النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
١٥٣ - باب: في جواز البكاء على الميت
وذَكَرَ تَمامَ الْحَديثِ. مُتَّفَقْ عَلَيْهِ(١).
١٥٣ - باب: في جواز البكاء على الميت بغير ندب ولا نياحة
أَمَّا النِّيَاحَةُ فَحَرَامٌ، وسَيَأْتِي فيها بَابٌ في كِتَابِ النَّهْيِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تعالَى. وأَمَّا الْبُكَاءُ
فَجَاءَتْ أَحَادِيثُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ، وأَنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكاءِ أَهْلِهِ، وهِيَ مُتَأَوَّلَةٌ
أو الحاضرة نظير فبذلك فلتفرحوا(٢)، فعلى الأول المبلغ المعني لا بخصوص اللفظ وعلى
الثاني بخصوصه وعلى الحضور التذكير باعتبار الشخص، وفيه الوصية بالصبر عند البلية قبل
وجودها ليستعد لها (وذكر تمام الحديث) السابق مع شرحه في باب الصبر (متفق عليه).
باب جواز البكاء على الميت بغير ندب
بفتح النون فسكون المهملة تعداد محاسن الميت (ولا نياحة) بكسر النون وتخفيف
التحتية والمهملة، ومن ذلك قلبت الواو فيه ياءً كما في صيام، وهي رفع الصوت بالندب
الذي هو ذكر محاسن الميت، وإن لم يكن بكلام مسجع، وكذا يحرم أيضاً إفراط رفع
الصوت بالبكاء، ولو بلا ندب ولا نوح. قاله في فتح الإِله. (أما النياحة فحرام) أي: سواء
كان معها بكاء أم لا (وسيأتي فيها باب في كتاب النهي إن شاء الله تعالى وأما البكاء فجاءت
أحاديث بالنهي عنه وأن الميت يعذب ببكاء أهله عليه) وعقد المصنف في الخلاصة باباً لما
جاء في ذلك فقال: عن عمر رضي الله عنه عن النبي ◌َّر قال: ((الميت يعذب في قبره بما
نيح عليه)) متفق عليه، وعن المغيرة مثله، وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: أغمي
على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته تبكي واجبلاه واكذا تعدد عليه، فقال حين أفاق:
ما قلت شيئاً إلا قيل لي أنت كذا، فلما مات لم تبك عليه. رواه البخاري، وعن ابن أبي
مليكة قال: توفيت بنت لعثمان بمكة فجئنا لنشهدها وحضرها ابن عمر وابن عباس فقال ابن
عمر لعمرو بن عثمان: ألا تنهي عن البكاء، فإن النبي وَ لّ قال: ((إن الميت ليعذب في قبره
ببكاء أهله عليه)) فقال ابن عباس: لما أصيب عمر دخل عليه صهيب يبكي يقول: واأخاه
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الجنائز، باب: قول الرسول * يعذب الميت ببكاء أهله وكذلك أخرجه في
كتاب: القدر وكتاب: المرضى وكتاب: الإِيمان، والتوحيد (١٠١/١٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: الجنائز، باب: البكاء على الميت (الحديث: ١١).
(٢) أي بالمثناة فوق وهي قراءة رويس وهو أحد الثلاثة بعد السبعة.

٤٠٢
٦ - كتاب: عيادة المريض
أَوْ مَحْمَولَةٌ عَلى مَنْ أَوْصَى بِهِ، والنَّهْيُ إِنَّمَا هُوَ عَنِ الْبُكاءِ الَّذِي فِيهِ نَذْبٌ أَوْ نِياحَةٌ.
وَالدَّليلُ عَلى جَوَازِ آلْبُكاءِ بِغَيْرِ نَذْبٍ وَلا نِيَاحَةٍ أَحَاديثُ كَثِيرَةٌ. مِنْها:
فقال عمر: أتبكي علي وقد قال رسول الله وَل: ((إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه)) قال ابن
عباس: فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة فقالت: رحم الله عمر والله ما حدّث رسول الله وله
((إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه))؛ ولكن رسول الله وَ ل قال: ((إن الله ليزيد الكافر
عذاباً ببكاء أهله عليه))، وقالت حسبكم القرآن ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾(١) قال ابن أبي
مليكة: والله ما قال ابن عمر شيئاً متفق عليه، وعن عائشة أنها ذكر لها قول ابن عمر ((إن
الميت يعذب ببكاء أهله عليه)) يرفعه إلى النبي وَله، فقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن إنه
لم يكذب ولكنه نسي، أو أخطأ إنما مرّ رسول الله وب طار على يهودية يبكى عليها فقال: ((إنهم
لييكون عليها وإنها لتعذب في قبرها)) متفق عليه، وفي رواية ((إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه
وإن أهله لييكون عليه الآن))، وعن أبي موسى أن رسول الله وَ لّ قال: ((ما من ميت يموت
فيقوم باكيهم فيقول واجبلاه واسيداه ونحو ذلك ألا والله به ملكان يلهزانه أهكذا أنت)) رواه
الترمذي وقال: حسن، اللهز الضرب بجمع اليد في الصدر (وهي متأولة) أي: مصروفة عن
ظاهرها، بأن المراد من تعذيبه ما يلحقه من الرقة عليهم حال سماعه بكاءهم. قاله ابن جرير
الطبري وغيره. وقال عياض: هو أولى الأقوال، واحتجوا بحديث فيه أن النبي صل 9 زجر امرأة
عن البكاء على ابنها وقال: ((إن أحدكم إذا بكى استعبر له صويحبه، فيا عباد الله لا تعذبوا
إخوانكم))، أو كما قالت عائشة رضي الله عنها: إن الكافر أو غيره من أصحاب الذنوب
يعذب في حال بكاء أهله عليه بذنبه؛ لا ببكائهم، أو بأنهم كانوا ينوحون على الميت
ويندبونه بتعديد شمائله ومدحه في زعمهم، وتلك قبائح في الشرع يعذب بها كما كانوا
يقولون: يا مرمل النسوان، ومخرب العمران، وميتم الولدان، وغير ذلك مما يرونه شجاعة
وفخراً وهو حرام (أو محمولة على من أوصى به) جعل المصنف في الخلاصة. هذا تأويل
الأحاديث المذكورة، ونقله في شرح مسلم عن الجمهور، أو أهمل الوصية بتركه(٢) فيعذب
لتفريطه بالوصية بذلك؛ أو بإهمال الوصية بتركه أما من أوصى بتركه فلا يعذب به إذ لا صنع
له ولا تفريط منه وحاصل هذا القول إيجاب الوصية بترك ذلك وتعذيب من أهملها أو وصى
بفعله (والنهي إنما هو عن البكاء الذي فيه ندب أو نياحة) قال في الخلاصة: أجمعوا على
(١) سورة الأنعام، الآية: ١٦٤.
(٢) قوله (أو أهمل الوصية بتركه) ظاهر الشرح أن هذه الجملة من المتن فليتأمل. ع

٤٠٣
١٥٣ - باب: في جواز البكاء على الميت
٩٢٣ - عن ابن عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَ عَادَ سَعْدَ بنَ عُبَادَةً وَمَعَهُ
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ وسَعْدُ بنُ أبي وقَّاصٍ وعَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم.
فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ِ. فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ رَسُولِ اللَّهِ وَ بَكَوْا. فَقَالَ: ((أَلَا
تَسْمَعِونَ؟ إِنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، ولا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، ولَكِنْ يُعَذِّبُ بِهِذَا
أَوْ يَرْحَمُ)) وأَشَارَ إِلَى لِسانِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
٩٢٤ - وعنْ أُسامَةَ بنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لِ﴿ رُفِعَ إلَيْهِ ابْنُ ابْنَتِهِ
أن البكاء الذي يعذب به أي: على التفصيل السابق فيه هو مجرد النياحة لا مجرد دمع العين
ونحوه (والدليل على جواز) أي: إباحة (البكاء بغير ندب ولا نياحة أحاديث كثيرة منها).
٩٢٣ - (عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله مصر عاد سعد بن عبادة) وكان ذلك
في أوائل أعوام الهجرة كما يومىء إليه ما وقع من ابن أبي المنافق من الكلام القبيح المذكور
في الحديث الصحيح (ومعه عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود
رضي الله عنهم) يحتمل أن يكون معه أبو بكر وعمر أيضاً، ولم يذكرهما الراوي؛ لعدم
مفارقتهما له إلا نادراً، ويحتمل أنهما لم يكونا حينئذ معه؛ بأن خطرت العيادة له في غيبتهما
عنه. والله أعلم والجملة حالية رابطها كل من الواو والضمير (فبكى رسول الله (ص 18) أي: لما
رأى من الغلبة التي على سعد فغلبت عليه العبرة التي هي أثر الرحمة التي هو عينها (فلما
رأى القوم) أي: الحاضرون معه (بكاء رسول الله وَ﴿) بالعيان (بكوا) اقتداءً أو تأسياً (فقال:
ألا تسمعون) ثم استأنف بقوله (إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب) سواء
اجتمعا، أو كان كل بانفراده (ولكن يعذب بهذا) أي: بما يصدر منه مما حرم الشارع من
ندب أو نياحة أو مبالغة رفع صوت بالبكاء، وكذا يعذب بالتبرم بالقلب، والتضجر ودليل ذلك
ما يصدر من لسانه؛ لأنه يعرب عن شأنه (أو يرحم) أو فيه للتنويع أي: أو یرحمه به إن أتى
بما فيه صبر واسترجاع وحمد لله سبحانه (وأشار) أي: النبي وَلّ (بيده) مبيناً للمشار إليه
بقوله: بهذا. (إلى لسانه) متفق عليه.
٩٢٤ - (وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن رسول اللهوم﴿ رفع) بالبناء للمفعول،
ويجوز أن يقرأ بالبناء للفاعل (إليه ابن ابنته) زينب وقد تقدم تعيينه، وما فيه من الخلاف في
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الجنائز، باب: البكاء عند المريض (١٤٠/٣).
وأخرجه مسلم في كتاب: الجنائز، باب: البكاء على الميت (الحديث: ١٢).

٤٠٤
٦ - كتاب: عيادة المريض
وهُوَ فِي الْمَوْتِ، فَفاضَتْ عَيْنا رسولِ اللَّهِ وَ﴿ِ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَا هَذَا
يا رسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَها اللَّهُ تَعالَى فِي قُلوبِ عِبادِهِ، وإنَّما يَرحَمُ اللَّهُ
مِنْ عِبادِهِ الرُّحَماء)). مُتَّفَقْ عَلَيْهِ (١).
٩٢٥ - وعنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَهِ دَخَلَ عَلى ابْنِهِ إِبْراهِيمَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ وهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنا رَسُولِ اللَّهِ وَلَ تَذْرِفَانِ، فَقالَ لَهُ
حديثه قبل هذا (وهو في الموت) أي: في مقدماته فلا ينافيه حياته إلى زمن طويل بعد
(ففاضت عينا رسول الله ◌َ لار) أي: كثر دمعها حتى سال، ففيه إسناد مجازي وحذف التمييز
أي: دمعاً؛ لدلالة الحال على تعيينه. في القاموس: فاض الماء يفيض فيضاً وفيوضاً بالضم
والكسر وفيوضة وفيضاناً كثر حتى سال كالوادي (فقال له سعد) هو ابن عبادة كما تقدم في
الحديث بجملته في باب الصبر، ومعه سعد بن عبادة وليس فيه ابن معاذ، ولا ابن أبي وقاص
(ما هذا يا رسول الله) سؤال عن سببه وحكمته ووصفه، لا عن حقيقته، فلذا (قال) في
جوابه: (هذه) أي: الرحمة المدلول عليها بتلك العبرة، وقد تقدم في باب الصبر فقال: هذه
(رحمة جعلها الله في قلوب عباده) مفعول ثان لجعل؛ لأنه بمعنى صير أي: من يشاء منهم
كما جاء كذلك في رواية وسبقت في باب الصبر (وإنما يرحم الله) أي: الرحمة الكاملة كما
يومىء إليه إسناد الفعل إلى لفظ الجلالة الذي هو جامع لمعاني الأسماء موضوع لمجرد
تعيين الذات المسمى (من عباده الرحماء) جمع رحيم ككريم وكرماء (متفق عليه).
٩٢٥ - (وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله وقدر دخل على ابنه إبراهيم) في بيت ضيرة
أبي سيف، وكان من العوالي (وهو يجود بنفسه) في المصباح: جاد بالمال: بذله، وجاد
بنفسه: سمح بها عند الموت، والجود مستعار من ذلك اهـ. ففي الكلام استعارة تبعية .
وفي فتح الباري يجود بنفسه أي: يخرجها ويدفعها كما يدفع الإِنسان ما يجود به. وكان موت
إبراهيم سنة عشر من الهجرة عن ثمانية عشر شهراً، وكان مولده في ذي الحجة من سنة ثمان
منها، ووفاته يوم الثلاثاء لعشرٍ خلون من شهر ربيع الأول سنة عشر. قاله المصنف: في
التهذيب وغيره، وفي فتح الباري، وجزم به الواقدي وقال ابن حزم: مات قبل النبي ◌َّ
بثلاثة أشهر، واتفقوا على أنه ولد في ذي الحجة سنة ثمان اهـ. (فجعلت) من أفعال
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الجنائز، باب: قول النبي و ﴿ يعذب الميت ببكاء أهله (١٢٤/٣، ١٢٦).
وأخرجه مسلم في كتاب: الجنائز، باب: البكاء على الميت (الحديث: ١١).
١٠٠

٤٠٥
١٥٣ - باب: في جواز البكاء على الميت
عَبْدُ الرَّحَمِنِ بنُ عَوْفٍ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقالَ: ((يا ابنَ عَوْفٍ إِنَّها رَحْمَةٌ)) ثُمَّ
أَتْبَعَها بِأُخْرَى، فَقَالَ: ((إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وأَلْقَلْبَ يَحْزَنُ، ولا نَقُولُ إِلّ مَا يُرْضِي
رَبَّنا، وإِنَّا لِفِراقِكَ يَا إِبْراهِيمُ لَمَحْزونونَ)) رَوَاه الْبُخَارِيُّ وَروى بعْضَهُ مُسْلِمٌ(١).
وَالأحادیثُ في الْبابِ
الشروع واسمها (عينا رسول الله # تذرفان) بسكون الذال المعجمة، وكسر الراء من باب
ضرب أي: تدمعان (فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله) قال الطيبي: فيه
معنى التعجب، والواو عاطفة على مقدر أي: الناس لا يصبرون، وأنت تفعل كفعلهم كأنه
تعجب لذلك منه مع عهده فيه أنه يحث على الصبر وينهى عن الجزع (فقال: يا بن عوف
إنها) أي: الحال التي شاهدتها منني (رحمة) على الولد لا ما توهمت من الجزع اهـ. وفي
رواية عن ابن عوف فقلت: يا رسول الله تبكي! أو لم تنه عن البكاء، وزاد فيه ((إنما نهيت
عن صوتين أحمقين فاجرين صوت نغمة لهو ولعب ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة
خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان إنما هذه رحمة ومن لا يرحم لا يرحم)) (ثم أتبعها
بأخرى) قيل معناه: أتبع الدمعة الأولى بدمعة أخرى وقيل: اتبع الكلمة الأولى المجملة
وهي قوله: إنهارحمة بكلمة أخرى مفصلة هي قوله على سبيل البيان (فقال: إن العين تدمع
والقلب يحزن) قال الدماميني في المصابيح: يجوز في القلب الرفع والنصب. قال ابن
المنير فيه: إنه ول # بين أن مثل هذا لا يدخل تحت القدرة، ولا يكلف العبد الانكفاف عنه،
وذلك؛ لأنه أضاف الفعل إلى الجوارح كأنها امتنعت على صاحبها فصارت هي الفاعل،
ولذا قال (ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون) فعبر بصيغة اسم
المفعول لا بصيغة الفاعل أي: ليس الحزن من فعلنا ولكنه واقع بنا من غيرنا، ولا يكلف
الإِنسان بفعل غيره (رواه البخاري) وعقد له ترجمة، فقال: باب قول النبي وَلات: إنا بك
لمحزونون (وروى مسلم) في كتاب الفضائل (بعضه) ولفظه من حديث أنس: فقال أنس:
لقد رأيته - يعني: إبراهيم - يكيد بنفسه بين يدي رسول الله صلقر فدمعت عينا
رسول الله وَالر، وقال: ((تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا والله يا
إبراهيم إنا بك لمحزونون)) قال في فتح الباري: قوله: يكيد قال صاحب العين: أي: يسوق
بنفسه، وقيل معناه: يقارب بها الموت وقال أبو مروان قد يكون من الكيد وهو القيء يقال
منه: كاد يكيد شبه تقلع نفسه عند الموت بذلك (والأحاديث في الباب) أي: باب إباحة
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الجنائز، باب: قول النبي وَ ل ◌ّ إنا بك لمحزنون (١٣٩/٣).

٤٠٦
٦ - كتاب: عيادة المريض
كَثِيرةٌ في الصَّحيحِ سَشْهورَةٌ، واللَّهُ أَعْلَمُ.
١٥٤ - باب: في الكف عما يرى من الميت من مكروه
٩٢٦ - عَنْ أَبِي رَافِعٍ أَسْلَمَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((مَنْ
غَسَّلَ مَيِّتاً فَكَتَمَ عَلَيْهِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ أَرْبَعِينَ مَرَّةً)) رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وقالَ: صَحِيحٌ عَلى
شَرْطِ مُسْلِمٍ (١).
البكاء المجرد عن نياحة وندب ومبالغة رفع صوت به (كثيرة في الصحيح مشهورة) وشهرتها
تغني عن ذكرها وبالله التوفيق (والله أعلم).
باب الکف عمّا یری من الميت من مكر وه
(باب الكف عما يرى) بالبناء للمفعول (من الميت من مكروه) من تغير لون أو تشويه
صورة، نعم إن كانٍ من وقع له ذلك ذا بدعة (٢) فلا بأس به ليكون زجراً عن بدعته، أما إذا
رأى به أثراً محموداً من إضاءة وإشراق ونحوهما فليذكر ذلك إلا إن كان من وقع له ذلك ذا
بدعة، فلیکتمه لئلا يقع الناس في بدعته.
٩٢٦ - (عن أبي رافع) القبطي (أسلم) بفتح الهمزة وسكون السين المهملة هو اسمه،
وقيل: اسمه إبراهيم، وقيل: ثابت بالمثلثة فالموحدة، وقيل اسمه أبو هرمز (مولى
رسول الله (*) قال المصنف في التهذيب: شهد أحداً والخندق والمشاهد بعدها، وزوجه
النبي ◌َّ مولاته سلمى، فولدت له عبيد الله بن أبي رافعٍ، وشهد أبو رافع مصر وتوفي
بالمدينة قبل قتل عثمان وقيل: بعده، وكان أبو رافع مملوكاً للعباس، فوهبه لرسول الله وَالاقت،
فلما أسلم العباس أعتقه رسول الله ويرا هـ. روي له عن رسول الله وَ ليل ثمانية وستون حديثاً
قال ابن الجوزي في مختصر التلقيح: وقال البرقي: بضعة عشر حديثاً، وروى عنه البخاري
حديثاً واحداً ومسلم ثلاثة (أن رسول الله وَ ل قال من غسل ميتاً فكتم عليه) معطوف على
مقدر أي: ورأى منه سوءاً فكتم عليه (غفر الله له أربعين مرة) ولا يعلم عدد ما في كل مرة
من الذنب المغفور إلا الستار الغفور (رواه الحاكم) في المستدرك (وقال صحيح على شرط
مسلم) زاد في الجامع الكبير، ورواه البيهقي في الشعب، وهو حديث فيه فضل الدفن
(١) الحاكم: (٣٥٤/١ و٣٦٢) وصححه على شرط مسلم.
(٢) أي وأظهرها كما ذكرها المنصف في الأذكار.

٤٠٧
١٥٥ - باب: في الصلاة على الميت
١٥٥ - باب: في الصلاة على الميت وتشييعه وحضور دفنه وكراهة اتباع
النساء الجنائز
قَدْ سَبَقَ فَضْلُ الَّشْبِيعِ
٩٢٧ - وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ شَهِدَ
الْجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيراطٌ،
والكفن، وفي الجامع الصغير أخرج الطبراني من حديث أبي أمامة مرفوعاً: ((من غسل ميتاً
فستره ستره الله من الذنوب))، الحديث. وفي الجامع الكبير أخرج الطبراني من حديث أبي
أمامة مرفوعاً: ((من غسل ميتاً فكتم عليه طهره الله من ذنوبه، فإن هو كفنه كساه الله من
السندس)) وأخرج أبو يعلى والبيهقي وأحمد من حديث عائشة مرفوعاً ((من غسل ميتاً فأدى فيه
الأمانة ولم يفش عليه ما يكون منه عند ذلك خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ليله(١) أقربكم منه
إن كان يعلم، فإن لم يعلم، فمن ترون عنده حظاً من ورع وأمانة)) وفي الجامع الكبير أيضاً
أخرج ابن ماجة من حديث علي مرفوعاً ((من غسل ميتاً وكفنه وحنطه وحمله وصلى عليه ولم
يفش عليه ما رأى منه خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه)).
باب الصلاة على الميت وتشبيعه وحضور دفنه وكراهة اتباع
بتشديد الفوقية، ويجوز تخفيفها يقال: أتبعه بالتشديد إذا سبقه، فلحقه وبالتخفيف
أي: ألحق به غيره كما يؤخذ من القاموس (النساء الجنائز) كراهة تنزيه. (قد سبق فضل
التشييع) بقوله في كتاب عيادة المريض في حديث البراء ((أمرنا بسبع)) إلى أن قال: ((واتباع
الجنائز))، وبقوله في حديث أبي هريرة عقبه ((حق المسلم على المسلم خمس)) إلى أن قال:
((واتباع الجنائز)).
٩٢٧ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: من شهد الجنازة حتى
يصلى) بالبناء للمفعول ونائب فاعله قوله (عليها فله قيراط) قال في المصباح: يقال أصله
قراط بتشديد الراء لكن أبدل من أحد المضعفين ياءً؛ للتخفيف كما في دينار ونحوه، ولذا
يرد في الجمع ولتصغير إلى أصله فيقال قراريط قريريط. ١ هـ. قال ابن حجر الهيثمي : حصول
هذا القيراط مرتب على الحضور معها من المنزل وخالف الحافظ في فتح الباري، فقال بعد أن
(١) بكسر اللامين والهاء وفتح الياء مضارع مبدوء بلام الأمر. ع

٤٠٨
٦ - كتاب: عيادة المريض
ومَنْ شَهِدَها حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيراطَانٍ)) قِيلَ: وَمَا الْقِيراطَانِ؟ قَالَ: ((مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ
الْعَظِيمَيْنِ)).
ذكر ما تقدم وأنه صرح به المحب الطبري: والذي يظهر لي أن القيراط يحصل أيضاً لمن
صلى فقط؛ لأن ما قبل الصلاة وسيلة إليها لكن يكون قيراط من صلى فقط، دون قيراط من
شيع مثلاً وصلى اهـ. قال: وتتعدد قراريط الصلاة بتعدد الجنائز وإن صلى عليهم معاً (ومن
شهدها حتى تدفن) أي: ويكمل دفنها هذا أصح الأوجه عند إمامنا الشافعي، وقيل: غير
ذلك، ويترجح ما قلنا أولاً بما جاء عند مسلم حتى يفرغ منها، وللرواية الآتية، ويفرغ من
دفنها (فله قيراطان) أي: أحدهما قيراط الصلاة، في حديث للطبراني ((من تبع جنازة حتى
یقضی دفنها کتب له ثلاث قراريط)) فعلیه .
الأول: للحضور معها من المنزل قبل الصلاة.
والثاني: للصلاة.
والثالث: للتشييع، قال في فتح الباري: الإِشارة بهذا المقدار إلى الأجر المتعلق
بالميت في تجهيزه وغسله وجميع ما يتعلق به، فللمصلي عليه قيراط من ذلك، ولمن شهد
الدفن قيراط، وذكر القيراط تقريباً للفهم، لما كان الإِنسان يعرف القيراط ويعمل العمل في
مقابلته، وعد من جنس ما يعرف، وضرب له المثل بما يعلم نقله عن ابن الجوزي عن ابن
عقيل قال: وليس ما قاله ببعيد، وقد روى الطبراني من طريق عجلان عن أبي هريرة مرفوعاً
((من أتى جنازة في أهلها فله قيراط فإن اتبعها فله قيراط فإن صلى عليها فله قيراط))، وإن
اختلف مقادير القراريط ولا سيما بالنسبة إلى مشقة ذلك العمل وسهولته، وعليه فيقال إنما
خص قيراطي الصلاة والدفن بالذكر؛ لكونهما المقصودين بخلاف باقي أحوال الميت فإنها
وسائل، ولكن هذا يخالف ظاهر الحديث الذي في كتاب الإِيمان من صحيح البخاري، فإن
فيه ((إن لمن كان معها حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها قيراطين)) فقط ويجاب عنه بأن
القيراطين المذكورين لمن شهد، والذي ذكره ابن عقيل لمن باشر الأعمال التي يحتاج إليها
الميت فافترقا. وقال المصنف وغيره: لا يلزم من ذكر القيراط في العملين تساويهما؛ لأن
عادة الشرع تعظيم الحسنة بحسب مقابلها (قيل: وما القيراطان) سأل عن تعيينهما؛
لذكرهما مبهمين، ولم يعين في هذه الرواية القائل ولا المقول له، وقد جاء عند مسلم ((فقيل
وما القيراطان يا رسول الله)) وعنده في حديث ثوبان سئل رسول الله وَلقر عن القيراط وبين أبو
عوانة في رواية أن السائل هو أبو هريرة (قال: مثل الجبلين العظيمين) جاء في رواية
للبخاري ((مثل أحد)) وعند النسائي من طريق الشعبي ((وله قيراطان من الأجر كل واحد منهما

٤٠٩
١٥٥ - باب: في الصلاة على الميت
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
٩٢٨ - وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ قَالَ: ((مَنِ اتَّبَع جَنازَةَ مُسْلِمٍ إِيمانَاً
واحْتِساباً وكانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِها فَإِنَّه يَرْجِعُ مِنَ الْأَجْرِ
بِقيراطَيْنِ، كلُّ قِيراطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، ومَنْ صَلّى عَلَيْها ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ
بِقيراطٍ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(٢) .
٩٢٩ - وعَنْ أُمِّ عَطِيّةً
أعظم من أحد)) وفي رواية لمسلم ((أصغرها مثل أحد)) وفي حديث واثلة عن ابن عدي ((كتب
له قيراطان من أجر أخفهما في ميزانه يوم القيامة أثقل من جبل أحد)) قال ابن المنير: أراد
بهذا تعظيم الثواب، فمثّله بالجبلين العظيمين (متفق عليه).
٩٢٨ - (وعنه أن رسول الله وسير قال: من اتبع جنازة مسلم إيماناً) مفعول له أي: تصديقاً
بالوعد الوارد فيه (واحتساباً) وقوله: (وكان معه) كذا في الأصل والظاهر معها، وإن صحت
به الرواية، فالتذكير لعود الضمير إلى المضاف إليه (حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها) أي :
بتمام تسوية التراب على القبر (فإنه يرجع من الأجر بقيراطين) أجر للاتباع، وأجر للصلاة
عليها مع السير والصبر لتمام الدفن (كل قيراط مثل أحد) قال الطيبي: قوله مثل أحد تفسير
للمقصود من الكلام لأن لفظ القيراط مبهم من وجهين، فبين الموزون بقوله من الأجر وبين
المقدار منه بقوله مثل أحد. قال الزين بن المنير: أراد تعظيم الثواب، فمثّله للعباد بأعظم
الجبال خلقاً وأكثرها إلى النفوس المؤمنة حباً؛ لأنه الذي قال ◌َّر في حقه ((أحد جبل يحبنا
ونحبه)) اهـ؛ ولأنه أيضاً قريب من المخاطبين يشترك أكثرهم في معرفته، وخص القيراط
بالذكر؛ لأنه كان أقل ما تقع به الإِجارة في ذلك الوقت أو جرى ذلك مجرى العادة من تقليل
الأجر بتقليل العمل (ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن) بالفوقية أي: الجنازة باعتبار من
عليها إن كانت اسم النعش وإن كانت اسم الميت، فالتأنيث باعتبار أنها نفس، أو باعتبار
لفظ الجنازة (فإنه يرجع بقيراط رواه البخاري).
٩٢٩ - (وعن أم عطية نسيبة) بضم النون وفتح المهملة وسكون التحتية بعدها موحدة
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الجنائز، باب: من انتظر حتى تدفن (١٥٨/٣، ١٦٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: الجنائز، باب: فضل الصلاة على الجنازة واتباعها (الحديث: ٥٢).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: اتباع الجنائز من الإِيمان (١٠٠/١).

٤١٠
٦ - كتاب: عيادة المريض
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: نُهينا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِرِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنا. مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. ومعْناهُ:
لَمْ يُشَدَّدْ فِي النَّهْي كما يُشَدَّدُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ(١).
١٥٦ - باب: في استحباب تكثير المصلين على الجنازة وجعل صفوفهم ثلاثة
فأكثر
٩٣٠ - عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رسولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَا مِنْ مَيِّتٍ يُصَلِّي
عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ الْمُسلِمِينَ .
(رضي الله عنها قالت: نهينا) بالبناء للمفعول، والمروي بهذه الصيغة موقوف لفظاً مرفوع
حكماً أي: نهانا رسول الله وَّله، وقد رواه الإسماعيلي بهذا اللفظ، والمراد جماعة النساء
(عن اتباع الجنائز)، وذلك أنهن يؤمرن بالستر واتباع الجنائز مقتض لكشفهن (ولم يعزم)
بالبناء للمفعول أي: لم يؤكد (علينا) في المنع كما أكد علينا في غيره من المنبهات، فكأنها
قالت كره لنا اتباع الجنائز من غير تحريم. قال القرطبي: ظاهر سياق حديث أم عطية أن
النهي نهي تنزيه، وبه قال جمهور أهل العلم. وقال المحب الطبري يحتمل أن يكون المراد
بقولها، ولم يعزم علينا أي: كما عزم على الرجال بترغيبهم بحصول القيراط ونحو ذلك والله
أعلم. (متفق عليه) أخرجاه في الجنائز (ومعناه) أي: معنى مجموع الحديث باعتبار قوله:
لم يعزم علينا (لم يشدد في النهي كما شدد في المحرمات) أي: فيكره اتباعهن لها ولا
يحرم .
باب استحباب تكثير المصلين
بالمثلثة (على الجنازة)؛ لكونهم شفعاء للميت (وجعل صفوفهم ثلاثة) مفعول ثان
لجعل وهو مضاف إلى مفعوله الأول (أو أكثر) أو فيه بمعنى بل.
٩٣٠ - (عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله (وَلير: ما من) صلة لتأكيد
النفي (ميت) أي: من المسلمين كما في الحديث بعد (يصلي عليه أمة) أي: جماعة (من
المسلمين) والجملة الفعلية في محل الصفة لما قبله، والظرف صفةٍ أمة ومن فيه بيانية،
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الجنائز، باب: اتباع النساء الجنائز (١١٥/٣)
وأخرجه مسلم في كتاب: الجنائز، باب: نهي النساء عن اتباع الجنائز (الحديث: ٣٤).

٤١١
١٥٦ - باب: في استحباب تكثير المصلين
يَبْلُغُونَ مِائَةً كُلُّهُمْ يَشْفَعونَ لَهُ إِلَّ شُفِّعُوا فِيهِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١)
٩٣١ - وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهَ يقولُ: ((مَا
مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَموتُ فَيَقومُ عَلى جَنازَتِهِ أَرْبَعونَ رَجُلًا لا يُشْرِكونَ بِاللَّهِ شَيْئاً إِلّ
شَفَّعَهُمُ اللَّهُ فِيهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ(٢).
٩٣٢ - وعَنْ مَرْتَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيِّ قَالَ: كَانَ مَالِكُ بنُ هُبَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذَا
وقوله: (يبلغون مائة) جملة في محل الحال من فاعل يصلي (كلهم) يحتمل أن يكون مبتدأ
وخبره (يشفعون) ويحتمل أن يكون تأكيداً معنوياً لفاعل يبلغون، وجملة يشفعون حال منه أو
من أمة فهي متداخلة، أو مترادفة، أو مستأنفة استئنافاً بيانياً (إلا شفعوا) بالبناء للمفعول أي :
ليس للميت الموصوف بما ذكر حال من الأحوال إلا تشفيع المصلين عليه فيه، فالاستثناء
مفرغ من أعم الأحوال (رواه مسلم) في الجنائز، ورواه النسائي من حديث ميمونة بلفظه
لكن بإسقاط قوله: يبلغون مائة كلهم يشفعون فيه.
٩٣١ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله وَ ل# يقول: ما من رجل
مسلم) والتقييد بالرجل؛ لأنه أشرف (يموت) جملة صفة لرجل لعدله فيها (فيقومٍ على
جنازته أربعون رجلاً) أي: مصلين عليه مستشفعين له فيها (لا يشركون بالله شيئاً) من
الإِشراك ومن المعبودين (إلا شفعهم الله فيه رواه مسلم) في الجنائز، ولا مخالفة بين هذا
الخبر وما قبله؛ لأن مفهوم العدد غير حجة على الصحيح، أو أن الله أخبره بما جاء فيمن
صلى عليه مائة، ثم زاد الفضل من الله تعالى بحصول مثل ذلك فيمن صلى عليه أربعون
فأخبر به والله أعلم.
٩٣٢ - (وعن مرثد) بفتح الميم والمثلثة وسكون الراء بينهما أخره دال مهملة (ابن عبد الله
اليزني) بفتح التحتية والزاي بعدها نون أبو الخير المصري: ثقة فقيه من كبار التابعين مات
سنة تسعين خرج عنه أصحاب الستة كذا في التقريب للحافظ (قال: كان مالك بن هبيرة)
بضم الهاء وفتح الموحدة والراء، وسكون التحتية بينهما ابن خالد بن مسلم السكوني، أو
الكندي الصحابي (رضي الله عنه) قال في التقريب: نزل حمص ومصر مات في أيام مروان
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الجنائز، باب: من صلى عليه مائة شفعوا له (الحديث: ٥٨).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: الجنائز، باب: من صلى عليه أربعون شفعوا فيه (الحديث: ٥٩).

٤١٢
٦ - كتاب: عيادة المريض
صَلّى عَلَى الْجَنَازَةِ فَتَقَالَّ النَّاسَ عَلَيْهَا جَزََّهُمْ ثَلاثَةَ أَجْزاءٍ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ
رسُولُ اللَّهِ وَهَ: ((مَنْ صَلَى عَلَيْهِ ثَلاثَةُ صُفوفٍ فَقَدْ أَوْجَبَ)) رواهُ أبو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ،
وقالَ: حَدِيْثٌ حَسَنٌ(١).
١٥٧ - باب: فيما يقرأ في صلاة الجنازة
يُكَبِّرُ أَرْبَعَ تَكْبِيراتٍ. يَتَعَوَّذُ بَعْدَ الْأُولِى ثُمَّ يَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْكِتابِ ثُمَّ يُكَبِّرُ الثَّانِيَةَ، ثُمَّ
روي له عن رسول الله وس﴿ كما في مختصر التلقيح أربعة أحاديث وقال البرقي: له حديثان
(إذا صلى على الجنازة فتقال الناس) بتشديد اللام من باب التفاعل، والأصل تقالل فسكنت
الأولى، وأدغمت أي: إذا رآهم قليلين وقوله (عليها) ظرف متعلق بمحذوف أي: المصلين
عليها (جزأهم) بتشديد الزاي أي: جعلهم مجزئين (ثلاثة أجزاء) مفعول مطلق كل جزء صفاً
(ثم قال: قال رسول الله وَله: من صلى عليه ثلاثة صفوف) بضم أوليه جمع صف، وهو
كقوله عز وجل: ثلاثة قروء في استعمال جمع القلة موضع جمع الكثرة على سبيل التجوز
(فقد أوجب) أي: وجب له الجنة بالوعد الصادق على لسان نبيه وَلا، ووعد الله لا يخلف
(رواه أبو داود) في الجنائز (والترمذي) فيه وكذا رواه ابن ماجه في الجنائز أيضاً ورواه البزار
أيضاً (وقال) أي: الترمذي (حديث حسن) وقال: هكذا رواه غير واحد عن ابن إسحاق،
ورواه إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق فأدخل بين يزيد وبين مالك رجلاً، ورواية هؤلاء
أصح عندنا.
باب ما يقرأ
بالبناء للمفعول، ويجوز بالبناء للفاعل، ويعود الفاعل إلى المصلي (في الصلاة على
الجنازة. يكبر) أي: المصلي مع رفع يديه إلى حذو منكبيه كما يفعل في تكبير التحريم
(أربع تكبيرات) بالنصب مفعول مطلق (يتعوذ) أي: ندباً (بعد) التكبيرة (الأولى) وهي تكبيرة
التحريم (ثم يقرأ) أي: من غير دعاء افتتاح، لبناء صلاتها على التخفيف (فاتحة الكتاب)
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الجنائز، باب: في الصفوف على الجنازة (الحديث: ٣١٦٦).
وأخرجه الترمذي في كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في الصلاة على الجنازة والشفاعة للميت (الحديث:
١٠٢٨).
٠

٤١٣
١٥٧ - باب: فيما يقرأ في صلاة الجنازة
يُصَلِّي عَلى النَّبِيِّ وَ فَيَقولُ: اللَّهُمَّ صَلُّ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ. والْأَفْضَلُ
أنْ يُتَمِّمَهُ بِقَوْلِهِ: كما صَلَّيْتَ عَلى إِبْراهِيمَ إِلَى قَوْلِه حَميدٌ مَجيدٌ، ولا يَفْعَلْ مَا يَفْعَلُهُ
كَثِيرٌ مِنَ الْعَوامٌ مِنْ قِراءَتِهِم: ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ)) الآيةَ، فَإِنَّهُ
لا تَصِحُّ صَلاَتُهُ إذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ الثَّالِثَةَ وَيَدْعو لِلْمَيِّتِ وَلِلْمُسْلِمِينَ بِما
سَنَذْكُرُهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعالَى، ثُمَّ يُكَبِّرُ الرَّابِعَةَ وَيَدْعُو، ومِنْ أَحْسَنِهِ:
والأولى كونها بعد التكبيرة الأولى، ويجوز إخلاؤها منها، وقراءتها مع الصلاة على النبي ◌َّ
بعد التكبيرة الثانية، أو مع الدعاء بعد الثالثة (ثم يكبر الثانية) رافعاً يديه كما يفعل في تكبير
الركوع (ثم يصلي على النبي ◌َّر فيقول) وجوباً (اللهم صل على محمد) ندباً (وعلى آل
محمد والأفضل) في حصول اللفظ المسنون فيها (أن يتممه) بضم أوله من التتميم أي:
يكمل لفظ الصلاة بقوله: (كما صليت على إبراهيم) والكاف للتشبيه، وسيأتي بيان وجهه إن
شاء الله تعالى ومن أحسنه أنه من تشبيه بالإِحسان وقوله: (إلى قوله حميد مجيد) متعلق بقوله
يتممه أي: فيقول: كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل
محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. وتبين بما ذكر أن الأقل
والأكمل منها هنا كالأقل والأكمل منها في الصلاة (ولا يفعل) بالجزم نهي ويجوز أن يقرأ
بالرفع فيكون خبراً لفظاً انشاءً معنى (ما يفعله العوام) بتشديد الميم جمع عامة مثل دابة
ودواب، والعامة خلاف الخاصة كذا في المصباح، وفي الكلام إطلاق الفعل على القول؛
لأنه فعل اللسان وباقي المخارج (من قولهم إن الله وملائكته يصلون على النبي الآية)
بالنصب بتقدير أتمم الآية، وبالرفع بتقدير المقروء الآية، وأجيز الجر على تقدير إلى آخر
الآية، وتعقب بأن فيه حذف الجار وإبقاء عمله وذلك سماعي لا يجوز في مثله (فإنه لا تصح
صلاته إذا اقتصر عليه) أي: من غير أن يأتي بعده بنحو. اللهم صلِّ على محمد وذلك؛ لأنه
ليس فيه إلا الإِخبار عما تفضل به الله تعالى على نبيه وَّر من أنه مع ملائكته يصلون عليه،
وأمر الأمة بذلك، وهذا ليس بصلاة، والواجب فيها الصلاة عليه، وهو لم يأت بها ويكره
الإِتيان بها مع الإِتيان بالصلاة عليه وير لما فيها من ابتداع ما لم يرد عن الشارع، والتطويل
فيها مع بنائها على التخفيف (ثم يكبر الثالثة ويدعو للميت) وهو واجب، وأقله نحو اللهم
اغفر له (وللمسلمين) وهو مندوب واستحب الدعاء لهم حينئذ للجبر لما لحقهم من النقص
بفقد ذلك الميت (بما سنذكره من) أي: في (الأحاديث إن شاء الله تعالى) ويجوز كون من
ابتدائية أي: مبدوءة من الأحاديث (ثم يكبر الرابعة ويدعو) ندباً (ومن أحسنه) أي: في

٤١٤
٦ - كتاب: عيادة المريض
اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنا أَجْرَهُ، ولا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ، واغْفِرْ لَنا ولَهُ. والْمُخْتَارُ أَنَّهُ يُطَوِّلُ الدُّعاءَ في
الرَّابِعَةِ خِلافَ مَا يَعْتَادُهُ أَكْثَرُ النَّاسِ؛ لِحَديثِ ابنِ أَبِي أَوْفِى الَّذِي سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ
اللَّهُ تَعالَى فَأَمَّا الْأَدْعِيَةُ الْمَأْثُورَةِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الثَّالِثَةِ فَمِنْها:
٩٣٣ _ عنْ أَبي عبْدِ الرَّحْمَنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: صَلّى
رسُولُ اللّهِ وَ﴿ عَلى جَنَازَةٍ فَحَفِظْتُ مِنْ دُعائِهِ وهُوَ يَقولُ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وارْحَمْهُ،
وعافِهِ واعْفُ عَنْهُ، وأَكْرِمْ نُزْلَهُ، وَوَسِّعْ مَدْخَلَهُ، واغْسِلْهُ بِالْماءِ والثَّلْجِ والْبَرَدِ، ونَقِّهِ
الدعاء المندوب بعدها (اللهم) أبي: يا الله (لا تحرمنا) بفتح الفوقية وكسر الراء في القاموس
حرمه الشيء كضربه وأحرمه لغة اهـ. أي: لا تمنعنا (أجره) أي: الأجر المرتب على
المصيبة به (ولا تفتنا) بفتح الفوقية وكسر الثانية أي: لا توقعنا في الفتنة أي: المحنة (بعده)
أي: بعد موته (واغفر لنا وله والمختار) عند أصحابنا الشافعية (إنه يطول الدعاء) للميت
وللمسلمين (في) أي: بعد التكبيرة (الرابعة) وقوله (خلاف ما يعتاده الناس من الدعاء)
بالنصب حال من فاعل يطول أي: حال كونه مخالفاً لمعتاد أكثر الناس من تقصير الدعاء فيه
اقتصاراً على الذكر السابق مرة واحدة (لحديث) عبد الله (بن أبي أوفى الذي سنذكره إن
شاء الله تعالى) آخر الباب (فأما الأدعية) جمع دعاء، وقلبت الواو ياءً؛ لانكسار ما قبلها
(المأثورة) بالمثلثة أي: الواردة عنه ◌َّه بعد التكبيرة الثالثة (ف) -كثيرة (منها).
٩٣٣ - (عن أبي عبد الرحمن عوف) بالفاء في آخره (بن مالك الأشجعي) وما ذكره
المصنف في كنيته أحد أقوال فيها وقيل كنيته أبو عمرو، وقيل أبو عبد الله، وقيل أبو محمد،
وقيل أبو حماد وتقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب القناعة (قال: صلى رسول الله وخلال
على جنازة فحفظت من دعائه)؛ لعله وَ الر جهر به؛ ليحفظ عنه (وهو يقول) جملة في محل
الحال من الضمير المضاف إليه المصدر (اللهم اغفر له) وحذف المفعول طلباً للتعميم،
ولتذهب النفس فيه كل مذهب (وارحمه) أي: بفيض خاص تتلقاه به من كرامتك(وعافه)
أي: من المؤذيات في القبر من فتنته، ووحشته وظلمته وعذابه (واعف عنه) أي: مما وقع له
من التقصير في الطاعة قال في النهاية: العفو محو الذنوب، والعافية السلامة من الأسقام
والبلايا (وأكرم) بقطع الهمزة (نزله) بضمتين، وهو ما يهيأ للضيف من الطعام أي: أحسن

٤١٥
١٥٧ - باب: فيما يقرأ في صلاة الجنازة
مِنَ الْخَطايا كما نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وأَبْدِلْهُ داراً خَيْراً مِنْ دارِهِ، وَأَهْلاً
خَيْراً مِنْ أَهْلِهِ، وزَوْجاً خَيْراً مِنْ زَوْجِهِ، وأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وأَعِذْهُ مِنْ عَذابِ القَبْرِ ومِنْ
عَذاب النَّارِ» .
نصيبه من الجنة قال ابن الجزري: وهو في الأصل قري الضيف، والمراد الدعاء بإكرامه
بالأجر والثواب والمغفرة (ووسع) بكسر السين المشددة (مدخله) بضم الميم وفتحها، وبهما
قرىء قوله تعالى: ﴿مدخلاً كريماً﴾(١) قال ابن الجزري: بضم الميم الموضع الذي يدخل
فيه، وهو قبره الذي يدخله الله فيه، وقال: لكن المسموع من أفواه المشايخ، والمضبوط في
الأصول فتح الميم وكلاهما صحيح المعنى قال صاحب الصحاح: المدخل(٢) الدخول
وموضع الدخول أيضاً تقول: دخلت مدخلًا، وأدخلته مدخل صدق ا هـ. قال صاحب الحرز:
ويجوز بالضم موضع الإِدخال، وهو المناسب للمقام قلت: وعليه، فيكون نصبه على الظرفية
بخلافه إذا جعل بمعنى الدخول، فيكون على المصدرية (واغسله) بوصل الهمزة أي :
اغسل ذنوبه، وطهر عيوبه (بالماء والثلج والبرد) بفتحتين والغرض تعميم أنواع الرحمة
والمغفرة في مقابلة أصناف المعصية والغفلة (ونقه) بتشديد القاف دعاء من التنقية بمعنى
التطهير، والهاء يحتمل أن تكون ضمير الميت وأن تكون هاء السكت (من الخطايا) أي: من
أثرها وهي جمع خطيئة وهل وزنها فعالى، أو فعائل خلاف (كما نقيت) نظفت (الثوب
الأبيض من الدنس) بفتحتين أي: الدرن قال ابن الجزري: الدنس بفتح الدال المهملة
والنون الوسخ. يريد المبالغة في التطهير من الخطايا والذنوب (وأبدله) من الإِبدال أي :
عوضه (داراً) من القصور أو من سعة القبور (خيراً من داره) التي بالدنيا الفانية (وأهلاً) أي :
من الخدم والولدان (خيراً من أهله) ليأنس بهم، وتذهب عنه الوحشة (وزوجاً) أي: من
الحور العين أو من نساء الدنيا في الجنة (خيراً من زوجه) أي: زوجته التي كانت في الدنيا
فإن كان الميت امرأة فالمعنى إبدالها زوجاً من رجال الدنيا في الجنة خيراً من زوجها حقيقة
أو حكماً (وأدخله الجنة) أي: ابتداءً مع الناجين الفائزين (وأعذه) من الإِعاذة أي: خلصه
(من عذاب القبر) الناشىء عن فتنته في عالم البرزخ (ومن عذاب النار) أي: بعد البعث،
(١) سورة النساء، الآية: ٣١.
(٢) أي بفتح الميم.

٤١٦
٦ - كتاب: عيادة المريض
حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكونَ أَنَا ذَلِكَ الْمَيِّتَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
٩٣٤ - وعنْ أَبي هُرِيْرَةَ وَأَبي قَتَادَةَ وأَبِي إِبْراهِيمَ الْأَشْهَليِّ عَنْ أَبِيهِ، وأبوهُ
صَحَابِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم عنِ النَّبِيِّ وَ أَنَّهُ صَلَّى عَلى جَنَازَةٍ فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ
لِحَيِّنا ومَيِّتِنا، وصَغيرِنا وَكَبيرِنا، وذَكَرِنَا وأُنْثَانَا، وشَاهِدِنا وغَائِبِنا، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْبَيْتَهُ مِنَّا
إما بإعادته منها ابتداءً، أو بإنجائه من الخلود فيها، وإعادة الجار إيماء إلى اختلاف نوعي
العذاب. قال عوف بن مالك راوي الحديث (حتى تمنيت أن أكون ذلك الميت) أي: لأظفر
بتلك الدعوات المجابات، والأدعية المقبولات (رواه مسلم) والترمذي والنسائي وابن ماجه
وابن أبي شيبة والمصنف(٢) كلهم من حديث عوف.
٩٣٤ - (وعن أبي هريرة وأبي قتادة الأنصاري) واسمه ربعي بن النعمان (وأبي إبراهيم
الأشهلي) قال الحافظ في التقريب: مقبول من كبار التابعين قيل: إنه عبد الله بن أبي قتادة
ولا يصح قال الترمذي: هو غلط أبو إبراهيم من بني عبد الأشهل وأبو قتادة من بني سلمة،
والأشهلي بفتح الهمزة والهاء وسكون المعجمة بينهما وبعد الهاء لام نسبة إلى عبد الأشهل
إلى (٣) بطن من الأنصار (عن أبيه) لم يعلم اسمه (وأبوه صحابي) فلا تضر جهالة عينه؛ لأن
الصحابة رضي الله عنهم كلهم عدول (عن النبي ◌َّر أنه صلى على جنازة فقال: اللهم اغفر
لحينا وميتنا) أي: لجميع أحيائنا، وأمواتنا ومعشر المسلمين؛ لأن المفرد المضاف حيث
لا عهد للعموم (وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا وشاهدنا) أي: حاضرنا (وغائبنا) قال
التوربشتي: سئل الطحاوي عن معنى الاستغفار للصغار مع أنه لا ذنب لهم، فقال: إن
النبي ◌َّ سأل ربه أن يغفر لهم الذنوب التي قضيت لهم أن يصيبوها بعد الانتهاء إلى الكبر،
وعليه فالصغار عام مخصوص بمن سيكبر، قيل: ويجوز أن يراد بالصغار الشباب وبالكبار
الشيوخ، وعليه فالأمر واضح. قال ميرك: كل من القرائن الأربع في الحديث على الشمول
والاستيعاب، فلا يحمل على التخصيص نظراً إلى مفردات التركيب كأنه قيل: اللهم اغفر
لكل المسلمين، فهي من الكنايات الرمزية يدل عليه جمعه في قوله: اللهم من أحييته منا
الخ. قال في الحرز: لا كلام في إفادة العموم (اللهم) من أحبيته منا (فأحيه) بقطع الهمزة
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الجنائز، باب: الدعاء للميت في الصلاة (الحديث: ٨٥).
(٢) کذا ولعله وفي المصنف، ع.
(٣) إلى بطن، لعله أي بطن، ع.

٤١٧
١٥٧ - باب: فيما يقرأ في صلاة الجنازة
فَأَحْيِهِ عَلى الإِسْلامِ، ومَنْ تَوَقَيْتَهُ مِنَّا فَتَوَقَّهُ عَلَى الإِيمَانِ، اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنا أَجْرَهُ،
ولا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ» رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ مِنْ رِواية أَبي هُرَيْرَةَ وَالْأَشْهَلِيِّ. ورواهُ أبو داوُدَ مِنْ
روايةٍ أَبي هُرِيْرَةَ وأَبي قَتَادَةَ. قالَ الْحَاكُمُ: حَديثُ أَبي هُرِيْرةَ صَحيحٌ عَلَى شَرطِ
الْبُخَارِيِّ ومُسْلِمٍ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: قَالَ الْبُخَارِيُّ: أَجْمَعُ رِواياتِ هَذَا الْحَديثِ رِوايةٌ
الْأَشْهَلِيِّ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَأَصَحُّ شَيْءٍ فِي الْبابِ حَديثُ عَوْفٍ بْنِ مَالِكِ(١).
٩٣٥ _ وعَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقولُ: ((إذَا
صَلَّيْتُمْ عَلى الْمَيِّتِ فَأَخْلِصوا لَهُ الدُّعاءَ)) رَوَاهُ أبو داوُدَ(٢).
(على الإِسلام)، وفي رواية للترمذي والحاكم على الإِيمان (ومن توفيته) بتشديد الفاء أي :
قبضت روحه (منا فتوفه على الإِيمان) وفي روايتهما على الإِسلام ولا شك أن رواية غيرهما
أولى لمناسبة الحياة للإِسلام، وملائمة الوفاة للإِيمان (اللهم لا تحرمنا أجره) أي: أجر
المصيبة فيه (ولا تفتنا) وفي رواية تضلنا (بعده) أي: بعد موته (رواه الترمذي من رواية)
أي: من حديث (أبي هريرة والأشهلي ورواه أبو داود من رواية أبي هريرة وأبي قتادة) وكذا
رواه من حديث أبي هريرة وأحمد والنسائي وابن حبان (قال الحاكم) في المستدرك (حديث
أبي هريرة صحيح على شرط البخاري ومسلم قال الترمذي) في جامعه (قال البخاري)
صاحب الصحيح وهو من مشايخ الترمذي (أجمع روايات هذا الباب) أي: لهذا الحديث
(رواية الأشهلي قال البخاري: وأصح شيء في الباب حديث عوف بن مالك) وقد تقدم أنه
صحيح أخرجه مسلم، ولا شك أن ما أخرجه أحدهما مقدم على ما هو على شرطهما مما لم
يخرجاه، وإن كان قول المحدث أصح ما في هذا الباب حديث كذا لا يستلزم الحكم بصحة
ذلك الحدیث.
٩٣٥ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَلل يقول: إذا صليتم على
الميت) أي: تلبستم بها (فأخلصوا) بقطع الهمزة (له الدعاء) قال العلقمي : إخلاص الدعاء
له ألا يشرك معه غيره وأقله اللهم اغفر له، ويدعى له بخصوصه، وإن كان طفلاً (رواه أبو
داود) ورواه ابن ماجه وابن حبان كمال الجامع الصغير، وفي تخريج أحاديث الرافعي
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الجنائز، باب: ما يقول في الصلاة على الميت، (الحديث: ١٠٢٤).
وأخرجه أبو داود في كتاب: الجنائز، باب: الدعاء للميت، (الحديث: ٣٢٠١).
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب: الجنائز، باب: الدعاء للميت، (الحديث: ٣١٩٩).

٤١٨
٦ - كتاب: عيادة المريض
٩٣٦ - وعنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عنِ النَّبِيِّ وَ فِي الصَّلاةِ عَلى الْجَنَازَةِ: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ
رَبُّها، وأَنْتَ خَلَقْتَها، وأَنْتَ هَدَيْتَها لِلإِسْلامِ، وأَنْت قَبَضْتَ روحَها، وأَنْتَ أَعْلَمُ
بِسِرِّها وعَلائِيَّتِها، جِئْنَاكَ شُفَعَاءَ لَهُ فَاغْفِرْ لَهُ)). رواهُ أَبُو دَاوُدَ(١).
٩٣٧ - وعَنْ واثِلَة بنِ الْأَسْقَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: صَلَّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ عَلى
رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَسَمِعْتُهُ يَقولُ: ((اللَّهُمَّ إِنَّ فُلانَ ابنَ فُلانٍ فِي ذِمَّتِك، وحَبْلِ
للحافظ ابن حجر، وأخرجه البيهقي وفيه ابن إسحاق وقد عنعن؛ لكن أخرجه ابن حبان من
طريق أخرى عنه مصرحاً بالسماع.
٩٣٦ - (وعنه عن النبي ◌َّ في الصلاة على الجنازة) أي: من دعائه في الصلاة عليها
(اللهم) أي: يا الله (أنت ربها) أي: مربيها بنعمتك بالإِخراج من العدم، ثم بالغذاء بالنعم
(وأنت خلقتها) أي: والمضاف يشرف بشرف المضاف إليه (وأنت هديتها) أي: أوصلتها
(للإِسلام) إذ لولا إرادتك هدايته لما اهتدى (وأنت قبضت) بفتح الموحدة (روحها) أي :
وذلك بإخراج الملائكة الموكلين بالنزع لها من الجسد، ثم أخذ الملك لها وليس إسناد
القبض مجازاً عقلياً خلافاً لما في الحرز (وأنت أعلم بسرها) أي: بما كانت تسره في الحياة
من اعتقاد ونية (وعلانيتها) بتخفيف التحتية أي: بما تعلنه أي: تظهره من ذلك والجملة
معطوفة على ما قبلها، ويحتمل كونها حالية من فاعل هديت أي: حكمنا بهدايتك إياها
باعتبار ما ظهر لنا، والسرائر علمها إليك (جئنا) أي: حضرنا (شفعاء) حال أي: شافعين (له
فاغفر له) أي: جميع ذنوبه کما یومیء إليه حذف المفعول (رواه أبو داود)
٩٣٧ - (وعن واثلة) بالمثلثة (بن الأسقع) بالمهملة وبعدها قاف فعين مهملة سبقت ترجمته
(رضي الله عنه) في باب الرؤيا وما يتعلق بها (قال: صلى بنا رسول الله وَّلل على رجل من
المسلمين) لم أقف على تسميته (فسمعته يقول: اللهم إن فلان بن فلان) كناية عن اسم
الرجل المصلى عليه واسم أبيه، ولما نسي الراوي اسمهما كنى به عنهما (في ذمتك) بكسر
الذال المعجمة وتشديد الميم أي: في عهدك المشار إليه بقوله تعالى ﴿وأوفوا بعهدي أوف
بعهدكم﴾ (٢) (وحبل) بالمهملة فالموحدة مستعار إستعارة مصرحة للميثاق أي: وفي عروة
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الجنائز، باب: الدعاء للميت (الحديث: ٣٢٠٠).
(٢) سورة البقرة، الآية: ٤٠.

٤١٩
١٥٧ - باب: فيما يقرأ في صلاة الجنازة
جِوارِك، فَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ، وأَنْتَ أَهْلُ الْوَفاءِ والْحَمْدِ، اللَّهُمَّ فَاغْفِرْ لَهُ
وارْحَمْهُ إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفورُ الرَّحِيمُ)) رواهُ أَبو داوُدَ(١).
٩٣٨ - وعَنْ عِبْدِ اللَّهِ بنِ أَبي أوْفى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أَنَّهُ كَبَّرَ عَلى جَنَازَةِ ابْنَةَ لَهُ
أَرْبَعَ تَكْبِيراتٍ فَقَامَ بَعْدَ الرَّابِعَةِ كَقَدَرٍ مَا بَيْنَ التِّكْبِيرَتَيْنِ يَسْتَغْفِرُ لَها ويَدْعو، ثُمَّ قالَ:
(جوارك) بكسر الجيم أي: أمانك قال تعالى ﴿واعتصموا بحبل الله﴾(٢) قال الطيبي الحبل
العهد والأمان والذمة أي: هو في كنف حفظك، وعهد طاعتك، وقال ابن الجزري أي: في
خفارتك وطلب غفرانك، وكان عادة العرب أن يخفر بعضها بعضاً، فكان الرجل إذا أراد
سفراً أخذ عهداً من سيد كل قبيلة فيأمن به ما دام في حدودها حتى ينتهي إلى أخرى، فيفعل
مثل ذلك فهذا حبل الجوار أي: ما دام مجاوراً أرضه ويجوز أن يكون من الإِجارة وهو الأمان
والنصرة (فقه) بهاء الضمير أي: احفظه (من فتنة القبر) أي: اختباره أو عذابه وعليه فعطف
قوله (وعذابه) من عطف الرديف، وعلى الأول من عطف المسبب على السبب (وأنت أهل
الوفاء) قال تعالى: ﴿أوف بعهدكم﴾(٣) (والحمد) وأهل أن تحمد بالتزكية والثناء وبالشكر
والجزاء لمن ثبت على الإِيمان، وقام بحق القرآن، والجملة حالية من فاعل قه، أو استئنافية
(اللهم فاغفر له) الإِتيان بفاء السببية للإيماء إلى أن من كان محموداً أهلاً للوفاء، فهو الذي
يسأل منه الغفران بمحو السيئات (وارحمه) أي: برفع الدرجات (إنك أنت الغفور الرحيم)
بكسر همزة إن على الاستئناف، ويجوز فتحها بتقدير لام التعليل، وهو كالدليل لسؤال
المغفرة والرحمة منه، وأتي بهما بصيغة المبالغة إيماءً إلى سعة رحمته وشمول مغفرته
وعظمها (رواه أبو داود وابن ماجة).
٩٣٨ - (وعن عبد الله بن أبي أوفى) واسمه علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي (رضي الله
عنه أنه كبر على جنازة ابنة له) بدل اشتمال من عبد الله (٤) (أربع تكبيرات) مفعول مطلق
لكبر (فقام بعد) التكبيرة (الرابعة) قياماً (بقدر ما بين التكبيرتين) الثالثة والرابعة التي يدعى
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الجنائز، باب: الدعاء للميت (الحديث: ٣٢٠٢).
(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٠٣.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٤٠
(٤) أي قوله ((أنه كبر الخ)) بدل اشتمال من ((عبد الله)) أي روى عن عبد الله عن تكبيره. هذا مراده ولا شك أن
لإعرابه أوجهاً أخر. ع

٤٢٠
٦ - كتاب: عيادة المريض
كانَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ يَصْنَعُ هَكَذَا. وفي روايةٍ: ((كَبَّرَ أَرْبَعاً فَمَكَثَ سَاعَةً حَتَّى ظَنَّنَّا أَنَّهُ
سَيُكَبِّرُ خَمْسَاً، ثُمَّ سَلْمَ عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ، فَلَمَّا انْصَرِفَ قُلْنا لَهُ: مَا هَذا؟ فَقالَ:
إِنِّي لا أَزِيدُكُمْ عَلى مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَصْنَعُ، أَوْ قال: هَكَذا صَنَّعَ
رَسُولُ اللَّهِ،َ)) رواهُ الْحَاكِمُ، وقالَ: حَدِيْثٌ صَحِيحٌ(١).
١٥٨ - باب: في الإسراع بالجنازة
٩٣٩ - عنْ أَبي هُرِيْرةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عنِ النَّبِيِّ وَ﴿ قَالَ: ((أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ فَإِنْ
فيها للميت؛ لأن في هذه أيضاً دعاء له (يستغفر لها) أي: يسأل الله لها المغفرة (ويدعو لها)
أي: بنيل المراتب العلية كالجنة (ثم قال: كان رسول الله (صل# يصنع هكذا) أي: مثل
ما صنعت من تطويل ما بعد التكبيرة الرابعة (وفي رواية) لأبي بكر الشافعي الغيلاني كما قال
الحافظ في تخريج أحاديث الرافعي أي: عن ابن أبي أوفى (كبر أربعاً فمكث) بفتح الكاف
على الأفصح (ساعة) أي: زمناً طويلاً يستغفر ويدعو وقوله (حتى ظنناً أنه سيكبر خمساً) غاية
للإطالة المدلول عليها بقوله: ساعة (ثم سلم عن يمينه) كتسليم الصلاة حتی یری بياض
خده الأيمن (و) كذا (عن شماله فلما انصرف) أي: انتهى من الصلاة (قلنا له: ما هذا قال:
إني لا أزيدكم على ما رأيت رسول الله وَير يصنع أو) شك من الراوي هل قال ابن أبي أوفى
كما تقدم عنه أو (قال هكذا) مثل ما صنعت (صنع رسول الله وم طار رواه الحاكم) في
المستدرك (وقال: حديث صحيح) وفي تخريج أحاديث الرافعي رواه أحمد. اهـ. فيؤخذ
منه استحباب الدعاء للميت بعد الرابعة، وهو الذي رجحه الرافعي بعد أن ذكر فيه خلافاً.
باب الإِسراع بالجنازة
أي: ندب الإِسراع بالسير بها وحكى البيهقي في المعرفة عن الشافعي أن الإِسراع بها
هو فوق سجية المشي وحكى ابن المنذر، وابن بطال أنه سجية المشي قال العراقي: والأول
أثبت ويوافقه قول أصحابنا وهذه عبارة الرافعي والنووي والمراد بالإسراع فوق المشي
المعتاد، ودون الخبب، وعبارة صاحب الهداية من الحنفية ويمشون بها مسرعين دون
الخبب، والمراد طلب إسراع لا يشق على من تبعها، ولا يحرك الميت فذلك مكروه.
٩٣٩ - (عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي وَّر قال: أسرعوا) بقطع الهمزة (بالجنازة)
(١) الحاكم: (٣٦٠/١).