النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ ١ - كتاب: الأدب وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ، وَمَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآَخِرِ فَلَيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ)) مُنَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). ٧٠٦ - وَعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ خُوَيْلِدِ بْنِ عَمْرِو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَل يَقُولُ: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ)) قَالُوا: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا فأوحي إليه الآن أكرمتهم، كذا في شرح ابن مالك على المشارق (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر) أعاد ذلك إيذاناً باستقلال جوابه في ترتبه على الشرط ترتب المسبب على السبب ولو لم يعدل احتمل ذلك واحتمل أن المرتب عليه مجموع الأمور الثلاث فدفع ذلك بذلك، كذلك (فليصل رحمه) وتقدم في باب صلة الأرحام؛ أن صلة الرحم مطلوبة وبعض خصالها واجب، وبعضها مندوب، فالأمر في ذلك كله إما من باب الجمع بين الحقيقة والمجاز عند من يرى جوازه، أو من باب عموم المجاز، بأن يراد به مطلق الطلب الشامل للنوعين (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر) كذلك واليوم الآخر هو يوم القيامة، وقيل له ذلك؛ لأنه لا يوم بعده وذكر في الجمل الثلاث لأنه حين المجازاة فذكره باعث على الإِكثار من عمل البر زاجر عن الكف عن ذلك وكأن التارك لشيء من هذه الخصال غير مؤمن بما ذكر فيه (فليقل خيراً) من أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو كلمة طيبة (أو ليصمت متفق عليه). ٧٠٦ - (وعن أبي شريح) بضم المعجمة وفتح الراء وسكون التحتية بعدها مهملة (خويلد) بضم المعجمة وسكون التحتية، مصغر خالد (ابن عمرو رضي الله عنه) الخزاعي الكعبي العدوي حلفاً، وقيل: اسمه عبدالرحمن بن عمرو، وقيل هانىء، وقيل: كعب، شهد رضي الله عنه فتح مكة مسلماً وكان يومئذ حاملاً أحد ألوية بني كعب، خرج له الجماعة، روي له عن رسول الله وَلثر عشرون حديثاً، أخرج منها الشيخان ثلاثة اتفقا على حديثين وانفرد البخاري بالثالث، روى عنه نافع بن جبير والمقبري. مات بالمدينة سنة ثمان وستين (قال سمعت رسول الله وَل# يقول من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته) بالنصب بدل اشتمال، أي: فليكرم جائزة ضيفه (قالوا: يا رسول الله وما جائزته قال يومه وليلته) لفظ رواية البخاري في الأدب من صحيحه: ((فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة)) وقد روى ذلك فيه مرفوعاً ومنصوباً، وعنده في الرقاق: ((قيل وما جائزته)) الحديث. لكن ليس فيه ذكر الجار، أما هنا فمرفوع خبر لمحذوف دل عليه ذكره في السؤال، أي: جائزته إكرام يومه (١) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: من كان يؤمن ... الخ (٣٧٣/١٠) و(٤٤٢). وأخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: الحث على إكرام الجار والضيف ... (الحديث: ٧٥). ١٨٢ ٩٥ - باب: في استحباب التبشير رَسُوْلَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((يَوْمُهُ ولَيْلَتُهُ، وَالضِّيافَةُ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. وفي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : ((وَلَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ أَخِيْهِ حَتَّى يُؤَثِّمَهُ)) قَالُوا يَا رَسُوْلَ اللَّهِ وَكَيْفَ يُؤْثِمُهُ؟ قَالَ: ((يُقِيْمُ عِنْدَهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ يُقْرِيْهِ بِهِ))(١) ٩٥ - باب: في استحباب التبشير والتهنئة بالخير قَالَ اللَّهُ تَعَالَى(٢): ﴿ فَبَشِّرْ عِبَادِ . وليلته (والضيافة ثلاثة أيام) واختلف هل الجائزة منها أو زائدة عليها، فإن كانت منها قدر كما ذكر، وإلا قدر جائزته زيادة يومه وليلته على أيام الضيافة الثلاثة أشار إليه البدر الدماميني في مصابيحه، لكن قوله: (وما كان وراء ذلك) أي: زيادة عليه (فهو صدقة) يؤيد أنها منها. وقد قال العلماء: المطلوب من المضيف أن يبالغ في إكرام الضيف اليوم الأول وليلته، وفي باقي اليومين يأتي له بما يتيسر من الإكرام غير مبالغ فيهما كاليوم الأول والله أعلم. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الأدب من صحيحه، وأخرجه مسلم في الأحكام، ورواه أبو داود في الأطعمة، والترمذي في البر وقال: حسن صحيح، والنسائي فيه وفي الرقاق، وابن ماجه في الأدب اهـ. ملخصاً من الأطراف للمزي (وفي رواية لمسلم ولا يحل) أي: يجوز (لمسلم) التنكير فيه للتعميم (أن يقيم عند أخيه) لا يخفى ما في التعبير بأخيه من الحث على النظر إلى حاله والتخفيف عنه؛ فإن ذلك شأن الأخوة (حتى يؤثمه) أي: إلى أن يوقعه في الإِثم (قالوا: يا رسول الله وكيف يؤثمه) أي: يوقعه فيه (قال يقيم عنده ولا شيء له يقربه به) فيؤدي ذلك إلى الوقيعة فيه واغتيابه، وإلى الاستدانة المفضية إلى الكذب وخلف الوعد، كما في حديث: ((يا رسول الله ما أكثر ما تستعيذ به من المغرم فقال إن الرجل إذا غرم وعد فأخلف وحدث فكذب)). باب استحباب التبشير أي: الأخبار بما يسر المخبر، سمي بذلك لما يبدو على بشرة المخبر من الحبور والسرور (والتهنئة بالخير) ذلك لما فيه من التواد والتحاب. (قال الله تعالى: (فبشر) يا محمد (١) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: إكرام الضيف وخدمته إياه بنفسه (٣٧٣/١٠، ٤٤٢). أخرجه مسلم في كتاب: اللقطة، باب: الضيافة ونحوها، (الحديث: ١٤ - ١٥). (٢) سورة الزمر، الآيتان: ١٧، ١٨. ١٨٣ ١ - كتاب: الأدب الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَتَبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى (٣): ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى (٣): ﴿فَبَشِّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾. وَقَالَ تَعَالَى (٤): ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلْنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ . وَقَالَ تَعَالَى (٥): ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشِّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ (عبادي) المشرفون بشرف نسبة العبودية إليّ. وقوله: (الذين يستمعون القول) أي: القرآن (فيتبعون أحسنه) كالعفو عن نصف الصداق المخير الزوج بينه وبين أخذه، وكالعفو عن المعسر المخير الدائن بينه وبين إنظار المدين. وحذف المبشر به ليعم ويذهب الوهم كل مذهب، وفضل الله أعلى وأوعب (وقال تعالى: يبشرهم ربهم) لا يخفى لطافة التعبير به، أي: الذي رباهم بسابق عنايته بهم حتى أوصلهم لما سبق لهم في علمه (برحمة) عظيمة جليلة كما يؤذن به قوله: (منه) فإن الذي من العظيم عظيم (ورضوان) وهو كواسطة العقد، قال تعالى: ﴿ورضوان من الله أكبر﴾ (٦) فناسب توسيطه بين قلائد الصلات (وجنات) والتنوين فيه كهو في رحمة، وقوله: (لهم فيها نعيم مقيم) جملة إسمية في محل الصفة لها واحد الظرفين؛ خبر مقدم للاهتمام، والثاني في محل الحال (وقال تعالى) حكاية عن تبشير الملائكة لخواص المؤمنين يوم القيامة (وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون) أي: على لسان أنبيائكم (وقال تعالى: فبشرناه بغلام حليم) الأكثر أنه إسماعيل، وقيل: إسحاق (وقال تعالى: ولقد جاءت رسلنا) الملائكة (إبراهيم بالبشرى) ببشارة الولد، وبه يظهر حكمة قران الكلمة لها (٧) بما قبلها، أو بشارة بهلاك قوم لوط (وقال تعالى: وامرأته) أي: سارة امرأة إبراهيم (قائمة) وراء الستر، أو قائمة بخدمة الضيف (فضحكت) سروراً بالأمن (٨)، أو (١) سورة التوبة، الآية: ٢١ . (٢) سورة فُصِّلَت، الآية: ٣٠. (٣) سورة الصافّات، الآية: ١٠١. (٤) سورة هود، الآية: ٦٩. (٥) سورة هود، الآية: ٧١. (٦) سورة التوبة، الآية: ٧٢ . (٧) لعل لفظ (لها) من زيادة النساخ. ع. (٨) لعله بالأمر. ع. ١٨٤ ٩٥ - باب: في استحباب التبشير إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾. وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ الآية . والآيَاتُ فِي الْبَابِ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ. وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ فَكَثِيرَةٌ جِدًّا وَهِيَ مَشْهُورَةٌ فِي الصَّحِيحِ . مِنْهَا: تعجباً. وقالت: لأضيافنا(٣) نخدمهم بأنفسنا تكرمة وهم لا يأكلون طعاماً أو تعجباً من خوف إبراهيم من رجال قلائل وهو بين خدمه وحشمه، أو ضحكت بمعنى حاضت؛ فإن الضحك من أسماء الحيض العشرة التي نظمتها في قولي : للحيض عشرة أسماء لنا وردت طمس وطمث وأعصار وإكبار حيض نفاس فراك ثم يا جار ضحك دراس عراك بعد ذاك أتى (فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب. وقال تعالى: فنادته) أي: زكريا (الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب) الجملة حال من مفعول نادى، والظرف حال من فاعل يصلي، وسمي محل الصلاة محرابً؛ لأن المصلي يحارب فيه الشيطان (إن الله) بكسر الهمزة بإضمار قائلين، وبفتحها من غير إضمار، وقرىء بهما (يبشرك بيحيى) اسم أعجمي على صورة المنقول من مضارع حيى (وقال تعالى: إذ قالت الملائكة) أي: اذكر وقت قولها: (يا مريم إن الله يبشرك بكلمة) سمي كلمة لأنه صدر عن كلمة كن من غير ذكر. وقوله: (منه) إيماءً إلى تعظيم عيسى وتفخيم شأنه كما ذكرناه قريباً (الآية والآيات في الباب كثيرة معلومة) وكل ما أورده منها شاهد في شطر الترجمة الأولى (وأما الأحاديث فكثيرة جداً) بكسر الجيم، أي: نهاية في الكثرة (وهي مشهورة في) كتب (الصحيح) التي أصحها الصحيحان منها. (١) سورة آل عمران، الآية: ٣٩. (٢) سورة آل عمران، الآية: ٤٥. (٣) لعله (عجباً لأضيافنا) ع. ١٨٥ ١ - كتاب: الأدب ٧٠٧ - عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَيُقَالُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَيُقَالُ أَبُو مُعَاوِيَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهَ بَشِّرَ خَدِيجَةٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ، وَلَ نَصَبَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ((الْقَصَبُ)) هُنا: اللُّؤْلُؤُ الْمُجَوَّفُ. وَ((الصَّخَبُ)): الصِّياحُ وَاللَّغَطُ. وَ((النَّصَبُ)): التَّعَبُ(١). ٧٠٨ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ خَرَجَ ٧٠٧ - (عن أبي إبراهيم) وعليه اقتصر المصنف في باب الصبر (ويقال) فيه (أبو محمد ويقال: أبو معاوية عبدالله بن أبي أوفى) تقدمت ترجمته في الباب المذكور، وهو ووالده صحابيان (رضي الله عنهما أن رسول الله وَلّر بشر خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها ببيت) أي: عظيم، وقد جاء في مسلم بقصر (في الجنة من قصب) الظرف الأخير محتمل للحالية لتخصيص النكرة بالظرف قبله، وللوصفية لنكارته. (لا صخب) بفتح الصاد المهملة، والخاء المعجمة، وبالباء الموحدة (فيه) خبر لا (ولا نصب) وهو بالفتح فيهما، وكأن الرواية فيه كذلك، وإلا فيجوز فيه من الأوجه الخمسة ما يجوز في لا حول ولا قوة إلا بالله (متفق عليه) رواه البخاري في فضل خديجة، ومسلم في الفضائل، ورواه النسائي في المناقب (القصب) بفتح القاف والصاد المهملة بعدها موحدة (هنا) أي: في هذا الحديث وما شابهه (اللؤلؤ المجوف) زاد في النهاية: الواسع كالقصر المنيف، والقصب من الجوهر ما استطال منه في تجويف. وفي التوشيح للسيوطي: في الطبراني: ((عن فاطمة قلت: يا رسول الله أين أمي، قال: في بيت من قصب، قلت: أمن هذا القصب، قال: لا من القصب المنظوم بالدر واللؤلؤ والياقوت)) (الصخب) بالصاد المهملة، وإبدالها سيناً لغة، وبالخاء المعجمة المفتوحتين (الصياح واللغط) وهو مصدر صخب من باب تعب، قاله في المصباح (والنصب) مصدر نصب بفتح النون وكسر المهملة (التعب) ونفى التعب عن الجنة؛ لأنها ليست دار تكليف وأعمال، وإنما هي منزل تشريف وإجلال. ٧٠٨ - (وعن أبي موسى الأشعري) تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب الإِخلاص (أنه توضأ في بيته) يحتمل أن يكون لإرادة الصلاة، أو ليكون على طهارة ( ثم خرج فقال: (١) أخرجه البخاري في كتاب: فضائل الصحابة، باب: تزويج النبي ﴿ خديجة وفضلها (١٠٤/٧). وأخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، (الحديث: ٧٢). ١٨٦ ٩٥ - باب: في استحباب التبشير فَقَالَ: لَألْزَمَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، وَلَأَكُونَنَّ مَعَهُ يَوْمِي هَذَا. فَجَاءَ الْمَسْجِدَ فَسَأَلَ عَنٍ النَّبِيِّ وَهُ فَقَالُوا: وَجَّهَ هَهُنَا. قَالَ: فَخَرَجْتُ عَلَى أَثَرِهِ أَسْأَلُ عَنْهُ حَتَّى دَخَلَ بِثْرَ أَرِيسٍ، قَالَ: فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ وَبَابُهَا مِنْ جَرِيدٍ حَتَّى قَضِى رَسُولُ اللّهِ وَ حَاجَتَهُ وَتَوَضَّأَ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ جَلَسَ عَلَى بِثْرِ أَرِيسٍ، وَتَوَسَّطَ قُقَّهَا وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ وَدَلَّهُمَا فِي الْبِْرِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ انْصَرَفْتُ فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ. فَقُلْتُ: لَأكُونَنَّ بَوَّابَ رَسُولِ اللّهِ وَ﴿ِ الْيَوْمَ، لألزمن رسول الله ( 18 ولأكونن معه يومي هذا) الإشارة إليه للتعميم أي: لا أكتفي، ببعضه عن باقيه (فجاء المسجد فسأل عن رسول الله (َ ل﴿ فقالوا وجه) بفتح الواو وتشديد الجيم، أي: توجه كما سيأتي في الأصل، أو وجه نفسه (ها هنا قال فخرجت على أثره) بفتح الهمزة والمثلثة وبكسر فسكون، أي: تبعته عن قرب. وجملة (أسأل عنه) حال إما من فاعل فخرج فتكون مترادفة، أو من الظرف فتكون متداخلة (حتى دخل بئر أريس) أي: الحائط الذي هي فيه، وسيأتي ضبطه في الأصل (فجلست عند الباب حتى) أي: إلى أن (قضى رسول الله وَليل حاجته) أي: حاجة الإِنسان من البول أو الغائط (وتوضأ فقمت إليه) أي: متوجهاً إليه (فإذا) فجائيه (هو) مبتدأ خبره (قد جلس على بئر أريس) وأظهر لزيادة البيان (وتوسط قفها) سيأتي ضبطه، ومعناه: أي: الركية التي تجعل على حول البئر (وكشف عن ساقيه) تثنية ساق، وهي ما بين الركبة والقدم، وهي مؤنثة تصغيرها سويقة قاله في المصباح (ودلاهما) أي : الساقين (في البئر فسلمت عليه ثم انصرفت) المعطوف عليه محذوف، أي: فسلم عليّ ثم انصرفت (فجلست عند الباب فقلت: لأكونن بواباً للنبي وَّر اليوم) قال في فتح الباري: ظاهره أنه اختار ذلك وفعله من نفسه وقد صرح به في رواية للبخاري في الأدب فزاد قوله : ((ولم يأمرني بذلك)) قال ابن التين: فيه أن المرء يكون بواباً للإِمام، وإن لم يأمره كذا قال، ووقع في رواية للبخاري في مناقب عثمان من طريق آخر فقال: ((يا أبا موسى أملك عليّ الباب)) أخرجه أبو عوانة في صحيحه، والروياني في مسنده، وفي رواية الترمذي: ((فقال لي يا أبا موسى أملك علي الباب فلا يدخلن علي أحد)» فيجمع بينهما بأنه لما حدث نفسه بذلك صادف أمر النبي ◌َّ له بحفظ الباب عليه، وأما قوله: ((ولم يأمرني)) يريد أنه لم يستمر بواباً وإنما أمره بذلك قدر ما قضى حاجته وتوضأ، ثم استمر هو من قبل نفسه فبطل استدلال ابن التين به. وجاء عند أبي داود عن نافع بن عبدالخزاعي قال: ((دخل النبي وَّه وسلم حائطاً من حوائط المدينة فقال لبلال أمسك علي الباب فجاء أبو بكر يستأذن)) فذكر نحو حديث ١٨٧ ١ - كتاب: الأدب فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَدَفَعَ الْبَابَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ. فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ؟ فَقَالَ: الْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ)) فَأَقْبَلْتُ حَتَّى قُلْتُ لِبِي بَكْرٍ: ادْخُلْ وَرَسُولُ اللَّهِ يُبَشِّرُكَ بِالْجَنَّةِ. قَالَ: فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ النّبِيِّ ◌َهِ مَعَهُ فِي الْقُفِّ وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فِي الِْثْرِ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ. ثُمَّ رَجَعْتُ فَجَلَسْتُ وَقَدْ تَرَكْتُ أَخِ يَتَوَضَّأُ وَيَلْحَقُنِي، فَقُلْتُ: إِنْ يُرِدِ اللَّهُ الباب، وأخرجه الطبراني في الأوسط من حديث أبي سعيد. قال الحافظ: فإن صح حمل على التعدد، قال: ثم ظهر لي وهم من بعض رواته، وأن النسائي أخرج الحديث عن نافع عن أبي موسى وهو الصواب فرجع الحديث إلى أبي موسى واتحدت القصة اهـ. ولا ينافي هذا قول أنس لم يكن له بواب؛ لأن مراده لم يكن بواب مرتب لذلك على الدوام (فجاء أبو بكر رضي الله عنه) يحتمل أنه علم كون النبي ◌ّهر ثمة باستخبار كأبي موسى أو بإخبار سابق منه وَ لّر، أو كان ذلك أمراً اتفاقياً (فدفع الباب فقلت من هذا فقال أبو بكر) أي: أنا أبو بكر. ففيه استحباب تصريح المستأذن باسمه إذا سئل منه تعيين نفسه(١) (فقلت على رسلك) بكسر الراء وسكون السين المهملة، أي: هينتك (ثم ذهبت) أي: فوقفت ثم ذهبت (إلى رسول الله وَليل فقلت: يا رسول الله هذا أبو بكر يستأذن) جملة مستأنفة، أو حالية، أو خبر بعد خبر (فقال ائذن له وبشره بالجنة فأقبلت حتى قلت لأبي بكر ادخل ورسول الله الفقه يبشرك بالجنة) فيه حسن ثمرة لزوم الأدب، زاد البخاري في رواية ((فحمد الله)) وكذا قال في حق عمر، فدخل أبو بكر وسار (حتى جلس عن يمين النبي ويّة) لأنها أشرف الجهات (معه) في محل الحال من ضمير جلس، وكذا (في القف) ويحتمل أن أحدهما ظرف لغو في القف (٢) (ودلى) أي: أرخى (رجليه في البئر كما صنع النبي ◌َّ وكشف عن ساقيه) كأنه فعل ذلك ليبقى النبي ◌ّلل على ما هو عليه من تلك الجلسة المرتاح هو بها، إذ لو لم يفعل ذلك لربما ترك النبي # ما كان عليه منها فأثر بفعله ذلك ما هو من إسقاط الكلفة ما فيه راحة المصطفى ◌َّ (ثم) لعل الإِتيان بها لطول مقام أبي موسى ناظراً في فعل الصديق وما يقول وما يقال، ويحتمل أنها مستعارة للفاء، أي: (فرجعت فجلست وقد تركت أخي) كان أبو رهم وأبو بردة، قيل: وآخر اسمه محمد؛ وأشهرهم أبو بردة واسمه عامر (يتوضأ ويلحقني (١) كذا، ولعل العبارة: ((إذا سئل وتعیین نفسه)). ع. (٢) (في القف) لعلهما من زيادة النساخ. ع. ١٨٨ ٩٥ - باب: في استحباب التبشير بِفُلانٍ (يُرِيدُ أَخَاهُ) خَيْرَاً يَأْتِ بِهِ. فَإِذَا إِنْسانٌ يُحَرِّكُ الْبَابَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ، ثُمَّ جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَقُلْتُ: هَذَا عُمَرُ يَسْتَأْذِنُ. فَقَالَ: ((اثْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ)) فَجِئْتُ عُمَرَ فَقُلْتُ: أَذِنَ، وَيُبَشِّرُكَ رَسُولُ اللَّهِلَهَ بِالْجَنَّةِ، قَالَ: فَدَخَلَ فَجَلَسَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ فِي الْقُفِّ عَنْ يَسَارِهِ وَدَلّى رِجْلَيْهِ فِي الْبِثْرِ، ثُمَّ رَجَعْتُ فقلت إن يرد الله بفلان) كناية عن المبهم من أعلام العقلاء، وقد تستعمل في غيرهم مجازاً، ولذا قال: (يعني أخاه خيراً يأت به) ليغنم التمتع بالحضور بين يدي المصطفى وصل في الخلوة، ولعله أن يبشر بالجنة كما بشر من قبله (فإذا إنسان يحرك الباب) على سبيل الاستئذان، وفيه حسن الأدب في الاستئذان، وأما قول ابن التين: لعله كان قبل الاستئذان فقال الحافظ في الفتح أنه بعيد، لأنه جاء في رواية البخاري عن أبي موسى بلفظ: ((فجاء رجل فاستأذن)) فعرف أنه حركة مستأذن، لا دافعاً ليدخل بغير إذن (فقلت من هذا فقال عمر بن الخطاب) فيه أنه إذا كان لا يحصل بيان المستأذن إلا بالزيادة على اسمه ذكر ما يحصل به رفع الإِبهام (فقلت على رسلك) متعلق بمحذوف دل عليه الحال، أي: قف حال كونك على هينتك (ثم جئت) عبر به بدل قوله أولا ذهبت تفنناً في التعبير (إلى رسول الله وال وقلت هذا عمر) استغنى عن نسبته لعلمه بما يدل على تعينه عند المصطفى بمجرد ذكر اسمه من قرائن الأحوال التي منها وجود قرينه وهو الصديق (يستأذن فقال ائذن له وبشره بالجنة) مبادرة لإدخال السرور عليه، وإلا فذلك حاصل من تأخيره وتبشيره بصّر، وفيه قبول خبر الواحد، وفيه جواز العمل بالظن مع القدرة على اليقين (فجئت عمر) أظهر، والمقام للضمير، ولعله استلذاذاً بذكره لمحبته له (فقلت إذن) بالبناء للفاعل(١) (ويبشرك رسول الله ( بالجنة) لعل حكمة العدول مع ما فيه من التفنن في التعبير الإِشارة إلى علو مقام الأول، لأن الجملة الإِسمية المخبر عنها بالفعلية تدل على الدوام والاستمرار نظراً لصدرها وعلى التجدد والحدوث نظراً لعجزها. والجملة الفعلية المحضة لا دلالة فيها على الدوام والاستمرار، فناسب علو مقام الصديق على مقام عمر رضي الله عنهما أن تكون البشارة للصديق بجملة أبلغ من البشارة لعمر والله أعلم. (فدخل فجلس مع رسول الله وَلهم في القف عن يساره) بفتح التحتية وتخفيف السين، أي: شماله (ودلى رجليه) عبر بهما بدل ساقيه تفنناً في التعبير؛ لأن تدلية كل من الأمرين مستلزم لتدلية الآخر (في البئر ثم رجعت (١) في نسخ المتن المجرد (ادخل) بدل (ذن). ع. ١٨٩ ١ - كتاب: الأدب فَجَلَسْتُ فَقُلْتُ: إِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِفُلانٍ خَيْراً (يَعْنِي أَخَاهُ) يَأْتِ بِهِ، فَجَاءَ إِنْسَانْ فَحَرَّكَ الْبَابَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ وَجِئْتُ النَّبِّينَ﴿ وَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ((الْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ، مَعَ بَلْوَى تُصِيبُهُ)) قَالَ فَجِئْتُ فَقُلْتُ: ادْخُلْ وَيُبَشِّرُكَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَ بِالْجَنَّةِ مَعَ بَلْوَى تُصِيبُكَ، قَالَ فَدَخَلَ فَوَجَدَ الْقُفَّ قَدْ مُلِىءَ فَجَلَسَ وِجَاهَهُمْ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ. قَالَ شُرَيْكٌ فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: فَأَوَّلْتُهَا قُبُورَهُمْ. مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. وَزَادَ في رِوَايَةٍ: ((وَأَمَرَنِي رَسُولُ اللّهِ وَ بِحِفْظِ الْبَابِ. وَفِيهَا أَنَّ عُثْمَانَ حِينَ بَشَّرَهُ حَمِدَ فقلت إن يرد الله بفلان خيراً يعني أخاه يأت به فجاء إنسان فحرك الباب) مستأذناً (فقلت: من هذا فقال: عثمان بن عفان فقلت: على رسلك وجئت النبي ◌َّر وأخبرته) أبدل العاطف ففي الأولين ثم، وهنا الواو. وعمل الفعل ففي الأولين جاء به قاصراً بمعنى حضرت، وفي الأخير متعدياً بمعنى أتيت. وحكاية إخباره ففي الأولين يبيّن تفصيل ما وقع، وفي الثالث أجمل. وكل ذلك من بلاغته وتفننه في التعبير (فقال ائذن له) جاء في رواية البخاري ((فسكت هنيئة ثم قال: ائذن له)) (وبشره بالجنة مع بلوى) هي اسم مصدر كالبلية والبلاء، قاله في المصباح. (تصيبه فجئت فقلت ادخل ويبشرك رسول الله وير بالجنة مع بلوى تصيبك) زاد في رواية للبخاري: ((فحمد الله ثم قال الله المستعان)». وفي رواية عند أحمد ((فجعل يقول اللهم صبراً حتى جلس)) ووقه في رواية: ((فدخل وهو يحمد الله ويقول: اللهم صبراً)) (فدخل فوجد القف قد ملىء فجلس وجاههم) بضم الواو وكسرها وتبدل تاء جوازاً فيقال: تجاه، أي: في محل مواجهتهم، وعند البخاري في باب مناقب عثمان: ((وأمرني رسول الله ﴿ بحفظ الباب)) (من الشق الآخر) من البئر المقابل لقفها. زاد في البخاري: قال سعيد بن المسيب: فأولتها قبورهم. قال الحافظ: فيه وقوع التأويل في اليقظة، وهو الذي يسمى الفراسة، والمراد اجتماع الصاحبين مع النبي ◌ّر في الدفن وانفراد عثمان عنهم في البقيع. وجاء في رواية أخرى: قال فأولت ذلك انتباذ قبره من قبورهم (متفق عليه) أخرجه البخاري في الفضائل وفي الفتن، ومسلم في الفضائل، وأخرجه النسائي(١) في المناقب وقال: حسن صحيح، وأخرجه النسائي (وزاد) أبو موسى (في رواية) عند البخاري في باب مناقب عثمان (وأمرني رسول الله وير بحفظ الباب) وتقدم أن عنده أيضاً فقال: ((يا (١) قوله: (النسائي في المناقب) لعله ((الترمذي في المناقب). ع. ١٩٠ ٩٥ - باب: في استحباب التبشير اللَّهَ تَعَالَى، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. قَوْلُهُ: ((وَجَّهَ)) بِفَتْحِ الوَاوِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ : أَيْ تَوَجَّهَ. وَقَوْلُهُ ((بِثْرَ أَرِيسٍ)) هُوَ بِفَتْحِ الهمزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَبَعْدَهَا يَاءٌ مثناةٌ مِنْ تَحْتُ سَاكِنَةٌ ثُمَّسِيْنٌ مُهْمَلَةٌ، وَهُوَ مَصْرُوْفٌ. ومنهم من منع صرفه. و((القُفُّ)): بِضم القَافِ وَتَشْدِيْدِ الفَاءِ وَهُوَ: المَبْنِي حَوْلَ الِثْرِ. قَولُهُ: ((عَلَى رِسْلِكَ)) بِكَسْرِ الرَّاءِ عَلَى المشهورِ وَقِيْلَ بِفَتْحِهَا: أَيْ ارْفُقْ(١). أبا موسى أملك عليّ الباب)). وتقدم الجمع بين ما ورد في ذلك من الروايات، وأنه ليس من مختلف الحديث كما توهمه الداودي فيما نقله عنه ابن التين، قال الحافظ: وكأنه خفي عليه وجه الجمع الذي قررته (وفيها) أي: تلك الرواية، وظاهر أن ذلك في المذكورة في باب فضل عثمان، والذي رأيته أنها في رواية أخرى مذكورة في باب مناقب عمر وليس فيها أنه أمر بحفظ الباب (أن عثمان حين بشره حمد الله ثم قال: الله المستعان قوله وجه بفتح الواو وتشديد الجيم، أي: توجه) مثل قدم بمعنى تقدم في قوله تعالى: ﴿لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾ (٢) وهذا أحد وجهين، فيكون الفعل قاصراً وتقدم وجه آخر (وقوله بئر) بالهمز ويجوز تخفيفها (أريس هو بفتح الهمزة) وكسر الراء بعدها مثناة تحت ساكنة ثم سين مهملة) قال في فتح الباري: هو بستان معروف بالقرب من قباء، وفي بئرها سقط خاتم النبي 18 من إصبع عثمان (وهو مصروف) بإرادة المكان (ومنهم) أي: النحاة (من منع صرفه) على إرادة البقعة. وظاهر كلامه أن الصرف كالمتفق عليه وأن المنع منه للبعض، لكن عبارة الحافظ في الفتح وهي: يجوز فيهما الصرف وعدمه تقتضي تساوي الوجهين (والقف بضم القاف وتشديد الفاء هو المبنى حول البئر) قال في الفتح : هو الركية التي حول البئر، وأصله ما غلظ من الأرض وارتفع، والجمع قفاف (قوله) أي: أبي موسى لكل من المستأذنين (على رسلك بكسر الراء على المشهور) وعليه اقتصر في النهاية، ونقله عن الجوهري (وقيل بالفتح، أي: ارفق) أي: إن أريد به ارفق بنفسك فيكون بفتح الراء، أما بمعنى التؤدة والهيئة فهو بالكسر وهو المشهور، وقد ذكر ذلك كذلك في المطالع والله أعلم. (١) أخرجه البخاري في كتاب: فضائل الصحابة، باب: قول النبي ول لو كنت متخذاً خليلاً والفتن، باب: الفتنة التي تموج كما يموج البحر وغير ذلك (٣٠/٧، ٣١). وأخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل عثمان بن عفان رضي الله عنه (الحديث: ٢٩). (٢) سورة الحجرات، الآية: ١ . ١٩١ ١ - كتاب: الأدب ٧٠٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنَّا قُعُوداً حَوْلَ رَسُولِ اللَّهَِ مَعَنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي نَفَرٍ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا، وَخَشِيَنَا أَنْ يُقْتَطَعَ دونَا وَفَزِعْنا فَقُمْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي رَسُولَ اللَّهِ وَِّ حَتَّى أَتَيْتُ حَائِطَاً لِلَّأَنْصَارِ لِبَنِي النَّجَّارِ فَدُرْتُ بِهِ هَلْ أَجِدُ لَهُ بَابَاً فَلَمْ أَجِدْ، فَإِذَا رَبِيعٌ يَدْخُلُ فِي جَوْفٍ حَائِطٍ مِنْ بِثْرٍ خَارِجَةٍ (وَالرَّبِيعُ: الْجَدْوَلُ) ٧٠٩ - (وعن أبي هريرة) تقدم حديثه هذا (رضي الله عنه) في باب الرجاء (قال: كنا قعوداً) جمع قاعد (حول رسول الله وَلا) قال المصنف: قال أهل اللغة يقال قعدنا حوله وحواليه وحواله بفتح اللام في جميعها، أي: على جانبه. ولا يقال حواليه بكسر اللام (معنا) بفتح العين على اللغة المشهورة، ويجوز تسكينها في لغة حكاها صاحب المحكم والجوهري وغيرهما وهي للمصاحبة، أي: في جملتنا أيها القاعدون (أبو بكر وعمر) وخصًا (رضي الله عنهما) لفضلهما على باقي الصحابة (في نفر) الظرفان يحتمل أن يكونا لغوين متعلقين بكان بناء على الصحيح من أن للأفعال الناقصة مصادر، وأن يكونا في محل الحال، إما متداخلين أو مترادفين. والنفر بفتح النون والفاء جماعة الرجال من ثلاثة إلى عشرة، وقيل إلى سبعة، ولا يقال فيما زاد على العشرة (فقام رسول الله وَّ من بين أظهرنا) قال المصنف: هكذا هو هنا وفي الموضع الآتي وأظهرنا بالجمع. قال: ووقع الثاني في بعض الأصول ظهرينا وكلاهما صحيح ((قلت)) وهو الذي أورده المصنف فيما يأتي: قال أهل اللغة: يقال بين أظهركم وظهريكم وظهرانيكم بفتح النون، أي: بينكم (فأبطأ علينا وخشينا أن يقتطع) بالبناء للمفعول (دوننا) أي: أن يصاب بمكروه من عدو إما بإسراع أو غيره (وفزعنا فقمنا فكنت أول من فزع) قال القاضي عياض: الفزع يكون بمعنى الروع وبمعنى الهيوب للشيء والاهتمام به، وبمعنى العناية، قال: فيصح هنا هذه المعاني الثلاثة، أي: ذعرنا لاحتباسه عنا؛ ألا تراه كيف قال: ((وخشينا أن يقتطع دوننا)) ويدل على الوجهين الآخرين قوله: فكنت أول من فزع (فخرجت أبتغي) أي: أطلب (رسول الله وَ لَّ) أي: فسرت (حتى أتيت حائطاً) أي: بستاناً وسمي بذلك لأنه حائط لا سقف له (للأنصار) تقدم أنه علم بالغلبة على أولاد الأوس والخزرج. وقوله: (لبني النجار) بدل منه بإعادة الجار (فدرت به هل أجد له باباً) أي: متطلباً الوقوف على بابه (فلم أجد) أي: باباً، وحذف لدلالة ما قبله عليه (فإذا ربيع) بفتح الراء وكسر الموحدة، قال المصنف: على لفظ الربيع الفصل المعروف وجمعه أربعاء كنبي وأنبياء، ويأتي أنه النهر الصغير (يدخل في جوف حائط) أي: ١٩٢ ٩٥ - باب: في استحباب التبشير فَاحْتَفَرْتُ كَمَا يَحْتَفِرُ الثَّعْلَبُ فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِهِ، فَقَالَ: ((أَبُو هُزَيْرَةَ؟)) فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ((مَا شَأْنُكَ؟)) قُلْتُ: كُنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا فَقُمْتَ فَأَبْطَأْتَ عَلَيْنَا فَخَشِينَا أَنْ تُقْتَطَعَ دونَنَا فَفَزِعْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ فَأَتَيْتُ هَذَا الْحَائِطَ فَاحْتَفَرْتُ كَمَا يَحْتَفِرُ الثَّعْلَبُ وَهَؤلاءِ النَّاسُ وَرَائِي، فَقَالَ: ((يَا أَبَا هُرَيْرَةً)) وَأَعْطَانِي بستان، وإسناد الدخول إلى الربيع مجازي، فالداخل ماؤه مثل قولهم: نهر جار (من بئر خارجة) قال المصنف: هكذا ضبطناه بتنوين بئر وخارجة، على أن خارجة صفة بئر، وكذا نقله ابن الصلاح عن أصل الحافظ أبي عامر العبدري، والأصل مأخوذ عن الجارودي. وذكر الحافظ أبو موسى الأصبهاني؛ أنه روي على ثلاثة أوجه أحدها هذا، والثاني بتنوين بئر وإضافة خارجة إلى ضمير الحائط، والثالث إضافة بئر إلى خارجة بالهاء في آخره اسم رجل. قال المصنف: والوجه الأول هو المشهور، خلافاً لصاحب التحرير في قوله: إن الصحيح الوجه الثالث، قال: والأول تصحيف، قال: والبئر يعنون بها البستان، قال: وكثيراً ما يفعلون هذا يسمون البستان بالآبار التي فيها، فيقولون بئر أريس، وبئر حاء، وبئر بضاعة، وكلها بساتين اهـ. قال المصنف: وأكثره أو كله لا نوافق عليه. (والربيع الجدول) جملة معترضة مفسرة يحتمل أن تكون من كلام أبي هريرة من جملة الحديث، وهو ظاهر كلام المصنف الآتي، ويحتمل أن تكون مدرجة فيه. والجدول فعول هو النهر الصغير، قاله في المصباح (فاحتفزت) روي بالزاي وبالراء، قال القاضي عياض: رواه عامة شيوخنا بالراء، قال: وسمعناه بالزاي من طريق أخرى وهو الصواب، ومعناه: تضاممت ليسعني المدخل، وكذا قال ابن الصلاح؛ وأنه بالراء في الأصل الذي بخط أبي عامر العبدري، وفي الأصل المأخوذ عن الجارودي، وأنها رواية الأكثر، وأن رواية الزاي أقرب من حيث المعنى ويدل عليه تشبيهه بفعل الثعلب وهو تضامه في المضايق، وأنكر صاحب التحرير الزاي وخطأ رواتها واختار الراء، وليس اختياره بمختار (فدخلت على رسول الله وَليل فقال أبو هريرة) أي: أنت أبو هريرة (قلت: نعم يا رسول الله قال: ما شأنك) قال الراغب في مفرداته: هو الحال والأمر الذي يتفق ويصلح، ولا يقال إلا فيما يعظم من الأحوال والأمور (قال: كنت بين ظهرانينا) بصيغة المثنى وتقدم مأخذه (فقمت فأبطات علينا فخشينا أي تقتطع دوننا ففزعنا فكنت أول من فزع فأتيت هذا الحائط فاحتفزت كما يحتفز الثعلب) بفتح المثلثة وسكون المهملة آخره، وله كنى كثيرة أشهرها: أبو الحصين. قال ابن النحوي في لغات المنهاج: ويقال فيه أيضاً أبو البحيص، وأبو الحبيص، وأبو حفص، وأبو عومل، وأبو النجم، وأبو نومل، وأبو الرباب. اهـ. (وهؤلاء الناس) الذين كنت بين أظهرهم، أو هم ١٩٣ ١ - كتاب: الأدب نَعْلَيْهِ، فَقَالَ: ((اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ مُسْتَيْقِنَاً بِهَا قَلْبُهُ فَبَشَّرْهُ بِالجَنَّةِ)) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ((الرَّبِيعُ)): النَّهْرُ الصَّغِيرُ وَهُوَ الْجَدْوَلُ ((بِفَتْحِ الجِيمِ)) كَمَا فَسَّرَهُ في الحَدِيثِ. وَقَوْلُهُ ((احْتَفَرْتُ)) رُويَ بِالرَّاءِ وَبِالزَّايِ. وَمَعْنَاهُ بِالزَّايِ: تَضَامَمْتُ وَتَصَاغَرْتُ حَتَّى أَمْكَنَنِي الدُّخُولُ(١). ٧١٠ - وَعَنِ ابْنِ شَمَاسَةَ، قَالَ: حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ العَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ في وغيرهم ممن اطلع على القصة فأل للعهد أو للجنس (ورائي فقال يا أبا هريرة) وجملة (وأعطاني نعليه) جملة حالية من فاعل قال. وقوله: (فقال) تكرير للأول. قال المصنف: وأتي بها لطول الفصل بين القول ومقوله بالنداء وبالجملة الحالية، وهذا حسن وموجود في كلام العرب، بل في القرآن قال تعالى: ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾ (٢) قال محمد بن يزد: فلما تكرير للأولى لطول الكلام وكذا قوله تعالى: ﴿أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مخرجون﴾(٣) فإنكم الثانية معادة لطول الكلام (اذهب بنعلي) بفتح اللام وتشديد التحتية بدليل قوله قبله وأعطاني نعليه وقوله: (هاتين فمن لقيت) أي: من عربي وغيره من ذكر أو أنثى (من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله) أي: مع قرينتها وهي محمد رسول الله؛ فإن ذلك صار في عرف الشرع كناية عن مجموعهما. وقوله: (مستيقناً بها قلبه) حال من فاعل يشهد أتي به لإِخراج المنافق من هذه البشرى (فبشره بالجنة وذكر الحديث بطوله) وحاصله أن عمر أشار على النبي ول# بترك التبشير بذلك لئلا يتكل الناس على ذلك فيتركوا العمل فوافق عليه، ولا يضر ذلك في مقصود الباب؛ لأن الشاهد في أمره بذلك فدل على طلبه، وكونه ترك خصوص ذلك المبشر به الأمر يقتضيه لا يتعدى إلى غيره والله أعلم. (رواه مسلم) في كتاب الإِيمان (الربيع النهر) بفتح النون والهاء ويجوز إسكانها (الصغير وهو الجدول) أي: إن الربيع والجدول مترادفان، وإنهما اسمان للنهر الصغير (كما فسره في الحديث) الضمير البارز يرجع للربيع، وتقدم مرجع المستكن وما فيه من الاحتمال (وقوله: احتفزت) وكذا قوله كما يحتفز الثعلب، وكأنه سكت عنه اختصاراً؛ لأن المادة واحدة (روي بالراء وبالزاي ومعناه بالزاي تضاممت وتصاغرت حتى أمكنني الدخول) ومعناه بالراء حفر الأرض حتى اتسع فدخل من ذلك. ٧١٠ - (وعن أبي شماسة) بفتح الشين المعجمة وضمها ذكرهما صاحب المطالع. والميم (١) أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: الدليل على أن من مات على التوحيد ... (الحديث: ٥٢). (٣) سورة المؤمنون، الآية: ٣٥. (٢) سورة البقرة، الآية: ٨٩. ١٩٤ ٩٥ - باب: في استحباب التبشير سِياقِ الْمَوْتِ يَبْكِي طَوِيلًا، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الجِدَارِ، فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ: يَا أَبَتَاهُ أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ وَ بِكَذَا؟ أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ بِكَذَا؟ فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: إِنَّ أَفْضَلَ مَا نُعِدُّ شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إلَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمِّداً رَسُولُ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ كُنْتُ عَلَى أَطْبَاقٍ ثَلاثٍ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَمَا أَحَدٌ أَشَدَّ بُغْضاً لِرَسُولِ اللَّهِ وَّهِ مِنِّي، وَلَا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ قَدِ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَقَتَلْتُهُ، فَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، مخففة وآخره سين مهملة ثم هاء، واسمه عبدالرحمن بن شماسة بن ذئب أبو عمرو، وقيل : أبو عبدالله المهبري بفتح الميم وإسكان الهاء، قاله المصنف. (قال حضرنا عمرو بن العاص) بحذف الياء كما تقدم توجيهه (رضي الله عنه وهو في سياق الموت) بكسر المهملة وتخفيف التحتية، أي: حال حضور الموت (يبكي طويلاً) أي: بكاء طويلاً. والجملة إما خبر بعد خبر، أو حال من الضمير المستقر قبله (وحول وجهه إلى الجدار) معطوف على قوله أول القصة حضرنا (فجعل ابنه يقول: يا أبتاه) تكتب الهاء؛ لأنها ينطق بها ساكنة عند الوقف (أما) بتخفيف الميم أداة استفتاح (بشرك رسول الله وي فر بكذا) كناية عن المبشر هو به (فأقبل بوجهه فقال إن أفضل ما نعد) بضم النون من الإِعداد، أي: نتخذه ذخراً أو عدة للمعاد (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) وقوله: (إني كنت على ثلاثة أطباق) تفصيل لتعاقب أحواله وما عنده في كل حال. والإِطباق بمعنى الأحوال، وذكر ثلاثة نظراً لتذكير طبق، وإلا فلو نظر لكونه بمعنى حال الأفصح تأنيث معناها بأن يقال: حال حسنة لحذف التاء، أشار إليه المصنف. (لقد رأيتني) بضم التاء من خصائص أفعال القلوب جواز كون فاعلها ومفعولها متحدين، والمفعول الثاني محذوفاً لدلالة المقام عليه. وجملة (وما أجد أشد) خبر ما وقوله: (بغضاً) منصوب على التمييز من نسبته إلى المخبر به عنه (لرسول الله وسلم مني ولا أحب إليّ أن يكون قد استمكنت) أي: تمكنت، وصيغة الاستفعال للمبالغة (منه فقتلته) والجملة المنفية معطوفة على خبر ما، وأعاد النافي إيماءً إلى أن النفي متوجه إلى كل منهما لا إلى مجموعهما (فلو مت) بضم الميم على الأفصح، وبه قرأ الجمهور قوله تعالى: ﴿ولئن متم﴾. قال أبو البقاء ضم الميم هو الأصل؛ لأن الفعل منه يموت. ويقرأ بالكسر وهي لغة، يقال: مات يمات كخاف يخاف، فكما تقول خفت تقول مت اهـ. (على تلك الحال لكنت من أهل النار) أي: من أصحابها المخلدين فيها أبداً، وأتى باسم الإِشارة الموضوع للبعيد في القريب إيماءً لكمال قبحه، وذلك ليعظم شكره لمولاه إذ أنقذه من أشد المتاعب وأشر المعايب، وعطف على تلك الحالة الحالة الثانية ١٩٥ ١ - كتاب: الأدب فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الإِسْلَمَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ وَّهِ، فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلَِّبَايِعَكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ فَقَبَضْتُ يَدِي، فَقَالَ: ((مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟)) قَالَ: قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ، قَالَ: (تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟)) قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِ. قَالَ: ((أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلاَمَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَان قَبْلَها، وَأَنَّ الْحَجِّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟)) وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيٍّ مِنْ رَسُولِ اللّهِ وََّ، وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلًا عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجَلالًا لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ، لَأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلًا عَيْنَيَّ مِنْهُ، وَلَوْ مُتُّ قوله: (فلما جعل الله الإِسلام) أي: حبه (في قلبي أتيت النبي (صل1) وذلك بعد الحديبية (فقلت أبسط يمينك فلأبايعك) بكسر اللام على أنها لام التعليل، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة، ويجوز أن يكون بكسرها، أو بإسكانها لام أمر كقوله والقر قوموا فلأصل لكم على إحدى الروايات فيه، والمراد أن يبايعه على دخوله في أتباعه، ونصرة الإِسلام (فبسط يمينه فقبضت يدي) بفتح المثناة التحتية وكسر الدال المهملة، أي: يميني لأنها التي يبايع بها، وإنما عبر بها دفعاً للتكرار المستعذب تركه في الأسماع (فقال مالك) مبتدأ خبره (يا عمر وقلت: أردت أن أشترط قال: تشترط بماذا) قال المصنف: هكذا ضبطناه بإثبات الباء، فيجوز أن تكون زائدة للتأكيد، ويجوز أن يكون ضمن معنى يشترط معنى يحتاط (قلت: أن يغفر لي) بالبناء للمفعول، وترك ذكر الفاعل لتعينه والعلم به، وحذف المطلوب غفره للتعميم (قال أما علمت أن الإِسلام يهدم ما كان قبله) من سائر الذنوب التي أعظمها الكفر، قال تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾(١) (وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها) أي: مما يحدث بين الإِسلام وبينها (وأن الحاج يهدم ما كان قبله) هذا محمول عند المحققين على صغائر الذنوب المتعلقة بحق الله تعالى، أما الكبائر فلا يكفرها إلا التوبة، والتبعات لا تكفر إلا برضا أهلها أو بفضل الله تعالى فيهما، ولهذه الجمل المبشرات بهدم كل من الأعمال الثلاث لما قبله من الذنوب أورده المصنف شاهداً لشطر الترجمة، وهنا كلام محذوف دل عليه المقام، أي: فأسلمت وبايعت (وما كان أحد أحب إلي من رسول الله ( ﴿) لأن الإِيمان لا يتم إلا بذلك. قال ◌َ له: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من أهله ونفسه والناس أجمعين)) (ولا أجل في عيني منه) من الجلال، أي: العظمة والمهابة (ولا كنت أطيق أن أملأ عيني) بتشديد التحتية مثنى (منه) متعلق باملاً. وقوله: (إجلالاً له) علة لما قبله، أي: (١) سورة الأنفال، الآية: ٣٨. ١٩٦ ٩٥ - باب: في استحباب التبشير عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ وَلِينَا أَشْيَاءَ مَا أَدْري مَا حَالي فِيهَا، فَإِذَا أَنَا مُتُّ فَلَا تَصْحَبِّي نَائِحَةٌ وَلَ نَارٌ، فَإِذَا دَفْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنَّاً، ثُمَّ أَقِيموا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُها حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ، وَأَنْظُرَ مَاذَا أُراجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي . إن عدم الإِطاقة ناشىء عن الجلال الذي عليه صلوات الله وسلامه عليه (ولو سئلت أن أصفه) أي: أذكر صفة خلقه بفتح الخاء المعجمة (ما أطقت ذلك) لأنه لا يكون إلا عن إمعان نظر من الواصف للذي يريد وصفه، ويمنع منه بالنسبة إليه مسير ما أسبغ عليه من المهابة والجلال المانعين من تحديق البصر فيه، كما قال: (لأني لم أكن أملأ عيني) بصيغة المثنى أيضاً (منه ولو مت على تلك الحالة) العظيمة الشأن، الدال على ذلك فيها الإِشارة إليها بما يشار به للبعيد تعظيماً وتفخيماً (لرجوت أن أكون من أهل الجنة) فيه أن العارف وإن عمل من الصالحات ما عمل لا تفارقه خشيته لمولاه. قال تعالى: ﴿والذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة﴾(١) وذلك لأنه لم يركن إلى هذه الأعمال الصالحة، ويقطع بكونه من أهل الجنة لكونها من أعماله، بل اعتمد على قلبه، وأقبل بشراشره ولبه على مولاه راجياً أن ينظمه في سلك من والاه (ثم ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها) وهذا منه مزيد تواضع لمولاه، وإلا فهو من علماء الصحابة والصحابة كلهم عدول. (فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة) وهي الرافعة للصوت بالبكاء مع تعداد الأوصاف كيا جبلاه؛ لأنها ملعونة في السنة ولا ينبغي صحبتها، والنياحة حرام (ولا نار) وذلك للتفاؤل بالنجاة منها، وكراهة لصحبتها للميت، كما جاء في الحديث. ثم قيل سبب الكراهة لكونها شعار الجاهلية، وقال ابن حبيب المالكي: كره تفاؤلاً بالنار، نعم إن دعا لها داع من تغير الميت ومزيد نتنه، ولا تنكسر سورة ذلك عن حامليه إلا بما يبخر به فلا كراهة (فإذا دفنتموني فسنوا علي التراب سنا) فيه استحباب صب التراب في القبر؛ فإنه لا يعقد عليه، بخلاف ما يعمل في بعض البلاد (ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور) ما مصدرية. والجزور بفتح الجيم وضم الزاي، المذبوح من الإِبل خاصة، وسواء كان ذكراً أم أنثى وجمعه جزر، كرسول ورسل وجزران أيضاً، ثم يجمع على جزائر (ويقسم لحمها حتى استأنس بكم) أي: كي أستأنس بكم (وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي) أي: من فتاني القبر، وإنما أطلق عليهما صيغة الجمع مجازاً من إطلاقه على ما فوق الواحد، قال المصنف: وفي هذه الجملة من الفوائد إثبات فتنة القبر، وسؤال الملكين وهو (١) سورة المؤمنون، الآية: ٦٠ . ١٩٧ ١ - كتاب: الأدب رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَوْلِهُ: ((شُنُّوا)) رُوِيَ بِالشِّينِ المُعْجَمَةِ وَبِالمُهْمَلَةِ: أَيْ صُبُّهُ قَلِيلاً قَليلاً، واللَّهُ أَعْلَمُ (١). ٩٦ - باب: في وداع الصاحب ووصيته عند فراقه السفر وغيره والدعاء له وطلب الدعاء منه قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (٢): ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ مذهب أهل الحق، واستحباب المكث عند القبر بعد الدفن لحظة نحو ما ذكر لما ذكر، وفيه أن الميت يسمع حينئذ من حول القبر (رواه مسلم قوله شنوا روي بالشين المعجمة وبالمهملة) قال المصنف في شرح مسلم: ضبطناه بهما، قال: وكذا قال القاضي عياض: أنه بهما (أي صبوه قليلاً قليلاً) وقيل: بالمهملة الصب في سهوته، وبالمعجمة التفريق. تنبيه: الترجمة معقودة للتبشير والتهنئة بالخير، والذي أورده المصنف إنما هو في الشطر الأول لا في الثاني، ويمكن أن يدعى في ضمن ذلك تهنئة بما بشر به المبشر والله أعلم . باب وداع بكسر الواو، أي: موادعة (الصاحب) يحتمل كون المصدر مضافاً لفاعله فالمفعول محذوف، ويحتمل العكس، أي: موادعة الشخص الصاحب. (ووصيته عند فراقه) أي : بما يتواصى به من البر والتقوى (لسفر وغيره) متعلق بفراقه وغيره كعدم التلاقي في البلاد أو الموت (والدعاء له وطلب الدعاء منه) أي: حينئذ؛ لأن القيد بحرف(٣) على جميع المتعاطفات (قال الله تعالى ووصى بها) أي: بالملة وكلمة الإِخلاص (إبراهيم بنيه ويعقوب) أي: وصى هو أيضاً بنيه، ويجوز أن يكون معطوفاً على إبراهيم، والمفعول محذوف، أي: وصى يعقوب بنيه. قال السفاقسي: وهذا أظهر مما قبله (يا بني) على إضمار القول، أو معمول وصى؛ لأنه نوع من القول مذهبان: الأول بصري، والثاني کوفي، وذلك مقول كل منهما على القراءة السبعية برفع يعقوب؛ وأنه عطف على إبراهيم. أما على إعراب يعقوب (١) أخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: كون الإِسلام يهدم ما قبله ... (الحديث: ١٩٢). (٢) البقرة، الآيتان: ١٣٢، ١٣٣. (٣) كذا بالأصل. ع. ١٩٨ ٩٦ - باب: في وداع الصاحب ووصيته الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوتُ إِذْ قَال لِيَنِيهِ مَا تَعْبُدونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلْهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ . وَأَمَّا الْأُحَادِيثُ، فَمِنْها حَديثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الَّذِي سَبَقَ فِي بَابِ إِكْرَامٍ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ وَل ـــ مبتدأ محذوف الخبر كما بدأنا به، فيكون قوله يا بني من كلامه، وقرىء شاذاً بنصبه عطفاً على مفعول وصى، فيكون يا بني من قول إبراهيم وحده (إن الله اصطفى لكم الدين) أي : دين الإِسلام (فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) أي: دوموا على الإِسلام حتى لا يصادفكم الموت إلا عليه (أم كنتم شهداء) أم منقطعة، أي: بل كنتم، والهمزة للإنكار، أي: ما كنتم حاضرين، وهذا رد لليهود حيث قالوا للنبي وسر: ألست تعلم أن يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية (إذا حضر يعقوب الموت) الظرف متعلق بشهداء وهنا تم الكلام، ثم ابتدأ بقوله: (إذ قال لبنيه) كأنه قال: اذكر إذ قال ذلك الوقت حتى لا تدعي عليه اليهود، أو متعلق بقالوا نعبد (قلت) أو بدل من إذ الأولى، أشار إليه السفاقسي (ما تعبدون من بعدي) سؤال عن صفات المعبود (قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً) نصب على البدل من إلهك. قال السفاقسي: أو حال موطئة، أي: القصد الوصف، وجيء باسم الذات توطئة، وإجازة الزمخشري نصبه على الاختصاص مردودة، بأن المنصوبات كذلك لا تكون، إلا نكرة، وتمحل له السفاقسي بأن لم يرد الاختصاص الصناعي، بل المعنوي، وإسماعيل عمه فهو من التغليب (قلت) أو استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه؛ لأن العم يسمى أباً مجازاً (ونحن له مسلمون) حال من معمول نعبد، أو معطوفة على جملة نعبد، وإجازة الزمخشري إعرابها معترضة رده السفاسقي بأنها التي تفيد تقوية بين متلازمين، وليست هذه كذلك؛ لأن ما قبلها وما بعدها كلامان مستقلان، وأيضاً ما قبلها من كلام بني يعقوب، وما بعدها من كلام الله، وشرط الاعتراضية أن تكون بين متلازمين من متكلم واحد ليؤكد بها كلامه اهـ. ملخصاً. وقد بينت في شرح نظم القواعد في الجمل التي لا محل لها: أن مراد الزمخشري الاعتراض البياني لا النحوي؛ أشار إليه ابن هشام في المغني، وقال: إنه قد يرد عليه من لا يعرف ذلك العلم كأبي حيان وهما منه؛ أن لا اعتراض إلا ما يقوله النحاة من الاعتراض بين شيئين متطالبين (وأما الأحاديث) النبوية (فمنها حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه الذي أسبق) مع شرحه (في باب إكرام أهل بيت رسول الله وَلة) وقوله: ١٩٩ ١ - كتاب: الأدب قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَ فِيْنا خَطِيباً فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكُ فِيكُمْ تَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالْنُّورُ؛ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ واسْتَمْسِكُوا بِهِ)) فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ (قال) إلى آخر الحديث بدل من حديث في محل رفع (قام) أي: انتصب (فينا رسول الله وَالأول خطيباً) قال: وفيه طلب القيام حال الخطبة (فحمد الله) بأوصافه الثبوتية (وأثنى عليه) بتنزيهه عما لا يليق به من الأوصاف (ووعظ وذكر) يحتمل أن يكون من عطف العام على الخاص، وأن يكون من عطف الرديف (ثم قال: أما بعد ألا) أداة استفتاح أتى بها مع ما قبلها مبالغة في إنباه المخاطبين، وكذا قوله (أيها الناس) أي: انتهبوا لسماع ما أقوله لفخامة شأنه. والفاء في قوله: (فإنما أنا بشر) عاطفة على ذلك، وقوله: (يوشك) بضم أوله وكسر ثالثه، أي: يقرب (أن يأتي رسول ربي) أي: بالانتقال إليه، وإن كان يخير بين ذلك وبين البقاء في الدنيا كما جاء ذلك في حديث عائشة لكن من المعلوم أنه لا يؤثر على النقلة إليه البقاء في الدنيا فلذا قال: (فأجيب) بالنصب عطفاً على ما قبله، ويحتمل الرفع على إضمار مبتدأ وابتداء الوصية التي هي محل شاهد الترجمة من الحديث قوله: (وأنا تارك فيكم ثقلين) سميا به لعظمهما. قال تعالى: ﴿إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً﴾(١) (أولهما كتاب الله) أي: القرآن (فيه الهدى) لا منافاة بينه وبين قوله هدى للمتقين؛ لأنه إما أن يكون ما في الحديث من باب التجريد، كقوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسن ﴾(٢) وهو في نفسه أسوة لكن أتى بذلك للمبالغة، أو يكون قوله هدى للمتقين بتأويل الوصف، أو على تقدير المضاف، أو حمل المصدر عليه مبالغة لاشتماله عليه حتى كأنه عينه فلا ينافي كونه فيه (والنور) أي: من ظلمات الجهالة والضلالة (فخذوا بكتاب الله) أظهر، والمقام للإِضمار تحريضاً على الأخذ به لشرفه بشرف المضاف إليه (واستمسكوا به) يحتمل أن يكون بمعنى ما قبله فيكون إطنابًاً، وأن يكون المراد من الجملة الأولى التناول ومن الثانية الدوام على ذلك وعدم الانفكاك عنه (فحث) أي: حرض (على كتاب الله) أي: على التمسك به والاعتصام بحبله (ورغب فيه) بذكر ما فيه من الثواب والدرجات في المآب (ثم قال: وأهل (١) سورة الأحزاب، الآية: ٢١. (٢) سورة المزمل، الآية: ٥ ٢٠٠ ٩٦ - باب: في وداع الصاحب ووصيته قَالَ: ((وَأَهْلُ بَيْتِي)) أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). وَقَدْ سَبَقَ بِطُولِهِ(٢). ٧١١ - وَعَنْ أَبِي سُلَيْمَانُ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللّهِ وَهِ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَهُ رَحِيماً رَفِيقَاً، فَظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَقْنَا أَهْلَنَا فَسَأَلْنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا مِنْ أَهْلِنا . بيتي) أي: والثاني من الثقلين أهل بيتي (أذكركم الله في أهل بيتي) بالوداد لهم ومناصرتهم والتمسك بمحبتهم والتنسك بمودتهم. قال الصديق رضي الله عنه: ((ارقبوا محمداً مَّ في أهل بيته)) كما تقدم في باب فضل الآل المذكور (رواه مسلم وقد سبق بطوله) في الباب المذكور. ٧١١ - (وعن أبي سليمان مالك بن الحويرث) بضم المهملة وفتح الواو وسكون التحتية آخره مثلثة، ويقال: ابن الحارث، وقال شعبة بن حويرثة بن أشيم بالمعجمة والتحتية، وزن أحمد الليثي، قال ابن الأثير: يختلفون في نسبه إلى ليث، ثم حكاه وقال: ولم يختلفوا في أنه من ليث بن بكر بن عبد مناف بن كنانة، وهو من أهل البصرة قدم على النبي # في شببة من قومه فعلمهم الصلاة، روي له عن رسول الله وَل خمسة عشر حديثاً اتفقا على حديثين منهما، وانفرد البخاري بحديث، توفي (رضي الله عنه) بالبصرة سنة أربع وتسعين (قال: أتينا النبي ◌َّ) أي: في وفد لنتعلم أحكام الدين (ونحن شببة) بفتح المعجمة والموحدتين، جمع شاب ككاتب وكتبة (متقاربون) صفة لما قبله، أو خبر بعد خبر (فأقمنا عنده عشرين ليلة) نتعلم (وكان رسول الله وَل﴿ل رحيماً رفيقاً) جملة في محل الحال من فاعل أقمنا، ويمنعٍ كونها من الضمير المضاف إليه أن شرط مجيء الحال من المضاف إليه، كونه بعضاً للمضاف، أو في منزلته، أو معمولاً له قبل الإِضافة، وكان في الحديث مثلها في قوله تعالى : ﴿وكان الله غفوراً رحيماً﴾(٣) للاستمرار (فظن إنا قد اشتقنا) قال في المصباح: الشوق إلى الشيء نزاع النفس إليه، فهو مصدر شاقني الشيء شوقاً من باب، قال: ويتعدى بالتضعيف فيقال شوقته واشتقت إليه، ومنه يعلم أن نصب (أهلنا) على نزع الخافض (فسألنا عمن تركنا) العائد ضمير منصوب محذوف وقوله: (من أهلنا) في محل الحال بيان الموصول (١) أخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، (الحديث: ٣٦). (٢) الحديث: ٣٢٦. (٣) سورة النساء، الآية: ٩٦.