النص المفهرس
صفحات 141-160
١ ٢٣٤ - باب: في فضل الجهاد الْغَزْوِ بَعْدَ فَراغِهِ، ومَعْنَاهُ أَنَّهُ يُثابُ فِي رُجوعِهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْغَزْوِ (١) ١٣٤٥ - وعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ◌َ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوَكَ تَلَقَّاهُ النَّاسُ، فَلَقِيتُهُ مَعَ الصِّبْيانِ عَلَى ثَنِيّةِ الْوَدَاعِ. رواهُ أَبو داوُدَ بِإِسْنادٍ ثانيهما: أنهم إذا انصرفوا ظاهرين لم يأمنوا أن يقفو العدو أثرهم فيوقعوا بهم وهم غارون، فربما استظهر الجيش أو بعضهم بالرجوع على أدراجهم، فإن كان من العدو طلب كانوا مستعدين للقائهم، وإلا فقد سلموا وأحرزوا ما معهم من الغنيمة، وقيل: يحتمل أن يكون عن قوم قفلوا لخوفهم أن يدهمهم من عدوهم من هو أكبر منهم عدداً، وقفلوا يستضيفوا إليهم عدداً آخر من أصحابهم، ثم يكروا على عدوهم. اهـ والمعنى الأول مذكور في الأصل (رواه أبو داود بإسناد جيد) ورواه أحمد والحاكم في المسند، كما في الجامع الصغير (القفلة: الرجوع) فيه تجوز والمراد أنها المرة منه وإلا فالرجوع هو المقفول. في المصباح: قفل من سفره قفولاً من باب رجع، والاسم القفل بفتحتين (والمراد الرجوع من الغزو بعد فراغه ومعناه) أي: ومعنى الحديث بجملته (أنه يثاب في رجوعه بعد فراغه من الغزو) كما يثاب في ذهابه إليه لما في القفول من المعاني السابقة الداعية للإِثابة. ١٣٤٥ - (وعن السائب بن يزيد) بفتح التحتية الأولى وسكون الثانية وكسر الزاي بينهما تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في كتاب الحج (قال: لما قدم النبي ◌َّ من غزوة تبوك) بمنع الصرف على الأرجح للعلمية والتأنيث المعنوي (تلقاه الناس) أي: المتخلفون بالمدينة من المنذرين والمنافقين (فلقيته مع الصبيان) بكسر الصاد المهملة وضمها جمع صبي أي الغلمان قبل البلوغ (على ثنية الوداع) محل بقرب المدينة وهو بفتح الواو، وسميت بذلك لأن المسافر كان يودع عندها ويشيع إليها قاله في القاموس، والوداع بفتح الواو، اسم مصدر ودع، والظرف تنازعه كل من الفعلين قبله والأولى إعمال الثاني وإلّ لأعيد الظرف، وقيل: عليها (رواه أبو داود) أواخر كتاب الجهاد من سننه (بهذا اللفظ ورواه البخاري) من حديث السائب (قال: ذهبنا نتلقى رسول الله ( مع الصبيان إلى ثنية الوداع) قال العيني: هي هنا من جهة تبوك، وفي غيره يحتمل أن تكون الثنيّة التي من كل جهة يصل إليها المشيعون تسمى ثنية الوداع، والثنية طريق العقبة. وحكى صاحب المحكم في الثنية أقوالاً فقال: والثنية الطريق في الجبل كالنقب، وقيل: الطريق إلى الجبل، وقيل: هي العقبة، وقيل: (١) أخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد، باب: في فضل القَفْل في سبيل الله تعالى، (الحديث: ٢٤٨٧). ١٤٢ ١٠ - كتاب: الجهاد صَحِيحٍ بِهِذَا اللَّفْظِ. وَرَواه الْبُخَارِيُّ قَالَ: ذَهَبْنا نَتَلَقِّى رَسُولَ اللَّهِ وَ مَعَ الصِّبْيَانِ إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ (١). ١٣٤٦ - وعَنْ أَبي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((مَنْ لَمْ يَغْزُ أَوْ يُجَهِّزْ غَازِياً أوْ يَخْلُفْ غَازِياً في أَهْلِهِ بِخَيْرِ أَصَابَهُ اللَّهُ بِقارِعَةٍ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ)) رواهُ أَبُو داوُدَ بِإِسْنادٍ صَحيحٍ (٢). ١٣٤٧ - وعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ)) رواهُ أبو داوُدَ بِإِسْنادٍ صَحِيحٍ (٣). الجبل نفسه، وقال الداودي: ثنية الوداع من جهة مكة وتبوك من الشام مقابلتها كالمشرق من المغرب، إلا أن تكون ثنية أخرى في تلك الجهة. قال: والثنية الطريق في الجبل، ورد عليه صاحب التوضيح بقوله وليس كذلك إنما الثنية. ما ارتفع من الأرض. قلت كأن هذا ما اطلع على ما قاله صاحب المحكم فلذا أسرع بالرد. اهـ. ١٣٤٦ - (وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي ◌ّير قال: من لم يغز) أي: بالخروجِ له (أو يجهز غازياً) أي: يهيء له أسباب سفره (أو يخلف) بفتح التحتية وضم اللام (غازياً في أهله بخير) أي: يكون قائماً عنه بمصالحهم (أصابه الله بقارعة) أي: داهية تقرعه وتقلقه (قبل يوم القيامة) أشار إلى تعجيلها (رواه أبو داود) في الجهاد (بإسناد صحيح) ورواه الدارمي وابن ماجه والطبراني والدارقطني والموصلي، كذا في الجامع الكبير. ١٣٤٧ - (وعن أنس رضي الله عنه أن النبي ◌َّ قال: جاهدوا المشركين بأموالكم) بأن تنفقوها في عدد الحرب وآلاته من خيل وكراع وسلاح (وأنفسكم) بأن تقاتلوهم (وألسنتكم) بأن تقرعوهم بكفرهم وتوبخوهم بشركهم، أو بإقامة الحجة على ضلالهم وبطلان أعمالهم (رواه أبو داود بإسناد صحيح) ورواه أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم في المستدرك، كذا في الجامع الصغير. (١) أخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد، باب: في التلقي، (الحديث: ٢٧٧٩). وأخرجه البخاري في أول باب من كتاب النبي ◌َّه إلى كسرى وقيصر (١٣٣/٦). (٢) أخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد، باب: كراهية ترك الغزو، (الحديث: ٢٥٠٣). (٣) أخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد، باب: كراهية ترك الغزو، (الحديث: ٢٥٠٤). ١٤٣ ٢٣٤ - باب: في فضل الجهاد ١٣٤٨ - وعَنْ أَبي عَمْرِو، ويُقالُ أَبُو حَكِيمٍ ، النُّعْمانِ بنِ مُقَرِّنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: شَهِدْتُ رسولَ اللّهِ وَ﴿ إِذَا لَمْ يُقاتِلْ مِنْ أَوَّلِ النَّهارِ أَخَّرَ الْقِتالَ حَتَّى تَزولَ الشَّمْسُ وتَهُبَّ الرِّياحُ ويَنْزِلَ النَّصْرُ. رَواهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(١). ١٣٤٩ - وعَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا)) ١٣٤٨ - (وعن أبي عمرو) بفتح العين (ويقال أبو حكيم) بفتح المهملة وكسر الكاف (النعمان بن مقرن) بضم الميم وفتح القاف وتشديد الراء وبالنون، أخره ابن عائد المزني أحد الأخوة السبعة الذين هاجروا معاً إلى النبي وَ لّ (رضي الله عنه) صحابي مشهور، استشهد بنهاوند سنة إحدى وعشرين، ووهم من زعم أنه النعمان بن عمرو بن مقرن، فذاك آخر هو ابن أخي هذا، وهو تابعي، وهذا الصحابي أخرج له أصحاب الكتب الستة، كذا في التقريب للحافظ، روي له عن رسول الله و الله ستة أحاديث، انفرد البخاري بحديث منها ومسلم بآخر (قال: شهدت مع رسول الله وَّ إذا لم يقاتل من أول النهار) حال برد الصبح، وهبوب نسماته (آخر القتال حتى تزول الشمس) من كبد السماء إلى جرة المغرب (وتهب الرياح وينزل النصر) وذلك ليبرد الوقت، ويسهل لبس السلاح على المقاتلة، وعلى الخيل الكر والفر، ويكون مع ذلك النصر بالتأييد الإِلهي (وراه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح) قال ابن رسلان: وحربه عند هبوب الرياح استبشار بما نصره الله من الرياح، وهذا مفهوم من قوله ((نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور)) ويرجو أن يهلك الله أعاديه بالدبور، كما أهلك عاداً بها، ونصر بالصبا. وعند البخاري: وتهب رياح النصر، وفي رواية: ويحضر الصلوات أوقاتها، فأوقاتها أفضل الأوقات ويستجاب فيها الدعاء. ١٣٤٩ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ لقر: لا تتمنوا لقاء العدو) لئلا تفتتنوا عند لقائهم (فإذا لقيتموهم) أي: إذا لقوكم لا عن طلب منكم، وتعرض له (فاصبروا) أي: فأنتم حينئذ معانون، لأنكم مبتلون، وقريب منه حديث ((لا تطلب الإِمارة (١) أخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد، باب: في أي وقت يستحب اللقاء، (الحديث: ٢٦٥٥). وأخرجه الترمذي في كتاب: السير، باب: ما جاء في الساعة التي يستحب فيها القتال، (الحديث: ١٦١٣). ١٤٤ ١٠ - كتاب: الجهاد مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ١٣٥٠ - وعَنْهُ وعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ قَالَ: ((الْحَرْبُ خَدْعَةٌ))(٢). فإنك إن طلبتها أوكلت إليها، وإن طلبت لها أعنت عليها)) متفق عليه وتقدم في حديث عبد الله بن أبي أوفى المتفق عليه. ١٣٥٠ - (وعنه وعن جابر رضي الله عنهما أن النبي وَلّ قال: الحرب خدعة) بفتح الخاء وضمها وكسرها وسكون الدال. أمر باستعمال الحيلة فيه مهما أمكن، وقال ابن المنير: معناه الحرب الكامل في مقصودها المبالغة إنما هي المخادعة لا المواجهة، وذلك لخطر المواجهة وحصول الظفر مع المخادعة بغير حظر (وقال) العيني: ضبط الأصيلي خدعز بضم الخاء وسكون الدال. وعن يونس ضم الخاء وفتح الدال. وعن عياض فتحهما. وقال البزار فتح : الخاء وسكون الدال لغة النبي و لر ولغته أفصح اللغات. وقالوا الخدعة المرة الواحدة من الخداع، فمعناه أن من خدع فيها مرة واحدة عطب وهلك ولا عودة له، وقال ابن سيده في العويص: من قال خدعة أراد يخدع أهلها. وفي الواعي (٣): تمنيهم للظفر والغلبة ثم لا يفي لهم. ومن قال: خدعة أراد يخدع كما يقال رجل لعنة لمن يلعن كثيراً، وإذا خدع أحد الفريقين الآخر في الحرب فكأنها خدعة هي. وقال ابن عبد الواحد: خدعة بالكسر. وقال المطرز: الأفصح بالفتح لأنه لغة قريش. وقال ابن درستويه: ليست بلغة قوم إنما هي كلام الجميع؛ لأنها المرة من الخداع فلذا فتحت. قال الأستاذ أبو بكر ابن طلحة: أراد يغلب أن سيدنا رسول الله ( كان يختار هذه البنية ويستعملها كثيراً؛ لأنها بلفظها الوجيز تعطي مع البنيتين الأخريين وتعطي أيضاً معناها، أي: استعمل الحيلة في الحرب ما أمكنك، فإذا أعيتك الحيلة فقاتل، فكانت هذه اللغة على ما ذكرنا مختصرة اللفظ كثيرة المعنى. فلذا كان ◌َّ* يختارها. قال ابن العربي: الخديعة في الحرب تكون بالتورية وبالكمين وبخلف الوعد، وذلك من المستثنى الجائز المخصوص من المحرم، والكذب حرام جائز في مواطن (١) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: لا تمنوا لقاء العدو (٨٥/٦). وأخرجه مسلم في كتاب: الجهاد والسير، باب: كراهة تمني لقاء العدو، والأمر بالصبر عند اللقاء، (الحديث: ١٩). (٢) قال ابن المنير: معناه الحرب الكاملة في مقصودها المبالغة وذلك بخطر المواجهة وحصول الظفر مع المخادعة بغير خطر. إنما هي المخادعة لا المواجهة. (٣) وفي نسخة الواحدي. ١٤٥ ٢٣٥ - باب: في بيان جماعة من الشهداء مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). ٢٣٥ _ باب: في بيان جماعة من الشهداء في ثواب الآخرة ويغسلون ويصلى عليهم، بخلاف القتيل في حرب الكفار ١٣٥١ - عَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((الشُّهَداءُ بالإِجماع. أصلها الحرب أذن الله فيه وفي أمثاله رفقاً بالعباد؛ لضعفهم. وليس للعقل في تحليله ولا تحريمه أثر إنما هو إلى الشرع. قال المهلب: الخداع في الحرب جائز كيفما أمكن إلّ بالأيمان والعهود والتصريح بالأمان فلا يحل شيء من ذلك. قال بعض أهل السير: قال النبي ( هذا الكلام يوم الأحزاب لنعيم بن مسعود. اهـ ملخصاً (متفق عليه) قال في الجامع الصغير: رواه أحمد والشيخان والترمذي عن جابر. وروياه عن أبي هريرة. ورواه أحمد عن أنس، وأبو داود عن كعب بن مالك، وابن ماجه عن ابن عباس وعن عائشة، والبزار عن الحسين، والطبراني في الكبير عن الحسن وعن زيد بن ثابت وعن عبد الله بن سلام وعن عوف بن مالك وعن نعيم بن مسعود، وعن النواس بن سمعان وعن عساكر بن خالد بن الوليد. اهـ ... باب بيان جماعة من الشهداء جمع شهيد، كشريف وشرفاء. وسمي به لمعان منها: أن الله ورسوله شهد له بالجنة، ومنها أنه يبعث وله شاهد بقتله. ومنها أن ملائكة الرحمة يشهدونه فيقبضون روحه كذا في أسنى المطالب (في ثواب الآخرة) أي: في الثواب المعد للشهيد (ويغسلون ويصلى عليهم) كغيرهم من أموات المسلمين (بخلاف القتيل في حرب الكفار) سواء كان بسلاح الكفار أو بسلاح نفسه، أو سقط عن فرسه أو نحوه، فلا يغسل ولا يصلى عليه، ثم إن قصد بجهاده وجه الله تعالى ونصر دينه كان من شهداء الآخرة أيضاً، وإلا فهو شهيد الدنيا ولا ثواب له في الآخرة. ١٣٥١ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّر: الشهداء خمسة) لا ينافي الزائد عليه الوارد في أخبار أخر، إما لعدم اعتبار مفهوم العدد، أو أنه أخبر بالأقل فأخبر (١) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: الحرب خدعة (٦ /١١٠). وأخرجه مسلم في كتاب: الجهاد والسير، باب: جواز الخداع في الحرب، (الحديث: ١٧). ١٤٦ ١٠ - كتاب: الجهاد خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ(١)، والْمَبْطونُ(٢)، والْغَرِيقُ، وصَاحِبُ الْهَدْمِ(٣)، والشَّهِيدُ في سَبِيلِ اللَّهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(٤). ١٣٥٢ - وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ ﴿ ((مَا تُعُدُّونَ الشُّهَداءَ به ثم زيد في عددهم، فأخبر به ثانياً (المطعون) أي: الذي أصابه الطاعون، وهو وخز الجن ومحله ما لم يسمع به ببلد فيقدم عليه للنهي عن ذلك (والمبطون) من مات بمرض البطن، وقيل: بالإِسهال (والغريق) أي: من مات بالغرق (وصاحب الهدم) أي: من مات تحته (والشهيد في سبيل الله) المقاتل إيماناً واحتساباً (متفق عليه) ورواه مالك والترمذي. ١٣٥٢ - (وعنه قال: قال رسول الله وَله: ما تعدون الشهداء فيكم؟ قالوا: يا رسول الله من قتلٍ في سبيل الله) أي: في معركة الكفار إيماناً واحتساباً (فهو شهيد. قال: إن شهداء أمتي إذاً لقليل) قال البدر الزركشي الشافعي في كتاب البرهان في علوم القرآن: إذن نوعان: الأول: أن تكون مؤكدة لجواب ارتبط بمقدم، أو منبهة على مسبب على سبب حصل في الحال وهي في الحال غير عاملة؛ لأن المؤكدات لا يعتمد عليها، والعامل يعتمد عليه، وتدخل هذه الاسمية. ويجوز توسيطها وتأخيرها ومنه قوله تعالى: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذاً لمن الظالمين﴾(٥) فهي مؤكدة للجواب مرتبطة بما تقدم. وذكر بعض المتأخرين لها معنى ثالثاً هو أن يكون من إذ التي ظرف زمان ماض، ومن جملة بعدها تحقيقاً أو تقديراً، لكن حذفت الجملة تخفيفاً، وأبدل التنوين منها كما في قولهم حينئذ، وليست هذه الناصبة لاختصاص الناصبة بالمضارع، وهذه تدخل على الماضي نحو ﴿إذاً لا مسكتم خشية الإِنفاق﴾(٦) وعلى الاسم نحو إن كنت ظالماً إذا حكمك فيّ تافه. وقوله تعالى: ﴿وإنكم إذاً لمن المقربين﴾(٧) وأعلم أن هذا المعنى لم يذكره النحاة، لكن قياس قولهم: إنه يحذف المضاف إليها، إذ ويعوض عنها التنوين كيومئذ، وإن لم يذكروا حذف (١) الذي أصابه الطاعون. (٢) من مات بمرض البطن. (٣) أي من مات تحته . (٤) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: الشهادة سبع سوى القتل (٣٢/٦ و٣٣). وأخرجه مسلم في كتاب: الإِمارة، باب: بيان الشهداء، (الحديث: ١٦٤). (٥) سورة البقرة، الآية: ١٤٥ . (٦) سورة الإسراء، الآية: ١٠٠ . (٧) سورة الشعراء، الآية: ٤٢ . ١٤٧ ٢٣٥ - باب: في بيان جماعة من الشهداء فِيكُمْ؟)) قالوا: يا رسُولَ اللَّهِ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، قَالَ: ((إِنَّ شُهَداءَ أُمّتي إذاً لَقَليلٌ!)) قَالوا: فَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهيدٌ، ومَنْ مَاتَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهيدٌ، ومَنْ مَاتَ في الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهيدٌ، ومَنْ مَاتَ في الْبَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١). ١٣٥٣ - وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو بنِ الْعاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﴿: ((مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ))(٢) الجملة من إذا وتعويض التنوين عنها. قال أبو حبان: وليس هذا بقول نحوي، ثم نقل الزركشي عن القاضي ابن الجويني نحو ما قاله ذلك البعض، وأنه لا ينافي جعل إذا من نواصب المضارع، لأنه محمول على إذن الأصلية لا على ما كانت إذن وأضيفت لجملة حذفت عوض عنها التنوين، فيرفع المضارع بعد تلك اهـ ملخصاً، وحاصله أنها فيما ذكر، إما للتنبيه على قلة الشهيد الحاصل من قصر الشهادة على ما ذكروه، أو أنها من تنوين إذ المضافة للجملة عوضاً عنها، والأصل إذا كان شهداء أمتي من ذكرتم فقط (قالوا: فمن يا رسول الله؟ قال: من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله) أي: بسبب غير القتال كأن سقط عن فرسه أو مات حتف أنفه (فهو شهيد، ومن مات في الطاعون) أي : بسببه كما تقدم في الحديث قبله ففي سببية كهي في حديث ((دخلت النار امرأة في هرة حبستها)) الحديث (فهو شهيد، ومن مات من) وفي نسخة: في، وكلاهما للتعليل (البطن) شامل لسائر أدوائه (فهو شهيد، والغريق شهيد رواه مسلم). ١٣٥٣ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَلّ: من قتل دون ماله) قال القرطبي: دون في أصلها ظرف مكان بمعنى تحت، وتستعمل للتنبيه مجازاً، ووجهه أن الذي يقاتل عن ماله غالباً إنما يجعله خلفه، أو تحته ثم يقاتل عليه (فهو شهيد) قال ابن المنذر: الذي عليه أهلم العلم أن للرجل أن يدفع عن من أراد أن يأخذ ماله (١) أخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: بيان الشهداء، (الحديث: ١٦٥). (٢) قال ابن المنذر: الذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع من أراد أن يأخذ ماله أو شيئاً منه ظلماً من غير تفصيل إلا أن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره. ١٤٨ ١٠ - كتاب: الجهاد مُتَّفَقْ عَلَيْهِ (١). ١٣٥٤ - وعَنْ أَبي الْأُعْوَرِ سَعيدٍ بن زَيْدِ بنِ عَمْرٍو بنِ نُفَيْلٍ أَحَدِ الْعَشَرَةِ الْمَشْهودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ يَقُولُ: ((مَنْ قُتْلَ أو شيئاً منه ظلماً من غير تفضيل، إلّا أن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان؛ للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره، وترك القيام عليه كذا في فتح الباري (متفق عليه) قال العيني: روى البخاري هذا الحديث عن المقبري فقال: فهو شهيد، ودحيم وابن أبي عمر، وعبد العزيز بن سلام كلهم رووه عن المقبري فقالوا: فله الجنة، وكلهم قالوا: مظلوماً، ولم يقله البخاري، والأشبه أن يكون نقله من حفظه، أو سمعه من المقبري فحفظه فجاء بالحديث على ما جرى به اللفظ في هذا الباب، ومن جاء به على غير ما اعتيد من اللفظ فهو بالحفظ أولى ولا سيما فيهم مثل دحيم، وكذلك ما زادوه من قوله: مظلوماً، فإن المعنى لا يجوز إلّا أن يكون اللفظ كذلك، ورواه أبو نعيم في مستخرجه عن محمد بن أحمد بن بشر بن موسى، عن عبد الله بن يزيد المقري بلفظ ((من قتل دون ماله مظلوماً)). اهـ وأصله في فتح الباري لكن باختصار. قال العيني: وأخرجه مسلم باللفظ المذكور عند البخاري، لكن خالفه في سنده، وأخرجه النسائي بإسناد البخاري بلفظ ((من قتل دون ماله مظلوماً فله الجنة)): وله في رواية أخرى ((من قتل دون ماله فهو شهيد)) قائلين كرواية البخاري، لكن السند مختلف وله في رواية أخرى ((من أريد ماله بغير حق فقاتل فهو شهيد)) وفي أخرى كلفظ رواية البخاري. قال النسائي: هذا خطأ والصواب الذي قبله. وأخرجه الترمذي بلفظ رواية البخاري، ثم قال: وفي الباب عن علي وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس وخلق. ١٣٥٤ - (وعن أبي الأعور) كنيته (سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل) بضم النون وفتح الفاء وسكون التحتية ابن عبد العزيز بن رياح - بالمثناة - بن عبد الله بن فرط بن رزاح بفتح الراء ثم زاي وحاء مهملة ابن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي العدوي المكي المدني (أحد العشرة المشهود لهم بالجنة) وتوفي وهو عنهم راض (رضي الله عنهم) هو ابن عم . (١) أخرجه البخاري في كتاب: المظالم، باب: من قتل دون ماله (٨٨/٥) وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: الدليل على أن من قصد أخذ مال غيره ... (الحديث: ٢٢٦). ١٤٩ ٢٣٥ - باب: في بيان جماعة من الشهداء دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)) رَوَاهُ أَبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(١). ١٣٥٥ - وعَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه وتزوج أخته فاطمة، أسلمت هي وزوجها قبل عمر فكان ذلك سبب إسلامه، وأسلم سعيد قديماً، كان من المهاجرين الأولين، وآخى ◌َّ بينه وبين أبي بن كعب، وشهد مع رسول الله وير المشاهد كلها بعد بدر، واختلف في شهوده بدراً، فالأكثرون قالوا: لم يشهد لعذر فإنه كان غائباً عن المدينة وضرب له مّ سهمه منها وأجره. وقال جماعة: شهدها، وذكره البخاري في صحيحه فيمن شهدها وشهد اليرموك وإحصار دمشق، وكان مجاب الدعوة، وستأتي قصته مع ما أروي في باب الكرامات إن شاء الله تعالى. روي له عن رسول الله ومر ثمانية وأربعون حديثاً، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بحديث، توفي بالعقيق، وقيل: بالمدينة سنة خمسين. أو إحدى وخمسين، وهو ابن بضع وسبعين سنة، وغسله ابن عمر، وقيل: سعد بن أبي وقاص، وصلى عليه ابن عمر، ونزل في قبره سعد وابن عمر. اهـ ملخصاً من التهذيب للمصنف (قال: سمعت رسول الله څ﴾ یقول: من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه) بأن صال عليه صائل فقاتله فقتل (فهو شهيد، ومن قتل دون دينه) بأن طلب منه الارتداد والبدعة فأبى فقتل (فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد. رواه أبو داود) في الجهاد (والترمذي) من طريق ابن حميد (وقال: حديث حسن صحيح) ورواه النسائي بدون ذكر الدين. ورواه النسائي من طريق آخر، وابن ماجه مقتصرين على المال فقط، ثم ذكر العيني من خرج الحديث من حديث علي وابن عمر وأبي هريرة وجابر، وزاد: أن في الباب أيضاً عن سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وبريدة بن الحصين، وسويد بن ميمون، وأنس بن مالك، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عامر بن كريز، وفهيد بن مطرف، ومخازف بن سليم، بين من خرج حدیث کل بما فيه طول. ١٣٥٥ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ورسله فقال: يا (١) أخرجه أبو داود في كتاب: السنة، باب: في قتال اللصوص، (الحديث: ٤٧٧٢). . وأخرجه الترمذي في كتاب: الديات، باب: ما جاء فيمن قتل دون ماله فهو شهيد، (الحديث: ١٤٢١). ١٥٠ ١٠ - كتاب: الجهاد فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: ((فلا تُعْطِهِ مَالَكَ)) قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَني؟ قَالَ: ((قَاتِلْهُ)) قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: ((فَأَنْتَ شَهِيدٌ)) قَالَ: أَرَأيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: ((هُوَ فِي النَّارِ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١). رسول الله أرأيت) بفتح التاء، أي: أخبرني (إن جاء رجل يريد أخذ مالي) أي: بغير حق حذف جوابه لدلالة المقام عليه، أي: فما أفعل (قال: فلا تعطه مالك) جواب الشرط دل عليه وجوده في السؤال (قال: أرأيت إن قاتلني) أي: لأخذ مالي (قال: قاتله) الأمر للإِباحة (قال: أرأيت إن قتلني) أي: وقد قاتلته لذلك (قال: فأنت شهيد) أي: من شهداء الآخرة، فيغسل ويصلى عليه (قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: فهو في النار) أي: مخلد إن استحل ذلك، أو يدخلها إن أريد تعذيبه، ثم يخرج منها إن كان غير مستحل (رواه مسلم) وقد جمع بعض الأفاضل شهداء الآخرة ونظمهم في أبيات فقال: من بعد حمد الله والصلاة خذ عدة الشهداء سرداً نظماً محب آل المصطفى ومن نطق وذوا اشتغال بالعلوم ثم من ومن يمت فجأة حريق لديغ أو مسحور أو مسموم أكيل سبع عاشق مجنون ومن بذات الجنب أو ظلماً قتل أو دين أو في الحرب أو مات به وجالب مبيع سعر يومه كذا الغريب وبعين قد قرا ومن يلازم وتره. وورده ومن يصل ثالث الأسبوع ويقرأ الكرسي بعد الفاتحة ومن يقل في الموت بارك ثم في ومن بصدق يسأل الشهادة على النبي وآله الهداة وأحفظ هديت للعلوم فهما عند إمام جائر بعين حق على وضوء نومه نال المتن ومائت بفتنة غريق ذو عطش مجوعة مولوم والنفساء ذو الهرم والمبطون أو دون مال أو دم أهل نقل مؤذن محتسب لربه أو مات في الطاعون بين قومه أواخر الحشر بها نال الذرا عند الضحا وصوم حتم سعده عند الزوال عاشر الركوع وسورة الإِخلاص حتماً صالحة ما بعده خمساً وعشرين اصطفى نال بذاك غاية السعادة (١) أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: الدليل على أن من قصد أخذ مال غيره ... (الحديث: ٢٢٥). ١٥١ ٢٣٦ - باب: في فضل العتق ٢٣٦ - باب: في فضل العتق قالَ اللَّهُ تعالى (١): ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَتُّ رَقَبَةٍ﴾ الآيَةَ. ١٣٥٦ - وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (( مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةٌ مُسْلِمَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوِ مِنْهُ عُضْوَاً مِنْهُ مِنَ النَّارِ حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ) باب فضل العتق وهو إزالة الرق عن الآدمي من عتق سبق أو استقل تقرباً إلى الله تعالى. فخرج بالآدمي الطير والبهائم، فلا يصح عتقها على الأصح قال ابن الصلاح: الخلاف فيما يملك بالاصطياد. أما البهائم، فإعتاقها من قبيل سوائب الجاهلية، وهو باطل قطعاً. اهـ. ورواية أبي نعيم أن أبا الدرداء رضي الله عنه ((كان يشتري العصافير من الصبيان ويرسلها)). يحمل إن صحت على أن ذلك رأي له (قال الله تعالى: فلا اقتحم العقبة) اقتحم: دخل وتجاوز بشدة، جعل الأعمال الصالحة عقبة وعملها اقتحاماً لها، فيه من مجاهدة النفس، أي: فلم يشكر ما أنعم الله به عليه من أعمال الحسنات (وما أدراك ما العقبة) أي : لم تدرك صعوبتها وثوابها (فك رقبة) تفسير للعقبة أي: تخليصها من الرق (الآية) بالنصب وبالرفع، كما تقدم توجيهها ومراده ﴿أو إطعام في يوم ذي مسغبة * يتيماً ذا مقربة * أو مسكيناً ذا متربة * ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة﴾(٢)، فالعقبة عتق الرقبة، وإطعام من ذكر، والتواصي بالصبر والمرحمة، وقيل: إن المعطوف بثم عليه قوله: (فلا اقتحم العقبة) فالمعنى: لا اقتحم ولا كان من المؤمنين، وثم لتباعد رتبة الإِيمان عن العتق والإِطعام، فالعقبة مفسرة بالعتق والإِطعام، وخصا، لما فيه من النفع المتعدي. ١٣٥٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ ل: من) أي: أي مسلم كما قيد به في الخبر الآتي (أعتق رقبة مسلمة) ذكراً كان المعتق أو أنثى نفيساً أو خسيساً، كما يومىء إليه النكرة في سياق الشرط (أعتق الله بكل عضو منه) أي: بدل كل عضو من المعتق، فالتذكير باعتبار ما ذكر (عضواً منه) أي: المعتق (من النار) صلة أعتق (حتى) عاطفة (فرجه) بالنصب عطفاً على المنصوب أي: حتى أعتق فرج المعتق (بفرجه) أي: بدل فرجه، أو (١) سورة البلد، الآيات: ١١، ١٢، ١٣. (٢) سورة البلد، الآيات: ١٤، ١٥، ١٦، ١٧. ١٥٢ ١٠ - كتاب: الجهاد مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ١٣٥٧ _ وعَنْ أَبي ذَرِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْأَعْمالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((الإِيمَانُ بِاللَّهِ، والْجِهادُ في سَبيلِ اللَّهِ) قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((أَنْفَسُها عِنْدَ أَهْلِها، وأَكْثَرُهَا ثَمَنَاً)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(٢). بسبب عتقه (متفق عليه) ورواه الترمذي. وخصت الرقبة بالذكر؛ لأن الرق كالغل فيها. قال ابن المنير: وفي قوله: أعتق الله بكل عضو منه عضواً منه، إيماء إلى أنه ينبغي أن يكون العتيق كاملاً ليحصل الاستيعاب، وأشار الخطابي إلى اعتبار النقص المجبور بمنفعة كالخصي إذ ينتفع به فيما لا ينتفع به كالفحل. قال الحافظ في الفتح: وما قاله في محل المنع، وقد استنكره النووي، وقال: لا شك أن في عتق الخصي، وكل ناقص فضيلة لكن الكامل أولى. وظاهر ما تقرر تساوي عتق الذكر والأنثى، لكن صح خبر ((أيما امرىء مسلم أعتق امرأ مسلماً كان فكاكه من النار، وأيما امرىء مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فداء له من النار)) فيقضي أن عتق الذكر أفضل من عتقها. ويسن الاستكثار منه كما جرى عليه أكابر الصحابة رضي الله عنهم. وأكثر من بلغنا عنه ذلك عبد الرحمن بن عوف، فإنه جاء عنه أنه أعتق ثلاثين ألف نسمة، وعن غيره أنه أعتق في يوم واحد ثمانية آلاف عبد، كذا في شرح المنهاج لابن حجر. ١٣٥٧ - (وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله والجهاد في سبيله) لا يلزم من قرنه بالإيمان تساويه في رتبته، فالعطف للاشتراط في أصل الأفضلية، وإن تفاوتا فيها (قال: قلت: أي الرقاب أفضل؟) أي: في العتق (قال: أنفسها) من النفاسة وهي الجودة (عند أهلها) صلة أنفس (وأكثرها ثمناً متفق عليه) قال المصنف في شرح مسلم: المراد: والله أعلم إذا أراد أن يعتق رقبة واحدة، أما إذا كان معه ألف درهم وأمكنه أن يشتري بها رقبتين مفصولتين أو رقبة نفيسة مثمنة، فالرقبتان أفضل، وهذا بخلاف الأضحية فإن التضحية بشاة سمينة أفضل من التضحية بشاتين دونها في (١) أخرجه البخاري في كتاب: الكفارات، باب: قول الله تعالى ﴿أو تحرير رقبة﴾ (٥١٩/١١). وأخرجه مسلم في كتاب: العتق، باب: فضل العتق، (الحديث: ٢٢). (٢) أخرجه البخاري في كتاب: العتق، باب: أي الرقاب أفضل (١٠٥/٥). وأخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: بيان كون الإِيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، (الحديث: ١٣٦). ١٥٣ ٢٣٧ - باب: في فضل الإحسان ٢٣٧ - باب: في فضل الإحسان إلى المملوك قال اللَّهُ تعالى(١): ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى والْيَتَامَى وَالْمَساكينِ والْجَارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجَارِ الْجُنُبِ والصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وابنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. السمن. قال البغوي: من أصحابنا في التهذيب بعد أن ذكر المسألتين كما ذكرت. قال الشافعي: في الأضحية استكثار القيمة مع استقلال العدد أحب إليّ من استكثار العدد مع استقلال القيمة، وفي العتق استكثار العدد مع استقلال القيمة أحب إلي من استكثار القيمة مع استقلال العدد؛ لأن المقصود من الأضحية اللحم، ولحم السمين أوفر وأطيب، والمقصود من العتق تكميل حال الشخص وتخليصه من الرق، فتخليص جماعة أفضل من تخليص واحد والله أعلم. اهـ وقال الحافظ في الفتح: الذي يظهر لي اختلاف ذلك باختلاف الأشخاص، فرب شخص واحد إذا أعتق انتفع بالعتق وانتفع به أضعاف ما يحصل من النفع بعتق أكثر منه، فالضابط أن ما كثر نفعاً فهو أفضل سواء قل أو كثر. واحتج بالحديث لمالك في أن عتق الرقبة الكافرة إذا كانت أعلا من المسلمة ثمناً أفضل، وخالفه أصبغ وغيره وقالوا: المراد أعلاها ثمناً من المسلمين، كما جاء في التقييد بذلك في الحديث اهـ. .- باب فضل الإحسان إلى المملوك (قال الله تعالى: واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً) مفعول مطلق لأحسنوا معطوف على واعبدوا (وبذي القربى) شامل لذوي الأرحمام (واليتامى) جمع يتيم، صغير من بني آدم لا أب له (والمساكين) أي: المحتاج فقيراً أو مسكيناً (والجار ذي القربى) من جمع بين الجوار والقرابة، أو الجار الأقرب أو الجار المثل في الإِيمان (والجار الجنب) الأجنبي أو البعيد داراً أو أهل الكتاب (والصاحب بالجنب) المرأة أو رفيق السفر أو الحضر أيضاً (وابن السبيل) المسافر أو الضيف (وما ملكت أيمانكم) أي: المماليك وقد تقدم تفسير الآية في باب حق الجار. (١) سورة النساء، الآية: ٣٦. ١٥٤ ١٠ - كتاب: الجهاد ١٣٥٨ - وعَنِ الْمَعْرُورِ بنِ سُوَيْدٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَبا ذَرِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وعَلى غُلامِهِ مِثْلُها فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَذَكَرَ أَنَّهُ سَابَّ رَجُلًا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَه فَعَيَّرَهُ بِأُمِّهِ، فَقالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: (إِنَّكَ امْرُؤْ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، هُمْ إِخْوَانُكُمْ وخَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا ١٣٥٨ - (وعن المعرور) بإهمال العين والراء بصيغة المفعول (بن سويد) بضم المهملة وفتح الواو وسكون التحتية بعدها مهملة الأسدي، أبو أمية الكوفي ثقة من كبار التابعين عاش مائة وعشرين سنة خرج حديثه الستة (قال: رأيت أبا ذر) الغفاري (رضي الله عنه وعليه حلة) بضم المهملة وتشديد اللام، ثوب مركب من ظهارة وبطانة من جنس واحد جمعها حلل كغرفة وغرف (وعلى غلامه مثلها) أي: حلة مثل حلته (فسألته عن ذلك) أي : سبب مساواته ملبوس عبده لملبوسه، والعادة التفاوت بينهما، (فذكر أنه ساب) بتشديد الموحدة أصله سابب، فأدغمت إحداهما في الأخرى (رجلاً) هو بلال رضي الله عنه (على عهد) أي: زمن (رسول الله وَر فعيره بأمه) بقوله يا ابن السوداء (فقال النبي وسير: إنك امرؤ فيك جاهلية) أتى بالمؤكد في الحكم الملقى لخالي الذهن تنزيلاً له منزلة المنكر، كقول الشاعر: جاء فلان عارضاً رمحه إن بني عمك فيهم رماح فالمخاطب غير شاك في ذلك، لكن لما جاء عارضاً رمحه صار كالمنكر لذلك فعومل معاملته، أي: خلق من أخلاق الجاهلية، وهي ما قبل الإِسلام، سموا به لكثرة جهالاتهم وذلك الفخر بالأنساب (هم) أي: الأرقاء (إخوانكم) لأنهم من الأب الأول وهو آدم، ومن الأب الثاني وهو نوح عليهما الصلاة والسلام. ويحتمل أن يراد الأخوة في الإِسلام ويكون العبد الكافر بطريق التبع، أو يختص الحكم بالمؤمن (وخولكم) بفتح الخاء والواو. قال في المصباح: مثل الخدم والحشم وزناً ومعنى (جعلهم الله) أي: صيرهم، وقدم المفعول لكونه ضميراً متصلاً؛ ولأن المقام له، وقال الحافظ في الفتح: الخول والخدم سموا بذلك؛ لأنهم يتخولون الأمر أي: يصلحونه، ومنه الخولي لمن يقوم بإصلاح البستان. اهـ (تحت أيديكم) مجاز عن القدرة والملك ثم فرع على أصله مما ذكر قوله (فمن كان أخوه) عبّر به حملاً على . الشفقة وتحريضاً على الإِحسان كما هو شأن الإِخوان (تحت يده فليطعمه مما يأكل) أي: من جنس ما يأكل بدليل قوله في الحديث بعده: ((فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة))، والمراد: المواساة من كل وجه، لكن أخذ بالأكمل أبو ذر فعل المواساة، وهو الأفضل فلا يستأثر عياله ١٥٥ ٢٣٧ - باب: في فضل الإحسان يَلْبَسُ، ولا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّقْتُمُوهُمْ فَأَعِيْنِوهُمْ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). ١٣٥٩ - وعَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ نَ﴿ قَالَ: ((إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُناوِلْهُ لُقْمَةُ أَوْ لُقْمَتَيْنِ أَوْ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ فَإِنَّهُ وَلِيَ عِلَاجَهُ)) رَوَاهُ الْبُخارِيُّ . بطعام وإن كان جائزاً (وليلبسه) بضم التحتية فيه وفي يطعمه (مما يلبس) بفتح التحتية والموحدة. والأمران محمولان عند الجمهور على الندب، والواجب ما يسد بهما حاجتهما، من الطعام واللباس المعتاد للحزم في ذلك البلد لا خصوص مطعوم وملبوس السيد، وفي الموطأ ومسلم عن أبي هريرة مرفوعاً ((للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق))، وهو يقتضي رد ذلك إلى المعروف فمن زاد عليه كان متطوعاً (ولا تكلفوهم) تلزموهم كلفة (ما يغلبهم) بفتح أوله، أي: عمل ما يعجزون عنه أو تلحقه به مشقة لا تحتمل لعادة أمثاله (فإن كلفتموهم) أي: ما يغلبهم وحذف للعلم به (فأعينوهم) ليرتفع عنهم بعض التعب (متفق عليه) أخرجه البخاري في الإيمان، وفي العتق، وفي الأدب. ومسلم في النذور. ورواه أبو داود في الأدب من سننه، والترمذي في البر، والصلة من جامعه. وقال: حسن صحيح وابن ماجه في الأدب ببعضه ((إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم)) قال الحافظ في الفتح: ويلتحق بالرقيق من في معناه من أجير وغيره. ١٣٥٩ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ◌َّ قال: إذا أتى أحدكم خادمه) قدم المفعول على الفاعل؛ لئلا يعود الضمير لو جاء على الأصل إلى متأخر لفظاً ورتبة من مواضعه، وهو يشمل الرقيق والأجير وغيرهما من الخادم بالنفقة من غير عقد إجارة أو على سبيل التبرع بها (بطعامه فإن لم يجلسه معه) كما هو الأفضل لما فيه من التواضع وعدم الترافع على المسلم (فليناوله) وفي نسخة فلينوله والأمر للندب (لقمة أو لقمتين) في المصباح: اللقمة من الخبز (أو) شك من الراوي (أكلة أو أكلتين) وعلل الأمر المندوب بقوله (فإنه ولي علاجه) قال في النهاية: أي: عمله، وقال غيره: أي: مزاولته من تحصيل آلاته ووضع القدر على النار وغير ذلك (رواه البخاري) في كتاب الأطعمة بلفظ ((فقد كفاه دخانه وعلاجه فلیجلسه معه، فإن لم يجلسه معه فليناوله أكلة أو أكلتين)) متفق عليه ورواه أبو داود (١) أخرجه البخاري في كتاب: العتق، باب: قول النبي ◌َّ العبيد إخوانكم (٨٠/١ و٨١). وأخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: إطعام المملوك مما يأكل ... (الحديث: ٣٨). ١٥٦ ١٠ - كتاب: الجهاد (الْأَكْلَةُ)) بِضَمِّ الهمزَةِ وهِيَ: اللُّقْمَةُ(١). ٢٣٨ - باب: في فضل المملوك الذي يؤدي حق الله تعالى وحق مواليه ١٣٦٠ - عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ قَالَ: ((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ، وَأَحْسَنَ عِبادَةَ اللَّهِ فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(٢). والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة (الأكلة بضم الهمزة هي اللقمة) بضم اللام أشار به إلى أن اللفظين المشكوك في أيهما الوارد متحدان من حيث المعنى . باب فضل المملوك الذي يؤدي حق الله تعالى وحق مواليه أي: ساداته إذا كان مملوكاً لجمع وحقوق العباد، المأمور بفعلها معهم داخلة في حق الله تعالى . ١٣٦٠ - (عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله وَ لل قال: إن العبد) ومثله فيما يأتي الأمة كما صرحت به الترجمة، ففيها إيماء إلى أنه لا مفهوم للتقييد بالذكورية (إذا نصح لسيده) تعديته باللام، هي اللغة الفصيحة وبها جاء قوله تعالى: ﴿إن أردت أن أنصح لكم﴾(٣) وفي لغة يتعدى بنفسه، فيقال: نصحته وهو الإِخلاص والصدق في المشورة والعمل كذا في المصباح ونصحه له قيامه بخدمته قدر طاقته وحسب استطاعته وسيأتي (وأحسن عبادة الله) جاء بها مستوفية للأركان والشروط والآداب (فله أجره مرتين) لقيامه بعبادة ربه وبخدمة سيده، كذا يؤخذ من كلام ابن عبد البر. قال الحافظ في الفتح: الذي يظهر أن مزيد الفضل للعبد الموصوف بما ذكر لما يدخل عليه من مشقة الرق، وإلا فلو كان التضعيف بسبب اختلاف جهة العمل لم يختص العامل بذلك. اهـ، هو أحد من يؤتى في حديث أبي موسى، ويؤدي إلى سيده الذي عليه إلخ أجره، كذلك وللحافظ السيوطي فيه جزء سماه مطلع البدرين فيمن يؤتى أجره مرتين بلغ بهم الثلاثين، ويمكن الزيادة على ذلك بتتبع كتب السنة والله المعين (متفق عليه) أخرجه البخاري في العتق. ورواه مسلم في (١) أخرجه البخاري في كتاب: العتق، باب: إذا أتاه خادمه بطعام ... الخ (٥٠٢/٩، ٥٠٣). (٢) أخرجه البخاري في كتاب: العتق، باب: العبد إذا أحسن عبادة ربه (١٢٦/٥). وأخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: ثواب العبد وأجره إذا نصح لسيده وأحسن عبادة الله، (الحديث: ٤٣). (٣) سورة هود، الآية : ٣٤ ١٥٧ ٢٣٨ - باب: في فضل المملوك الذي يؤدي حق الله تعالى ١٣٦١ - وعَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لِلْعَبْدِ الْمَمْلوكِ الْمُصْلِحِ أَجْرانٍ)) والَّذِي نَفْسُ أَبي هُرِيْرَةَ بِيَدِهِ لَوْلا الْجِهَادُ في سَبيلِ اللَّهِ والْحَجُّ وَبِرُ أُمِّي، لَأَحْبَيْتُ أَنْ أَمُوتَ وَأَنَا مَمْلوكٌ. الإيمان، ورواه أبو داود في الأدب كذا في الأطراف، ورواه مالك وأحمد وأبو داود من حديث ابن عمر كذا في الجامع الصغير. ١٣٦١ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وعليه: للعبد المملوك المصلح) قال الحافظ: اسم الصلاح يشمل ما تقدم من إحسان العبادة، والنصح للسيد يشمل أداء حقه من الخدمة وغيرها (أجران والذي نفس أبي هريرة بيده) أي: بقدرته، وعن الأشعري أن الله تعالى صفة ذاتية يعبر عنها باليد، وأخرى يعبر عنها بالوجه وهي معنى قائم بذاته، مع التنزيه عما يتبادر من كل (لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي) قال الحافظ: اسمها أميمة بالتصغير وقيل: ميمونة وهي صحابية ثبت ذكر إسلامها في صحيح مسلم (لأحببت أن أموت وأنا مملوك) هذا لفظ رواية مسلم، وسقط لفظ أبي هريرة عند البخاري فقال: ((والذي نفسي بيده)) إلخ وظاهره كما قال الحافظ في الفتح: رفع هذه الجمل إلى آخرها، وعليه جرى الخطابي فقال: لله أن يمتحن أنبياءه وأصفياءه بالرق، كما امتحن يوسف اهـ، وجزم الداودي وابن بطال وغير واحد بأنه مدرج من قول أبي هريرة، ويدل له من حديث المعنى قوله: وبرأمي، فإنه لم يكن للنبي وَ لّ حينئذ أم يبرها، وإن وجهه الكرماني، قال الحافظ: وغايته التنصيص على إدراج ذلك فقد رواه الإسماعيلي بلفظ ((والذي نفس أبي هريرة بيده)) إلخ، وكذا أخرجه الحسن بن الحسن المروزي في كتاب البر والصلة، ومسلم في صحيحه، والبخاري في الأدب المفرد وأبو عوانة زاد مسلم في بعض طرقه: وبلغنا أن أبا هريرة لم يكن يحج حتى ماتت أمه لصحبتها، وعند أحمد عن أبي هريرة: لولا أمران لأحببت أن أكون عبداً، وذلك أني سمعت رسول الله وَله: يقول ((ما خلق الله عبداً يؤدي حق الله عليه وحق سيده إلّ وفاه الله أجره مرتين)) فعرف من هذا أن المذكور من استنباط أبي هريرة استدل له بالمرفوع واستثنى الجهاد للاحتیاج فيه إلى الإذن، وكذا البر في بعض الأحيان بخلاف بقية العبادات البدنية، ولم يتعرض للمالية؛ إما لكونه كان إذ ذاك لم يكن له مال يزيد على قدر حاجته، فيمكنه صرفه في القربات إذن السيد، وإما ١٥٨ ١٠ - كتاب: الجهاد مُتَّفَقَ عَلَيْهِ(١). ١٣٦٢ - وعَنْ أَبي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِه: (الْمَمْلوكُ الَّذِي يُحْسِنُ عِبادَةَ رَبِّهِ وَيُؤدِّي إِلَى سَيِّدِهِ الَّذِي عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ والنَّصيحَةِ والطَّاعَةِ لَهُ أَجْرانٍ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(٢). لأنه كان يرى للعبد التصرف في ماله بغير إذن سيده اهـ ملخصاً من الفتح (متفق عليه). ١٣٦٢ - (وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَل: المملوك الذي يحسن عبادة ربه ويؤدي) أي: يعطي (إلى سيده الذي عليه) أي: واجب لسيده (من الحق والطاعة والنصيحة له أجران) بيان للإِبهام الذي في الموصول (رواه البخاري) في العتق. ١٣٦٣ - (وعنه قال: قال رسول الله وَّلجر: ثلاثة لهم أجران) الاقتصار عليهم؛ لدعاية المقام إليه فلا ينافي أن الذي يعطى أجره مرتين عدد كثير، جمعهم السيوطي في الجزء المشار إليه ونظمهم في آخره فقال: وجمع أتى فيما رويناه أنهم فأزواج خير الخلق أولهم ومن وفاز بجهد واجتهاد أصاب والـ وعبد أتى حق الإله وسيد ومن أمة يشرى فأدب محسناً ومن سن خيراً أو أعاد صلاته فذاك شهيد في البحار ومن أتى وطالب علم مدرك ثم مسبغ ومستمع في خطبة قد دنا ومن وحافظ عصر مع إمام مؤذن وعامل خير مخفياً ثم إن بدا يثنى لهم أجر حروه محققا على زوجها أو للقريب تصدقا ـوضوء اثنتين والكتابي صدقا وغاز تسرى مع غنى له تقا وينكحها من بعده حين أعتقا كذاك جبان إذ يجاهد ذا شقا له القتل من أهل الكتاب فألحقا وضوء لدى البرد الشديد فحققا بتأخير صف أول مسلماً وقا ومن كان في وقت الفساد موفقا برى فرحاً مستبشراً بالذي ارتقى (١) أخرجه البخاري في كتاب: العتق، باب: العبد إذا أحسن ... (١٢٧/٥). وأخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: ثواب العبد وأجره ... (الحديث: ٤٤). (٢) أخرجه البخاري في كتاب: العتق، باب: كراهية التطاول على الرقيق (١٢٨/٥). ١٥٩ ٢٣٨ - باب: في فضل المملوك الذي يؤدي حق الله تعالى ١٣٦٣ - وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((ثَلاثَةٌ لَهُمْ أَجْرانٍ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ، والْعَبْدُ الْمَمْلوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وحَقَّ مَوالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ فَأَذَّبَها فَأَحْسِنَ تَأْدِيَها وَعَلَّمَها فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَها ثُمَّ أَعْتَقَها فَتَزَوَّجَها فَلَهُ أَجْران)» ومن فيه حقاً قد غدا متصدقا ومغتسل في جمعة عن جنابة وماش يصلي جمعة ثم من أتى ندا اليوم خيراً ما فضعفه مطلقا ونازع نعل إن لخير تسبقا ومن حتفه قد جاء من سلاحه يده بعد أكل والمجاهد أخفقا وماش لدى تشييع ميت وغاسل ومستمع الآثار فيما روى التقى ومتبعاً ميتاً حياء من أهله بفهم لمعناه التسريف محققا ومن مصحف يقرا وقاريه معرباً وقال المهلب: جاء النص على هؤلاء الثلاثة لينبه به على سائر من أحسن في معنيين في أي فعل كان من أفعال البر. اهـ (رجل من أهل الكتاب) يهودياً كان أو نصرانياً، كما استوجهه السيوطي تبعاً للطيبي، وذلك مستمر إلى يوم القيامة، كما رجّحه البلقيني، وأيده تلميذه الحافظ في الفتح، وزاد ((والمرأة في ذلك كالرجل)) (آمن بنبيه وآمن بمحمد ◌َلة) فأجر أجرين لإِيمانه بالنبيين، فلا يلحق به الكافر المشرك إذا أسلم خلافاً للداودي. وقال الحافظ: يحتمل أن يكون تعدد أجره؛ لكونه لم يعاند كما عاند غيره ممن أضله الله على علم فحصل له الأجر الثاني لمجاهدته نفسه على مخالفة أنظاره (والعبد المملوك إذ أدى) بتشديد الدال المهملة (حق الله) بالفعل لما طلب فعله إيجاباً أو ندباً، وترك ما نهي عن فعله تحريماً أو كراهة (وحق مواليه) فإن قيل: يلزم عليه أن يكون أجر المماليك ضعف أجر السادات، أجاب الكرماني بأنه لا محذور في ذلك ويكون أجره مضاعفاً لما تقدم. وقد يكون للسيد جهات أخرى يستحق بها إضعاف أجر العبد، أو المراد ترجيح العبد المؤدي للحقين على المؤدي لأحدهما. والمراد تضعيف أجره على عمل يتخذ طاعة لله وطاعة للسيد، فيعمل عملاً واحداً ويؤجر عليه أجرين بالاعتبارين (ورجل كانت له أمة فأدّبها) علمها الآداب الشرعية (فأحسن تأديبها وعلمها) ما تحتاج إليه معاشاً ومعاداً (فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها) أي: بمهر جديد سوى العتق، كما يؤخذ من رواية الترمذي (أعتقها ثم أصدقها)) فأفادت هذه الرواية ثبوت الصداق (فله أجران) هو تكرير لطول الكلام؛ للاهتمام ١٦٠ ١٠ - كتاب: الجهاد مُتَّفَقَ عَلَيْهِ(١). ٢٣٩ _ باب: في فضل العبادة في الهَرْج وهو الاختلاط والفتن ونحوها ١٣٦٤ - عَنْ مَعْقِلِ بنِ يَسارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((الْعِبادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). به (متفق عليه) أخرجه البخاري في العلم، وفي العتق، وفي الجهاد في أحاديث الأنبياء، وفي النكاح وأخرجه مسلم في الإيمان. ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه اهـ. باب فضل العبادة في الهرج بفتح الهاء وسكون الراء وبالجيم، هو القتال والاختلاط. قال في النهاية: وأصله الكثرة في الشيء والإِنساع، وكذا فسره المصنف بقوله (وهو الاختلاط والفتن ونحوها) من الإِرجافات. ١٣٦٤ - (عن معقل) بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف (بن يسار) بفتح التحتية وبالمهملتين، بينهما ألف، تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب أمر ولاة الأمور بالرفق (قال: قال رسول الله وَير: العبادة في الهرج) يحتمل كونه لغواً وكونه مستقراً حال أو صفة (كهجرة إليّ) قال المصنف: وسبب كثرة فضلها فيه أن الناس يغفلون عنها، ويشتغلون عنها، ولا يتفرغ لها إلا الأفراد اهـ، وقال الدميري: قال القرطبي: المتنسك في ذلك الوقت والمنقطع إليها المنعزل عن الناس أجره كأجر المهاجر إلى النبي وكثير؛ لأنه ناسبه من حيث إن المهاجر فرّ بدينه ممن يصد عنه للاعتصام بالنبي ◌ّر، وكذا هذا المنقطع للعبادة فرّ من الناس بدينه إلى الاعتصام بعبادة ربه، فهو في الحقيقة قد هاجر إلى ربه وفرّ من جميع خلقه (رواه مسلم) ورواه أحمد والترمذي وابن ماجه كلهم من حديث معقل. (١) أخرجه البخاري في كتاب: العلم، باب: تعليم الرجل أمته وأهله (١٧٠/١، ١٧١). وأخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: وجوب الإِيمان برسالة نبينا ... (الحديث: ٢٤١). (٢) أخرجه مسلم في كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: فضل العبادة في الهرج، (الحديث: ١٣٠).