النص المفهرس

صفحات 1-20

د
ر
ب
لِط ◌ُرُقِ رَيَاضِ الصَالحِين
تَأليف
العَالِ الْعَلَّمَة الْمُفْسِّرِ، محمّد بنِعِلّان الصِّيقِي الشَافِعْ
الاشعري المكي، المتوفى سنة ١٠٥٧ هـ
طبعَة جَديدة مصحّحَة
مرقمة ومخرّجة الآيات والأحاديث
اعتنى بهما
الشَّيِّخِ خَلِيْل مَأْ مُون شْبَحَا
الجُزءُ الخامِسُ

جميع الحقوق محفوظة للناشر
الطبعة الرابعة : 1425 هـ 2004 مـ
ISBN 9953-429 -72-3
دار المعرفة
للطباعة والنشر والتوزيع
DAR EL-MAREFAH
Publishing & Distributing
جسر المطار - شارع البرجاوي - ص ب: ٧٨٧٦, هاتف: ٨٣٤٣٠١ - ٨٥٨٨٢٠، فاكس ٨٣٥٦١٤، بيروت - لبنان
Airport Square, P.O.Box :7876,Tel : 834301, 858820, Fax : 835614 , Beirut - Lebanon
http: // www.marefah.com/
E.mail: info@marefah.com

دَائِكُ القَاهِينُ
لِطُرُقِ رَيَاضِ الصَالحِين
٥-٦

٥
٦٥ - باب: في ذكر الموت
بِشِـ
◌ِنَ ◌ّمِ الرَّم.
٦٥ - باب: في ذكر الموت وقصر الأمل
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (١): ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ
زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدَاً
باب ذكر الموت
الأكثر: أنه أمر وجودي وهو عرض مضاد الحياة، وقيل: عدمي، أي: عدم الحياة عما
من شأنه وفسر هذا قوله تعالى: ﴿خلق الموت﴾(٣) بقوله: أي: قدره (وقصر) بكسر ففتح
(الأمل) بفتحتين قال السيوطي في التوشيح: هو رجاء ما تحبه النفس. قال ابن الجوزي :
وهو مذموم للناس لا للعلماء فلولا أملهم؛ لما ألّفوا ولا صنّفوا (قال الله تعالى: كل نفس
ذائقة الموت) ألم مقدماته وحال سكراته، وهذا وعد ووعيد للمصدق والمكذب (وإنما
توفون أجوركم) تعطون جزاء أعمالكم، خيراً كان أو شراً تاماً وافياً (يوم القيامة) إذ هو يوم
الجزاء للعمال على ما لهم في الدنيا من الأعمال (فمن زحزح) أي: نحي وأبعد (عن النار
وأدخل الجنة) هو كالتصريح بالملزوم؛ إذ يلزم الإِبعاد عن النار إدخالها الجنة، إذ لا واسطة
بينهما عند أكثر أهل الحق (فقد فاز) من الفوز وهو الظفر بالمراد والمرام (وما الحياة الدنيا)
أي: زخارفها (إلا متاع الغرور) أي: كمتاع يدلس به على المستام فيغر ويشتريه، فمن أعتزّ
بها وآثرها فهو مغرور وقال تعالى في الآية التي فيها ما جاء في الحديث: أنها من مفاتيح
الغيب، (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا)
أي: أي شي خير أو شر، (تكسب غدا) والجملة عطف على جملة: إن الله أثبت اختصاصه
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٨٥.
(٢) سورة لقمان، الآية: ٣٤.
(٣) سورة الملك، الآية: ٢.

٦
كتاب: دليل الفالحين
وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى(١): ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَ أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ
يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ
الْمَوتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجْلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ
يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُها واللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ .
به تعالى على سبيل الكفاية على الوجه الأبلغ، (وما تدري نفس بأي أرض تموت) وإذا كان
هذا شأنها فيما هو أخص الأشياء بها فكيف هي بمعرفة ما عداهما (وقال تعالى: فإذا جاء
أجلهم) أي: وقت انقضاء عمرهم (لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) أي: لا يستمهلون
لحظة. (وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله)
الصلوات الخمس وسائر العبادات، والمراد نهيهم عن اللهو بها (ومن يفعل ذلك) أي :
الشغل عن ذكر الله بالمال والولد (فأولئك هم الخاسرون) حيث آثروا العاجل على الآجل،
والفاني على الباقي. (وأنفقوا مما رزقناكم) المراد كما قال جمهور المتأولين: الزكاة، وقيل:
هو عام في كل مفروض ومندوب (من قبل أن يأتي أحدكم الموت) أي: علامته وأوائل أمره
(فيقول رب لولا أخرتني) أي: أمهلتني وهو طلب الكرة والإِمهال (إلى أجل قريب) أي: زمن
يسير آخر. قال ابن عطية: سماه قريباً؛ لأنه آت أو لأنه إنما تمناه، ليقضي فيه العمل الصالح
فقط، وليس يتسع الأمل حينئذ لطلب العيش ونضرته (فأصدق) أي: أتصدق وهو منصوب
في جواب الطلب (وأكن من الصالحين) بالتدارك وكل مفرط يندم عند الاحتضار، ويسأل
الأمهال للتدارك وقرأ الجمهور ﴿أكن﴾ بالجزم. قال الزمخشري: عطف على محل.
﴿فأصدق وأكن﴾، هذا مذهب أبي علي الفارسي. وأما ما حكاه سيبويه عن الخليل فهو غير
هذا وهو أنه جزم ﴿أكن﴾ على توهم الشرط الذي يدل على التمني، ولا موضع هنا؛ لأن
الشرط ليس بظاهر وإنما يعطف على الموضع حيث يظهر الشرط كقوله: ﴿من يضلل الله فلا
هادي له﴾(٣)؛ ويذرهم فيمن جزم ويذر عطف على موضع (فلا هادي له)؛ لأنه لو وقع هنا
لك فعل كان مجزوماً، والفرق بين العطف على الموضع، والعطف على التوهم مفقود،
وأثره موجود دون مؤثره اهـ (ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها) حض على المبادرة
والمسابقة للأجل بالعمل الصالح. (والله خبير بما تعملون) قرىء بالفوقية وعد وبالتحتية
(١) سورة الأعراف، الآية: ٣٤. (٢) سورة المنافقون، الآيات: ٩ -١١. (٣) سورة الصافات، الآية: ٥٠.

٧
٦٥ - باب: في ذكر الموت
وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ
صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ * فَإِذَا
نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُون * فَمَنْ تَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ
وعيد أي: فهو مجازيكم على صالح عملكم ويجازيهم على سيئها. (وقال تعالى: حتى)
متعلق بيصفون المذكور قبله في قوله: (سبحان الله عما يصفون)(٢) وما بينهما اعتراض؛
لتأكيد الاعتناء بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم أي: لا يزالون على سوء الذكر إلى أن
جاء أحدهم، وجوز ابن عطية كونها غاية لكلام محذوف واقتصر عليه أبو حيان في النهر.
قال: والتقدير فلا أكون كالكفار الذين يهمزهم الشيطان ويحضرونهم حتى، (إذا جاء أحدهم
الموت) ورجح ابن عطية كونها ابتدائية (قال: رب ارجعون) ردوني إلى الدنيا، والواو؛
لتعظيم المخاطب، وقيل: لتكرر قوله: أرجعني قال: ابن عطية أو استغاث بربه أولاً ثم
خاطب ملائكة العذاب بقوله: أرجعون (لعلي أعمل صالحاً فيما تركت) أي: في الذي تركته
من الإِيمان، لعلي آتي به وأعمل فيه صالحاً أو المال أو الدنيا (كلا) ردع عن طلب الرجعة
واستعباد لها. وفي النهر قيل: هي من قول الله تعالى، وقيل: من قول من عاين الموت
يقولها لنفسه تحسراً وتندماً (إنها) أي: رب ارجعون إلخ. (كلمة) والكلمة الطائفة من الكلام
المنتظم بعضها مع بعض (هو قائلها) لا محالة، لتسلط الحسرة عليه، وهذا محتمل كما قال
ابن عطية: للأخبار المؤكدة بوقوع هذا الشيء، أو بأن المعنى أن هذه كلمة لا تغني من أكثر
قولها، ولا نفع له بها، ولا غوث فيها. وإشارة إلى أنهم لو ردوا لعادوا كما كانوا، ففيه
ذمهم. قال الصفوي: وعلى الثالث فهو علة الردع، أي: ارتدعوا، فوعدكم بالعمل الصالح
لو رجعتم مجرد وعد، لا وفاء بحقه. (ومن ورائهم) أي: أمامهم (برزخ) حاجز بينهم وبين
الرجعة. (إلى يوم يبعثون) هو إقناط كلي للعلم بأن لا رجعة إلى الدنيا يوم البعث، فلا رجعة
أصلاً. (فإذا نفخ في الصور) وهو القرن، وقيل: جمع صورة، وأيده القاضي البيضاوي
بقراءة صور بضم ففتح وكسر، والمراد النفخة الأخيرة (فلا أنساب بينهم) أي: لا تنفع
(يومئذ ولا يتساءلون) كما يفعلون اليوم، بل يفرح القريب أن وجب له حق، ولو على ولده
ووالده فيأخذه منهما ولا يتساءلون، أي: لا يسأل حميم قريب حميه وقريبه، ولا ينافيه قوله
تعالى: (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون)(٣)؛ لأن يوم القيامة مواطن ومواقف، أو ما
(١) سورة المؤمنون، الآيات: ٩٩ - ١١٥
(٢) سورة الصافات، الآية: ١٥٩.
(٣) سورة الأعراف، الآية: ١٨٦.

٨
كتاب : دليل الفالحين
الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلْئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ
وُجُوهَهُمُ النَّارُ، وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذَّبُونَ ﴾ إلَى
قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ كَمْ لَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَايَوْمَاً أَوْ بَعْضَ يَومٍ
نحن فيه عند النفخة، والآية الثانية بعد المحاسبة، أو دخول أهل الجنة، هذا، وعن عمر
رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَل يقول: ((كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا
سببي ونسبي)) (فمن ثقلت موازينة) بأن تكون له عقائد وأعمال صالحة تثقل ميزانه. (فأولئك
هم الفلحون) الفائزون بالنجاة والدرجات. (ومن خفت موازينه) بأن لا عقائد، ولا أعمال
صالحة تثقل ميزانه. (فأولئك الذين خسروا أنفسهم) حيث أبطلوا استعدادها، وجمع
الموازين من حيث إن الموزون جمع، وهي أعمال، ومعنى الوزن إقامة الحجة على العباد،
وإظهار للعدل بالمحسوس على عادتهم وعرفهم، وفي وزن الكافر وجهان قيل: يوضع كفره
في كفة فلا يوجد شيء يعادله في الكفة الأخرى، وقيل: بأن يوضع في الثانية ما له من عمل
صالح من صلة رحم ووجه بر فيخف عمله (في جهنم خالدون) بدل من خسروا أنفسهم ولا
محل له؛ لأن المبدل منه وهو الصلة لا محل له، وأخبر بعد خبر لأولئك، أو خبر مبتدأ
محدوف، أي: متعلق الطرف بدل من الصلة وهو من بدل المطابق كما في النهر، قال:
وأجاز أبو البقاء أن يكون الذين نعت أولئك، وخبر أولئك في جهنم، والظاهر أنه خبر أولئك
لا نعته وخالدون خبر ثان وفي جهنم متعلق به (تلفح) تحذف (وجوههم النار وهم فيها
كالحون) أي: عابسون وهو تقلص الشفتين من الإِنسان وخص الوجه باللفح؛ لأنه أشرف ما
في الإِنسان والإِنسان أحفظ له من الآفات من غيره من الأعضاء فإذا لفح فغيره ملفوح، ولما
ذكر اللفح ذكر الكلوح المختص ببعض الأعضاء وهو الوجه فتقلص الشفة العليا حتى تبلغ
الرأس وتستر في الشفة السفلى حتى تبلغ السرة، كما جاء ذلك في حديث مرفوع عند
الترمذي وقال إنه حسن صحيح (ألم تكن آياتي تتلى عليكم) أي: يقال لهم ذلك (فكنتم بها
تكذبون قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا) الشقاوة سوء العاقبة (وكنا قوماً ضالين) عن الهدى
(ربنا أخرجنا منها فإن عدنا) لما تكره (فإنا ظالمون قال اخسئوا فيها) أي: ذلوا وانزجروا كما
تنزجر الكلاب (ولا تتكلمون) في رفع العذاب، ولا تتكلمون رأساً، وعن بعض السلف أنه
لم يكن لهم بعد ذلك إلا زفير وشهيق وعواء كالكلاب (إنه) أي: الشأن (كان فريق من
عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين) قال ابن عطية: والفريق
المشار إليه هم المستضعفون من المؤمنين، وهي وإن نزلت في شأن الكفار من قريش مع
صهيب وبلال وعمار ونظرائهم إلا أن نظراءهم في ذلك مثلهم (فاتخذتموهم سخرياً) بكسر

٩
٦٥ - باب: في ذكر الموت
فَسْئَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِن ◌َّبْتُمْ إِلَّ قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ
عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَلاَ تُرْجَعُونَ﴾ .
وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ
السين وضمها لغتان بمعنى الهزوء وزيدت ياء النسبة للمبالغة، وعند الكوفيين المضموم من
السخرة بمعنى الإنقياد والعبودية، وكسرها من الاستهزاء والكسر فيه أكثر وهو أليق بالآية، ألا
ترى أن قوله: (حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون) ونسبة الإِنساء إلى الفريق من
حيث أنه كان بسببهم، والمعنى اشتغالهم بالهزؤ بهؤلاء أنساهم ما ينفعهم (إني جزيتهم اليوم
بما صبروا) أي: بصبرهم على أذاكم (إنهم هم الفائزون) قال الزمخشري: من فتح همزة
إن فهي ومعمولاها المفعول الثاني إني جزيتهم فوزهم، ومن كسر فهو استئناف، وقال في
النهر الظاهر أنه تعليل من حيث المعنى لا من الإِعراب لإصطرار المفتوحة إلى عامل،
والفائزون المنتهون إلى غايتهم التي كانت أملهم، ومعنى الفوز: النجاة من هلكة إلى نعمة
((قال) أي: الله أو الملك المأمور بسؤالهم (كما لبستم في الأرض) أي: أحياءً (عدد سنين)
تمييز لكم، وسؤاله لهم توقيف وهو تعالى يعلم عدد ما لبثوا أو لفرط هول العذاب نسوا ذلك
(قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم) قال ابن عطية: والغرض توقيفهم على أن أعمارهم القصيرة
أداهم الكفر فيها إلى عذاب طويل. وقيل: معناه السؤال عن مدة لبثهم في التراب أموات و
عليه جمهور المتأولين. قال ابن عطية: وهو أصوب من حيث إنهم أنكروا البعث، وكانوا
يرون أن لا يقومون من التراب. قيل لهم: لما قاموا منه كم لبثتم (فاسأل العادين) أي
القادرين على العدد فنحن في شيء لا نقدر معه على أعمال الكفر، والعادين الملائكة
الحفظة. (قال إن لبثتم إلا قليلاً لو أنكم كنتم تعلمون) أي: ما لبثتم فيها إلا زماناً قليلاً على
فرض أنكم تعلمون مدة لبثكم، (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً) أي: عابثين بلا فائدة، حال أو
مفعول له ملهياً بكم، وما زيدت للتأكيد (وإنكم إلينا لا ترجعون) عطف على إنما. (وقال
تعالى: ألم يأن) أي: ألم يحن، يقال: إني الشيء يأني إن حان (للذين آمنوا أن تخشع
قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق) أي: ألم يأت وقت خشوعها عند ذكر الله أو لأجل
ذكر الله والموعظة وسماع القرآن. عن ابن عباس: عوتب المؤمنون بهذه الآية بعد ثلاث
عشرة سنة من نزول القرآن. وحكى السبكي عن ابن المبارك وكسر العود وجاءه التوفيق
والخشوع والإِخبات والتطامن، وهي هيئة تظهر في الجوارح متى كانت في القلب ولذا خص
(١) سورة الحديد، الآية: ١٦.

١٠
كتاب: دليل الفالحين
وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَّابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ
مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾.
والآياتُ في الْبَابِ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ .
٥٧٣ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ بِمَنْكِبِي، فَقَالَ:
(كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ)) وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ
القلب بالذكر. (ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل) كاليهود والنصارى عطف على
تخشع على قراءته بالتحتية ونهى عن مماثلة أهل الكتاب على القراءة بالفوقية وفيه التفات
(فطال عليهم الأمد) الزمان بينهم وبين أنبيائهم. (فقست قلوبهم) معناه: صلبت، وقل
خيرها وانفعالها للطاعات، وسكنت إلى المعاصي، ففعلوا منها ما هو مأثور عنهم، (وكثير
منهم فاسقون) خارجون عن الدين (والآيات) القرآنية (في الباب) أي: التحريض على
تذكر الموت، وترك الاغترار بالحياة (كثيرة معلومة) والسعيد يكفيه واعظ واحد بخلاف من لا
نور له، فلا ينجع فيه ألف عظة وشاهد.
٥٧٣ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله وَل بمنكبي) كأنه فعل به ذلك
ليقبل على سماع ما يلقى إليه، ويفيق من غمرة ما هو فيه من الشغل عن ذلك. ونظير هذا
التنبيه الفعلي التنبيه القولي في قوله وغير: ((ألا أنبئكم بخير أعمالكم)) الحديث. والياء
يحتمل أن تكون بالتشديد على أن المضاف مثنى أدغمت ياؤه في ياء المتكلم. وإنما أخذ
بهما زيادة في التنبيه. ويحتمل أن تكون بالتخفيف على إفراد ما قبله وهو الأقرب. (فقال:
كن في الدنيا كأنك غريب) أي: فلا تستكثر فيها من أمتعتها وزهراتها فإن شأن ذي الأسفار
التخفيف عن نفسه بإلقاء ما يثقله.
قال الشاعر:
ألقى الصحيفة كي يخفف رحله والزاد حتى نعله ألقاها
والإِنسان في الدنيا غريب على الحقيقة لأن؛ الوطن الحقيقي هو الجنة كما حمل عليه
كثيرٌ ((حب الوطن من الإِيمان)) على الجنة، وهي التي أنزل الله بها الأبوين ابتداءً وإليها
المرجع إن شاء الله تعالى بفضل الله ومنه. والإِنسان في الدنيا في دار غربة كالمسافر من
وطنه حتى يرجع إليه والله الموفق لما يوصل إلى الرجوع إليه (أو عابر سبيل) أي: داخل
البلد على سبيل المرور بها لكونها على طريقك، ومن كان كذلك لا يأخذ منها إلا ما تدعو

١١
٦٥ - باب: في ذكر الموت
الصَّباحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ
لِمَوْتِكَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١).
٥٧٤ - وَعَنْهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ، قَالَ: ((مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ
يُوصِي فیهیَبِيتُ .
إليه ضرورة سفره من نحو طعام أو شراب. (وكان ابن عمر يقول:) كالتذييل لما قبله من
حيث المعنى حضاً للناس على ورود هذا المنهل، ورد عناية ببركة حلول نظر المصطفى وليه
(إذا أمسيت) أي: دخلت في المساء (فلا تنتظر الصباح) وهو لغةً: من نصف الليل إلى
الزوال، ومنه إلى نصف الليل المساء كما نقله السيوطي عن الجمهرة لابن دريد وقال: إنها
فائدة عزيزة النقل. أما الصباح شرعاً: فمن طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. والمعنى: إذا
أدركك المساء فبادر بصالح العمل والتوبة من الزلل، ولا تسوف بأن تدرك زمن الصباح
فتؤخر ذلك له، فلعل الأجل ينقضي قبله كما يقع كثيراً، وعقدت هذا المعنى في قولي :
ولا تهمله تنتظر الصباحا
إذا أمسيت فابتدر الفلاحا
قضوا نحباً وقد باتوا صحاحا
وتب مما جنيت فكم أناساً
(وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك) أي: زمنها لعمل البر ما تدخره
(لمرضك) لعجزك عن ذلك (ومن حياتك) لتمكنك فيها من عمل الطاعات (لموتك)
ليؤنسك في القبر (رواه البخاري) والحديث تقدم مع شرحه في باب فضل الزهد.
٥٧٤ _ (وعنه أن رسول الله وَ لير قال: ما حق) أي: ليس شأن (امرئٍ مسلم) من جهة
الحزم والاحتياط. والتقييد بالمسلم خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، أو للتهييج لتقع
المبادرة إلى امتثاله لما يشعر به من نفي الإِسلام عن تارك ذلك. قاله: في فتح الباري. (له
شيء) في رواية: له مال (يوصي فيه يبيت) كأنه؛ على تقدير أن أي: بيانه. وهو كقوله
تعالى: ﴿ومن آياته يريكم البرق﴾ أي ليس شأنه من جهة الحزم والاحتياط بيانه. كذلك
لعله يفجؤه الموت وهو على غير وصية. ولا ينبغي للمؤمن أن يغفل عن ذكر الموت
والاستعداد له. والمصدر المؤول من أن بدل من امرىء. ويجوز أن يكون ببيت صفة
لمسلم. وبه جزم الطيبيٍ وقال: هي صفة ثانية. وقوله: يوصي فيه صفة شيء، ومفعول
يبيت محذوف أي: آمناً أو ذاكراً وقال ابن التين: تقديره موعكاً والأول أولى لأن؛ طلب
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: قول النبي و الر كن في الدنيا إلخ. (١٩٩/١١، ٢٠٠).

١٢
كتاب: دليل الفالحين
لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ. وَفِي رِوَايَةٍ مُسْلِمٍ:
(يَبِيتُ ثَلاَثَ لَيَالٍ)) قَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِوَلَ قَالَ
ذَلِكَ الَّ وَعِنْدِي وَصِيَّتِي(١).
٥٧٥ - وَعَنِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ ◌َةِ خُطُوطَاً، فَقَالَ: ((هَذَا
الوصية لا يختص بالمريض. وخبر ((ما)) هو المستثني. كذا نقل الطيبي والكرماني. وفيه: أن
الرواية بإثبات الواو في المستثني وهي لا تدخل الخبر. ويؤخذ من إعراب ابن مالك لرواية
مسلم الآتي : أن يبيت خبر ما أي: من غير تقدير قبلها. قال ابن عبد البر: والوصف بالمسلم
خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، أو ذكر تهييجاً للمبادرة لامتثال مضمونه لإشعاره بنفي
إسلام تاركها، ووصية الكافر جائزة في الجملة (ليلتين) كذا لأكثر الرواة. ولأبي عوانة
والبيهقي من طريق حماد بن زيد يبيت ليلة أو ليلتين. وسيأتي ما عند مسلم. وكأن ذكر
الليلتين والثلاث لرفع الحرج لتزاحم أشغال المرء التي لا بد له منها ففسح له بهذا القدر
ليتذكر ما يحتاج إليه. واختلاف الرويات دال على أنه للتقريب لا للتحديد. والمعنى لا
يمضي عليه زمان وإن كان قليلاً (إلا ووصيته مكتوبة عنده) أي: مشهود بها لأن الغالب في
كتابتها الشهود، ولأن أكثر الناس لا يحسن الكتابة فلا دليل فيه على اعتماد الخط. (متفق
عليه) رواه البخاري ومسلم في الوصايا، وفي الجامع الصغير. ورواه مالك والأربعة من
حديث ابن عمر. (هذا لفظ البخاري) في أول كتاب الوصايا من صحيحه (وفي رواية
لمسلم يبيت ثلاث ليال) كأن التقييد بالثلاث غاية التأخير ولذا قال ابن عمر ما مرت على ليلة
إلى آخر ما يأتي وفي رواية لمسلم ما حق امرىء مسلم تمر عليه ثلاث ليال إلا عنده وصيته
قال ابن مالك في شرح المشارق: ما نافيه وتمر خبره والجمهور على استحباب الوصية
لأنه وَلي جعلها حقاً للمسلم لا عليه ولو وجبت لكانت عليه لا له وهو خلاف ما يدل عليه
اللفظ وهذا في الوصية المتبرع بها أما الوصية بأداء الدين ورد الأمانات فواجبة (قال ابن
عمر) وكان دأبه الافتداء والاقتفاء (ما مرت على ليلة منذ) أي: من زمن (سمعت
رسول الله ◌َر قال ذلك إلا وعندي وصيتي) أخذاً بالأحوط ومسارعة لما حرض الشارع إلى
فعله .
٥٧٥ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: خط النبي ◌َّ - خطوطاً) يحتمل أن يكون على الكيفية
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الوصايا، باب: الوصايا وقول النبي وَله وصية الرجل مكتوبة (٣٦٤/٥).
وأخرجه مسلم في كتاب: الوصية في فاتحته (الحديث ١٦٢٧).

١٣
٦٥ - باب: في ذكر الموت
الأَمَلُ وَهَذَا أَجَلُهُ، فَبَيْنِمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَ الْخَطُّ الْأَقْرَبُ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١).
٥٧٦ - وَعَنْ ابنٍ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ وَ خَطَأْ مُرَبَّعَاً، وَخَطَّ
خَطَّ في الْوَسَطِ خَارِجَاً مِنْهُ وَخَطَّ خُطَطاً صِغَاراً إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ مِنْ جَانِهِ الَّذِي فِي
الْوَسَطِ، فَقَالَ: ((هَذَا الإِنْسَانُ، وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطاً بِهِ، أَوْ قَدْ أَحَاطَ بِهِ، وَهَذَا أَلَّذِي
هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ، وَهَذِهِ الْخُطَطُ الصَّغَارُ الْأَعْرَاضُ؛ فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ
الآتية في حديث ابن مسعود بما فيها من الخلاف (فقال هذه أمله) التأنيث(٢) باعتبار مفهوم
الواحدة وهذا الذي هو خارج عن الخط المربع أمله (٣) وإلا فالخط مذكر كما قال فيه (وهذا)
أي المعترض القاطع للخط المستطيل (أجله) ولعل في تأنيثه المشار به إلى الأمل الإِيماء
إلى ذمه ونقصه وأنه الذي ينبغي قصره ليبادر إلى صالح العمل والتوبة من الزلل فإن التأنيث
ناقص بالنسبة إلى التذكير (فبينما هو كذلك) أي: تتعارضه حال بعد حال، والأمل مستطيل
(إذ جاء الخط الأقرب) أي: من منتهى الخط الخارج الذي هو الأمل فقطعه (رواه البخاري)
في كتاب الرقاق.
٥٧٦ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: خط النبي ◌َّ خطاً مربعاً وخط خطأً في
الوسط) بفتحِ السين (خارجاً منه) أي: من الخط المربع. قال الحافظ: وقيل خارجاً منه (٤).
(وخط خططاً) بضم المعجمة والطاء الأولى للأكثر، ويجوز فتح الطاء، كذا في فتح الباري
(صغاراً) بكسر المهملة (إلى هذا) أي: الخط (الذي في الوسط من جانبه) متعلق بقولة
وخط (الذي في الوسط) وهذا منه وَثلر، من باب تصوير المعاني وإدخالها في أذهان
المسلمين بالتمثيل بالمحسوسات (فقال هذا الإِنسان) مبتدأ وخبره أي: هذا الخط هو
الإِنسان على سبيل التمثيل، والمشار إليه هو الخط الأوسط (وهذا الذي هو خارج) عن
الخط المربع (أمله وهذا) أي: الخط الحاف (أجله) بدليل قوله: (حافاً به) بالحاء المهملة
وتشديد الفاء منصوب على الحال، أي: محيطاً بحفافيه، أي: بجوانبه (وهذه الخطط)
بضمتين أو بضم ففتح (الصغار الأعراض) جمع عرض بفتحتين؛ ما ينتفع به في الدنيا، في
الخير والشر (فإن أخطأه هذا) بأن نجا منه (نهشه) بالنون والهاء والشين المعجمة، أي:
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: في الأمل وطوله (٢٠٣/١١).
(٢) في نسخ المتن المعمدة كالبخاري (هذا الأمل) وفي بعض النسخ (هذا الإنسان). ع.
(٣) قوله: (وهذا الذي إلى قوله - أمله) كذا في الأصول.
(٤) قوله: (قال الحافظ إلخ) كذا ولم أجد في الفتح ذلك. ع.

١٤
كتاب: دليل الفالحين
هَذَا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهْشَهُ هَذَا)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَهَذِهِ صُورَتُهُ(١).
الأجل
الأمل
الأعراض
أصابه (هذا) وعبر بالنهش استعارة من لدغ ذات السم مبالغة في الإِصابة والإِهلاك،
واستشكلت هذه الإشارات الأربع، مع أن الخطوط ثلاثة وأجاب الكرماني: بأن للخط
الداخل اعتبارين، فالمقدار الداخل منه هو الإِنسان، والخارج أمله. والمراد بالأعراض:
الآفات العارضة، فإن سلم من هذا لم يسلم من ذلك وإن سلم من الجميع بأن لم تصبه آفة
من مرض أو فقد حال أو غير ذلك بغتة الأجل. والحاصل أن من لم يمت بالسيف (٢) مات
بالأجل. ففي الحديث التحريض على قصر الأمل والاستعداد لبغتة الأجل. (رواه البخاري)
أول كتاب الرقاق من صحيحه (وهذه صورته
قال الحافظ : قيل: هذه صفة الخط
٥ -
وقيل : صفته
وقيل: صفته
وقيل : صفته
ـ- ورسمه ابن التين هكذا
قال الحافظ: والأول أي: مما ذكرنا منه هو المعتمد، وسياق الحديث يدل عليه،
والإِشارة بقوله: هذا الإنسان إلى النقطة الداخلة، وبقوله: هذا أجله محيط به إلى المربع،
وبقوله: الذي هو خارج أمله إلى الخط المستطيل المنفرد، وبقوله: هذه الخطط وهي
مذكورة على سبيل المثال لا أن المراد انحصارها في عدد معين، ويدل عليه قوله في حديث
أنالذي يحيط به
أنس: ((إذ جاءه الخط الأقرب)) فإنه أشار به إلى الخط المحيط به ولاشك
الخط الوسط
أقرب إليه من الخارج عنه اهـ. وفي المفاتيح صورة هذه الخطوط
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: في الأمل وطوله، (٢٠٢/١١).
(١) اكتفى عنها بأول صورة في هذه الصفحة. ع.

١٥
٦٥ - باب: في ذكر الموت
٥٧٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ، قَالَ: ((بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ،
سَبْعاً: هَلْ تَنْتَظِرِونَ إِلَّ فَقْراً مُنْسِيً؟ أَوْ غِنَىِّ مُطْغِياً، أَوْ مَرَضَاً مُفْسِداً، أَوْ هَرَمَاً مُفْنِّداً،
أَوْ مَوْتَاً مُجْهِزاً. أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوْ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمْرُّ؟!)) رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ(١).
هو الإِنسان، والمربع هو أجله أحاط به بحيث لا يمكنه الفرار والخروج عنه، والصغار هي
أعراضه أي: الآفات والعاهات من نحو مرض وجوع من سائر الحوادث. فهذه الأعراض
متصلة به، والقدر الخارج من المربع أمله يعني هو يظن أنه يصل إلى أمله قبل الأجل، وظنه
خطأ بل الأجل الأقرب إليه من الأمل، فعسى أن يموت قبل أن يصل إليه أمله اهـ.
٥٧٧ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وم لز قال: بادروا بالأعمال) أي: اسبقوا
أيما تمكنتم منه من الأعمال الصالحة (سبعاً) من النوازل أو الشؤون، وتذكير العدد لحذف
المعدود (هل تنتظرون) أي: في ترك المبادرة بالعمل (إلا فقراً منسياً) استثناء من أعم
المفاعيل أي: شيئاً من الأشياء المترقبة أو المترجاة، ونسبة النسيان إلى الفقر مجازية؛ لأنه
سبب النسيان والذي به تذهل الحافظة عما أورد فيها. قال إمامنا الشافعي: لو احتجت إلى
بصلة ما فهمت مسئلة. وكذا إسناد الإطغاء إلى الغني في قوله: (أو غني مطغياً) أي: يجاوز
المرء عن حده ومقامه فيقع به في هوة المخالفات ومهابة المشتبهات (أو مرضاً مفسداً)
للأجزاء البدنية التي بسلامتها يحصل التمكن من التوجه إلى العبادات بخلافه فيذهل
الشخص بما يلقاه من الألم عن التوجه لها؛ ولذا قال ابن عمر: خذ من صحتك لمرضك (أو
هرماً) عجز خلقي يحصل عند الكبر لا دواء له (مفنداً) أي: ينسب به صاحبه لنقص العقل
بسبب الهرم أي: يتسبب عنه نقص العقل تارة، واختلاله أخرى (أو موتاً مجهزاً) بإسكان
الجيم، وكسر الهاء أي: سريعاً. قال في النهاية: يقال أجهز على الجريح يجهز إذا أسرع
قتله وحرره (أو الدجال فشر غائب) أي: فهو شر غائب ينتظر لما يمتحن به العباد فلا يكادون
ينجون من فتنته إلا من عصم الله، فكيف التمكن من صالح العمل (أو الساعة فالساعة
أدهى) أي: أشد داهية، وهي نازلة لا يهتدي لدوائها (وأمر) مما ينزل به من مصائب الدنيا،
وحاصله: أن الصحيح البدن ذا الكفاف المقصر في العبادات المفرط في تعمير الوقت
بصالح العمل مغبون في أمره ندمان في صفقته، كما قال ◌َ هر: «نعمتان مغبون فيهما كثير من
الناس الصحة والفراغ)) (رواه الترمذي) في الزهد من جامعه (وقال حديث حسن) وقد تقدم
مع شرحه في باب المبادرة إلى الخيرات.
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: ما جاء في المبادرة بالعمل، (الحديث: ٢٣٠٦).
(٢) تحريف والصواب (بالسبب) كما في الفتح. ع.

١٦
كتاب : دليل الفالحين
٥٧٨ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ: ((أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ))
يَعْنِي الْمَوْتَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ(١).
٥٧٩ - وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ مَهَ إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا
اللَّيْلِ قَامَ، فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا اللَّهَ، جَاءَّتِ الرَّاحِفَةُ تَتْبَعُها الرَّادِفَةُ، جَاءَ
٥٧٨ - (وعنه قال: قال رسول الله وَالقر: أكثروا ذكر هاذم اللذات) قال السيوطي في حاشيته
على جامع الترمذي: بالذال المعجمة أي: قاطعها. وفي التحفة لابن حجر الهيثمي : هو
بالدال المهملة أي: مزيلها أي: من أصلها، وبالذال المعجمة أي: قاطعها. قال السهيلي :
والرواية بالمعجمة اهـ. والعجب أنه غفل عن نقل كلام السهيلي في شرح المشكاة، مع أنه
بذلك المحل أقعد وفيه بعد ذكر إعجام الذال وإهمالها، وعليه فهو استعارة تبعية أو بالكناية
شبه وجود اللذات ثم زوالها بذكر الموت ببنيان مرتفع هدمته صدمات هائلة حتى لم تبق منه
شيئاً (يعني الموت). هذا تفسير لهاذم اللذات، وفي المشكاة: بحذف (يعني) وظاهر كلام
شارحها أن الموت من جملة الحديث وليس مدرجا فيه، فإنه جوز فيه الأعاريب الثلاثة بتقدير
هو أو أعني، أو عطف بيان، أو بدل من هاذم (رواه الترمذي) والنسائي، وابن ماجه (وقال
حديث حسن) قال في فتح الإِله: وسنده صحيح على شرطهما اهـ. وفي الجامع الصغير:
.((حديث أكثروا ذكر هازم اللذات)) رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو نعيم في الحلية من
حديث ابن عمر، والحاكم في المستدرك والبيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة، ورواه
الطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الشعب من حديث أنس(١) وحديث:
(أكثروا ذكر هازم اللذات فإنه لم يذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه، ولا ذكره في
سعة إلا ضيقها عليه)) اهـ. رواه البيهقي في الشعب، وابن حبان من حديث أبي هريرة،
والبزار من حديث أنس، ومن هذا وأمثاله أخذ أئمتنا قوله يسن منه لكل أحد من صحيح
وغيره ذكر الموت بقلبه ولسانه وإلا فبقلبه، ولا إكثار منه حتى يكون نصب عينيه، فإن ذلك
أزجر عن المعصية وأدعى إلى الطاعة كما يدل عليه زيادة، ((فإنه لم يذكره أحد إلخ)).
٥٧٩ - (وعن أبي) بضم الهمزة، وفتح الموحدة، وتشديد الياء (ابن كعب رضي الله عنه)
قال: (كان رسول الله وَ لّ إذا ذهب ثلث) بضم أوليه، وتسكين ثانيه تخفيف (الليل) قال في
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: ما جاء في ذكر الموت، (الحديث: ٢٣٠٧).
(٢) كان في النسخ تقديم وتأخير مخل فصحح من نسخة الجامع الصغير. ع.

١٧
٦٥ - باب: في ذكر الموت
الْمَوتُ بِمَا فِيهِ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ!)) قَالَ أُبَيُّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلاةَ
عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟ فَقَالَ: ((مَا شِئْتَ)) قُلْتُ: الرُّبْعَ؟ قَالَ: ((مَا شِئْتَ
فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ»
فتح الإِله: وفي رواية ربع الليل؛ ويجمع بأنه مَل ◌ّ كان يختلف قيامه، فتارة يقدم وتارة يؤخر
(قام) أي: من نومه (فقال) منبهاً لأمته من سنة الغفلة محرضاً لها على ما يوصلها لمرضاة الله
سبحانه من كمال رحمته (يا أيها الناس اذكروا الله) أي: باللسان والجنان ليحمل ما يحصل
من ثمرة الذكر على الإِكثار من عمل البر وترك غيره (جاءت الراجفة) وهي: النفخة الأولى
التي تضطرب وتتحرك عندها الجبال قال تعالى: ﴿يوم ترجف الأرض والجبال﴾(١) (تتبعها
الرادفة) أي: الواقعة التي تردف الأولى، وهي النفخة الثانية وبينهما أربعون سنة والجملة
حال (جاء الموت بما فيه) من الأهوال عند الاحتضار، كما جاء في حديث أنه وم طهر كان
يدخل يده في علبة الماء أو الركوة ويمسح وجهه ويقول: إن للموت سكرات، وفي القبر من
فتنته وعذابه وأهواله كما صح الأمر بالاستعاذة منها، وفي قوله بما فيه تفخيم للأمر على
السامعين (قلت: يا رسول الله: إني أكثر الصلاة عليك) فيه جواز ذكر الإِنسان صالح عمله
إذا أمن نحو العجب لغرض كالاستفتاء هنا، المدلول عليه بقوله: (فكم أجعل لك من
صلاتي) أي: من دعائي بدليل ما جاء في رواية أخرى؛ ((قال رجل: يا رسول الله أريد أجعل
شطر دعائي لك))، الحديث. قال في فتح الإِله: وبفرض صحة هذا فلا مانع أن يكون وقع
له ما وقع لأبي ذرّ رضي الله عنهما أي: ما قدر ما أصرفه في الدعاء لك والصلاة عليك
وأشتغل فيه عن الدعاء لنفسي، وقيل: المراد بالصلاة حقيقتها والتقدير فكم أجعل لك من
ثوابها أو مثله. قال في فتح الإِله: وفيه نظر، بل السياق يرده لاسيما تفريع فكم على ما قبله؛
إذ لا يلتئم مع إرادة الصلاة الحقيقية إلا بمزيد تعسف، وأيضاً فالثواب أمر يتفضل الله به على
من يشاء من عباده ويحرمه من يشاء، إذ لا يجب عليه سبحانه لأحد شيء كائنا من كان،
وعندنا يمتنع النيابة في التطوع البدني المحض كالصلاة فلا تجوز ولا إهداء ثواب ذلك
(فقال ما شئت) لم يحد له تحديداً بل فرضه لمشيئته حثاً له، على أنه لو صرف زمن عبادته
لنفسه جميعه للصلاة عليه ومث له لكان أحرى وأولى، وخوفاً من أنه لو حد له بحد لأغلق عليه
باب المزيد (قلت: الربع) بالنصب أي: أجعل لك الربع وكذا ما بعد (قال: ما شئت فإن
زدت) بالفاء وفي رواية بالواو في الكل (فهو) أي: المزيد (خير لك) لزيادة الثواب بزيادته
(١) سورة المزمل، الآية: ١٤.

١٨
كتاب: دليل الفالحين
قُلْتُ: فَالنَّصْفَ؟ قَالَ: ((مَا شِئْتَ فَانْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)) قُلْتُ: فَالثُّلُثَيْنِ؟ قَالَ: ((مَا
شِئْتَ فَانْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)) قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَّتِي كُلَّها؟ قَالَ: اذاً تُكْفِى هَمَّكَ،
وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ (١).
٦٦ - باب: في استحباب زيارة القبور للرجال وما يقوله الزائر
بشهادة: ﴿ومن يعمل مثقال ذرة خيراً يره﴾ (قلت فالنصف) الفاء فيه عاطفة على ما قبله أي :
أجعل لك النصف (قال: ما شئت فإن زدت فهو خير لك، قلت: فالثلثين، قال: ما شئت
فإن زدت فهو خير لك، قلت: أجعل) يحتمل الاستفهام لتناسب ما قبله، ويحتمل الإِخبار
أي: فإذاً أجعل (لك صلاتي كلها) إذ ما بقي بعد الثلثين ما يستفهم عن زيادته عليها مما له
وقع حتى ينتقل بعده إلى الجملة فأخبر بذلك؛ لأن الأمر انتهى إليه ووقف عنده. والمعنى :
أصرف جميع أوقات دعائي لنفسي للصلاة عليه، أو جميع صلواتي وثوابها إليه على ما
عرفت (قال: إذن تكفي همك) المتعلق بالدارين بدليل ما جاء في رواية سندها حسن؛ قال
رجل: ((يا رسول الله أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك قال: إذن يكفيك الله أمر دنياك
وآخرتك)) وبفرض صحة هذه الرواية فلا مانع من تعدد القصة وإنها وقعت لأبي ولغيره،
ووجه كفاية المهمات بصرف ذلك الزمن إلى الصلاة عليه ( أنها مشتملة على امتثال
أمر الله تعالى، وعلى ذكره وتعظيمه، وتعظيم رسوله بَّر، وقد جاء في الحديث القدسي:
((من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين)) ففي الحقيقة لم يفت بذلك
الصرف شيء على المصلي، بل حصل له بتعرضه بذلك الثناء الأعظم أفضل ما كان يدعو به
لنفسه، وحصل له مع ذلك صلاة الله وملائكته عليه عشراً أو سبعين أو ألفاً كما جاء بذلك
روايات، مع ما انضم لذلك من الثواب الذي لا يوازيه ثواب، فأي فوائد أعظم من هذه
الفوائد، ومتى يظفر المتعبد بمثلها فضلاً عن أنفس منها وأنى يوازي دعاؤه لنفسه واحدة من
تلك الفضائل التي ليس لها مماثل ببركته وَ ر (ويغفر لك ذنبك) لأنه يبارك على نفسك
بواسطته الكريمة في وصول كل خير إليك إذا قمت بأفضل أنواع الشكر المتضمن لزيادة
الأفضال والأنعام المستلزمين لرضا الحق عنك، ومن رضي عنه لا يعذبه (رواه الترمذي
وحسنه) ورواه عبد بن حميد في مسنده، وأحمد بن منيع والروياني والحاكم وصححه.
باب استحباب زيارة القبور للرجال
القبور: جمع قبر وهو معروف وهو مما أكرم به بنو آدم، وأول من سنه الغراب حين
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: صفة القيامة، [باب: ٢٣]، (الحديث: ٢٤٥٧).

١٩
٦٦ - باب: في استحباب زيارة القبور للرجال
٥٨٠ - عَنْ بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ
زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُوروهَا)»
قتل قابيل أخاه هابيل. وقد قيل: إن بني إسرائيل أول من أقبر وليس بشيء كذا في لغات
المنهاج. وخرج بالرجال النساء والخنائى فيكره لهم على الصحيح مطلقاً خشية الفتنة
وارتفاع أصواتهن بالبكاء، نعم يسن لهن زيارته وَالَرَ. قال بعضهم: وكذا ما آثر الأنبياء
والعلماء والأولياء. قال الأذرعي: إن صح فأقاربها أولى بالصلة من الصالحين اهـ. وظاهره
أنه لا يرتضيه لكن ارتضاه غير واحد بل جزموا به. والحق أن يفصل بين أن تذهب بمشهد،
كذهابها للمسجد فيشترط فيه ما يشترط ثمة من كونها عجوزاً ليست متزينة بطيب ولا حلى
ولا ثوب زينة كما في الجماعة بل أولى، وأن تذهب في نحو هودج مما يستر شخصها عن
الأجانب فيسن لها ولو شابه ذلاً خشية فتنة هنا، ويفرق بين نحو العلماء والأقارب، بأن
القصد إظهار تعظيم نحو العلماء بإحياء مشاهدهم وأيضاً فزوارهم يعود عليهم منهم مدد
أخروي لا ينكره إلا المجرمون بخلاف الأقارب فاندفع قول الأذرعي إن صح إلخ. كذا في
التحفة لابن حجر (وما يقوله الزائر) أي: من التحية والدعاء لهم وما مع ذلك.
٥٨٠ - (عن بريدة) بضم الموحدة وفتح الراء وسكون التحتية بعدها مهملة ثم هاء تأنيث،
وهو: ابن الحصيب بضم المهملة الأولى وفتح الثانية وسكون التحتية بعدها فموحدة، ابن
الحارث الأسلمي أسلم (رضي الله عنه) قبل بدر ولم يشهدها، وقيل: أسلم بعدها وشهد
خيبر. روي له عن رسول الله وَلّ مائة حديث وسبعة وسبعون حديثاً منها في الصحيحين
أربعة عشر اتفقا على واحد منها وانفرد البخاري بحدیثین، ومسلم بأحد عشر، روى عنه ابناه
والشعبي، وأبو المليح الهذلي، سكن المدينة ثم البصرة ثم مرو وتوفي بها سنة ثنتين أو
ثلاث وستين، وهو آخر الصحابة موتاً بخراسان، وبقي ولده بها (قال: قال رسول الله يخالآتي :
كنت نهيتكم عن زيارة القبور) لقرب عهدهم بالجاهلية وكلماتها القبيحة التي كانوا يألفونها
على القبور (فزوروها) نسخ لذلك النهي لما تمهدت القواعد واتضحت الأحكام، فعلموا ما
ينفع وما يضر؛ فحينئذ طلبها منهم وعللها كما في رواية أخرى لمسلم: ((بأنها تذكر الآخرة))
أي: لأنها ترق القلوب بذكر الموت وأحواله وما بعده، وأكد في تحفظهم عن عادة الجاهلية
كما صح ألا يقولوا هجراً أي: باطلاً لأجل ما في ذلك من التذكير بالآخرة خلاف ما هنا.
والقاعدة الأصولية: أن الأمر بعد الحظر للإباحة، على أنه اعتضد بتكرر زيارته وله
للأموات، وبالإِجماع على طلبها بل حكى ابن عبد البر عن بعضهم وجوبها، واتفقوا على
ندبها للرجال في قبور المسلمين، وإن بلوا؛ لأنه يبقى منه عجب الذنب، ولبقاء الروح

٢٠
كتاب: دليل الفالحين
رَوَاهُ مُسْلِمٍ. وَفِي رِوايةٍ: ((فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَزُورَ الْقُبُورَ فَلْيَزُرْ فَإِنَّها تُذَكِّرُهُ بِالآخِرَةِ))(١).
٥٨١ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ لَّ كُلَّمَا كَانَ لَيْلَتُهَا مِنْ
رَسُولِ اللّهِ وَ يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى الْبَقيعِ، فَيَقُولُ: ((السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ
بمحل القبر، وأخذوا من تعليله وَ ل # بأنها تذكر الآخرة قصر استحبابها على من قصد بها
التفكر في الموت ومآل الدنيا إلى ماذا مع الترحم، والاستغفار، والتلاوة، والدعاء لهم،
وهي لمن كان يعرفهم في الدنيا آكد، وقد قسم المصنف الزيارة إلى أقسام، لأنها إما لمجرد
تذكر الموت والآخرة فيكفي رؤية القبور من غير معرفة أصحابها، وإما لنحو الدعاء فيسن
لكل مسلم، وإما للتبرك فيسن لأهل الخير؛ لأن لهم في برازخهم تصرفات وبركات لا
يحصى مددها، وإما لأداء حقٍ نحو صديق ووالد لخبر أبي نعيم: ((من زار قبر والديه أو
أحدهما يوم الجمعة كان كحجة)) ولفظ رواية البيهقي: ((غفر له وكتب له براءة)) وإما رحمة
وتأنيساً لخبر أنس: (ما يكون الميت في قبره إذا رأى من كان يحبه في الدنيا)). ولا يسن سفر
الرجل لأجل الزيارة إلا لقبر نبي، أو عالم، أو صالح، وشذ الروياني فقال: يحرم السفر لها
من غير ما استثني (رواه مسلم) (٢) أول حديث فيه أشياء كان نهى وَّر عنها ثم نسخ ذلك
النهي وأباحها، وفي الجامع الصغير: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروا القبور، فإنها
تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة)) رواه ابن ماجه عن ابن مسعود، وحديث: ((كنت نهيتكم عن
زيارة القبور ألا فزوروها؛ فإنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة ولا تقولوا هجرا)) رواه
الحاكم في المستدرك عن أنس اهـ.
٥٨١ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله وَ طل كلما) ما فيه وقتية فلذا وصلت
بها كل في الخط ونصبت على الظرفية (كان ليلتها) أي: باعتبار دور القسم (من
رسول الله ◌َّ) متعلق بالليلة؛ لأنها بمعنى النصيب، أو بمحذوف أي: التي تخصها منه
(يخرج) جواب كلما؛ لأنه وإن كان ظرفاً فيه معنى الشرط لعمومه، وهو العامل فيه وهما خبر
كان؛ وذلك حكاية معنى كلامها لا لفظه، فكأن الراوي قال: عن عائشة كان عادته أن يخرج
(من آخر الليل إلى بقيع) بالموحدة فالقاف فالتحتية فالمهملة بوزن سميع (الغرقد) بالغين
المعجمة والراء والقاف والدال المهملة وزن جعفر. قال في النهاية: هو ضرب من شجر
العضاه وشجر الشوك، واحدته الغرقدة، ومنه قيل لمقبرة أهل المدينة بقيع الغرقد، لأنه كان
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الجنائز، باب: استئذان النبي وم طهربه ... (الحديث: ١٠٦).
(٢) في بعض نسخ المتن زيادة (وفي رواية من أراد أن يزور القبور فليزر فإنها تذكرنا الآخرة). ع.