النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
٢ - كتاب: أدب الطعام
سِتَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَجَاءَ أَعْرَابِيٍّ فَأَكَلَهُ بِلُقْمَتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: ((أَمَا إِنَّهُ
لَوْسَمَّى لَكَفَاكُمْ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(١).
٧٣٢ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ كَانَ إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ، قَالَ:
((الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرَاً طَيِّبَاً مُبَارَكَاً فِيهِ غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مُسْتَغْنَىَّ عَنْهُ رَبَّنَا)) ..
وهي في مثل هذا المقام أبلغ (ستة من أصحابه فجاء) أي: بعد تركهم لذلك الطعام وانقطاع
نسبة ذكرهم اسم الله عند تناوله عنه (أعرابي فأكله بلقمتين) الباء بمعنى في (فقال
رسول الله ( أما أنه) أي: الأعرابي أو ضمير الشأن (لو سمى لكفاكم) أي: معه بأن يبارك
فيه فتأكلون ويأكل ويكفي الجميع، لكن بترك التسمية عليه نزعت منه البركة حتى أكل في
لقمتين (رواه الترمذي) في الأطعمة من جامعه (وقال: حديث حسن صحيح).
٧٣٢ - (وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال إن النبي ولقد كان إذا رفع مائدته) تقدم ضبطها
ومعناها (قال: الحمد لله حمداً) بالنصب مفعول مطلق (كثيراً) بالمثلثة (طيباً) أي: منزهاً عن
سائر ما ينقصه من رياء أو سمعة أو إخلال بإجلال (مباركاً) بصيغة المفعول نائب فاعله قوله
(فيه) والبركة الزيادة والنماء (غير مكفي) قال المصنف: بتشديد الياء هذه الرواية الصحيحة
الفصيحة، ورواه أكثر الرواة بالهمز وهو فاسد من حيث العربية سواء كان من الكفاية أو كفأت
الإِناء، كما لا يقال في مقرؤ من القراءة مقرىء بالهمز (ولا مستغني) بصيغة المفعول (عنه)
قال صاحب المطالع: الضمير يعود على الطعام. قال الحربي: المكفي الإِناء المقلوب
للاستغناء عنه كما قال غير مستغني عنه أو لعدمه. وذهب الخطابي: إلى أن المراد بهذا
الدعاء كله الباري سبحانه وتعالى، وأن الضمير يعود إليه، ومعنى غير مكفى أنه يطعم ولا
يطعم، كأنه على هذا من الكفاية، وإلى هذا ذهب غيره في تفسير الحديث، أي: إن الله
مستغن عن معين وظهير (ربنا) منصوب على الوجه الأخير بالاختصاص أو المدح أو النداء،
كأنه قيل يا ربنا اسمع حمدنا ودعاءنا. ومن رفعه قطعه وجعله خبراً، وكذا قيده الأصيلي،
كأنه قال: ذلك أو أنت ربنا. ويصح فيه الجر على البدلية من لفظ الجلالة في قوله
الحمد لله. وذكر ابن الأثير في النهاية نحو هذا الخلاف مختصراً، وقال من رفع ربنا فعلى
الابتداء المؤخر، أي: هو ربنا غير مكفي ولا مستغنى عنه، وعلى هذا يرفع غير ويجوز أن
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الأطعمة، باب: ما جاء في التسمية على الطعام، (الحديث: ١٨٥٨)، بنفس
الإِسناد الذي مرّ في صفحة (٣٣٨).
:

٢٢٢
١٠٠ - باب: في التسمية في أوله
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١).
٧٣٣ - وَعَنْ مُعَاذٍ بْنِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهُ : (( مَنْ
أَكَلَ طَعَامَاً، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَني هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي
وَلَ قُوَّةٍ، غُفِرَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ(٢).
يكون الكلام راجعاً إلى الحمد، كأنه قال: حمداً كثيراً غير مكفي ولا مستغنى عن هذا
الحمد اهـ. كلام المصنف ملخصاً وقد زدته وضوحاً في شرح الأذكار (رواه البخاري)
أورده في الأذكار كذلك، وزاد فيه بعد قوله غير مكفي ولا مودع قال: وقال غيره إذا رفع مائدة
قال: ((الحمد لله الذي كفانا وآوانا غير مكفي ولا مكفور)).
٧٣٣ - (وعن معاذ بن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صل: من أكل طعاماً) ظاهر
عمومه ولو على وجه التداوي لشمول الطعام له لغة وشرعاً كما ذكره الفقهاء في باب الربا
وعدم حنث من حلف لا يأكل طعاماً بتناوله من حيث أن مدار الإِيمان على العرف وهو لا
يعده طعاماً (فقال) أي: عقب الفراغ كما تومىء إليه الفاء (الحمد لله الذي أطعمني هذا
الطعام ورزقنيه) عطف على أطعم عطف عام على خاص (من غير حولٍ) أي: حيلة (مني
ولا قوة) أشار به إلى طريقي التحصيل للطعام، فإن القوي يأخذ ظاهراً بقوته والضعيف
يحتال على تحصيل قوته فأشار بالذكر المذكور إلى أن حصول ذلك بمحض الفضل لا دخل
في ذلك لغيره سبحانه (غفر) بالبناء للمجهول (له ما تقدم من ذنبه) ظاهره ولو كبائر، لكنه
مقيد عندنا بالصغائر غير التبعات (رواه أبو داود) في اللباس (والترمذي) في البر والصلة
(وقال: حديث حسن) قال المزي في الأطراف: ورواه ابن ماجه في الأطعمة، ومداره
عندهم على أبي مرحوم عبدالرحيم بن ميمون عن سهل عن معاذ بن أنس عن أبيه. وقال
السيوطي في الجامع الصغير بعد أن رواه بزيادة ((ومن لبس ثوباً فقال الحمد لله الذي كساني
هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر)) رواه أحمد، وأبو
داود، والترمذي وقال: حسن غريب، والطبراني في الكبير، وابن السني، والحاكم عن
سهل عن معاذ بن أنس عن أبيه اهـ.
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأطعمة، باب: ما يقول إذا فرغ من طعامه (٥٠١/٩، ٥٠٢).
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب: اللباس، [باب: ١]، (الحديث: ٤٠٢٣).
وأخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات، باب: ما يقول إذا فرغ من الطعام، (الحديث: ٣٤٥٨).

٢٢٣
٢ - كتاب: أدب الطعام
١٠١ - باب: لا يعيب الطعام واستحباب مدحه
٧٣٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: مَا عَابَ رَسُولُ اللَّهِ وَ طَعَامَاً قَطُ :
إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
٧٣٥ - وَعَنْ جَابِرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيِّ وَ سَأَلَ أَهْلَهُ الْأَدُمَ، فَقَالُوا: مَا عِنْدَنَا
إِلَّا خَلٌ، فَدَعَا بِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ، وَيَقُولُ: ((نِعْمَ الأُدُمُ الْخَلُّ، نِعْمَ الْأَدُمُ الْخَلُّ))
باب
بالتنوين، ويجوز بتركه وإضافته إلى قوله (لا يعيب) أي: الإِنسان (الطعام) على تقدير
مضاف، أي: استحباب عدم إعابة الطعام، وعطف عليه قوله: (واستحباب مدحه) وذلك
لأنه الأول إن كان فيه منع للشر ففيه التعرض لصنع من أحسن كل شيء خلقه، وإن كان فيه
منع لهما ففيه كسر قلب صاحبه، والمدح فيه الثناء على الله سبحانه وجبر قلب الصانع.
٧٣٤ - (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ما عاب رسول الله وَّر طعاماً قط) أي: في زمن
من الأزمنة؛ وذلك لأن إعابة الطعام إنما تكون من الترفه والرعونة، وليس منها قوله في
الضب إني أعافه؛ لأنه إخبار عن طبعه لا إعابة للطعام (إن اشتهاه أكله وإن كرهه) أي: من
جهة الطبع (تركه) من غير ذم له (متفق عليه).
٧٣٥ - (وعن جابر رضي الله عنه أن النبي ◌َّيّ سأل أهله الأدم) بضمتين ويجوز التسكين
للثاني تخفيفاً. جمع إدام بوزن كتاب وهو ما يؤدم به مائعاً كان أو جامداً، كما في المصباح،
وفيه تجوز معاملته بعد تسكين ثانيه معاملة المفرد فجمع على أدام مثل قفل وأقفال. وسبب
سؤاله لهم ما جاء أن أهله وَ ل قدموا له خبزاً فقال من إدام (فقالوا ما عندنا إلا خل) استثناء
مفرغ من عام شامل لسائر الأدم، أي: ليس عندنا أدم إلا خل (فدعا به) أي: أمر بإحضاره
(فجعل) أي: شرع (يأكل ويقول نعم الأدام الخل نعم الأدام الخل) هذا دليل الشطر الثاني
من الترجمة. ثم قال المصنف تبعاً للقاضي عياض: معنى الحديث مدح الاقتصاد في الأكل
ومنع النفس عن ملان الأطعمة، والمعنى: انتدموا بالخل وما في معناه مما تخف مؤنته ولا
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأنبياء، باب: صفة النبي مصر، وفي الأطعمة، باب ما عاب النبي ◌َّ
طعاماً (٤٧٧/٩).
وأخرجه مسلم في كتاب: الأشربة، باب: لا يعيب الطعام، (الحديث: ١٨٧ - ١٨٨).
+

٢٢٤
١٠٢ - باب: فيما يقوله من حضر الطعام
رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١) .
١٠٢ - باب: فيما يقوله من حضر الطعام
وهو صائم إذا لم يفطر
٧٣٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((إِذَا دُعِيَ
أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ؛ فَإِنْ كَانَ صَائِماً فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرَاً فَلْيَطْعَمْ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَالَ
الْعُلَمَاءُ: مَعْنَى ((فَلْيُصَلِّ)): فَلْيَدْعُ.
تتنافسوا في الشهوات، وهذا قول الخطابي ومن تابعه. والصواب الذي ينبغي الجزم به أنه
مدح الخل نفسه، وأما الاقتصاد في المأكل فمعلوم من دليل آخر اهـ. ونوقش فيما قال إنه
الصواب؛ أنه غير ظاهر فضلاً عن كونه هو الصواب، إذ ثبت أنه يُّ لم يكن يمدح طعاماً ولا
يذمه، لأن في الأول شائبة شهوة وفي الثاني احتقار للنعمة وفي التنظير نظر؛ لأن المنقول
أنه وملّ محمول على مدح ينشأ عن ميل النفس لذلك الطعام أشار إليه المصنف أنه مدحه
لمعنى آخر جبراً لخاطرهم وتطييب قلوبهم والله أعلم. (رواه مسلم) وأخرجه الترمذي من
حديث عائشة بنحوه.
باب ما يقوله من حضر الطعام وهو صائم
(إذ) بسكون الذال، وفي نسخة إذا (لم يفطر) وإفطاره من صوم واجب ولو موسعاً
لقضاء لما أفطره بعذر حرام، ومن مندوب إن شق على ضيفه أو مضيفه أفطر ندباً وإلا فلا.
٧٣٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﴿ إذا دعي، أحدكم
فليجب) وجوباً إن كان المدعو إليه وليمة نكاح في اليوم الأول وخلت الأعذار المسقطة
للوجوب المبينة في كتب الفقه، وإلا فندباً إلا في الوليمة للنكاح في اليوم الثالث (فإن كان
صائماً فليصل) أي: فليدع ندباً لأهل المنزل (وإن كان مفطراً فليطعم) ظاهر الأمر وجوب
التناول، وبه قال جمع، قال: وعليه فأقله لقمة ولا تلزمه الزيادة عليها. والجمهور على
استحباب التناول. قال المصنف في شرح مسلم: وهو الأصح فلا يجب الأكل لا في وليمة
نكاح ولا في غيرها (رواه مسلم) في كتاب النكاح من صحيحه وفي الجامع الصغير، ورواه
أحمد والترمذي وابن ماجه (وقال العلماء) أي: من شراح الحديث (معنى فليصل بليدع)
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الأشربة، باب: آداب الطعام والشراب وأحكامهما، (الحديث: ١٠٨).

٢٢٥
٢ - كتاب: أدب الطعام
وَمَعْنَى ((فَلْيَطْعَمْ)) : فَلْيَأْكُلْ(١).
١٠٣ - باب: فيما يقوله من دعي إلى طعام فتبعه غيره
٧٣٧ - عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: دَعَا رَجُلٌ النَّبِيِّ وَّ
لِطَعَامٍ صَنَعَهُ لَّهُ خَامِسَ خَمْسَةٍ فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ، فَلَمَّا بَلَغَ الْبَابَ، قَالَ الَّبِيُّ وَه: ((إِنَّ
هَذَا تَّبِعَنا، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ وَإِنْ شِئْتَ رَجَعَ)) قَالَ: بَلْ آذَنُ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
مُتَّفَقْ عَلَيْهِ(٢).
هذا قول الجمهور، قال في شرح مسلم نقلاً عنهم: معناه ليدع لأهل الطعام فالمغفرة والبركة
ونحو ذلك، وقيل: المراد الصلاة الشرعية ذات الركوع والسجود ليحصل له فضلها، وليتبرك
أهل المكان والحاضرون بذلك (ومعنى فليطعم) بفتح التحتية فليأكل.
باب ما يقول من دعي إلى طعام فتبعه غيره
لا يخفى أن الطعام ليس بقيد فكذا من دعي لنحو مشهورة فتبعه غيره يفعل ما يأتي :
٧٣٧ - (عن أبي مسعود) واسمه عقبة بن عمرو الأنصاري (البدري) نسبته لبدر لسكناه بها
وإلا فلم يشهد وقعتها المشهورة (رضي الله عنه قال: دعا رجل) اسمه أبو شعيب (النبي ◌َّر
الطعام صنعه) أي: أمر غلامه بصنعه كما صرح به في رواية أخرى (له) أي: للنبي وَّل
(خامس خمسة) أي: تصير العدة به كذلك (فتبعهم رجل فلما بلغ) أي: النبي ◌َّر والرجل
أو صاحب المنزل (الباب) والأخير أنسب بقوله: (قال النبي ◌ّ إن هذا تبعنا فإن شئت أن
تأذن له وإن شئت رجع) هذا لا يخالف ما جاء في حديث آخر من استتباعه ◌َلي أنساً
رضي الله عنه لما دعاه الحياط لضيافة جعله(٣)؛ لأن هذا محمول على ما إذا يعلم النبي بكثير
برضا رب المنزل بالزيادة على العدد المدعو. عدم استئذان على ما إذا كان واثقاً برضاه
(قال: بل أذنت) بصيغة المتكلم (له يا رسول الله. متفق عليه) أخرجه البخاري في البيوع،
ومسلم في الأطعمة، ورواه الترمذي والنسائي .
(١) أخرجه مسلم في كتاب: النكاح، باب: الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة، (الحديث: ١٠٦).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الأطعمة، باب: الرجل يتكلف الطعام لإِخوانه، والبيوع والمظالم،
(٤٨٤/٩، ٤٨٥ و ٥٠٥).
أخرجه مسلم في كتاب: الأشربة، باب: ما يفعل الضيف إذا تبعه ... (الحديث: ١٣٨).
(٣) قوله: (جعله) كذا بالأصل. ع.

٢٢٦
١٠٤ - باب: في الأكل مما يليه
١٠٤ - باب: في الأكل مما يليه ووعظه وتأديبه من يسيء أكله
٧٣٨ - عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كُنْتُ غُلَمَاً فِي حِجْرٍ
رَسُولِ اللَّهِ بِهِ وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: ((يَا غُلامُ
سَمَّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ)) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. قَولُهُ: ((تَطيشُ)) بِكَسْرِ الطَّاءِ
وَبَعْدَهَا يَاءٌ مثنَّاةٌ مِنْ تَحْتُ مَعْنَاهُ: تَتَحرَّكُ وَتَمْتَدُّ إِلَى نَواحِي الصَّحْفَةِ(١).
٧٣٩ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَ
بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: ((كُلْ بِيَمِينِكَ)) قَالَ:
باب الأكل مما يليه
الضمير المنصوب يعود على الآكل المفهوم من الأكل، وكذا ضمير قوله: (ووعظه
وتأديبه من يسيء أكله).
٧٣٨ - (عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما قال: كنت غلاماً) لأن النبي تسلّ دخل بأمه
وهو ابن ست سنين (في حجر) بكسر المهملة وفتحها، أي: تحت نظر (رسول الله وله
وكانت يدي) الإفراد (تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله ((: يا غلام) بضم الميم
(سم الله تعالى) أي: اذكر اسمه أول أكلك؛ بأن تقول بسم الله، وتقدم أكملها وما فيه (وكل
بيمينك) إن كان الطعام لوناً واحداً وإلا فلا بأس بالأكل من جهة صاحبه (وكل مما يليك)
والأمر في الثلاث للندب. والحديث قد تقدم بشرحه في باب التسمية على الطعام. ولعله
كان يأكل باليسرى أو تارة بها وأخرى باليمين (متفق عليه قوله تطيش) بفتح الفوقية (وبكسر
الطاء المهملة وبعدها ياء مثناة من تحت) وآخره شين معجمة (معناه تتحرك وتمتد) من
الامتداد (إلى نواحي) أطراف (الصحفة) وهو مأخوذ من الطيش وهو الخفة .
٧٣٩ - (وعن سلمة) بفتح أوله (ابن الأكوع رضي الله عنه أن رجلاً أكل عند رسول الله وعالية.
بشماله فقال) إرشاداً له للأفضل (كل بيمينك) الأمر فيه للندب (قال) أي: الرجل محبراً
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأطعمة، باب: التسمية على الطعام والأكل باليمين، وباب: الأكل مما يليه
(٤٥٨/٩).
وأخرجه مسلم في كتاب: الأشربة، باب: آداب الطعام والشراب وأحكامهما، (الحديث: ١٠٨).

٢٢٧
٢ - كتاب: أدب الطعام
لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: ((لَا اسْتَطَعْتَ!)) مَا مَنَعَهُ إِلَّ الْكِبْرُ، فَمَا رَفعَها إِلَى فِيهِ. رَوَاهُ
مُسْلِمُ (١) .
١٠٥ - باب: في النهي عن القران بين تمرتين ونحوهما
إذا أكل جماعة إلا بإذن رفقته
٧٤٠ - عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ، قَالَ: أَصَابَنَا عَامُ سَنَةٍ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَرَزَقْنَا تَمْرَأً،
بخلاف الواقع (لا أستطيع قال) ومسلم داعياً عليه لما ظهر له من عناده وكبره عن الانقياد للحق
(لا استطعت) وقوله: (ما منعه إلا الكبر) جملة مستأنفة من الراوي، مبينة للمقتضى
لدعائه بس مع كمال رحمته ومزيد رأفته وتجاوزه عن أكثر من ذلك خصوصاً والأمر على سبيل
الندب. وقوله (فما رفعها) أي: فما رفع المدعو عليه يمينه (إلى فيه) أشار به إلى حصول
الإِجابة حالاً (رواه مسلم) في الأشربة من صحيحه.
باب النهي عن القران
بكسر القاف مصدر قارن (بين تمرتين ونحوهما) مما يعتاد أكله واحدة واحدة (إذا أكل
جماعة إلا بإذن رفقته) بتثليث الراء. قال العلماء: إن كان يعلم رضا الشركاء بقرانه بينهما
جاز مع الكراهة لما فيه من الاستئثار على الجلساء وإلا حرم. قال في فتح الباري : قال ابن
بطال: النهي عن القرآن من حسن الأدب في الأكل عند الجمهور لا على التحريم، كما قال
أهل الظاهر؛ لأن الذي يوضع للأكل على سبيل المسالمة لا التشاح لاختلاف الناس في
الأكل، لكن إذا استأثر بعضهم بأكثر من بعض لم يحمد له ذلك اهـ.
٧٤٠ - (عن جبلة) بفتح الجيم والموحدة واللام (ابن سحيم) بضم المهملة الأولى وفتح
الثانية وسكون التحتية. قال الحافظ ابن حجر في التقريب: هو كوفي ثقة من الطبقة الوسطى
من التابعين. مات سنة مائة وخمس وعشرين خرج عن الستة (قال أصابنا) جاء في رواية
البخاري عنه قال: كنا بالمدينة في بعض أهل العراق فأصابتنا سنة ((والمراد من المدينة فيه
مكة (عام سنة) أي: عام قحط وجدب، قال في المصباح: أرض سنهاء أصابتها السنة وهي
الجدب. اهـ. وكان ذلك؛ لأن زمن الجدب والقحط يستطال فيطلق عليه ما هو موضوع
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الأشربة، باب: آداب الطعام والشراب وأحكامهما، (الحديث: ١٠٧)

٢٢٨
١٠٦ - باب: فيما يقوله ويفعله من يأكل ولا يشبع
فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَمُرُّ بِنَا وَنَحْنُ نَأْكُلُ، فَيَقُولُ: لَا تُقَارِنُوا،
فَإِنَّ النَّبِيَّ ◌َ نَهَى عَنِ الْقِرَانِ، ثُمَّ يَقُولُ: إِلَّ أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ أَخَاهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
١٠٦ - باب: فيما يقوله ويفعله من يأكل ولا يشبع
للزمن الطويل (مع) عبدالله (بن الزبير) في خلافته (فرزقنا تمرأ) يحتمل أن يكون لنفاد ما
عداه من الأقوات من عنده، أو اتفق وجوده عنده (فكان عبدالله بن عمر رضي الله عنهما يمر
بنا ونحن نأكل فيقول لا تقارنوا) أي: لا يفعل ذلك كل منكم فالمفاعلة باعتبار الأكلة والمراد
منها أصل الفعل فتكون المفاعلة للمبالغة، ويؤيده أنه جاء في رواية للبخاري في باب
الشركة ((لا تقرنوا)) بضم الراء (فإن النبي ◌َّ نهى الإِقران) قال ابن الأثير وغيره: كذا روي
والأصل القران (ثم يقول) أي: ابن عمر (إلا أن يستأذن الرجل أخاه) فيكون مدرجاً في آخر
الحديث، ويحتمل عود الضمير إلى النبي وسلم فيكون الاستثناء مفرغاً أيضاً. قال القسطلاني
في كتاب الأطعمة من شرحه إرشاد الساري بعد قول البخاري قال شعبة الإِذن من قول ابن
عمر ما لفظه مدرجاً في الحديث، وكذا رواه أبو داود الطيالسي في مسنده مدرجاً، وآخرون
ترددوا في الرفع والوقف نبه عليه الحافظ ابن حجر اهـ. واستدل بقول أبي هريرة المروي
عند ابن حبان وغيره («كنت في أصحاب فبعث إلينا رسول الله وَ ر تمر عجوة فكبشنا فكنا
نأكل البسر من الجوع وجعل أصحابنا إذا قرن أحدكم فقال لصاحبه إني قرنت فأقرنوا)) على
الرفع وعدم الإِدراج؛ لأن هذا الفعل منهم في زمنه وم طلّ دال على أنه كان مشروعاً بينهم،
وقول الصحابي كنا نفعل في زمانه بَير له حكم الرفع عند الجمهور، وقد اعتمد البخاري
هذه الزيادة ولا يلزم من کون ابن عمر ذكر الإِذن مرة غیر مرفوع أن لا یکون مستنده فيه الرفع
(متفق عليه) قال المزي : رواه البخاري في المظالم وفي الشركة وفي الأطعمة من صحيحه،
ورواه مسلم من صحيحه، ورواه أبو داود والترمذي في الأطعمة أيضاً، والنسائي في
الوليمة، وابن ماجه في الأطعمة، والترمذي وقال: حسن صحيح .
باب ما يقوله من الأذكار ويفعله من يأكل ولا يشبع
(١) أخرجه البخاري في كتاب: المظالم، باب: إذا أذن إنسان لآخر جاز، والشركة باب: القرآن في التمر بين
الشركاء، والأطعمة، باب: القران في التمر (٤٩٣/٩).
وأخرجه مسلم في كتاب: الأشربة، باب: نهي الأكل مع جماعة عن ... (الحديث: ١٥٠).

٢٢٩
٢ - كتاب: أدب الطعام
٧٤١ - عَنْ وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ أَصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ وَ ﴿ِ، قَالُوا:
يَا رَسُولَ اللّهِ إِنَّا نَأْكُلُ وَلَ نَشْبَعُ؟ قَالَ: ((فَلَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُونَ))، قَالُوا: نَعَمَ، قَالَ:
((فَاجْتَمِعوا عَلَى طَعَامِكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِيُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ(١).
١٠٧ - باب: في الأمر بالأكل من جانب القصعة
والنهي عن الأكل من وسطها
٧٤١ - (عن وحشي) بفتح الواو وسكون المهملة وكسر الشين المعجمة وتشديد التحتية
(ابن حرب) الحبشي (رضي الله عنه) يكنى أبا دسمة المهملتين والميم. قال المصنف
وهو من سودان أهل مكة ويقال له الحبشي وهو مولى طعيمة بن عدي، وقيل: مولى جبير بن
مطعم بن نوفل بن عبد مناف، وهو الذي قتل حمزة يوم أحد، وشارك في قتلة مسيلمة
الكذاب، وكان يقول: قتلت في جاهليتي خير الناس وقتلت بعد إسلامي شر الناس،
صحابي نزل حمص ومات بها. خرج عنه البخاري وأبو داود وابن ماجه كذا في تقريب
الحافظ ابن حجر. قال المصنف: وروي له عن النبي سير أربعة أحاديث، وقيل ثمانية،
روى البخاري منها حديثاً واحداً في قتله حمزة قال المصنف: قيل سكن دمشق، والصحيح
أنه سكن حمص. (أن أصحاب النبي #ّ قالوا يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع) الجملة
معطوفة على جملة الخبر قبلها ويجوز إعرابها حالاً (قال فلعلكم) هي هنا للاستفهام كقوله
تعالى: ﴿وما يدريك لعله يزكى﴾(٢) وهذا الاستفهام ليس على حقيقته، بل المراد التنبيه
والإِيماء على علة عدم الشبع، قاله ابن رسلان (تفترقون) بأن تأكلوا متفرقين (قالوا: نعم
قال: فاجتمعوا على طعامكم) وذلك لأن البركة في الجمع، ومن ثم شرعت الجماعة في
الصلوات (واذكروا اسم الله) أي: قولوا: بسم الله عند أكله (يبارك) بالجزم جواب الطلب
وهو مبني للمفعول (لكم فيه) أي: يوضع لكم فيه البركة بحيث تشبعون إذا اجتمعتم وذكرتم
اسم الله بالتسمية والحمد آخره (رواه أبو داود) في الأطعمة، وكذا رواه ابن ماجه في السنن
في الأطعمة، ورواه الطبراني من حديث ابن عمر بزيادة في آخره ((فإن طعام الواحد يكفي
الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة)).
باب الأمر بالأكل من جانب القصعة
والنهي عن الأكل من وسطها
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الأطعمة، باب: في الاجتماع على الطعام، (الحديث: ٣٧٦٤).
(٢) سورة عبس، الآية: ٣.

٢٣٠
١٠٧ - باب: في الأمر بالأكل من جانب القصعة
فِيهِ: قوْلُهُ وَلَ: ((وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ كَمَا سَبَقَ.
٧٤٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النّبِيِّ ◌َ، قَالَ: ((الْبَرَكَةُ تَنْزِلُ
وَسَطَ الطَّعامِ فَكُلُوا مِنْ حَاقَّتَيْهِ وَلاَ تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ:
حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ(١).
٧٤٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ
بالفتح قال في المصباح: ضربت وسط رأسه بالفتح؛ لأنه اسم لما يكشفه من جهاته
غيره، ويصح دخول العوامل عليه فيكون فاعلاً ومفعولاً ومبتدأ، والسكون فيه جائز أما وسط
بالسكون فهو بمعنى بين نحو: جلست وسط القوم، أي: بينهم اهـ. (فيه) أي: مضمون
الباب (قوله (18) في حديث عمر وابن أبي سلمة (وكل مما يليك) أي: دون وسطها وما يلي
صاحبك (متفق عليه كما سبق).
٧٤٢ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ◌َّ قال البركة) التي أودعها الله في
الطعام (تنزل وسط الطعام) فلا يأكل وسط الصحن، جامداً كان كالثريد أو، مائعاً كالأمراق.
وقال الغزالي: ولا يأكل من وسط الرغيف بل من استدارته، إلا إذا قل الخبز فيكسر الخبز
(فكلوا من حافتيه) بتخفيف الفاء، أي: من ناحيتيه، قال في المصباح حافة كل شيء
ناحيته، وأصله حوفة مثل قصبة فقلبت الواو ألفاً، والمراد من التثنية هنا ما فوق الواحد فيعم
سائر الجوانب (ولا تأكلوا من وسطه) والنهي كما قال المصنف محمول على التنزيه، وتعقبه
الأسنوي بأن الشافعي نص على تحريم ذلك، ولفظه في الأم: فإن أكل مما يلي غيره أو من
رأس الطعام أثم بالفعل الذي فعله إذا كان عالماً بنهي النبي ◌ّ (رواه أبو داود) أي: بنحوه
(والترمذي) في الأطعمة واللفظ له، وكان على المصنف تقديمه ذكراً لكونه راوي اللفظ،
وإنما لأبي داود منه المعنى (وقال: حديث حسن صحيح) إنما نعرفه من حديث عطاء بن
السائب .
٧٤٣ - (وعن عبدالله بن بسر) بضم الموحدة وسكون المهملة المازني أحد من صلى إلى
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الأطعمة، باب: [ما جاء] في الأكل من أعلى الصحفة، (الحديث: ٣٧٧٢).
وأخرجه الترمذي في كتاب: الأطعمة، باب: ما جاء في كراهية الأكل من وسط الطعام، (الحديث:
١٨٠٥).

٢٣١
٢ - كتاب: أدب الطعام
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ لِلنَّبِّ وَ قَصْعَةٌ يُقَالُ لَهَا الْغَرَّاءُ يَحْمِلُهَا
أَرْبَعَةُ رِجَالٍ، فَلَمَّا أَضْحُوا وَسَجَدُوا الضُّحَى أُتِيَ بِتِلْكَ
الْقَصْعَةِ (يَعْنِي وَقَدْ تُرِدَ فِيهَا)، فَالْتَقُّوا عَلَيْهَا، فَلَمَّا كَثُرُوا جَثَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، فَقَالَ:
أَعْرَابِيٍّ: مَا هَذِهِ الْجِلْسةُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِل ◌َه: (إِنَّ اللَّهَ جَعَلَنِي عَبْدَأَ كَرِيْمَأْ وَلَمْ
يَجْعَلْنِي جَبَّاراً عَنِيداً) ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((كُلُوا مِنْ حَوَالَيْهَا وَدَعُوا ذِرْوَتَهَا يُبَارَكْ
القبلتين، تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب المجاهدة (قال: كان للنبي وَّار قصعة)
بفتح القاف، وجمعها قصع كبدرة وبدر (يقال لها الغراء) بالغين المعجمة وغراء تأنيث الأغر
مشتق من الغرة وهي بياض الوجه وإضاءته، ويجوز أن تكون من الغرة بمعنى الشيء النفيس
والمرغوب فيه، فيكون وصفها بذلك لرغبة الناس فيها لنفاسة ما فيها، أو لكثرة ما تسعه.
وقال المنذري: وسميت غراء لبياضها بالإِلية والشحم، أو لبياض برها، أو لبياضها باللبن
(يحملها أربعة رجال) يحتمل أن يكون لها حلق أربع فقد جاء عند أحمد في مسنده من
حديث ابن بسر هذا قال: ((كان للنبي وَّرَ جفنة لها أربع حلق)) ويحتمل أن لا يكون لها حلق
وما في حديث أحمد في جفنة غير الغراء (فلما أضحوا) أي: دخلوا في الضحا وهو قدر ربع
النهار (وسجدوا) أي: صلوا (الضحا) أي: صلاته، وظاهره أنهم صلوها جماعة، ويحتمل
أن كلَّا صلاها بمفرده (أتى) بالبناء للمفعول (بتلك القصعة) وقوله: (يعني وقد ثرد فيها) من
كلام بعض الرواة بعد ابن بسر. والثريد بالمثلثة فت الخبز وبله بالمرق، والمراد ثرده بماء
اللحم، لأن الثريد غالباً لا يكون إلا من لحم (فالتفوا) بتشديد الفاء، أي: استداروا (عليها
فلما كثروا) بضم الثاء وضاقت بهم الحلقة (جثا رسول الله ( 18) بالجيم والمثلثة، أي: قعد
على ركبتيه جالساً على ظهور قدميه. وفيه استحباب هذه الجلسة عند ضيق المجلس (فقال
أعرابي) أي: من الحاضرين (ما هذه الجلسة) بكسر الجيم، أي: ما هذه الهيئة التي جلست
عليها (قال رسول الله وَّة: إن الله جعلني عبداً كريماً) أي: شريفاً بالنبوة والعلم (ولم
يجعلني جباراً) من الجبر وهو قهر الغير على مراد القاهر (عنيداً) قال في النهاية: هو الجائر
عن القصد الباغي الذي يرد الحق مع العلم به (ثم قال رسول الله وسخطية: كلوا من حواليها)
قال ابن رسلان: أي: من جوانبها بدليل رواية ابن ماجه كلوا جوانبها اهـ. وبه يتبين أن
حركة اللام فيه الكسر(١) فإنه جمع (ودعوا) أي: اتركوا (ذروتها يبارك) بالجزم، أي: يكن
(١) لكن في المختار ما نصه: ((ولا تقل حواله بكسر اللام)) اهـ.ع
٧٠

٢٣٢
١٠٨ - باب: في كراهة الأكل متكئاً
فِيهَا)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ. ((ذِرْوَتَها)): أَعْلَهَا. بِكَسْرِ الذَّالِ وَضَمِّهَا(١).
١٠٨ - باب: في كراهة الأكل مُتكئاً
٧٤٤ - عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ وَهْبٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: (لَ آكُلُ مُتَّكِئَاً» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُتَّكِىءُ هَهُنَا
هُوَ: الْجَالِسُ مُعْتَمِداً عَلَى وِطَاءٍ تَحْتَهُ. قَالَ: وَأَرَادَ أَنَّهُ لاَ يَقْعُدُ عَلَى الْوِطَاءِ وَالوَسَائِدِ
ذلك مع ذكر الله تعالى سبب حصول البركة (فيها) أي: في جميع ما فيها من الأعلى
والأسفل. وفيه الحرص على إبقاء ما فيه البركة والخير وعدم إزالته فبحصولها يحصل الخير
الكثير. وجاء في الحديث: ((من بورك له في شيء فليلزمه)) (رواه أبو داود) في الأطعمة من
سننه (بإسناد جيد) وهو من رباعياته، ورواه ابن ماجه مختصراً (ذروتها أعلاها بكسر الذال
وضمها) وكذا عبر به في المصباح، لكن قال ابن رسلان: بكسر الذال، ويقال بضمها
فاقتضى أن الكسر هو الأصل.
باب كراهية الأكل متكئاً
قال في النهاية: المتكىء في العربية كل من استوى قاعداً وطاء متمكناً، والعامة لا
تعرف المتكىء إلا من مال في قعوده؛ كأنه أوكأ مقعدته وشدها بالقعود على الوطاء الذي
تحته .
٧٤٤ - (عن أبي جحيفة) بضم الجيم وفتح الحاء المهملة الخفيفة وسكون التحتية بعدها
فاء (وهب بن عبدالله) السوئي بضم المهملة وتخفيف الواو بعدها همزة، نسبة إلى سوء بن
عامر بن صعصعة، توفي رسول الله وسير وأبو جحيفة مراهق وولى بيت المال لعلي (رضي اللّه
عنه قال: قال رسول الله و ﴿ لا آكل متكئاً. رواه البخاري) وأبو داود (قال) أحمد بن
محمد بن إبراهيم (الخطابي) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة وبعد الألف
موحدة، نسبة إلى الخطاب البستي الإِمام المشهور صاحب معالم السنن على أبي داود
(المتكىء هاهنا) أي: في هذا الحديث وما شابهه (هو الجالس معتمداً على وطاء تحته قال:
وأراد أنه لا يقعد على وطاء) بكسر الواو وتخفيف المهملة والألف ممدودة. قال في
المصباح: هو المهاد الوطيء (والوسائد) جمع وسادة بالكسر هي المخدة (كفعل من يريد
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الأطعمة، باب: [ما جاء] في الأكل من أعلى الصحفة، (الحديث: ٣٧٧٢).

٢٣٣
٢ - كتاب: أدب الطعام
كَفِعْلِ مَنْ يُرِيدُ الإِكْثَارَ مِنَ الطَّعَامِ، بَلْ يَقْعُدُ مُسْتَوْفِزاً لاَ مُطْمَئِناً، وَيَأْكُلُ بُلْغَةً.
هَذَا كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ، وَأَشَارَ غَيْرُهُ إِلَى أَنَّ الْمُتَّكِىءَ هُوَ: الْمَائِلُ عَلَى جَنْبِهِ،
وَاللَّهُ أَعْلَم (١).
٧٤٥ - وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ جَالِسَاً مُفْعِياً يَأْكُلُ
تَمْرَأ. رَوَاهُ مَسْلِمٌ. ((الْمُفْعِي)) هُوَ: الَّذِي يُلْصِقُ أَلْبِيْهِ بِالأَرْضِ وَيَنْصِبُ سَاقّيْهِ(٢).
١٠٩ _ باب: في استحباب الأكل بثلاث أصابع واستحباب لعق
الأصابع وكراهة مسحها قبل لعقها واستحباب لعق
القصعة وأخذ اللقمة التي تسقط منه وأكلها وجواز
مسحها بعد اللعق بالساعد والقدم وغيرهما
الإكثار من الطعام) أي: فإنه يجلس كذلك (بل يقعد مستوفزاً) أي: غير مطمئن للجلوس،
ولذا قال: (لا مطمئناً ويأكل بلغة) بضم الموحدة وسكون اللام، أي: يكتفي ويجزىء به
(هذا كلام الخطابي وأشار غيره إلى أن المتكىء في الخبر هو المائل على جنبه والله أعلم)
وعلله إن ذلك فعل المتجبرين المتكبرين، ولأنه يمنع نزول الطعام وانحداره في مجاري
الأكل وإساغته هنيئاً.
٧٤٥ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله (مثل﴿ جالساً مقعياً يأكل تمراً) زاد
الترمذي في الشمائل قوله: ((وهو مقع من الجوع)) (رواه مسلم) ورواه الترمذي في الشمائل
(والمقعي هو الذي يلصق ألبيه بالأرض وينصب ساقيه) زاد الجوهري ويتساند ظهره وهو
الاحتباء الذي هو جلوس الأنبياء وأكثر جلوسه وَلّه، وإنما كره هذا الإِقعاء في الصلاة للنهي
عنه؛ لأن فيه تشبهاً بالكلاب، وطلب في الأكل لما فيه من الاستيفاز وعدم التقعد المشعر
ذلك بأن أكله بقدر الحاجة مع ما فيه من التشبه بالأرقاء ففيه غاية التواضع .
باب استحباب الأكل بثلاث أصابع واستحباب لعق الأصابع
اغتناماً لبركة الطعام نعم يكره لعقها في أثناء الأكل، لأنه يعيدها إلى الطعام وعليها أثر
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأطعمة، باب: الأكل متكئاً (٤٧٢/٩) . .
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: الأشربة، باب: استحباب تواضع الأكل وصفة قعوده، (الحديث: ١٤٨).

٢٣٤
١٠٩ س-باب: في استحباب الأكل بثلاث أصابع
٧٤٦ - وعنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِذَا أَكلَ
أَحَدُكُمْ طَعامَاً فَلا يَمْسَحْ أَصَابِعَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا أَوْ يُلْعِقَهَا)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)
٧٤٧ - وعنْ كَعْبِ بنِ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ يَأْكلُ بِثَلاثِ
أَصَابِعَ
ريقه فيقذر (وكراهة مسحها قبل لعقها) لاحتمال كون ذلك الممسوح هو المبارك فيه من
الطعام (واستحباب لعق القصعة) أي: أخذ ما فيها بالإصبع ولحسه منه وذلك لما تقدم،
وإعمالاً للتواضع وكسر النفس (وأخذ اللقمة التي تسقط منه وأكلها) ما لم تتنجس ويتعذر
تطهيرها؛ فإن تعذر تطهيرها أطعمها للحيوان ولا يتركها للشيطان، وإن أمكنه تطهيرها فينبغي
فعل ذلك وتناولها بعده (وجواز مسحها) أي: الأصابع (بعد اللعق) أي: اللحس لها
(بالساعد) هي قصبة الذراع (والقدم وغيرهما) كمسح اليد باليد.
٧٤٦ - (عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَّ﴿ إذا أكل أحدكم طعاماً)
أي: فيه رطوبة تعلق بالأصابع (فلا يمسح) ندباً (أصابعه) بمنديل ونحوه (حتى يلعقها) بفتح
التحتية والمهملة، أي: يلحسها هو اغتناماً للبركة وحرصاً عليها (أو) للتنويع (يلعقها) بضم
التحتية وكسر المهملة، أي: يلحسها من لا يقذر من ذلك منه من ولد وتلميذ ومريد (متفق
عليه) روياه في الأطعمة من صحيحهما، ورواه أيضاً أحمد، وأبو داود، وابن ماجه كلهم من
حديث ابن عباس. قال الخطابي: عاب قوم أفسد عقلهم الترفه فزعموا أن لعق الأصابع
مستقبح، ثم ذكر ما يدل على عدم استقباحه شرعاً من أحاديث الباب، والأفضل في لعق
الأصابع أن يلعقها وبطن كفه إلى جهة وجهه، مبتدئاً بالوسطى، ثم السبابة، ثم الإِبهام،
فعند الطبراني من حديث كعب بن عجرة قال: ((رأيت النبي * يأكل بأصابعه الثلاث
بالإِبهام والتي تليها، والوسطى ثم رأيته يلعق أصابعه الثلاث قبل أن يمسحها الوسطى ثم
التي تليها، ثم الإِبهام. والسر في ذلك أن الوسطى أكثر تلوثاً؛ لأنها أول داخل في الطعام،
ثم المسبحة أشار إليه في الفتح .
٧٤٧ - (وعن كعب بن مالك) الأنصاري (رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله رحلة يأكل
بثلاث أصابع) قال العلماء: فيستحب الأكل بثلاث أصابع، ولا يضم إليها الرابعة والخامسة
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الأشربة، باب: استحباب لعق الأصابع ... (الحديث: ١٢٩، ١٣٠).
وأخرجه البخاري في كتاب: الأطعمة، باب: لعق الأصابع (٤٩٩/٩، ٥٠٠)

٢٣٥
١ - كتاب: أدب الطعام
فَإِذَا فَرَغَ لَعِقَها. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١)
٧٤٨ - وعنْ جَابِرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ أَمَرَ بِلَعْقِ الْأَصَابِعِ والصَّحْفَةِ
وقَالَ: (إِنَّكُمْ لا تَدْرونَ في أَيِّ طَعامِكُمُ الْبَرَكَةُ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(٢).
إلا لضرورة. فقد قيل إنه ولي ربما كان في الأكل يرابع أصابعه، وكان لا يأكل بأصبعين
وقال: إن الشيطان يأكل بهما. وما أخرجه سعيد بن منصور من مرسل بن شهاب أن النبي وقليل
كان إذا أكل يخمس فمحمول على القليل النادر لبيان الجواز، أو على المائع فإن عادته في
أكثر الأوقات هو الأكل بثلاث أصابع. قيل: وإنما اقتصر عليها لأنه الأنفع إذ الأكل بإصبع
واحدة مع أنه فعل المتكبرين لا يستلذ به الآكل ولا يستمرىء به لضعف ما يناله منه كل مرة
فهو كمن أخذ حقه حبة حبة، وبالإصبعين مع أنه فعل الشيطان ليس فيه استلذاذ كامل مع أنه
مفوت الفردية والله وتر يحب الوتر، والخمس مع أنه فعل الحريص الفجع يوجب ازدحام
الطعام على مجراه من المعدة فربما انسد مجراه فأوجب الموت فوراً وفجأة. (فإذا فرغ)
أي: من أكله (لعقها) بكسر المهملة، أي: لحسها لما تقدم ومبالغة في التنظيف (رواه
مسلم) في الأطعمة، ورواه أبو داود فيها من سننه، ورواه الترمذي في الشمائل، ورواه
النسائي في الوليمة.
٧٤٨ - (وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله مخ لل أمر بلعق الأصابع والصحفة) أي: ومن
النهي عن قرينه السابق في أول الباب، فإن النهي عن الشيء أمر بضده (وقال) مبيناً حكمة
الأمر بذلك (إنكم) بكسر الهمزة على الاستئناف البياني، ويجوز فتحها على تقدير لام
التعليل قبلها (لا تدرون) أي: لا تعلمون (في أي طعامكم) أي: في أي جزء من أجزائه
(البركة) أهي في المأكول، أو الباقي بالإصبع، أو الباقي بالقصعة، ونحوها من اللقمة
الساقطة، ومن ثم استحب التقاطها كما تقدم ويأتي دليله في الحديث عقب هذا. والبركة هنا
والله أعلم ما يحصل به التغذية، وتسلم عاقبته من أذى، ويقوى على الطاعة وغير ذلك. كما
قال المصنف في شرح مسلم، ثم ما علل به من الأمر باللعق في الحديث لا يمنع أن يكون
له علة أخرى كما قال الحافظ ابن حجر؛ فقد تكون العلة هنا أيضاً كما قال عياض ألا يتهاون
بقليل الطعام، أي: الباقي في آخر القصعة أو الساقط، وقد تكون العلة أيضاً كما قال ابن
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الأشربة، باب: استحباب لعق الأصابع
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: الأشربة، باب: استحباب لعق الأصابع . ..
(الحديث: ١٣١).
(الحديث: ١٣٣).

٢٣٦
١٠٩ - باب: في استحباب الأكل بثلاث أصابع
٧٤٩ - وعنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ﴿ قَالَ: ((إِذَا وَقَعَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ
فَلْيَأْخُذْهَا فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِها مِنْ أَذَىَّ وَلْيَأْكُلُها، ولا يَدَعْها لِلْشِّيْطانِ، ولا يَمْسَحْ يَدَهُ
بِالمِنْدِيلِ حَتَّى يَلْعَقَ أَصَابِعَهُ؛ فَإِنَّهُ لا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعامِهِ الْبَرَكَةُ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
٧٥٠ - وعنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ قَالَ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ
عِنْدَ كلِّ شَيْءٍ مِنْ شَانِهِ
دقيق العيد: أن مسحها قبل لعقها فيه زيادة تلويث لما يمسح به مع الاستغناء عنه بالريق
(رواه مسلم) وأحمد، والنسائي، وابن ماجه كما في الجامع الصغير.
٧٤٩ - (وعنه أن رسول الله وسلم قال: إذا وقعت) سقطت (لقمة أحدكم) بضم اللام. قال
في المصباح: هو اسم لما يلقم في مرة كالجرعة اسم لما يجرع في مرة (فليأخذها) من
الذي سقطت فيه ندباً (فليمط) بضم التحتية وكسر الميم وبالطاء المهملة. قال المصنف في
شرح مسلم: حكى أبو عبيدة ماطه وأماطه نحاه. وقال الأصمعي: أماطه لا غير ومنه إماطة
الأذى ومطت عنه، أي: تنحيت (ما كان بها من أذى) الظرف بيان لإِبهام ما، والمراد بالأذى
هنا المستقذر من غبار وتراب ونحوه (وليأكلها) ندباً تحرصاً على البركة، وحمل النفس على
التواضع، ومعاملة الشيطان بنقيض قصده كما قال (ولا يدعها للشيطان ولا يمسح يده
بالمنديل) بكسر الميم وهو معروف، قال ابن فارس في المجمل: لعله مأخوذ من الندل وهو
النقل، وقال غيره من الندل وهو الوسخ؛ لأنه يندب به، قال أهل اللغة: يقال تندلت
بالمنديل، قال الجوهري: ويقال أيضاً تمندلت، وأنكرها الكسائي وتقدم هذا (حتى يلعق
أصابعه) اقتصر عليه لأنه الأعم الأغلب، فلا ينافي ما تقدم من قوله حتى يلعق أصابعه أو
يلعقها؛ لأن ذلك لمن له تبع لا يستقذر منه كما تقدم (فإنه لا يدري في أي طعامه البركة
رواه مسلم) في كتاب الأطعمة، ورواه ابن ماجه في الأطعمة من سننه ولم يذكر في الحديث
لعق الأصابع .
٧٥٠ _ (وعنه أن رسول الله وَّر قال: إن الشيطان) أل فيه للجنس ويحتمل كونها للعهد،
أي: كبيرهم وهو إبليس (يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه) قال المصنف: فيه التحذير
منه والتنبيه على ملازمته الإِنسان في سائر تصرفاته، فينبغي أن يتأهب ویتحرز منه، ولا يغتر
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الأشربة، باب: استحباب لعق الأصابع ... (الحديث: ١٣٤).

٢٣٧
٢ - كتاب: أدب الطعام
حَتَّى يَحْضُرَهُ عَنْدَ طَعَامِهِ فَإِذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَأْخُذْهَا فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِها مِنْ
أَذَىِّ ثُمَّ لِيَأْكُلُها، ولا يَدَعْها لِلْشَيْطَانِ، فَإِذَا فَرَغَ فَلْيَلْعَقْ أَصابِعَهُ فَإِنَّهُ لا يَدْري في
أيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
٧٥١ - وعنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ إِذَا أَكلَ طَعامَاً لَعِقَ
أَصَابِعَهُ الثَّلاثَ وَقَالَ: ((إِذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُمِطْ عَنْهَا الْأَذَى وَلْيَأْكُلْها،
ولا يَدَعْها لِلْشَيْطَانِ)) وَأَمَرَنا أَنْ نَسْلُتَ الْقَصْعَةَ وقالَ: ((إنَّكُمْ لا تَدْرونَ فِي أَيِّ طَعامِكُمُ
الْبَرَكَةُ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(٢).
بما يزينه له (حتى يحضره عند طعامه) ليلهيه عن ذكر الله تعالى فيستحل الطعام ويضرب
على اللقمة بيده لتقع (فإذا سقطت لقمة أحدكم فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى) الفاء
الأولى للتفريع، والثانية رابطة للجواب بالشرط، والثالثة للعطف. والإِتيان بثم في قوله: (ثم
ليأكلها) لتراخي ما بين الأكل وسقوط اللقمة (ولا يدعها للشيطان فإذا فرغ) أي: من أكله
(فليلعق أصابعه) أي: واحداً بعد واحد كما تقدم سند الطبراني (فإنه لا يدري في أي طعامه
البركة) وبفعله لما ذكر واستيعاب الطعام قدر حاجته استوعب ما هو مظنة لها (رواه مسلم)
بل جعله المزي في الأطراف مع ما قبله حديثاً واحداً إلا أن الإِسناد(٣) إلى جابر مختلف فيه
وعبارته وزاد جرير في أول حديثه أن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه حتى
يحضره عند طعامه. وحديثا جابر تقدم الكلام عليهما في باب اتباع السنة .
٧٥١ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله وَّه إذا أكل طعاماً لعق) بكسر العين
(أصابعه الثلاث) أي: إذا اقتصر عليها كما هو غالب فعله في أكله، أما إذا أكل نحو مائع
فكان بالخمس كما تقدم فيلعق الجميع (وقال: إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى)
لتقبل عليها النفس (وليأكلها ولا يدعها للشيطان وأمرنا) معطوف على كان ومعمولها (أن
نسلت) بفتح النون وضم اللام، أي: نمسح (القصعة) ونتبع ما فيها من الطعام ومنه سلت
الدم (وقال) معللاً للأثر بما ذكر في الحديث على طريق الاستئناف البياني النحوي (إنكم لا
تدرون في أي طعامكم البركة. رواه مسلم) وهذه الأحاديث سبقت مشروحة في باب الأمر
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الأشربة، باب: استحباب لعق الأصابع ... (الحديث: ١٣٥).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: الأشربة، باب: استحباب لعق الأصابع، (الحديث: ١٣٦).
(٣) أي الرواة قبل جابر ليسوا متحدين في الحديثين.

٢٣٨
١٠٩ - باب: في استحباب الأكل بثلاث أصابع
٧٥٢ - وعنْ سَعيدٍ بْنِ الحَارِثِ أَنَّهُ سَأَلَ جَابِراً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عنِ الْوُضُوءِ مِمَّا
مَسَّتِ النَّارُ. فَقالَ: لا، قَدْ كُنَّا زَمَنَ النَّبِيِّ وَ لا نَجِدُ مِثْلَ ذَلِكَ الطّعامِ إِلَّ قَليلاً،
فَإِذَا نَحْنُ وَجِدْناهُ لَمْ يَكْنُ لَنا مَناديلُ إلَّ أَكُفَّنا وسَواعِدَنا وَأَقْدامَنا، ثُمَّ نُصَلّي
ولا نَتَوضَّأُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١).
بالمحافظة على السنة وفيما هنا بسط زائد على ما ذكر ثمة وسبق حديث أنس في باب
التواضع.
٧٥٢ - (وعن سعيد بن الحارث) تقدمت ترجمته (أنه سأل جابراً) على تقدير القول قبله(٢)
أي: قال إنه سأل جابراً (رضي الله عنه عن الوضوء مما مست النار) من أكل ما مسته بخبز أو
طبخ أو شيء أو قلي (فقال لا) أي: لا وضوء، ثم بين مستنده في ذلك بقوله: (قد) للتحقيق
(كنا في زمن النبي ◌ََّ لا نجد مثل ذلك الطعام إلا قليلاً) وذلك لإِعراضهم في عصره وقل
عن حظوظ النفوس، واقتصارهم على أدائهم حقوقها (فإذا نحن وجدناه) من الوجود بضم
الواو ضد العدم (لم يكن لنا مناديل) نمسح بها وضر الطعام (إلا أكفنا وسواعدنا وأقدامنا)
استثناء منقطع، والأكف بفتح الهمزة وضم الكاف وبتشديد الفاء جمع كف وهي مؤنثة. قال
ابن الأنباري: وزعم من لا يوثق به أنها مذكرة، ولا يعرف تذكيرها عمن يوثق بعلمه. وأما
قولهم كف مخضب فعلى الكثرة قولهم ساعد مخضب، ويجمع في القلة على أكف كفلس
وأفلس، وفي الكثرة على كفوف كفلوس، وهي الراحة مع الأصابع سميت بذلك؛ لأنها
تكف الأذى عن البدن. والسواعد جمع ساعد وهو من الإِنسان ما بين المرفق والكف سمي
ساعداً لأنه يساعد الكف في بطشها وعملها. والأقدام جمع قدم وهي مؤنثة وهي معروفة
اهـ. ملخصاً من المصباح، والمعنى أن الصحابة كانوا يمسحون ما بقي في أصابعهم بعد
لعقها من لزوجة الطعام بما ذكر (ثم نصلي ولا نتوضأ) وهذا ناسخ لما جاء من الأمر بالوضوء
عند أكل ما مست النار (رواه البخاري) في الأطعمة، ورواه ابن ماجه في سننه اهـ.
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأطعمة، باب: المنديل (٥٠١/٩)
(٢) وقد تفتح الهمزة والإِعراب ظاهر. ع.

٢٣٩
٢ - كتاب: أدب الطعام
١١٠ - باب: في تكثير الأيدي على الطعام
٧٥٣ - عنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: ((طَعَامُ الاثْنْيْن
كافي الثَّلاثَةِ، وطَعامُ الثَّلاثَةِ كَافِي الْأَرْبَعَةِ)) مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ(١).
٧٥٤ - وعنْ جَابِرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ يقولُ: ((طَعَامُ
الْواحِدِ يَكْفي الاثْنَيْنِ، وطَعامُ الاثْنَيْنِ يَكْفِي الأَرْبَعَةَ، وطَعامُ الْأَرْبَعَةِ يَكْفي الثَّمانِيَةَ))
رَوَاهُ مُسْلِمٌ(٢).
باب تكثير الأيدي على الطعام
باب تكثير الأيدي على الطعام أي: ما جاء في الحديث مما فيه الإِيماء إلى طلب
ذلك .
٧٥٣ _ (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله وَلير: طعام الاثنين كافي
الثلاثة وطعام الثلاثة كافي الأربعة) قال ابن المهلب: المراد بهذا الحديث وما في معناه
الحض على المكارمة والتقنع بالكفاية، وليس المراد الحصر في مقدار المواساة، وأنه ينبغي
للاثنين إدخال ثالث بل ورابع أيضاً لا بحسب ما يحتسب من يحضر. ووقع عند الطبراني ما
يرشد إلى العلة في ذلك وأوله: ((كلوا جميعاً ولا تفرقوا طعام الواحد يكفي الاثنين)» فيؤخذ
منه أن الكفاية تنشأ عن بركة الاجتماع، وأن الجمع كلما كثر زادت البركة. قال ابن المنذر:
يؤخذ من الحديث استحباب الاجتماع على الطعام وألا يأكل وحده اهـ. (متفق عليه).
٧٥٤ - (وعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وسلم يقول: طعام الواحد يكفي
الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة وطعام الأربعة يكفي الثمانية رواه مسلم) وقد تقدم
الحديثان مع شرحهما وبيان من خرجهما زيادة على ما ذكره المصنف هنا في باب المواساة
والإِيثار، وروى الطبراني في حديث جابر لكن عن ابن عمر بلفظ: ((طعام الاثنين يكفي
الأربعة وطعام الأربعة يكفي الثمانية فاجتمعوا عليه ولا تفرقوا)) أورده السيوطي في الجامع
الصغير وتقدم في كلام الفتح الإِشارة إليه
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأطعمة، باب: طعام الواحد يكفي الاثنين (٤٦٧/٩)، سبق تخريجه.
وأخرجه مسلم في كتاب: الأشربة، باب: فضيلة المواساة في الطعام القليل ... (الحديث: ١٧٨)،
وأخرجه مالك (٩٢٨/٢)
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: الأشربة، باب: فضيلة المواساة في الطعام القليل.
(الحديث: ١٧٩).

٢٤٠
١١١ - باب: في آداب الشرب
١١١ - باب: في آداب الشرب، واستحباب التنفس ثلاثاً خارج الإِناء
وكراهة التنفس في الإناء، واستحباب إدارة
الإِناء على الأيمن؛ فَالأيمن بعد المبتدىء
٧٥٥ _ عنْ أَنَسِ رَضِيّ اللَّهُ عَنْهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرابِ
ثَلاثَاً. مُتَّفقٌ عَلَيه. يعني: يَتْنَفَّسُ خَارِجَ الإِنَاءِ(١).
باب آداب الشرب
بضم الشين المعجمة. وهو إدخال المائع الجوف (واستحباب التنفس ثلاثاً) لأن تركه
مع توارد الشرب وتصاعد البخار من المعدة مؤد إلى الشرقة. واستحباب التنفس ثلاثاً مذهب
الجمهور وإلا ففي فتح الباري قال الأثرم: اختلاف الروايات في هذا، أي: عدد التنفس دال
على الجواز وعلى اختيار الثلاث، واستدل به مالك على جواز الشرب بنفس واحد. وأخرج
ابن أبي شيبة الجواز عن سعيد بن المسيب، وقال عمر بن عبدالعزيز: إنما نهى عن التنفس
داخل الإِناء أما من لم يتنفس فإن شاء فليشرب بنفس واحد، وقد ورد الأمر بالشرب بنفس
واحد من حديث أبي قتادة مرفوعاً أخرجه الحاكم وهو محمول على التفصيل المذكور اهـ.
(خارج الإِناء) بأن يتنفس بعد فصله له عن فيه (وكراهة التنفس فيه) لئلا يخرج من فيه مع
النفس ما يتقذر به الشراب من نحو بلغم أو يبقى في الإِناء ريح كريه لذلك (واستحباب إدارة
الإِناء على الأيمن فالأيمن بعد المبتدىء) يؤخذ من قوله بعد المبتدىء أن التيامن بعده لا
ينظر إليه، وتقدم أنه ينبغي تقديم ذوي الفضل ثم ينظر إلى الأيمن منه والله تعالى أعلم.
٧٥٥ _ (عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله وَالر كان يتنفس في الشراب ثلاثاً. متفق عليه)
رواه البخاري في كتاب الأشربة من صحيحه بلفظ: ((كان أنس يتنفس في الإِناء مرتين أو
ثلاثاً) وزعم أن النبي ◌َّ كان يتنفس ثلاثاً، ورواه مسلم فيه وكذا رواه فيه الترمذي وقال
صحيح، ورواه النسائي في الوليمة، وابن ماجه في الأشربة، وقال النسائي: قال قتادة في
هذا الحديث خطأ اهـ. ملخصاً من الأطراف للمزي. (يعني يتنفس خارج الإِناء) أي: بعد
إبانة الإِناء عن فيه، وأراد بذلك الإِشارة إلى دفع التعارض بين هذا الحديث وحديث نهيه
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأشربة، باب: الشرب بنفسين أو ثلاثة (٨١/١٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: الأشربة، باب: كراهة التنفس في نفس الاناء ... (الحديث: ١٢٣).