النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١
١٤٥ -باب: فيما يدعى به للمريض
٩٠٤ - وعنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما عنِ النَّبِيِّ وَّهِ قالَ: ((مَنْ عادَ مَريضاً
لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ، فَقَالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ، رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
أَنْ يَشْفِيَكَ، إِلَّ عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ)) رواهُ أَبو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ:
حَديثٌ حَسنّ. وقَالَ الْحَاكِمُ: حديثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ(١).
٩٠٥ - وعنهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ وَ دَخَلَ عَلى أَعْرابِيٍّ يَعودُهُ، وكانَ إِذَا
دَخَلَ عَلى مَنْ يَعودُهُ قالَ:
٩٠٤ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما: عن النبي ◌َّ قال: من عاد مريضاً لم يحضر
أجله) أي: لم تتم مدة عمره (فقال عنده سبع مرات) كلاهما ظرفان للقول، والأول مكاني
والثاني زماني (اسأل الله العظيم) والإِتيان به؛ لبيان أنه لا يتعاظم عليه مطلوب لعظمته (رب
العرش العظيم) بالجر على أنه صفة العرش، وفي نسخة مصححة من الحصن لابن
الجزري: بنصبه على أنه صفة لرب (أن يشفيك) بفتح التحتيتين وهو ثاني مفعولي أسأل (إلا
عافاه الله) استثناء من ((من)) الشرطية العامة كأنه قال: ماعاد أحد مريضاً فقال كذا إلا
عافاه الله، والمغالبة للمبالغة أي: أعطاه عافية تامة (من ذلك المرض) ويشمل الوعد ما ينشأ
عنه، ففيه عافية من قيل عنده ذلك من مرضه القائم به، ومما يتسبب عنه ويحتمل أن يكون
قاصراً عليه دون ما ينشأ عنه. والله أعلم (رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن) وكذا
رواه النسائي وابن حبان والحاكم في مستدركه كما أشار إليه المصنف بقوله: (وقال الحاكم:
حديث صحيح على شرط البخاري) أي مروي برجال روى عنهم البخاري في صحيحه
الحديث الصحيح ورواه أيضاً ابن أبي شيبة في مصنفه.
٩٠٥ - (وعنه أن النبي يسير دخل على أعرابي) منسوب إلى الأعراب بفتح فسكون، وهم
سكان البادية قال الشيخ زكريا في التحفة: واسمه قيس بن أبي حازم بالمهملة والزاي (يعوده
وكان إذا دخل على من (٢) يعوده) قال: وفي رواية البخاري فقال له (٣): بزيادة الفاء أوله
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الجنائز، باب: الدعاء للمريض عند العيادة (الحديث: ٣١٠٦).
وأخرجه الترمذي في كتاب: الطب [باب: ٣٢](الحديث: ٢٠٨٣)
(٢) قوله (من) كذا في نسخ المتن والشرح، وفي البخاري والاذكار (مريض).
(٣) فيه نظر فلفظ (فقال له) ليس هنا محله وإنما هو في آخر الحديث حذفه المصنف لعدم تعلق غرض
الترجمة به .
٣٨٢
٦ - كتاب: عيادة المريض
(لا بَأْسَ، طَهورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ)) رواهُ الْبُخَارِيُّ (١).
٩٠٦ - وعنْ أَبي سَعيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ ◌َ فَقالَ:
يَا مُحَمَّدُ اشْتَكَيْتَ؟ قالَ: ((نَعَمْ)) قالَ: بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ
والظرف بعده (لا بأس) بالهمز على أصله، ويجوز تسهيله ألفاً، وقد أجاز السوسي إبداله
وإبدال مثله ألفاً مطلقاً وهمزة عند الوقف (طهور) بفتح أوله ويجوز ضمه، وهو مرفوع على
أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هذا أي: مرضك مطهر لذنبك مكفر لعيبك، واقتصر عليه لكونه
الأكثر وإلا فقد يكون أيضاً سبباً لرفع الدرجات في العقبى، أو لعلو المقامات فيها في الدنيا؛
لأن الرياضات تنتج الحالات والكشوفات (إن شاء الله تعالى) أي: إن تعلقت المشيئة بتطهيره
بذلك، وجملة وكان حالية من فاعل دخل، والجملة الشرطية فى محل نصب خبر كان وقد
أورده(٢) ابن الجوزي في الحصن مكرراً وعزاه لتخريج البخاري والنسائي، وهو في باب
العيادة من البخاري بلا تكرار فلعله للنسائي (رواه البخاري)(٣).
٩٠٦ - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن جبريل أتى النبي ◌َّ فقال: يا محمد)
في ندائه باسمه إيماء إلى أن الخطاب بقوله تعالى: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء
بعضكم بعضاً﴾(٤) متوجه للمكلف من الثقلين (اشتكيت)؛ لعل التاء فيه للمبالغة في
الشكوى كما يومىء إليه حديث ((أشد الناس بلاءً الأنبياء)) (قال: نعم) فيه جواز الإِخبار
بالمرض على طريق بيان الواقع من غير تضجر، ولا تبرم (قال: باسم الله) قدمه على متعلقه
وهو قوله (أرقيك) بفتح الهمزة وكسر القاف اهتماماً واختصاصاً كما في ﴿باسم الله
مجراها﴾(٥) وعلق به أيضاً قوله (من كل شيء يؤذيك) أي: يوصلك إلى المكروه، ثم بين
إبهام شيء بقوله (من شر كل نفس) خبيثة أمارة بالسوء، ولا ينافي هذا قوله تعالى: ﴿والله
يعصمك من الناس﴾(٦) بفرض تأخره عنه؛ لأن الذي عصم منه هو إزهاق الروحٍ ونحوه لا
مطلق الإيذاء؛ لأنه وقائية لم يزل يؤذى إلى آخر حياته زيادة في إعلاء رتبه وتشريفاً للسالكين
(١) أخرجه البخاري في كتاب: المرضى، والطب، باب: رقية النبي ◌َّ (١٧٥/١٠).
(٢) أي أورد لفظ إن شاء الله.
(٣) أي في باب عيادة الاعراب وفي باب علامات النبوة.
(٤) سورة النور، الآية: ٦٣.
(٥) سورة هود، الآية: ٤١ .
(٦) سورة المائدة، الآية: ٦٧ .
٣٨٣
١٤٥ - باب: فيما يدعى به للمريض
شَرِّ كلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللَّهُ يَشْفيكَ، بِسْمِ اللَّه أَرْقِيكَ. رَوَاهُ مُسْلِم(١).
٩٠٧ - وعنَ أَبي سَعيدٍ وأَبي هُرِيْرةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُما شَهِدا عَلى
رسُولِ اللَّهِ بِّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ قالَ: لا إلَهَ إلَّ اللَّه واللَّهُ أَكْبَرُ صَدَّقَهُ رَبُّهُ فَقالَ: لا إلهَ
إِلّ أَنَا وَأَنا أَكْبَرُ، وإِذَا قالَ: لا إلَهَ إِلَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، قَالَ يَقولُ: لا إلَهَ إلّ
أَنَا وَحْدي لا شَرِيكَ لِي، وإِذَا قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّه لَهُ الْمُلْكَ وَلَهُ الْحَمْدُ، قَالَ: لا إِلّهَ
سننه من بعده من أمته (أو) الظاهر أنها بمعنى الواو وإنما ذكر هذين مع أن المراد ما يعمهما
وغيرهما؛ لبيان أخص أنواع الأذى وحينئذ يصح بقاء أو على حالها إشارة إلى أن الأخص
أحد هذين (عين كل حاسد) عدل إليه عن معيان الذي هو القياس إذ لا يلزم من الحاسد أن
يكون معياناً إشارة إلى أن الغالب أن المعيان لا تؤثر عينه إلا بعد استحسان الشيء في نفسه
الخبيثة حسداً لصاحب ذلك الشيء. وقال المصنف في شرح مسلم: قيل: يحتمل أن
المراد بالنفس نفس الآدمي ويحتمل أن المراد بها العين، فإن النفس تطلق عليها، ويكون
قوله: أو عين حاسد من باب التوكيد بلفظ مختلف أو شك من الراوي في لفظه ا هـ. ويحتمل
أن يكون الظرف بدلاً من قوله من شيء بدل بعض من كل، ويحتمل أن يكون متعلقاً بقوله:
يؤذيك ومن فيه حينئذ للابتداء (الله يشفيك) بفتح التحتية كما تقدم قريباً (باسم الله أرقيك)
كرره تأكيداً تنبيهاً على أن الرقي لا ينبغي أن تكون إلا بأسماء الله وأوصافه وذكره فيبركة ذلك
يرتفع ما يؤذن في رفعه من الضرر (رواه مسلم).
٩٠٧ - (وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما أنهما شهدا على رسول الله مضلل أنه
قال: من قال: لا إله إلا الله والله أكبر صدقه ربه) وبين كيفية تصديقه بقوله على سبيل عطف
البيان والتفسير (فقال: لا إله إلا أنا وأنا أكبر) أي: فإتيانه تعالى بمثل ما قال العبد بمعناه
تصديق له. (وإذا قال) أي: الشخص المدلول عليه بأداة الشرط (لا إله) أي: لا معبود بحق
في الوجود (إلا الله وحده) منفرداً في ذاته وفي أوصافه (لا شريك له) أي: في ملكه ولا في
فعله (قال) أي: الله مصدقاً له نظير ما قبله (لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي وإذا قال:
لا إله إلا الله له) دون غيره (الملك) بضم الميم أي: التصرف والقهر، وكل ملك مالك، ولا
عكس، وهو بمعنى قوله فيما قبله لا شريك له (وله) دون غيره (الحمد) إذ هو الثناء على
الجميل الاختياري وهو الفاعل لجميع ذلك الموجد له، والموجد على يده إنما هو مظهر
فعله سبحانه فعاد جمع الحمد إليه وقصر عليه كما يؤذن به تقديم ما حقه التأخير فيهما (قال)
(١) أخرجه مسلم في كتاب: السلام، باب: الطب والمرض والرقى (الحديث: ٤٠).
٣٨٤
٦ - كتاب: عيادة المريض
إِلّ أَنَا لِيَ الْحَمْدُ ولِيَ الْمُلْكُ، وإذَا قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّه،
قَالَ: لا إلَهَ إِلّ أَنَا ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّ بي. وكانَ يَقولُ: ((مَنْ قَالَها فِي مَرَضِهِ ثُمَّ
مَاتَ لَمْ تَطْعَمْهُ النَّارُ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وقَالَ: حَديثٌ حَسَنٌ(١).
١٤٦ - باب: في استحباب سؤال أهل المريض عن حاله
٩٠٨ - عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ عَليَّ بْنَ أَبي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
أي: الله عز وجل مصدقاً لعبده (لا إله إلا أنا لي الحمد ولي الملك وإذا قال: لا إله إلا الله
ولا حول ولا قوة إلا بالله) عطف جملة الحوقلة على جملة التوحيد، وذلك لتلازمهما وعدم
انفكاك مضمون كل منهما عن مضمون الآخر، إذ الممكن لا بد له من موجد ومنه الحول
والقوة(٢) وليس ذلك الموجد إلا إله، فإذا لم يكن الإِله إلا هو سبحانه وتعالى فيلزم أن
لا حول ولا قوة لغيره (قال) أي: الله (لا إله إلا أنا ولا حول ولا قوة إلا بي) ثم الذي وقفت
عليه في الأصول ضبط حول وقوة فيهما بالفتح على إعمال لا فيهن، وكأنه؛ لأنه الرواية
(وكان) يعني النبي ◌ُّل وهو عطف على قال فيكون من جملة ما حكياه (يقول: ما قالهن في
مرضه ثم مات) أي: فيه (لم تطعمه) بفتح الفوقية والمهملة (النار) وهذا كناية عن عدم
دخوله إليها، ثم يحتمل أن يراد لا يدخلها دخول تخليد وتأبيد، ويحتمل أن يتسبب عنه
بفضل الله تعالى من حسن الخاتمة ما يدخل به قائله الجنة مع الفائزين، وهو المتبادر من
متن الحديث (رواه الترمذي) في الدعوات من جامعه (وقال: حديث حسن) ثم أشار إلى أن
شعبة قد رواه عنهما بنحوه ووقفه عليهما .
باب استحباب سؤال أهل المريض عن حاله
وذلك لما فيه من العناية بحال المريض، والاحتفال بأمره، وإدخال السرور عليه.
٩٠٨ - (عن ابن عباس رضي الله عنهما أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خرج من عند
رسول الله # في وجعه الذي توفي فيه فقال الناس: يا أبا الحسن كيف أصبح
رسول الله (18) يؤخذ منه استحباب السؤال عن حال المريض إذا عسر الوصول إليه؛ لعارض
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات، باب: ما يقول العبد إذا مرض (الحديث: ٣٤٣٠).
(٢) أو ومن الممكن الحول والقوة.
٣٨٥
١٤٧ _ باب: فيما يقوله من أيس من حياته
خَرَجَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللّهِ وَهِ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَقَالَ النَّاسُ: يَا أبا الْحَسَنِ
كَيْفَ أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ؟ فَقَالَ: أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللَّهِ بَارِثَاً. رواهُ الْبُخَارِيُّ(١).
١٤٧ _ باب: فيما يقوله من أيس من حياته
٩٠٩ - عنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَّهِ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إلَيَّ
يَقولُ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي وارْحَمْني
كغلبة مرض أو شرب دواء، فيسن سؤال أهله حينئذ عن حاله. قال ابن حجر الهيثمي : وهذا
الندب وإن لم يصرح به أصحابنا لكنه ظاهر المعنى؛ لأن المريض إذا بلغه ذلك سر به (قال:
أصبح بحمد الله) أي: متلبساً بحمد الله (بارئاً) اسم فاعل من البرء خبر بعد خبر أو حال من
ضمير أصبح، ويجوز عكسه، والمعنى قريباً من البرء بحسب ظنه، أو للتفاؤل، أو بارئاً مما
يعتري المريض من قلق وغفلة، وفيه أنه ينبغي لمن يسأل عن حال المريض أن يجيب بمثل
ما ذكر فيه (٢) مما يشعر برضا المريض بما هو فيه عن الله تعالى، وأنه مستمر على حمده
وشكره لم تغيره عنه شدة ولا مشقة، وبما يؤذن بخفة مرضه، وقرب عافيته قال ابن حجر
أيضاً: وهذا وإن لم يصرح به أصحابنا لكنه واضح (رواه البخاري) في الاستئذان، وأخرجه
في المغازي أيضاً من وجهين وزاد بعد بارئاً فقال العباس: والله إني لأرى رسول الله وَله
سيتوفى من وجعه هذا وإني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت. الحديث.
باب ما یقول من أیس
بالبناء للفاعل (من حياته) أي: بظهور علامات الموت التي لا يتخلف عنها عادة.
٩٠٩ - (عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله) وفي نسخة النبي (وَ لّ وهو
مستند إلى) جملة حالية من مفعول سمعت وجملة (يقول) يصح كونها حالاً منه أيضاً أو من
مجرور إلى (٣) فهي مترادفة أو متداخلة (اللهم اغفر لي) وهذا منه خضوع لمقام الربوبية؛
وإلا فهو معصوم من جميع الذنوب أو تشريع للأمة، وتنبيه على أن حق مثل هذا المطلب ألا
يغفل عنه المستيقظ حالتئذ؛ لأنها حالة الانتقال، وساعة الارتحال (وارحمني) ورحمة كل
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الاستئذان، باب: المعانقة والمغازي، باب: مرض النبي ◌َّ (٤٩/١١).
(٢) (فيه) أي في الحديث.
(٣) قوله: (من مجرور إلى) هو سهو ولعل الصواب (من فاعل مستند).
٣٨٦
٦ - كتاب: عيادة المريض
وألحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الْأَعْلِى)). مُتَّفَقْ عَلَيْهِ(١)
٩١٠ - وعنْها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ِ بِالمَوْتِ وعِنْدَهُ قَدَحُ فِيهِ
شيء بحسب ما يليق به، فأعظم الرحمات ما منحه نبيه # مما لا يحيط به بيان، وظاهر أن
الرحمة فيها مجاز مرسل تبعي، وقد صرح العصام بأنه كما توصف الاستعارة بالتبعية وهي ما
كان في الحرف أو المشتق يوصف به المجاز المرسل قال: ومنه قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى
الصلاة﴾(٢) أي: إذا أردتم القيام إليها (وألحقني) بقطع الهمزة (بالرفيق الأعلى) قيل:
المراد به الملائكة المقربون، والعباد الصالحون بالمعنى الأعم وهو الوجه الأتم المناسب
لما جاء في قول يوسف: ﴿توفني مسلماً وألحقني بالصالحين﴾(٣) وفي السلاح لابن همام:
هم الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون، المذكورون في قوله تعالى: ﴿وحسن أولئك
رفيقا﴾ (٤) ويؤيده ما جاء في الحديث الصحيح مبيناً، فجعل يقول: مع الذين أنعمت عليهم
من النبيين والصديقين الخ، والحديث يفسر بعضه بعضاً اهـ. قال القاري عن بعضهم وهو
المعتمد: ومعنى كونهم رفيقاً بقاؤهم على طاعة الله تعالى، وارتفاق بعضهم ببعض ونكتة
إفراد هذه الكلمة الإشارة إلى أن أهل الجنة يدخلونها على قلب رجل واحد، وقيل: معناه
الإِلحاق بالله تعالى، فإن من أسمائه الحسنى الرفيق، والمراد بالأعلى الموصوف به أعلى
علو المكانة لا المكان. قال في الحرز: وهذا هو الأنسب بالمصطفى آخر كلامه في طلب
المولى كما أنه أول من قال: بلى في جواب ﴿ألست بربكم﴾(٥) في الميثاق الأعلى (متفق
عليه) ورواه الترمذي والاسماعيلي وابن حبان .
٩١٠ - (وعنها قالت: رأيت رسول الله وَ لل وهو بالموت) أي: متلبس بمقدماته (وعنده
قدح فيه ماء) الجملتان الأوليان حالان من مفعول رأيت أو الثانية حال من الأولى، وأما قوله :
فيه ماء، فهي في محل الصفة للمبتدأ إن أعرب الظرف خبراً مقدماً وما مبتدأ مؤخراً، فإن
(١) أخرجه البخاري في كتاب: المرض والطب باب تمني المريض الموت (١١٠/١٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: في فضل عائشة رضي الله تعالى عنها (الحديث:
٨٥).
(٢) سورة المائدة، الآية: ٦.
(٣) سورة يوسف، الآية: ١٠١
(٤) سورة النساء، الآية: ٦٩.
(٥) سورة الأعراف، الآية : ١٧٢
٣٨٧
١٤٨ - باب: في استحباب وصية أهل المريض
مَاءٌ، وهُوَ يُدْخِلُ يَدَهُ فِي الْقَدَحِ ثُمَّ يَمْسَحُ وجْهَهُ بِالْمَاءِ، ثَمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلى
غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَسَكَرَاتِ الْمَوْتِ)). رواهُ التِّرْمِذِيُّ (١).
١٤٨ - باب: في استحباب وصية أهل المريضَ ومن يخدمه بالإحسان إليه
واحتماله والصبر على ما يشق من أمره وكذا الوصية
بمن قرب سبب موته بحد أو قصاص ونحوهما
٩١١ - عنْ عِمْرَانَ بنِ الْحُصَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتِ
أعرب الظرف صفة فما فاعله (وهو يدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء) الذي بيده
من القدح، وذلك؛ للحرارة التي يجدها من مزاولة ما كان فيه (ثم يقول: اللهم أعني على
غمرات) بفتح المعجمة والمیم کسجدة وسجدات أي: شدائد (الموت) التي هي لشدتها
تكاد تغمر أي: تغطي عليه وتستره (وسكرات) بفتح أوليه أيضاً (الموت) كذا هو في الأصول
وسکرات بالواو أي: شدائد مقدماته التي یقوی علی الروح حتی یغیبها عن إدراكها وقد صح
أنه * كان يغمى عليه من مرض موته. وقد ألف الشيخ محمد البكري رسالة سماها القول
الأجل في حكمة كرب المصطفى عند حلول الأجل لخصناها في شرح الأذكار (رواه
الترمذي) وكذا رأيته في الجنائز من جامعه في أصلين مصححين ثم رأيته في المشكاة بلفظ
((أعني على منكرات الموت، أو سكرات الموت)) وقال: رواه الترمذي وابن ماجه؛ ولعله
لفظ ابن ماجه وعزوه للترمذي باعتبار أصل الحديث وسكت المصنف عن نقل قول الترمذي
في رتبة الحديث على خلاف عادته سهواً قال الترمذي: هذا حديث غريب.
باب استحباب وصية أهل المريض
مصدر مبني للمفعول مضاف إليه أي: أن يوصوهم (ومن يخدمه بالإِحسان إليه) بلين
الكلام وإظهار البشر وإعطائه المطلوب (واحتماله) على ما قد يوقعه فيه المرض من سيء
الكلام (والصبر على ما یشق من أمره وكذا الوصية بمن قرب سبب موته بحد) نحو زنی (أو
قصاص ونحوهما) الأولى ونحوه؛ لأن العطف فيما قبله بأو وهي لأحد الشيئين.
٩١١ - (عن عمران بن حصين) بضم المهملة وفتح الثانية وسكون التحتية (رضي الله
عنهما أن امرأة) لم أقف على من سماها وهي واحدة نسوة من معناها (من جهينة) بضم
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في التشديد عند الموت، (الحديث: ٩٧٨).
٣٨٨
٦ - كتاب: عيادة المريض
النَّبِيَّ ◌َّهِ وهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنا، فَقالَتْ: يا رسُولَ اللَّهِ أَصَبْتُ حَدَّاً فَأَقِمْهُ عَلَيَّ.
فَدَعَا نَبِيُّ اللَّهِوَهِ وَلِيَّهَا فَقالَ: ((أَحْسِنْ إِلَيْها فَإِذَا وَضَعَتْ فَأْتِنِي بِهَا)) فَفَعَلَ، فَأَمَرَ بِها
النَّبِيُّ ◌َ﴿ فَشُدَّتْ عَلَيْها ثِيابُها ثُمَّ أَمَرَ بِها فَرُجِمَتْ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْها)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
الجيم وفتح الهاء والنون وسكون التحتية بينهما قبيلة، وعند مسلم في رواية: من غامد قال
المصنف في شرحه: وغامد بالغين المعجمة وبعد الألف ميم فدال مهملة بطن من جهينة
(أتت النبي ◌َّير وهي حبلى من الزنى) من فيه ابتدائية أو تعليلية (فقالت: يا رسول الله أصبت
حداً) أي: موجبه ومقتضيه ففيه مجاز مرسل من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم (فأقمه علي)
وذلك لتبالغ في تطهير نفسها من دنس ذلك الذنب الذي تطهرت منه بالتوبة، إذ لولاها لما
سمحت بنفسها (فدعا نبي الله وَ ﴿ وليها) أي: قريبها القائم عليها (فقال: أحسن إليها) أمره
بذلك للخوف عليها منه لما أن الأقارب يلحقهم من الغيرة ولحوق العار بهم ما يحملهم على
أذاها، فأوصى بها تحذيراً من ذلك ولمزيد الرحمة بها لأنها تابت وحرض على الإِحسان
إليها؛ لما في قلوب الناس من النفرة من مثلها، وإسماعها الكلام المؤذي فنهى عن ذلك كله
كما أشار إليه المصنف (فإذا وضعت فأتني بها) إنما وجه الأمر إليه بذلك ليحمله على
الاهتمام بحفظها، ودفع الموبقات عنها (ففعل) أي: الرجل (فأمر بها النبي ◌َّ) أي: بعد
استغناء ولدها عنها (فشدت) وفي رواية النسائي وابن ماجه فشكت بالكاف بدل الدال (عليها
ثيابها) لئلا ينكشف شيء من بدنها عند رجمها (ثم أمر بها فرجمت) وهي معنى قوله في
رواية النسائي فرجمها، ويحتمل أنه ابتدأ بالرجم، فرجمها الناس بعد، فيكون كل من
الروايتين بعض ما وقع، وفيه دليل على أن ذلك موقوف على إذن الإِمام فيه فمن افتأت فيه
عليه عزر (ثم صلى عليها) وعلل ذلك في صحيح مسلم بأنها تابت توبة لو قسمت على أهل
المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل وفيه الصلاة على
المقتول حداً، وإن الحد طهرة له من دنس الذنب (رواه مسلم) في الحدود ورواه أبو داود
والترمذي في الحدود أيضاً وقال الترمذي : صحيح رواه النسائي في الجنائزوفي الرجم والحديث مرّ
شرحه بكماله في باب التوبة .
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الحدود، باب: من اعترف على نفسه بالزنى (الحديث: ٢٤).
٣٨٩
١٤٩ - باب: في جواز قول المريض: أنا وجع
١٤٩ - باب: في جواز قول المريض: أنا وجع أو شديد الوجع أو موعوك
أو وارأساه ونحو ذلك، وبيان أنه لا كراهة في ذلك
إذا لم يكن على وجه التسخط وإظهار الجزع
٩١٢ - عن ابنٍ مَسْعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: دَخُلْتُ عَلى النَّبِيِّمَّهِ وَهُوَ يُوعَكُ
فَمَسِسْتُهُ فَقُلْتُ: إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكاً شديداً.
باب جواز قول المريض أنا وجع
بكسر الجيم أي: مريض متألم كما في المصباح اسم فاعل من وجع من باب علم (أو
شديد الوجع) بفتح أوليه من إضافة الصفة إلى الموصوف (أو موعوك) أي: محموم (أو
وارأساه) هو مندوب والمندوب المنادى المتفجع عليه نحو واعمراه أو المتوجع منه نحو
وارأساه، والهاء فيه للوقف فإن وصلت حذفتها، ويجوز إثباتها في الضرورة ويجوز حينئذ
كسرها على أصل التخلص من التقاء الساكنين وضمها تشبيهاً بهاء الضمير (ونحو ذلك وبيان
أنه لا كراهة في ذلك إذا لم يكن على وجه التسخط) أي: تكلف السخط مما نزل به وكأنه
أشار بذلك إلى أن من شأن المؤمن ألا يبدو منه غضب عند امتحان المولى سبحانه له، وإن
ما يظهر منه على بعض كأنه تكلف صدر عن غير سجيته (وإظهار الجزع) وفي تعبير
المصنف بالجواز أولاً وعدم الكراهة ثانياً إيماء إلى أن الأفضل، وإلا على الصبر ما نزل به،
وعدم إبرازه وإظهاره، وما فعله المصطفى ويلر فهو على وجه التشريع وبيان جوازه كما فعل
التداوي، لذلك وإن كان تركه توكلاً أعلى وأغلى.
٩١٢ - (عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: دخلت على النبي وَّر وهو يوعك) بالبناء
للمفعول أي: وعك الحمى (فمسسته) بكسر المهملة الأولى، وجاء أيضاً بفتحها من باب
قتل أي: أفضيت إليه بيدي من غير حائل كذا قيدوه قاله في المصباح (فقلت: إنك لتوعك)
بالبناء للمفعول (وعكا) بسكون العين المهملة(١) مصدر مبني للمفعول (شديداً) وعرف ذلك
بما أصاب يده عند مسه جسده (قال: أجل) بفتح الجيم وسكون اللام قال في القاموس:
حرف جواب كنعم إلا أنه أحسن منا في التصديق، ونعم أحسن منه في الاستفهام اهـ.
(كما يوعك رجلان منكم) وذلك زيادة في درجته وإعلاء رتبته كما صرح به في الحديث
((فقلت: ذلك أن لك أجرين فقال رسول الله (َير: أجل)) الحديث وسكت عنه المصنف؛
: ١) في شرح القاموس ((أجاز بعضهم فتح العين وهي لغة مشهورة)). ع.
٣٩٠
٦ - كتاب: عيادة المريض
فَقالَ: ((أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كما يُوعَثُ رَجُلانٍ مِنْكُمْ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
٩١٣ - وعنْ سَعْدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَه
يَعودُني مِنْ وَجَعِ اشْتَدَّ بي فَقُلْتُ: بَلَغَ بي مَا تَرى وأَنَا ذُومَالٍ ولا يَرِثُنِي إِلَّ
ابْنَتَي. وذَكَرَ الْحَديثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(٢).
لعدم تعلق غرض الترجمة به (متفق عليه) أخرجه البخاري في الطب ومسلم في الأدب،
وكذا رواه فيه النسائي وقد سبق الحديث مشروحاً في باب الصبر.
٩١٣ - (وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه) سبقت ترجمته في باب الإِخلاص (قال:
جاءني رسول الله وَ ل يعودني من وجع اشتد بي) وكان ذلك بمكة عام حجة الوداع كما صرح
به البخاري في رواية له في أبواب الهجرة (فقلت: بلغ بي ما ترى) يحتمل أن يكون ما فاعل
بلغ، ويكون المفعول محذوفاً، ويحتمل كونها مفعولاً به والفاعل مستتر يعود إلى الوجع
المدلول عليه بالمشاهدة (وأنا ذو) أي: صاحب (مال) أي: عظيم كما يومىء إليه إضافة ذو
الأبلغ من صاحب إليه (ولا ترثني إلا ابنتي) لعلها ابنته عائشة التي روى البخاري الحديث
من طريقها عنه في باب المرضى (وذكر الحديث) وفيه الإِذن بالوصية بالثلث، والإِيماء إلى
طلب النقص منه وشاهد الترجمة من الحديث إقرار النبي ومقر سعداً على قوله: بلغ بي ما
ترى ولو كان منهياً عنه ولو تنزيهاً؛ لنهاه كما نهى بشيراً عن تخصيص ولده النعمان بعطية عن
باقي إخوته بامتناعه عن الشهادة على ذلك، وقوله: لا أشهد على جور (متفق عليه) رواه
البخاري في الجنائز والهجرة والمغازي والطب والدعوات والفرائض قاله المزي، وتعقبه
الحافظ ابن حجر: بأنه لم يجده فيه وإنما وجده في كتاب الإِيمان باختصار اهـ. ورواه
مسلم في الوصايا، وكذا رواه فيه أبو داود والترمذي وقال الترمذي: حسن صحيح ورواه فيه
النسائي وابن ماجه في الوصايا.
(١) أخرجه البخاري في كتاب: المرض، باب: شدة المرض وباب أشد الناس بلاء الأنبياء وباب ما يقال
للمريض وما يجيب (١٠٣/١٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن
أو نحو ذلك، (الحديث: ٢٧٥١).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: المرض والطب، باب: قول المريض: إني وجع وكذلك أخرجه في كتاب
الفرائض والوصايا (١٠ /١٠٧).
وأخرجه مسلم في كتاب: الوصية، باب: الوصية بالثلث (الحديث: ٥)
٣٩١
١٥٠ - باب: في تلقين المحتضر لا إلّه إلا الله
٩١٤ - وعنِ الْقاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: قالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: وَارَأْساهُ.
فَقالَ النَّبِيُّ ﴿ِ: (بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهُ)) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١).
١٥٠ - باب: في تلقين المحتضر لا إلّه إلّ الله
٩١٥ - عَنْ مُعاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((مَنْ كانَ آَخِرَ كلامِهِ
٩١٤ - (وعن القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصديق القرشي التميمي قال الحافظ، هو
ثقة وهو أحد الفقهاء بالمدينة قال أيوب (٢): ما رأيت أفضل منه وهو من الثالثة(٣) أي: من
كبار التابعين مات سنة ست ومائة على الصحيح، خرج عنه أصحاب الستة وقد نظم بعض
المتقدمين أسماء فقهاء المدينة السبعة فقال :
فقسمته ضيزى عن الحق خارجة
ألا كل من لا يقتدي بأئمة
سعيد أبوبكر سليمان خارجة
فخذهم عبيد الله عروة سالم
وقد نظمت أسماءهم أيضاً فقلت:
أبو بكر سعيد ثم سالم
عبيد الله خارجة وعروة
بعهد التابعين أولى المكارم
سليمان همو فقهاء طيبة
(قال: قالت عائشة رضي الله عنها: وارأساه فقال النبي ◌َّه: بل أنا وارأساه) فيه دليل
الترجمة في موضعين الأول من المرفوع، والثاني من الموقوف على عائشة كما تقدم في
نظيره من قول سعد من إقراره مسلم (وذكر الحديث رواه البخاري) في كتاب المرضى.
باب استحباب تلقين المحتضر
بالبناء للمفعول أي: من حضره الموت (لا إله إلا الله) ليكون آخر كلامه فيفوز بالوعد
المرتب عليه، واستغنى المصنف بما أورده من الأحاديث الدالة على استحبابه عن التصريح
به .
٩١٥ - (عن معاذ رضي الله عنه قال: قال النبي وَلّر: من كان آخر كلامه) بالنصب خبر كان
(١) أخرجه البخاري في كتاب: المرض، باب: قول المريض: إني واجع وارأساه (١٠٥/١٠).
(٢) أي السختياني.
(٣) أي المرتبة الثالثة من التابعين وهي خمس عشرة مرتبة. ش.
٣٩٢
٦ - كتاب: عيادة المريض
لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ)) رواهُ أَبُو داوُدَ والحاكِمُ، وقالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ(١).
٩١٦ - وعنْ أَبي سَعيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَ: ((لَقِّنُوا
مَوْتاكُمْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢).
مقدم واسمها قوله (لا إله إلا الله)؛ لأنه أريد بها لفظها فصارت كلمة بل اسماً وعلماً ويجوز
العكس (دخل الجنة) أي: بعد التعذيب إن عذب ففيه الوعد بموت قائل ذلك على الإِسلام
ويحتمل أن يراد دخلها ابتداءً مع الفائزين، ويؤيده حديث أبي يعلى الآتي، وهذا ما
استظهره عياض (رواه أبو داود والحاكم) في المستدرك (وقال: صحيح الإِسناد) ورواه
أحمد، وفي الجامع الكبير للسيوطي، وأخرجه الطبراني في الأوسط من حديث علي بن أبي
طالب من كان آخر كلامه لا إله إلا الله لم يدخل النار وأخرجه أبو يعلى وابن عساكر في
تاريخه من حديث ... من كان آخر كلامه عند الموت لا إله إلا الله وحده لا شريك له
هدمت ما كان قبلها من الذنوب والخطايا، وبيض في الجامع لصاحبيه في روايتهما(٣).
٩١٦ - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلير: لقنوا موتاكم)
أي: الآيلين إلى الموت فسماهم بذلك مجازاً مرسلاً، أو؛ لأنهم صاروا في حكم الأموات،
وقد اقتصر عليه التوربشتي وأجاز في حديث ((إقرءوا على موتاكم يَس)) حمله على ذلك وعلى
حقيقته فنقرأ عليه بعد موته في بيته ومدفنه (لا إله إلا الله) وجرى قوم على حقيقة اللفظ وعليه
أصحابنا وجمع من الأئمة فاستحبوا التلقين بعد الموت، وبعد الدفن وقد ألف فيه الحافظ
السخاوي، مؤلفاً نفيساً (رواه مسلم) وأحمد والأربعة كلهم من حديث أبي سعيد ورواه
مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة والنسائي عن عائشة كذا في الجامع الصغير قال السخاوي :
في مؤلفه في التلقين وهو عند ابن حبان من حديث أبي هريرة وفيه من الزيادة قوله: ((فإنه من
كان آخر كلامه عند الموت لا إله إلا الله دخل الجنة يوماً من الدهر وإن أصابه قبل ذلك ما
أصابه)) وعند الطبراني من حديث ابن عباس مرفوعاً ((لقنوا موتاكم لا إله إلا الله فإنه ليس من
مسلم يقولها عند الموت إلا نجته)) وجاء كذلك من طرق عديدة، وهو مؤيد لحمل الموتى
على المشارفين له، ومن جملة من حمله على ذلك من الشافعية العزبن عبد السلام في
فتاويه وقال العراقي في شرح الترمذي في قوله لقنوا موتاكم: هل الأولى حمله على الحقيقة
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الجنائز، باب: في التلقين (الحديث: ٣١١٦)
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: الجنائز، باب: تلقين الموتى (لا إله إلا الله) (الحديث: ١).
(٣) قوله: (وبيض الخ) أي ترك بياضاً بعد قوله (من حديث) فلم يذكر اسم الصحابي. ع
٣٩٣
١٥١ - باب: فيما يقوله بعد تغميض الميت
١٥١ - باب: فيما يقوله بعد تغميض الميت
٩١٧ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَ عَلى أَبِي سَلَمَةَ
وقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ ثُمَّ قَالَ: ((إنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ
فيكون المراد به تلقين الميت بعد الموت؛ لأن إطلاق اسم الميت عليه قبل موته مجاز،
والحقيقة مقدمة على المجاز أو الأولى حمله على المجاز لما دل عليه لفظ حديث أبي هريرة
عند ابن حبان من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة فإن هذا يدل على تلقين المحتضر
وهو قرينة صارفة للفظ عن الحقيقة، وعليه حمله المصنف يعني الترمذي وغيره اهـ.
ومعتمد مذهب الشافعية التلقين بعد الموت كما نقله المصنف في المجموع عن جماعات
من الأصحاب قال السخاوي: وممن نص على استحبابه القاضي حسين والمتولي والشيخ
نصر المقدسي والرافعي وغيرهم، ونقل القاضي حسين عن أصحابنا مطلقاً وقال ابن
الصلاح: هو الذي نختاره ونعمل به قال السخاوي: وقد وافقنا المالكية على استحبابه أيضاً
وممن صرح به منهم القاضي أبو بكر بن العربي قال: وهو فعل أهل المدينة والصالحين
والأخيار، وجرى عليه العمل عندنا بقرطبة، وأما الحنفية فاختلف فيه مشايخهم كما في
المحيط من كتبهم، وكذا اختلف فيه الحنابلة اهـ. ملخصاً.
باب ما يقوله بعد تغميض الميت
٩١٧ - (عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: دخل رسول الله وَلقر على أبي سلمة) هو
عبد الله بن عبد الأسد المخزومي الصحابي الجليل (وقد شق بصره) قال التوربشتي : بفتح
الشين وضم الراء إذا نظر إلى شيء لا يرتد إليه طرفه وضم الشين منه غير مختار قال ابن
السكيت: ولا يقال: شق الميت بصره، وقد اختصر في هذا المقام، لكنه بسطه المؤلف،
فقال في شرح مسلم: هو بفتح الشين ورفع بصره فاعل شق كذا ضبطناه، وهو المشهور
وضبطه بعضهم بصره بالنصب، وهو صحيح أيضاً والشين مفتوحة بلا خلاف قال القاضي :
قال صاحب الأفعال: يقال: شق بصر الميت وشق الميت بصره، ومعناه شخص كما في
الرواية الأخرى، وقال ابن السكيت في الاصطلاح: والجوهري حكاية عن ابن السكيت:
يقال: شق بصر الميت ولا يقال شق الميت بصره، وهو الذي حضره الموت، وصار ينظر إلى
الشيء لا يرتد إليه طرفه (فأغمضه) لئلا يتشوه منظره (ثم قال: إن الروح إذا قبض) بالبناء
٣٩٤
٦ - كتاب: عيادة المريض
تَبِعَهُ الْبَصَرُ)) فَضَجِّ ناسٌ مِنْ أَهْلِهِ فَقالَ: ((لا تَدْعُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ إِلَّ بِخَيْرِ؛ فَإِنَّ
الْمَلائِكَةَ يُؤْمِّنُونَ عَلى مَا تَقولونَ))
للمفعول (تبعه البصر) أي: إذا خرج الروح من الجسد تبعه البصر ناظراً أين تذهب(١) قال
الحافظ: وفي فهم هذا المقام دقة؛ لأن البصر إنما يبصر ما دام الروح في الجسد فإذا فارقه
تعطل كغيره من الإِحساس، والذي ظهرلي فيه بعد النظر ثلاثين عاماً أنه محمول على أن
المراد خروج الروح من أكثر الجسد، مع بقائه في الرأس والعين فإذا خرج الأكثر من الفم،
ولم يخرج الباقي نظر البصر إلى القدر الخارج، فيكون معنى قوله: إذا قبض أخذ في
القبض ولم ينته، أو على ما ذكر كثير من العلماء من أن للروح اتصالاً بالبدن إن خرجت
فترى وتسمع وترد السلام، فيكون هذا الحديث من أقوى الأدلة لذلك اهـ ملخصاً. وفيهما
نظر إذ الأول مجاز والثاني إنما فيه بقاء إدراك حاسة البصر(٢) الذي الكلام فيه، وفي شرح
المنهاج لابن حجر الهيثمي يحتمل أن المراد من قوله تبعه البصر: أن القوة الباصرة تذهب
عقب خروج الروح فحينئذ تجمد العين، ويقبح منظرها، ويحتمل أنه يبقى فيه عقب خروج
الروح شيء من البخار الغريزي، فيشخص بذلك ناظراً إلى أين تذهب، ولا بعد في هذا؛
لأن حركته حينئذ قريبة من حركة المذبوح، ويحكم على الإِنسان مع وجودها بسائر أحكام
الموتى. اهـ. والأول من وجهيه أقرب، وقد سبقه إليه التوربشتي في شرح المصابيح وعلل
الإغماض بوجه آخر فقال: ولذا أغمض لذهاب فائدة الانفتاح؛ بذهاب البصر عند ذهاب
الروح، وذكر احتمالاً ثانياً هو أن من حضره الموت ينظر إلى روحه نظر شزر(٣) لا يرتد إليه
طرفه حتى تضمحل بقية القوة الباقية بعد مفارقة الروح الإِنساني الذي يقع به الإِدراك
والتمييز دون الحيواني، الذي به الحس والحركة وغير مستنكر من قدرة الله تعالى، أن
ينكشف عنه الغطاء ساعتئذ حتى يبصر ما لم يكن يبصر، وهذا الوجه في حديث أبي هريرة
أظهر، وهو أيضاً صحيح أخرجه مسلم في صحيحه عنه مرفوعاً ((ألم تروا أن الإنسان إذا مات
شخص بصره قالوا: بلى قال: فذلك حين يتبع بصره نفسه اهـ. (فضج) بفتح الضاد
المعجمة، وتشديد الجيم أي: رفع الصوت بالبكاء وصاح (ناس من أهله) من هول
ما سمعوا، ووقع منهم دعاء على أنفسهم كما أومأ إليه بقوله (فقال: لا تدعوا على أنفسكم
(١) في الروح لغتان التذكير والتأنيث وهذا الحديث دليل التذكير ! هـ. شرح مسلم للمصنف.
(٢) قوله (إدراك حاسة البصر) لعله (إدراك الروح لا حاسة البصر) فليتأمل. ع
(٣) (نظر شزر) كذا بالأصول. ع
٣٩٥
١٥١ - باب: فيما يقوله بعد تغميض الميت
ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لْأَبِي سَلَمَةَ، وأَرْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُقْهُ فِي عَقِهِ
فِي الْغَابِرِينَ، واغْفِرْ لَنا ولَهُ يَا رَبَّ الْعالَمِينَ، وافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ ونَوِّرْ لَهُ فِيهِ)). رَوَاهُ
مُسْلِمُ (١).
إلا بخير) أي: لا يقل أحدكم: ويلي أو الويل أو الشر لي أو نحو ذلك، وقيل: معناه
لا تدعوا على الميت بما لا يرضاه، فترجع تبعته عليكم، والأول أولى بدليل قوله (فإن
الملائكة) أي: الحاضرين حينئذ (يؤمّنون) بتشديد الميم أي: يقولون آمين أي: استجب
(على ما تقولون) أي من الدعاء، ودعاؤهم مجاب لما لهم من علو الاقتراب، فلا تدعوا
إلا بما تحبون أن تجابوا إليه (ثم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة) ذكره بكنيته دون اسمه، وهو
عبد الله؛ لأنه اشتهر بها (وارفع درجته) وهذا أحسن ترتيب؛ لأن الأول من باب التخلية
بالمعجمة والثانى من باب التحلية بالمهملة، وفيه أن الأوزار تتقاعد بصاحبها عن رفعة
المار، والمراد اجعل له درجة علية عندك (في المهديين) بتشديد الياء الأولى أي: الذين
هداهم الله بالإِسلام سابقاً، وبالهجرة إلى خير الأنام لاحقاً، والظرف في محل الحال من
الضمير المضاف إليه لكون المضاف إليه كجزئه أي: ارفع درجته حال كونه منغمراً في عداد
المهديين المشرفين بالاهتداء (واخلفه) بوصل الهمزة وضم اللام أي: كن له خلفاً وخليفة
(في عقبه) بفتح فكسر أي: فيمن يعقبه من ولد وغيره (في الغابرين) بالمعجمة فالموحدة
أي: الباقين بدل بإعادة العامل، ويحتمل كونه حالاً مما قبله (واغفر لنا) هذا من باب
الخضوع لمقام الربوبية، كما تقدم، أو هو مجاز عن إعلاء الرتبة من ذكر اللازمٍ وإرادة
الملزوم (وله) وقوله (يا رب العالمين) مناسبة ختم الدعاء به واضحة إذ من كان موجداً للعالم
مالكاً أمورهم مصلحاً شؤونهم هو الذي يطلب منه ذلك، والعالمين بفتح اللام اسم جمع
عالم لا جمعه لاختصاص عالمين بأولي العقول من إنس وجن وملك وشمول عالم لما
سوى الله تعالى من سائر الأجناس، والجمع لا يكون أخص من مفرده وقيل: جمعه مراداً به
العموم للعقلاء وغيرهم، وغلب العقلاء؛ لشرفهم وعلى الأول ابن مالك في آخرين
(وافسح) بهمزة وصل وفتح المهملة الأولى أي: أوسع (له في قبره) يقال: فسحت له فسحاً
من باب نفع فرجت له عن مكان يسعه، كذا في المصباح (ونور) أي: أوجد النور العظيم
المتكاثف (له فيه رواه مسلم)
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الجنائز، باب: في إغماض الميت والدعاء له إذا حُضر (الحديث: ٧).
٣٩٦
٦ - كتاب: عيادة المريض
١٥٢ - باب: فيما يقال عند الميت وما يقوله من مات له ميت
٩١٨ - عنْ أُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِذَا حَضَرْتُمُ
الْمَرِيضَ أَو الْمَيِّتَ فَقولوا خَيْراً؛ فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ يُؤْمِّنونَ عَلى مَا تَقُولُونَ)) قَالَتْ: فَلَمَّا
مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ وَ﴿ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سَلَمَةَ قَدْ مَاتَ. قالَ:
(قُولِي: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ولَهُ، وأَعْقِبْنِي مِنْهُ عُقْبَى حَسَنَةً)) فَقُلْتُ: فَأَعْقَبَنِي اللَّهُ مَنْ
هُوَ خَيْرٌ لِي مِنْهُ: مُحَمَّداً ◌َ. رواهُ مُسلِمُ هَكَذَا: ((إِذا حَضَرْتُمُ الْمَرِيضَ أَو الْمَيِّتَ))
باب ما يقال عند الميت
(باب ما يقال) بالبناء للمفعول (عند الميت) أي: ما يطلب قوله من كل حاضر عند
الميت من قريب وغيره (وما يقوله من مات له ميت).
٩١٨ - (عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله وَله: إذا حضرتم المريض)
أي: المحتضر كما يومىء إليه السياق وشك الراوي فيه وفي الميت المشار إليه بقوله (أو
الميت) أي: من فارق الروح جسده كما هو الحقيقة، وقال في فتح الإِله: المراد منه هو
الأول نظير ما في حديث ((لقنوا موتاكم)) فجعله من مجاز المشارفة ومن مجاز الأول (فقولوا
خيراً) أي: لا إله إلا الله مع الإِتيان بالدعاء بخير له، أو لكم كما يدل له ما جاء في أحاديث
طلب الدعاء في العيادة السابق بعضها وقوله (فإن الملائكة) أي: الموظفين بالاستغفار
للمؤمنين والتأمين على دعائهم (يؤمّنون) من التأمين أي: يقولون: آمين (على ما تقولون)
أي: من الدعاء (قالت: فلما مات أبو سلمة) وذلك سنة ثلاثٍ أو أربع، وقول ابن عبد الله إن
النبي * تزوج أم سلمة سنة اثنتين من الهجرة، بعد وفاة زوجها رده في المفهم نقلاً عن أبي
محمد عبد الله بن علي الرشاطي؛ بأنه وهم شنيع قال: فإن أبا سلمة شهد أحداً وكانت في
شوال سنة ثلاث، فجرح فيها جرحاً فاندمل ثم انتقض فتوفي منه لثلاثٍ خلون من جمادى
سنة أربع، وقد ذكره ابن عبد البر في كتابه الاستيعاب على الصواب (أتيت النبي ◌َّ فقلت:
يا رسول الله إن أبا سلمة قد مات قال) حذف العاطف؛ لأن مرادها الإِخبار بما قال من غير
قيد اتصال، أو انفصال (قولي اللهم اغفر لي وله) وفي البداءة بالنفس في الدعاء (وأعقبني)
بقطع الهمزة أي: أبدلني وعوضني (منه) أي: بدله (عقبى) بوزن بشرى اسم مصدر أعقب
(حسنة) أي: بدلاً صالحاً (فقلت) أي: ما أمرني به (فأعقبني الله من هو خير لي منه) أبدلت
من ((من)) قولها: (محمداً {َّةَ) ففيه حصول ثمرة الامتثال بسرعة من غير توان (رواه مسلم
٣٩٧
١٥٢ - باب: فيما يقال عند الميت
عَلى الشَّكُّ، ورواه أبو داودَ وغَيْرُهُ ((الْمَيِّتَ)) بِلا شَكِّ(١).
٩١٩ - وعنْها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقولُ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ
تُصِيبُهُ مُصِيبَةً فَيَقولُ: إِنَّا اللَّهِ وإِنَّا إِلَيْهِ راجِعونَ، اللَّهُمَّ أُجُرْنِي
هكذا) أي: مثل ما ذكر (إذا حضرتم المريض أو الميت على الشك) وقد تعقب القاري في
شرح المشکاة الجزم بالشك وقال: إن أريد بالمیت من يؤول إلى الموت فأو للشك وإن أريد
به الحقيقة أي: المقابل للحي فأو للتنويع اهـ. والأوجه كما جزم به المصنف إنها للشك
وقد يجاب عنه بأنه قام ما يعلم منه أن المراد بالميت المعنى المجازي، فيساوي المريض،
والشك حينئذ في تعيين أي اللفظين منهما قيل ويقوي أنه لفظ الميت قول المصنف (ورواه
أبو داود في الجنائز وغيره) من باقي أصحاب السنن الأربعة كما ذكره المزي قال: وقال
الترمذي: حسن صحيح قال الحافظ في تخريج أحاديث الأذكار: وأخرجه كذلك البيهقي
في طريقين (الميت بلا شك) قال الحافظ في تخريج أحاديث الأذكار ورويناه في الغيلانيات
مقتصراً على المريض من غير شك.
٩١٩ - (وعنها قالت: سمعت رسول الله والله يقول: ما من) مزيدة للتأكيد (عبد) وفي
المشكاة بدله مسلم (تصيبه مصيبة) متناولة لقليل المصيبة وكثيرها وعظيمها وحقيرها؛ لكونها
نكرة في عموم النفي (٢) (فيقول) زاد في رواية ما أمر الله به أي: تلويحاً للثناء على قائله
الثناء العظيم المستلزم لطلبه منه (إنا) أي: ذاتنا وجميع ما ينسب إلينا (له) ملكاً وخلفاً،
فيتصرف فينا كيف يشاء، فالكل عوار مستردة كما أشار إليه بقوله (وإنا إليه راجعون) فعلينا
الصبر على المصائب، وتدبر حقائق هذه الآية؛ ليسهل علينا مزاولة كل ما أصابنا، وليس
فائدة الأمر للمصاب قول هذا الذكر بمجرد لفظه؛ لأنه لا ينفع وحده، وإنما فائدته مع تدبره
حق التدبر؛ فإنه الدواء النافع الحامل على كمال الصبر؛ بل وحقائق الرضا (اللهم) ظاهره
أن هذا من جملة ما رتب على الإِتيان به ما وعد به من الأجر (اؤجرني) بسكون الهمزة ووقع
لابن مالك في شرح المشارق أنه قال: بهمزة وصل وهو وهم؛ لأن الهمزة الموجودة فاء
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الجنائز، باب: ما يقال عند المريض والميت (الحديث: ٦).
وأخرجه أبو داود في كتاب: الجنائز، باب: ما [يستحب أن] يقال عند الميت من الكلام (الحديث:
٣١١٥).
(٢)، (في عموم النفي) لعله (في سياق النفي).
٣٩٨
٦ - كتاب: عيادة المريض
فِي مُصِيبَتِي واخْلُفْ لِي خَيْراً مِنْهَا إلَّ آجَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُصِيبَتِهِ وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْراً مِنْها))
قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ كما أَمَرِنِي رَسُولُ اللَّهِ وَهِ فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي خَيْراً مِنْهُ:
رَسُولَ اللَّهِ وَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
٩٢٠ - وعنْ أَبي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَالَ: ((إِذَا مَاتَ وَلَدُ
الفعل، وهمزة الوصل سقطت للدرج(٣) من أجره يأجره أو يأجره بضم الجيم وكسرها أي:
أنابه، وأعطاه الأجر قاله ابن حجر الهيثمي: ويأتي ما في الكسر والمعنى أعطني الأجر (في
مصيبتي) في يحتمل كونها بمعنى مع وكونها للسببية، والثاني أظهر والمصيبة كل مكروه ينزل
بالإِنسان أي: أثبني ثواباً مقارناً لها، أو بسببها (وأخلف) من الإِخلاف إذ ما يخلف يقال فيه :
أخلف عليك وما لا يخلف كالأب إذا مات يقال: خلف عليك (لي خيراً منها إلا أجره الله)
أي: أثابه في المصباح يقال: أجره الله أجراً من بابي ضرب وقتل، وآجره بالمد لغة ثالثة أي:
أثابه؛ لكن في المرقاة أنه بالكسر مع القصر(٣) غير موجود في النسخ (في مصيبته وأخلف له
خيراً منها) وذلك لاستكانته تحت أقضية مولاه، وصبره على ما آتاه والله لا يضيع أجر من
أحسن عملاً، ومن جاء بالحسنة فله خير منها (قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني
رسول الله (*) زاد في رواية عنها قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة أول بيت هاجر إلى
رسول اللّه ◌َله، ثم إني قلتها (فأخلف الله تعالى لي خيراً منه) أي: من أبي سلمة
(رسول الله (*) عطف بيان أو بدل من مفعول أخلف (رواه مسلم) في الجنائز. قال في
سلاح المؤمن: انفرد به مسلم عن أصحاب الستة وإلا فقد أخرجه أبو عوانة، كما قاله
الحافظ في تخريج أحاديث الأذكار.
٩٢٠ - (وعن أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله وسلم قال: إذا مات ولد العبد) هو شرعاً
المكلف ولو حراً وعمومه متناول للصغير والكبير (قال الله تعالى لملائكته: قبضتم) بفتح
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الجنائز، باب: ما يقال عند المصيبة (الحديث: ٤)
(٢) أقول: الحق مع ابن ملك لأن في الأمر همزتين أولاهما همزة وصل وثانيتهما همزة مرسومة واواً وهي
الساكنة ولعل النساح في زمن الشارح كانوا يحذفون همزة الوصل المذكورة ويرسمون الهمزة التي بعدها
ألفا هكذا (أجرني). فاعترض بناءً على هذا الرسم. ع
(٣) قوله (بالكسر مع القصر الخ) أي ليس موجوداً في النسخ (اجرني) بسكون الهمزة وكسر الجيم ولعلهم
كانوا يكتبون هذا الفعل بألف فجيم كما سبق فيحتمل اللغات الثلاث ويفرق بينها بالشكل. ع
٣٩٩
١٥٢ - باب: فيما يقال عند الميت
٢٠٫٠
الْعَبْدِ قالَ اللَّهُ تعالَى لِمَلائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقولونَ: نَعَمْ. فَيَقولُ: قَبَضْتُمْ
ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فَيَقولونَ: نَعَمْ. فَيَقولُ: فَمَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقولونَ: حَمِدَكَ واسْتَرْجَعَ،
فَيَقولُ اللَّهُ تَعالَى: ابْنوا لِعَبْدِي بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ)) رواهُ التِّرْمِذِيُّ،
وقالَ: حَدِيْثُ حَسَنٌ (١)
٩٢١ - وعنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَّمَ قَالَ: يُقولُ اللَّهُ تعالَى
مَا لِعَبْدِي الْمُؤمِنِ عِنْدِي جَزاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلّ
الموحدة وهو على تقدير الاستفهام التقريري، لبيان عظم خبره لهم أي: أقبضتم (ولد) بفتحِ
أوليه، ويقال: بضم فسكون في لغة قال في المصباح: وقيسٍ تجعل المضموم جمعاً
للمفتوحِ كأسد وأسد كما مر (عبدي) الإِضافة فيه للتشريف جبراً لما أصابه من المصيبة،
وتشريفاً له لصبره على أقضية ربه (فيقولون: نعم فيقول) تنبيهاً لهم على عظيم صبره
(قبضتم ثمرة فؤاده) أي: لب لبه، وخلاصة خلاصته إذ القلب خلاصة ما في الإِنسان
وخلاصته اللطيفة الموضوعة فيه من كمال الإِدراكات والعلوم التي خلق لها وشرف بشرفها،
فلشدة شغف هذه اللطيفة بالولد صار كأنه ثمرتها المقصود منها، وبين بهذه الجملة عظم
المصاب وعظم الصبر عليه مع ذلك (فيقولون: نعم فيقول: ماذا قال عبدي فيقولون:
حمدك) أي: قال مترقياً عن مقام الصبر إلى مقام الرضا: الحمد الله (واسترجع) أي: قال
إنا لله وإنا إليه راجعون (فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد) الفاء
التفريعية إيماء إلى أن من فقد مثل هذه الثمرة الخطيرة، ومع ذلك لم يعدّها مصيبة من كل
وجه؛ بل من وجه، فاسترجع ومنحة من وجه آخر، فحمد حقيق أن يقابل بالحمد حتى في
تسمية محله به (رواه الترمذي وقال: حديث حسن) .
٩٢١ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله وسلم قال: يقول الله عز وجل: ما
لعبدي المؤمن عندي) ظرف لقوله (جزاء) وهو مبتدأ خبره المجرور قبله، والعندية عندية
شرف ومكانة؛ لا عندية مكان، وبين عبدي جناس مصحف، وإذا في قوله (إذا قبضت
صفيه) ظرفية، ويحتمل كونها متضمنة معنى الشرط، والجواب محذوف لدلالة ما قبله عليه
والصفي بفتح فكسر فتشديد أي: حبيبه؛ لأنه يصافيه وده، ويخلصه حبه. فعيل بمعنى فاعل
أو مفعول (من أهل الدنيا) حال أتي به لبيان الواقع (ثم احتسبه) أي: بأن يرجو ثوابه،
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الجنائز، باب: فضل المصيبة إذا احتسب (الحديث: ١٠٢١).
٤٠٠
٦ - كتاب: عيادة المريض
الْجَنَّةُ)). رَوَاهَ اَلْبُخَارِيُّ (١).
٩٢٢ - وعنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: أَرْسَلَتْ إِحْدىُ بَناتِ
النَّبِّ وَهَ إِلَيْهِ تَدْعوهُ وَتُخْبِرُهُ أَنَّ صَبِيَّاً لَها أَوِ ابْناً في الْمَوْتِ، فَقالَ لِلْرَّسُولِ:
((ارْجِعْ إِلَيْها فَأَخْبِرْها أَنَّ لِلَّهِ تَعالَى مَا أَخَذَ، ولَهُ مَا أَعْطَى، وكلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ
مُسَمَّى، فَمُرْهَا فَلْنَصّبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ)»
ويدخره عند الله تعالى، وذلك ينبىء عن مزيد الصبر والتسليم (إلا الجنة) بالرفع بدل من
المبتدأ، ويجوز نصبه على الاستثناء (رواه البخاري) في الرقاق، وقد سبق الحديث مشروحاً
في باب الصبر أول الكتاب.
٩٢٢ - (وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: أرسلت إحدى بنات النبي وَلا) وهي
زينب كما صرح به ابن أبي شيبة وصوّبه غيره (إليه تدعوه وتخبره أن صبياً لها أو ابناً) تقدم
أنها أمامة بنت زينب بن أبي العاص بن الربيع، واستشكل بأن في الحديث لفظ صبي أو ابن
فكيف يطلق ذلك عليها فالراجح أن القضية متعددة. كان المريض في إحداهما الابن واسمه
علي وهو المشار إليه بما في هذا الحديث، وأخرى كان البنت، وحمله على غيرهما يرد أن
الإِخباريين صرحوا أنها لم تلد غيرهما، ثم لا ينافي تفسيرها بأمامة كونها عاشت حتى تزوجها
علي رضي الله عنها؛ لأن المراد من قبض في رواية لهما: قارب القبض كقولها هنا (في
الموت) في مقدماته المعتاد وجوده بعدها (فقال الرسول: ارجع إليها وقل لها: إن لله ما
أخذ) مقتبس من قوله تعالى: ﴿إنا لله﴾(٢) (وله ما أعطى) تأكيد مناسب للمقام (وكل شيء)
مما أخذه وأعطاه من الآجال والأرزاق التي أخذها، أو أبقاها (عنده) عندية علم، أو مكتوب
عند ملائكته، وجعل ما عندهم عند تشريفاً لهم كقوله تعالى: ﴿والله يدعو إلى دار
السلام﴾(٣) أي: وأولياء الله يدعون إليها جعل دعاءهم دعاءه تشريفاً لهم، كما أشار إليه
البيضاوي (بأجل مسمى) معلوم معين لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه، فلا فائدة في الجزع ولذا
قال (فمرها فلتصبر) بأن تتحمل مرارة فقده من غير أن يظهر عليها شيء من أنواع الجزع
(ولتحتسب) أي: تدخر ثواب فقده، والصبر عليه عند الله، وكل منهما أمر للغائبة المؤنثة
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: العمل الذي يبتغي به وجه الله تعالى (١١ /٢٠٧).
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٥٦.
(٣) سورة يونس، الآية: ٢٥.