النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤١
١٨٩ - باب: في فضل المشي إلى المساجد
حِماراً تَرْكَبُهُ فِي الظُّلْماءِ وفي الرَّمْضاءِ. قَالَ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ مَنْزِلِي إِلَى جَنْبٍ
الْمَسْجِدِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ يُكْتَبَ لِي مَمْشايَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَرُجُوعِي إِذَا رَجَعْتُ إِلَى
أَهْلِي. فقالَ رسُولُ اللَّهِ ،وَى: ((قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
١٠٥٤ - وعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: خَلَتِ الْبِقَاعُ حَوْلَ الْمَسْجِدِ فَأَرادَ بْنُو
سَلِمَةَ أَنْ يَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ وَ فَقَالَ لَهُمْ: ((إِنَّهُ بَلَغَني
المسجد كما يدل عليه السياق (فقيل له) القائل هو أبي كما عند مسلم في هذا الحديث
بزيادة ((أو قلت له))، وأو للشك وفي رواية أخرى عنده قال: قال - أي أبي - فتوجعت له
فقلت له يا فلان (لو اشتريت حماراً تركبه في الظلماء) فيقيك من أذى الحشرات المنتشرة
في أول الظلمة (وفي الرمضاء) فيقيك من نصب الحر؛ لأنهم كانوا حفاة (قال: ما يسرني)
بفتح التحتية أي: يفرحني (أن منزلي إلى جنب المسجد) وعلل ذلك بقوله على سبيل
الاستئناف البياني (إني أريد) أي: أقصد ولما تعين المقصود منه سكت عن ذكره (أن يكتب
لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي) أي: أجرهما أو يكتبان هما
فيضاعف أجرهما والفعل المضارع بالبناء للمفعول وما بعده نائب الفاعل، ويجوز قراءته
مبنياً للفاعل وهو الله سبحانه وتعالى وعاد إليه وإن لم يتقدم ذكراً لتقدمه ذكراً (فقال
رسول الله (*) عطف على مقدر أي: فبلغ ذلك النبي ◌َّ فقال مخاطباً له (جمع الله له
ذلك) أي: ما ذكرت من أجر الممشى والرجوع فاسم الإِشارة فيه كما في قوله تعالى:
﴿لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك﴾ (٢) وأكد الجمعية لئلا يذهب الوهم ويسري إلى الفهم
أنه تجوز عن الأكثر بذلك فقال: (کله رواه مسلم).
١٠٥٤ - (وعن جابر رضي الله عنه قال: خلت البقاع) بكسر الموحدة جمع بقعة قال في
المصباح: البقعة من الأرض القطعة منها (حول المسجد) بالنصب على الظرفية لقوله خلت
أو صفة للبقاع لكونه محلى بأل الجنسية وهي كالنكرة معنى (فأراد بنو سلمة) بفتح المهملة
وكسر اللام بطن من الأنصار، والنسبة لهم سلمى بفتح أوليه من تغيير النسب قال ابن
عبد البر في كتاب الأنساب: وأما الخزرج فمن بطونهم النجار وفي النجار بطون كثيرة إلى أن
قال: ومنهم سلمة بن سعد بن الخزرج (أن ينتقلوا) إلى المكان الذي خلا (قرب المسجد
(١) أخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل كثرة الخطا إلى المساجد، (الحديث:
٢٧٨).
. (٢) سورة البقرة، الآية: ٦٨.

٥٤٢
٨ - كتاب: الفضائل
أَنَّكُمْ تُريدونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ)) قَالوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ.
فَقَالَ: ((بَنِي سَلِمَةَ دِيارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ، دِيارَكُمْ تُكْتَبْ آثارُكُمْ)) فَقالَوا: مَا يَسُرُّنَا أَنَّا
كُنَّا تَحَوَّلْنا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ مِعْناهُ مِنْ رِوايةِ أَنَسٍ (١).
١٠٥٥ _ وعَنْ أَبي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ أَعْظَمَ
النَّاسِ أَجْراً في الصَّلاةِ أَبْعَدُهُمْ إِلَيْها مَمْشَى فَبْعَدُهُمْ، والَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلاةَ حَتَّى
فبلغ ذلك) أي: إرادتهم الانتقال (النبي ◌َّر فقال لهم: بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب
المسجد قالوا: نعم يا رسول الله) حذف العاطف لأن القصد حكاية لفظ جوابهم من غير
تعرض لكونه عقب السؤال المدلول عليه بالفاء أو بعده بمدة المدلول عليه بثم أو محتملاً
لذينك وغيرهما المدلول عليه بالواو وجملة الجواب وهي قولهم (قد أردنا ذلك) أتوا بها مع
كفاية نعم عنها زيادة في الإِقرار والتصريح بما كانوا أرادوا (فقال: بني سلمة) بتقدير حرف
النداء قبله (دياركم) منصوب على الإِغراء (تكتب) بالجزم جواباً للشرط المقدر؛ لكونه في
جواب الأمر المدلول عليه بالاسم المنصوب على الإِغراء، والفعل مبني للمجهور ونائب
فاعله قوله (آثاركم) أي: خطاكم الكثيرة إلى المسجد (فقالوا: ما يسرنا أنا كنا تحولنا) لجوز
القرب من المسجد لما يفوت عليه من نقص الآثار بقلة الخطا لقرب المكان (رواه مسلم)
في كتاب الصلاة، وقد تقدم الحديث مشروحاً في باب بيان كثرة الخيرات (وروى البخاري
معناه) في باب احتساب الآثار من كتاب الصلاة وفي فضل المدينة آخر المناسك (من رواية
أنس) وهو في الصلاة بلفظ ((يا بني سلمة ألا تحتسبون آثاركم)) وبلفظ ((أن بني سلمة أرادوا
أن يتحولوا عن منازلهم فينزلوا قريباً من النبي وَّ قال: فكره النبي ◌َّر أن يعروا منازلهم
فقال: ((ألا تحتسبون آثاركم)). ولفظه في المناسك ((أراد بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب
المسجد فكره رسول الله ور أن تعرى المدينة وقال: ((يا بني سلمة ألا تحتسبون آثاركم))
فأقاموا)).
١٠٥٥ - (وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ له: إن أعظم الناس أجراً)
منصوب على التمييز (في الصلاة) في تعليلية أي: لأجلها (أبعدهم إليها ممشى) اسم مكان
(١) أخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل كثرة الخطا إلى المساجد، (الحديث:
٢٨٠).
وأخرجه البخاري في كتاب: الصلاة، باب: احتساب الآثار (١١٧/٢) بمعناه.

٥٤٣
١٨٩ - باب: في فضل المشي إلى المساجد
يُصَلِّيَها مَعَ الإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْراً مِنَ الَّذِي يُصَلِّيها ثُمَّ يَنامُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
١٠٥٦ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَ﴿ قَالَ: ((بَشِّروا الْمَشَّائِينَ في
الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ الَّامِّ يَوْمَ الْقِيامَةِ»
ويحتمل أن يكون مصدراً ميمياً، والأول أولى؛ لأنه الذي يوصف بالبعد (فأبعدهم)(٢) وكلما
كان البعد أكثر كانت الخطوات والمشقة أكثر فيكون ذلك أعظم للأجر (والذي ينتظر الصلاة
حتى يصليها مع الإِمام) غاية الانتظار ويجوز كون حتى تعليلية؛ لبيان علة الانتظار المرتب
عليه قوله: (أعظم أجراً) أي: ثواباً (من الذي يصليها) أول الوقت منفرداً (ثم ينام) وذلك؛
لأن الأول في صلاة مدة انتظار لها، ولذاكره له ما يكره للمصلي من تشبيك أصابع وقرقعتها
وعبث ونحوه، مع فضل الجماعة (متفق عليه).
١٠٥٦ - (وعن بريدة) بضم الموحدة وفتح الراء والدال المهملتين، وسكون التحتية بينهما
(رضي الله عنه قال: قال النبي ◌َّ: بشروا) أمر من التبشير وهو في الأصل موضوع للإِخبار
بالخبر السار والمخاطب بذلك الصحابة فمن بعدهم وهكذا هو في الرياض بضمير الجمع،
وفي الجامع الصغير بصيغة الإِفراد قال شارحه العلقمي نقلاً عن السيوطي: هذا من الخطاب
العام، ولم يرد به أمراً واحداً بعينه (المشائين) بالهمز والمد (في الظلم) بضم ففتح جمع
ظلمة وهي تعم ظلمة العشاء والفجر لكن في الطبراني عن أبي أمامة: بشر المدلجين إلى
المساجد، والإِدلاج بالتخفيف المشي في جميع الليل وبالتشديد المشي آخره (إلى
المساجد) الجمع نظراً لجمع المشائين وهو نظير ركب الناس دوابهم من مقابلة الجمع
بالجمع أي: ركب كل دابته أي: بشر كل ماش إلى المسجد في الظلمة (بالنور التام) أي :
من جميع جوانبهم فإنهم يختلفون في النور على قدر الأعمال (يوم القيامة) أي: على
الصراط. قال ابن رسلان: ويحتمل أن يراد بالنور المنابر التي من النور لرواية الطبراني:
((بشر المدلجين إلى المساجد في الظلم بمنابر من نور يوم القيامة يفزع الناس ولا يفزعون))
وفي الحديث فضل المشي إلى الصلاة سواء كان المشي طويلاً أو قصيراً، وفضل المشي
(١) أخرجه البخاري في كتاب: صلاة الجماعة، باب: فضل صلاة الفجر جماعة (١١٦/٢).
وأخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل كثرة الخطا إلى المساجد، (الحديث:
٢٧٧).
(٢) الفاء للاستمرار نحو الأمثل فالأمثل اهـ. كرماني.

٥٤٤
٨ - كتاب: الفضائل
رَوَاهُ أَبو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ (١).
١٠٥٧ - وعنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ :﴿ قَالَ: ((ألا أَدُلُّكُمْ
عَلى مَا يَمْحو اللَّهُ بِهِ الْخَطايا، ويَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجاتِ؟! قالوا: بَلَى يا رسُولَ اللَّهِ.
قالَ: ((إِسْباغُ الْوُضوءِ عَلى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطا إِلَى الْمَساجِدِ، وانْتِظارُ الصَّلاةِ
بَعْدَ الصَّلاةِ؛ فَذَلِكُمُ
إليها للجماعات في ظلم الليل (رواه أبو داود والترمذي).
١٠٥٧ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله وٍَّ قال: ألا) بتخفيف اللام حرف
استفتاح لتنبيه المخاطب لما بعده (أدلكم على ما) أي: الذي أو شيء (يمحو الله به الخطايا)
بإذهابها من ديوان الحفظة أو بترك المؤاخذة عليها في الآخرة والمراد الصغائر المتعلقة بالله
تعالى ولا يضر كون الباء سببية؛ لأن السببية لذلك بجعل الله سبحانه وتعالى (ويرفع به
الدرجات) أي: يعطي به المنازل الرفيعة في الجنة إذ التفاوت فيها إنما يظهر بذلك وظاهره
جمع الأمرين لفاعل ما يأتي وقدم الأول على الثاني؛ لأنه من باب التخلية بالمعجمة والثاني
من باب التخلية بالمهملة والأول مقدم على الثاني (قالوا: بلى يا رسول الله قال: إسباغ
الوضوء) أي: استيعاب أعضائه بالغسل والمسح مع استيفاء آدابه ومكملاته (على) بمعنى
مع (المكاره) جمع مكره بفتح الميم من الكره وهو المشقة ومنها طلب الماء وشراؤه بثمن
المثل بشرطه، فإنه يشق على النفس (وكثرة) بفتح الكاف قال في المصباح: الكسر رديء
ويقال: خطأ (الخطا) بضم ففتح وبالقصر جمع خطوة (إلى المساجد) فيه فضل الدار البعيدة
عن المسجد على القريبة، ويدل له أحاديث الباب، ولا ينافيه عده مص لل من شؤم الدار بعدها
عن المسجد؛ لأن بعدها وإن كان فيه شؤم من حيث أنه قد يؤدي إلى تفويت الصلاة عن
وقتها لكن فيه فضل عظيم إذا توجه منها إلى الصلاة بالمسجد فشؤمها وفضلها اعتباريان فلا
تنافي (وانتظار الصلاة بعد الصلاة) أي: الجلوس لانتظارها بعد انقضاء عمل الأولى منفرداً
أو جماعة، وذلك لدوام فكره وتعلق قلبه بها فهو دائم المراقبة والحضور غير ملته عن فضل
عبادات بدنه بشيء (فذلكم) عدل إليه عن هذا الذي هو القياس للدلالة على بعد منزلته
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في المشي إلى الصلاة في الظلام، (الحديث: ٥٦١).
وأخرجه الترمذي في كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في فضل العشاء والفجر في الجماعة (الحديث:
٢٢٣).

٥٤٥
١٨٩ - باب: في فضل المشي إلى المساجد
الرِّبَاطُ؛ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
١٠٥٨ - وعنْ أَبي سَعيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَ﴿ِ قال: ((إِذَا رَأَيْتُمُ
الرَّجُلَ يَعْتَادُ الْمَساجِدَ فَاشْهَدوا لَهُ بِالإِيمَانِ؛
وعظمها فهو نظير ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾ (٢) (الرباط) لا غيره كما أفاده تعريف الجزأين
الدال على الحصر لكنه إضافي أي: ما ذكر من الثلاث هو المستحق أن يسمى رباطاً وغيره
الذي هو الرباط الحقيقي وهو ملازمة الثغر لحفظ عورة المسلمين لا يستحق ذلك بالنسبة إليه
لما فيه من أعظم القهر لأعدى عدوك الذي هو النفس الأمارة بالسوء وقمع سورتها وقلع
مكايد الشيطان وأعوانه من جميع أجزائها، وفي هذا أعظم تأييد لما روي: ((رجعنا من
الجهاد الأصغر)) أي: الذي هو جهاد العدو ((إلى الجهاد الأكبر)) أي: الذي هو جهاد النفس،
وذلك؛ لأن تلك الأعمال لما كانت تسد طرق الشيطان والهوى عن النفس وتقهرها وتمنعها
من قبول الوساوس واتباع الشهوات، فيغلب بها حزب الله جنود عدوه كانت هي المرابطة
الحقيقية، والجهاد الأكبر جهاد الكفار وإن شرع للخروج عن النفوس والأولاد والأموال
لإعلاء كلمة الله تعالى مع تكميل النفوس بخروجها عن مألوفاتها ومستلذاتها لكنه لا يدوم
زمنه وإنما يكون برهة ثم ينقضي وتلك الأعمال دائمة الوجود، وذلك التكميل موجود فيها
بزيادة ووقع في نسخة مصححة من الرياض قوله: (فذلكم الرباط) مرة ثانية وقدمنا له كذلك
في رواية لمسلم (رواه مسلم) والحديث سبق في فضل الوضوء.
١٠٥٨ - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ◌َّ قال: إذا رأيتم) أي: علمتم
(الرجل يعتاد المساجد) وفي رواية: ((يتعاهد المساجد)) والمراد باعتياد المسجد أن يكون
قلبه متعلقاً به منذ يخرج منه إلى أن يعود إليه قال السيوطي : المراد شدة حبه له وملازمة
الجماعة فيه، وليس معناه دوام القعود فيه وقال التوربشتي: هو بمعنى التعهد وهو التحفظ
بالشيء وتجديد العهد به ويروى يتعاهد ومعناه، والاعتياد معاودته إلى المسجد مرة بعد
أخرى لإقامة الصلاة اهـ. وكلاهما حسن وقال الطيبي يتعاهد أشمل معنى وأجمع لما يناط
به أمر المساجد من العمارة واعتياد الصلاة وغيرهما ألا ترى كيف استشهد به و بالآية قال في
الكشاف: العمارة تتناول رمّ ما انهدم منها وقمها وتنظيفها وتنويرها بالمصابيح وتعظيمها
واعتيادها والذكر فيها، فاشهدوا أي: اقطعوا (له بالإِيمان) فإن الشهادة تصدر عن مواطأة
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الطهارة، باب: فضل إسباغ الوضوء على المكاره، (الحديث: ٤١).
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢.

٥٤٦
٨ - كتاب: الفضائل
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ(١): ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ الآية)).
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ(٢).
١٩٠ - باب: في فضل انتظار الصلاة
١٠٥٩ - عَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ: ((لا يَزالُ أَحَدُكُمْ
في صَلاةٍ مَا دامَتِ الصَّلاةُ تَحْبِسُهُ لا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إلّ الصَّلاةُ))
مُتَّفَقْ عَلَيْهِ(٣).
القلب اللسان على سبيل القطع كذا في الكوكب المنير (قال الله عز وجل: إنما يعمر
مساجد الله من آمن بالله) أي: لا يعمرها إلا المؤمن الموصوف بما في الآية من قوله:
﴿وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله﴾(١) كما أومأ إليه المصنف بقوله: (الآية)
بالنصب بإضمار نحو اقرأ وبالرفع بإضمار مبتدأ أي: المتلو الآية وقوله: ﴿فعسى أولئك أن
يكونوا من المهتدين﴾(١) إيماء إلى أن الطاعات أمارات على الاهتداء فيرجى الاهتداء عندها
إلا علامات قطعية (رواه الترمذي وقال: حديث حسن) ورواه أحمد وابن ماجه وابن خزيمة
وابن حبان والحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن.
باب فضل انتظار الصلاة
أي: الجلوس لانتظارها.
١٠٥٩ - (عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله ثم ◌ّ قال: لا يزال أحدكم في صلاة)
أي: من حيث الثواب لا في سائر الأحكام (ما) مصدرية ظرفية صلتها (دامت الصلاة تحبسه)
أي: تمنعه، أي: مدة حبسها أي: منعها له عن انصرافه لحاجاته وقوله: (لا يمنعه أن ينقلب
إلى أهله إلا الصلاة) جملة حالية مؤكدة لمضمون عاملها (متفق عليه).
(١) سورة التوبة، الآية: ١٨.
(٢) أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة التوبة، (الحديث: ٣٠٩٣).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب: صلاة الجماعة، باب: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد
(١١٩/٢).
وأخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: جواز الجماعة في النافلة ... (الحديث:
٢٧٦) .

٥٤٧
١٩٠ - باب: في فضل انتظار الصلاة
١٠٦٠ - وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((الْمَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلى
أَحَدِكُمْ مَا دَامَ في مُصَلَّهُ الَّذِي صَلّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَقولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ،
اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١).
١٠٦١ - وعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ أَخَّرَ لَيْلَةً صَلاةَ الْعِشاءِ إِلَى
شَطْرِ اللَّيْلِ، ثُمَّ أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ بَعْدَمَا صَلَّى فَقالَ: ((صَلَّى النَّاسُ وَرَقَدُوا وَلَمْ تَزالوا في
صَلاةٍ مُنْذُ انْتَظَرْتُمُوهَا)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(٢).
١٠٦٠ - (وعنه أن رسول الله وَر قال: الملائكة تصلي) أي: تستغفر وتطلب الرحمة (على
أحدكم) أي: للواحد منكم، وعدّى بعلى لتضمنه معنى الحنو، أو إيماءً إلى علو الرحمة
المدعو بها على المدعو له (ما دام في مصلاه) أي: مكان صلاته (الذي صلى فيه) عمومه
متناول لفرض الصلاة ونفلها (ما لم يحدث) ما فيه مصدرية ظرفية والمراد بالإِحداث الإتيان
بالحدث الناقض للوضوء، أو المراد ما لم يتكلم بكلام الدنيا المنهي عنه، ثم بين صيغة
دعائها له بقوله (تقول) أي: الملائكة (اللهم اغفر له) ظاهر عمومه المستفاد من حذف
المعمول شامل لكبائر الذنوب، ولا مانع منه؛ لأنه سؤال من الله الغفران والله يغفر ما يشاء
غير الشرك (اللهم ارحمه رواه البخاري).
١٠٦١ - (وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله و لل أخر ليلة صلاة العشاء إلى شطر الليل)
أي: نصفه (ثم أقبل بوجهه بعد ما صلى فقال:) مبشراً لهم بالفضل الذي نالهم من تأخيره
الصلاة بهم (صلی الناس) أي: غیر من في مسجده ټ المصلي معه فهو عام مراد به خاص
(ورقدوا ولم تزالوا في صلاة) أي: من حيث الثواب (منذ انتظرتموها) أي: من ابتداء وقت
انتظاركم إياها، وفي الإِتيان بثم إيماء إلى أن ذلك الحكم زال بإتمامهم الصلاة (رواه
البخاري).
(١) أخرجه البخاري في كتاب: صلاة الجماعة وفي المساجد باب: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة ...
(١١٩/٢).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الصلاة، باب: وقت العشاء إلى نصف الليل، والأذان والبيوع وبدء الخلق
(١٢٤/٢).

٥٤٨
٨ - كتاب: الفضائل
١٩١ - باب: في فضل صلاة الجماعة
١٠٦٢ - عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَهِ قالَ: ((صَلاةُ الْجَماعَةِ
أَفْضَلُ مِنْ صَلاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً»
باب فضل صلاة الجماعة
واختلف فيها هل هي فرض أو سنة، وعلى الأول هل هي فرض عين، أو كفاية خلاف
بين الأئمة والصحيح في مذهب الشافعي أنها في غير الجمعة فرض كفاية على الأحرار الذكور
المقيمين غير أولي العذر أما في الجمعة ففرض عين؛ لأنها شرط لصحتها في الركعة الأولى وأقلها
في غير الجمعة إمام وماموم .
١٠٦٢ - (عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله وسلّم قال صلاة الجماعة) الإِضافة فيه
بمعنى في والظرفية مجازية أو بمعنى اللام (أفضل) أي: أكثر ثواباً (من صلاة الفذ) بفتح
الفاء وتشديد الذال المعجمة قال في المصباح: هو الواحد وجمعه فذوذ (بسبعٍ وعشرين
درجة) لا ينافي هذا ما يأتي في الحديث بعده من أنها تضعف على غيرها خمساً وعشرين
إما؛ لأن العدد القليل لا ينفي الكثير، أو أنه أعلم بالقليل أولاً فأعلم به ثم أعلم بالكثير فأخبر
به، أو أن ذلك يختلف بحسب كمال الصلاة ومحافظة هيئتها وخشوعها وكثرة جماعتها
وشرف البقعة ونحو ذلك، وقال الحافظ في الفتح: ظهر لي في الجمع بين الحديثين أن أقل
الجماعة إمام ومأموم فلولا الإِمام ما سمي المأموم مأموماً وبالعكس، فإذا تفضل الله على من
صلى جماعة بزيادة خمس وعشرين درجة حمل الخبر الوارد بفضلها على الفضل الزائد،
والخبر الوارد بلفظ سبعة وعشرين على الأصل والفضل اهـ. قلت: هذا أحسن من قول
البرماوي بعد حكاية آخر أوجه الجمع بين الحديثين ما لفظه: وحينئذ يظهر وجه مناسبة
السبع والعشرين أن فرائض اليوم والليلة سبع عشرة ركعة، والرواتب المؤكدة للدوام عليها
عشر، فضعف أجر الجماعة بهذا الاعتبار، وأما الوتر فلا مدخل له؛ لأنه شرع بعد، وأحسن
منه ما نقله الحافظ في الفتح ما كتبه شيخه السراج البلقيني على العمدة وقال إنه لم يسبق
إليه أن لفظ الحديث صلاة الجماعة معناه صلاة في الجماعة كما وقع في حديث أبي هريرة:
صلاة الرجل في الجماعة، وعلى هذا فكل واحدٍ من المحكوم له بذلك صلى في جماعة
وأدنى الأعداد التي يتحقق فيها ذلك بثلاث حتى يكون وكل واحد صلى في جماعة وكل
واحد منهم أتى بحسنة وهي بعشر فتحصل من مجموعه ثلاثون فاقتصر في الحديث على

٥٤٩
١٩١ - باب: في فضل صلاة الجماعة
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١) .
١٠٦٣ - وعَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَّ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((صَلاةُ
الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تُضَعَّفُ عَلى صَلاتِهِ فِي بَيْتِهِ وفي سُوقِه خَمْساً وَعِشْرِينَ ضِعْفاً؛
وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضوءَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لا يُخْرِجُهُ إِلّ الصَّلاةُ،
الفضل الزائد، وهو سبع وعشرون دون الثلاثة التي هي أصل ذلك اهـ. (متفق عليه) ورواه
الإِمام مالك وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة كذا في الجامع الصغير.
١٠٦٣ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: صلاة الرجل في جماعة)
الظرف إما في محل الحال أو صفة للرجل؛ لأنه محلى بأل الجنسية، ويجوز جعله لغواً
متعلقاً بصلاة (تضعف) بتشديد العين المهملة (على صلاته في بيته وفي سوقه) أي: منفرداً
كما يومىء إليه مقابلته بصلاة الجماعة؛ ولأن الغالب في فعلها في البيت والسوق والانفراد
(خمساً وعشرين ضعفاً) مفعول مطلق كقوله تعالى: ﴿فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ (٢) قال
البرماوي: السر في الأعداد خفي لا يعلم حقيقته إلا الله تعالى. نعم يحتمل أن يقال في
مناسبة الخمس والعشرين أن صلوات اليوم والليلة خمس فإذا ضربت في نفسها بلغت ذلك،
فأريد تضعيف ثوابها على الإِنفراد بذلك لمناسبته في جنس الأصل ويحتمل أن الأربعة لما
كانت تؤلف منها العشرة فيقال واحد واثنان وثلاثة وأربعة، وهذا المجموع عشرة، ومن
العشرات المئات، ومن المئات الألوف فكانت أصل جميع مراتب العدد، ومع ذلك زيد
عليها واحد مبالغة ثم ضعفت بعدد الصلوات الخمس مبالغة أخرى اهـ. (وذلك) إن كان
المشار إليه فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ اقتضى اختصاص ذلك بجماعة المسجد،
وقد حكى القرطبي في المفهم خلاف العلماء هل الفضل المضاف للجماعة لأجل الجماعة
فقط حيث كانت أو إنما يكون الفضل للجماعة التي تكون بالمسجد لما يلازمها من فضائل
تختص بها من إكثار الخطا إليه وكتب الحسنة ومحو السيئة بكل خطوة المذكورة في قوله
(أنه) أي: الشأن أو الرجل (إذا توضأ فأحسن الوضوء) أي: أسبغه مع الإِتيان بالسنن
والآداب (ثم خرج إلى المسجد) أي: متوجهاً إليه (لا يخرجه إلا الصلاة) جملة حالية من
(١) أخرجه البخاري في كتاب: صلاة الجماعة، باب: فضل صلاة الجماعة (١٠٩/٢ و١١٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد ...
(الحديث: ٢٤٩).
(٢) سورة النور، الآية: ٤.
Cox

٥٥٠
٨ - كتاب: الفضائل
لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلّ رُفِعَتْ لَهُ بِهِا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلِ
الْمَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّهُ مَا لَمْ يُحْدِثُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ
ارْحَمْهُ، ولا يَزالُ فِي صَلاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلاةَ)) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. وَهَذَا لَفِظُ الْبُخَارِيُّ(١).
فاعل خرج مقيدة لترتب الثواب الآتي على الخروج إلى المسجد بمضمونها فإن أخرجه إليه
غيرها أو هي مع غيرها فاته ما يأتي. وظاهر أن المفوت الخروج للشغل الدنيوي، أما إذا
خرج للصلاة فيه وقراءة قرآن أو علم فذاك بر ضم إلى بر (لم يخط خطوة) بفتح المعجمة
(إلا رفعت) بالبناء للمجهول (لها بها درجة) نائب الفاعل والظرفان إما لغوان كل منهما
متعلق بالفعل لاختلاف الجار لفظاً ومعنىٍّ، وإما مستقران حالان من درجة كانا صفتين لها
فقدما وأعربا حالين، ومثل هذا الإِعراب جار في قوله (وحط عنه بها خطيئة) أي: من
الصغائر المتعلقة بحق الله تعالى ثم استظهر القرطبي أن الفضل للجماعة لذاتها قال: لأنها
هي الوصف الذي علق عليه الحكم، وخالف الحافظ فقال: قوله وذلك إلخ ظاهر في أن
الأمور المذكورة علة للتضعيف المذكور، إذ التقدير وذلك؛ لأنه فكأنه يقول التضعيف
المذكور سببه كيت وكيت وإذا كان كذلك فما رتب على موضوعات متعددة لا يوجد بوجود
بعضها إلا إن دل الدليل على إلغاء ما ليس معتبراً أو ليس مقصوداً لذاته وهذه الزيادة معقولة
المعنى فالأخذ بها متجه والروايات المطلقة لا تنافيها بل يحمل مطلقها على مقيدها (فإذا
صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه) نترحم وتستغفر له (ما دام في مصلاه) أي: جالساً فيه،
ويحتمل أن يراد: ما دام مستمراً فيه ولو مضطجعاً (ما لم يحدث) وعطف عطف بيان على
قوله: تصلي عليه قوله (اللهم صل عليه اللهم ارحمه) أي: تقول ذلك(٢) (ولا يزال) غير
النافي للتفنن مع كون المحدث عنه فيما تقدم أمراً منقضياً وفيما هنا أمراً آتياً، واسم يزال
مستتر يعود إلى المصلي المفهوم من السياق والخبر قوله (في صلاة ما انتظر الصلاة) أي :
مدة انتظاره إياها (متفق عليه) أخرجه البخاري في مواضع من الصلاة من صحيحه ومسلم
في صلاة الجماعة (وهذا لفظ البخاري) ولفظ مسلم نحوه.
(١) أخرجه البخاري في كتاب: صلاة الجماعة، باب: فضل صلاة الفجر في جماعة (١١٢/٢، ١١٤).
وأخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد ...
(الحديث: ٢٤٥).
(٢) لا يخفى أن المضارع المحذوف وهو تقول هو عطف البيان ويصح أن يكون بدلاً وأما قوله اللهم فمقول
لتقول المحذوف. ع

٥٥١
١٩١ - باب: في فضل صلاة الجماعة
١٠٦٤ - وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَتى النَّبِيَّ ◌َ﴿ رَجُلٌ أَعْمى فَقالَ:
يا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ لي قَائِدٌ يَقودُني إِلَى الْمَسْجِدِ، فَسَأَلَ رسُولَ اللَّهِ وَ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ
فَيُصَلَِّ فِي بَيْتِهِ فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلّى دَعَاهُ فَقالَ لَهُ: ((هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلاةِ؟))
قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَأَجِبْ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
١٠٦٤ - (وعنه قال: أتى النبي (وَّ رجل أعمى) قال المصنف وتبعه السيوطي في الديباج:
هو ابن أم مكتوم كما في سنن أبي داود وغيره ونازعه في ذلك ابن حجر في فتح الإِلَّه فقال
فيه: نظراً لاختلاف سياق الحديثين كما يعلم من هذه وروايته الآتية بعد قال: إلا أن تكون
الواقعة متعددة (فقال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فسأل رسول الله واليوم أن
يرخص له) في ترك الجماعة (فيصلي) بالنصب عطفاً على ما قبله وبالرفع على الاستئناف
(في بيته فرخص له) من الرخصة وهي تغير الحكم من صعوبة إلى سهولة لعذر مع قيام
سبب الحكم الأصلي إذ تغير من الصعوبة وهي إلزامه الحضور إلى سهولة وهي التخفيف
عنه بسقوط ذلك لعذر وهو العمى مع قيام سبب الحكم الأصلي، وهو طلب اجتماع
المسلمين (فلما ولى دعاه فقال له) أي بعد أن جاءه (هل تسمع النداء) أي: الأذان
(بالصلاة) وعدى بالباء لتضمنه معنى الإِعلام وعدي بإلى في قوله تعالى ﴿وإذا ناديتم إلى
الصلاة﴾ (٢) لبيان غاية(٣) النداء (قال: نعم قال: فأجب) أي: إن أردت كمال الفضيلة الأليق
بك. ومعنى لأرخصته لك الوارد في حديث ابن أم مكتوم عند أبي داود أي: تلحقك بفضيلة
من حضرها والداعي إلى ذلك أنه ◌ّ﴾ أرخص لعتبان حين شكا ضعف بصره أن يصلي في
بيته فأولنا حديث الباب بما ذكر جمعاً بين الأحاديث المتعين حيث أمكن. قال في فتح
الإِله: وفيه نظر بالنسبة لما ذكر عن عتبان لأن الأصل في قصته في الصحيح أنه إنما سأل
الترخيص في صلاته في منزله عند وجود مانع من حضور مسجد قومه من حيلولة السيل بينه
وبينه، ولا شك أن في مثله يرخص حتى في حديث الباب اهـ. وفي الحديث تأكيد طلب
الجماعة واحتمال خفيف (٤) لتعب في حصولها، وذلك أن الغالب على من قرب داره من
المسجد أن يعرف مكايد الطريق لقصره فيقل لحاق الضرر به ثم الترخيص يحتمل أنه كان
باجتهاد أو وحي ورفعه الناسخ له كان كذلك (رواه مسلم).
(١) أخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: يجب إتيان المسجد على من سمع النداء
(الحديث: ٢٥٥).
(٢) سورة المائدة، الآية: ٥٨.
(٣) في الأصل (فائدة) بدل (غاية) وهو تحريف. ع
(٤) في الأصل (حقیقة) بدل (خفيف) وهو تحریف. ع

٥٥٢
٨ - كتاب: الفضائل
١٠٦٥ - وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ، وقِيلَ: عَمْرٍو بنٍ قَيْسِ الْمَعْروفِ بابنٍ أُمَّ مَكْتومٍ الْمُؤذِّنِ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْمَدِينَةَ كَثِيرَةُ الْهَوَامِّ والسِّباعِ، فَقالَّ رسُولُ
١٠٦٥ - (وعن عبد الله) حكاه المصنف في التهذيب: بصيغة التمريض وقال: ويقال
عبد الله بن زائدة ويقال: عامر بن زائدة وقدم ما حكاه هنا ممرضاً له بقوله (وقيل عمرو بن
قيس) بن زائدة ويقال: زيادة بن الأصم والأصم جندب بن هرم بن رواحة بن حجر بن
عبد بن بغيض بن عامر بن لؤي بن غالب القرشي العامري (المعروف بابن أم مكتوم
المؤذن) أي: للنبي وََّ (رضي الله عنه) قال المصنف في التهذيب الصحيح في اسمه عمرو
كما ذكرنا أولاً، وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي ◌َّ سماه كذلك فقال لفاطمة بنت قيس
في حديثها في طلاق زوجها: إعتدي في بيت ابن عمك عمرو بن أم مكتوم، ونقل عن ابن
الأثير أن الأكثر على أن اسمه عمرو قاله مصعب بن الزبير وأم مكتوم بالمثناة بصيغة المفعول
اسمها عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة بمهملة فنون ساكنة فكاف فمثلثة مفتوحتين ثم هاء ابن
عامر بن مخزوم، وهو ابن خال خديجة أم المؤمنين رضي الله عنهما؛ لأن أم خديجة فاطمة
بنت زائدة بن الأصم. هاجر ابن أم مكتوم إلى المدينة قبل مقدم النبي ◌َّ وبعده مصعب بن
عمير واستخلفه النبي ◌َّ ثلاث عشرة مرة في غزواته على المدينة وشهد فتح القادسية وقتل
بها شهيداً، وكان معه اللواء هذا هو المشهور. وذكر ابن قتيبة في المعارف أنه شهد القادسية
ثم رجع إلى المدينة فمات بها ونقل ابن الأثير هذا عن الواقدي. وهو الأعمى الذي ذكره الله
تعالى في قوله: ﴿عبس وتولى أن جاءه الأعمى﴾(١) وفضله مشهور روي له عن
رسول الله وَ﴿ على ما قال ابن الجوزي ثلاثة أحاديث قال: وقال البرقاني: له حديثان (أنه
قال: يا رسول الله إن المدينة) علم بالغلبة على طيبة دار الهجرة (كثيرة الهوام) بتشديد الميم
جمع هامة كذلك هي خشاش الأرض ومنها المؤذيات كالأفعى والعقرب (والسباع) بكسر
المهملة وتخفيف الموحدة آخره عين مهملة جمع سبع بفتح فضم أو سكون معروف وقال في
المصباح: إسكان الباء هي اللغة الفاشية عند العامة ولذا قال الصغاني: السبع والسبع لغتان
وقرىء بالإسكان في قوله تعالى: ﴿وما أكل السبع﴾(٢) وهو مروي عن الحسن البصري
وطلحة بن سليمان وأبي حيوة ورواه بعضهم عن ابن كثير أحد السبعة ويجمع المضموم على
سباع كرجل ورجال لا جمع له على هذه اللغة غير ذلك، ويجمع على لغة السكون على
(١) سورة عبس، الآيتان: ٢،١.
(٢) سورة المائدة، الآية : ٣

٥٥٣
١٩١ - باب: في فضل صلاة الجماعة
اللَّهِ وَهِ: (تَسْمَعُ حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ حَيَّ عَلى اَلْفَلاحِ فَحَيَّهَلَا)) رواهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنادٍ
حَسَنِ. ومَعنى ((حَيَّهَلا)): تَعالَ(١).
١٠٦٦ - وَعَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَهِ قَالَ: ((والَّذِي نَفْسِي
بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْتَطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بالصَّلاةِ فَيُؤَذَّنَ لها ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً
فَيُؤُمَّ النَّاسَ ثُمَّ أُخَالِفَ إلَى رِجَالٍ
أسبع كفلس وأفلس، وهذا كما خفف ضبع وجمع على أضبع، وقال ابن السكيت: الأصل
الضم لكن أسكن تخفيفاً ويقع السبع على كل ما له ناب يعدو به ويفترس كالذئب
لا الثعلب، فإنه وإن كان ذا ناب، إلا أنه لا يعدو به ولا يفترس وكذا الضبع قاله الأزهري
اهـ. ومراد ابن أم مكتوم مما ذكره الترخيص في ترك حضور الجماعة كما جاء عنه مصرحاً
في رواية المشكاة بزيادة: ((وأنا ضرير البصر فهل تجد لي من رخصة أن أصلي في بيتي))
(فقال رسول الله وسلم: تسمع حي على الصلاة حي على الفلاح) أي: تسمع الأذان الذي فيه
ما ذكر وخصا بالذكر لأنهما الداعيان إلى الحضور (فحي هلا) عطف على جواب ابن أم
مكتوم المقدر أي: قال نعم المصرح به في رواية المشكاة وزاد ((ولم يرخص له)) وحي هلا
بالتنوين هنا وفيه لغات تقدم بيانها (رواه أبو داود) قال في المشكاة بعد أن أورده بما ذكرناه
عنه: ورواه النسائي (بإسناد حسن) ورواه الترمذي في الصلاة عن هارون بن زيد بن أبي
الزرقاء عن أبيه عن سفيان عن عبد الرحمن بن عابس عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ابن
أم مكتوم (ومعنى حي هلا تعال).
١٠٦٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله وَير قال) وأقسم مؤكداً للمخبر عنه
(والذي نفسي بيده) أي: بقدرته (لقد هممت) أي: قصدت (أن آمر بحطب فيحتطب)
بالبناء للمجهول أي: يجمع وفي الصيغة إيماء إلى كلفة معاناة ذلك (ثم آمر بالصلاة فيؤذن)
بالبناء للمفعول أي: يعلم (بها) أي: بالإقامة المشروعة(٢) لها (ثم آمر رجلاً فيؤم الناس)
لاشتغاله وسلم عن الإِمامة بما دل عليه قوله (ثم أخالف) صيغة المفاعلة للمبالغة اذهب (إلى)
بيوت (رجال) قال البرماوي أي أخالف المشتغلين بالصلاة قاصداً إلى بيوت الذين لم
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: [في] التشديد في ترك الجماعة، (الحديث: ٥٥٣).
(٢) قوله (بالإِقامة) ليس تفسيراً لقوله بها بل هو تصوير للأذان، وحمل الآذان على الإقامة لورودها في رواية.
ع

٥٥٤
٨ - كتاب: الفضائل
فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيوتَهُمْ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
١٠٦٧ - وعَنْ ابنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ تَعالَى غَداً
مُسْلِماً فَلْيُحافِظْ عَلَى هَؤلاءِ الصَّلَواتِ حَيْثُ يُنادَى بِهِنَّ؛ فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبيَّكُمْ رَهُ
سُنْنَ الْهُدَى وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدى، ولَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَما يُصَلِّي هَذَا
يخرجوا إليها قال الجوهري: هو يخالف إلى امرأة فلان أي: يأتيها إذا غاب عنها وفي
الكشاف في قوله تعالى: ﴿وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه﴾ (٢) تقول: خالفني إلى
كذا إذا قصده وأنت مول عنه (فأحرق) من التحريق والتفعيل لما ذكر فيما قبله (عليهم
بيوتهم) هذا الحديث ظاهره مقوٍ لمن قال: بفريضة الجماعة عيناً وأجاب عنه من قال: إنها
فرض كفاية بأنه ورد في قوم منافقين لا يشهدون الجماعة، ولا يصلون العشاء فرادى والسياق
يؤيده، فإنه افتتح الحديث في رواية أخرى بقوله: ((إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة
العشاء والفجر)) ومما يصرح به قوله في حديث ابن مسعود الآتي: ((ولقد رأيتنا: وما يتخلف
عنها إلا منافق معلوم النفاق)) وكيف يظن بأدنى الصحابة رضي الله عنهم أنه يؤثر أدنى غرض
دنيوي على الصلاة مع رسول الله لر، أو أن همه بتحريقهم لاستهانتهم لا لمجرد الترك
أو أن المراد بها الجمعة أو أناس تركوا نفس الصلاة لا الجماعة، وجواز التحريق اللازم
لهمه ◌َلو به كان قبل تحريم المثلة وقوله: ((لا يعذب بالنار إلا خالقها)) وتركه إما لكونه هم به
اجتهاداً ثم نزل وحي بالمنع أو تغير اجتهاده (متفق عليه).
١٠٦٧ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: من سره أن يلقى الله غداً) أي: يوم القيامة
أو في الزمن المستقبل (مسلماً) حال من فاعل يلقى (فليحافظ على هؤلاء الصلوات) أي:
يبالغ في حفظها مراعياً لأركانها وواجباتها وسننها وآدابها (حيث ينادى بهن) أي: في المكان
الذي يعلم بهن للاجتماع لصلاتهن من نحو المساجد (فإن الله شرع) أي: أظهر وسن
(لنبيكم وَّ) عبر به دون نحو لي (٣) إيماءً إلى اتباعه في المشروع؛ لأنه الأصل ما لم يقم
دليل الخصوصية (سنن) بضم ففتح جمع سنة أي: طرائق (الهدى) ضد الضلال (وإنهن)
(١) أخرجه البخاري في كتاب: صلاة الجماعة في الخصومات (١٠٧/٢ و١٠٨).
وأخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد ...
(الحديث: ٢٥١).
(٢) سورة هود، الآية: ٨٨.
(٣) فيه نظر إذ القائل ابن مسعود لا النبي ◌َّ فلعل قوله ((لي)) محرف والصواب (لنبيه). ع

٥٥٥
١٩١ - باب: في فضل صلاة الجماعة
الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنا
وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْها إِلّ مُنافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، ولَقَدْ كانَ الرَّجُلِ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ
الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وفي روايةٍ لَهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَه
عَلَّمَنا سُنَنَ الْهُدى، وإِنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى الصَّلاةَ في الْمَسْجِدِ الَّذي يُؤْذُّنُ فِيهِ(١).
١٠٦٨ - وعَنْ أبي الدَّرْداءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقولُ:
((مَا مِنْ ثَلاثَةٍ فِي قَرْیةٍ
أي: الصلوات (من سنن الهدى) أي: بعضها أو مبتدؤها (ولو أنكم صليتم في بيوتكم) أي:
المكتوبة منفردين أو جماعة على وجه لا يظهر به الشعار (كما يصلي هذا المتخلف في بيته)
فيه أقصى غلبة من تحقيره وتبعيده عن مواطن القرب ولم أقف على من سماه (لتركتم سنة
نبيكم) أي: طريقه وهديه الذي أمر به من إظهار شعار الجماعة (ولو تركتم سنة نبيكم) وَص84*
(لضللتم) أي: لوقعتم في الضلال ضد الهدى (ولقد رأيتنا) الواو فيه عاطفة على ما يتصيد
مما قبله واللام مؤذنة بالقسم قبلها ورأى بصرية وجملة (وما يتخلف عنها) أي: عن الجماعة
المدلول عليها بالسياق (إلا منافق معلوم النفاق) محل الحال في من فاعل رأى، أو مفعوله
وجملة (ولقد كان الرجل يؤتى به) بالبناء للمجهول والظرف نائب فاعله مستأنفة (يهادى)
بالدال المهملة مبنياً للمفعول أي: يتمايل (بين الرجلين) هما المعتمد عليهما (حتى يقام في
الصف) غاية المهاداة (رواه مسلم) وفيه آكد حث وأبلغ داع على المحافظة على الصلوات
في الجماعات وتحمل المشاق في تحصيلها ما أمكن (وفي رواية له) أي: لمسلم (قال)
أي: ابن مسعود (إن رسول الله ( ليل علمنا سنن) بفتح أوليه وبضم ففتح (الهدى) أي: طريق
الصواب والكمال وحثنا على الاعتناء بتحصيل الفضائل ما أمكن (الصلاة) أي: جماعة كما
يدل عليه السياق وهو بالنصب بدل من سنن وبالرفع مبتدأ محذوف الخبر أي: منها الصلاة
جماعة (في المسجد الذي يؤذن فيه) أي: الذي يحصل بإقامة الجماعة فيه شعارها خرج به
مسجد البیوت ونحوه مما لا يحصل به ذلك.
١٠٦٨ - (وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَ لل يقول: ما من) مزيده
لتأكيد استغراق النفي (ثلاثة) مقيمين (في قرية) قال في المصباح: القرية الضيعة وفي كفاية
(١) أخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: صلاة الجماعة من سنن الهدى، (الحديث:
٢٥٦ و٢٥٧).

٥٥٦
٨ - كتاب: الفضائل
ولا بَدْوٍ لا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَةُ إِلَّ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ؛ فَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا
يَأْكُلُ الذِّئْبُ مِنَ الْغَنَمِ القَاصِيَةَ)) رَواهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ(١).
١٩٢ - باب: في الحث على حضور الجماعة في الصبح والعشاء
١٠٦٩ - عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَقَّنَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ يَقُولُ:
((مَنْ صَلَّى الْعِشاءَ في جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، ومَنْ صَلَّى الصُّبْحَ في
المتحفظ: القرية كل مكان اتصلت به الأبنية واتخذ قراراً، ويقع على المدن وغيرها (ولا
بدو) بوزن فلس خلاف الحضر (لا تقام فيهم الصلاة) أي: جماعة (إلا قد استحوذ) أي :
غلب (عليهم الشيطان) حتى فوتهم هذا الثواب الجزيل والأجر الجميل (فعليكم بالجماعة)
أي: الزموها والباء مزيدة في المفعول، وعلل ذلك بقوله مستأنفاً استئنافاً بيانياً (فإنما يأكل
الذئب من الغنم القاصية) أي: الشاة البعيدة عن باقي الغنم المنفردة عنهن شبه استيلاء
الشيطان بوساوسه على المنفرد وتمكنه منه كيفما أراد عند بعده عن الجماعة باستيلاء الذئب
على المنفردة من الغنم عند بعدها عن جماعتهن، ففي الكلام استعارة مكنية تتبعها استعارة
تخييلية (رواه أبو داود) في الصلاة من سننه (بإسناد حسن) فرواه عن أحمد بن يونس عن
زائدة عن السائب بن خنيس عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء ورواه النسائي أيضاً
في الصلاة عن سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك عن زائدة نحوه قاله المزي في
الأطراف .
باب الحث على حضور الجماعة في الصبح والعشاء
خصا بالذكر لثقلهما على النفوس غالباً؛ لأن وقت الأولى وقت طيب النوم ولذته ولذا
أمر المؤذن أن يقول في أذانه: الصلاة خير من النوم. والعشاء وقت العشاء مع غلبة الظلمة
وقتها فاختصا بالتحريض عليهما لذلك.
١٠٦٩ - (عن عثمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله مث﴾ يقول: من صلى العشاء في
جماعة) يشمل قليل الجماعة من إمام ومأموم وكثيرها وفاضلها ومفضولها (فكأنما قام نصف
الليل) أي: بصلاة التهجد إذ القيام في عرف الشرع عبارة عن ذلك ففيه فضل الجماعة في
العشاء (ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله) ما أفاده ظاهره من ترتب
(١) أخرجه أبوداود في كتاب: الصلاة، باب: التشديد في ترك الجماعة (الحديث: ٥٤٧).

٥٥٧
١٩٢ - باب: في الحث على حضور الجماعة
جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). وفي رِوايَةِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ في جَماعَةٍ كانَ لَهُ قِيامُ نِصْفٍ
◌َيْلَةٍ، ومَنْ صَلَّى الْعِشاءَ والْفَجْرَ في جَمَاعَةٍ كانَ لَهُ كَقِيامِ لَيْلَةٍ)) قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ
حَسَنٌ صَحِيحٌ(٢).
١٠٧٠ - وعَنْ أَبي هُرِيْرةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ لَ قَالَ: ((وَلَوْ يَعْلَمُونَ
مَا فِي الْعَتَمَةِ والصُّبْحِ لَأَتَوْهُما ولَوْ حَبْوَا)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
حصول ثواب قيام جميع الليل لمن صلى الصبح جماعة وإن لم يصل العشاء جماعة غير
مراد بل المراد أن مجموع صلاتي العشاء والصبح جماعة كقيام الليل كله فصلاة كل منهما
جماعة كقيام نصف الليل كما يشهد بهذا التفصيل الحديث بعده (رواه مسلم) في الصلاة.
(وفي رواية للترمذي) في الصلاة من جامعه (عن عثمان رضي الله عنه قال: قال
رسول الله وَ له: من شهد العشاء في جماعة كان له كقيام نصف ليلة) أي: مثل ثوابه غير
مضاعف كما يومىء إليه قوله في الحديث قبله: فكأنما قام نصف الليل (ومن شهد العشاء
والفجر في جماعة كان له كقيام ليلة) وإنما حمل الحديث الأول على هذا الحديث؛ لأن
ذاك مجمل وهذا مبين، وهو يقضى به على المجمل، وإنما لم يجعل الحديثان من قبيل
أنه لم أعلم أولاً بما اشتمل عليه حديث الترمذي هذا فأخبر به ثم تفضل الله بما اشتمل عليه
حديث مسلم فأخبر به ثانياً؛ لأن الحديث واحد وليس متعدداً فحمل حديث مسلم المجمل
على حديث الترمذي البين الواضح (وقال الترمذي: حديث حسن صحيح) كذا في نسخ
الرياض والذي في أطراف المزي عنه الاقتصار على قوله: حسن وزاد: وقد روي من وجه
عن عثمان موقوفاً ومن غير وجه عن عثمان مرفوعاً.
١٠٧٠ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله وَ ل قال: ولو يعلمون) أي: الناس
المذكورون أول الحديث، ولذا أتى المصنف بالعاطف أول الحديث تنبيهاً على أنه قطعة من
الحديث (ما في العتمة والصبح) أي: ما في شهود جماعتهما من الأجر العظيم المفصح به
الحديثان قبله (لأتوهما ولو حبواً) فيه مزيد الحض على حضورهما (متفق عليه) وقد سبق
(١) أخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة،
(الحديث: ٢٦٠).
(٢) أخرجه الترمذي في كتاب: الصلاة، باب: ماجاء في فضل العشاء والفجر في جماعة (الحديث: ٢٢١).

٥٥٨
٨ - كتاب: الفضائل
وقَدْ سَبَقَ بِطُولِهِ(١).
١٠٧١ - وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ: ((لَيْسَ صَلاةٌ أَنْقَلَ عَلى
الْمُنافِقِينَ مِنْ صَلاةِ الْفَجْرِ والْعِشَاءِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُما وَلَوْ حَبْواً))
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(٢).
١٩٣ - باب: في الأمر بالمحافظة على الصلوات المكتوبات
والنهي الأكيد والوعيد الشديد في تركهن
قالَ اللَّهُ تَعالَى (٣): ﴿حَافِظُوا عَلى الصَّلَوَاتِ والصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾.
الحديث بطوله في باب فضل الأذان.
١٠٧١ - (وعنه قال: قال رسول الله وَل: ليس صلاة أثقل على المنافقين من صلاة الفجر
والعشاء) أي: جماعة، أو: ولو منفرداً وذلك؛ لأن وقت الصبح وقت طيب الرقاد لحسن
الهواء عنده، ووقت العشاء وقت غلبة النوم لمزاولة الأعمال النهارية، والمنافقون لا يؤمنون
بالله ولا يصلون إلا رياءً فهي (٤) أثقل الصلوات عليهم؛ لأنها لكونها تفعل في ظلام الليل
لا يحصل غرضهم من المراياة الحاصلة في صلاة الثلاثة الباقية جماعة مع ما فيها من فوات
لذة النوم حينئذ بخلاف المؤمن فإنهما وإن كانتا في ذينك الوقتين أشق عليه إلا أن عظم
ثوابهما المرتب عليهما يخفف عنه ألم معاناتهما (ولو يعلمون ما فيهما) لا يخفى ما فيه من
الإِيماء إلى عظم ثواب ذلك فكأن العبارة تضيق عن تفصيله (لأتوهما ولو حبواً متفق عليه).
باب الأمر بالمحافظة على الصلوات المكتوبات
أي: التي كتبها الله أي: فرضها على عباده (والنهي الأكيد) أي: المتأكد (والوعيد)
(١) أخرجه البخاري في كتاب: صلاة الجماعة، باب: فضل التهجير إلى الظهر (١١٦/٢).
وأخرجه مسلم في كتاب: الصلاة، باب: تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول ... (الحديث:
١٢٩).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الآذان، باب: فضل العشاء في الجماعة (١١٨/٢).
وأخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: صلاة الجماعة وبيان التشديد ... ،
(الحديث: ٢٥٢).
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٣٨.
(٤) قوله (فهي) أي صلاة كل من وقتي الصبح والعشاء. ع.

٥٥٩
١٩٣ - باب: في الأمر ابالمحافظة على الصلوات
وَقَالَ تَعَالَى: (١): ﴿فَإِنْ تَابوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾.
١٠٧٢ - وعَنِ ابنِ مَسْعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللّهِوَهِ: أَيُّ
الْأَعْمالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((الصَّلاةُ عَلى وَقْتِها) قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ((بِرُ الْوالِديْنِ))
قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ((الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(٢).
ضد الوعد قالوا: الوعد في الخير والوعيد في الشر (الشديد في تركهن) أي: أو واحدة منهن
(قال الله تعالى: حافظوا) أي داوموا (على الصلوات) أي: المفروضات ومن المحافظة
عليهن الإِتيان بأركانهن وشرائطهن (وقال تعالى: فإن تابوا) أي: من الكفر (وأقاموا
الصلاة) من التقويم(٣) أي: أتوا بها جامعة ما تتوقف صحتها عليه لا من الإِقامة المقابلة
للأذان إذ هي سنة (وآتوا) أي: اعطوا (الزكاة) المفروضة (فخلوا سبيلهم) كسائر المؤمنين
ومن هذه الآية وحديث ابن عمر مرفوعاً: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله
محمد رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم
إلا بحقها)). أخذ إمامنا الشافعي أن من ترك الصلاة كسلاً حتى أخرجها عن وقت الضرورة
يقتل حداً إن لم يتب.
١٠٧٢ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله وَلّر: أي الأعمال أفضل)
أي: أكثر ثواباً عند الله تعالى (قال: الصلاة على وقتها) أي: أداؤها فيه وعبر بـ: على، إيماءً
إلى استعلاء استحقاقها الوقت إذ لا يجوز إخلاؤه عنها لغير عذر، والتفضيل فيه بالنسبة لما
بعده كما يدل عليه قوله (قلت: ثم أي) بالتنوين، قيل: وبتركه (قال: بر الوالدين) أي :
الإِلطاف معهما حسب الإِمكان (قلت: ثم أي قال: الجهاد في سبيل الله) أي: قتال الكفار
لإعلاء كلمة الله طلباً لمرضاته، والحديث صريح في تقديم بر الوالدين على الجهاد،
وأصرح منه ما في حديث مسلم وغيره أن رجلاً جاء إلى رسول الله ولم يستأذنه في الجهاد
فقال: ((أحي والداك قال: نعم قال: ففيهما فجاهد)) (متفق عليه) وقد تقدم بشرحه في باب
بر الوالدين.
(١) سورة التوبة، الآية: ٥.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: المواقيت، باب: فضل الصلاة لوقتها والتوحيد (٣٣٦/١٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: كون الإِيمان بالله تعالى أفضل الأعمال (الحديث: ١٣٧).
(٣) مراده إن أقاموا من الإِقامة بمعنى التقويم. ع.

٥٦٠
٨ - كتاب: الفضائل
١٠٧٣ - وعَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((بُنيَ
الإِسلامُ عَلى خَمْسٍ : شَهادَةٍ أَنْ لا إِلهَ إِلّ اللَّهُ وأَنَّ مُحَمَّداً رسُولُ اللَّهِ وإِقَامٍ
١٠٧٣ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَ ل: بني الإِسلام على
خمس) أي: أعمدة أو دعائم كما زاده عبد الرزاق وفي رواية لمسلم: ((على خمسة)) بتاء
التأنيث وكلاهما جائز عند حذف المميز فإن ذكر أنث أو ذكر بحسب حاله كما قاله المصنف
في حديث: ((من صام رمضان وستاً من شوال)) في شرح مسلم وعلى فيه بمعنى الباء عند من
قال: الإِسلام قول وفعل واعتقاد، وإلا لزم أن يكون غيرها ضرورة كون المبني غير المبني
عليه أو بمعنى من، كما في ﴿إلا على أزواجهم﴾(١) أي: إلا من أزواجهم وأما عند من
قال: هو التصديق فبناؤه على الأربعة ظاهر والشهادة قطبها الذي تدور هي عليه وفي الحديث
على هذا استعارة تمثيلية شبهت حالة الإِسلام مع أركانه الخمسة بحالة خباء أقيم على خمسة
أعمدة، فقطبها التي تدور عليه الأركان الشهادة وبقية شعبه بمنزلة الأوتاد(٢) فتكون مغايرته
لهذه الأركان كمغايرة الخباء للأعمدة قاله الكازروني وخالفه الدلجي فقال: وفي الحديث
استعارة مكنية، فتشبيهه(٣) به استعارة مكنية وتشبيه الخمس بالأعمدة تشبيه بليغ بشهادة زيادة
عبد الرزاق: ((خمس أعمدة)) وهو قرينة المكنية وقولهم: قرينتها تكون تخيبلية جرى على
الغالب وإلا فقد تكون تحقيقية كما في الذين ينقضون عهد الله وإسناد البناء إليه ترشيح
وليس استعارة تمثيلية وإن زعم إذ لم يذكر المشبه به الذي هو من شرطها كما في: ما لي
أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى، فإن الوليد بن يزيد شبه حالة تردد مروان بن الحكم في البيعة
له بالخلافة بحالة من قام لأمر فتارة يقدم فيقدم رجلاً وتارة يحجم فيؤخر أخرى، فهي تمثيلية
وفي جعله استعارة تبعية تكلف لا يخفى اهـ. وفي الفتح المبين لابن حجر الهيثمي
واستعمال البناء الموضوع للمحسوسات في المعاني مجاز علاقته المشابهة، شبه الإِسلام
ببناء عظيم محكم وأركانه الآتية بقواعد ثابتة محكمة حاملة لذلك البناء، فتشبيه الإِسلام
بالبناء استعارة مكنية وإثبات البناء له استعارة ترشيحية اهـ. فتوافقا في المكنية وافترقا في
قرينتها، فجعل ابن حجر قرينتها الترشيحية وجعلها شيخه الدلجي التشبيه البليغ (شهادة أن
لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) بالجر عطف بيان أو بدل كل من كل إن اعتبر العطف
(١) سورة المؤمنون، الآية: ٦.
(٢) لعل هنا سقطا وتغييراً ولعل الأصل فكلمته وهي الشهادة بمنزلة القطب الذي تدور عليه الأعمدة وبقية
أركانه بمنزلة الأعمدة وبقية شعبه البضع والسبعين بمنزلة الأوتاد. ع.
(٣) أي فتشبيه الإِسلام بالخباء. ع.