النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢١ ٥٨ - باب: في جواز الأخذ من غير مسألة يُغْنِهِ، وَلاَ يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ. وَلاَ يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ٥٨ - باب: في جواز الأخذ من غير مسألة ولا تطلع إليه ٥٣٧ - عَن سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيْهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يُعْطِينِ الْعَطاءَ فَأَقُولُ: أَعْطِهِ مِنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِي، (يغنيه) بضم التحتية أي: يكفيه عن سؤال الغير (ولا يفطن له) لتصبره وكتم حاله وما هو فيه (فيتصدق عليه) بالبناء للمجهول منصوب في جواب النفي (ولا يقوم في الناس فيسأل الناس) أي: فهذا هو الكامل المسكنة الممدوحها، وهذا الحديث قد سبق مع شرحه في باب ملاطفة اليتيم والمسكين (متفق عليه) رواه البخاري في التفسير، ومسلم في الزكاة من صحيحيهما. ورواه النسائي في الزكاة وفي التفسير من سننه كذا في الأطراف للمزي . باب جواز الأخذ للمال من باذله (من غير مسألة) أي: سؤال (ولا تطلع) أي: ترقب واستشراف (إليه). ٥٣٧ - (عن سالم بن عبد الله بن عمر) يكنى أبا عمر، وقيل: أبو عبد الله القرشي العدوي المدني التابعي الإِمام الفقيه الزاهد العابد، وأجمعوا على إمامته وجلالته وزهادته وعلو مرتبته وعن مالك بن أنس: لم يكن أحد أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد والقصد في العيش من سالم، كان يلبس الثوب بدرهمين، وهو أحد الفقهاء السبعة فيما عدهم ابن المبارك. توفي بالمدينة سنة ست فيما قاله البخاري وشيخه أبو نعيم، وسنة خمس فيما قال الأصمعي، وسنة ثمان فيما قال الهيثم ومائة (عن أبيه عبد الله بن عمر عن عمر رضي الله عنهم) فيه تغليب لهما على سالم فإنه تابعي، وإنما يقال: بصيغة الجمع في أبناء الصحابة المتناسقين كأسامة بن زيد بن حارثة وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق بن أبي قحافة وأضرابهم (قال: كان رسول الله وَليل يعطيني العطاء) أي: من الغنائم (فأقول: أعطه من هو أفقر) أي: أحوج (إليه) أي: العطاء بمعنى المعطي (مني) وكان ذلك من عمر لسماعه من النبي ◌َّ النهي عن الاستكثار من الدنيا والحرص عليها، وعنده حين دفع النبي ◌ُّ له العطاء (١) أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: ﴿لا يسألون الناس إلحافاً﴾ (٢٧١/٣). وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: المسكين الذي لا يجد ... (الحديث: ١٠١). ٠٠٠ ٥٢٢ كتاب: دليل الفالحين فَقَالَ: ((خُذْهُ، إِذَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ شَيْءٌ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلِ فَخُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ، فَإِنْ شِئْتَ كُلْهُ وَإِنْ شِئْتَ تَصَدَّقْ به ومالا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ)) قَالَ سَالِمٌ: فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ لَا يَسْأَلُ أَحَداً شَيْئاً ولا يَرُدُّ شَيْئاً أُعْطِيَهُ. مُتَفَقْ عَلَيْهِ. ((مُشْرِفٌ)) بِالشِينِ المعجمَةِ: أَيْ مُتَطَلِّعٌ إِلَيْهِ(١). ما يكفيه فيقول: أعطه (فقال:) أي: النبي ◌َّ (خذه) أي: متملكاً له بدليل إذنه له في التصرف فيه بقوله: (إذا جاءك) أي: وصلك (من هذا المال) أل فيه للحقيقة ويحتمل كونها عهدية أي: من مال العطاء (شيء) التنوين فيه للتعميم فيشمل القليل والجليل (وأنت غير مشرف ولا سائل) عطف على مشرف بإعادة النافي دفعاً لتوهم أن النفي منصب على مجموعهما والجملة في محل الحال من مفعول أتاك (فخذه فتموله) أي: اتخذه مالاً، ثم أنت مخير بين إنفاقه في حاجتك وبين التصدق كما قال منبهاً بالفاء التفريعية في قوله: (فإن شئت كله) أي: فإن شئت أكله فحذف المفعول لدلالة الجواب عليه وهو قوله: كله، وقبله فاء الجواب مقدرة، ومثله فيما ذكر من حذف مفعول شاء والفاء من الجواب: قوله: (وإن شئت تصدق به) ففي الحديث حذف فاء الجواب في غير الشعر، ومذهب سيبويه اختصاص الحذف به لكن زعم الأخفش أن حذفها واقع في النثر وإن منه قوله تعالى: ﴿إن ترك خيراً الوصية للوالدين﴾(٢) وعن المبرد أيضاً جواز حذفها في الاختيار، لكن قال في الارتشاف في حفظي قديماً عنِ المبرد منع حذفها حتى في الشعر، وحينئذ فالحديث شاهد لمن أجاز حذف الفاء مطلقاً، ومن منع الاستشهاد بالحديث في ذلك حمله على أنه من تغيير الرواة، والله أعلم (وما لا) أي: وأي مال لا يجيئك على الحال المذكورة بأن جاءك وأنت مشرف أو سائل (فلا تتبعه نفسك) معاملة لها بنقيض مرادها (قال سالم: ) ذكره ههنا هو النكتة في ذكره قبل الصحابي أول الحديث نظير ما تقدم عن أبي بردة في حديث أبي موسى في الباب السابق قال سالم: أي: المذكور أولاً (فكان عبد الله لا يسأل أحداً شيئاً) أي: قليلاً ولا جليلاً من الدنيا كما يؤذن به التنوين (ولا يرد شيئاً أعطيه) عملاً بالحديث المذكور ووقوفاً عنده وقد کان ابن عمر شدید الاتباع (متفق عليه) رواه البخاري في الزكاة وفي الأحکام من صحیحه، (١) أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: من أعطاه شيئاً من غير مسألة (٢٦٧/٣). وأخرجه البخاري في كتاب: الأحكام، باب: رزق الحكام والعاملين (١٣٤/١٣ و١٣٥). وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: إباحة الأخذ لمن أعطى ... (الحديث: ١١١). (٢) سورة البقرة، الآية: ١٨٠. ٥٢٣ ٥٩ - باب: في الحث على الأكل من عمل يده ٥٩ - باب: في الحث على الأكل من عمل يده والتعفف به عن السؤال والتعرض للإعطاء قَالَ اللَّهُ تَعالَى(١): ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا في الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ الآية . ٥٣٨ - وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَه ((لَأَنَ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ أَحْبُلَهُ ثُمَّ يَأْتِيَ الجَبَلَ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةٍ مِنْ حَطَبٍ عَلَى ظَهْرِهِ فَبِعَهَا ومسلم في الزكاة من صحيحه، ورواه النسائي في الزكاة من سننه. مشرف بصيغة الفاعل من الإشراف بالمعجمة والفاء أي: متطلع إليه وفي فتح الباري: الإِشراف التعرض للشيء والحرص عليه، من قولهم أشرف على كذا إذا تطاول له، وقيل للمكان المرتفع: شرف لذلك قال أبو داود: سألت أحمد عز إشراف النفس فقال: بالقلب. وقال يعقوب بن محمد : سألت أحمد عنه فقال: وأن يقول مع نفسه يبعث لي فلان بكذا، وقال: الأمر يضيق عليه أن یرده إذا كان كذلك اهـ. باب الحث بفتح المهملة وتشديد المثلثة أي: التحريض (على الأكل من عمل يده) بالاحتراف والاكتساب (والتعفف به عن السؤال والتعرض) معطوف على مجرور عن، وعن التعرض أي: التطلب (للإِعطاء. قال الله تعالى: فإذا قضيت الصلاة) أي: صلاة الجمعة (فانتشروا في الأرض) أي: لقضاء جوائجكم (وابتغوا من فضل الله) أي: رزقه وهذا أمر إباحة بعد الحظر. عن بعض السلف: من باع واشترى بعد الجمعة بارك الله له سبعين مرة. ٥٣٨ - (وعن أبي عبد الله الزبير بن العوام) بن خويلد القرشي الأسدي المكي ثم المدني أحد العشرة المبشرة بالجنة تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب الأمر بأداء الأمانة (قال: قال رسول الله وسلم:) مؤكداً للشيء المقطوع بصدقه بالقسم المقدر المؤذن به اللام من قوله: (لأن يأخذ أحدكم) أي: والله لأخذ أحد منكم (أحبله) بفتح أوله وسكون المهملة وضم الموحدة جمع قلة الحبل (ثم يأتي الجبل) أي: مثلاً فغيره من المفارات محال الحطب كذلك، ولعل التصريح به ما في الصعود فيه من زيادة المشقة على سلوك الأودية (فيأتي (١) سورة الجمعة، الآية: ١٠. ٥٢٤ كتاب: دليل الفالحين فَيَكُفَّ الله بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١). ٥٣٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عِنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((لَأَن يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةٌ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَداً فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ)). مُتَفَقٌ عَلَيْهِ(٢). ٥٤٠ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((كَانَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَأْكُلُ بحزمة من الحطب على ظهره) من نفسه أو من ظهر دابته والأول أنسب بما قبله (فيبعها فيكف الله بها وجهه) أي: فيمنع الله بها ذاته من الحاجة، وعبر بالوجه عن الكل؛ لأنه أشرف الأجزاء الإِنسانية، أو؛ لأن السؤال إنما يكون به غالباً (خير له من أن يسأل الناس) قال الحافظ في الفتح: خير ليس للتفضيل إذ لا خير في السؤال مع القدرة على الكسب: بل الأصح حرمته عند الشافعي، ويحتمل أنه كذلك بحسب اعتقاد السائل وتسمية الذي يعطاه خيراً وهو في الحقيقة شراً (أعطوه أو منعوه) تقسيم للسؤال المفضل عليه الاكتساب، وتصدير الحديث بالقسم الدال عليه اللام كما تقدم لتأكيده في نفس السامع، وفيه مزيد الحض على التعفف عن المسألة والتنزه عنها ولو امتهن المرء نفسه في طلب الرزق وارتكب المشاق في ذلك، ولولا قبح المسألة في نظر الشرع لما فضل عليها ذلك، وذلك لما يدخل على السائل من ذل السؤال ومن الرداء إذا لم يعط، ولما يدخل على المسئول من الضيق في ماله إن أعطى كل سائل (رواه البخاري) في الزكاة من صحيحه، ورواه ابن ماجه في الزكاة من سننه أيضاً. ٤٣٩ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَالر: لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره) أي: فيبيعها فيكف الله بها وجهه كما تقدم في حديث الزبير قبله، قال الحافظ في الفتح: وحذف من هذه الرواية لدلالة السياق عليه (خير له من أن يسأل أحداً) هو بمعنى قوله فيما قبله: من أن يسأل الناس (فيعطيه أو يمنعه متفق عليه) رواه البخاري في الزكاة من صحيحه، ورواه مسلم فيها من طريق آخر في صحيحه، ورواه الترمذي من طريق مسلم في الزكاة وقال: حسن غريب مستغرب من حديث بيان عن قيس. ٥٤٠ - (وعنه عن النبي ◌َّ قال: كان داود عليه السلام لا يأكل إلا من عمل يديه) قال (١) أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: الاستعفاف عن المسألة (٢٦٥/٣) و(٢٦٠/٤). (٢) أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: الاستعفاف عن المسألة وباب ﴿لا يسألون الناس إلحافاً﴾ (٢٦٥/٣) و(٢٦٠/٤). وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: كراهة المسألة للناس (الحديث: ١٠٧). ٥٢٥ ٥٩ - باب: في الحث على الأكل من عمل يده إِلَّ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١). ٥٤١ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلَ قَالَ: ((كانَ زَكَرِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ نَجَّاراً)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). ٥٤٢ - وَعَنِ المِقْدَامِ بِنْ مَعْدِ يَكْرِبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قالَ: ((مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَاماً قَطُ خَيْراً الحافظ: الظاهر أن الذي كان يعمله داود بيده الدروع، وألان الله له الحديد فكان ينسج الدروع ويبيعها ولا يأكل إلا من ثمن ذلك مع أنه كان من كبار الملوك، قال تعالى: ﴿وشددنا ملكه﴾ (٣) وكان مع سعة ملكة يتورع ولا يأكل إلا من عمل يده (رواه البخاري) في البيوع من صحيحه من حديث أبي هريرة باللفظ المذكور من جمة حديث أوله: ((خفف على داود القرآن وفي آخره وكان لا يأكل إلا من عمل يديه)). ٥٤١ - (وعنه أن رسول الله مَ* قال: كان زكريا) قال المصنف في التهذيب: فيه خمس لغات: أشهرها بالمد، والثانية بالقصر وبهما قرىء في السبع، والثالثة والرابعة زكري بلا ألف بتخفيف الياء وتشديدها حكاهما ابن دريد وآخرون من المتأخرين (٤) الجواليقي، والخامسة زكر كعلم حكاها أبو البقاء، وقوله (عليه السلام) فيه إيماء إلى ما قدمناه من أنه لا كراهة في إفراد واحد من الأنبياء بالصلاة لحديث الطبراني ((صلوا على سائر الأنبياء فإنهم بعثوا كما بعثت)) (نجاراً) وهذا من الفضائل لحديث البخاري ((أفضل ما أكل الرجل من عمل يده)) ولحديث المقدام وغيرهما، وفي شرح مسلم للمصنف في الحديث جواز الصنائع وأن التجارة لا تسقط المروءة وأنها صنعة فاضلة، وفيه فضيلة لزكريا وس وأنه كان صانعاً يأكل من كسبه (رواه مسلم) في أحاديث الأنبياء من صحيحه، ورواه ابن ماجه في كتاب التجارات بالفوقية من سننه . ٥٤٢ - (وعن المقدام) بكسر الميم وسكون القاف وبالدال المهملة (ابن معد يكرب) بسكون الياء (رضي الله عنه عن النبي وسير قال: ما أكل أحداً طعاماً قط) بفتح القاف وضمٍ الطاء المهملة المشددة ظرف الاستغراق ما مضى وباقي الأزمنة مقيسة عليه فيما يأتي (خيراً (١) أخرجه البخاري في كتاب: البيوع، باب: كسب الرجل وعمله بيده (٢٥٩/٤). وفي الأنبياء والتفسير. (٢) أخرجه مسلم في كتاب: الفضائل، باب: من فضائل زكرياء عليه السلام (الحديث: ١٦٩) (٤) كذا، ولعلها كالجواليقي (٣) سورة ص، الآية: ٢٠. ٥٢٦ كتاب: دليل الفالحين مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوَدَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلٍ يَدِهِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١). ٦٠ - باب: في الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى من أن يأكل) أي: أو يشرب أو يلبس وذكر الأكل؛ لأنه أغلب أنواع الاستعمال كما قيل به في قوله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً﴾ (٢) فإن المراد استعمالها بأي وجه وذكر لذلك (من عمل يديه) كناية عن الكسب وذكر اليدين إما؛ لأنه أفضل مما ليس فيه عملهما، ويؤيده ((أنه ** قيل له: أي الكسب أفضل؟ فقال: عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور)) أو؛ لأن أغلب الأعمال بهما، وإلا فالمراد مطلقه كالحاصل من كسب النظر كأن يستأجر لحفظ متاع. والسمع كأن يستأجر لسماع طلب درس علم. أو النظر كأن يستأجر لقراءة قرآن، أو لا من شيء من أعضائه كأن يستأجر ليصوم عن ميت، ثم المراد كما تدل عليه القواعد الشرعية كسب حلال خالص من الغش بسائر وجوهه. قال في فتح الإِلّه: ويؤخذ من عموم الحديث أن الاكتساب خير من التوكل، على أنه لا ينافيه بل هو عينه لكن بقيد كما يفهم ذلك حده الذي قيل فيه: إنه أفضل حدوده، إنه مباشرة الأسباب مع شهود مسببها، فالاكتساب مع شهود أن حصوله بتيسير الله له ولطفه به وإقداره عليه، وفتح أبواب الرزق التي يحتاج إليها أفضل من عدمه وإن كان إنما تركه لنحو صلاة أو صيام وقد كان شأن أكابر القوم ذلك، فقد كان للجنيد سيد الطائفة الصوفية دكان في البزازين، وكان يرخي ستره عليه فيصلي ما بين الظهرين قيل: ألف ركعة وقيل: أربعمائة وقيل: مائة، ولعله اختلف فعله فحكى كل من أصحابه ما اطلع عليه. وكان ابن أدهم يكثر الكسب وينفق منه ضرورته ويتصدق بباقيه. وكان أحب طرقه إليه حفظ البساتين وخدمتها؛ لأنه تتم له فيها الخلوة ومجاهدة النفس بأعظم أنواع مجاهدتها، ومن ثم لم يعهد أنه أكل من ثمرة من ثمارها. وترك بعض الكسب كان بعد كمال رياضة نفوسهم وتهذيبها (أن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده. رواه البخاري) في أوائل البيوع من صحيحه قبيل حديث أبي هريرة المذكور قبله، وهو مما انفرد به البخاري عن باقي الكتب الستة، والله أعلم. باب الكرم والجود بضم الجيم الكرم: بذل ما ينبغي من المال فيما ينبغي. وفي الشفاء للقاضي عياض: (١) أخرجه البخاري في كتاب: أوائل البيوع، باب: كسب الرجل وعمله بيده (٢٥٩/٤). (٢) سورة النساء، الآية: ١٠. ٦٠ - باب: في الكرم والجود والإنفاق ٥٢٧ قالَ اللَّهُ تَعَالَى (١): ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرِ فَلَّإِنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إلَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَّمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى(٣): ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرِ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾. ٥٤٣ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ الله عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َهِ قَالَ: لَا حَسَدَ . الكرم والجود والسخاء والسماحة معانيها متقاربة. وفرق بعضهم بينهما بفروق فجعل الكرم الإِنفاق بطيب انفس فيما يعظم خطره ونفعه، وسموه أيضاً حرية وهو ضد النذالة. والسماحة: التجافي عما يستحقه المرء عند غيره بطيب نفس وهو ضد الشكاية، والسخاء: سهولة الإِنفاق وتجنب اكتساب ما لا يحمد وهو الجود، وهو ضد التقتير اهـ. قال في المصباح: يقال جاد الرجل يجود جوداً بالضم: تكرم (والإِنفاق في وجوه الخير) من صدقة وصلة رحم وقرى ضيف ووقف على جهة خير ونحو ذلك (ثقة بالله تعالى) أي: بوعده الذي لا يخلف من حسن الجزاء على ذلك في دار القرار، قال الله تعالى: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله خير منها﴾ (٥) وقال ◌َله: ((والصدقة برهان)) أي: علامة على تصديق باذلها بوعد الله تعالى (قال تعالى: ما أنفقتم من شيء) أي: في رضى الله تعالى (فهو يخلفه) يعوضه في الدارين أو في أحدهما، وقد تقدمت مع الكلام عليها في باب الإنفاق على العيال. (وقال تعالى: وما تنفقوا من خير فلأنفسكم) أي: وأي إنفاق منكم لمرضاة الله تعالى فلأنفسكم ثوابه فلا تمنوا به على أحد (وما تتفقون إلا ابتغاء وجه الله) الواو للحال أو عطف، يعني أن المؤمن لا ينفق إلا لمرضاة الله تعالى، وقيل: نفي في معنى النهي. قال عطاء الخراساني : معناه إذا أعطيت لوجه الله فلا عليك ما كان عمله فإنك مثال لنفسك، كان السائل مستحقاً أو غيره براً أو فاجراً (وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون) فلا ينقص ثواب صدقاتكم. (وقال تعالى: وما تنفقوا من خير) أي: مريدين به مرضاته سبحانه (فإن الله به عليم) أي: فيجازيكم بقدره، وفيه ترغيب في الإنفاق لذلك. ٥٤٣ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي وي طهر قال: لا حسد) أي: لا غبطة كما (١) سورة سبأ، الآية: ٣٩. (٢) سورة البقرة، الآية: ٢٧٢. (٣) سورة البقرة، الآية: ٢٧٣ . (٤)) سورة النساء، الآية: ٤٠. (٥) سورة النمل، الآية: ٨٩. ٥٢٨ كتاب: دليل الفالحين إلّ فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُها)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَمَعْنَاهُ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يُغْبَطَ أَحَدٌ إلَّ عَلَى هَاتَيْنِ الخَصْلَتَيْنِ (١). يأتي فتجوز به عنها بجامع تمني مثل النعمة ألا إنها ترد على الحسد بتمني زوالها عن صاحبها (إلا في اثنتين) أي: من الخصال (رجل) بالرفع على القطع بإضمار مبتدأ ومضاف وتقديرهما خصلتا رجل، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وارتفع ارتفاعه ورأيته في أصل مصحح من مسلم بجر رجل. ويخرج على أنه بدل من اثنين بتقدير مضاف قبله أي: إلا في ذي اثنين رجل إلخ، ثم رأيت الحافظ في فتح الباري ذكر فيه وجوه الإعراب الثلاثة وصدر بالجر ولم يذكر وجهه قال: والرفع على الاستئناف والنصب بإضمار أعني اهـ. (آتاه) بالمد والفوقية أي: أعطاه (الله مالاً) التنوين فيه للتعميم فيشمل القليل والكثير لكن في إنفاق الأول تفصيل مذكور في كتب الفقه (فسلطه على هلكته) بفتح أوائله وهو مصدر هلك يهلك من باب ضرب بضرب هلكاً وهلاكاً وهلوكاً ومهلكاً بفتح الميم وتثليث اللام أي: إنفاقه (في الحق) خلاف الباطل أي: في القرب والطاعات، وفيه إيماء إلى أن إذهابه في خلاف ذلك من إتلاف المال بالباطل (ورجل آتاه الله حكمة) أي: علماً. قال الحافظ: المراد به القرآن كما ورد في حديث ابن عمرو، أو أعم من ذلك. وضابطها ما منع من الجهل وزجر عن القبيح اهـ. (فهو يقضي بها) بين المتنازعين إليه (ويعلمها) الطالب لها (متفق عليه) قال السيوطي في الجامع الكبير: ورواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه وابن حبان من حديث ابن عمر بلفظ ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار)) ورواه أحمد والبخاري من حديث أبي هريرة بلفظ ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل. ورجل آتاه الله مالاً فهو يهلكه في الحق فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت ما يعمل))، ورواه ابن عدي والبيهقي والخطيب من حديث أبي هريرة بلفظ ((لا حسد ولا ملق إلا في طلب العلم)) ورواه ابن نصر في كتاب الصلاة من حديث ابن عمر بلفظ ((لا حسد إلا على اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فصرفه في سبيل الخير، ورجل آتاه الله علماً فعلمه وعمل به)) اهـ. (ومعناه: ينبغي ألا يغبط أحد) على حال هو فيه كائناً ما كان (إلا على (١) أخرجه البخاري في كتاب: العلم، باب: الاغتباط في العلم والحكمة والزكاة وغيرها (١٣٥/١، = ٥٢٩ ٦٠ - باب: في الكرم والجود والإنفاق ٥٤٤ - وَعَنْهُ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: «أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟)) قَالُوا: يا رسولَ اللَّهِ مَا مِنّا أَحَدٌ إلّ مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ. قَالَ: ((فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ، ومَالَ وارثِهِ مَا أَخَّرَ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). ٥٤٥ - وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ: ((اتَّقُوا الَّارَ وَلَوْ إحدى هاتين الخصلتين) لنظم نفعهما وحسن وقتهما وإذا كان يغبط على أحدهما فجملتهما بالأولى . ٥٤٤ - (وعنه قال: قال رسول الله ويسير: أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله) قال في الفتح: أي أن الذي يخلفه الإِنسان من المال وإن كان حالاً منسوباً إليه فإنه باعتبار انتقاله إلى وارثه يكون منسوباً له، فنسبته للمالك في حياته حقيقية، وللوارث حينئذ مجازية ومن بعد حقيقية (قالوا: يا رسول الله ما منا أحد) التقديم للخبر الظرفي على المبتدأ للاهتمام بجانبه (إلا ماله أحب إليه) جملة وصفية لأحد، ويصح كونها في محل الحال لتخصيصه بتقديم الخبر، وحذف المفضل عليه وهو قوله: من مال وارثه اكتفاء بذكره في كلام السائل (قال: فإن ماله ما قدم) بأن تصدق أو أكل أو لبس كما في الحديث السابق ((ليس لك من دنياك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت)) أو كما قال، فهذا هو الذي يضاف إليه حياً وميتاً بخلاف ما يخلفه من المال. قال ابن بطال: فيه التحريض على ما يمكن تقديمه من المال في وجوه البر والقرب لينتفع به في الآخرة، فإن كل ما يخلفه يصير ملكاً للوارث كما قال: (ومال وارثه ما أخر) فإن عمل فيه بطاعة الله اختص بثوابه عن الميت وإن كان عمل فيه بمعصية الله تعالى فذاك أبعد لمالكه الأول من الانتفاع إن سلم من تبعته، ولا يعارض حديث سعد بن أبي وقاص ((إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة)) لأن ذلك فيمن تصدق بماله كله أو معظمه في مرضه، وهذا الحديث فيمن تصدق حال صحته (رواه البخاري) في الرقاق من صحيحه، ورواه النسائي في الوصايا من سننه. ٥٤٥ - (وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه أن رسول الله وَ يال قال: اتقوا النار) أي: اتخذوا = ١٥٢). وأخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: فضل من يقوم بالقرآن ... (الحديث: ٢٦٨). (١) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: ما قدم من ماله فهو له (٢٢١/١١). ٥٣٠ كتاب: دليل الفالحين بِشِقِّ تَمْرَةٍ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). ٥٤٦ _ وعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ شَيْئاً قَطُّ فَقالَ لا . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(٢). ٥٤٧ - وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: (مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّ مَلَكَانٍ يَنْزِلانِ فَيَقولُ أَحَدُهُما: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقاً خَلَفاً، وَيَقولُ بينكم وبينها وقاية من صالح الأعمال جل أو قل (ولو بشق) بكسر المعجمة أي: نصف (تمرة. متفق عليه) وقد تقدم مع الكلام عليه في آخر الحديث الطويل في باب الخوف. ٥٤٦ - (وعن جابر رضي الله عنه قال: ما سئل رسول الله وَي شيئاً قط) لتأكيد(٣) استغراق الأزمنة وتنكير شيئاً ليعم جلالة المسؤول وقلته ووجدانه له وفقده (فقاللا) بل إن كان عنده أعطاه، أو يقول له ميسوراً من القول فيعده أو يدعو له، فكان إن وجد جاد وإلا وعد ولم يخلف الميعاد، فليس المراد أنه يعطي ما طلب منه جزماً بل أنه لا ينطق بالرد، فإن كان عنده المسؤول وساغ الإِعطاء أعطى وإلا وعد، وقوله للأشعريين: والله لا أحملكم. أجيب أنه تأديب لهم لسؤالهم منه ما ليس عنده مع تحققهم ذلك، ومن ثمة حلف حسماً لطمعهم في تحصيله بنحو استدانة (متفق عليه) رواه البخاري في الأدب من صحيحه، ومسلم في فضائل النبي وَ لل والترمذي في الشمائل. ٥٤٧ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ لقول: ما من) مزيدة للتنصيص على العموم والاستغراق في قوله (يوم) جاء في حديث أبي الدرداء ((ما من يوم طلعت فيه الشمس إلا وبجنبيها ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين: ياأيها الناس هلموا إلى ربكم، إن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ولا غربت شمسه إلا وبجنبها ملكان يناديان)» فذكر مثل حديث أبي هريرة (يصبح العباد فيه) هذا ظاهر في أن المراد من اليوم ضد الليل (إلا ملكان) في حديث أبي الدرداء إلا وبجنبيها ملكان. والجنب بسكون النون الناحية (ينزلان) والجملة حال من العباد (فيقول:) بالرفع عطف على الفعل المرفوع (أحدهما: اللهم أعط منفقاً) قال الأبي أي: النفقة في الواجب؛ لأن في المال حقوقاً متعينة والنفقة في (١) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: طيب الكلام والزكاة وغيرها (٢٢٥/٣). وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: الحث على الصدقة ولو ... (الحديث: ٦٨). (٢) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل (٣٨١/١٠). وأخرجه مسلم في كتاب: الفضائل، باب: ما سئل رسول الله وَ﴾ (الحديث: ٥٦). (٣) أي الإِتیان بقوله قط لتأکید إلخ . ع ٥٣١ ٦٠ - باب: في الكرم والجود والإنفاق الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكاً تَلَفاً)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). ٥٤٨ _ وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَ قالَ: ((قالَ اللَّهُ تَعَالى: أَنْفِقْ يُنْفَقْ عَلَيْكَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(٢). المندوب لكن بالمعروف. وقال القرطبي: وهو يعم الواجبات والمندوبات لكن الممسك عن المندوبات لا يستحق الدعاء إلا أن يغلب عليه البخل المذموم بحيث لا تطيب نفسه بإخراج الحق الذي عليه ولو أخرجه اهـ. (خلفاً) يحتمل أن يكون في الدنيا ويحتمل أن يكون في الآخرة، وفيه الحض على الإِنفاق ورجاء قبول دعوة الملك، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه﴾(٣) وفي اعتبار المعروف قوله تعالى: ﴿ولا تبسطها كل البسط﴾ (٤) (ويقول الآخر) بفتح المعجمة (اللهم أعط ممسكاً) أي: عن الإِنفاق الواجب والمندوب (تلفاً) قال الحافظ في الفتح: التعبير بالعطية في هذا للمشاكلة؛ لأن التلف ليس عطية، والتلف يحتمل أن يراد تلف ذلك المال بعينه أو تلف نفس صاحب المال والمراد به فوات أعمال البر بالتشاغل بغيرها. وأفاد هذا الحديث توزيع الكلام بينهما فنسب إليهما في حديث أبي الدرداء نسبة المجموع إلى المجموع. قال المصنف: الإنفاق الممدوح ما كان في الطاعات وعلى العيال والضيفان والتطوعات (متفق عليه) أخرجاه في الزكاة من صحيحيهما، وأخرجه النسائي في عشرة النساء وفي التفسير من سننه. والحديث قد تقدم مع شرحه في باب النفقة على العيال. ٥٤٨ - (وعنه أن رسول الله وَالر قال: قال الله تعالى:) أي: فهو من الأحاديث القدسية (أنفق)(٥) أي: أيها الصالح للخطاب من سائر المؤمنين أي: أنفق المال في وجوه القرب بالطريق المأذون فيه شرعاً إيماناً واحتساباً (ينفق عليك) بالبناء للمفعول وحذف الفاعل للعلم به سبحانه وهو مجزوم جواب شرط مقدر أي: إن تنفق ينفق أي: يوسع عليك ويخلف عوض ما تنفقه، فعبر عنه بالإنفاق على سبيل المشاكلة (متفق عليه). (١) أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: قول الله تعالى ﴿فأما من أعطى واتقى﴾ (٢٤١/٣). وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: في المنفق (الحديث: ٥٧). (٢) أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: قول الله تعالى ﴿وكان عرشه على الماء﴾ وفي النفقات، (٢٦٥/٨). ٣ وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: الحث على النفقة ... (الحديث: ٣٦). (٣) سورة سبأ، الآية: ٣٩. (٤) سورة الإِسراء، الآية: ٢٩. (٥) في بعض نسخ المتن ((أنفق يا بن آدم)). ع ٥٣٢ كتاب: دليل الفالحين ٥٤٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ: أَيُّ الإِسلامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: ((تُطْعِمُ الطَّعامَ وتَقْرَأُ السَّلامَ عَلَى مِنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ)) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ(١). ٥٥٠ _ وَعَنْهُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ بَّهِ: ((أَرْبَعُونَ خَصْلَةً أَعْلاهَا مَنِيحَةُ ٥٤٩ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص) بحذف الياء إما على لغة من يقف على المنقوص المعرف بالسكون، وإما على أنه من الأجوف أي: من العيص لكن الأفصح على كونه من المنقوص الوقف عليه بالياء وقد تقدم ذلك (رضي الله عنهما أن رجلاً) في صحيح مسلم عن أبي موسى قال: قلت يا رسول الله، وجاء في طريق أخرى عنه: سألنا رسول الله وَ﴿ فهذا ظاهر فى أنه هو (سأل رسول الله وَل﴿) وقوله: (أي: الإِسلام خير) على تقدير القول أي: قائلاً أي: الإِسلام أي: أيُّ خصاله أو أي ذويه فعلى الثاني يقدر قبل قوله: (قال تطعم) بالرفع (الطعام) وما بعده، مضاف أي: ذو إطعام الطعام؛ لأن المراد من الفعل فيه المصدر: إما على تقدير أن المصدرية قبله، أو على تنزيل الفعل منزلته والوجهان مذكوران في نحو: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، واقتصر البدر الدماميني في مصابيحه على الأول وقال فيه: حذف في غير مواضعها المشهورة كالمثال المذكور قال: على أن بعضهم جعل حذفها على الإِطلاق مقيساً. قال: والظاهر أن المراد الإِطعام على وجه الصدقة والهدية والضيافة ونحو ذلك؛ لأنه ذكر بصيغة العموم (وتقرأ السلام) مفتوح الفوقية والراء؛ لأنه من قرأ. قال الزركشي: ويجوز ضم أوله وكسر ثالثه. قال الدماميني: هي لغة سوء قال القاضي عياض: لا يقال أقرئه السلام إلا في لغة سوء إلا إذا كان مكتوباً إليه فتقول ذلك أي: اجعله يقرؤه كما يقال اقرىء الكتاب. اهـ. أي: ولا يتأتى هذا الأخير هنا اهـ. أي؛ لأن المراد إفشاء السلام على من لقيت (على من عرفت ومن لم تعرف) وفي بذل الطعام كما ذكرنا وقرأ(٢) السلام على من ذكر استئلاف للقلوب واستجلاب لودها فلا جرم وقع الحض عليهما (متفق عليه) أخرجه البخاري ومسلم في الإِيمان، وابن ماجه في الأطعمة. ٥٥٠ - (وعنه قال: قال رسول الله مَ لقر: أربعون خصلة) جاز الابتداء بأربعون مع نكارته لتخصيصه بالعمل في تمييزه؛ لأن الأصح عند النحاة أن العامل في التمييز عن مبهم هو ذلك الاسم المفسر، قال الحافظ في الفتح: وعند أحمد أربعون حسنة (أعلاها منيحة العنز) قال (١) أخرجه البخاري في كتاب: الإِيمان، باب: إطعام الطعام (١ /٥٢، ٥٣). وأخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: جامع أوصاف الإِسلام (الحديث: ٦٣) (٢) بإسكان الراء مصدر كالقراءة معطوف على بذل. ع ٥٣٣ ٦٠ - باب: في الكرم والجود والإنفاق العَنْزِ، مَا مِنْ عَامِلٍ يَعْمَلُ بِخَصْلَةٍ مِنْهَا رَجَاءَ ثَوَابِهَا وَتَصْدِيْقَ مَوْعُودِهَا إِلَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا الجَنَّةَ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا الحَدِيْثِ فِي بَابٍ بَيَانِ كَثْرَةِ طُرُقِ الخَيْرِ (١). ٥٥١ - وَعَنْ أَبِيْ أُمَامَةَ صُدَيٍّ بنِ عَجْلانَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ : ((يا ابنَ آدمَ إِنَّكَ أَنْ تَبْذُلَ الْفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَأَنْ تُمْسِكَهُ شَرٌ لَكَ، وَلاَ تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ، أبو عبيدة: المنيحة عند العرب على وجهين. أولهما إعطاء الرجل صاحبه نحو شاة صلة. ثانيهما أن يعطيه شاة أو ناقة ينتفع بحلبها ثم يردها وهذا هو المراد هنا (ما من عامل يعمل بخصلة) أي: بواحدة (منها رجاء ثوابها) مفعول له، ويصح كونه منصوباً على الحال أي: راجياً ثوابها. وفيه إيماء إلى أن ترتب الثواب على صالح العمل ليس على سبيل اللزوم، بل على سبيل الفضل من المولى سبحانه (وتصديق موعودها) الإِضافة لأدنى ملابسة أي: الموعود به فيها (إلا أدخله الله بها الجنة) قال الحافظ ابن حجر نقلاً عن ابن بطال: قد كان النبي ◌َ﴿ عالماً بالأربعين المذكورة، وإنما لم يذكرها لمعنى هو أنفع من ذكرها، وذلك خشية أن يكون التعيين لها مزهداً في غيرها من أبواب البر قال الحافظ بعد أن نقل عن ابن بطال عن بعضهم تعيين تلك الخصال وتعقب ابن المنير له في كون بعضها أعلى من المنيحة ما لفظه: وأنا موافق لابن بطال في إمكان تتبع أربعين خصلة من خصال الخير أدناها منيحة العنز وموافق لابن المنير في رد كثير مما قال ابن بطال، مما هو ظاهر أنه فوق المنيحة والله أعلم (رواه البخاري) في أواخر الهبة من صحيحه، ورواه أبو داود في كتاب الزكاة من سننه (وقد سبق بيان هذا الحديث) أي: بذكر معنى المنيحة (في باب بيان كثرة طرق الخير). ٥٥١ - (وعن أبي أمامة) بضم الهمزة وتخفيف الميمين (صدي) بضم ففتح فتشديد التحتية (ابن عجلان رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَطاهر: يا بن آدم إنك أن تبذل الفضل) بفتح همزة أن المصدرية وهي ومدخولها في تأويل مصدر منصوب بدل اشتمال من اسم إن أي : بذلك الفضل، وبكسرها على أنها شرطية، والفضل ما زاد على ما تدعو إليه حاجة الإِنسان لنفسه ولمن يمونه (خير لك) خبر إن على الأول وخبر محذوف مع الفاء على الثاني أي : فهو خير لك، وبه يتبين ترجيح الفتح لأن الأصل عدم الحذف (وإن تمسكه) بفتح الهمزة وإمساكك إياه (شر لك)؛ لأنك تحاسب عليه ولا تلقاه بين يديك عند حاجتك إليه (ولا تلام) أي: ولا يلحقك لوم من الشرع (على كفاف) أي: إمساك ما تكف به الحاجة (١) أخرجه البخاري في كتاب: آخر الهبة، باب: فضل المنيحة (الحديث: ١٣٨/٢٢). انظر الحديث: (١٣٨). ٥٣٤ كتاب: دليل الفالحين وَأَبْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ؛ واليَدُ العُلَيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١). ٥٥٢ _ وعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ على الإِسْلامِ شَيْئاً إِلا أَعْطَاهُ، وَلَقَدْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَماً بَيْنَ جَبَلَيْنٍ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: يَا قَوْمٍ أَسْلِمُوا فَإِنَّ مُحَمَّداً يُعْطِي عَطَاءَ مَنْ لَا يَخْشَى الْفَقْرَ، وإنْ كانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ (وابدأ بمن تعول) من زوجة وقريب وعبد ودابة؛ لأن حقهم واجب وهو أفضل من المندوب بسبعين ضعفاً (واليد العليا) المنفقة، وقيل: المتعففة عن السؤال (خير من اليد السفلى) أي: الآخذة، وقيل: السائلة، والحديث تقدم مع الكلام عليه في باب فضل الجوع (رواه مسلم). ٥٥٢ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: ما سئل رسول الله صلقر على الإِسلام) على فيه تعليلية أي: لأجل الإِسلام (شيئاً) من الدنيا جل أو قل وهو ثاني مفعولي سئل (إلا أعطاه) ترغيباً في الإِسلام وإنقاذً لذلك من النار للرحمة التي طبع عليها (ولقد جاءه رجل) لم يتعرض المصنف في شرح مسلم لبيانه ولعله كان من المؤلفة (فأعطاه غنماً بين جبلين) أي: كثيرة كأنها تملأ ما بين الجبلين، وهذا الإِعطاء منه وَل# يحتمل أن يكون عن سؤال من ذلك الرجل، ويحتمل أن يكون ابتداء زيادة لترغيبه في الإِسلام إن لم يكن أسلم، أو لدوامه عليه إن أسلم ونيته ضعيفة فيه. قال المصنف: يجوز أن يعطى المسلم من المؤلفة من الزكاة . ومن بيت المال ولا يجوز أن يعطى مؤلفة الكفار من الزكاة، وفي إعطائهم من غيرها خلاف، الأصح عندنا لا يعطون منه الآن؛ لأن الله قد أعز الإسلام وكثرهم بخلاف أول الإِسلام وقد قل المسلمون اهـ. (فرجع إلى قومه) داعياً لهم إلى الإِسلام (فقال: يا قوم أسلموا) أي: لتغنموا الدنيا؛ لأنه لم يكشف له أنوار اليقين إلى حينئذ كما يدل عليه قوله: (فإن محمداً اله يعطي عطاء) مفعول مطلق جوز الهمداني في مثله من قوله تعالى: ﴿والله أنبتكم من الأرض نباتاً﴾ (٢) أن يكون مصدراً مؤكداً لفعله وفعله محذوف يدل عليه أنبت والتقدير: أنبتكم فنبتمٍ نباتاً وأن يكون مؤكداً لعين أنبت على حذف الهمزة من أوله، وله نظائر في كلام العرب نظماً ونثراً اهـ. واقتصر ابن هشام في الجامع على كونه مؤكداً لعامله، قال شارحاً: فنبات مصدر لفعل عين أنبت ووقع في التوضيح ما يقتضي التمثيل به لاسم العين النائب عن المصدر قال قرينه(٣): وهو مخالف لكلام النحويين اهـ. وقيل العطاء إنما يدل على المبالغة فيه بقوله: (١) أخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اليد العليا ... (الحديث: ٩٧). (٣) كذا بالأصول. ع (٢) سورة نوح، الآية: ١٧ . ٦٠ - باب: في الكرم والجود والإنفاق ٥٣٥ إلّ الدُّنيا فَمَا يَلْبَثُ إِلَّ يَسِيراً حَتَّى يَكُونَ الإِسْلَامُ أَحَبَّ إِلَيهِ مِنَ الدُّنْيا وَمَا عَلَيْهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١) . ٥٥٣ - وَعَنْ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ وَِّ قَسْمَاً فَقُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ لَغَيْرُ هَؤْلَاءِ كَانُوا أَحَقَّ بِهِ مِنْهُمْ؟ قَالَ: ((إِنّهُمْ خَيْرُونِي أَنْ يَسْأَلُونِي بالفُحْشِ، أَو يُبْخِّلونِي فَلَسْتُ بِبَاخِلٍ» (من لا يخشى) يخاف (الفقر) لشدة معرفته بهبات ربه وسعة خزائن فضله وقوله: (وإن) مخففة من الثقيلة أي: وإنه (كان الرجل ليسلم) أي: يدخل في الإِسلام وينتظم في عدادهم (ما يريد) بإسلامه (إلا الدنيا) لما يرى من مزيد بذله وير تأليفاً على الإِسلام وترغيباً فيه (فما يلبث) بفتح التحتية والموحدة وسكون اللام بينهما أي: يمكث (إلا) زمناً (يسيراً) تشرق في قلبه أشعة أنوار الإِيمان وتخالط بشاشته قلبه فيتمكن منه (حتى يكون الإِسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها) فهذا من كمال رحمته ومزيد معرفته أن دواء كل داء بما يقطع مادته من أصلها لتقلب تلك الأمراض إلى ضدها، فصلى الله وسلم عليه وزاده فضلاً وشرفاً لديه وفيه عناية الله بأولئك الذين أهلهم لمعاملة نبيه المصطفى 83* إياهم بتلك المعاملة لينالوا الدرجات العلية (رواه مسلم) في فضائل الأنبياء من صحيحه. ٥٥٣ - (وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قسم رسول اللهِوَ لَ قسماً) أي: ما يقسم من مال الغنائم أو الخراج أو نحو ذلك (فقلت:) معطوف على مقدر دل عليه الكلام فأعطى أناساً وترك آخرين (يا رسول الله لغير هؤلاء) أي: المعطين (كانوا أحق) أي: أولى (به) أي: بالعطاء (منهم) أي: من هؤلاء وأكد باللام المؤذنة بالقسم المقدر واسمية الجملة لما فهمه من ترك النبي وقلة إعطاءهم من أن غيرهم أحق بذلك منهم. قال الأبي: وهذا التنبيه لظنه أن الإِيثار بالعطاء بحسب الفضيلة والسابقة في الدين، فبين له و ل* سببه بقوله: (قال: إنهم خيروني) قال الأبي: الأظهر أنه بلسان الحال أي: وكلوا الخيرة إلي (بين أن يسألوني بالفحش فأعطيهم) أو أن (يبخلوني) معناه كما قال المصنف أنهم ألحوا علي في السؤال لضعف إيمانهم وألجئوني بمقتضى حالهم إلى السؤال بالفحش أو نسبتي إلى البخل (ولست بباخل) ولا ينبغي احتمال أحد الأمرين، وقال الأبي نقلاً عن عياض: المعنى أنهم أشطوا عليه في السؤال على وجه يقتضي أنه إن أجابهم إليه حاباهم، وإن منعهم آذوه وبخلوه، فاختار أن يعطي إذ ليس البخل من خلقه . مداراة وتألفاً كما قال ◌َّى: شر الناس من أتقاه (١) أخرجه مسلم في كتاب: الفضائل، باب: ما سئل رسول الله ... (الحديث: ٥٨). ٥٣٦ كتاب : دليل الفالحين رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١) . ٥٥٤ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ يَسِيْرُ مَعَ النَّبِيِّ وَ مَقْفَلَهُ مِنْ حُنَيْنِ، فَعَلِقَهُ الأعْرابُ يَسْأَلُونَهُ حَتّى اضْطَرُّوْهُ إِلَى سَمُرَةٍ فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ، فَوَقَفَ النَّبِيُّ ◌َفَقَالَ: ((أَعْطُونِي رِدَائِي، فَلَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هَذِهِ العِضَاءِ نَعَمَاً لَقَسَمْتُهُ الناس اتقاء لشره)) وكما أمر بإعطاء المؤلفة ففيه ما كان عليه وتعليق من عظيم الخلق والصبر والحلم والإعراض عن الجاهلين كما أمر تَلي (رواه مسلم) في الزكاة من صحيحه وقد انفرد به عن باقي الستة . ٥٥٤ _ (وعن) أبي محمد، ويقال: أبو عدي (جبير) بضم الجيم وفتح الموحدة وسكون التحتية (ابن مطعم) بصيغة اسم الفاعل ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي القرشي النوفلي المدني (رضي الله عنه) أسلم يوم الفتح وقيل: قبله وحسن إسلامه، وكان سيدا حكيماً وقوراً بشأنه(٢)، رئيساً كاتباً. روي له عن رسول الله وسر كما قال ابن الجوزي نحو ثلاثين حديثاً، اتفق الشيخان على ستة منها وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بواحد وخرج عنه الأربعة، مات بالمدينة سنة ثمان أو تسع بتقديم الفوقية (أنه قال: بينما) ما مزيدة لكف بين عن الإضافة، فالجملة الاسمية بعدها مستأنفة (هو يسير مع النبي ◌َّر مقفله) منصوب على الظرفية الزمانية أي: زمن رجوعه (من حنين) بضم المهملة وتخفيف النونين بينهما تحتية ساكنة في السنة الثامنة بعد الفتح في شوال (فعلق) بفتح العين وتخفيف اللام وبالقاف من أفعال الشروع بوزن طفق ومعناه. وقد جاء بدله في رواية الكشميهني ثم هو في البخاري بالتاء الممدودة بالتأنيث لإِسناده إلى (الأعراب) وهو اسم جمع لعرب كما قال سيبويه، لأنه خاص بسكان البوادي والعرب تعمهم والحاضرين، ورأيت في أصل مصحح فعلقه بهاء الضمير والظاهر أنها تاء التأنيث وربطت في الرسم من تحريف الكتاب وقوله: (يسألونه) جملة في محل الخبر لعلق (حتى اضطروه) أي: ألجأوه إلى (سمرة) بفتح المهملة وضم الميم: شجرة طويلة متفرقة الرأس قليلة الظل صغيرة الورق والشوك صلبة الخشب قاله ابن التين، وقال الداودي: السمرة هي العضاه، وقال الخطابي: ورق السمر أثبت وظلها أكثف، ويقال: هي شجرة الطلح (فخطفت) بكسر الطاء المهملة (رداءه) قال في المصباح: خطفه من باب سمع أسئلة بسرعة، وخطف من باب ضرب لغة فيه، وعند(٣) ابن شبه في كتاب (١) أخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: إعطاء من سأل بفحش أو غلظة (الحديث: ١٢٧). (٣) كذا ولعل الصواب ابن أبي شيبة. ع (٢) كذا وفي نسخة لسانه فلينظر. ع ٦٠ - باب: في الكرم والجود والإنفاق ٥٣٧ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيْلاً وَلَ كَذَّاباً وَلاَ جَبَاناً)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ((مَقْفَلَهُ)): أَي فِي حَالِ رُجُوعِهِ. ((والسَّمُرَةُ: شَجَرَةً. و((العِضَاُ)) شَجَرٌ لَهُ شَوْكٌ(١). مكة: حتى عدلوا ناقته عن الطريق فمر بسمرات فانتهشن ظهره وانتزعن رداءه، والباقي بنحو حديث جبير (فوقف النبي ◌َّية) أي: بإمساك خطام الناقة الذي بيده (فقال: أعطوني ردائي) قال في المصباح: الرداء بكسر الراء وبالمد ما يرتدى به مذكر لا يجوز تأنيثه. قال ابن الأنباري: وتثنيته رداآن، وربما قلبوا الهمزة فقالوا: رداوان والجمع أردية بالياء كسلاح وأسلحة (فلو كان لي عدد هذه العضاه) بالرفع اسم كان وخبرها (نعماً) بالنصب ويجوز على التمييز كما في الفتح للحافظ زاد الدماميني ولي خبر كان. وفي رواية أبي ذر بالرفع على أنه اسم كان مؤخراً، وعدد بالنصب خبر مقدم (لقسمته بينكم) قال ابن المنير: وهذا تنبيه بطريق الأولى؛ لأنه إذا سمح بمال نفسه فلأن يسمح بقسم غنائمهم عليهم أولى (ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذاباً ولا جباناً) أي: لا تجدوني ذا بخل ولا ذا كذب ولا ذا جبن، فالمراد نفي الوصف من أصله لا نفي المبالغة المدلول عليها بالصيغة: قال ابن المنير: في جمعه وَل بين هذه الصفات لطيفة، وذلك أنها متلازمة وكذا أضدادها وأصل المعنى هنا الشجاعة، فإن الشجاع عوائق من نفسه بالحلف من كسبه فبالضرورة لا يبخل، وإذا أمهل عليه العطاء لا يكذب بالخلف في الوعد؛ لأن الخلف إنما ينشأ من البخل، واستعمال ثم هنا ليس مخالفاً لمقتضاها وإن كان الكرم يتقدم العطاء، لكن علم الناس بكرم الكريم إنما يكون بعد العطاء، وليس المراد هنا بثم الدلالة على تراخي العلم بالكرم عن العطاء إنما التراخي هنا لعلو رتبة الوصف كأنه يقول: وأعلى من العطاء بما لا يتقارب أن يكون العطاء عن كرم، فقد يكون عطاء بلا كرم كعطاء البخيل قهراً أو نحو ذلك، قاله الدماميني في المصابيح. وفي الفتح للحافظ: في الحديث ذم الخصال المنفية: وأن إمام المسلمين لا ينبغي أن يكون فيه خصلة منها، وفيه ما كان عليه ◌َّلو من الحلم وحسن الحلق وسعة الجود والصبر على جفاة الأعراب، وفيه جواز وصف المرء نفسه بالخصال الحميدة عند الحاجة لخوف ظن أهل الجهل له خلاف ذلك ولا يكون ذلك من الفخر المذموم اهـ. ملخصاً (رواه البخاري) في الجهاد وفي الخمس من صحيحه منفرداً به عن باقي الستة (مقفله) بفتح أوله وثالثه وسكون ثانيه (أي: في حال) أحسن منه زمان (رجوعه) لما قدمناه وبذلك عبر الحافظ في الفتح (السمرة شجرة) تقدم بيانها (العضاه) بكسر العين المهملة وبالضاد المعجمة (شجر له شوك) (١) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: ما كان يعطى المؤلفة قلوبهم (٢٦/٦). ٥٣٨ كتاب : دليل الفالحين ٥٥٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ قَالَ: ((مَا نقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ ، وَمَا زَادَ الله عَبْداً بِعَفْوٍ إِلَّ عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للَّهِ إِلَّرَفَعَهُ الله عَزَّ وَجَلَّ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١). ٥٥٦ - وَعَنْ أَبِي كَبْشَةَ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ الأَنْمَارِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ قال الحافظ في الفتح: واختلف في واحدها فقيل: عضة بفتح أوليه كشفة وشفاه والأصل عضهه فحذفت الهاء وقيل: عضاهة. ٥٥٥ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَّر قال: ما نقصت صدقة) هي المخرج من المال تقرباً إلى الله تعالى (من مال) قال المصنف: ذكروا فيه وجهين: أحدهما أنه مبارك فيه ويدفع عنه المفسدات فيجبر النقص الصوري بالبركة الخفية وهذا مدرك بالحس والعادة، وثانيهما أنه وإن نقصت صورته لكن ثوابه المعد له في الآخرة جابر لنقصه (وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً) فيه وجهان أيضاً أحدهما أنه على ظاهره إن من عرف بالعفو والصفح ساد وعظم في القلوب وزاد عزة وكرامة، والثاني أن المراد أجره في الآخرة وعزه هناك (وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله عز وجل) يجوز أن يكون في الدنيا أي: بأن يرفعه ويثبت له في القلوب بتواضعه منزلة يرفعه بها الناس ويجلوا مكانه، ويحتمل أن يكون ذلك في الآخرة فيثيبه الله في الجنة بتواضعه في الدنيا، وقد يكون المراد فيهما جميعاً اهـ. ملخصاً (رواه مسلم) في البر والصلة من صحيحه، ووقع في الأطراف للمزي في الأدب منه، والذي رأيته في الأصول من مسلم كما ذكرته. ٥٥٦ - (وعن أبي كبشة) بفتح الكاف وسكون الموحدة وبالشين المعجمة كنية (عمر) بضم ففتح (ابن سعد الأنماري) بفتح الهمزة وسكون النون وبعد الألف راء نسبة إلى أنمار بطن من العرب وقد اختلف في اسمه (رضي الله عنه) فقيل: كما ذكره المصنف عمر وقيل: سعد بن عمر وقيل(٢) عمرو بن سعد سماه يحيى بن يونس وسعيد القرشي هكذا وقيل: اسمه عمرو بن سعد. قال ابن الأثير: وهو الأشهر أخرجه أبو موسى يعد في الشاميين روي له عن رسول الله * أحاديث ذكر منها المزي في الأطراف أربعين وليس منها شيء في الصحيح (أنه سمع رسول الله وسلم يقول: ثلاثة) من الخصال أو خصال ثلاثة، وجاز إتيان (١) أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: استحباب العفو والتواضع (الحديث: ٦٩). (٢) كذا في الأصول وفيه ما بعده تكرار فليتأمل. ع ((وبمراجعة أسد الغابة ظهر أن القول الرابع عمرو بن سعيد، فلا تكرار».ع . ٥٣٩ ٦٠ - باب: في الكرم والجود والإنفاق اللّهِ وَ يَقُوْلُ: ثَلَاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ، وَأُحَدِّئُكُمْ حَدِيْئاً فَاحْفَظُوهُ: مَا نقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلاَ ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلِمَةً صَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّ زَادَهُ اللَّهُ عِزَّا، وَلَ فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إلَّ فَتَحَ الله عَلَيْهِ بَابَ فَقْرِ، أَوْ . التاء في عدد المؤنث لحذف المعدود (أقسم عليهن) تأكيداً لها في الأذهان للسامعین ليزداد قبولهم لها ويشتد حرصهم على العمل بها وأكد ذلك بقوله: (وأحدثكم حديثاً) أي: في ذلك (فاحفظوه) والجملتان معترضتان لذلك وجعل العاقولي من باب التقديم والتأخير فقال: أي: أحدثكم في معنى خصال من خصال الخير وأقسم على ثلاث خصال منها: فقدم قوله: ثلاث أقسم عليهنّ للاهتمام بها ا هـ. وما سلكته أولى؛ لأن الأصل عدم التقديم والتأخير (ما نقص مال عبد من صدقة) أي: بل البركة النازلة فيه أو الثواب المعد لباذله وذلك يجبر ما نقص منه حساً، أو ما نقص ثوابه بل يضاعف يوم القيامة أضعافاً كثيرة وفي أمالي العز بن عبد السلام معنى الحديث أن ابن آدم لا يضيع له شيء وما لم ينتفع به في دنياه انتفع به في عقباه، فإن الإِنسان إذا كان له داران فحول ماله من إحداهما إلى الأخرى لا يقال في ذلك: المحول أنه نقص من ماله: وكان بعض السلف إذا رأى السائل يقول: مرحباً بمن جاء يحول مال دنيانا إلى أخرانا قال: هذا معنى الحديث، وليس معناه أنه لا ينقص في الحس ولا أن الله يخلف عليه فإن ذلك معنى مستأنف اهـ. (ولا ظلم عبد مظلمة) بفتح الميم وكسر اللام اسم مصدر ظلم ظلماً بالفتح من باب ضرب، وفي فتح الباري في كتاب المظالم: المظلمة بكسر اللام على المشهور. وحكى ابن قتيبة وابن التين والجوهري فتحها، وأنكره ابن التوطية ورأيت بخط مغلطاي أن الفراء حكى الضم، قال في المصابيح: هي ما يطلبه عند الظالم وهي ما أخذ منك وحذف الفاعل ليعم ظلم القوي والضعيف ونكر مظلمة في سياق النفي ليعم الظلم في النفس والمال والعرض وقوله: (صبر عليها) أي: حبس نفسه على ألمها ولم ينتقم من ظالمه بشيء من الانتقام ويحتمل أن يعم ويدخل من ترك بعض حقه من الظلامة وانتصف في البعض فيثاب فيما تركه احتساباً (إلا زاده الله) في الدنيا وفي الآخرة أو فيهما (عزاً) وذلك من باب قولهم: كما تدين تدان: ومن حديث ((اعمل ما شئت فإنك مجزي به)) وفي تفسير سورة فصلت من صحيح البخاري قال ابن عباس: ادفع بالتي هي أحسن الصبر عند الغضب والعفو عند الإِساءة فإذا فعلوا عصمهم الله وخضع لهم عدوهم كأنه ولي حميم. اهـ. وهذا يؤيد ظهور أثر العفو في الدنيا (ولا فتح عبد باب مسألة) لينال بذلك الغنى تكثراً من أموال الناس (إلا فتح الله عليه باب فقر) معاملة بنقيض قصده، وفي هذه الأخيرة استعارة مكنية تتبعها استعارة تخيلية فى الموضعين (أو) شك من الراوي أي: قال: .* ٥٤٠ كتاب: دليل الفالحين كَلِمَةً نَحْوَهَا. وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثاً فَاحْفَظُوهُ، قَالَ: إِنَّما الذُّنْيَا لِرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْماً فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ للَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ المَنَازِلِ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ الله ◌ِلْمَاً وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُوْلُ: لَوْ أَنّ ◌ِيَ مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلانٍ فَهُوَ نِيَّتُهُ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ الله مَالاً فتح الله عليه باب فقر أو قال: (كلمة نحوها) في إفادة ذلك (وأحدثكم حديثاً فاحفظوه) ظاهر أنه مزيد على الثلاث ولعله ◌َو استطرد مما أقسم عليه من الخصال إلى ذلك لمناسبة بينه وبين ما انتقل عنه، إذ كل فيه ترغيب في إنفاق المال في التقرب إلى الله تعالى وتحذير من الحرص على جمع المال، ويحتمل أن تكون هذه الجملة من كلام أبي كبشة لما حدثهم بما تقدم، ذكر هذا الحديث بجامع ما ذكرناه فذكره وقال: هذه الجملة قبله ليقبلوا عليه، ويؤيد هذا قوله: (قال) أي: النبي ◌ّ (إنما الدنيا لأربعة نفر) بفتح أوليه هو لغة ما بين الثلاثة إلى العشرة وهو هنا تمييز أربعة وجاز مع أن تمييزها لا يكون إلا جمعاً كسبع ليال وثمانية أيام اعتباراً بالمعنى؛ لأنه كذلك للبعد (عبد) يجوز فيه وفي أمثاله من مفصل لمجمل أستوفى العدة الجر على الإِبدال مما قبله بدل كل من كل بتقدير سبق العطف على الإِبدال، والقطع بالرفع بإضمار مبتدأ محذوف وجوباً، وبالنصب بإضمار نحو أعني محذوف كذلك (رزقه الله مالاً وعلماً) فيه أن العلم من الرزق (فهو يتقي فيه ربه) أي: لا يصرفه في معصية بل يجتنب ما لا يرضيه (ويصل فيه رحمه ويعلم الله فيه حقاً) سواء كان ذلك واجباً عينياً من زكاة أو كفارة لمقتضاها أو نذر، أو كفائياً ككفاية مضطر من جائع بسد جوعته وعار بكسوته، أو مندوباً كالتقرب إلى الله سبحانه بأنواع الطاعات المالية (فهذا بأفضل المنازل) من الجنة؛ لأنه علم وعمل وأدى الواجب والمندوب واجتنب الحرام والمحظور وعلمه اهـ. إلى الإِخلاص في ذلك وجعل معاملته في ذلك مع الله سبحانه (وعبد رزقه الله علماً) أي: بالأحكام المتعلقة بالمال من حيث جمعه وإنفاقه وما يتعلق بذلك، ويحتمل أن يراد ما يعم علم ذلك وغيره ويؤيده التنكير إذ الأصل فيه التعميم (ولم يرزقه مالاً فهو) لعلمه النافع له (صادق النية) أي: القصد في طلب ثواب الله فيعزم على العمل المالي لو قدر عليه ليثاب به (يقول) ناوياً لذلك (لر أن لي مالاً لعملت) أي: فيه (بعمل فلان) الجامع بين المال والعلم من طلب ما رضي الله به (فهو نيته، قال العاقولي: مبتدأ وخبر أي: فهو سني النية ربها أحره. ((قلت)): ويجوز أن يكون نيته مبتدأ وخبره محذوف أي: ألحقته بمن قبله، والجملة خبرهـ يدل على ذلك قوله: ( فأجرهما سواء) أي: من حيث النية وصحة القصد، ويزيد ذلك بثواب نفقة المال الي زاد على صاحبه (وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً) يعرف به وجوه