النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
٧٥ - باب: في العفو
وَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَِّي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَنَادَانِي، فَقَالَ: إِنَّ
اللَّهَ تَعَالَى قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ
◌ِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ
قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ، وَقَدْ بَعَثَنَى رَبِّي إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرٍَ
((فَمَا شِئْتَ؟ إِنْ شِئْتَ أَطْبَقْتُ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِ:
ويقال له قرن المنازل على يوم وليلة من مكة، والقرن كل جبل صغير منقطع عنه جبل كبير.
وحكى عياض: أن بعض الرواة بفتح الراء قال القاضي عياض: وهو غلط. وحكى الفاس
أن من سكّن الراء أراد الجبل ومن حركها أراد الطريق التي تتفرق منه. وأفاد ابن سعد: أن
مدة إقامته * بالطائف كانت عشرة أيام (فرفعت رأسي) يحتمل أن يكون ذلك لكونه أحس
بشيء من جانب العلوي، أو يكون اتفاقاً فصادف ما قاله (وإذا أنا بسحابة قد أظلتني) أي :
كستني الظل عن الشمس (فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام) إذا فيه وفيما قبله فجائية.
وجبريل حينئذ لم يكن في صورته الأصلية لما جاء أنه وَيّ لم يره فيها إلا في بدء الرسالة
وعند سدرة المنتهى (فسلم علي) فيه بدء القادم بالسلام (ثم قال) لعل الإِتيان بثم إيماءً إلى
تراخي إخبار جبريل عن أمر الملك باشتغاله بأمر آخر؛ أما مع النبي ◌َّ أو مع غيره من
الأملاك (إن الله قد سمع قول قومك) أي: الذين دعوتهم إلى الإِيمان (وما ردوا عليك) في
جواب الدعوة (وقد بعث إليك ملك الجبال) أي: الموكل بها المتصرف بما يرد عليه فيها من
حضرة الحق (لتأمره بما شئت فيهم) ما فيه موصول اسمي، أي: بالذي أردته منهم. والعائد
محذوف ويحتمل كونها مصدرية، أي: بمشيئتك فيهم ويؤيد الأخير قول ملك الجبال
((لتأمرني بأمرك)) وأتى به كذلك ليعم ما يراد منها من التعذيب (فناداني ملك الجبال) أي:
عقب كلام جبريل كما يومىء إليه الفاء (فسلم عليّ ثم قال: يا محمد قد سمع الله قول قومك
وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربي إليك لتأمرني بأمرك) أي: من رجم وإطباق. وقوله: (فما
شئت) الفاء تفريعية وما استفهامية منصوبة المحل مفعولاً به مقدماً، ومقتضى كلام الحافظ
في فتح الباري: أنه عند البخاري: ((فيما شئت)) بكسر الفاء زيادة تحتية، قال: وقد رواه
الطبراني عن مقدام بن داود عن عبدالله بن يوسف شيخ البخاري. ((قال يا محمد إن الله قد
بعثني إليك وأنا ملك الجبال لتأمرني بأمرك فيما شئت إن شئت اهـ. ثم رأيته عندي في
صحيح البخاري كما قال الحافظ وحينئذ فلعل هذا لفظ رواية مسلم (إن شئت) حذف
مفعوله، أي: إطباق الأخشبين عليهم، إيجازاً لدلالة وجوده في قوله: (أطبقت عليهم
الأخشبين) بالمعجمتين بعدهما موحدة يأتي المراد به (فقال النبي مس18) ممتناً عليهم بعفوه

١٠٢
كتاب : دليل الفالحين
بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئَاً، مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ. ((الْأَخْشَبَانِ)): الْجَبَلَاَنِ المُحِيطَانِ بِمَكَّةٍ، و((الْأَخْشَبُ)) هُوَ: الْجَبَلُ الْغَلِيظُ (١).
٦٤٣ - وَعَنْهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ فَهِ شَيْئاً قَطُّ بِيَدِهِ،
وَلَ امْرَأَةً، وَلَ خَادِمَاً، إِلَّ أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَا نِيْلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ
عما يتعلق بجنابه الشريف من إيذائهم له وإساءتهم في جوابهم له المقتضي لحلول ذلك بهم
إنجازاً (بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئاً) المعطوف
عليه بيل مقدر يدل عليه الكلام، أي: لا آمرك بما فيه هلاكهم بل أرجو إلخ. قال العلماء:
وما جاء من ألفاظ الترجي في كلام الله سبحانه أو كلام رسول الله وَّر فهو واقع البتة لكنه عبر
بذلك على عادة الملوك. قال البيضاوي في التفسير: عسى ولعل وسوف في مواعيد الملوك
كالجزم بها، وإنما يطلقونه إظهاراً لوقارهم وإشعاراً بأن الرمز كالتصريح من غيرهم وعليه
جرى وعد الله ووعيده اهـ. قال الحافظ: وفي الحديث بيان شفقة النبي ◌َُّ على قومه
ومزيد صبره وحلمه وهو موافق لقوله تعالى: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾(٢) ولقوله: ﴿وما
أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾(٣) (متفق عليه) رواه البخاري في بدء الخلق، ومسلم في
المغازي، ورواه النسائي في البعوث (الأخشبان: الجبلان المحيطان بمكة) في النهاية: هما
المطبقان بمكة أبو قبيس والأحمر وهو جبل مشرف وجهه على قعيقعان (والأخشب هو الجبل
الغليظ العظيم) عبر بدله في النهاية بقوله الخشن.
٦٤٣ - (وعنها قالت: ما ضرب رسول الله وَل﴿ شيئاً) من الحيوانات ولا من غيرها (قط) أي :
في شيء من الأزمنة التي كان فيها وهي ماضية حال الإِخبار عنه. وقوله: (ولا امرأة ولا
خادماً) من عطف الخاص على العام، وصرح بهما لأنه يعتاد ضربهما وإذا لم يضربهما مع
جريان العادة فغيرهما ممن لم يعتد ضربه أولى (إلا أن يجاهد في سبيل الله) استثناء من أعم
الأحوال، أي: في حال من الأحوال إلا في حال الجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى (وما نيل)
(١) أخرجه البخاري في كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة، ومن التوحيد باب: وكان الله سميعاً بصيراً
(٢٢٥/٦، ٢٢٤).
وأخرجه مسلم في كتاب: الجهاد والسير، باب: ما لقى النبي ◌َّؤه من أذى المشركين والمنافقين،
(الحديث: ١١١).
(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٥٩
(٣) سورة الأنبياء، الآية: ١٠٧ .

١٠٣
٧٥ - باب: في العفو
صَاحِبِهِ، إِلَّ أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَنْتَقِمُ للَّهِ تَعَالَى)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
٦٤٤ - وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ وَعَلَيْهِ
بُرْدُ نَجْرانِيٍّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٍّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَيْذَةً شَدِيدَةً، فَنَظَرْتُ إِلَى
صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ بَهِ وَقَدْ أَثَرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ:
بالبناء للمجهول (منه شيء) أي: ما نال أحد منه شيئاً كما وقع من شج الكفار لرأسه وسالر في
أحد وإسقاط رباعيته وغير ذلك مما وقع من جهالاتهم وإضرارتهم به ﴿ في بدنه الشريف
وغير ذلك (قط فينتقم) بالنصب في جواب النفي (من صاحبه) أي: صاحب الذنب لنفسه،
بل كان يعفو ويصفح ويزيد بالإِحسان، كما ورد أنه قيل له يوم أحد ((ادع الله عليهم فقال:
اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)) فعفا عن حقه وصفح وزاد إحساناً بالدعاء لهم بغفر ذلك
الذنب المتعلق بحقه إذ لو سأل لهم مطلق الغفران لأجيبت دعوته وآمنوا حالاً واعتذر عنهم
(إلا أن ينتهك شيء من محارم الله) يحتمل كون الاستثناء متصلاً، أي: إلا ما نيل منه بأن
كان فيه انتهاك المحارم كالطعن بارتكاب المحارم (فينتقم) حينئذ من ذلك الطاعن (لـ) لحق
(الله تعالى) لا لحق نفسه وعدم انتقامه ممن قال في قسمه: هذه ما أريد بها وجه الله تعالى
تأليفاً للقوم على الإِسلام كما قال لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه ويحتمل أن
يكون الاستثناء منقطعاً وهو الأقرب، أي: لكن إذا انتهكت حرمات الله تعالى انتقم من
منتهكها كائناً من كان. (وراه مسلم).
٦٤٤ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: كنت أمشي) أتي به بصيغة المضارع لحكاية الحال
الماضية إشعاراً باستحضاره لذلك (مع رسول الله (وَلقر وعليه برد) تقدم ضبطه (نجراني)
منسوب إلى نجران بلذة من بلاد همدان من اليمن. قال البكري: سميت باسم بانيها
نجران بن زيد بن يشجب بن يعرب بن قحطان كذا في المصباح (غليظ الحاشية) أتي به
ليرتب عليه مزيد الأثر الآتي (فأدركه إعرابي) لم أر من سماه (فجبذه) قيل: إنه لغة في
جذب، وقيل: إنه مقلوبه (جبذة شديدة) زاد في رواية حتى أثرت حاشية البرد في صفحة
عاتقه (فنظرت إلى صفحة) بفتح المهملتين وسكون الفاء بينهما، أي: جانب ما (عاتق
النبي ◌َّ) وهو بالمهملة والفوقية والقاف ما بين العنق والكتف (وقد أثرت بها حاشية البرد
من شدة جبذته) وذلك من سوء أدبه وجفائه على عادة الأعراب فمن بدا جفا (ثم قال) على
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الفضائل، باب: مباعدته يميل للآثام ... (الحديث: ٧٩).

١٠٤
كتاب: دليل الفالحين
يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ. فَالْتَّفَتَّ إِلَيْهِ فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ.
مُتَّفَقْ عَلَيْهِ(١).
٦٤٥ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّ
يَحْكِ نِّأْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ
الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ))
عادتهم في ذلك (يا محمد) ويحتمل أن يكون قبل تحريم ندائه # باسمه (مر لي من مال الله
الذي عندك) زاد البيهقي في روايته: ((فإنك لا تحمل لي من مالك ولا من مال أبيك،
فسكت النبي ◌َّ ثم قال المال مال الله وأنا عبده)) (فالتفت إليه فضحك) أي: من قوله
المنبىء بشأنه، فشأن الإنسان دليل عقله (ثم أمر له بعطاء) العطاء عبارة عما يجتمع من
الأموال من فيء أو غنيمة وخراج وتركة من لا وارث له، والمراد هنا: أمر له بشيء من ذلك
وقد جاء أنه حمل له على بعير شعيراً وعلى الآخر تمراً ذكره في الشفاء. وهذا فيه مزيد حسن
خلقه * فإنه عفا عن جنايته عليه بجبذه وإيلامه بحاشية ذلك البرد حتى أثر في عاتقه وزاد
على العفو بالبشر الذي هو كما قال من قال:
فكيف بمن يعطي القرى وهو يضحك
بشاشة وجه المرء خير من القرى
وببذل الإِحسان (متفق عليه).
٦٤٥ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كأني أنظر) أي: الآن (إلى رسول الله وَله)
وعبر بما ذكره إيماءً إلى استحضاره فكأنه يخبر عن معاين وقوله: (يحكي نبياً من الأنبياء
صلوات الله وسلامه عليهم) جملة حالية من رسول الله وَله وقوله: (ضربه قومه فأدموه) أي:
أجروا دمه بالجراحات (وهو يمسح الدم) عن وجهه جملة حالية إما من الضمير البارز في
فأدموه لكونه أقرب فيكون حالاً متداخلة إن أعربت الجملة المعطوف عليها حالاً أو من نبياً
(ويقول) في تلك الحالة المثيرة للغضب المقتضية للانتقام بعد عفوه عنهم زيادة في الفضل
(اللهم اغفر لقومي) أي: ما صنعوه معي من الضرب والإِدماء. وقوله: (فإنهم لا يعلمون)
كالتعليل لسؤال المغفرة لهم، أي: ما أوقعهم في ذلك إلا جهلهم بقدر النبي وَيهر وعدم
(١) أخرجه البخاري في كتاب اللباس، باب: البرود والحملة والشملة والأدب، باب: التبسم والضحك
(١٠ /٢٣٤، ٤٢٠، ٤٢١).
وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: إعطاء من سأل بفحش وغلطه، (الحديث: ١٢٨).

١٠٥
٧٦ - باب: في احتمال الأذى
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
٦٤٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، قَالَ: ((لَيْسَ الشَّديدُ
بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(٢).
٧٦ - باب: في احتمال الأذَى
قَالَ اللَّهَ تَعَالَى (٣): ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ واللَّهُ
يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾
معرفتهم بعلو مرتبته إذ لو عرفوه لقدّروه حق قدره، ففيه بعد الصفح زيادة الفضل بالدعاء لهم
بالغفران والاعتذار عنهم بعدم العلم (متفق عليه).
٦٤٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وم طر قال: ليس الشديد) أي: المحمود
شدته شرعاً (بالصرعة) بضم ففتح وهو الذي يكثر صرع الناس ويغلبهم، أما الصرعة بضم
فسكون فهو الذي يصرعه الناس كثيراً (إنما الشديد) أي: المحمود شرعاً (الذي يملك نفسه
عند الغضب) أي: الذي هو فوران دم القلب من حدوث أمر غير مرضي ممن هو دونك،
أي: فيملك نفسه حينئذ عن أن يقع منها إضرار بالمغضوب منه بل يعفو عنه ويكظم غيظه
(متفق عليه) ورواه الإِمام أحمد أيضاً كما في الجامع الصغير.
باب احتمال الأذى
أي: في فضل من احتمله لوجه الله سبحانه طلباً لمرضاته. (قال الله تعالى:
﴿والكاظمين الغيظ﴾) بحبس النفس عن مرادها من الانتقام (والعافين عن الناس) أي:
التاركين مؤاخذتهم في ذلك (والله يحب) أي: يثيب (المحسنين) وفيه إيماء إلى أن من كان
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل (٢٤٩/١٢ و٢٥٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة أحد، (الحديث: ١٠٥).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: الحذر من الغضب (٤٣١/١٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: فضل من يملك نفسه عند الغضب.
(الحديث: ١٠٧).
(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٣٤

١٠٦
كتاب: دليل الفالحين
وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿وَلَمَنْ صَبْرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾
وفي البابِ الأَحَادِيثُ السَّابِقَةَ في البابِ قَبْلَهُ.
٦٤٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي قَرَابَةٌ
أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ،
فَقَالَ: (لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِقُّهُمُ الْمَلَّ، وَلاَ يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ظَهِيرٌ
متصفاً بهذه الصفات فهو من المحسنين (وقال تعالى ولمن صبر) على الإِيذاء (وغفر)
وصفح عمن آذاه (إن ذلك) أي: ماذكر (لمن عزم الأمور) أي: معزومها شرعاً (وفي الباب)
أي: باب احتمال الأذى (الأحاديث السابقة في الباب قبله) وزيادة عليه .
٦٤٧ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لي قرابة) أي ذوي
قرابة (أصلهم ويقطعوني) كذا في النسخ بنون واحدة مخففة وهو محمول على أن المحذوف
نون الوقاية اكتفاء عنها بنون الرفع القائمة مقامها فيما قصد بها من وقاية آخر الفعل الكسر
بكسرها، ويجوز أن تكون الموجودة نون الوقاية وحذف نون الأفعال الخمسة لغير جازم ولا
ناصب لغة حكاها ابن مالك. ولا يخفى حسن المقابلة في كلامه بين الوصل والقطع وكذا
المقابلة في قوله: (وأحسن إليهم ويسيئون إلي وأحلم) بضم اللام (عنهم ويجهلون علي)
وحذف متعلقات كل من أصل وأحسن لتذهب النفس في تعيين ذلك كل مذهب وليعم كل ما
يطلق عليه اسم شيء من تلك الأنواع (فقال: لئن) اللام فيه مؤذنة بقسم مقدر أتى به تأكيداً
للمقام للترهيب من مقابلة الحسن بالسيء. قال تعالى: ﴿هل جزاء الإحسان إلا
الإِحسان﴾ (٢) أي: والله لئن (كنت كما قلت) من إسدائك الجميل لهم ومقابلتهم حسن
صنيعك بقبيح فعلهم (فكأنما تسفهم المل) بضم الفوقية، أي: تجعلهم يسفون الرماد الحار
وهذا من خلاف الغالب، فإن الغالب من اجتماع القسم والشرط أن يذكر جواب المقدم
منهما ويحذف جواب الثاني لدلالة ذلك عليه وهذا بعكس ذلك فأجازه ابن مالك تبعاً للفراء
ومنعه الجمهور وحملوا قول الشاعر:
لئن كنت ما حدثته اليوم صادقاً أصم في نهار القيظ للشمس بادياً
على أن ضرورة أو على أن اللام زائدة ويمكن أن يخرج الحديث على وجه اتفقوا فيه
(١) سورة الشورى، الآية: ٤٣.
(٢) سورة الرحمن، الآية: ٦٠.

١٠٧
٧٧ - باب: في الغضب إذا انتهكت حرمات الشرع
عَلَيْهِمْ مَادُمْتَ عَلَى ذَلِكَ)) رَوَاهُ مُسْلِمٍ(١). وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ فِي بَابٍ صِلَةِ الْأَرْحَامِ (٢).
٧٧ - باب: في الغضب إذا انتهكت حرمات الشرع
والانتصار لدين الله تعالى
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى(٣): ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾
وَقَالَ تَعَالَى (٤): ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾
على جواز جعل الجزاء للشرط وإن تأخر عن القسم وذلك بأن يقدر قبله مبتدأ أي: وأنت
والله لئن كنت إلخ وفي مثله يجوز ذلك. وقال ابن مالك: يجب ومنه زيد والله إن يقم أقم
(ولا يزال معك من الله تعالى ظهير) أي: معين (عليهم) ومن تجريدية لكمال إعانة المولى
سبحانه لمن كان كذلك (ما دمت على ذلك) ففيه تحريض على الصبر على الإِيذاء، وإن
الانتصار في ذلك یکون من حضرة الحق سبحانه وتعالى لمن كان كذلك (رواه مسلم وقد
سبق شرحه في باب صلة الأرحام)
باب الغضب إذا انتهكت حرمات الشرع
بضمتين، أي: ما حرمه وهو مقتبس من قوله وَ له: ((وحرم أشياء فلا تنتهكوها)) وقوله :
((إلا وإن حمى الله محارمه)) (والانتصار لدين الله تعالى) أي: فعل ذلك كائناً من كان على
أي شأن، وفي تعقيبه به الباب قبله تقييد لبيان أن محل فضل احتمال الأذى إذا كان مما لا
انتهاك فيه للمحارم، وإلا فمن أوذي بطلب محرم منها لا يصبر على ذلك الإِيذاء بل يدفعه
بحسب طاقته (قال الله تعالى ومن يعظم حرمات الله) ومن تعظيمها عدم خرق حجابها وترك
انتهاكها والبعد عن حريمها حذر الوقوع في حميمها (فهو خير له عند ربه) لأن الله تعالى لا
يضيع أجر من أحسن عملاً، قال تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره﴾(٥) (وقال تعالى:
إن تنصروا الله) في دينه (ينصركم) على عدوكم قال تعالى: ﴿ولينصرن الله من ينصره﴾(٦)
وقال تعالى: ﴿وإن جندنا لهم الغالبون إنهم لهم المنصورون﴾(٧) (ويثبت أقدامكم) في
(١) أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: صلة الرحم وتحريم قطيعتها، (الحديث: ٢٢).
(٥) سورة الزلزلة، الآية: ٧ .
(٢) انظر، حديث رقم ٣١٨ .
(٣) سورة الحج، الآية: ٣٠.
(٦) سورة الحج، الآية: ٤٠.
(٤) سورة محمد، الآية: ٧.
(٧) سورة الصافات، الآية: ١٧٢.

١٠٨
كتاب: دليل الفالحين
وفي الباب حَدِيثُ عَائِشَةَ السَّابِقُ فِي بَابِ العَقْوِ.
٦٤٨ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْروِ الْبَدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ
إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ، فَقَالَ: إِنِي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَةِ الصُّبْحِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ، مِمَّا يُطيلُ
بِنَا! فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَ غَضِبَ في مَوْعِظَةٍ قَطَّ أَشَدَّ مِمَّا غَضِبَ يَوْمَئِذٍ، فَقَالَ:
الجهاد والطاعة (وفي الباب حديث عائشة السابق في باب العفو) عبر به دون الباب قبله تفنناً
في التعبير، والمراد منه قولها: وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء
من محارم الله فينتقم لله تعالى .
٦٤٨ - (وعن أبي مسعود عقبة بن عمرو) بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي (البدري) نسبة إلى
بدر، لنزوله وسكناه إياها، وإلا فلم يشهد وقعتها مع النبي ◌َّ تقدمت ترجمته (رضي الله
عنه) في باب المجاهدة (قال: جاء رجل) قيل: هو حزم بن أبي بن كعب، ووقع كذلك في
سنن أبي داود وتاريخ البخاري الكبير، وقال الحافظ في فتح الباري: إنه وهم ولم أقف على
تسميته، وقيل: هو حرام بن ملحان وعليه اقتصر الخطيب، ومشى عليه ابن الأثير، وقيل:
حازم، وقيل: سليمان بن الحارث قاله البخاري أيضاً في تاريخه، ووقع في أصل قريء
على القرطبي من شرحه عن رواية البزار أنه مسلم بن علي، وعلى لام سلم علامة الإِسكان،
وقيل: مليكة، وقال القاري: هو كعب بن أبي حزة بفتح المهملة وتشديد الزاي ابن أبي
العين وهو وهم، كذا في غاية الأحكام، و((جاء)) يكون متعدياً كقوله تعالى: ﴿فإن
جاءوك﴾(٢) وتارةً متعدياً بحرف، ومنه ما نحن فيه إذ عداه بإلى في قوله: (إلى رسول الله وَل
فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح) وعند البخاري صلاة الغداة، وعنده أيضاً زيادة القسم:
والله إني لأتأخر، ومراده: أنه ترك حضور الجماعة لتطويل الإِمام (من أجل فلان) قال
الحافظ: هو أبي بن كعب كما أخرجه أبو يعلى بإسناد حسن من حديث جابر، وليس معاذ بن
جبل خلافاً لابن الملقن وغيره. قال الحافظ: وهو وهم، وفلان كناية عن ذي العلم العاقل
المذكر، والظاهر أن الراوي هو الذي كنى عنه، والرجل الذي شكاه للنبي وَلّ سماه، وذلك
من حسن الأدب في التعبير (مما يطيل بنا) بدل مما قبله بإعادة العامل أي: من إطالته الصلاة
بنا (فما رأيت) أي: علمت (النبي ◌َثير غضب في موعظة قط) بفتح القاف وضم الطاء
المهملة في أفصح اللغات (أشد) بالنصب نعت مصدر محذوف أي: غضباً أشد، وسببه إما
(١) انظرص ٩٧ من هذا الجزء حديث رقم (٦٤١).
(٢) سورة المائدة، الآية: ٤٢.

١٠٩
٧٧ - باب: في الغضب إذا انتهكت حرمات الشرع
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرَينَ، فَأَيُّكُمْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيوجِزْ؛ فَإِنَّ مَنْ وَرَائِهِ الْكَبِيرَ،
والصَّغِيرَ، وَذَا الْحَاجَةِ)) مُتَّفَقُ عَلَيْهِ(١).
٦٤٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ وَ مِنْ سَفَرٍ وَقَدْ
مخالفة الموعوظ لما أعلمه أي: إن ثبت ذلك أو التقصير في تعليم ما ينبغي تعلمه، ويحتمل
أنه لإِرادة الاهتمام بما يلقيه لأصحابه، قال في فتح الباري: وهذا أحسن في الباعث على
أصل الغضب، أما كونه أشد فالثاني من الاحتمالين الأولين أوجه (مما غضب) ما مصدرية
أي: من غضبه (يومئذ) ولا يعارض هذا ما جاء من نهيه القاضي أن يقضي حال غضبه
لمكانه * من العصمة المانعة من حمل الغضب إياه على مالا ينبغي من قول أو فعل
بخلاف غير المعصوم، قاله البرماوي (فقال) عطف على مقدر دل عليه سابق الكلام أي :
فوعظ فقال: (يا أيها الناس إن منكم منفرين) فيه من الإِخفاء، وتعميم الحكم؛ ما في
حديث ما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، إما للستر عليه وإما للإِعراض،
وذلك من أشد الوعيد (فأيكم أم الناس) عند البخاري في بعض طرقه: فأيكم ما صلى، وما
مزيده ويكثر زيادتها مع أي الشرطية، وفائدتها التوكيد، وزيادة التعميم (فليوجز) هو لفظ
مسلم، ولفظ البخاري فليتجوز، أي: ليقتصر مع إتمام الأركان والسنن. قال أهل اللغة:
أوجزت الكلام قصرته فهو موجز بفتح الجيم وكسرها، ووجز، ووجيز (فإن من) بكسر الميمٍ
(ورائه) أي: ممن اقتدى به (الكبير) فيعجز عن الطول لكبره، إذ هو مظنة الضعف غالباً
(والصغير) الذي لا ثبات عنده على الصبر على الإِطالة، وفي عمدة الأحكام: ((والضعيف))
بالمعجمة بدل المهملة، وبالفاء بدل الراء (وذا الحاجة) فتمنعه من درك حاجته الإِطالة،
ويشتغل خاطره، فيسلبه خشوعه الذي هو لب العبادة (متفق عليه) وأخرجه أحمد،
والنسائي، وابن ماجه، وابن الجارود، وابن حبان، والطبراني، والإِسماعيلي، وأبو عوانة،
والبرقاني، وأبو نعيم، والبيهقي وغيرهم، كذا في شرح عمدة الأحكام للقلقشندي .
٦٤٩ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قدم رسول الله وَ لير من سفر) قال في فتح الباري
في رواية البيهقي: إنها غزوة تبوك، وفي أخرى لأبي داود، والنسائي، غزوة تبوك أو خيبر
(١) أخرجه البخاري في كتاب: أبواب صلاة الجماعة، باب: تخفيف الإِمام في القيام وفي العلم والأدب
والأحكام (٤٣٠/١٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: الصلاة، باب: الأمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام، (الحديث: ١٨٢).

١١٠
كتاب: دليل الفالحين
سَتَرْتُ سَهْوَةً لِي بِقِرامٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ وَ هَتَكَهُ وَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ.
وَقَالَ: (يَا عَائِشَةُ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابَاً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُون بِخَلْقِ اللَّهِ)
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ((السَّهْوَةُ)) كَالصُّفَّةِ تَكُونُ بَيْنَ يَدَيِّ الْبَيْتِ. و((الْقِرامُ)) بِكَسْرِ القاف: سِتّرٌ
على الشك (وقد سترت سهوة لي بقرام) جملة حالية من رسول الله وضبطه. والسهوة بفتح
السين المهملة، وسكون الهاء سيأتي معناه، ومعنى القرام (فيه تماثيل) جملة صفة لقرام، أو
الظرف صفة، وتماثيل فاعله، والتماثيل بمثناة ثم مثلثة جمع تمثال وهي : الشيء المصور
أعم من أن يكون شاخصاً، أو يكون نقشاً، أو دهاناً، أو نسجاً في ثوب (فلما رآه
رسول الله {# هتكه) أي: نزعه، وفي رواية البخاري عن عائشة: فأمرني أن أنزعه فنزعته .
(وتلون وجهه) أي: تغير من غضبه لله سبحانه. (وقال: يا عائشة أشد الناس عذاباً عند الله
يوم القيامة) ظرف لأشد، وقوله: (الذين يضاهون بخلق الله) خبر أشد. أي: الذين يشبهون
ما يصنعونه بما يصنعه الله، وقد استشكل كون المصور أشد عذاباً، مع قوله تعالى : أدخلوا
آل فرعون أشد العذاب، فإنه يقتضي كون المصدر أشد عذاباً من آل فرعون، وأجاب
الطبري: بأنه محمول على من يصور ما يعبد من دون الله، وهو عارف بذلك قاصد له فإنه
يكفر بذلك، وأجاب غيره: بأن الرواية بإثبات من ثابته، وبحذفها محمولة عليها أي: إن
المصورين من أشد الناس عذاباً، وقال أبو الوليد بن رشد: إن كان الحديث في حق كافر فلا
إشكال فيه لأنه؛ يكون مشتركاً في ذلك مع آل فرعون، ويكون فيه دلالة على عظم كفر
المذكورين، وإن كان ورد في حق عاص فيكون المراد أشد عذاباً من غيره من العصاة،
ويكون دالاً على عظم المعصية المذكورة. وأجاب القرطبي: في المفهم بأن الناس إذا
أضيف إليه أشد لا يراد به كلهم، بل البعض، وهو من يشارك في المعنى المتوعد عليه
بالعذاب، ففرعون أشد الناس الذين ادعوا الألوهية عذاباً، ومن يقتدي به في ضلالة كفره
أشد عذاباً، ممن يقتدي به في ضلالة فسقه، ومن صور صورة ذات روح للعبادة، أشد ممن
يصورها، لا للعبادة، واستشكل ظاهر الحديث أيضاً بإبليس، وابن آدم الذي سن القتل،
ويجاب، بأن المراد من الحديث: من ينسب إلى آدم فخرج إبليس، وأما ابن آدم فالثابت
في حقه أن عليه أوزار من يقتل ظلماً، ولا منع أن يشاركه في مثل تعذيبه من ابتدأ الزنى مثلاً
فإن عليه مثل أوزار الزناة بعده، لأنه أول من سن ذلك، ولعل عدد الزناة أكثر من القاتلين
(متفق عليه) أخرجه البخاري، ومسلم في اللباس من صحيحهما، وأخرجه النسائي في
الزينة (السهوة) بضبطها السابق (كالصفة تكون بين يدي البيت) وقيل: الكوة، وقيل:
الرف، وقيل: أن يبني من البيت حائط صغير، ويجعل السقف على الجميع، فما كان وسط

١
٧٧ - باب: في الغضب إذا انتهكت حرمات الشرع
رَقِيقٌ. و((هَتَكَهُ)): أَفْسَدَ الصُّورَةَ الَّتي فِيهِ(١).
٦٥٠ - وَعَنها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ قُرَيْشاً أَهَمَّهُمْ شَأَنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزِومِيَّةِ الَّتي
سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللّهِ بَ؟ فَقَالُوا: مَنْ يَجْتَرِىءُ عَلَيْهِ
إلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ وَ، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ
((أَتَشْفَعُ في حَدٍ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى؟!)) ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ
البيت فهو السهوة، وما كان داخله فهو المخدع. وقيل: داخله في ناحية البيت، وقيل: بيت
صغير شبيه المخدع، وقيل: بيت صغير منحدر في الأرض، وسمكه مرتفع من الأرض
كالخزانة الصغيرة، ويكون فيها المتاع، ورجح هذا الأخير أبو عبيد ولا مخالفة بينه وبين
الذي قبله. ووقع في رواية البخاري عن عائشة: أنها علقته على بابها، وكذا عنها عند
مسلم؛ فتعين: أن السهوة بيت صغير علقت الستر على بابه قاله في الفتح (والقرام بكسر
القاف) وتخفيف الراء (هو ستر رقيق) في الفتح: هو ستر فيه رقم ونقش، وقيل: ثوب من
صوف ملون يفرش في الهودج أو يغطى به اهـ. (وهتكه أفسد الصورة التي فيه) وهذا أحد
معاني هتك. قال: في المصباح هتك زيد الستر من باب ضرب خرقة فانتهك قاله الأزهري،
وتبعه الزمخشري : جذبه حتى نزعه من مكانه أو شقه حتى أظهر ما وراءه.
٦٥١ - (وعنها أن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية) قال العراقي في مبهماته: هي
فاطمة بنت أبي الأسد أخي أبي سلمة بن عبد الأسد ذكره عبدالغني، وقيل: هي أم عمرو
بنت سفيان بن عبدالأسد، ذكره عبدالرزاق (التي سرقت) وكان ذلك يوم الفتح (فقالوا من
يكلم فيها رسول الله ( 1) أي: شفيعاً عنده فيها، والشفاعة في الحدود بعد بلوغها الإِمام
ممتنعة لحديث الباب، وما في معناه، وقيل: بلوغها له مستحبة إلا إذا كان ذلك صاحب شر
وأذى فلا يشفع فيه (فقالوا من يجترىء) من الجرأة الإقدام أي : يتجاسر عليه بطريق الإِدلال
(عليه إلا أسامة بن زيد حبُّ رسول الله وَلَةَ) بكسر الحاء أي: محبوبه، ففيه منقبة ظاهرة
لأسامة (فكلمة) معطوف على محذوف دل عليه السياق أي: فكلموه. فكلمه (أسامة فقال
رسول الله : أتشفع في حد من حدود الله تعالى) أي: بعد رفعه إليه (ثم قام فاختطب)
أي: خطب كما في نسخة، وأتى به من باب الافتعال الدال على الاعتمال إيماءً إلى أنه:
(١) أخرجه البخاري في كتاب: اللباس، باب: ما وطىء من التصاوير (٣٢٥/١٠، ٤٢٩).
وأخرجه مسلم في كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم تصوير صورة الحيوان ... (الحديث: ٩٢).

١١٢
كتاب: دليل الفالحين
ثُمَّ قَالَ: ((إنَّما أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّريفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا
سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَأَيْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ
لَقَطَعْتُ يَدَهَا)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
٦٥١ - وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ رَأَى نُخَامَةٌ فِي الْقِبْلَةِ فَشَقَّ ذَلِكَ
بالغ في الموعظة (ثم قال) أي: بعد أن وعظ وخوف، وحذر، وأنذركما تومىء إليه ثم (إنما
أهلك الذين من قبلكم) أي: الأمم (أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف) قدراً، ووجاهة
(تركوه) لوجاهته وشرفه، ثم الجملة الشرطية خبر كان (وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه
الحد) لخموله، وسقوط وجاهته (وأيم الله) بضم الميم والهمزة فيه للوصل، وهو من لغات
أيمن بفتح الهمزة في الأفصح، وتكسر. قال ابن هشام: هو اسم مفرد مشتق من اليمن
والبركة لا جمع يمين، خلافاً للفراء، وفيه اثنتا عشرة لغة جمعها ابن مالك في قوله :
أو قل م أو من بالتثليث قد شکلا
همز أیم وأیمن فافتح واکسرن أم قل
إليه في قسم تستوف ما نقلا
وأيمن اختم به والله كلا أضف
وذكر السيوطي في شرح جمع الجوامعٍ له في النحو في ذلك: عشرين لغة (لو أن
فاطمة بنت محمد) وَله (سرقت) أتى به مبالغةً، وهو على سبيل الفرض الذي يستعمل فيما
لا يكون أصلاً لا الوقوع، وكان التقي السبكي يزيد بعد هذا قوله: ((حاشاها من ذلك))، وهو
أدب حسن (لقطعت يدها) مع أنها أشرف نساء هذه الأمة، ففيه أن شرف الجاني لا يسقط
الحد عنه، وأن أحكام المولى سبحانه يستوي فيها الشريف والوضيع. (متفق عليه) أخرجه
البخاري في الأحكام، ومسلم في الحدود، ورواه أصحاب السنن الأربعة، وقال الترمذي:
حسن صحيح. (وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله وَل﴿ رأى نخامة) بضم النون. قال ابن
سيدة في المحكم: نخم الرجل دفع بشيء من صدره وأنفه، وقال في الصحاح: والمجمل
النخامة النخاعة، وفي المغرب والمطرب للمطرزي: هو ما يخرج من الخيشوم، وفي
التهذيب للمصنف: النخامة ما يلفظه الإِنسان كالنخاعة (في القبلة) أي: في الجدار الذي
يستقبلونه حال استقبالهم القبلة (فشق ذلك عليه حتى رؤي) أثر ذلك (في وجهه) من الغضب
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الحدود، باب: إقامة الحدود على الشريف والوضيع (٧٧/٢ - ٨٥).
وأخرجه مسلم في كتاب: الحدود، باب: قطع السارق الشريف وغيره ... (الحديث: ٨).

١١٣
٧٧ - باب: في الغضب إذا انتهكت حرمات الشرع
عَلَيْهِ حَتَّى رُؤيَ فِي وَجْهِهِ، فَقَامَ فَحَكَّهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ
فَإِنَّهُ يُناجِي رَبَّهُ، وَإِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَلا يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ قِبَلِ القِبْلَةِ، وَلَكِنْ عَنْ
يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ)) ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ ،
فَقَالَ: ((أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالأمْرُ بِالْبُصَاقِ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ هُوَ فيما
إِذَا كَانَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ فَلَ يَبْصُقُ إِلَّ فِي ثَوْبِهِ(١).
الذي كان يعتريه للّه إذا انتهكت حرمات الله (فقام) أي: عقب الاطلاع عليه (فحكه) إزالةً
للمنكر باليد، ويحتمل أنه كان باقياً على طراوته فأزاله بيده منها، ويحتمل أن يكون قد جف
فمعنى أزاله (بيده) أي: بما فيها من نحو عود (فقال: إن أحدكم) أي: الواحد منكم (إذا قام
في صلاته فإن يناجي ربه) جواب إذا، ومناجاته لربه من جهة إتيانه بالقرآن والأذكار، ومناجاة
ربه له من جهة لازم ذلك؛ وهو إرادة الخبر مجازاً لأن؛ الحقيقة، وهو الكلام المحسوس
مستحيلة في حقه تعالى، والمناجاة: المسارة يقال: ناجيته ونجوته إذا ساررته (وإن) بكسر
الهمزة وفتحها والواو للعطف، وهذا ما في بعض نسخ البخاري، وفي بعضها ((أو)) وهي
إيماء إلى أن بعض رواته شك في ذلك (ربه بينه وبين القبلة) قال الخطابي : معناه أن توجهه
إلى القبلة مفض بالقصد منه إلى ربه، فصار التقدير: أن مقصوده بينه وبين قبلته، وقيل: هو
على تقدير مضاف أي: عظمة الله أو ثوابه، وقيل: هو كلام خرج على التعظيم لشأن القبلة
(فلا يبزقن) بضم الزاي وقد تبدل صاداً لوقوعها قبل القاف (أحدكم قبل) بكسر ففتح أي :
مقابل (القبلة) ) أي: لأنها الجهة التي أمر اللّه بتعظيمها؛ فلا تقابل بالبزاق. قال الشيخ زكريا
في تحفة القاري: والنهي للتحريم (ولكن عن يساره أو تحت قدمه) متعلق الظرف محذوف
دل عليه ما قبله أي: ليبزق فيهما (ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه) الصاد فيه بدل من الزاي
(ثم رد بعضه على بعض) ليذهب جرم البزاق ويستهلك بذلك (فقال أو يفعل هكذا) وأو فيه،
وفيما قبله للتنويع أي: يفعل أي: هذه أحب (متفق عليه) رواه البخاري في أبواب المساجد
من صحيحه، ومسلم في كتاب الصلاة (والأمر بالبصاق عن يساره أو تحت قدمه هو فيما إذا
كان في غير المسجد) فيفعل ما أراد من الأمور الثلاثة (فأما في المسجد) جامعاً كان أو غيره
(فلا يبصق إلا في ثوبه) لحرمة البصاق فيه. قال كثير: ((البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها
(١) أخرجه البخاري في كتاب: أبواب المساجد، باب: حك البصاق باليد في المسجد (٤٢٨/١، ٤٢٩).
وأخرجه مئلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: النهي عن البصاق في المسجد ...
(الحديث: ٥٤).

١١٤
كتاب: دليل الفالحين
٧٨ - باب: في أمر ولاة الأمور بالرفق برعاياهم ونصيحتهم والشفقة
عليهم والنهي عن غشهم والتشديد عليهم وإهمال
مصالحهم؛ والغفلة عنهم وعن حوائجهم
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى(١): ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَّنْهِى عَنِ
الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ والْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
دفنها)). قال المصنف: أي: كفارة دوام إثم ذلك. أما الابتداء فلا يكفره إلا التوبة أو
فضل الله سبحانه وتعالى .
باب أمر ولاة الأمور
بضم الواو جمع، وقال: كقاض وقضاة، وغاز وغزاة (بالرفق برعاياها) جمع رعية
كخطية وخطايا، وهم الذين على ولاة الأمور مراعاة شؤونهم وإصلاح أمورهم (ونصيحتهم)
عطف على الرفق، وكذا قوله: (والشفقة عليهم والنهي) معطوف على أمر (من غشهم) كتم
ضرائرهم عنهم (والتشديد عليهم) في الأحكام وفي الأحوال (وإهمال مصالحهم) بأن يتركها
حتى تفوتهم (والغفلة) معطوف على غش أي: والنهي عن الغفلة (عنهم وعن حوائجهم)
لأن ذلك يضرهم معاشاً ومعاداً. (قال الله تعالى: ((واخفض جناحك لمن اتبعك من
المؤمنين))) الظرف في محل الحال بيان للموصول، والآية تقدم الكلام عليها، وساقها
المصنف هنا استدلالاً على ما قدمه من الرفق بالرعايا (وقال تعالى: إن الله يأمر بالعدل)
بالتوسط في الأمور اعتقاداً وعملاً (والإِحسان) إلى الناس. وعن ابن عباس: العدل التوحيد
والإِحسان الإِخلاص فيه (وإيتاء ذي القربى) صلة الرحم (وينهى عن الفحشاء) ما غلظ من
المعاصي كالزنى (والمنكر) ما ينكره الشرع (والبغي) العدوان على الناس (يعظكم لعلكم
تذكرون) أي: تتعظون. ولله در من قال: ((لو لم يكن في القرآن إلا هذه الآية لصدق عليه
إنه تبيان لكل شيء وهدى ورحمة)) ولعل إيرادها عقب قوله: ((وأنزلنا إليك الكتاب)) للتنبيه
عليه، وجملة يعظكم مستأنفة أو في محل الحال من ضمير يعظكم. والآية مشتملة على
جميع المطالب التي ترجم لها.
(١) سورة الشعراء، الآية: ٢١٥ .
(٢) سورة النحل، الآية: ٩٠.

١١٥
٧٨ - باب: في أمر ولاة الأمور
٦٥٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ، يَقُولُ:
(كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، والرَّجُلُ
رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، والْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِها وَمَسْؤولَةٌ عن
رَعِيَّتِها، وَالخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ
رَعِيَّتِهِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
٦٥٣ - وَعَنْ أَبِي يَعْلَى مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ،
٦٥٢ - (وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله (# يقول: كلكم راع) تشبيه
بليغ أي: مثل الراعي قاله العاقولي. وأفرد الخبر اعتباراً بلفظ كل، ويجوز فيها إذا كانت
مضافة إلى المعرفة اعتبار لفظها واعتبار معناها (وكلكم مسئول عن رعيته) أي : أقام بالحق
الذي لها أم لا (الإِمام) أي: ذو الخلافة العظمى، ومثله سائر ولاة الأمور (راع ومسئول عن
رعيته) يحتمل كونه من عطف خبر على مثله نحو: زيد كاتب، وشاعر، ويحتمل كونه من
عطف الجمل، أي: وهو مسئول فيكون معطوفاً على الجملة قبله (والرجل راع) أي: على
أهله وأولاده وخدمه (ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها)
من بيته هل حفظته أو أضاعته. ومن أهله المقامة عليهم هل قامت بما عليهم لها(٢) أم لا
(والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته) أحفظها عليه أم أضاعها (متفق عليه) تقدم
معنى الحديث وتخريجه في باب حق الزوج على امرأته.
٦٥٣ - (وعن أبي يعلى) ويقال: أبو عبدالله، ويقال: أبو يسار (معقل بن يسار) بفتح
التحتية، وبالسين المهملة ابن معبر بضم الميم، وفتح العين، وتشديد الموحدة، وقيل:
بإسكان العين، وفتح المثناة تحت ابن حراف بضم المهملة. وقيل: حسان بدل حراف بن
لأي بن كعب بن نور بن عدنان المزني البصري (رضي الله عنه) شهد بيعة الرضوان، ونزل
البصرة وتوفي بها آخر خلافة معاوية، وقيل: توفي أيام يزيد. روي له عن رسول الله وله
أربعة وثلاثون حديثاً اتفقا على حديث وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين. قال
أحمد بن عبدالله العجلي: ليس في الصحابة من يكنى أبا علي غير معقل، ورد بأنها كنية
طلق بن علي. وذكر أبو يحيى أحمد الحاكم: أن قيس بن عاصم كنيته أبو علي، ومعقل هذا
(١) أخرجه البخاري في كتاب: النكاح والجمعة، باب: الجمعة في القرى والمدن (٢ /٣١٧)، سبق تخريجه .
وأخرجه مسلم في كتاب: الإِمارة، باب: فضيلة الإمام العادل ... (الحديث: ٢٠).
(٢) عليهم لها لعله (عليها لهم). ع.

١١٦
كتاب: دليل الفالحين
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، يَقُولُ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً
يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشِّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ))
مُتَّفَقْ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: ((فَلَمْ يَحُطْها بِنُصْحِهِ لَمْ يَجِدْ رَائِحَةً
هو الذي ينسب إليه نهر معقل البصري، وإليه ينسب التمر المعقلي الذي بالبصرة (قال:
سمعت رسول الله وَر يقول: ما من عبد يسترعيه الله رعية) أي: يفوض إليه رعايتها.
والرعية بمعنى المرعية (يموت) خبر ما، كذا أعربه ابن مالك في شرح المشارق، والظاهر
أنه كما قبله صفة عبد والخبر محذوف(١). (يوم يموت) ظرف مقدم على عامله، والمراد:
من اليوم فيه إزهاق(٢) روحه وما قبله من حين المعاينة التي لا يقبل عندها التوبة، لا قبل
ذلك فإن التوبة قبل المعاينة صحيحة مقبولة، والتائب عن جنايته وتقصيره لا يستحق هذا
الوعيد (وهو غاش لرعيته) جملة حالية من ضمير يموت الأول، وهو قيد في الفعل، ومقصود
بالذكر لأن المعتبر من الفعل هو الحال، بمعنى: أن الله ولاء لينصحهم لا ليغشهم فيموت
كذلك، والخبر عامل في الظرف قبله. وقوله: غاش أي: خائن (إلا حرم الله عليه الجنة)
أي: دخولها مع الفائزين الناجين، أو مطلقاً إن اعتقد حل غش المسلمين وخيانتهم (متفق
عليه وفي رواية) ذكرها البخاري في كتاب الأحكام قبل الحديث قبله في باب من استرعى
رعيته فلم ينصح لهم، وظاهر قول المصنف الآتي. وفي رواية لمسلم: أن هذه لهما كالتي
قبلها ولم أره فيه (فلم يحطها) بفتح التحتية، وضم الحاء، وسكون الطاء المهملتين أي:
يكلأها، أو يصنها وزنه ومعناه والاسم الحياطة يقال حاطه إذا استولى عليه وأحاط به مثلها(٣)
أي: يشملها (بنصحه) فيسعى فيما ينفعهم، ودفع ما يضرهم (لم يجد) قيل: الصواب إثبات
إلا قبل لم لتقدم ما النافية أول الحديث، وقد جاء كذلك في نسخة الصنعاني، ولذا قال
الكرماني: مفهوم الحديث أنه يجدها، وهو عكس المقصود. والجواب أن: إلا مقدرة،
والخبر محذوف، والتقدير ما من عبد فعل كذا جوزي بحال من الأحوال إلا حرم الله عليه
الجنة، ولم يجد عرف الجنة استئناف كالمفسر للخبر المحذوف أو ليست ما نافية، وجازت
زيادة من للتأكيد في الإِثبات عند بعض النحاة. قال الحافظ ابن حجر: لم يقع الجمع بين
اللفظين المتوعد بهما في طريق واحدة، بل كل في طريق غير الأخرى، وكأنه أراد أن الأصل
(١) قوله: (محذوف) أي: كما هو التحقيق في الاستثناء المفرغ وهو أن ما بعد (إلا) بدل من عام محذوف
قبلها وسيأتي عن الكرماني مثله. ع.
(٢) (إزهاق) لعله (وقت إزهاق). ع.
(٣) (مثلها) لعله (مثله). ع.

١١٧
٧٨ - باب: في أمر ولاة الأمور
الْجَنَّةِ)) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : ((مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ لَا يَجْهَدُ لَهُمْ،
وَيَنْصَحُ لَهُمْ إِلَّ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمْ الْجَنَّةَ))(١).
٦٥٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ يَقُولُ فِي بَيْتِي
هَذَا: ((اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئاً فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْتُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ
في الحديث جمعهما فحفظ بعض ما لم يحفظه بعض وهو محتمل، لكن الظاهر أنه لفظ
واحد تصرفت فيه الرواة اهـ. ومفعول يجد قوله: (رائحة الجنة) أي: ابتداء أو مطلقاً على
ما تقدم وقوله: ((فلم يحطها)) بنصحه بدل قوله في الحديث قبله: ((يموت يوم يموت إلى آخر
الحديث)) زاد الطبراني: ((وعرفها يوجد يوم القيامة من مسيرة سبعين عاماً)) قال في التوشيح:
وللطبراني من مسيرة خمسمائة، وفي الفردوس ألف عام. وجمع بأن ذلك يختلف بحسب
اختلاف الأشخاص والأعمال وتفاوت الدرجات، فيدركه من شاء من مسيرة ألف عام، ومن
شاء من مسيرة أربعين أو مائتين قاله: ابن العربي وغيره (وفي رواية لمسلم) أي: وما قبلها
للبخاري فقط كما أشرنا إليه، وإن كان ظاهر الاستصحاب لما قبله أن يكون لهما أيضاً (ما
من أمير يلي أمور المسلمين) ما تفيده عموم إضافة الجمع غير مرادة، بل الحديث شامل
الذي الإمامة العظمى ولغيره من باقي الولاة. وظاهر أن مثل المسلمين أولي العصمة من ذمي
ومعاهد لحرمة التعرض لهم حينئذ، فيجب على الإِمام أن يسعى فيما لهم، ويكف عنهم
أذى من يؤذيهم بغير طريق مأذون فيه شرعاً، ولعل الاقتصار عليهم لكونهم أشرف. وقد تقدم
بلفظ يسترعيه الله رعية فيشمل الجميع (ثم لا يجهد لهم) بفتح الهاء قال في المصباح: جهد
في الأمر من باب نفع إذا طلب حتى بلغ غايته في الطلب (وينصح لهم) بتقدير لا قبله، لأن
الوعيد مرتب على ترك أحدهما لا على ترك المجموع بدليل رواية البخاري السابقة. (إلا لم
يدخل معهم الجنة).
٦٥٤ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله وسلم يقول في بيتي هذا)
الظرف في محل الحال من الضمير المستكن في الفعل، وإضافة البيت إليها لكونه سكناها
وإلا فهو بالحقيقة له وير والإشارة إليه زيادة في الإِيضاح، ودفعاً لتوهم كون الأخبار في غير
بيتها الذي به دفن ير ومعه صاحباه رضي الله عنهما (اللهم من ولى من أمر أمتي شيئاً)
التنكير فيه للتعميم فيشمل جليل الولاية ودنيئها. ومن في قوله: ((من أمر أمتي)» ابتدائية
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأحكام، باب: من استرعى رعيه فلم ينصح (١١٢/١٣ و١١٣).
وأخرجه مسلم في كتاب: الإِمارة، باب: فضيلة الإِمام العادل ... (الحديث: ٢١).

١١٨
كتاب: دليل الفالحين
أُمَّتِي شَيْئاً فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
٦٥٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَ: ((كَانَتْ بَنُو
إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الْأَنْبِياءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَّبِيُّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وإِنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَيَكُونُ بَعْدِي
ويصح كونها بيانية لشيئاً في محل الحال وكان صفة فلما قدمت أعربت حالاً (فشق
عليهم)(١) قولاً وفعلاً (فاشفق عليه) فيكون الجزاء من جنس العمل، أي: أوقعه في المشاقِ
دنيا كتسليط الأعادي عليه وأخرى بأنواع التعذيب (ومن ولي من أمر أمتي شيئاً) أتى به ظاهراً
مع أن المقام للإِضمار بأن يقال: ((منه)) زيادة في الإِيضاح لكون غالب شأن ولاة الأمور قلة
العلم وبعد ألفهم لاشتغالهم بأمور الإِمامة وسياستها عن دقائق العلوم ورياستها(٢) فأوضح
لتقوم الحجة عليهم فلا يعتذروا بخفاء المراد من عبارة الشارع عليهم، وتنبيهاً على السبب
الداعي لجزاء الأمير بما فعله فيهم من رفق ومشقة، أي: كونهم أمته مضافين لحضرته
مستأهلين لذلك السعي في مصالحهم والجهد في دفع ضرائرهم والله أعلم. (فرفق بهم)
قولاً وفعلاً (فارفق به) دنيا وأخرى، وقد جاء كما تدين تدان (رواه مسلم) في المغازي من
صحيحه، ورواه النسائي في السير.
٦٥٥ - (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (* كانت بنو إسرائيل) هو اسم
يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بالعبرانية وأسر معناه عبد وإيل معناه الله. أي: عبدالله
(تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه آخر) أي: أنهم كانوا إذا ظهر فيهم فساد بعث الله نبياً
يقيم لهم أمرهم ويزيل ما غيروه من أحكام التوراة وفيه، إيماءً إلى أنه لا بد للرعية ممن يقوم
بأمرها ويحملها على الطريق وينصف المظلوم من ظالمه، وجملة كلما إلخ في محل الحال
من فاعل يسوس، أي: الأنبياء تترى بعضهم أثر بعض وجملة (وإنه لا نبي بعدي) معطوفة
على كانت بنو إسرائيل، واسم إن ضمير الشأن وخولف بين المعطوف والمعطوف عليه لإِرادة
الثبات والتوكيد في الثاني. والمراد إنه لا نبي بعدي، أي: فيفعل ما كان يفعل أولئك
(وسيكون بعدي خلفاء) الظرف في هذه لم أجده في النسخ المصححة من الصحيحين بل
في فتح الباري ((وستكون خلفاء)) أي: بعدي فهو صريح في عدم وجودها في البخاري،
ولعله في بعض النسخ عندهما أو عند أحدهما (فيكثرون) بالمثلثة. وحكى عياض: أن منهم
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الامارة، باب: فضيلة الإمام العادل ... (الحديث: ١٩).
(٢) (فشق عليهم) هاتان الكلمتان وضعتا في الأصول قبل قوله: (في محل الحال) وهو خطابين. ع.
(٣) (ورياستها) لعله (ودراستها). ع.

١١٩
٧٨ - باب: في أمر ولاة الأمور
خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ)) قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنا؟ قَالَ: ((أَوْفُوا بِبَيْعَةِ الْأُوَّلِ، ثُمَّ أَعْطِوهُمْ حَقَّهُمْ،
وَاسْأَلُوا اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّ اسْتَرْعَاهُمْ)) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ(١).
٦٥٦ - وَعَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرِو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ فَقَالَ:
أَيْ بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ يَقُولُ: ((إِنَّ شَرَّ الرِّعَاءِ الْحُطَمَةُ)) فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ
من ضبطه بالموحدة وهو تصحيف، ووجه بأن المراد إكبار قبيح فعلهم (قالوا فما) مفعول ثان
مقدم لقوله: (تأمرنا) ويجوز إعراب ما مبتدأ ويقدر بعد الفعل مفعول إما صريحاً، أي:
تأمرناه، أو مع حرف الجر أي: به. والفاء فيه جواب شرط مقدر، أي: كثر بعدك الخلفاء أو
تنازعوا فما تأمرنا نفعل (قال: أوفوا ببيعة الأول) أي: بقضيتها من طاعته والانقياد وقتال من
بغى عليه وخرج عن طاعته، وذلك لانعقاد إمامته لعدم اشتغال الأمر بأحد (ثم أعطوهم
حقهم) أي: أطيعوهم وعاشروهم بالسمع والطاعة، وهو كالبدل من قوله أوفوا بطاعة الأول
(واسألوا الله الذي لكم) أي: عليهم من الرفق بكم والجهد في مصالحكم والنصيحة لكم إذا
لم يقوموا به (فإن الله سائلهم عما استرعاهم) هو كحديث ابن عمر السابق في الباب ((كلكم
راع وكلكم مسئول عن رعيته)) وفي الحديث: تقدم أمر الدين على أمر الدنيا؛ لأنه وَ لخير أمر
بتوفية حق السلطان لما فيه من إعلاء كلمة الدين وكف الفتنة والشر وتأخير المرء المطالبة
بحقه لا يسقطه، وقد وعده الله أن يخلصه له ويوفيه إياه ولو في الدار الآخرة (متفق عليه)
رواه البخاري في ذكر بني إسرائيل أواخر كتاب الأنبياء من صحيحه، ومسلم في المغازي،
ورواه ابن ماجه.
٦٥٦ - (وعن عائذ) بالعين المهملة وبعد الألف همزة فذال معجمة (ابن عمرو) تقدمت
ترجمته (رضي الله عنه) في باب الأمر بالمعروف (أنه دخل على عبيدالله) بضم المهملة وفتح
الموحدة مصغراً (ابن زياد) بكسر الزاي وبالتحتية وهو أمير العراقين بعد أبيه (فقال أي: )
بفتح الهمزة وسكون التحتية حرف لنداء القريب و(بني) بصيغة التصغير للتحبب والتحنن
يطرد في يائه الكسر دلالة على ياء المتكلم المحذوفة تخفيفاً، والفتح والإِسكان تخفيفاً وقد قرىء
بهذه اللغات في السبع (إني سمعت رسول اللّه ◌َ لقال يقول: إن شر الرّعاء) بكسر الراء آخره ألف
ممدودة جمع راع ويجمع على رعاة بضم أوله بزيادة هاء آخره كقاض وقضاة (الحطمة) بضم
المهملة الأولى وفتح الثانية. قال في النهاية: هو العنيف برعاية الإِبل في السوق والإِيراد
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأنبياء، باب: ذكر بني إسرائيل (٣٦٠/٦).
وأخرجه مسلم في كتاب: الامارة، باب: وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول، (الحديث: ٤٤).

١٢٠
كتاب: دليل الفالحين
مِنْهُمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ [لا بل انفرد به مسلم](١).
٦٥٧ - وَعَنْ أَبِي مَرْيَمَ الْأَزْدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ يَقُولُ: ((مَنْ وَلَهُ اللَّهُ شَيْئاً مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ دُونَ
حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ، احْتَجَبَ اللَّهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) فَجَعَلَ
والإِصدار ويلقي بعضها على بعض ويعسفها، ضربه مثلاً لوالي السوء ويقال حطم بلا هاء
اهـ. وهو مأخوذ من الحطم وهو الكسر، والمراد منه لفظ القاسي الذي يظلمهم ولا يرق
لهم ولا يرحمهم وهذا آخر الخبر المرفوع وقوله: (فإياك أن تكون منهم) من كلام عائذ
نصيحة لابن زياد وأدرجه في آخر الحديث (متفق عليه) فيه أن الحديث إنما أخرجه مسلم
في آخر المغازي، وقد رمز له كذلك الحافظ المزي في الأطراف، ولم يرمز للبخاري وكذا
اقتصر في الجامع الصغير على رمز مسلم وزاد وأخرجه أحمد وليس فيه رمز للبخاري. وفي
التيسير مختصر جامع الأصول للدبيع: بعد ذكر حديث معقل المذكور آنفاً أخرجه الشيخان
وفي أخرى لمسلم عن الحسن البصري؛ أن عائذ بن عبدالله دخل على ابن زياد فذكر
الحديث فبان أنه من إفراد مسلم لا من المتفق عليه، وهذا إن لم يكن من تحريف الكتاب
سبق قلم من المصنف.
٦٥٧ - (وعن أبي مريم الأزدي) بفتح الهمزة وسكون الزاي. قال الحافظ في تبصير
المنتبه: هذا هو الأكثر ويقال في مثله بإبدال الزاي سيناً مهملة نسبة إلى الأزد! هـ. وقال ابن
الأثير: هو الكندي ويقال الأزدي يعد في الشاميين، قيل إنه غير أبي مريم الغساني، وقيل إنه
هو وقد ذكره ابن منده في ترجمة أبي مريم السلولي فقال: أراه الكندي ولا يبعد فإن السلول
قبيلة من كندة. قال الحافظ المزي في الأطراف: قيل إن أبا مريم هذا هو عمرو بن مرة
الجهني وقد روى علي بن الحكم النسائي عن أبي الحسن الجزري الشامي قال: قال
عمرو بن مرة لمعاوية فذكره قريباً منه اهـ. روي له عن رسول الله صلّل هذا الحديث.
(رضي الله عنه أنه قال لمعاوية رضي الله عنه سمعت رسول الله وسلّر يقول من ولاء الله شيئاً)
أي: شيء كان كما يؤذن به عمومه بكونه نكرة في سياق النفي (من أمور المسلمين فاحتجب
دون حاجتهم وخلئهم) بفتح المعجمة وتشديد اللام، قال في النهاية: هي الحاجة والفقر
فهو من عطف المرادف أو الخاص على العام، وكذا عطف قوله: (وفقرهم) والجمع بين
الثلاثة إطناب. وقال العاقولي: بل بين الثلاثة فرق فالحاجة ما يهتم به الإِنسان وإن لم تبلغ
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: فضيلة الإمام العادل ... (الحديث: ٢٣). راجع من أجل ذلك تحفة
: الأشراف بمعرفة الأطراف : (٥٠٥٩).