النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
٥٦ - باب: في فضل الجوع وخشونة العيش
بِالصَّادِ والرُّسْغُ بِالسِينِ أَيْضاً هُوَ: الْمِفْصَلُ بْنَ الْكَفِّ وَالسَّاعِدِ(١).
٥١٩ - وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: إِنَّا يَوْمَ الْخَنْدَقِ نَحْفِرُ، فَعَرَضَتْ كُدْيَةٌ
شَدِيدَةٌ، فَجَاؤُوا النَِّيَّ ◌َ، فَقَالُوا: هَذِهِ كُذْيَةٌ عَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ، فَقَالَ: ((أَنَا نَازِلٌ))
ثُمَّ قَامَ وَبَْنُهُ مَعْصوبٌ بِحَجَرٍ، وَلَبِثْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَ نَذُوقُ ذَوَاقً، فَأَخَذَ النَّبِيُّ ◌ََّ الِمِعْوَلَ
وضمها للإتباع لغة بعدها معجمة (بالصاد والرسغ بالسين) أي: المهملة أيضاً (هو) أي: هنا
(المفصل بين الكف والساعد) وإلا ففي المصباح أنه من الإِنسان مفصل ما بين الكف
والساعد والقدم أي: مشترك بينهما، ثم ظاهر عبارته أن السين والصاد كل منهما أصل غير
منقلب عن الآخر، وعبارة النهاية تشهد له وهي الرصغ لغة في الرسغ اهـ.
٥١٩ - (وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: إنا كنا يوم) أي: زمن وهو ظرف
للفعل الآتي بعد (الخندق) وكان حفره لما تحزبت قريش وأجايشها إلى أن بلغوا عشرة
آلاف، فأرادوا حرب المدينة فأشار سلمان بحفر الخندق حول المدينة، فأمر به مطلق وكان
ذلك في السنة الخامسة من الهجرة، قال ابن إسحاق: في شوال وقال ابن سعد: في ذي
القعدة (نحفر فعرضت لنا كدية شديدة) أي: تامة الإِباء عن تأثير الفؤوس فيها (فجاءوا إلى
النبي ◌َّة) قال في المصباح: جاء زيد يجيء مجيئاً حضر، ويستعمل متعدياً أيضاً بنفسه
فيقال: جئت شيئاً حسناً أي: فعلته، وجئت زيداً إذا أتيت إليه، وجئت به إذا أحضرته معك،
وقد يقال: جئت إليه: يعني ذهبت إليه اهـ. (فقالوا: هذه كدية) وقولهم: (عرضت في
الخندق) في محل الصفة للكدية أتوا به إطنابًاً لطول المجاورة مع المصطفى ويله نظير ما قيل
في قول موسى عليه السلام: ﴿أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي﴾(٢) والخندق معروف
(فقال: أنا نازل) عمل فيه وَ له بنفسه ترغيباً للمسلمين، فلذا سارعوا إليه فأتموه قبل وصول
المشركين وحصارهم (ثم قام وبطنه معصوب) قال في المصباح: البطن خلاف الظهر وهو
مذكر، وفي البخاري : وبطنه معصوب بحجر أي: مربوط فوق الحجر(٣) على بطنه الشريف،
وتقدم في الباب حكمة ذلك، والجملة حال من فاعل قام (ولبثنا) بالموحدة فالمثلثة أي:
أقمنا (ثلاثة أيام) ظرف لقوله: (لا نذوق ذواقاً) بفتح الذال المعجمة مصدر بمعنى المذوق
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: اللباس، باب: ما جاء في القميص (الحديث: ٤٠٢٧).
وأخرجه الترمذي في كتاب: اللباس، باب: ماجاء في القميص (الحديث: ١٧٦٥).
(٢) سورة طه، الآية: ١٨.
(٣) كذا بالأصول. ع
٢٠

٤٨٢
كتاب: دليل الفالحين
فَضَرَبَ فَعَادَ كَثِيباً أَهْيَلَ أَوْ أَهْيَمَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اثْذَنْ إِلَى الْبَيْتِ. فَقُلْتُ لامْرَأتي:
رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ وَ شَيْئاً مَا فِي ذَلِكَ صَبْرٌ فَعِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ: عِنْدِي شَعِيرٌ وَعَنَاقٌ.
فَذَبَحْتُ الْعَنَاقَ، وَطَحَنَتِ الشَّعِيرَ حَتَّى جَعَلْنَا اللَّحْمَ فِي الْبُرْمَةِ، ثُمَّ جِئْتُ النَّبِيَّ ◌َِ
وَالْعَجِينُ قَدِ انْكَسَرَ وَالْبُرْمَةُ بَيْنَ الأَثَافِيِّ قَدْ كَادَتْ تَنْضَجُ، فَقُلْتُ: طُعَيِّمٌ لِي فَقُمْ أَنْتَ
أي: المطعوم أي: لا نطعم فيها، والجملة يحتمل كونها حالية بإضمار قد من فاعل نحفر،
ويحتمل كونها معطوفة على الجملة الحالية، ففيها بيان سبب عصب بطنه و القر من طول مدة
ترك الطعام، ويحتمل كونها معترضة أتى بها لبيان أن ما حصل منه 18 من التأثير في تلك
الكدية ليس ناشئاً عن القوة المودعة في الإِنسان عادة لغلبة الضعف عليه وخلقه حينئذ بترك
تناول الطعام المدة المذكورة، إنما ذلك معجزة. ثم رأيت الحافظ في الفتح جزم بالأخير
وقال: إنه سبب العصب، وغير خاف أن ما ذكرناه محتمل وله وجه والله أعلم (فأخذ المعول)
بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الواو بعدها لام أي: المسحاة، وعند أحمد: فأخذ
المعول أو المسحاة بالشك (فضرب فعاد) أي: فصارت الكدية وذكرها باعتبار المضروب
الدال عليه قوله: فضرب (كئيباً أهيل) بوزن أحمد ثالثه تحتية، وعند البخاري أهيل أو أهيم.
والمعنى أنه صار رملاً لا يتماسك. قال الحافظ في الفتح: ضبط أهيم بالمثلثة وبالتحتية،
والمعروف الثاني وهي بمعنى أهيل (فقلت يا رسول الله ائذن لي إلى البيت) الظرف الثاني
متعلق بفعل محذوف يدل عليه المقام أي: انصرف. وفي الكلام حذف صرح به أبو نعيم في
روايته في المستخرج فقال: ((فأذن لي)) (فقلت: لامرأتي) اسمها سهيلة بنت معوذ الأنصارية
(رأيت) أي: أبصرت (بالنبي ◌َ ﴿ شيئاً) أي: عظيماً كما يدل عليه قوله: (ما في ذلك صبر)
أي: ما في دفع ذلك، فالسعي في رفعه صبر أي: تأخير؛ لأنه بلغ الغاية (فعندك شيء)
بتقدير همزة الاستفهام أي: أعندك ما تندفع به الحاجة في الجملة (فقالت: عندي شعير)
جاء في رواية ابن بكير(١) أنه صاع (وعناق) بفتح العين المهملة وتخفيف النون هي الأنثى
من المعز (فذبحت) بتاء المتكلم (العناق وطحنت) بفتح حروف الفعل الثلاثي والتاء فيه
للتأنيث وفاعله يعود إلى امرأته (الشعير) وقوله: (حتى جعلنا اللحم في البرمة) بضم الموحدة
وسكون الراء كما في الفتح غاية المقدر أي: واستمريت(٢) غائباً عن الخندق إلى ما ذكر،
وفي رواية الكشميهني: حتى جعلت (ثم جئت النبي ﴿ والعجين قد انكسر) أي: لان
(١) في نسخة (أبي بكر). ع
(٢) الصواب (واستمررت) والمؤلفون كثيراً ما يتساهلون في هذا الباب. ع

٤٨٣
٥٦ - باب: في فضل الجوع وخشونة العيش
يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَجُلٌ أَوْ رَجُلانِ. قَالَ: ((كَمْ هُوَ؟» فَذَكَرَتُ لَهُ، فَقَالَ: «كَثِيرٌ طَيِّبُ قُلْ لَهَا
لَ تْزَعِ الْبُرْمَةَ وَلَ الْخُبْزَ مِنَ الُورِ حَتَّى آتِيَ)) فَقَالَ: ((قُومُوا)) فَقَامَ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ،
فَدَخَلْتُ عَلَيْهَا، فَقُلْتُ: وَيْحَكِ: قَدْ جَاءَ النَّبِيُّ ◌َهِ وَالْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ وَمَنْ مَعَهُمْ،
قَالَتْ: هَلْ سَأَلَكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ،
ورطب وتمكن منه الخبز (والبرمة بين الأثافي) بمثلثة وفاء: ثلاثة أحجار يوضع عليها القدر
(قد كادت) أي: قاربت (تنضج) بفتح الفوقية والضاد أي: تدرك الاستواء (فقلت: طعيم)
بتشديد التحتية صغره مبالغة في تحقيره. قيل: من تمام المعروف تعجيله وتحقيره (لي) في
محل الصفة وأتى به طلباً لخبره وَّه بمجيئه إلى منزله إجابة لدعوته (فقم أنت يا رسول الله)
أكد الضمير المستكن بالضمير البارز لينبه على أنه المقصود بالأصالة فأكد دلالة على
الاهتمام بذلك لا ليعطف عليه قوله: (ورجل أو رجلان) لوجود الفصل بالنداء بين
المتعاطفين وهو كاف لذلك (قال: كم هو؟ فذكرت له ذلك) أي: ما ذكر قبله واستعمل فيه
اسم الإِشارة الموضوع للبعيد؛ لأنه لما لم يسمع صار كانه بعيد (فقال: كثير طيب) لعل
سؤاله عنه ليتنبه جابر إذا رأى شبع أولئك العدد الكثير من ذلك النزر اليسر، فيعلم أنه معجزة
له كما قيل به في حكمة قوله تعالى: ﴿وما تلك بيمينك يا موسى﴾(١) وإن ذلك أثر قوله ويلات :
كثير طيب (قل لها) أي: لامرأتك (لا تنزع البرمة) بكسر الزاي والفعل مجزوم والمراد أن لا
تأخذ اللحم منها (ولا الخبز من التنور) بفتح الفوقية وتشديد النون وهو الذي يخبز فيه. قال
في المصباح: وافقت فيه لغة العرب العجم. وقال أبو حاتم: ليس بعربي صحيح والجمع
تنانير (حتى آتي) أي: أجيء إلى المنزل (فقال) أي: لمن حضر من أصحابه حينئذ (قوموا،
فقام المهاجرون والأنصار فدخلت عليها) أي: بعد قيامهم قبل وصولهم المنزل (فقلت:
ويحك) بفتح الواو وسكون التحتية وهي كلمة رحمة، وويل كلمة عذاب، وقيل: هما بمعنى
واحد وهو منصوب بإضمار فعل، أي: ألزمك الله ويحك، كذا يؤخذ من الصحاح (قد جاء
النبي ◌َّ والمهاجرون والأنصار ومن معهم) أي: من مواليهم والمسلمين مما لم يهاجر.
جاء عنه في رواية أخرى: فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله، وقلت: جاء الخلق على
صاع من شعير وعناق فدخلت على امرأتي أقول: افتضحت، جاءك رسول الله وسل ◌ّر بالخندق
أجمعين (قالت: هل سألك؟ قلت: نعم) زاد في رواية فقالت: الله ورسوله أعلم. نحن قد
أعلمناه بما عندنا فكشفت عني غماً شديداً. فيه دليل على وفور عقلها وكمال فضلها لعلمها
(١) سورة طه، الآية: ١٧

٤٨٤
كتاب: دليل الفالحين
قَالَ: ((ادْخُلُوا وَلاَ تَضَاغَطُوا) فَجَعَلَ يَكْسِرُ الْخُبْزَ، وَيَجْعَلُ عَلَيْهِ اللَّحْمَ وَيُخَمِّرُ الْبُرْمَةَ
وَالتَّنُورَ إِذَا أَخَذَ مِنْهُ وَيُقَرِّبُ إِلَى أَصْحَابِهِ ثُمَّ يَنْزِعُ، فَلَمْ يَزَلْ يَكْسِرُ
وَيَغْرِفُ حَتَّى شَبِعُوا وَبَقِيَ مِنْهُ. فَقَالَ: ((كُلِي هَذَا وَأَهْدِي فَإِنَّ النَّاسَ
أَصَابْهُمْ مَجَاعَةٌ)) مُتْفَقٌّ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ جَابِرٌ: لَمَّ حُفِرَ الْخَنْدَقُ رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ ◌َه
أنه حيث علم بالطعام المدعو له ودعا من دعاه عليه إنما هو لما يعلمه، من خرق الله تعالى
العادات له معجزة فلذا (قال: ادخلوا)؛ لأن في الحقيقة الدعوة إنما هي منه؛ لأن الذي
أشبع القوم إنما كان منه، وما جاء به جابر لا يجدي في أولئك (ولا تضاغطوا) بإعجام الضاد
والغين وإهمال الطاء أي: لا تزاحموا، زاد في رواية البخاري: فأخرجت له عجينتنا فبسق
فيها وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبسق فيها وبارك (فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم)
أداماً. له ونظيره ما في الشمائل للترمذي عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: رأيت
رسول الله ﴿ أخذ كسرة من خبز الشعير فوضع عليها تمرة فقال: هذه أدام هذه وأكل. قال
بعض الشراح: يؤخذ من وضعها عليها أنه لا بأس بوضع الأدم على الخبز قال ابن حجر
الهيثمي : ومحله أن سلم ما لم يقذر بحيث يعافه غيره (ويخمر البرمة والتنور) أي: يغطيهما
ويستمر التخمير (حتى إذا أخذ منه) أي: إلى وقت أخذه منه(١) (ويقرب إلى أصحابه)
الطعام المأخوذ (ثم ينزع) أي: يأخذ اللحم من البرمة (فلم يزل يكسر) أي: الخبز
(ويغرف) أي: من البرمة (حتى شبعوا) غاية لملازمته وَّه لإعطائهم الخبز من التنور والأدم
من البرمة (وبقي منه) أي: بعد شبع القوم بقية وحذف للإِبهام على السامع وتعظيماً لقدر
الباقي، ويصح كون من فاعلًا بناء على ما جرى عليه في الكشاف من أنها بمعنى بعض
فحلت محله أي: وبقي بعضه (فقال: كلي هذا وأهدي) بقطع الهمزة أمر للمخاطبة، ولعل
تخصيصها بالخطاب دونه أنه أكل مع القوم دونها فكانت مشتغلة بالغرف والخبز. أو أنها وإن
أكلت حينئذ أيضاً إلا أنها لما باشرت تعب ذلك أكثر منه جعل لها ذلك (فإن الناس أصابهم
مجاعة) هذه جملة مستأنفة لبيان قوله: وأهدي جاء في رواية فلم نزل نأكل ونهدي يومنا
أجمع. وذكر الفعل؛ لأن المسند إليه تأنيث مجازي، وقد فصل بضمير المفعول فهو نظير
قوله تعالى: ﴿قد جاءتكم موعظة﴾(٢) وجاء التأنيث في التنزيل أيضاً قال تعالى: ﴿كذلك
أتتك آياتنا﴾(٣) قال البدر الدماميني: القوم على رجحان التذكير في ذلك على التأنيث إظهاراً
(١) نسخ المتن بحذف (حتى) وهي أوضح. ع.
(٢) سورة يونس، الآية: ٥٧.
(٣) سورة طه، الآية: ١٢٦

٤٨٥
٥٦ - باب: في فضل الجوع وخشونة العيش
خَمَصاً، فَانْكَفَأْتُ إِلَى امْرَأَتِي فَقُلْتُ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فَإِّي رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللَّهِهُ
خَمَصاً شَدِيداً، فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ جِرَاباً فِيْهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيْرِ، وَلَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ فَذَبَحْتُها
وَطَحَنَتِ الشَّعِيرَ فَفَرَغَتْ إِلَى فَرَاغِي وَقَطَعْتُهَا فِي بُرْمَتِها، ثُمَّ وَلَّيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِهِ،
الفضل المؤنث الحقيقي على غيره، لكن الذي يظهر لي أن التأنيث أحسن بدليل أكثريته في
الكتاب العزيز وفشوه فيه جداً وأكثرية أحد الاستعمالين دليل على أرجحيته، فينبغي المصير
إلى القول بأن الإتيان بالسلامة في ذلك أحسن وأفصح وتركها حسن فصيح اهـ. (متفق
عليه) أي: من حيث المعنى، وإلا فهو بهذا للفظ للبخاري في المغازي. (وفي رواية) هي
لهما فرواها البخاري عقب الحديث قبله ومسلم في الأطعمة من صحيحه عن سعيد بن مينا
(قال جابر: لما حفر الخندق) بالبناء للمفعول (رأيت النبي ◌َّر خمصاً فانكفأت) وعند
البخاري: فانكفيت بتحتية بدل الهمزة (إلى امرأتي) بعد أن استأذنت النبي مليار كما في
الرواية قبله (فقلت: هل عندك شيء) أي: من الطعام والتنوين فيه للتقليل (فإني رأيت) أي:
أبصرت (برسول الله ويلز خمصاً شديداً) وصف الخمص هنا تهييجاً على إظهار ما عندها إن
كان كما هو من عادة النساء من إخفاء بعض المتاع عن الأزواج يعدونه لشدتهن أي: لا شدة
يدخر لمثلها فوق هذا (فأخرجت إلي جراباً فيه صاع من شعير) الصاع مكيال، وصاع
النبي ﴿ الذي بالمدينة أربعة أمداد وذلك خمسة أرطال وثلث بالبغدادي. وقال أبو حنيفة:
الصاع ثمانية أرطال؛ لأنه الذي يعامل به أهل العراق. ورد بأن الزيادة عرف طار على عرف
الشرع، وسبب الزيادة ما ذكر الخطابي أن الحجاج لما ولي العراق كبر الصاع ووسعه على
أهل الأسواق للشعير فجعله ثمانية أرطال. قال الخطابي وغيره: وصاع أهل الحرمين إنما هو
خمسة أرطال وثلث، والصاع يذكر ويؤنث. قال الفراء: أهل الحجاز يؤنثونه، وبنو أسد
وأهل نجد يذكرونه، وربما أنثه بعض بني أسد. قال الزجاج: التذكير أفصح عند العلماء
اهـ. ملخصاً من المصباح. والظاهر أن المراد من الصاع المعروف عن أهل المدينة وهو
الصاع الشرعي. ومن في قوله: من شعير بيانية للصاع أي: للمكيل به (ولنا بهيمة) بتشديد
التحتية(١) بالتصغير لما تقدم (داجن) أي: ملازمة للبيت لا تفلت للرعي ومن شأنها أن تكون
سمينة (فذبحتها) بضم التاء للمتكلم (وطحنت الشعير) بكسر تاء التأنيث الساكنة للالتقاء
الساكنين والفاعل ضمير يعود إلى المرأة (ففرغت إلى) أي: مع (فراغي) أي: فرغت من
الطحن مع فراغي من ذبح الداجن وسلخها (وقطعتها) كذا في الأصول بتخفيف الطاء
المهملة ولعله لصغر جثتها، وإلا فالأنسب بالتكثير التشديد (في برمتها) متعلق بمحذوف
(١) سيأتي أنه تصغیر بهمة لا بهیمة فالصواب إسكان الياء لا تشديدها. ع

---
٤٨٦
كتاب: دليل الفالحين
فَقَالَتْ: لَا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ وَهِ وَمَنْ مَعَهُ، فَجِنْتُهُ فَسَارَرْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ
ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا، وَطَحَنْتُ صَاعاً مِنْ شَعِيرِ، فَتَعَالَ أَنْتَ وَنَفَرْ مَعَكَ، فَصَاحَ النَّبِيُّ ◌َِ،
فَقَالَ: (يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ إِنَّ جَابِراً قَذَّ صَنَعَ سُؤْراً فَحَيَّهَلًا بِكُمْ)) فَقَالَ النَِّيُّ ◌َِ:
(لَ تْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ، وَلَا تَخْبِزُنَّ عَجِينَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ) فَجِئْتُ وَجَاءَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يَقْدُمُ النَّاسَ
أي: وألقيتها في برمتها (ثم) كأن الإِتيان بها لتأخره مشتغلاً بإيقاد النار وإصلاحها لسرعة
النضج (وليت) أي: انصرفت عنها متوجهاً (إلى رسول الله وَّير فقالت: لا تفضحني) بفتح
الضاد المعجمة (برسول الله وَل﴿ ومن معه) أي: لا تكشف عواري وفاقتي بقلة ما يخرج
إليهم المنبىء عن ذلك، أولاً تعبني بأن أنسب للبخل بذلك، ومرادها الكناية عن تقليل
المدعو إليه لبيان الطعام فيهم (فجئته فساررته) بالمهملة والراءين وصيغة المغالبة للمبالغة
في إخفاء ذلك الأمر وكتمه لئلا يطلع عليه أحد فيحضر من غير طلب لما بالناس من المجاعة
فيقع في الفضيحة، وفيه جواز المسارة بحضرة الجمع، إنما نهى أن يتناجى اثنان دون
الثالث، وقوله: (فقلت يا رسول الله: ذبحنا) لعل الإتيان فيه بهذا الضمير؛ لأنه شورك في
ذبحها بإمساك الشاة وأخذ الشفرة (بهيمة) بالتصغير (لنا) وأتى بالظرف لما تقدم في نظيره من
قوله: طعيم لنا (وطحنت) بضم الفوقية أي: أمرت المرأة بطحن (صاعاً من شعير) فالإِسناد
مجازي كقولهم: بنى الأمير المدينة (فتعال أنت ونفر) بفتح أوليه النون والفاء، وهو كما في
المصباح وغيره جماعة الرجال من ثلاثة إلى عشرة وقيل: إلى سبعة، ولا يقال: فيما زاد على
عشرة اهـ. (معك) أتى به إعلاماً بأنه المقصود أصالة وغيره بالنبع (فصاح النبي ◌َّر) يحتمل
كون الإِسناد حقيقياً وهو المتبادر؛ لأن الذي وصفه به أنس أنه ليس صخاباً في الأسواق
والخندق ليس منها، وأيضاً فالأمر دعا هنا إلى رفع الصوت ليسمع القوم فيجيئوا، ويحتمل
أن يكون مجازياً أي: أمر بذلك فيهم. وعلى الوجهين فهناك مقدر تقديره فقال: (يا أهل
الخندق إن جابراً قد) للتحقيق صنع سوراً (فحيهلا) بفتح الحاء المهملة وتشديد التحتية
المفتوحة والهاء(١) منوناً وقيل: بلا تنوين أي: أقبلوا مسرعين (بكم، فقال النبي صل وٍ: لا
تنزلن) رأيته في أصل مصحح من البخاري بفتح الفوقية وكسر الزاي مسنداً لقوله: (برمتكم)
وفي نسخة مصححة من الرياض بضم الفوقية واللام، فالفاعل ضمير الجماعة محذوف
لالتقاء الساكنين، ولدلالة الضمة عليه. وفيه تغليب الحاضر على الغائب والمذكر على
المؤنث فإن الأمر بذلك له ولأهله (ولا تخبزن عجينكم) وفي نسخة من البخاري بضم الفوقية
(١) لعله (وفتح الهاء). ع.

٤٨٧
٥٦ - باب: في فضل الجوع وخشونة العيش
حَتَّى جِئْتُ امْرَأَتِي، فَقَالَتْ: بِكَ وَبِكَ! فَقُلْتُ قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتٍ. فَأَخْرَجَتْ عَجِينَنَا
فَسَقَ فِيهِ وَبَارَكَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ وَبَارَكَ، ثُمَّ قَالَ: ((ادْعِ خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ،
وفي أخرى بتحتية مضمومة بدل الفوقية وفتح الباء والزاي فيهما مبني للمجهول نائب فاعله ما
بعده وهو على التحتية بحذف الفوقية من عجينتكم، وفي النسخة المذكورة (١)
بفتح أوله وكسر الموحدة وضم الزاي فالفاعل محذوف، وعجينكم بحذف الفوقية مفعوله
(حتى أجيء) غاية للكف عنهما المدلول عليه بالنهي عن فعل كل منهما (فجئت وجاء
النبي ( 18) أعاد العامل إيماء إلى أن الواو للاعتراض ببيان صفة مجيئه وهو كما بينه قوله:
(يقدم الناس) إذ هو في محل الحال، قال المصنف: وإنما فعل هذا؛ لأنه وَ ظر دعاهم فجاءوا
تبعاً له كصاحب الطعام إذا دعا طائفة يمشي أمامهم، وكان في غير هذا الحال لا يتقدمهم ولا
يمكنهم من وطء عقبه وفعله هنا لهذه المصلحة اهـ. والجملة معترضة بين المغيا وهو مجيئه
والغاية وهي قوله: (حتى جئت امرأتي) أي: وأعلمتها بندائه ◌َ ﴿ في أهل الخندق (فقالت:
بك وبك) بالموحدة فيهما وفتح الكاف، تكلمت عليه أولاً لظنها أنه لم يخبر النبي وَلّ بالأمر
ولم يفصح له عنه فلذا قال: (فقلت: قد فعلت) لا يخفى ما بين قوله فقلت وفعلت من
الجناس المصحف الخطي، وفيه إطلاق الفعل على القول ولعله للفرار عن التكرار
المستثقل في السمع أي: قلت (الذي قلت) بكسر الفوقية فحينئذ سكن ما بها، وهذا كما
تقدم من كمال عقلها ووفور فضلها، (فأخرجت عجيننا) في المصباح: العجين فعيل بمعنى
مفعول (فبصق) بالموحدة والصاد المهملة، قال المصنف: كذا في أكثر الأصول، وفي
بعضها بالسين وهي لغة قليلة، والمشهور بصق وبزق، وحكى جماعة من أهل اللغة بسق
لكنها قليلة اهـ. (فيه وبارك فيه) أي: دعا بالبركة: وهي الخير الكثير الدائم، ودوام كل
شيء بحسبه (ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك) أتى بثم إيماء إلى أن تأخر ذلك منه في
الجملة وكأنه لأمر اقتضى تأخير وصوله بي لمحل البرمة وحذف متعلق كل من الفعلين
إيجازاً اكتفاء بدلالة الجملة الأولى عليه (ثم قال:) لعل تأخير القول عن البصق والدعاء أنه
رأى الحاجة إلى ذلك بعد فأمر به عند ظهورها (ادع خابزة فلتخبز معك) كذا في الرياض من
غير ياء في ادع، وبالكاف في معك. قال المصنف في شرح مسلم: هذه اللفظة وهي ادعي
وقعت في بعض الأصول هكذا بعين ثم تحتية، وهو الصحيح الظاهر؛ لأنه خطاب للمرأة،
ولهذا قال: ((فلتخبز معك))، وفي بعضها ادعوني، وفي بعضها ادعني وهما أيضاً صحيحان،
وتقديرها اطلبوا لي واطلب لي اهـ. والذي في البخاري وقال ادع خابزة فلتخبز معي، ولعله
(١) أي النسخة المصححة من الرياض. ع
X00

٤٨٨
كتاب: دليل الفالحين
وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ وَلَا تُنْزِلُوهَا)) وَهُمْ أَلْفٌ، فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَأَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا،
وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ، وَإِنَّ عَجِيْنَا لَيُخْبُ كَمَا هُوَ. قَوْلُهُ (عَرَضَتْ كُدْيَةٌ)) بِضَمِّ الْكَافِ
وَإِسْكَانِ الدَّالِ وبالياءِ المِثَّاةِ تَحتُ وَهِيَ: قِطْعَةٌ غَلِظَةٌ صُلْبَةٌ مِنَ الأَرْضِ لَا يَعْمَلُ
فِيها الْفَأْسُ. و((الْكَثِيبُ)) أَصْلُهُ تَلُّ الرَّمْلِ، وَالْمُرادُ هُنا: صَارَتْ تُرَاباً نَاعِماً، وَهُوَ مَعْنَى
وقع مباشرة الخبز منه ولا# تارة، ومن المرأة أخرى فطلب في كل معيناً (واقدحي) أي: اغرفي
(من برمتكم ولا تنزلوها) فيه تغليب المذكر على المؤنث لشرفه فالخطاب لجابر والأمر له
ولامرأته وفيه إن لم يكونا أزيد من ذلك إطلاق الجمع على ما فوق الواحد، وكأن حكمة
الإِبقاء ستر السر الإِلهي بإيهام الحاضرين كثرتها فتستمر سحائب الفيض متواترة معجزة
له وَس1، ولا يقع عليها نظرهم ابتداء فيستقلوها فيكون بسبب رفع البركة منها أخذاً مما يأتي
عن التلمساني في قصة أبي طلحة (وهم ألف) قال في الفتح أي: الذين أكلوا، وهذه الرواية
محكوم بها لزيادة ما فيها على رواية أنهم كانوا سبعمائة أو ثمانمائة ورواية أنهم كانوا ثمانمائة
أو ثلاثمائة ورواية أنهم كانوا ثلاثمائة والقصة متحدة (فأقسم بالله لأكلوا) أكد بعدة مؤكدات
دفعاً لاستبعاد العقل بحسب العادة اكتفاء هذا العدد الكثير بهذ القدر اليسير من الطعام (حتى
تركوه) أي: المذكور من خبز العجين ولحم الشاة (وانحرفوا) أي: مالوا عن المنزل إلى
جهة مقصدهم (وإن برمتنا لتغط) بكسر المعجمة وتشديد الطاء المهملة والجملة حالية
وقوله: (كما هي) مفعول مطلق أي: تغط بعد انصرافهم شباعاً، مثل غطيطها قبل الأخذ منها
(وإن عجيننا ليخبز كما هو) جملة معطوفة على الجملة الحالية، وهذه (١) القصة علمان من
أعلام النبوة تكثير الطعام القليل وعلمه # بأن هذا الطعام القليل الذي يكفي في العادة
خمسة أنفس أو نحوهم سيكثر فيكفي ألفاً وزيادة، فدعا له ألفاً قبل أن يصل إليه وقد علم إنه
صاع شعير وبهيمة والله أعلم (قوله: عرضت كدية هي) في رواية الإِسماعيلي (بضم الكاف
وسكون الدال) المهملة (وبالمثناة تحت وهي قطعة غليظة صلبة) بضم الصاد المهملة أي:
شديدة قوية (من الأرض) مثله في المصباح، وفي فتح الباري هي القطعة الصلبة الصماء
وقوله: (لا يعمل فيها الفأس) بيان لتلك لا أنه داخل في مفهوم الكدية كما تقدم عن المصباح
وغيره وعند أبي ذر أحد رواة البخاري أيضاً: كيدة بفتح الكاف وسكون التحتية قيل: هي
القطعة الشديدة الصلبة من الأرض، وقال عياض: كأن المراد بها واحدة الكيد كأنهم أرادوا
أن الكيد وهو الحيلة أعجزهم فلجئوا إلى النبي ◌َّار، وعند ابن السكن كتدة بفوقية بدل
(١) لعله (وفي هذه). ع.

٤٨٩
٥٦ - باب: في فضل الجوع وخشونة العيش
((أَهْيَل)). وَ ((الأَثَافِيُّ)): الأَحْجَارُ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْهَا الْقِدْرُ. و((تَضَاغَطوا)): تَزَاحُمُوا.
و((الْمَجَاعَةُ)): الْجُوعُ وَهِيَ بِفَتْحِ المِيمِ. و((الْخَمَصُ) بِفَتْحِ الخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالمِيمِ :
الْجُوعُ. و((انْكَفَاتُ)) انْقَلَبْتُ وَرَجَعْتُ. و((الْبُهَيْمَةُ)) بِضَمِّ الباءِ تَصْغير بَهْمَةٍ
التحتية، قال عياض: لا أعلم لها معنى (والكثيب) بوزن قريب بمثلثة وتحتية فموحدة (أصله
تل الرمل، والمراد هنا صارت) هذا تفسير عادت فإنه يأتي كذلك، ومنه قول الكفرة
الشعيب: ﴿أو لتعودن في ملتنا﴾(١) فإن الأنبياء معصومون من الكفر قبل النبوة وبعدها قولاً
واحداً، ويأتي عاد بمعنى رجوع الشيء لما كان عليه، وقد حمل بعضهم عليه الآية وقال إنه باعتبار
تغليب قومه لكثرتهم عليه وهي هنا في الخبر لم يكن رملاً ثم انعقدت كدية(٢). بل الكدية
أصلها فصارت بضربه # معجزة له (تراباً ناعماً) يسيل ولا يتماسك قال تعالى: ﴿وكانت
الجبال كئيباً مهيلاً﴾ أي: رملاً سائلاً (وهو معنى أهيل) والاقتصار على أهيل الذي جرى
عليه الشيخ هو ما في رواية الإسماعيلي، وكذا عند أحمد كثيباً بهال، وفي رواية للبخاري
كما تقدم أهيل أو أهيم بالشك (والأثاني) تقدم ضبطه (الأحجار التي تكون عليها القدر) قال
في النهاية: هي جمع أثفية وقد تخفف الياء في الجمع يقال: أثفيت القدر إذا جعلت لها
الأثفي، وثفيتها إذا وضعتها عليها، والهمزة فيه زائدة اهـ. (وتضاغطوا) بتخفيف الضاد
المعجمة على أن إحدى التاءين حذفت تخفيفاً وبتشديدها على الإدغام (تزاحموا)
بالوجهين، قال في المصباح: ضغطه ضغطاً من باب نفع دفعه إلى حائط أو غيره (والمجاعة
الجوع) فهي مصدر ميمي (وهي بفتح الميم) وتخفيف الجيم قال في النهاية: مفعلة من
الجوع، وفي المصابح أنها اسم مصدر كالجوع بضم الجيم المشترك بينه وبين مصدر جاع
(والخمص بفتح الخاء المعجمة والميم) مثله في شرح مسلم، لكن في فتح الباري: وقد
تسكن الميم (الجوع) في الفتح وهو ضمور البطن ولا منافاة، فبأحدهما يلزم الآخر
(وانكفأت) أي: بالهمزة في رواية مسلم قال المصنف: ووقع في نسخ فانكفيت وهو خلاف
المعروف في اللغة، بل الصواب انكفأت بالهمزة اهـ. وتقدم أنه بالياء عند البخاري
وتوجيهه كما في الفتح كأنه سهل الهمزة وقلبها ياء (انقلبت ورجعت والبهيمة بضم الباء)
الموحدة وتشديد التحتية (٣) (تصغير بهمة) بفتح الموحدة وسكون الهاء، قال في المصباح:
ولد الضأن تطلق على الذكر والأنثى، وجمعها بهم كتمرة وتمر، وجمع البهم بهام كسهم
(١) سورة الأعراف، الآية: ٨٨.
(٢) كذا والمراد أنها في الخبر لا تحمل على الرجوع لأن الكدية لم تكن رملاً. ع.
(٣) قد مر ما فيه قريباً فراجعه. ع.

٤٩٠
كتاب: دليل الفالحين
وَهِيَ: الْعَناقُ بِفَتْحِ العَيْنِ. و((الدَّاجِنُ)) هِيَ: الَّتِي أَلِفَتِ الْبَيْتَ. وَ ((السُّؤْرُ)): الطَّعَامُ الَّذِي
يُدْعَى النَّاسُ إِلَيْهِ، وَهُوَ بِالفَارِسِيَّةِ. وَ ((حَيَّهَلا)): أَيْ تَعَالَوْا، وَقَوْلُهَا((بِكَ وَبِكَ)): أَيْ خَاصَمَتْهُ
وسهام ويطلق البهام على أولاد الضأن والمعز إذا اجتمعت تغليباً فإذا انفردت قيل لأولاد
الضأن: بهام ولأولاد المعز سخال، وقال ابن فارس: البهم صغار الغنم، وقال أبو زيد: يقال
لأولاد الغنم سائمة تضعها الضأن والمعز ذكراً كان الولد أو أنثى سخلة ثم هي بهيمة وجمعها
بهم اهـ. (وهي) أي: المراد منها كما جاء التصريح به في الروايات السابقة عن جابر في
الحديث السابق (العنق بفتح العين) المهملة وتخفيف النون آخره قاف، قال في المصباح
هي الأنثى من ولد المعز قبل استكمالها الحول اهـ. والمراد ما قاربها ليحصل به قرى
الضيف (والداجن) بالدال المهملة والجيم والنون (هي التي ألفت البيوت) ولم تفلت
للمرعى، وذلك للاعتناء بها المنبىء عن كرمها وسمنها (والسؤر) بضم السين المهملة
وإسكان الواو مهموز (الطعام الذي يدعى الناس إليه) قال في شرح مسلم: وقيل: الطعام
مطلقاً (وهو بالفارسية) مثله في شرح مسلم، وخالفه الحافظ في الفتح فقال: وسكون الواو
بغير همز، أما بالهمز فهو البقية. قلت ويؤيده أنه ذكره في النهاية في مادة السين والواو بغير
همز واقتصر على أنه الطعام المدعو إليه، قال في الفتح: وهو هنا الصنيع بالحبشة، وقيل:
العرس بالفارسية، ويطلق على البناء الذي يحيط بالمدينة اهـ، ويؤخذ منه أن إطلاقه على
الطعام المذكور مجاز مرسل إذ هو بالفارسية العرس الملازم له عادة، فأطلق اللازم وأريد
الملزوم (وحيهلاً) بتنوين هلا وقيل: بلا تنوين ويقال: حيهل (أي تعالوا) وقال في الفتح:
هي كلمة استدعاء فيها حث أي: هلموا مسرعين وهذا تفسير مراد، وأما معناه: ففي
شرح مسلم للمصنف قيل: عليك بكذا أو ادع بكذا هكذا، قاله أبو عبيدة وغيره، وقيل
معناه: أعجل به، وقال الهروي: معناه هات وعجل به ا هـ، وفي النهاية هي كلمتان: جعلتا
كلمة واحدة فحي معناه أقبل، وهلا أسرع وقال ابن عيش في شرح المفصل: هو من أسماء
الأفعال مركب من حي وهل وهما صوتان معناهما الحث والاستعجال وجمع بينهما وسمي
به للمبالغة وكان الوجه ألا ينصرف كحضرموت وبعلبك، إلا أنه وقع موقع فعل الأمر فبني
كصه ومه وفيه لغات، وتارة يستعمل حي وحده نحو: حي على الصلاة وتارة هلاً وحدها،
واستعمال حي وحده أكثر من استعمال هلا وحده اهـ. وقال صاحب البسيط: فيه سبع لغات
حيهل بفتح الياء المشددة والهاء كخمسة عشر وحيهلاً بالتنوين لإِرادة التنكير وحيهلا بالألف
من غير تنوين وحيهلاً بإسكانها(١) مع التنوين وإسكان الهاء كراهة لاجتماع الحركات، وجاء
(١) قوله (بإسكانها الخ) لعل هنا في سقطاً وتحريفاً فلتراجع كتب اللغة. ع

٤٩١
٥٦ - باب: في فضل الجوع وخشونة العيش
وَسَبَتْهُ لأَنَّهَا اعْتَقَدَتْ أَنَّ الَّذِي عِنْدَهُمْ لا يَكْفِيهِمْ فَاسْتَحْيَتْ، وَخَفِيَ عَلَيْهَا مَا أَكْرَمَ اللَّهُ
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِهِ نَبِّهُ وَ مِنْ هَذِهِ الْمُعْجِزَةِ الظَّاهِرَةِ، والآيَةِ الْبَاهِرَةِ. ((بَسَقَ)) أَيْ بَصَقَ،
وَيُقَالُ أَيْضاً: بَزَقَ: ثَلاثُ لُغَاتٍ. و((عَمَدَ)) بِفَتْحِ المِيمِ: أَيْ قَصَدَ. و((اقْدَحِي)): أَيْ
اغْرفي. وَالْمِقْدَحَةُ: الْمِغْرَفَةُ.
متعدياً بنفسه كحيهلا للثريد أي: ائته أو أحضره وقربه، وبالباء كحيهلا بعمر أي: انت به
وبإلى كحيهلا إلى كذا أي: سارع وبادر إليه ويعلى كحيهلا على كذا أي: أقبل عليه، كذا
في مرقاة الصعود للسيوطي. ويؤخذ منه تفسير المتعدي بالباء بائت به أن معنى قوله حيهلا
بكم أي: أقبلوا بأنفسكم (وقولها: بك بك) بالموحدة وفتح الكاف فيهما (أي: خاصمته
وسبته) قال في شرح مسلم أي: ذمته ودعت عليه، وقيل معناه: بك تلحق الفضيحة وبك
يتعلق الذم، وقيل: معناه: جرى هذا برأيك وسوء نظرك وبسببك؛ (لأنها اعتقدت أن الذي
عندها لا يكفيهم) وأن جابراً لم يخبر النبي صَ لّ بقدره (فاستحيت وخفي عليها ما أكرم الله
سبحانه وتعالى به نبيّه ◌َ و من هذه المعجزة الظاهرة والآية) العلامة الدالة على نبوته
(الباهرة) من بهرت الشمس غلب نورها على كل ذي نور إذ كفي بهذا الطعام اليسير ذلك
العدد الكثير، ولا تخالف بين ما في هذه الرواية من كونها قالت له: ما ذكر من السبب وما
تقدم في الرواية قبلها من أن رفع غم جابر إنما كان بقولها: هل كان سألك؟ الخ لما في
الفتح للحافظ من الجمع بينهما بأنها أوصته أولاً لا يعلمه(١) بالصورة، فلما قال لها: إنه جاء
بالجميع ظنت أنه لم يعلمه فخاصمته، فلما أعلمها أنه أعلمه سكن ما عندها لعلمها بإمكان
خرق العادة، ثم اختلف العلماء فيما في القصة من اكتفاء ذلك الجمع بذلك النزر اليسير
هل هو مع بقاء الطعام على قلته ولكن ببركته وسلم أجري الطعام القليل مجرى الكثير فتكفي
كفايته وتوقف الشبع على كثرة المأكول أمر عادي؟ أو أن الله زاد فيه وكثره؟ ويعبر عن القول
الأول بتكثير الموجود وعن الثاني بإيجاد المعدوم والثاني أقرب (بسق) بالسين المهملة (أي:
بصق) بالصاد المهملة وفي المصباح أن السين بدل من الصاد، قال: ومنعه بعضهم، وقال:
لا يقال بسق بالسين إلا لزيادة الطول كالنخلة وغيرها، وعزاه إلى الخليل (ويقال له أيضاً:
بزق) بالزاي بدل الصاد (ثلاث لغات) وهذا لا يخالف ما ذكر عن المصباح من أن الأصل
الصاد وأن السين والزاي بدلان منها (وعمد بفتح الميم) من باب ضرب كما في المصباح
(أي: قصد، واقدحي) بوصل الهمزة وفتح الدال المهملة (أي: اغرفي والمقدحة) بكسر
أوله وسكون ثانيه وفتح ثالثة ورابعة المهملين (المغرفة) بالغين المعجمة وألفاً ووزن ما قبله
(١) كذا، ولعل الصواب ((أن يعلمه)). ع

٤٩٢
كتاب : دليل الفالحين
و ((تَغِطُّ): أَيْ لِغَلَيَانِهَا صَوْتٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ(١).
٥٢٠ - وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لُأُمَّ سُلَيْمِ: قَدْ سَمِعْتُ
صَوْتَ رَسُولِ اللّهِ وَ ضَعِيفاً أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ،
فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصاً مِنْ شَعِيرٍ ثُمَّ أَخَذَتْ خِمَاراً لَهَا فَفَّتِ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ
ثَوْبِي وَرَدَّتْنِي بِبَعْضِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، فَذَهَبْتُ بِهِ فَوَجَدْتُ
وهما اسما آلة (وتغط) تقدم ضبطها (أي: لغليانها صوت) وذلك كناية كثرة ما فيها إذ القليل
يضعف غليانه عن رفع الصوت (والله أعلم) .
٥٢٠ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال أبو طلحة:) زيد بن سهل الأنصاري (لأم سليم)
بضم السين المهملة زوج أبي طلحة وأم أنس وما في وسيط الغزالي تبعاً لشيخه الصيدلاني
ومحمد بن يحيى صاحب البحر من أنها جدة أنس فغلط اتفاقا، قاله المصنف في التهذيب،
واختلف في اسمها، فقيل: سهلة وقيل: رميلة، وقيل: أنيفة، وقيل: رميثة، وقيل:
الرميصاء، وهي بنت ملحان بكسر الميم ويقال: بفتحها الأنصارية (قد سمعت صوت
رسول الله ﴿ ضعيفاً) حال وهو مراد الإِخبار، ويحتمل أن يكون ضمن معنى فعل قلبي
فعمل عمله من نصب المفعولين، وإلا فسمع في مثله لا ينصب إلا واحداً اتفاقاً، وقوله:
(أعرف فيه الجوع) في محل الصفة لما قبله، وأتى به تأكيداً أو دفعاً لتوهم أنه لم يعرف ذلك
منه وَل بل توهمه (فهل عندك من شيء) من مزيدة في المبتدأ لغرض التنصيص على
التعميم، واستغراق أفراد ما يطلق عليه شيء أي: يطعم بقرينة المقام، وتقدمت حكمة
الإِتيان بهذا مع الإِخبار بالواقع في ثاني حديثي قصة جابر (فقالت: نعم) أي: عندي شيء
(فأخرجت أقراصاً من شعير) أي: بادرت إلى إخراجها؛ لأن الحال تأبى عن التأخير، قال
في فتح الباري عند أبي يعلى عن أنس: أن أبا طلحة بلغه أنه ليس عند رسول الله وَ له
طعام، فذهب فأجر نفسه بصاع من شعير فعمل بقية يومه ثم جاء به الحديث (ثم أخذت
خماراً) بكسر الخاء المعجمة: ثوب تغطي به المرأة رأسها ووصفه بقوله: (لها فلفت الخبز
ببعضه ثم دسته) بفتح الدال وتشديد السين المهملتين. قال في فتح الباري يقال: دس
الشيء يدسه دساً: أدخله في الشيء بقهر وقوة اهـ. أي: أدخلته (تحت ثوبي وردتني
ببعضه) والمراد: أنها لفت الخبز ببعض الخمار ولفت أنساً بباقيه (ثم أرسلتني إلى
رسول الله وَ ﴿، فذهبت فوجدت رسول الله وَليل جالساً) مفعول ثان كقوله تعالى: ﴿تجدوه
(١) أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب: غزوة الخندق. (٣٠٤/٧، ٣٠٧).
وأخرجه مسلم في كتاب: الأشربة، باب: جواز استتباعه غيره ... (الحديث: ١٤١).

٤٩٣
٥٦ - باب: في فضل الجوع وخشونة العيش
رَسُولَ اللّهِ وَ جَالِساً فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ، فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عِه:
أَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟)) فَقُلْتُ: نَعَمْ. فقالَ: ((أَلِطَعَامِ؟)) فقلتُ: نَعَم. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴾:
((قُومُوا)) فانْطَلَقُوا وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فَأَخْبَرْتُهُ، فقالَ:
أَبُو طَلْحَةَ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللّهِ ﴿ بِالنَّاسِ وَلَيْسَ عِنْدَنَا
عند الله هو خيراً﴾(١) فوجد فيه من أفعال القلوب يدل على العلم؛ لأن من وجد شيئاً بحال
علمه عليها وقوله: (في المسجد) متعلق بثاني المفعولين ويصح تعلقه بوجدت، وكونه حالاً
من فاعله أو من رسول الله، ويقربه قوله: (ومعه الناس) فإنها جملة حالية، ويجوز كونها
معطوفة على ثاني المفعولين (فقال رسول الله وسلم:) في البخاري فقال لي: (أرسلك أبو
طلحة) بالهمزة قبله مقدرة حذفت وقال الحافظ في الفتح: إنه بهمزة ممدودة للاستفهام
(فقلت: نعم. قال: الطعام) يحتمل نصبه بنزع الخافض، أي: يدعو إلى الطعام(٢) ويؤيده
قوله في رواية البخاري قال: بطعام، ويحتمل أن يكون مفعول جعل مقدراً وأل في الطعام
جنسية (فقلت: نعم) قال الحافظ: ظاهر هذا أن النبي ◌ّطر فهم أن أبا طلحة استدعاه إلى
منزله، فلذا قال لمن عنده قوموا، وأول الكلام يقتضي أن أم سليم وأبا طلحة أرسلا الخبز مع
أنس، فيجمع بأنهما أرادا بإرسال الخبز مع أنس أن يأخذه النبي وص له وحده خشية أن لا
يكفيهم فيأكله، فلما وصل أنس ورأى كثرة الناس حوله وَلقر استحيا وظهر له أن يدعو
النبي ◌َّه؛ ليقوم معه وحده إلى المنزل فيحصل مقصودهم من إطعامه، ويحتمل أن يكون
ذلك عن رأي من أرسله عهد إليه إذا رأى كثرة الناس أن يستدعي النبي مليار وحده خشية ألا
يكفيهم أجمعين ذلك الطعام ومن عادته # ألا يؤثر نفسه على أصحابه بمثل ذلك، فلذا
دعاهم (فقال رسول الله ويتر: قوموا فانطلقوا فانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة) قال
في الفتح: جاء في رواية زيادة: وأنا حزين لكثرة من جاء معه (فأخبرته) أي: بمجيئه وله
ومجيء من معه، وحذف ذلك إيجازاً لدلالة ما قبله عليه (فقال أبو طلحة: يا أم سليم) فيه
إكرام الرجل زوجه ونداؤها بالكنية (قد) للتحقيق، ويحتمل كونها للتقريب (جاء
رسول الله وَر بالناس) هو وإن كان من صيغ العموم لكونه اسم جنس محلى بأل، إلا أن
المراد هنا العموم العرفي أي: الحاضرين مجلسه حينئذ فهذا عام أريد به خاص فهو مجاز
قرينته الحال. وفي رواية والناس بالواو بدل الموحدة والمآل واحد؛ لأن المعنى: والناس
معه لكونه الجائي بهم والداعي لهم، وجملة (وليس عندنا ما يطعمهم) حالية من فاعل جاء أي :
(١) سورة المزمل، الآية: ٢٠
(٢) في نسخ المتن الطعام بهمزة فلام مكسورة وبالتنوين وهي أظهر فليتأمل. ع

٤٩٤
كتاب: دليل الفالحين
مَا يُطْعِمُهُمْ. فَقَالَتْ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ وَّجل
فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((هَلُّمِّ مَا عِنْدَكِ
يَا أُمَّ سُلَيْمٍ)) فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِوَ فَفُتَّ، وَعَصَرَتْ عَلَيْهِ أُمُّ سُلَيْمٍ
عَُّةً فَدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ وَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ: ((الْذَنْ لِعَشَرَةٍ))
ما يطعمهم بقدر كفايتهم (فقال: الله ورسوله أعلم) كأنها عرفت أنه فعل ذلك عمداً لتظهر له
الكرامة في تكثير الطعام ودل ذلك على فطنة أم سليم ورجحان عقلها، قال الحافظ بعد ذكر
روايات: فيها ملاقاة أبي طلحة للنبي وَير وإخباره بقلة الطعام الذي عنده، وفي رواية يعقوب
فقال أبو طلحة: إنما أرسلت أنساً يدعوك وحدك ولم يكن عندنا ما يسع من أرى فقال ادخل
فإن الله سيبارك فيما عندك. وفي رواية أنس: فدخلت على أم سليم وأنا مندهش، وفي
أخرى: أن أبا طلحة قال: يا أنس فضحتنا، وللطبراني في الأوسط: فجعل يرميني بالحجارة
(فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله وَ لغيره، فأقبل رسول الله وَلخير معه حتى دخلا فقال
رسول الله وهي: هلمي) قال الحافظ كذا لأبي ذر عند الكشميهني ولغيره هلم، وهي لغة
حجازية هلم عندهم اسم فعل لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع، ومنه قوله تعالى: ﴿هلم
شهداءكم﴾(١) وهي لطلب ما بعدها أي: احضري (ما عندك يا أم سليم، فأتت بذلك الخبز
فأمر به رسول الله (صل﴿ ففت) بالبناء للمجهول (وعصرت عليه) أي: على المفتوت المدلول
عليه بالفعل قبله أو على الخبز، والأول أقرب؛ لأن الضمير يعود إلى أقرب مذكور ما لم
يصرف صارف لكن ما يأتي في الكلام على قوله: ((ثم قال فيه ما شاء الله أن يقول)) يؤيد
الأول، إلا أن يقال: عصرها عليه بعد الفت زيادة في التطرية وعصره قبله ليلين وينكسر فيه
كما يريد والله أعلم (أم سليم عكة) بضم المهملة وتشديد الكاف قال في النهاية: هي وعاء
من جلد مستدير مختص بالسمن والعسل وهو بالسمن أخص ومثله في الفتح (فآدمته) بمد
الهمزة وتخفيف الدال المهملة أي: صيرت الخارج منها إداماً له (ثم قال فيه:) أي: عليه
(رسول الله * ما شاء الله أن يقول) فقال أبو طلحة: قد كان في العكة شيء فجاء بها فجعلا
يعصرانها حتى خرج، ثم مسح رسول الله وَّر به ثيابه، ثم مسح القرص فانتفخ وقال:
بسم الله، فلم يزل يصنع ذلك والقرص ينتفخ حتى رأيت القرص في الجفنة يتسع، وفي
رواية: فمسحها رسول الله ﴿ ودعا فيها بالبركة، وفي رواية فجئت بها ففتح رباطها ثم قال:
بسم الله اللهم أعظم فيها البركة. قال الحافظ بعد ذكر ذلك وتعيين راوي كل رواية منها .
((وعرف بهذا المراد بقوله: ما شاء الله أن يقول)) (ثم قال: ائذن لعشرة فأذن) بالبناء للفاعل
(١) سورة الأنعام، الآية: ١٥٠.

٤٩٥
٥٦ - باب: في فضل الجوع وخشونة العيش
فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: (ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ) فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكُلُوا حَتَّى
شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ((ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ) حَتَّى أَكَلِ القَومُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا، وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ
رَجُلاً أَوْ ثَمَانُونَ. مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَمَا زَالَ يُدْخِلُ عَشَرَةً حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ
إِلَّ دَخَلَ فَأَكَلَ حَتَّى شَبِعَ، ثُمَّ هَيَّأَهَا فَإِذَا هِيَ
أي: المخاطب بذلك الأمر منه ﴿ من أنس وأبي طلحة، ويحتمل أنه مبني للمفعول (لهم
فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا ثم قال: ائذن لعشرة، فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا، ثم قال:
ائذن لعشرة حتى أكل القوم كلهم) قال في الفتح: ظاهر هذه العبارة أن النبي وَّ دخل منزل
أبي طلحة وحده، وبه صرح في رواية لابن أبي ليلى ولفظها ((فلما انتهى رسول الله وَّل إلى
الباب)) فقال لهم اقعدوا ودخل قال في الفتح: وسئلت في مجلس الإِملاء عن حكمة
تبعيضهم، فقلت: يحتمل أن يكون عرف أن الطعام قليل وفي صحفة واحدة فلا يتصور
تحلق ذلك العدد الكثير، ((فقيل)): لم لا دخل الكل وبعض ما لم يسعه التحليق فكان أبلغ
في اشتراك الجميع في الاطلاع على المعجزة بخلاف التبعيض، فإنه يطرقه احتمال تكرر
وضع الطعام لصغر الصحفة؟ فقلت: يحتمل أن يكون ذلك لضيق الوقت والله أعلم. اهـ.
وقال التلمساني في حاشية الشفاء: وقيل: حكمة ذلك العدد لئلا يقع نظر الكل على الطعام
القليل فيزداد حرصهم ويظنون أنه لا يشبعهم فتذهب بركته، وقوله: كلهم توكيد أتى به
للشمول وألا يتوهم أن المراد أكل المعظم (وشبعوا) أي: ليس أكلاً بقدر ما يسد الرمق
ويقيم البنية بل إلى حد الشبع، ولا ينافيه النهي عن الشبع؛ لأنه فيمن أدمن عليه واعتاده وأما
نادراً كما في هذا فلا، وأيضاً فما هنا من قبيل خروجه وَلّ للمطر: وقوله فيه: إنه حديث
عهد بربه أي: بتكوينه، ومن قبيل حثو أيوب ما تساقط عليه من جراد الذهب فقال الله له:
ألم يكن فيما أعطيتك غنى عن هذا؟ قال: بلى، ولكن هذا فضلك ولا غنى بنا عن فضلك،
والحديث في الصحيح (والقوم سبعون رجلاً أو ثمانون رجلاً) قال في الفتح: كذا في هذه
بالشك، وفي غيرها الجزم بالثمانين أي: كما يأتي في الرواية بعد، بل في أخرى أكل منه
بضعة وثمانون رجلاً (متفق عليه) رواه البخاري في باب علامات النبوة بطوله وفي الصلاة
مختصراً وفي الأطعمة وغيرها، ورواه مسلم في الإِيمان، ورواه الترمذي في المناقب وقال:
حسن صحيح، والنسائي في الوليمة كذا في الأطراف للمزي. (وفي رواية: فما زال) أي:
النبي ◌َ﴾ (يدخل عشرة ويخرج عشرة) أي: يأمر بذلك فإسنادهما إليه مجازي بدليل الرواية
السابقة (حتى لم يبق منهم أحد إلا دخل فأكل حتى شبع ثم هيأها) أي: جمعها بعد تمامهم
أجمعين أي: وبعد أكله وأهل المنزل منه، ويحتمل كونه بعد ذاك قبل هذا (فإذا هي) أي :

٤٩٦
كتاب : دليل الفالحين
مِثْلُها حِينَ أَكَلُوا مِنْهَا. وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَكَلُوا عَشَرَةً عَشَرَةً حَتَّى فَعَلَ
ذَلِكَ بِثَمَانِينَ رَجُلًا، ثُمَّ أَكَلَ النَّبِيُّ ◌َ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَهْلُ الْبَيْت وَتَرَكُوا سُؤْراً.
وَفِي رِوَايَةٍ: أَفْضَلُوا مَا بَلَّغُوا جِيرانَهُمْ. وفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ،
قَالَ: جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِه يَوْماً فَوَجَدْتُهُ جَالِساً مَعَ أَصْحَابِهِ وَقَدْ عَصَبَ بَطْنَهُ بِعصَابَةٍ،
الصحفة باعتبار ما فيها من الطعام (مثلها) على حالتها من قدر الطعام فيها حال وضعه قبل
تناول أحد منه وهو مراده بقوله: (حين أكلوا منها) وإذا للمفاجأة والجملة الاسمية بعدها
مضاف إليها، والمعنى: فاجأهم هذا الأمر الخارق للعادة معجزة له وَمير، وذلك مساواتها بعد
شبع الثمانين منها لها قبل وضعهم اليد فيها، وفي رواية لمسلم ثم أخذ ما بقي فجمعه، ثم
دعا فيه بالبركة فعاد كما كان فقال: دونكم هذا. (وفي رواية) لمسلم من حديث
عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري عن أنس (فأكلوا) الواو فيه ضمير يعود إلى الصحابة
المذكورين في الخبر، وقوله: (عشرة عشرة) حال بمعنى مرتبين كذلك، وكان حق الإِعراب
فيهما أن يكون في أحدهما لكن لما قبله كلاهما كان تخصيص أحدهما به ترجيحاً بلا مرجح
فجرى الإِعراب فيهما (حتى فعل ذلك بثمانين رجلاً، ثم أكل النبي وَلّ بعد ذلك وأهل
البيت) قال المصنف فيه: أن يستحب لصاحب الطعام وأهله أن يكون أكلهم بعد فراغ
الضيفان (وتركوا سؤراً) تقدم ضبطه: ومعناه في حديث جابر المذكور آنفاً. ففي الحديث
علم من أعلام نبوته ري من كفاية هذا القدر اليسير من الطعام ذلك العدد الكثير من الأنام.
(وفي رواية) هي لمسلم أيضاً في الأطعمة من حديث عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة عن
أنس (ثم أفضلوا) أي: أبقوا (ما بلغوا جيرانهم) وفي رواية وفضلت فضلة فأهدينا لجيراننا.
وفي رواية عن أنس: حتى أهدت أم سليم لجيرانها، ثم ((ما)) يحتمل كونها موصولة أو نكرة
موصوفة عائدها ضمير مجرور محذوف أي: ما وصلوا به جيرانهم، ويحتمل كون العائد
ضميراً منصوباً أي: ما أوصلوه جيرانهم. والجيران بكسر الجيم وسكون التحتية جمع جار
(وفي رواية) لمسلم عن يعقوب بن عبد الله بن طلحة الأنصاري (عن أنس) بطريق السماع
منه كما صرح به مسلم (قال: جئت رسول الله وَ﴿) أي: للقيام بشيء من الخدم؛ لأنه كان
خادمه وس (فوجدته جالساً) يحتمل كونه في المسجد كما وجده فيه في القصة، قيل: وقد
صرحٍ بذلك في رواية عنه عند مسلم قال: جئت النبي # فوجدته جالساً في المسجد يتقلب
ظهراً لبطن ثم ساق الحديث، ويحتمل كونه في غيره (مع أصحابه وقد عصب) قال
المصنف: يقال بالتخفيف والتشديد بمعنى أي: ربط (بطنه بعصابة) قال مسلم قال أسامة: وأنا
أشك على حجر، وفعله ذلك ليسكن به مغص المعدة فيضعف عنه ألمها كما تقدم في حديث

٤٩٧
٥٦ - باب: في فضل الجوع وخشونة العيش
فَقُلْتُ لِيَعْضِ أَصْحابِهِ: لِمَ عَصَبَ رَسُولُ اللَّهِ وَ بَطْنَهُ؟ فَقَالُوا: مِنَ الْجوعِ. فَذَهَبْتُ
إِلَى أَبِي طَلْحَةَ، وَهُوَ زَوْجُ أُمَ سُلَيْمٍ بِنْتِ مِلْحَانَ، فَقُلْتُ: يَا أَبَتَاهُ قَدْ رَأَيتُ
رَسُولَ اللَّهِ وَ عَصَبَ بَطْنَهُ بِعِصَابَةٍ فَسَأَلْتُ بَعْضَ أَصْحَابِهِ، فَقَالُوا: مِنَ الْجُوعِ. فَدَخَلَ
أَبُو طَلْحَةَ عَلَى أُمِّي، فَقَالَ: هَلْ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ عِنْدِي كِسَرٌ مِنْ خُبْزِ وَتَمَراتٌ،
فَإِنْ جَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ وَحْدَهُ أَشْبَعْنَاهُ، وَإِنْ جَاءَ آخَرُ مَعَهُ قَلَّ عَنْهُمْ. وَذَكَرَ تَمامَ الحديثِ(١).
جابر في الباب في حكمة شد الحجر على بطنه. وقوله: عصب إلخ جملة حالية من
رسول الله * أو من ضميره، وهو لا يخالف قوله في الرواية السابقة: يتقلب ظهراً لبطن كما
قال المصنف، بل أحدهما يبين الآخر أي: كان كلا الأمرين، فذكر في كل من الروايتين
أحدهما وترك الآخر سهواً أو لغيره (فقلت لبعض أصحابه: لم عصب رسول الله وَليل بطنه؟
فقالوا: من) من فيه تعليلية؛ لأنها ذكرت لبيان ما سأل عنه أنس من علة الربط أي: لأجل
(الجوع) وبسببه كقوله: مما خطاياهم أغرقوا (فذهبت إلى أبي طلحة وهو زوج أم سليم)
بنت ملحان هذه جملة معترضة بين المتعاطفين أتي بها لبيان وجه مجيئه إليه، وقوله:
(فقلت: يا أبتاه) هو زوج أمه، وسماه أبا تأدباً وألحق بآخره الهاء الساكنة للوقف عليها
والجملة معطوفة على جملة ذهب (قد رأيت رسول الله صل﴿ عصب بطنه) يحتمل أن تكون
رأى علمية فتكون الجملة في محل المفعول الثاني وأن تكون بصرية فتكون الجملة في محل
الحال بتقدير قد، وعلى الثاني فالمراد أنه رأى من محل العصب من بطنه ما ليس بعورة مما
كان يبدو منه رَّهر في خلوته وبين خواص أصحابه، وقوله: (فسألت بعض أصحابه، فقالوا:
من الجوع) أتى به لدفع توهم أن عصب البطن كان من دأبه إنما كان من الجوع، فلذا ذكره
له ليبادر إلى السعي في رفعه والإسراع في دفعه (فدخل أبو طلحة على أمي فقال: هل من
شيء؟) من فيه مزيدة لتنصيص العموم والمراد منه ما ينتفع به من الأقوات بقرينة المقام فهو
عام أريد به خاص كما تقدم في نظيره، ومجرورها مبتدأ خبره محذوف أي: عندك (فقالت:
نعم) ثم بينت ما عندها بقولها (عندي كسر) بكسر ففتح جمع كسرة بكسر فسكون: القطعة
(من الخبز وتمرات) ظاهره أنها كانت قليلة بخلاف الكسر، ويحتمل أنها تجوزت باستعمال
جمع القلة في جمع الكثرة كما وقع عكسه في قوله تعالى: ﴿ثلاثة قروء﴾(٢) (فإن جاءنا
رسول الله وَله وحده أشبعناه) أي؛ لأن بها يحصل الشبع عادة (وإن جاء أحد معه قل عنهم)
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأنبياء، باب: علامات النبوة في الإِسلام وفي المساجد والأطعمة والأيمان
والنذور، (٤٢٩/٦، ٤٣٢) و(٤٦٠/٩).
وأخرجه مسلم في كتاب: الأشربة، باب: جواز استتباعه غيره ... (الحديث: ١٤٣).
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٢٨.
.... .....

٤٩٨
كتاب: دليل الفالحين
٥٧ - باب: في القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة
والإنفاق وذم السؤال من غير ضرورة
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى(١): ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾.
وَقَالَ تَعَالَى(٢): ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِروا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً في
أي: بحسب العادة (فذكر تمام الحديث) قال المصنف في الحديث: ما كان عليه الصحابة
من الاعتناء بأحوال رسول اللّه وَالر، وفيه منقبة لأم سليم ودلالة على فقهها ورجحان عقلها
لقولها: الله ورسوله أعلم، معناه: أنه قد عرف الطعام فهو أعلم بالمصلحة. اهـ. وفيه ضيق
حال القوم حينئذ، وفيه إجزاؤهم بالقوت وترك ما زاد عليه من شهوة النفس وحظها، والله
أعلم.
باب القناعة
هي كما في الصحاح بالفتح: الرضا بالقسم (والعفاف والاقتصاد) افتعال من القصد
وهو ما بين الإِسراف والتقتير (في المعيشة والإِنفاق) وإخراج المال الطيب في الطاعة
والمباحات أي: التوسط فيها كما قال تعالى: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها
كل البسط﴾(٣) (وذم السؤال) حذف معموله ليعم سائر المسؤول من مال وطعام وغيرهما
(من غير ضرورة إليه،) قال تليفون: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)» أفاد بمفهومه ذم
الاشتغال بضده. (قال الله تعالى: وما من) صلة للتنصيص على العموم (دابة في الأرض)
قال ابن عطية: الدابة ما دب من الحيوان، والمراد جميع الحيوان الذي يحتاج إلى رزق
ودخل فيه الطير والقائم من حيوان. وفي حديث أبي عبيدة: فإذا دابة مثل الظرب، يريد من
حيوان البحر، وتخصيصه بقوله في الأرض؛ لكون أقرب لحسهم، والطائر والقائم إنما هو في
الأرض وما مات من الحيوان قبل أن يغتذي فقد اغتذى في بطن أمه (إلا على الله رزقها)
إيجاب تفضل؛ لأنه تعالى لا يجب عليه شيء عقلاً. قال البيضاوي: وأتي به تخفيفاً
للوصول، وحملاً على التوكل فيه. (وقال تعالى للفقراء) أي: الصدقات لهم، وهم الأولى
والأحق بها وإن جاز صرفها لغيرهم كما يؤخذ من الآية التي قبلها في التلاوة (الذي أحصروا
في سبيل الله) حبسوا أنفسهم في الجهاد. وقيل: معناه: حاسبوا أنفسهم بربقة الإِسلام
(١) سورة هود، الآية: ٦.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٧٣ .
(٣) سورة الإسراء، الآية: ٢٩.

٤٩٩
: ٥٧ - باب: في القناعة والعفاف والاقتصاد
-00
الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسيماهُمْ لَا يَسْأَلونَ
النَّاسَ إِلْحَافَاً﴾.
وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾.
وقصد الجهاد وخوف العدو إذا أحاط بهم الكفرة، فصار خوف العدو عذرًا أحصروا به.
قيل: المراد بهم فقراء المهاجرين من قريش وغيرهم، وقيل: أصحاب الصفة المنقطعين
بكليتهم إلى الله تعالى. قال ابن عطية: يتناول كل من دخل تحت صفة الفقراء غابر الدهر،
وقوله: في سبيل الله يحتمل الجهاد، ويحتمل الدخول في الإِسلام (لا يستطيعون ضرباً في
الأرض) ذهاباً بالتجارة فيها لاشتغالهم بالجهاد وبالله أو لغلبة الكفرة في البلاد (يحسبهم
الجاهل) بحالهم (أغنياء من التعفف) من أجل تعففهم عن السؤال (تعرفهم بسيماهم) من
التخشع وأثر الجهد والضيق، وقيل: أثر السجود. قال ابن عطية: وهذا أحسن؛ لأنهم
متفرغون متوكلون لا شغل لهم غالباً سوى الصلاة فكان أثر السجود عليهم أبداً (لا يسألون
الناس إلحافاً) أي: إلحاحاً. والآية تحتمل نفي السؤال عنهم جملة فيكون من نفي المقيد
وهذا ما عليه الجمهور، ويحتمل أن سؤالهم أي: إن سألوا عن مزيد الحاجة لا يلحون أي :
لا يظهر لهم سؤال بل هو قليل، وباحتماله فيكون النفي للقيد، وهذا هو الأكثر في النفي
المتوجه إلى كلام مقيد كما قاله السفاقسي. قال الثعالبي: بعيد من ألفاظ الآية فتأمله.
وينبغي للفقير أن يتعفف في فقره ويكتفي بعلم ربه. قال العارف بالله ابن أبي جمرة: قال
أهل التوفيق: من لم يرض باليسير فهو أسير. ومن كلام علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه:
وتفضل على من شئت تكن أميره
استغن عمن شئت تكن نظيره
واحتج إلى من شئت تكن أسيره
قال ابن عطية: في الآية تنبيه على سوء حال من يسأل الناس إلحافاً. (وقال تعالى:
والذين إذا أنفقوا) أي: في الطاعات؛ لأنهم محفوظون من غيرها كما قال ابن عطية: (لم
يسرفوا) أي: لم يفرطوا حتى يضيعوا حقاً ناجزاً أو عيالً أو نحوه (ولم يقتروا) أي: لم
يفرطوا في الشح (وكان بين ذلك قواماً) وسطاً وعدلاً، سمي به لاستقامة الطرفين كما سمي
سواء الاستوائهما والقوام في حق كل بحسب عياله وخفة ظهره وصبره وجلده على الكسب أو
ضد هذه الخصال، وخير الأمور أوساطها، وقواماً خبر ثان أو حال مؤكدة، ويجوز أن يكون
الخبر، وبين ظرف لغو. وقيل: إنه اسم كان بني لإضافته لغير متمكن، وضعف بأنه بمعنى
(١) سورة الفرقان، الآية : ٦٧ .
تبع

٥٠٠
كتاب: دليل الفالحين
وَقَالَ تَعَالَى(١): ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ
وَمَا أُرِيدُ أن يُطْعِمُونِ﴾.
وَأَمَّا الأحَادِيثُ فَتَقَدَّمَ مُعْظَمُها فِي الْبَابْنِ السَّابِقَيْنِ. وَمِمَّا لَمْ يَتَقَدَّمْ:
٥٢١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ نَ﴿ قَالَ: ((لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ
الْعَرَضِ ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ))
القوام فيكون كالإِخبار عن الشيء بنفسه. (وقال تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا
ليعبدون) أي: إلا لأجلها، فإنهم خلقوا بحيث تتأتى منهم العبادة وهدوا إليها، فهذه غاية
كمالية لخلقهم، وتعرى البعض عن الوصال إليها لا يمكن (٢) كون الغاية غاية. وأما قوله
تعالى: ﴿ذرأنا لجهنم﴾(٣) فلام العاقبة نحو لدوا للموت أو إلا لنأمرهم، أو ليقروا بي طوعاً
أو كرهاً، أو المراد منهم المؤمنون (ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون) أي:
يطعموني أي: ليس شأني معهم كشأن السادة مع العبيد، وقيل: أن يرزقوا أنفسهم أو أحداً
من خلقي، وأسند الإِطعام إلى نفسه؛ لأن الخلق عيال الله وإطعام العيال على الله، وفي
الحديث القدسي ((استطعت فلم تطعمني)) (وأما الأحاديث) الدالة على ما ذكر في الترجمة
(فتقدم معظمها) أي: أكثرها (في البابين السابقين) قبل فإن في أحاديثهما القناعة من
الصحابة والاقتصاد وترك السؤال والصبر على مضض الفقر (ومما لم يتقدم) أي : بعضه وإلا
فاستيعاب جميع ما لم يذكر فيهما مما ورد في الباب قد يشق.
٥٢١ - (عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ◌َّ قال: ليس الغنى) أي: الممدوح في
الشرع المرضي عند الله سبحانه المعد لثواب الآخرة أو النافع أو العظيم وهو بكسر أوله
المعجم مقصوراً، وقد مد في ضرورة الشعر (عن كثرة العرض) عن فيه سببية (ولكن)
بتشديد النون فيما وقفت عليه من نسخ الرياض والاستدراك لدفع توهم كثرة العرض ينافي
الغنى المحمود فدفعه بقوله: ولكن (الغنى غنى النفس) قال ابن بطال: معنى الحديث ليس
حقيقة الغنى كثرة المال، فكثير من الموسع عليه فيه لا ينتفع بما أوتي جاهد في الازدياد لا
يبالي من أين يأتيه، فكأنه فقير من شدة حرصه، وإنما حقيقة الغنى غنى النفس، وهو من
(١) سورة الذاريات، الآيتان : ٥٦، ٥٧.
(٢) لعله (لا يمنع). ع
(٣) سورة الأعراف، الآية: ١٧٩ .