء إلى أنهم
كنوز(٢) مودعة في الأرض لنفع الخلق، فإذا أراد الله رفع تلك الكنوز قبضهم إليه (حتى إذا
لم يبق) بضم التحتية من الإِبقاء (عالماً اتخذ الناس رؤساء) بضمتين جمع رأس كما في
رواية البخاري ومسلم، وهي الأشھر أو بضم ففتح، جمع رئیس (جھالاً) جمع جاهل، نحو
سار وسراء وغاز وغزاء، بالألف الممدودة (فسألوا) بالبناء للمفعول (فأفتوا بغير علم فضلوا)
في أنفسهم لإِفترائهم على الله الكذب (وأضلوا) من استفتاهم. قال في فتح الإِله: فيه غاية
البشرى لأهل العلم، وأن الله أمنهم من سلب ما وهبهم، وغاية التحذير من استفتاء الجاهل
والأخذ بقوله، وغاية الوعيد لمن أفتى بغير علم، والتسجيل عليه بأنه ضال مضل (متفق
عليه) ورواه أحمد والنسائي وابن ماجه.
(١) أخرجه البخاري في كتاب: العلم، باب: كيف يقبض العلم (١٧٤/١).
وأخرجه مسلم في كتاب: العلم، باب: رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان،
(الحديث: ١٣).
(٢) لو قال إلى أن العلوم كنوز مودعة في صدورهم لكان أنسب.

١٢ - كتاب: حمد الله تعالى وشكره
٢٤٢ - باب: في فضل حمد الله تعالى وشكره
قال اللَّهُ تعالى(١): ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى(٢): ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لََّزِيدَنَّكُمْ}
وَقَالَ تَعَالَى (٣): ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾.
کتاب حمد الله تعالى
أي: ما جاء في فضله والحض عليه. وتقدم صدر الكتاب أنه لغة: الثناء باللسان على
الجميل الاختياري على جهة التعظيم، وعرفاً فعل ينبىء عن تعظيم المنعم، لكونه منعماً
على الحامد أو غيره، وأن النسبة بينهما العموم والخصوص الوجهي (وشكره) عطفه على
الحمد قرينة على أن المراد بالحمد الحمد اللغوي، وإلّ فمعنى الحمد العرفي هو معنى
الشكر لغة، أو أن المراد بالشكر معناه العرفي، أي: صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه
لما خلق لأجله، كصرف السمع لسماع الآيات: والنظر للتفكر في المصنوعات، ويصح أن
يراد من كل ما يعم المعنى اللغوي والعرفي وأتى بهما؛ لأن كلاً منهما مطلوب وإن تقاربا
(قال الله تعالى: فاذكروني) أي: بالطاعة أو في الرخاء (أذكركم) بالمغفرة أو في الشدة. وفي
الحديث ((من أطاع الله فقد ذكره وإن لم يذكره بلسانه، ومن عصى الله فقد نسيه وإن ذكره
بلسانه)) أورده الواحدي في الوسيط (واشكرولي) نعمتي (وقال تعالى لئن شكرتم) نعمتي
وأطعتموني (لأزيدنكم) في النعمة. والخطاب وإن كان لبني إسرائيل فهذه الأمة أولى
بالزيادة عند الشكر منهم؛ لفضلها عليهم (وقال تعالى) مخاطباً لنبيه (وقل الحمد لله) حذف
(١) سورة البقرة، الآية: ١٥٢.
(٢) سورة إبراهيم، الآية: ٧.
(٣) سورة الإِسراء، الآية: ١١١.

١٨٧
٢٤٢ - باب: في فضل حمد الله تعالى
وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
١٣٩١ - وعَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيِّ ◌َ﴿ أَتِيَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ
بِقَدَحَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا فَأَخَذَ اللَّبَنَ، فَقالَ جِبْرِيلُ: ((الْحَمْدُ للَّهِ الَّذي
هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ، لَوْ أَخذَّتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢).
باقي القول وهو ﴿وسلام على عباده الذين اصصفى﴾(٣)؛ لعدم تعلقه بالترجمة. وأورد ما
ذكر؛ لأن في الآية دلالة على شرف الحمد، إذ ورد الأمر له بأن يقوله: (وقال تعالى وآخر
دعواهم) أي: في الجنة (أن) أي: أنه (الحمد لله رب العالمين) أي: مالك العالمين، عن
كثير من السلف أن أهل الجنة كلما اشتهوا شيئاً قالوا: سبحانك اللهم، فيأتيهم الملك بما
يشتهون ويسلم عليهم فيردون عليه، وذلك قوله تعالى: ﴿تحيتهم فيها سلام﴾ (٤) فإذا أكلوا
حمدوا الله، وذلك قوله تعالى: ﴿وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾(٥).
١٣٩١ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي وَ ل ﴿ أتى) أي: أتاه جبريل (ليلة أسري به)
وهي ليلة المعراج، وكان قبل الهجرة بثمانية عشر شهراً على أحد الأقوال، وسكت عن
كونه. وقيل: المعراج ببيت المقدس أو بعده عند سدرة المنتهى، وقد جاء في كل رواية
وجمع بتعدد ذلك لأنها كانت ليلة إكرامه وَ ل* (بقدحين) بفتح أوليه (من خمر ولبن) أي
مملوثين أحدهما من خمر والآخر من لبن ولظهور المراد عبر بما ذكر (فنظر إليهما وََّ) أي
وكان خيّر بينهما فألهم ◌َّله اختيار اللبن (فأخذ اللبن فقال جبريل: الحمد لله الذي هداك
للفطرة) قال المصنف: فسروا الفطرة هنا بالإِسلام والاستقامة ومعناه والله أعلم: اخترت
علامة الإِسلام والاستقامة، وجعل اللبن علامة ذلك لكونه سهلاً طيباً طاهراً سائغاً للشاربين
سليم العاقبة، والخمر أم الخبائث جالبة لأنواع من الشر حالاً ومآلا اهـ. (لو أخذت الخمر
غوت أمتك رواه مسلم) ففيه إيماءً إلى التفاؤل بالفأل الحسن.
(١) سورة يونس، الآية: ١٠.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: الإِسراء برسول الله وَ ل﴿ إلى السماوات وفرض الصلوات،
(الحديث: ٢٧٢).
(٣) سورة النمل، الآية: ٥٩.
(٤) سورة إبراهيم، الآية: ٢٣ .
(٥) سورة يونس، الآية: ١٠.
00

١٨٨
١٢ - كتاب: حمد الله تعالى وشكره
١٣٩٢ - وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِنَّهِ قَالَ: ((كلُّ أَمْرِ ذي بَالٍ لا يُبْدَأ
فِيهِ بِالْحَمْدِ للَّهِ فَهُوَ أَقْطَعُ)) حَديثٌ حَسَنَ رَواهُ أَبو داودَ وَغَيْرُهُ(١).
١٣٩٣ - وعَنْ أَبي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلَّ قَالَ: ((إِذَا مَاتَ وَلَدُ
الْعَبْدِ قَالَ اللَّهُ تَعالَى لِمَلائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقولونَ: نَعَمْ، فَيَقولُ: قَبَضْتُمْ
ثَمْرَةَ فُؤَادِهِ؟ فَيَقولونَ: نَعَمْ، فَيَقولُ: فَمَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقولونَ: حَمِدَكَ واسْتَرْجَعَ،
فَيَقولُ اللَّهُ تَعالَى: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ)) رَواهُ التِّرْمِذِيُّ،
١٣٩٢ - (وعنه عن رسول الله وَّ قال: كل أمر ذي بال) أي شأن يهتم به شرعاً (لا يبدأ فيه
بالحمد لله) برفع الحمد على الحكاية فيكون المراد خصوص هذه الجملة أو بالجر فيكون
المراد البدء بما فيه معنى الحمد بأي صيغة كانت (فهو أقطع) أي: ناقص البركة (حديث
حسن) حسنه ابن الصلاح وغيره بل صححه الشرف الدمياطي (رواه أبو داود وغيره) كابن
ماجه والبيهقي في السنن، وقد أطلت الكلام في مخرجي هذا الحديث واختلاف ألفاظ رواته
في أول كتاب الحمد من شرح الأذكار.
١٣٩٣ - (وعن أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله وَ ليل قال: إذا مات ولد العبد) هو
شامل للبالغ وغيره وللذكر وغيره (قال الله تعالى لملائكته: قبضتم) بفتح الموحدة والاستفهام
مقدر فيه أي: أقبضتم وهو استفهام تقريري أو على ظاهره لينبههم على عظم فضل ثواب
الصابر وإلا فهو غني عن الأسئلة لإِحاطة علمه بكل شيء (ولد عبدي فيقولون: نعم) هي
حرف للإعلام لكونها في جواب الاستفهام (فيقول: قبضتم ثمرة فؤاد) بفتح المثلثة والميم
هو كناية عن الولد لكونه بمنزلة خلاصة الخلاصة إذ القلب خلاصة البدن، وخلاصته اللطيفة
المودعة فيه من كمال الإِدراكات والعلوم التي خلق لها وشرف بشرفها، فلشدة شغف هذه
اللطيفة بالولد صار كأنه ثمرتها المقصودة منها، وهو ترق بين به وجه عظمة هذا المصاب
وعظم الصبر عليه مع ذلك، بل ترقي عن مقام الصبر لمقام الحمد (فيقولون: نعم. فيقول:
ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع) أي: قال: إنا لله وإنا إليه راجعون أي: فحقيق
أن من فقد هذه الثمرة الخطيرة ومع ذلك لم يعدها مصيبة من كل وجه بل مصيبة من وجه
فاسترجع، ونعمة من وجه فحمد، أن يقابل بالحمد في تسمية محله به (فيقول الله: ابنوا
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: الهدى في الكلام، (الحديث: ٤٨٤٠).

١٨٩
٢٤٢ - باب: في فضل حمد الله تعالى
وقَالَ: حَديثٌ حَسَنٌ(١).
١٣٩٤ - وعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى
عَنِ الْعَبْدِ يَأْكُلُ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْها، ويَشْرَبُ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(٢).
لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد رواه) أحمد و (الترمذي وقال: حديث حسن) ففيه
كمال فضل الصبر على فقد الصفي، وفي حديث ((ما لعبدي المؤمن إذا قبضت صفيه من
الدنيا فاحتسب إلا الجنة)).
١٣٩٤ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله مَله: إن الله ليرضى عن العبد يأكل
الأكلة) قال المصنف: كما تقدم في باب بيان طرق الخير بفتح الهمزة وهي الغدوة
أو العشوة. اهـ قلت: وبضم الهمزة، معناها اللقمة كما في المصباح (فيحمده) بالرفع
(عليها) أي: لأجلها فعلى هنا مثلها في قوله تعالى: ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم﴾(٣) في
كونها للتعليل (ويشرب الشربة فيحمده عليه رواه مسلم) وتقدم الحديث مشروحاً في الباب
المذكور.
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الجنائز، باب: فضل المصيبة إذا احتسب، (الحديث: ١٠٢١).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة .. ، باب: استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب،
(الحديث: ٨٩).
(٣) سورة البقرة، الآية: ١٨٥.

--- ----
صَلَ الله
وسيلة
١٣ - كتاب: الصلاة على رسول اللـه
٢٤٣ - باب: في فضل الصلاة على رسول اللّه ◌َيّ
قال اللَّهُ تعالى (١): ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا
كتاب الصلاة على رسول الله والي
أي: ما جاء فيها. وتقدم المراد بالصلاة أول الكتاب وهي مخصوصة بالمعصوم من
نبي وملك، وكذا الخضر وإلياس ولقمان ومريم وإن قلنا بعدم نبوتهم فيكره استعمالها في
حق غيرهم إلا تبعاً لهم؛ لأنه في العرف صار شعاراً لذكر الرسل، ولذا كره أن يقال محمد
عز وجل وإن كان عزيزاً جليلاً. قال البيضاوي: وأما حديث ((إن الله وملائكته يصلون على
أصحاب العمائم البيض يوم الجمعة))، وحديث ((كان ◌َّي يصلي على آل أبي أوفى عند
مجيئه بالزكاة))، فأجيب عنه بأن الكراهة بالنسبة إلينا، وأما بالنسبة إليه بل وإلى الملائكة
فهي لهم، فلهم إطلاق ذلك على من شاءوا. وما ذكرنا من أن سائر الأنبياء يصلى عليهم
كنبينا ◌َّرَ هو الصحيح، خلافاً لمن شذ فيه فقال: باختصاصه وَله بها. أخرج ابن أبي عمر
والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة والخطيب عن أنس مرفوعاً ((صلوا على أنبياء الله ورسله
فإن الله بعثهم كما بعثني)) وأخرج الشاشي وابن عساكر عن وائل بن حجر مرفوعاً ((صلوا على
أنبياء الله إذا ذكرتموني فإنهم قد بعثوا كما بعثت)) (قال الله تعالى: إن الله وملائكته يصلون
على النبي) أي: يعتنون بإظهار شرفه وتعظيم شأنه. وأشار ابن هشام الأنصاري إلى أن
الصواب كون الصلاة فيها بمعنى العطف، والعطف بالنسبة إلى الله تعالى الرحمة، وإلى
الملائكة الاستغفار، والعباد دعاء بعضهم لبعض، وقرىء شاذاً وملائكته بالرفع، واستدل بها
الكوفيون على جواز عطف المرفوع على اسم إن قبل استكمال خبرها. والبصريون المانعون
(١) سورة الأحزاب، الآية : ٥٦ .

١٩١
٢٤٣ - باب: في فضل الصلاة على رسول الله (َ﴾
عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾.
١٣٩٥ - وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ
اللَّهِ وَّهِ يَقُولُ: ((مَنْ صَلّى عَلَيَّ صَلاةٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِها عَشْراً)).
منه قدروا لاسم إن وهو لفظ الجلالة خبراً أي: إن الله يصلي وملائكته يصلون فيكون كقول
الشاعر:
عندك راض والرأي مختلف
نحن بما عندنا وأنت بما
(يأيها الذين آمنوا صلوا عليه) اعتنوا أنتم أيضاً فإنكم أولى بذلك، وقولوا: اللهم صلِّ
على محمد (وسلموا تسليماً) أي: قولوا الصلاة والسلام على سيدنا محمد أو انقادوا
لأوامره. والآية قيل: نزلت في شهر شعبان ومن ثم سمي شهر الصلاة عليه محصّ. قيل: في
ثاني سني الهجرة. وقيل: ليلة الإسراء ويؤيد الأول أن السورة مدنية أمر الله تعالى كل مؤمن
بالصلاة والسلام عليه ووطأ قبله بالإِخبار عنه تعالى وعن ملائكته الكرام، بأنهم دائمون على
ذلك وتجديده وقتاً فوقتاً كما اقتضته الجملة الاسمية، باعتبار صدرها المضارعية، باعتبار
عجزها فهي ذات وجهين بعثاً للمؤمنين على الاعتناء وامتثال ذلك الأمر وحثاً لهم على الدوام
والاستمرار عليه؛ ليفوزوا بقربه ويتحفوا بلحظه وإمداده. وأكد السلام بالمصدر؛ ليعادل
الصلاة فإنها مؤكدة بالتصدير بأن وبإعلام الله تعالى أنه يصلي عليه وملائكته بالتقدیم،
وأضيف السلام لنا فقط؛ لأنه بمعنى التحية والانقياد وهو إنما يتأتى فينادون الله وملائكته،
فلو استعمل فيه تعالى وفيهم لأوهم ذلك، وهو محذور بالنسبة إليه تعالى، وغير مقصود
بالنسبة للملائكة في مثل هذا المحل فلا ينافيه قوله تعالى ﴿سلام على إبراهيم﴾(١) ولا قوله
تعالى: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم﴾(٢) (٣) ثم فائدة الصلاة تعود
عليه وَيه بالزيادة على ما هو فيه، لأن الكامل يقبل الكمال وعلى المصلي بالثواب والإِمداد
في الحال والمآب. انتهى ملخصاً من فتح الإِله.
١٣٩٥ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله وَ الر يقول:
من صلى عليّ) أي: بأي صيغة من صيغها (صلاة) أي: واحدة كما يومىء إليه إفرادها
(صلى الله عليه بها) أي: بسببها (عشراً) وهذا زائد على ما أفاده قوله تعالى: ﴿من جاء
(١) سورة الصافات، الآية: ١٠٩.
(٢) سورة الرعد، الآية: ٢٣ .
(٣) أي لأن هاتين الآيتين فيهما قرينة على أن المراد بالسلام التحية فقط بخلاف الآية التي نحن بصددها إذ
يجوز فيها إرادة التحية والانقياد معاً. ع.

١٩٢
١٣ - كتاب: الصلاة على رسول الله الي
رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
١٣٩٦ - وعَنِ ابنِ مَسْعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((أَوْلَى النَّاسِ
بِي يَوْمَ الْقِيامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلاةُ)) رواهُ التِّرْ مِذِيُّ وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ (٢).
١٣٩٧ - وعَنْ أَوْسِ بنِ أَوْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَله: ((إنَّ مِنْ
بالحسنة فله عشر أمثالها﴾(٣) لأن فيه أن الله تعالى يصلي عليه أي: يذكره وذكر الله أكبر،
وقد بسطت الكلام في هذا الحديث في باب إجابة المؤذن من شرح الأذكار (رواه مسلم) في
الجامع الصغير بعد ذكر الحديث باللفظ المذكور ما لفظه رواه، أحمد ومسلم والنسائي من
حديث أبي هريرة، وزاد في الجامع الكبير: ورواه الترمذي وابن حبان، ورواه بهذا اللفظ
الطبراني عن أنس وعن أبي طلحة، ورواه الطبراني أيضاً عن ابن عمر، ورواه أيضاً عن
أبي موسى بلفظ ((صلى الله عليه عشر صلوات وحط عنه عشر خطيئات، ورفع له عشر
درجات)) وقال: رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد، وأبو داود والحاكم في المستدرك
من حديث أنس، وزاد في الكبير فذكر فيمن خرجه بهذا الأخير أبو يعلى الموصلي
وابن حبان والبيهقي في الشعب.
١٣٩٦ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله وَ ير قال: أولى الناس بي) أي: قرباً
أو شفاعة أي: أخص أمتي بي وأقربهم مني وأحقهم بشفاعتي (يوم القيامة) فأولى من الولي
أي: القرب ضمن معنى الاختصاص فعدي بالباء (أكثرهم عليّ صلاة. رواه الترمذي) ورواه
البخاري في التاريخ وابن ماجه وابن حبان كما في الجامع الصغير (وقال) أي: الترمذي
(حديث حسن) غريب؛ لأن في سنده موسى بن يعقوب الربيعي قال الدارقطني : إنه تفرد
به، وقال النسائي: إنه ليس بالقوي، لكن وثقه يحيى بن معين وأبو داود وابن حبان
وابن عدي وجماعة. وفي رواية عن أنس ((إن أقربكم مني يوم القيامة في كل موطن، أكثركم
عليّ صلاة في الدنيا)) الحديث رواه البيهقي بسند ضعيف وكذا رواه آخرون.
١٣٩٧ - (وعن أوس ابن أوس) بفتح الهمزة وسكون الواو وبالمهملة في كلها. وقد تقدمت
· (١) أخرجه مسلم في كتاب: الصلاة، باب: استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه ... ، (الحديث:
٨٩).
(٢) أخرجه الترمذي في كتاب: الصلاة/ الوتر، باب: ما جاء في فضل الصلاة على النبي ◌َّر، (الحديث:
٤٨٤).
(٣) سورة الأنعام، الآية: ١٦٠.

١٩٣
٢٤٣ - باب: في فضل الصلاة على رسول الله الخالق
أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلاةِ فِيهِ فَإِنَّ صَلاتَكُمْ مَعْروضَةٌ
عَلَيَّ)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلاَتُنا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرِمْتَ؟ (قَالَ: يَقولُ
بليت).
ترجمته (رضي الله عنه) في باب فضل الجمعة عند ذكر أول هذا الحديث إلى قوله عليّ
(قال: قال رسول الله وَ له: إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة) أتى بمن تنبيهاً على أنه ليس
أفضلها، بل أفضل أيام السنة من حيث الأيام يوم عرفة؛ لما جاء أنه سيد الأيام وأفضل
الأسبوع يوم الجمعة، ومن حيث الشهر شهر رمضان، وفرع على فضل يوم الجمعة قوله:
(فأكثروا علي من الصلاة فيه) وذلك لنمو ثواب العمل بشرف زمانه أو مكانه (فإن صلاتكم
معروضة علي) يعرضها عليه ملائكة موكلون بذلك كما ورد في حديث ابن مسعود مرفوعا
((أن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام)) رواه أحمد وأبو داود والبيهقي
في الدعوات الكبير. وهذا فيمن صلى عليه من بعد. أما من صلى عليه عند قبره الشريف
فيسمعه كما جاء في حديث أبي هريرة مرفوعاً ((من صلى عليّ عند قبري سمعته ومن صلى
علي نائياً بلغته)) رواه البيهقي في الشعب (قالوا: يا رسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك
وقد أرمت) بفتحتين فسكون ففتح أصله أرممت، أي: صرت رميماً حذفت إحدى ميميه،
وهي لغة لبعض العرب كما يقال ظلت في ظللت، أو بضم الهمزة والراء مضمومة أو
مكسورة، والميم مشددة وإسكان التاء أي: أرمت العظام (قال) أي: الراوي (يقول) كذا في
نسخ الرياض بالإفراد والذي في أبي داود يقولون بضمير الجمع، أي: يعنون بقولهم: أرمت
(بليت) قال ابن رسلان: أصل هذه الكلمة من رم الميت إذا بلي، وقاعدة التصريف تقتضي
في مثله أرممت بميمين ثانيتهما ساكنة، لملاقاتها ضمير الرفع المتحرك، لكن الذي جاء في
الرواية ميم واحدة فإن صحت الرواية ولم تكن محرفة خرج على لغة بعض العرب كما
تقدم، فإن الخليل زعم أن ناساً من بني وائل يقولون: ردت وردت يعني بتشديد الدال
والتاء (١) للمتكلم والمخاطب كأنهم قدروا الإدغام قبل دخول التاء، فيكون لفظ الحديث
أرمت بتشديد الميم وفتح التاء اهـ ملخصاً. وتحصل فيه ثلاثة أوجه(٢) أشهرها أولها وهو أنه
(١) قوله: والتاء أي المتحركة بلا تشديد. ع
(٢) بل أربعة ولعله اعتبر الثاني والثالث وجها واحداً وذكر ابن حجر في الدر المنصود ثلاثة أوجه الأول
كالأول هنا والثاني بفتحتين فتشديد فسكون ولم يذكره الشارح والثالث كالثالث هنا.

١٩٤
١٣ - كتاب: الصلاة على رسول الله ول
قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلى الْأَرْضِ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ)) رواهُ أَبو داودَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ(١).
١٣٩٨ - وعَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((رَغِمَ أَنْفُ
رُجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ)) رواهُ التِّرْمِذِيُّ، وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ(٢).
بوزن ضرب كما في النهاية وضبطه بذلك المنذري (٣) (قال) أي: النبي ◌َّ (إن الله حرم
على الأرض) أن تأكل كما في رواية النسائي (أجساد الأنبياء) عليهم الصلاة والسلام لأنهم
أحياء في قبورهم؛ ولذا لا تكره الصلاة في مقابرهم؛ لانتفاء علة الكراهة وهي محاذاة
النجاسة (رواه أبو داود بإسناد صحيح) ورواه أحمد وابن أبي عاصم والبيهقي في عدة من
كتبه، والنسائي وابن ماجه في سننهما؛ والطبراني في معجمه، وابن خزيمة وابن حبان
والحاكم في صحاحهم. وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري، وكذا صححه
المصنف في الأذكار، وأشار إليه هنا، وقال الحافظ عبد الغني: هذا حديث صحيح،
والمنذري أنه حسن، وقال ابن دحية: إنه صحيح محفوظ بنقل العدل عن العدل،
والاعتراض عليهم بأن فيه علة خفية مردود بأنه سالم منها كما بينه الدارقطني، فقول
أبي حاتم أنه منكر، وابن العربي أنه لم يثبت، وابن أبي الصيف اليمني أنه غريب، مردود
بما ذكرت، كذا في فتح الإِله.
١٣٩٨ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وح ◌ّ رغم) بكسر الغين
المعجمة، أي: لصق بالرغام أي: التراب، وهو كناية عن الذل والحقارة أي: ذل (أنف
رجل) والمرأة كذلك (ذكرت عنده فلم يصل علي) أخذ منه بعض الحنفية، وابن عبد البر من
المالكية، وابن بطة من الحنابلة. وجوب الصلاة عليه ي چو كلما ذكر (رواه الترمذي وقال:
حديث حسن) وهو صدر حديث وتمامه ((ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل
أن يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة)). ورواه الحاكم في
المستدرك، وسكت المصنف عن باقي الحديث لعدم تعلقه بغرض الترجمة كما تقدم
نظيره .
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: فضل الجمعة وليلة الجمعة، (الحديث: ١٠٤٧).
(٢) أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات، باب: قول رسول الله وَليّ: ((رغم أنف رجل))، (الحديث:
٣٥٤٥).
(٣) قد ضبطه المنذري في الترغيب والترهيب بالوجه الأول فلعل ضبطه المذكور في شرحه لسنن أبي داود.

١٩٥
٢٤٣ - باب: في فضل الصلاة على رسول الله احلاه
١٣٩٩ - وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لا تَجْعَلُوا قَبْري عِيداً،
وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ)) رواهُ أبو داوُدَ بِإِسْنادٍ صَحِيحٍ (١).
١٤٠٠ _ وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ قَالَ: ((مَا مِنْ أَحَدٍ يُسْلِّمُ عَلَيَّ إِلَّ
رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوچِي
١٣٩٩ - (وعنه قال: قال رسول الله وقالله: لا تجعلوا قبري عيداً) قال التوربشتي: إذا فسرنا
العيد بواحد الأعياد ففي الحديث مضاف، أي: لا تجعلوا زيارة قبري عيداً أو لا تجعلوا
قبري مظهر عيدٍ، ومعناه: النهي عن الاجتماع لزيارته ﴿ اجتماعهم للعيد، إذ هو يوم
رخص لهم فيه اللهو واتخاذ الزينة ويبرزون فيه للنزهة وإظهار السرور، وكان أهل الكتاب
يسلكون ذلك في زيارة قبور أنبيائهم حتى ضرب الله على قلوبهم حجاب الغفلة واتبعوا سنن
أهل الأوثان في زيارة طواغيتهم، فاتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ولذا قال عليه الصلاة
والسلام: ((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم
مساجد)) ويحتمل أنه اسم من الاعتياد، والعيد ما اعتادك من هم أو غيره. أي: لا تجعلوه
محل اعتياد تعتادونه، أو إنما نهاهم لما ذكر في الوجه قبله، ولئلا يسلكوا مسلك العادة في
العبادة، ولئلا يشتغلوا بذلك عما هو الأصلح لدينهم والأهم في وقتهم، ولأن اعتياده يفضي
بالأكثرين إلى إضاعة الوقت وسوء الأدب والتعرض لما ينتهي بهم إلى حال يرتفع دونها
حجاب الحشمة، ويؤيد هذين التأويلين تعقيبه لهما بقوله: (وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني
حيث كنتم) أي: لا تتكلفوا المعاودة إليه فقد استغنيتم عنها بالصلاة على اهـ ملخصاً.
وحاصله أن المنهي عنه على الأول: الاجتماع عند قبره للزينة والرقص واللهو والطرب
وغيرها، من المحرمات التي تعمل في الأعياد. وعلى الثاني المنهي عنه معاودة تؤدي إلى
الإِخلال لعظيم الحرمة، أو الملل أو سوء الأدب أو نحو ذلك. وذكر بعض العلماء للحديث
معنی آخر فقال: أي لا تتخذوه کالعید الذي لا يؤتى إليه إلا مرتین في العام، فیکون فیه حث
على إكثار زيارته، والتملي بمحادثته ومخاطبته، أي على وجه لا يؤدي لما ذكر فيما قبله
(رواه أبو داود بإسناد صحيح) ورواه أحمد والنسائي، وصححه المصنف في الأذكار وأشار
إليه هنا.
١٤٠٠ _ (وعنه أن رسول الله وسلم قال ما من أحد) أي: من مكلفي الإِنس والجن ويحتمل
قصره على الأول (يسلم عليّ إلا رد الله عليّ روحي) أي: نطقي، للنصوص والإِجماع على
(١): أخرجه أبو داود في كتاب: المناسك، باب: زيارة القبور، (الحديث: ٢٠٤٢).

١٩٦
١٣ - كتاب: الصلاة على رسول الله والخ
حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ)) رَواهُ أَبُو داوُدَ بِإِسْنادٍ صَحِيحٍ (١).
١٤٠١ - وعَنْ عَلَيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((الْبَخيلُ مَنْ ذُكِرْتُ
عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ)) رواهُ التِّرْمِذِيُّ، وقَالَ: حَدِيثٌ.
أنه وسّ حي في قبره على الدوام (حتى أرد عليه السلام) وعلاقة التجوز بالروح عن النطق ما
بينهما من التلازم، إذ يلزم من وجوده وجودها دائماً وبالعكس بالقوة دائماً وبالفعل غالباً،
وفي الحديث أقوال كثيرة منها قول السبكي: يحتمل أنه رد معنوي لاشتغال روحه الشريفة
بشهود الحضرة الإِلِهية والملأ الأعلى عن هذا العالم، فإذا سلم عليه أقبلت روحه الشريفة
إلى هذا العالم ليدرك سلام من يسلم عليه وليرد عليه ((واعترض)» بأنه يلزم استغراق روحه في
الرد لعدم خلو الزمن عن مسلم عليه، فأي وقت للاشتغال بالحضرة وللعود إلى هذا العالم.
وأجيب بأن أمور الآخرة لا تدرك بالعقل، وأحوال البرزخ بأحوال (٢) الآخرة. والحاصل أن
روحه المقدسة كانت مستغرقة في شهود الحضرة الإِلّهية، لكنها عند السلام عليه ترد من
تلك الحال للرد على المسلم عليه من غير أن تشتغل عما كانت فيه، ولا بعد في ذلك فإنه
شأنه وعادته في الدنيا مع ضيقها بالنسبة لأحوال البرزخ، وقد بسط الكلام في معنى الحديث
الحافظ السيوطي في حاشيته على سنن أبي داود بل أفرد لذلك جزءاً (رواه أبو داود بإسناد
صحيح) ورواه أحمد والبيهقي في الدعوات الكبير والطبراني، وأبو اليمن ابن عساكر،
وسنده حسن، بل صححه المصنف في الأذكار وهنا.
١٤٠١ - (وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّة: البخيل) أي: كامل البخل كما
يدل عليه رواية: البخيل كل البخيل (من ذكرت عنده فلم يصل عليّ) لأنه بامتناعه من
الصلاة عليه قد شح وامتنع من أداء حق يتعين عليه أداؤه امتثالاً للأمر، ولما فيه من مكافأة
جزئية لمن كان سبباً في سعادته الأبدية، بل في الحقيقة إنما شح وبخل عن نفسه، ومنعها
أن يصل إليها عطاء عظيم ممن يعطي بلا حساب ولا تنقص خزائنه بالعطاء، فبهذا الشح
تفوته تلك الكنوز التي لولاه لكان يكتالها بالمكيال الأوفى من غير أدنى مشقة، فلا أبخل من
هذا كما يومىء إليه حديث ((ليس البخيل من يبخل بمال نفسه ولكن البخيل من يبخل بمال
غيره)) وأبلغ منه من أبغض الجود حتى يجب أن لا يجاد عليه (رواه الترمذي وقال: حديث
(١) أخرجه أبو داود ي كتاب: المناسك، باب: زيارة القبور، (الحديث: ٢٠٤١).
(٢) لعله كاحوال أو من أحوال. ع

١٩٧
٢٤٣ - باب: في فضل الصلاة على رسول الله عَليه
حَسَنٌ صَحِيحٌ(١)
١٤٠٢ - وعَنْ فَضالَةَ بنِ عُبَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ وَ رَجُلًا
يَذْعو في صَلاتِهِ لَمْ يَحْمِدِ اللَّهَ تَعالَى وَلَمْ يُصَلِّ عَلى النَّبِيِّ وَ﴿ِ، فَقالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((عَجِلَ هَذَا)) ثُمَّ دَعاهُ فَقَالَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ: ((إذَا صَلّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ
بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ سُبْحانَهُ والثَّنَاءِ عَلَيْهِ، .
حسن صحيح) ورواه أحمد والنسائي والبيهقي وابن أبي عاصم والطبراني وابن حبان
وصححه، وروي من حديث الحسين بالتصغير ابن علي رضي الله عنهما: ورواه جمع عن
الحسن مكبراً بلفظ ((بحسب امرىء من البخل أن أذكر عنده فلم يصل عليّ)» طرق هذا
الحديث مستكثرة جداً، وممن روي عنه أنس وجابر وأبو هريرة. قال بعض الحفاظ:
وبالجملة فلا يقصر هذا الحديث عن درجة الحسن، وفي رواية رجالها ثقات ((كفى شحاً أن
أذكر عند رجل فلا يصلي عليّ وأصل البخل إمساك شيء عن مستحقة، وهو لا يستحق
على أمته أن يصلوا عليه، فمن أمسك منهم عنها كان أشر الممسكين وأشح البخلاء
المحرومين، فيخشى عليه المقت والبوار أجارنا الله من ذلك.
١٤٠٢ - (وعن فضالة) بفتح الفاء والضاد المعجمة واللام المخففة (ابن عبيد) بصيغة
التصغير، ابن نافذ بن قيس الأنصاري الأوسي تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في كتاب
الجهاد (قال: سمع رسول الله ير رجلا يدعوه في صلاته) أي: ذات الأركان في أثنائها أو
بعدها، فيكون ثمة مضاف وجاء تعين دعائه في رواية فقال ((اللهم اغفر لي وارحمني)) رواه
الترمذي (ولم يحمد الله تعالى ولم يصل على النبي ◌َّيلة) جملة حالية من فعل يدعو والثانية
معطوفة. وفي الحديث إيماء إلى أن بدء الدعاء بالحمد لله والصلاة على نبيه ◌َ ر أمر معروف
مألوف فصار تركه مما ينكر (فقال رسول الله (يسار: عجل هذا) بكسر الجيم أي: استعجل ولم
يقدم الحمد والصلاة قبل الدعاء (ثم دعاه فقال) مخاطباً (له أو) شك من الراوي في أن
الخطاب له أو (لغيره إذا صلى أحدكم) أي: إذا أراد أن يدعو الواحد منكم (فليبدأ بتحميد
ربه سبحانه) عدل إليه عن حمد ربه للحث على المبالغة والتكثير، الذي هو مقتضى الصيغة
(والثناء عليه) من عطف العام على الخاص، أو الأول الثناء بالأوصاف الثبوتية، والثاني
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات، باب: قول رسول الله ((رغم أنف رجل))، (الحديث:
٣٥٤٦)

١٩٨
١٣ _ كتاب: الصلاة على رسول الله الخ
ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِّي وَ، ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِما شَاءَ) رَواهُ أَبو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ:
حَدِيثٌ صَحِيحٌ(١).
١٤٠٣ _ وعَنْ أَبي مُحَمَّدٍ كَعْبٍ بِنِ عُجْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنا
النَّبِيُّ وَّهِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنا ◌َيْفَ نُسَلّمُ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟
قَالَ: ((قُولوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كما صَلَّيْتَ عَلى آلِ إِبْراهِيمَ
تنزيهه عما لا يليق به (ثم يصلي على النبي ◌َّلة) بالرفع خبر لمبتدأ محذوف والجملة معطوفة
على ما قبلها، وخالف بين لفظي الجملتين لتفاوت رتبتي مضمونهما من الثناء على الخالق
والدعاء لأفضل الخلق (ثم يدعو بعد) بالضم، أي: بعدما ذكر من الحمد والصلاة بأي
صيغة كانا (بما شاء. رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح) وكذا صححه
ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وقال: هو على شرط مسلم: وفي موضع آخر هو على
شرطهما أي: الشيخين، ولا أعرف له علة، ورواه النسائي بنحوه.
١٤٠٣ - (وعن أبي محمد) كنية (كعب بن عجرة) بضم المهملة وسكون الجيم وبالراء قاله
المصنف في التهذيب (رضي الله عنه) في التهذيب أيضاً: عجرة بن أمية بن عدي بن
عبيد بن الحارث بن عمرو بن عوف بن غنم بن سواد بن مري بن أراشة بن عامر بن غيلة بن
قسميل بن قراد بن علي (٢)، حليف الأنصار اختلف في كنيته فقيل ما تقدم، وقيل: أبو
عبد الله، وقيل: أبو إسحاق تأخر إسلامه، وشهد بيعة الرضوان وغيرها، روي له عن
رسول الله وَّ سبعة وأربعون حديثاً اتفقا منها على حديثين وانفرد مسلم بآخر، سكن
الكوفة، وتوفي بالمدنية سنة إحدى وقيل: اثنتين، وقيل: ثلاث وخمسين، وله سبع
وسبعون، وقيل: خمس وسبعون سنة انتهى ملخصاً (قال: خرج علينا رسول الله وَل﴿ فقلنا:
يا رسول الله قد علمنا) أي: عرفنا (كيف نسلم عليك) أي: بما علمهم في التشهد من
قولهم: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته (فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا اللهم
صل على محمد) أي: ارحمه رحمة مقرونة بتعظيم لائق بمقامه الذي لا يعلمه إلا أنت
(وعلى آل محمد) يحتمل أن يراد بهم من تحرم عليهم الصدقة الواجبة من أقاربه المؤمنين
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: الدعاء، (الحديث: ١٤٨١).
وأخرحه الترمذي في كتاب: الدعوات، [باب: ٦٥]، (الحديث: ٣٤٧٦).
(٢)، وفي نسخة بلى.

١٩٩
٢٤٣ _ باب: في فضل الصلاة على رسول اللهِ وَل
إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجيدً، اللَّهُمَّ بارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كما بَارَكْتَ عَلى
آلِ إِبْراهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
١٤٠٤ _ وعَنْ أَبي مَسْعودٍ الْبَدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَتَانَا رَسُولَ اللَّهِ وَه
ونَحْنُ فِي مَجْلِسٍ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةً فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بنُ سَعْدٍ: أَمَرَنا اللَّهُ أَنْ نُصَلِّي عَلَيْكَ
يا رسُولَ اللَّهِ .
من بني هاشم وبني المطلب، وأن يراد بهم أمة الإِجابة .
والأول: أقرب إلى السياق.
والثاني: أنسب بالعموم الأتم (كما صليت على إبراهيم) في هذا التشبيه وجوه كثيرة
نحو العشرين أودعتها في شرح الأذكار أقربها أنه من باب التوسل إلى الفضل بالفضل، أي :
تفضل على حبيبك وخليلك، كما تفضلت على خليك. ولاشك أن تفضله على الخليل
سابق في عالم الشهادة، على تفضله على الحبيب الخليل صلى الله وسلم عليهما (إنك
حميد مجيد) بكسر الهمزة، على الاستئناف وبفتحها، بتقدير لام التعليل قبلها، أي: لأنك
أهل الثناء والمجد أي: إن العظمة تستحقها بالذات (اللهم بارك) من البركة، وهي الزيادة
والنماء وصيغة المفاعلة للمبالغة (على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم) وفي
نسخة زيادة آل بين الجار والمجرور (أنك حميد مجيد) فصل هذه الجملة الدعائية عن
الجملة قبلها إعلاماً بأن كلاً من المدعو به فيهما مقصود لذاته (متفق عليه) رواه البخاري في
الصلاة وفي الدعوات وفي التفسير، ورواه مسلم في الصلاة، وأبو داود والترمذي والنسائي
وابن ماجه كلهم في الصلاة، وقال الترمذي: حسن صحيح .
١٤٠٤ _ (وعن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: أتانا رسول الله وَله ونحن في مجلس
سعد بن عبادة) جملة حالية من مفعول أتى (فقال له بشير) بفتح الموحدة وكسر المعجمة
(ابن سعد)(٢) الأنصاري الخزرجي (أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله) أي: بقوله ﴿یا
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأنبياء [باب: ١٠]، (الحديث: ٣٣٧٠) بنحوه وفي التفسير، باب: إن الله
وملائكته، (الحديث: ٤٧٩٧). وفي الدعوات، باب: الصلاة على النبي ◌َّة، (الحديث: ٦٣٥٧).
وأخرجه مسلم في كتاب: الصلاة، باب: الصلاة على النبي ◌َ ◌ّ بعد التشهد، (الحديث: ٦٦ و ٦٧
و ٦٨).
(٢) هو بشير بن سعد بن ثعلبة وليس هو ابن سعد بن عبادة.

٢٠٠
١٣ - كتاب: الصلاة على رسول الله اَلر
فَكَيْفَ نَصَلّي عَلَيْكَ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ بَلَ حَتَّى تَمَنَّْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ، ثُمَّ قَالَ
رَسُولُ اللّهِ وَالَ: ((قُولوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ
عَلَى آلِ إِبْراهِيمَ، وبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كما بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْراهِيمَ إِنَّكَ
حَمِيدٌ مَجيدٌ، وَالسَّلامُ كما قَدْ عَلَّمْتُمْ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
١٤٠٥ _ وعَنْ أَبي حُمَيْدِ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالوا: يا رَسُولَ اللَّهِ
أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً﴾(٢) (فكيف نصلي عليك) لنخرج من عهدة
الواجب به(٣) (فسكت رسول الله وَ ير حتى) غاية لمقدر أي: وأطال سكوته حتى تمنينا (أنه
لم يسأله) شفقة لما رأوه منه حالتئذ، وسكوته يحتمل أن يكون لإنتظار وحي وأن يكون
الاجتهاد (ثم قال رسول الله وَلثر: قولوا اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت
على إبراهيم) من جملة وجوه التشبيه السابق الإشارة إليها، وهو من أقربها أن التشبيه للصلاة
على الآل بالصلاة على إبراهيم، فيكون على أصل كون المشبه به أعلى من المشبه في وجه
التشبيه (وبارك على محمد وعلى آل محمد) أي: بركة مبالغاً فيها كما تومىء إليه الصيغة
(كما باركت على إبراهيم) وفي نسخة بزيادة آل، وآله إسماعيل وإسحاق وأولادهما (إنك
حميد) أي: محمود وعدل عنها إلى ذكره لما فيه من المبالغة إذ هو من صيغها (مجيد
والسلام) أي: المأمور به بقوله تعالى: ﴿وسلموا تسليماً﴾ (٢) (كما قد علمتم) بضم المهملة
وتشديد اللام المكسورة، أي: علمكم الله بقوله: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله
وبركاته). وبفتح أوله وكسر ثانيه، وهو ما أشير إليه بقولهم في حديث كعب بن عجرة ((قد
علمنا كيف نسلم عليك)) (رواه مسلم) في كتاب الصلاة من صحيحه. ورواه أبو داود فيها،
والترمذي في التفسير من جامعه. وقال: حسن صحيح، والنسائي في الصلاة، وفي اليوم
والليلة
١٤٠٥ - (وعن أبي حميد) بضم المهملة وفتح الميم وسكون التحتية (الساعدي) نسبة لبني
ساعدة بطن من الأنصار تقدمت ترجمته (رضى الله عنه) في باب تحريم الظلم (قال: قالوا :
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الصلاة، باب: الصلاة على النبى ◌َ بعد التشهد، (الحديث: ٦٥)
(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٥٦
(٣) أي بالأمير.