النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
٥٦ - باب: في فضل الجوع وخشونة العيش
وَلَ أَمْسَى، وَإِنَّهُمْ لَتِسْعَةُ أَبْيَاتٍ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، ((الإِهَالَةُ)) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ: الشَّحْمُ
الذَّائِبُ، و((السَّنِخَةُ)) بِالنُّونِ وَالْخَاءِ، وَهِيَ الْمُتَغَيِّرَةُ (١)
٥٠٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ
أمسى عند آل محمد صاع بر ولا صاع حب)) ويمكن الجمع بأن المنفي في رواية صاع تام
من نوع واحد، والمثبت صاع مجمع من أقوات كما يبينه أنه في جانب النفي بين فرداً خاصاً
ثم عطف عليه ما يعمه وغيره، وفي جانب الإثبات لم يبين إبهام الصاع، والله أعلم (ولا
أمسى) أي: لهم سواء كما صرح به أبو نعيم في روايته في مستخرجه بلفظ: ولا أمسى إلا
صاع، وحذف ذلك إيجازاً لدلالة ما قبله عليه (وإنهم) أي: آله الذين ينفق عليهم من
زوجاته ومن يلوذ بهن (لتسعة أبيات) هذا بالنسبة للزوجات وكانت له مارية وريحانة يطؤهما
بملك اليمين، وجملة وإنهم في محل الحال من الظرف، قال الحافظ في الفتح: ويناسبه(٢)
ذكر أنس لهذا القدر مع ما قبله الإِشارة إلى سبب قوله ﴿ هذا، وإنه لم يقله متضجراً ولا
شاكياً معاذ الله، إنما قاله معتذراً عن إجابته لدعوة اليهودي ولرهنه درعه عنده، ولعل هذا هو
الحامل الذي زعم أن قائل ذلك هو أنس فراراً من أن يظن به وسلم أنه قاله تضجراً، والله أعلم
(رواه البخاري) في البيوع والرهن، ورواه الترمذي في البيوع من جامعه وقال: حسن
صحيح، والنسائي في البيوع أيضاً، وابن ماجه في الأحكام (الإِهالة بكسر الهمزة) وتخفيف
الهاء واللام (الشحم الذائب) وفي المصباح: هي الودك المذاب، وفي التحفة: هي ما
يؤتدم به من الأدهان كالآلية. وهما قولان، ففي النهاية كل شيء من الأدهان يؤتدم به إهالة،
وقيل هو ما أذيب من الألية والشحم وبهذا بدأ الحافظ في الفتح، وقيل هو الدسم الجامد.
((قلت)): وعلى الأول والأخير فيشمل السمن ونحوه من الزبد (والسنخة بالنون) المكسورة،
وقال الحافظ: ويقال فيها بالزاي بدل السين (والخاء المعجمة، وهي المتغيرة) أي: متغيرة
الرائحة من طول المكث كما في تحفة القارىء. ففي الحديث كمال تواضعه مل* وزهده
وتقلله من الدنيا مع قدرته عليها، وكرمه الذي أفضى به إلى عدم الادخار حتى احتاج إلى
رهن درعه .
٥٠٥ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لقد رأيت سبعين) بتقديم المهملة على
الموحدة (من أهل الصفة) من فيه تبعيضية لما تقدم قريباً من أنهم يبلغون إلى أربعمائة (ما
(١) أخرجه البخاري في كتاب: البيوع، باب: شراء النبي ورَ* بالنسيئة، والرهن، باب: الرهن في الحضر،
(٩٩/٥، ١٠٠).
(٢) لعله (ومناسبة). ع

٤٦٢
كتاب : دليل القالحين
مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، إِمَّا إِزَارٌ وإِمَّا كِسَاءٌ قَدْ رَبَطُوا فِي أَعْنَاقِهِمْ مِنْهَا مَا يَبْلُغُ نِصْفَ
السَّاقَيْنِ وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الْكَعْبَيْنِ فَيَجْمَعُهُ بِيَدِهِ كَرَاهِيَّةً أَنْ تُرَى عَوْرَتُهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١).
٥٠٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللّهِ وَ﴿ مِنْ أَدَمٍ،
منهم رجل عليه رداء) أي: لا رداء، وهو الساتر لأعلى البدن على أحد منهم، وإنما معهم ما
يسترون به عورتهم (إما) بكسر الهمزة للتفصيل (إزار وإما كساء) وهو مبتدأ خبره محذوف
أي: ما لهم (٢) ذلك أو ذلك (قد ربطوا) بحذف العائد وهو المفعول به أي: ربطوه (في
أعناقهم) وذلك للاستمساك فيدوم ستر العورة (منها) أي: الأزر والأكسية المدلول عليها بما
ذكر (ما يبلغ نصف الساقين) أفرد المضاف إلى المثنى وهو جائز كتثنيته وجمعه كقطعت
رأسي الكبشين وكحديث ((كان شعره إلى أنصاف أذنيه)) وقوله تعالى: ﴿فقد صغت
قلوبكما﴾(٣) وفي المصباح الساق من الأعضاء أنثى، وهي ما بين الركبة والقدم وتصغيرها
سويقة اهـ. (ومنها ما يبلغ) أي: يدرك (الكعبين) قال في المصباح: الكعب من الإِنسان
اختلف فيه أئمة اللغة. قال أبو عمرو بن العلاء والأصمعي: الناتىء عند ملتقى الساق والقدم
فيكون لكل قدم كعبان عن يمينها وشمالها، وقد صرح بهذا الأزهري وجماعة. وقال ابن
الأعرابي وغيره: الكعب هو المفصل بين الساق والقدم. وذهب الشيعة إلى أن الكعب في
ظهر القدم، وأنكره أئمة اللغة كالأصمعي وغيره اهـ. وظاهر أن المراد هنا(٤) لا يختلف على
قول أهل اللغة الستة المذكورين إذ المراد التقريب لا التحديد، فما أدرك الناتىء قارب
إدراك المفصل وبالعكس، والأول أبلغ في الإعراض عن الدنيا اللائق بأحوالهم (فيجمعه)
أي: الرجل أعاد الضمير أولاً مجموعاً في قوله: قد ربطوه باعتبار المعنى، إذ المراد من
رجل العموم وإفراده هنا باعتبار لفظه أي: فيجمع ما ذكر من الإِزار والكساء (بيده كراهية)
بتخفيف التحتية وهو الكراهة بحذفها مصدراً كره الأمر يكرهه وهو مفعول له علة للجمع أي :
استقباح (أن ترى عورته) من طرفي نحو الإِزار لصغره (رواه البخاري) في الصلاة من
صحيحه وقد سبق الحديث في الباب قبله.
٥٠٦ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان فراش رسول الله ( 18) أي: الذي ينام عليه
(من أدم) بفتح أوليه والدال مهملة جمع أديم الجلد المدبوغ (حشوه) أي: محشوه مصدر
(١) أخرجه البخاري في كتاب: أبواب المساجد، باب: نوم الرجال في المسجد (١ /٤٤٧).
(٢) (ما) موصولة لا نافية. ع
(٣) سورة التحريم، الآية: ٤.
(٤) في نسخة ما بدل لا

٤٦٣
٥٦ - باب: في فضل الجوع وخشونة العيش
حَشْوُهُ لِيْفٌ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١).
٥٠٧ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كُنَّا جُلُوساً مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَهِ إِذْ جَاءَ
رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَدْبَرَ الأنْصَارِيُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((يَا أَخَا الأَنْصَارِ
كَيْفَ أَخِي سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ؟)) فَقَالَ: صَالِحٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((مَنْ يَعُودُهُ مِنْكُمْ؟)) فَقَامَ
وَقُمْنَا مَعَهُ، وَنَحْنُ بِضْعَةَ عَشَرَ مَا عَلَيْنَا نِعَالٌ وَلَ خِفافٌ وَلَ قَلَانِسُ وَلَ قُمُصٌ، نَمْشِي فِي
بمعنى المفعول (ليف) بكسر اللام وسكون التحتية، قال في الصحاح: الليف للنخل واحده
ليفة (رواه البخاري).
٥٠٧ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا جلوساً) بضم أوليه جمع جالس (مع
رسول الله * إذ جاء رجل من الأنصار) أي: وقت مجيء (٢) الرجل الأنصاري وتقدم أنها
تحتمل المفاجأة بناء على قول أبي عبيدة: بإفادتها له (فسلم عليه) أي: على النبي وَل
(فقال رسول الله و لي : يا أخا الأنصار) أي: يا واحداً من الأنصار في الكشاف في قوله
تعالى: ﴿إذ قال لهم أخوهم نوح﴾(٣) قيل: أخوهم؛ لأنه كان منهم من قول العرب يا أخا
بني تميم يريدون يا واحداً منهم، ومنه بيت الحماسة:
في النائبات على ما قال برهانا
لا يسألون أخاهم حین یندبهم
(كيف أخي) فيه كمال تواضعه ومزيد فضله ◌ّ إذا أطلق هذا اللفظ في حقه تشريفاً
له، وفيه إيماء إلى صدق إيمانه فيكون فيه تلميح إلى قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ (٤)
(سعد بن عبادة) سيد الخزرج (فقال صالح:) خبر مبتدأ محذوف لدلالة السؤال عليه، ففيه
استحباب مثله لمن سأل عن حال مريض من نفسه أو غيره، وفي الحديث ((أن علياً رضي الله
عنه خرج من عند رسول الله وَّر في اليوم الذي توفي فيه النبي وَّ﴿ فقال: بخير أصبح بارئاً
بحمد الله)) وقوله صالح أي: للشفاء عند مجيء إبانها في العلم الأزلي وهو كناية عن مرضه،
فلذا توجه لعيادته 18 (فقال رسول الله وَالر: من يعوده منكم) فيه أن العيادة مطلوبة على
الكفاية (فقام وقمنا معه) ظاهره قيام جميع حاضري المجلس معه # (ونحن بضعة عشر)
البضعة بكسر الموحدة. ما بين العقدين من العدد (ما علينا نعال) بكسر النون جمع نعل
أي: في أقدامنا (ولا خفاف) بكسر أوله أيضاً جمع خف بضمه قال في المصباح: الخف
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: كيف كان عيش النبي ◌ّر وأصحابه (٢٥٠/١١).
(٢) هكذا في جميع النسخ ولعله مقدم من تأخير والأصل (فسلم) الرجل الأنصاري.
(٣) سورة الشعراء، الآية: ١٠٦.
(٤) سورة الحجرات، الآية: ١٠ .

٤٦٤
كتاب : دليل الفالحين
تِلْكَ السِّباخِ حَتَّى جِئْنَاهُ، فَاسْتَأْخَرَ قَوْمَهُ مِنْ حَوْلِهِ حَتَّى دَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَأَصْحَابُهُ
الَّذِينَ مَعَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١) .
٥٠٨ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ وَ أَنَّهُ قَالَ: ((خَيْرُكُمْ
الملبوس جمعه خفاف ككتاب أي: بل كنا حفاة (ولا قلانس) هي كالقلاسي جمع قلنسوة
بوزن فعنلوة بفتح وأوليه وسكون النون وضم اللام. وفي التهذيب للمصنف القلنسوة هي
التي تلبس النون فيها زائدة، وهي معروفة وفيها لغتان ذكرهما الجوهري وغيره، قال
الجوهري: هي القلنسوة والقلنسية إذا فتحت القاف ضمت السين وإن ضمت القاف كسرت
السين وقلبت الواوياء، فإذا جمعت أو صغرت فأنت بالخيار في حذف الواو أو النون؛ لأنهما
زائدتان، فإن شئت حذفت الواو فقلت: قلانس، وإن شئت حذفت النون قلت: فلاس،
وإن جمعت القلنسوة بحذف الهاء قلت: قلنس والأصل قلنسو، إلا أن الواو رفضت؛ لأنه
ليس في الأسماء أي: المعربة اسم آخره حرف علة قبله ضمة، فإذا أدى إلى ذلك قياس
وجب رفضه وتبدل من الضمة كسرة فيصير آخر الاسم ياء مكسوراً ما قبلها فتحذف كهي في
غاز اهـ. ملخصاً (ولا قمص) بضمتين جمع قميص ويجمع على قمصان الثوب المعروف
الملبوس على البدن وجملة النفي في محال الحال من المبتدأ على مذهب سيبويه، ويصح
أن يكون خبراً بعد خبر كجملة (نمشي في تلك السباخ) بكسر المهملة وبالموحدة جمع
سبخة بوزن تمرة، أما سبخة بوزن كلمة فجمعها سبخات ككلمة وكلمات، والأرض السبخة
قال في النهاية: هي التي يعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر. وفي هذه الجملة
دلالة على الاقتصار على قليل الملبوس والإِعراض عما زاد على الضرورة. وظاهر العبارة
أنه {ال﴾ حينئذ كان كذلك ليتأسوا به، ويقتدوا بهديه (حتى جئناه) غاية للمشي (فاستأخر قومه)
الخزرج أو الأنصار (من حوله حتى دنا) أي: قرب منه (رسول الله وَ لَ وأصحابه الذين)
جاءوا (معه) إكراماً للوافد وإنزالاً للناس منازلهم وليتأنس بهم المريض ويذهب عنه بعض
الكلال الذي يحصل له من طول ملازمة من عنده إن كان (رواه مسلم) في الجنائز من
صحيحه .
٥٠٨ - (وعن عمران) بكسر المهملة (ابن حصين) بضم المهملة الأولى وفتح الثانية
وسكون التحتية بعدها نون (رضي الله عنهما عن النبي ◌َّ قال: خيركم) أيها الأمة وحذف
المصنف لفظ إن من أول الحديث وهي ثابتة عند مسلم (قرني) وفي لفظ آخر لهما ((خير
أمتي قرني))وفي لفظ آخر لمسلم ((خير الناس قرني)) وحديث الباب بمعناه كما قدرناه. قال
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الجنائز، باب: في عيادة المريض (الحديث: ١٣).

٤٦٥
٥٦ - باب: في فضل الجوع وخشونة العيش
قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم)) قَالَ عِمْرَانُ: فَمَا أَدْرِي. قَالَ النّبِيُّ وَُّ
مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَاً: ((ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخْونُونَ
وَلَا يُؤْتَمَنُونَ،
السيوطي في التوشيح: القرن أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة.
والأصح ألا يضبط بمدة فقرنه بَّر هم الصحابة وكانت مدتهم من المبعث إلى آخر من مات
من الصحابة مائة وعشرين سنة (ثم الذين يلونهم) أي: ثم قرن التابعين. وقرنهم من سنة
مائة نحو سبعين (ثم الذين يلونهم) أي: من أتباع التابعين. وقرنهم من ثمة إلى حدود
العشرين ومائتين، ومن هذا الوقت ظهرت البدع ظهوراً فاشياً وأطلقت المعتزلة ألسنتها،
ورفعت الفلاسفة رؤوسها، وامتحن أهل العلم ليقولوا: بخلق القرآن، وتغيرت الأحوال تغيراً
شديداً ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن اهـ. قال المصنف: والمراد تفضيل جملة القرن،
ولا يلزم منه تفضيل الصحابي على الأنبياء ولا تفضيل أفراد النساء على مريم وآسية
وغيرهما، بل المراد جملة القرن بالنسبة إلى جملة القرن. حكي عن عياض عن المغيرة
قال: قرنه أصحابه والذين يلونهم أبناؤهم والثالث أبناء أبنائهم. وقال سهل(١)
قرنه ما بقيت عين رأته، والثاني ما بقيت عين رأت من رآه ثم كذلك (قال عمران) هذامن
كلام أحد الرواة عنه. ويحتمل على بعد أن يكون عبر عن نفسه باسمه كما هي طريق كثير
من الأوائل (فما أدري قال النبي ◌َّر:) ثم الذين يلونهم (مرتين أو) قالها: (ثلاثاً) وشرف
القرن الرابع باعتبار من فيه من أئمة الإِسلام الناصرين للحق الذابين عنه، المجاهدين
في الله، الصابرين على ما أصابهم في سبيله، كالإِمام أحمد بن حنبل وأضرابه (ثم يكون
بعدهم) أي: أهل القرون المشهود لها بالأخيرية (قوم يشهدون ولا يستشهدون) قال
المصنف في شرح مسلم: هذا غير مخالف لحديث ((خير الشهود الذي يأتي بالشهادة قبل أن
يسأل عنها))؛ لأن ذاك محمول على دعاوي الحسبة أو على إعلام ذي الحق بأنك تشهد به
وهو لا يعلم شهادتك به، وحديث الباب محمول على الشهادة الذي ألحق العالم بها عند
الحاكم قيل: طلبها منه أو على شاهد الزور أو على من ينتصب شاهداً وليس هو من أهلٍ
الشهادة أو على من يشهد لقوم بالجنة أو النار من غير توقيف، وهذا ضعيف اهـ. ملخصاً
(ويخونون ولا يؤتمنون) قال المصنف في شرح مسلم: بعد أن أورده بلفظ يتمنون بتشديد
الفوقية، ((كذا في أكثر النسخ)) يعني من مسلم، وفي بعضها يؤتمنون، ومعناه يخونون خيانة
ظاهرة بحيث لا يبقى معها أمانة، بخلاف من خان بحقير مرة واحدة فإنه يصدق عليه أنه خان
(١) في نسخة (مسهر) بدل (سهل). ع

٤٦٦
كتاب : دليل الفالحين
وَيَنْذُرُونَ وَلاَ يُوفون وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ)) مُتَّفَقْ عَلَيْهِ (١).
٥٠٩ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((يَا ابنَ ادَمَ:
إِنَّكَ إِنْ تَبْذُلِ الْفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَإِنْ تُمْسِكْهُ شَرٌ لَكَ، وَلاَ تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ وَابْدَأْ
بِمَا تَعُولُ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، .
فلا يخرج عن الأمانة في بعض المواطن اهـ. ((قلت)): ويصح أن يكون جملة النفي في
محل الحال أي: أن طبعهم الخيانة مع عدم الائتمان لهم فليس لهم سوى وبال العزم عليها
من غير ظفر بشيء، والله أعلم (وينذرون) بفتح الفوقية(٢) وضم الذال المعجمة وكسرها
لغتان كما قال المصنف: (ولا يوفون) قال في شرح مسلم وفي رواية: ولا يفون وهما
صحيحتان يقال: وفى وأوفى (ويظهر فيهم السمن) أي: كثرة اللحم أي: أنه يكثر ذلك
فيهم، وليس الخلقي منه مذموماً بل المكتسب له بالتوسع في المأكل والمشرب وغيره زيادة
على المعتاد، وقيل: المراد التكثر مما ليس لهم وادعاء ما ليس لهم من الشرف وغيره،
وقيل: المراد جمعهم الأموال (متفق عليه) أخرجه البخاري في الشهادات وفضل الصحابة
وغيرهما من صحيحه، ومسلم في الفضائل، ورواه النسائي في النذور.
٥٠٩ - (وعن أبي أمامة) بضم الهمزة وميمين خفيفتين بينهما ألف (رضي الله عنه قال: قال
رسول الله وَله: يا بن آدم إنك إن) بفتح الهمزة (تبذل الفضل) أي: بذلك الفضل منصوب
بدل اشتمال من اسم أن، والفضل بفتح الفاء وسكون الضاد المعجمة ما فضل عما
يحتاج إليه عادة (خير لك) ليبقى لك غلته، ويحتمل أن يكون مصدراً (وإن تمسكه شر
لك)؛ لأنك ربما لا تؤدي الحقوق الواجبة، وقد يشتغل به القلب الذي هو بيت الرب ومحل
نظره من العبد عن التوجه إليه (ولا تلام) بضم الفوقية مبني للمجهول أي: لا يلحقك لوم
أي: عتب من الشرع (على الكفاف) بفتح أوليه أي: قدر الحاجة من طعام وشراب وملبس
ومسكن وخادم احتاجه، قال القرطبي: وهو ما يكف عن الحاجات ويدفع الضرورات
والفاقات ولا يلحق بأهل الترفهات، وهذا أحسن الأحوال لسلامته من وصمة كل من الفقر
والغنى (وابدأ) في الإِنفاق (بما تعول) أي: بحق الذي تعوله وتمونه من زوجة وأصل، أو
فرع محتاج أو خادم فالعائد محذوف، أو بعائلتك فما موصولة أو مصدرية (رواه الترمذي)
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الشهادات، باب: لا يشهد على شهادة جور، وفضل الصحابة (١٩٠/٥ ،
١٩١).
وأخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضل الصحابة ثم الذين ... (الحديث: ٢١٤).
(٢) كذا، والصواب (التحتية). ع

٤٦٧
٥٦ - باب: في فضل الجوع وخشونة العيش
وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(١).
٥١٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنِ الأنْصَارِيِّ الْخَطْمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً في سِرْبِهِ مُعَافَّى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ
فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الذُّنْيَا بِحَذَافِيرِها)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌّ. ((سِرْبِهِ)) بِکَسْرِ
السِّينِ الْمُهْمَلَة أَيْ نَفْسِهِ وَقِيلَ قَوْمِهِ(٢).
في الزهد من جامعه (وقال: حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم في الزكاة من صحيحه
وكان عزوه إليه أولى، وكأنه غاب عن الشيخ ولا عيب على الإِنسان في النسيان.
٥١٠ - (وعن عبيد الله) بصيغة التصغير (ابن محصن) بكسر الميم وسكون المهملة الأولى
وفتح الثانية آخره نون (الأنصاري) رأى (رضي الله عنه) النبي صلّر. قال في أسد الغابة بعد أن
أورد حديث الباب: وقال أبو عمرو يعني ابن عبد البر: منهم من جعل حديثه مرسلاً، والأكثر
يصحح صحبته فيجعل حديثه مسنداً، وروى عنه أبو سلمة(٣) أيضاً ا هـ. (قال: قال
رسول الله صلى: من أصبح منكم) الخطاب للحاضرين بمجلسهم لا، وحكمه وَّر على
الواحد حكمه على الجماعة (آمناً) من عدوه (في سربه) على نفسه وبضعه وأهله وماله
(معافى في جسده) من الأمراض؛ لأن معها لا سيما الشديد منها يذهل عن نظر المرء في
حسن حاله وما أنعم المولى به عليه من أمن وسعة (عنده قوت يومه) من طعام وشراب وسائر
ما يحتاج إليه من أدوية ونحوها (فكأنما حيزت) بكسر المهملة وسكون التحتية بعدها زاي
أي: ضمت وجمعت (له الدنيا) وفي رواية زيادة ((بحذافيرها)) أي: بجوانبها أي: فكأنما
أعطي الدنيا بأسرها (رواه الترمذي وقال: حديث حسن) ورواه البخاري في الأدب المفرد
وابن ماجه (سربه بكسر السين المهملة) وسكون الراء وبالموحدة المجرورة على الحكاية
(نفسه) قاله في النهاية وقال ويروى بالفتح وهو المسلك والطريق، يقال: خل له سربه أي :
طريقه ((قلت)): وعليه فيكون مجازاً عن الأمن أيضاً فيرجع إلى الأول (وقيل قومه) قلت: كأن
قائله أخذه من قول اللغويين السرب أي: بكسر أوله الجماعة من النساء والبقر والشاة والقطاة
والوحش كذا في المصباح، فجرد السرب عن قيد النساء إلخ وأراد به مطلق جماعته وقومه،
والله أعلم.
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: ٣٢ (الحديث: ٢٣٤٣).
(٢) أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: ٣٤ (الحديث: ٢٣٤٦).
(٣) في نسخة ابن مسلمة. ع

٤٦٨
كتاب : دليل الفالحين
٥١١ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهه
قَالَ: ((قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافً وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
٥١٢ - وَعَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدِ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ
رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: ((طُوبَى لِمَنْ هُدِيَ لِلإِسْلامِ، وَكَانَ عَيْشُهُ كَفَافاً وَقُنَّعَ)) رَوَاهُ
٥١١ - (وعن عبد الله بن عمرو) بفتح المهملة (ابن العاص رضي الله عنهما أن
رسول الله وَ﴾ قال: قد أفلح) أي: فاز بالفلاح وهو الفوز والبقاء والظفر (من أسلم) بدأ به؛
لأنه الأساس في الاعتدال بقبول صالح الأعمال، والمراد الإِسلام الصحيح المخلص فيه؛
لأنه الكامل فينصرف المطلق إليه (وكان رزقه كفافاً) أي: بقدر الحاجة لا يفضل عنه، قال
المصنف: هي الكفاية من غير زيادة ولا نقص، وفيه شاهد لتفضيل الكفاف على كل من
الفقر والغنى (وقنعه الله) أي: صيره قانعاً، ولعل التضعيف إيماء إلى بعد هذا الوصف عن
طبع الإِنسان فكأن محاول إزالتها يحتاج إلى مبالغة في ذلك؛ لأن الطبع البشري مائل إلى
الاستكثار من الدنيا والحرص عليها إلا من عصم الله، وقليل ما هم أي: وجعله الله يخفي
أوصافه، قانعاً (بما آتاه) بالمد أي: أعطاه من الكفاف. قال القرطبي: معنى الحديث إن من
حصل له ذلك فقد حصل على مطلوبه وظفر بمرغوبه في الدارين (رواه مسلم) قال في
الجامع الصغير: ورواه أحمد والترمذي وابن ماجه.
٥١٢ - (وعن أبي محمد فضالة) بفتح الفاء وبالضاد المعجمة (ابن عبيد) بصيغة التصغير
ابن ناقذ بالمعجمة ابن قيس بن صهيب بن الأصرم بن جحجبا بجيمين مفتوحتين بينهما حاء
ساكنة وبباء موحدة ابن كلفة بن عوف بن عمروبن عوف بن مالك بن الأوس (الأنصاري)
العمري (رضي الله عنه) قال المصنف في التهذيب أول مشاهده أحد شهدها وما بعدها من
المشاهد ومنها بيعة الرضوان، وشهد فتح مصر وسكن دمشق وولي قضاءها لمعاوية وأمره
على غزو الروم في البحر، روي له عن رسول الله وجل﴿ خمسون حديثاً، روى له مسلم منها
حديثين، توفي بدمشق ودفن بباب الصغير سنة ثلاث وخمسين وقيل: تسع وستين.
والصحيح الأول، فقد نقلوا أن معاوية حمل نعشه وقال لابنه: أعني يا بني فإنك لا تحمل
بعده مثله، وتوفي معاوية سنة ستين (أنه سمع رسول الله وَلي يقول: طوبى) قال في المصباح
قيل: من الطيب، والمعنى العيش الطيب. وقيل: الحسن. وقيل: الخير وأصلها طيبي
فقلبت الياء واواً لمجانسة الضمة. وفي كتاب الجهاد من صحيح البخاري طوبى فعلى من
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: في الكفاف والقناعة (الحديث: ١٢٥).

٤٦٩
٥٦ - باب: في فضل الجوع وخشونة العيش
التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ(١).
٥١٣ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ بَيْتُ اللَّيالي
الْمُتَتَابِعَةَ طَاوِياً وَأَهْلُهُ لَا يَجِدُونَ عَشَاءً، وَكَانَ أَكْثَرَ خُْزِهِمْ خُبْزُ الشَّعِيرِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ،
وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ(٢).
٥١٤ - وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ كَانَ إِذَا صَلَّى بِالنَّاسِ
كل شيء طيب، وهي ياء حولت إلى الواو وهو من يطيب اهـ. (لمن هدى) أي: أوصل
(للإِسلام) فعدى باللام لتضمنه معنى أوصل. قال تعالى: ﴿يهدي الله لنوره من يشاء﴾(٣)
أي: يوصله للدخول في جملة أهله (وكان عيشه كفافاً وقنع) الأقرب أنه بالبناء للمفعول من
باب التفعيل كما يدل عليه ما قبله، ويحتمل أن يكون بتخفيف النون مفتوحة، والجملتان
الأقرب كونهما معطوفتين على جملة الصلة، ويجوز كونهما في محل الحال من نائب فاعل
هدي (رواه الترمذي وقال: حديث صحيح) قال في الجامع الصغير ورواه ابن حبان والحاكم
في مستدركه.
٥١٣ - (وعن ابن عباس رضي الله عنه عنهما قال: كان رسول الله وَلخير يبيت الليالي
المتتابعة) أي: التابع بعضها بعضاً مع الاتصال (طاوياً) هذا مقصود الإِخبار. قال في النهاية
يقال: طوى من الجوع يطوي طوي فهو طاوي أي: خالي البطن لم يأكل (وأهله) بالرفع
عطف على الضمير المستكن في يبيت للفصل بينهما بالظرف، ويجوز أن يقرأ بالنصب على
أن الواو واو المصاحبة أي: مع من يقوم بنفقتهم، وقوله: (لا يجدون عشاء) بفتح العين
وبالمد قال في المصباح: اسم للطعام الذي يتعشى به الإِنسان وقت العشاء أي: بكسر
العين اهـ. وفي كتاب الصيام من كتب الفقه العشاء اسم لما يؤكل بعد الزوال أي: في وقت
العشي جملة مستأنفة لبيان حالهم المقتضي لطواهم (وكان أكثر خبزهم خبز الشعير) أي:
وهو أقل في كلفة التحصيل من البر وغيره من نفائس الأقوات، والجملة محتملة العطف على
ما قبلها ولكونها حالية بإضمار قد (رواه الترمذي وقال: حسن صحيح) ورواه أحمد وابن
ماجه كما في الجامع الصغير.
٥١٤ - (وعن فضالة بن عبيد) أي: الأنصاري (رضي الله عنه أن رسول الله وسلم كان إذا
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: ما جاء في الكفاف والصبر عليه (الحديث: ٢٣٤٩).
(٢) أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: ما جاء في معيشة النبي وم# وأهله (الحديث: ٢٣٦٠).
(٣) سورة النور، الآية: ٣٥.

٤٧٠
كتاب : دليل الفالحين
يَخِرُّ رِجَالٌ مِنْ قَامَتِهِمْ فِي الصَّلَةِ مِنَ الْخَصَاصَةِ وَهُمْ أَصْحَابُ الصُّفَّةِ - حَتَّى يَقُولَ
الأَعْرَابُ: هَؤلاءِ مَجَانِينُ فَإِذَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﴿ِ انْصَرَفَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: ((لَوْ تَعْلَمُونَ
مَا لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى لَأَحْبَيْتُمْ أَنْ تَزْدادوا فَاقَةً وَحَاجَةً)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيْثٌ
صلى بالناس) أي: وقت صلاته بهم، وهو مضمن معنى الشرط ولا يجزم إلا في الشعر،
جوابه (يخر) بكسر الخاء المعجمة أي: يسقط (رجال من) ابتدائية أي: سقوط مبتدأ من
(قامتهم في الصلاة من) تعليلية (الخصاصة) بفتح الخاء المعجمة وبالمهملتين الخفيفتين
بينهما ألف (وهم أصحاب الصفة) جملة حالية من فاعل يخر لتخصيصه بالوصف (حتى)
غاية لمحذوف أي: فتعجب من خرورهم من لم يعلم سببه إلى أن (يقول الأعراب) أي:
من حضره وهو حينئذ من سكان البوادي (هؤلاء مجانين) يحتمل كون الجملة خبرية كما هو
الظاهر، ويحتمل أنها استفهامية على تقدير الهمزة، وعلى كل فهي منصوبة المحل على
الحكاية وذلك أنهم توهموا أن ذلك الخرور صادر عنهم اختيار لا عن سبب يقتضيه، وذلك
بحضرة الجمع شأن المجانين، فلذا حكموا عليهم به أو سألوهم كذلك (فإذا صلى
رسول الله ( *) أي: الصلاة بإتمامها بسلامه منها وانصرف عنها (انصرف إليهم) أي:
متوجهاً إليهم (فقال) عقب وصوله إليهم؛ لأنه الحامل له على قصدهم (لو تعلمون ما لكم
عند الله) أي: ما أعده لكم مما لم تسمعه أذن ولم يره بصر، وفيه شهادة لهم بمكانتهم عند
المولى سبحانه لصدق إيمانهم وحسن مجاهدتهم وكمال وجهتهم (لأحببتم أن تزدادوا فاقة)
أي: حاجة، فعطف قوله: (وحاجة) عليها من عطف الرديف وحبهم ذلك ليصبروا على
الابتلاء بها فيكثر ما يؤجرون عليه من ذلك، فإن الجزاء على حسب المجازي عليه قلة
وكثرة، أو؛ لأنهم استعذبوا جميع ما يرد عليهم من الحق سبحانه لكمال عرفانهم، فنظروا
إلى النعم من حيث صدورها من الرحيم لا من حيث ذاتها فأعجبوا بها على أي أمر تجلت
وعلى أي مذاق، وما أحسن قول القائل:
رأيت جميع الكائنات ملاحاً
إذا ما رأيت الله في الكل فاعلًا
وقلت في هذا المعنى :
يا طالب التحقيق والعرفان
فتضيق منها وانظرن لمن بدت
لا تنظرن لحوادث الأزمان
منه إليك فهو العلي الشان
(رواه الترمذي) في الزهد من جامعه (وقال: حديث صحيح. الخصاصة الفاقة

٤٧١
٥٦ - باب: في فضل الجوع وخشونة العيش
صَحِيحٌ. ((الْخَصَاصَة)) الفَاقَةُ وَالْجُوعُ الشَّدِيدُ(١).
٥١٥ - وَعَنْ أَبِي كَرِيمَةَ الْمِقْدَادِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ مَلِهِ، يَقُولُ: ((مَا مَلَّ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ، بِحَسْبِ ابنِ آدَمَ أَكَلَاتٍ يُقِمْنَ
صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَاَ مَحَالَةَ فَثُلُثّ لِطَعَامِهِ وَثُلُثْ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثْ لِنَفْسِهِ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ،
وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ،
والجوع الشديد) قال في النهاية: وأصلها الفقر والحاجة إلى الشيء.
٥١٥ - (وعن أبي كريمة) بفتح الكاف وكسر الراء (المقداد) بكسر الميم وسكون القاف
ومهملتين بينهما ألف (ابن معد يكرب) بكسر الدال المهملة وسكون التحتية وفتح الكاف
وكسر الراء، تقدمت ترجمت رضي الله عنه في باب فضل الحب في الله (قال: سمعت
رسول الله ﴿ يقول: ما ملأ آدمي) نسبة إلى آدم أبي البشر عليه السلام أي: إنسان (وعاء
شراً من بطنه) قال الطيبي: نقله عن ابن أقبرس، جعل البطن وعاء كالأوعية المتخذة ظروفاً
لحوائج البيت توهيناً لشأنه، ثم جعله شر الأوعية؛ لأنها تستعمل فيما هي له، والبطن خلق؛
لأن يتقوم به الصلب بالطعام، وامتلاؤه يفضي إلى الفساد دينا أو دنيا فيكون شراً منها. فإن
قلت: شراً أفعل تفضيل وهو ما اشتق من فعل الموصوف بزيادة على غيره فما وجه تحقق
ثبوت الوصف في المفضل عليه ((قلت)): ملء الأوعية لا يخلو من طمع أو حرص على الدنيا
وكلاهما شر على الفاعل (بحسب ابن آدم) أي: كافيه فالباء مزيدة في المبتدأ (أكلات) بفتح
الكاف وضمها مع ضم الهمزة أي: كافية ذلك في سد الرمق، ولذا قال: (يقمن صلبه)
والجملة في محل الصفة لأكلات، ويصح كونها مستأنفة لبيان سبب كفاية ذلك (فإن كان لا
محالة) في الصحاح قولهم لا محالة أي: بفتح الميم أي: لا بد يقال: الموت آت لا محالة
اهـ. أي: فإن كان لا بد من الكثرة على ذلك فليكن أثلاثاً (فثلث لطعامه وثلث لشرابه
وثلث لنفسه) قال ابن أقبرس: أي: يبقي من ملئه مقدار الثلث ليكون متمكناً من النفس.
ورأيت في بعض كتب الطب أن كسرى سأل طبيباً: ما الداء الذي لا دواء له؟ قال: إدخال
الطعام على الطعام، فذاك الذي أفنى البرية وقتل سبع البرية، فسأله عن الحمية، فقال:
الاقتصاد في كل شيء، فإذا أكل فوق المقدار ضيق على الروح اهـ. (رواه الترمذي وقال:
حديث حسن صحيح) وأخرجه النسائي من طريق الترمذي ومن طريق أخرى، وأخرجه
القاضي عياض في الشفاء من طريق أبي نعيم الحافظ والبزار، وفي الجامع الصغير،
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: ما جاء في معيشة أصحاب النبي وَل﴾ (الحديث: ٢٣٦٨).

٤٧٢
كتاب: دليل الفالحين
(أَكَلاتٍ)) أَيْ لُقَمُ(١).
٥١٦ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ إِيَاسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الأَنْصَارِيِّ الْحَارِثِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ:
ذَكَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ يَوْماً عِنْدَهُ الدُّنْيَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أَلَا تَسْمَعُونَ؟
وأخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم في المستدرك (أكلات أي: لقم) بضم ففتح جمع لقمة
وهذا يقتضي فتح أولى أكلات والأنسب لقمات؛ لأن جمع السلامة من جموع القلة، فلذا
قال التلمساني في حواشي الشفاء: فيه إيماء إلى أنه لا يصل بها العشرة، ولعل المصنف
وضع جمع الكثرة موضع ضده مجازاً كقوله تعالى: ﴿ثلاثة قروء﴾(٢).
٥١٦ - (وعن أبي أمامة) بضم الهمزة وميمين خفيفتين بينهما ألف (إياس) بكسر الهمزة
والتحتية المخففة آخره مهملة. قال في الإصابة: هذا اسمه عند الأكثر، وقيل: اسمه
عبد الله وبه جزم أحمد بن حنبل، وقيل: ثعلبة بن سهل، وقيل: أبو عبد الرحمن. قال أبو
عمر واسمه إياس ولا يصح غيره (ابن ثعلبة) بالمثلثة المفتوحة والمهملة الساكنة بعدها لام
فموحدة مفتوحتين فهاء (الأنصاري الحارثي) بالمهملة آخره مثلثة لنسبة للحارث بن الخزرج
أحد أجداده، وقيل: إنه بلوى حليف بني حارثة وهو ابن أخت أبي بردة بن دينار (رضي الله
عنه) وتوفي منصرف النبي ◌َّر من أحد فصلى عليه. قال في أسد الغابة: رواية من روى عنه
مرسلة؛ لأنه لم يدرك النبي وم سير، وكذا رواية محمود بن الربيع عنه فإنه ولد قبل وفاة إياس
على القول إنه قتل يوم أحد، والصحيح أنه لم يتوف حينئذٍ إنما كانت وفاة أمه عند منصرف
النبي ◌َّ﴾ من بدر، فرده وَّر من أجلها، فرجع فوجدها ماتت فصلى عليها ولم يشهد بدراً
لذلك. ومما يقوي أنه لم يقتل بأحد أن مسلماً روى في صحيحه بإسناده عن عبد الله بن
كعب عن أبي أمامة بن ثعلبة ((من اقتطع حق مسلم بيمينه)) الحديث، فلو كان منقطعاً ولم
يسمع أبي بن كعب منه لما أخرجه مسلم في الصحيح اهـ. روي له عن رسول الله وكله
أحاديث ذكر منها المزي في الأطراف حديثين: حديث مسلم وحديث الباب. وقال في
الإِصابة: روي له عن النبي ◌ّ أحاديث منها عند مسلم وأصحاب السنن انفرد به مسلم عن
البخاري، فخرج له الحديث المار في كلام أسد الغابة وهو عند النسائي وابن ماجه (قال:
ذكر أصحاب رسول الله ﴿ ﴿ل يوماً عنده) أي: النبي وَله بقرينة إفراد الضمير وإن كان خلاف
الغالب (الدنيا) أي: زينتها والترفع فيها بالملبس وغيره (فقال رسول الله مليار: ألا) بالتخفيف
أداة عرض، وأتي بها تحريضاً على الاستماع لما بعدها والإصغاء إليه (تسمعون ألا
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: ما جاء في كراهية كثرة الأكل (الحديث: ٢٣٨٠).
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٢٨.

AND
٤٧٣
٥٦ - باب: في فضل الجوع وخشونة العيش
أَلَا تَسْمَعُونَ؟ إِنَّ الْبَذَاذَةَ مِنَ الإِيمانِ إِنَّ الْبَذَاذَةَ مِنَ الإِيمَانِ)) يَعْنِي الَّقَخُّلُ.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ((الْبَذَانَة) بِالْبَاءِ المُوحَّدَةِ وَالذَّالْيْنِ الْمُعْجَمَتَيْنِ، وَهِيَ رَثَاثَةُ الْهَيْئَةِ وَتَرُْ
فَاخِرِ اللَّاسِ.
تسمعون) قال ابن رسلان في شرح السنن: في الكلام أنواع من التأكيدات، إلا الدالة على
العرض والتحضيض على الاستماع والتأكيد بتكرير الكلمة والتصريح بالإصغاء بالإِسماع
سماع فهم وانتفاع، مع أنه يَّر عالم بأنهم يستمعون لما يقوله ويبادرون إلى امتثاله، لكن
يكون أبلغ في الموعظة والإِتيان بلفظ (إن) التي للتأكيد وهي عوض إعادة الكلام مرتين
(البذاذة من) كمال (الإيمان) الراسخ في القلب، قال زيد بن وهب: رأيت عمر بن الخطاب
خرج إلى السوق وبيده الدرة وعليه إزار فيه أربع عشرة رقعة بعضها من أدم أي: جلد.
وعوتب علي رضي الله عنه في إزار مرقوع فقال: يقتدي به المؤمن ويخشع له القلب. قال
عيسى عليه السلام: جودة الثياب خيلاء القلب، وإنما كانت البذاذة من الإِيمان لما تؤدي
إليه من كسر النفس والتواضع، ولكن ليس ذلك عند كل أحد بل يورث عند بعض الناس من
الكبر ما يورثه لبس نفيس الثياب عند آخرين، وبالجملة فالمحبوب التوسط في الثياب كما
سيأتي بسطه في كتاب اللباس (أن البذاذة من الإِيمان) وفي بعض نسخ أبي داود تكراره
ثلاثاً، ولا ينافي حديث الباب وما في معناه، وإيثاره ◌َّر بذاذة الهيئة ورثاثة المنظر وتبعه عليه
السلف الصالح ما اختاره جمع أئمة من متأخري الصوفية وغيرهم؛ لأن السلف لما رأوا
أهل الهوى يتفاخرون بالزينة والملابس أظهروا لهم برثاثة ملابسهم حقارة ما حقره الحق مما
عظمه الغافلون، والآن قد قست القلوب ونسي ذلك المعنى، فأخذ الغافلون رثاثة الهيئة
حيلة على جلب الدنيا، فانعكس الأمر وصار مخالفتهم في ذلك تبعاً للسلف، ومن ثم قال
العارف بالله تعالى أبو الحسن الشاذلي لذي رثاثة أنكر عليه جمال هيئته: يا هذا هيئتي هذه
تقول: الحمد لله، وهيئتكم هذه تقول: أعطوني من دنياكم (يعني التقحل) هذا قول أبي داود
تفسير للبذاذة كما صرح به شارح سنن أبي داود بن رسلان فقال: قال المصنف: البذاذة
يعني التقحل بفتح التاء والقاف وبالحاء المهملة المشددة. (رواه أبو داود) في الترجل من
سننه، ورواه ابن ماجه في الزهد (البذاذة بالباء الموحدة) المفتوحة (والذالين المعجمتين)
الخفيفتين (وهي رثاثة) بالراء والمثنتين الخفيفات مصدر رث الشيء أي: خلق، قال في
النهاية: وأصل اللفظة من الرث وهو الثوب الخلق اهـ. والمراد منه فى عبارته ضد الجيد
من (الهيئة وترك فاخر الثياب) أي: تواضعاً في اللباس، يقال: فلان بذ الهيئة وباذها أي:
رث اللبسة، والمراد التواضع في اللباس وترك التبجح به. قال هارون الرشيد: سألت معناً

٤٧٤
كتاب: دليل الفالحين
وَأَمَّا (التَّقَخِّلُ)) فَبِالقافِ وَالحَاءِ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: المَتَفَخِّلُ هُوَ الرَّجُلُ الْيَابِسُ الْجِلْدِ
مِنْ خُشُونَةِ العَيْشِ وَتَرْكِ الثَّرفُّهِ(١).
٥١٧ - وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللّهِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: بَعَثْنَا
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، وَأَمََّ عَلَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَتَقَّى عِيراً لِقُريشٍ، وَزَوَّدَنَا جِرَاباً
مِنْ تَمْرٍ لَمْ يَجِدْ لَنَا غَيْرَهُ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِينا تَمْرَةً تَمْرَةٌ، فَقِيْلَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ
عن البذاذة فقال: هو الدون من اللباس (وأما التقحل فبالقاف والحاء) أي: المهملة كما
تقدم (قال أهل اللغة: المتقحل هو الرجل اليابس الجلد من خشونة العيش وترك الترفه)
أي: التنعم لسوء الحال، قال ابن رسلان: يقال: قد قحل الرجل قحلاً: إذا التزق جلده
بعظمه من الهزال.
٥١٧ - (وعن أبي عبد الله جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: بعثنا رسول الله وَّر) في
سنة ثمان (وأمر) بتشديد الميم أي: جعل أميراً (علينا أبا عبيدة) بن الجراح أحد العشرة
(رضي الله عنه) وفيه تأمير أهل الفضل وقد اتفقت روايات الصحيحين على تأميره في تلك
السرية، فهو المحفوظ، وفي رواية: إن أميرها قيس بن سعد بن عبادة حملت على أن أحد
رواتها ظن من ذبح قيس النياق للجيش تأميره فصرح به وليس كذلك (نتلقى عيراً لقريش)
جملة مستأنفة لبيان سبب البعث، والعير بكسر العين المهملة: القافلة التي تحمل البر
والطعام، ثم صريح هذه الرواية ما ذكر من تلقي العير، لكن عند ابن سعد أنه وَّر بعثهم إلى
حي من جهينة وأن ذلك كان في شهر رجب. ويمكن الجمع بين كونهم يتلقون عير قريش
ويقصدون الحي من جهينة، ويقوي هذا الجمع ما عند مسلم أيضاً عن جابر قال: بعث
النبي ◌َّه بعثاً إلى أرض جهينة فذكر القصة الذي يتلقى(٢) عير قريش لا يتصور أن يكون في
الشهر الذي ذكر ابن سعد أي: رجب من سنة ثمان؛ لأنهم حينئذ كانوا في الهدنة، إلا أن
كانت تلقيهم العير لحفظها من جهينة، ولذا لم يقع في الحديث أنهم قاتلوا أحداً، بل فيه
أنهم أقاموا شهراً أو أكثر في مكان واحد (وزودنا جراباً) أي: ملأه (من تمر) بفتح الفوقية،
وقوله: (لم يجد لنا غيره) استئناف لبيان سبب الاقتصار على ذلك القليل في ذلك العدد
الكثير (فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة) هذا من باب قولهم: ركب القوم دوابهم أي: لكل
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الترجل [باب: ١]، (الحديث: ٤١٦١).
(٢) قوله (الذي يتلقى الخ) لعله (لكن تلقى الخ). ع

٤٧٥
٥٦ - باب: في فضل الجوع وخشونة العيش
بِهَا؟ قَالَ: نَمَصُّها كَمَا يَمَصُّ الصَّبِيُّ، ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ فَتَكْفينا يَوْمَنَا إِلَى
اللَّيْلِ، وَكُنَّا نَضْرِبُ بِعِصِيِّنَا الْخَبَطَ ثُمَّ نَبْلُهُ بِالمَاءِ فَتَأْكُلُهُ، وَانْطَلَقْنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ
فَرُفِعَ لَنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ كَهَيْئَةِ
واحد تمرة، وهذا باعتبار آخر فعل أبي عبيدة، وإلا ففي البخاري: فكان يقوتنا كل يوم قليلاً
قليلاً حتى فني فلم يكن يصيبنا إلا تمرة، وكذا قال المصنف في شرح مسلم: الظاهر أن
قوله: قسم تمرة تمرة. إنما كان بعد أن قسم قبضة قبضة فلما قل تمرهم قسم تمرة تمرة
والجراب هو الذي زودهم به مَّليس وكانت عندهم أزوادهم من تمر لأنفسهم كما يدل عليه قوله
في رواية للبخاري ومسلم: فكنا ببعض الطريق فني الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد الجيش
فجمع فكان مزودي تمراً. قال في الفتح: وقول عياض: يحتمل أنه لم يكن في أزوادهم تمر
غير الجراب المذكور مردود بما ذكر (فقيل) يحتمل أن يكون القائل وهب بن كيسان الراوي
عن جابر. فإن في رواية البخاري في المغازي التصريح بأنه سأل جابراً ما يغني عنكم تمرة؟
فقال: قد وجدنا فقدها حين فقدت فلعله سأل فقال: (كيف كنتم تصنعون؟) قال البيضاوي
في التفسير: تصنعون أبلغ من تعملون، من حيث إن الصنع عمل الإِنسان بعد تدرب فيه
وتردد وترو وتحر وإجادة (بها قال: تمصها) لم يصدر قال بفاء ولا واو، بل أتى بها مستأنفاً؛
لأن مراده الإخبار عن قوله ذلك مع قطع النظر عن كونه أخبر حالاً أو بعد (كما يمص الصبي
ثم نشرب عليها من الماء) أي: بعض الماء (فتكفينا يومنا إلى الليل) ففيه ما كان عليه
الصحابة رضي الله عنهم من الزهد في الدنيا والتقلل منها والصبر على الجوع وخشونة
العيش، وفيه كرامة له وَ لقر حيث كفى الواحد منهم نهاره تمرة واحدة لكونها حلت عليها
بركته، وفيه أن توقف الشبع على الأكل ليس على جهة اللزوم وإنما ذلك فعل الله يفعله
عقبه تارة ومن غيره أخرى كما قال ريثار: إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني أي: يجعل فيّ
قوة الطاعم والشارب على أحد الأقوال، ومنه قوله: ﴿أطعمهم من جوع﴾(١) على القول بأن
من تبعيضية والله أعلم. وفني التمر كما في رواية أخرى لهما فلم يصلهم ولا تمرة تمرة
فوجدوا فقدها كما تقدم عن جابر فعنده ضربوا الشجر كما قال: (وكنا نضرب بعصينا) بكسر
أوله اتباعاً لكسر ثانيه وتشديد التحتية ويجوز ضم أوله (الخبط ثم نبله بالماء) هذا يدل على
أنه كان يابساً بخلاف ما جزم به الداودي أنه كان أخضر رطباً قاله في الفتح. قلت: ولعل
الماء كان لإذهاب خشونته ولإساغته فلا يخالف ما قاله الداودي (فنأكله فانطلقنا على ساحل)
بالمهملتين أي: شاطىء (البحر فرفع) بالبناء للمجهول (لنا على ساحل البحر كهيئة
(١) سورة قريش، الآية: ٤.

٤٧٦
كتاب: دليل الفالحين
الْكَثِيبِ الضَّخْمِ فَأَتَيْنَاهُ، فَإِذَا هِيَ دَابَّةٌ تُدْعَى الْعَنْبَرَ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَيْنَةٌ،
ثُمَّ قَالَ: لَا بَلْ نَحْنُ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ
فَكُلُوا، فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْراً وَنَحْنُ ثَلَاثُمائَةٍ حَتَّى سَمِنَّا، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا نَغْتَرِفُ مِنْ
الكثيب) بالمثلثة والتحتية والموحدة بوزن قريب: الرمل المستطيل المحدودب وأحد
الظروف نائب الفاعل والظرفان حالان متداخلان أو مترادفان منه (الضخم) بفتح المعجمة
الأولى وسكون الثانية بمعنى العظيم (فأتيناه) أي: المرفوع لنا (فإذا هي) أي:
المرفوع لنا والتأنيث رعاية لقوله: (دابة تدعى) بالبناء للمجهول (العنبر) بفتح أوله وثالثه الباء
الموحدة وسكون ثانيه النون المزيدة ويجوز إبداله وإدغامه في الثالث. قال في فتح الباري :
قال أهل اللغة: هي سمكة بحرية كبيرة يتخذ من جلدها الترسة، يقال: إن العرف المشموم
رجيع هذه الدابة. قال ابن سينا: بل المشموم يخرج، وإنما يوجد في أجواف السمك الذي
يبتلعه. ونقل الماوردي عن الشافعي قال: سمعت من يقول: رأيت العنبر نابتاً في البحر
ملتوياً مثل عنق الشاة وفي البحر دابة تأكله وهو سم لها فيقتلها فيقذفها البحر فيخرج العنبر
من بطنها وقال الأزهري: العنبر سمكة تكون بالبحر الأعظم يبلغ طولها خمسون ذراعاً يقال
لها: باله، وليست بعربية. اهـ. (فقال أبو عبيدة) هي (ميتة) أي: وإن كانت ميتة
للضرورة، والميتة محرمة بنص الكتاب (ثم) تغير اجتهاده وأرشد للصواب فـ(قال لا) أي: لا
يحرم تناولها وإن كانت ميتة للضرورة فالمنفي ما دل عليه كلامه السابق من تحريم تناولها
وحذف لدلالة المقام عليه (بل) إضراب عما ظنه أولاً (نحن رسل) بضمتين ويجوز إسكان
ثانيه تخفيفاً (رسول الله وَ لّر وفي سبيل الله) أي: ونحن في طاعة الله وفي جهاد أعدائه وأعداء
نبيه وَّة، ففيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً * ويرزقه من حيث لا
يحتسب﴾(١) ولي في هذا المعنى بديهاً:
لا تخف مني طوارق الحدثان
سائر الأزمان
اتق الله
ـيه فهذا قد جاء في القرآن
يرزق الله متقيه ويكفـ
(وقد اضطررتم) جملة مستأنفة ويحتمل أن تكون حالية، وعدل عن التكلم إليه تفنناً
في التعبير وتحصيلاً للالتفات المورث في الكلام طراوة وحسناً ونضارة (فكلوا) الفاء فيه
للتفريع (فأقمنا) المعطوف عليه محذوف أي: فأكلنا فأقمنا (عليه شهراً) وفي رواية
(١) سورة الطلاق، الآيتان: ٣،٢.

٤٧٧
٥٦ - باب: في فضل الجوع وخشونة العيش
وَقْبٍ عَيْنِهِ بِالِقِلالِ الدُّهْنَ، وَنَقْطَعُ مِنْهُ الْفِدَرَ كَالثَّوْرِ أَوْ كَقَدْرِ الثَّوْرِ، وَلَقَدْ أَخَذَ مِنَّا
أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَقْعَدُهُمْ فِي وَقْبٍ عَيْنِهِ، وَأَخَذَ ضِلْعاً مِنْ أَضْلَاعِهِ فَأَقَامَها ثُمَّ
رَحَلَ أَعْضَمُ بَعِيرٍ مَعَنَا فَمَرَّ مِنْ تَحْتِهَا،
الصحيحين فأكل منه القوم ثماني عشرة ليلة، وفي رواية لهما: فأكلنا منه نصف شهر. قال
في فتح الباري: ويجمع بأن الذي قال: ثماني عشرة ضبط ما لم يضبطه، غيره ومن قال:
نصف شهر ألغى الكسر الزائد عليه وهو ثلاثة أيام، ومن قال: شهراً جبر الكسر وضم بقية
المدة التي كانت قبل وجدانهم، ورجح المصنف رواية الباب لما فيها من الزيادة، وجمع
القاضي بأن من قال: نصف شهر أراد أكلوا منه تلك المدة. ومن قال: شهراً أراد قد زودوه
فأكلوا منه باقي الشهر وقال ابن التين: إحدى الروايتين وهم. قال الحافظ: ولعل الذي
سلكته من الجمع أولى. ووقع عند الحاكم اثني عشر وهي شاذة، وأشد منها رواية فأقمنا
قبلها ثلاثاً (ونحن ثلاثمائة) جملة حالية من فاعل أقمنا (حتى) غاية للإِقامة عليها أي: فأكلنا
منها إلى أن (سمنا) يحتمل أكلهم منه زيادة على الحاجة حتى نشأ عنه السمن، أنهم يرون
حل ذلك من الميتة عند الضرورة إلى التناول منها، ويحتمل أنه تغير اجتهادهم بعد فرأوا حل
ميتة البحر والله أعلم (ولقد رأيتنا نغترف) أتي به من باب الافتعال الدال على المبالغة إيماء
إلى الكثرة (من وقب عينه) بالإِفراد (بالقلال) بكسر القاف وتخفيف اللام جمع قلة بضم
القاف وتشديد اللام (الدهن، ونقطع) بتخفيف الطاء المهملة كذا في النسخ، والتضعيف
فيه أنسب بالافتعال فيما قبله (القدر كالثور) بالمثلثة: ذكر البقر (أو) شك من الراوي (كقدر
الثور) والجملة جواب القسم المقدر وهو وجوابه مستأنف عطف عليه قوله: (ولقد أخذ منا
أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلاً فأقعدهم في وقب عينه) وعطف عليه أو على المعطوف عليه قوله
(وأخذ ضلعاً) بكسر الضاد المعجمة، قال في المصباح: أما اللام فتفتح في لغة الحجاز
وتسكن في لغة تميم وهي أنثى اهـ. (من أضلاعه فأقامها) أي: منصوبة (ثم رحل أعظم
بعير معنا) بتخفيف الحاء المهملة أي: جعل عليه الرحل (فمر من تحتها) جاء في رواية
عبادة بن الصامت عند ابن إسحاق: ثم أمر بأجسم بعير معنا فحمل عليه أجسم رجل منا
فخرج من تحتها وما مسك رأسه. قال الحافظ في الفتح: ولم أقف على اسم هذا الرجل
وأظنه قيس بن سعد بن عبادة فإن له ذكراً في هذه الغزوة، وكان مشهوراً بالطول، وقصته في
ذلك مع معاوية لما أرسل إليه ملك الروم بالسراويل معروفة، ذكرها المعافى الحريري في
الجليس وأبو الفرج الأصبهاني وغيرهما. ومحصلها أن أطول رجل من الروم نزع له قيس بن
سعد سراويله، فكان طول قامة الرومى بحيث كان طرفها على أنفه وطرفها على الأرض،

٤٧٨
كتاب: دليل الفالحين
وَتَزَوَّدْنَا مِن لَحْمِهِ وَشَائِقَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ أَنَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ وَهِ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ،
فَقَالَ: ((هُوَ رِزْقُ أَخْرَجَهُ اللَّهُ لَكُمْ، فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ فَتُطْعِمُونَا؟))
فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ مِنْهُ فَأَكَلَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ((الْجِرَابُ)): وِعَاءٌ
مِن جِلْدٍ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ بِكَسْرِ الجِيمِ وَفَتْحِهَا وَالكَسْرُ أَفْصَحُ. قَوْلُهُ ((نَمَصُها)) بِفَتْحِ
وعوتب قيس على نزع سراويله في المجلس فأنشد:
سراويل قيس والوفود شهود
أردت لكيما يعلم الناس أنها
سراويل عاد الأولى وثمود(١)
وألا يقولوا غاب قيس وهذه
(وتزودنا من لحمه وشائق) معطوف على ما قبله ويحتمل أن يكون مستأنفاً، إذ لا
حاجة لتأكيد مثله بالقسم؛ لأن ما ثبت عظمه من الحيوان بما ذكر قبله لا يستبعد تزود ذلك
منه (فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صل ﴿ فذكرنا له ذلك فقال:) مبيناً لحكمه وحكمة
عثورهم عليه (هو رزق) في الأصل مصدر والمراد به اسم المفعول كقوله تعالى: ﴿هذا
خلق الله﴾(٢) أي: مخلوقه (أخرجه الله لكم) وزاد في تطمين قلوبهم في حله ونفي الشك
في إباحته؛ لأنه ارتضاه لنفسه، قوله: (فهل معكم من لحمه شيء) ويجوز أن يكون قصد
التبرك به لكونه طعمة من الله تعالى خارقة للعادة أكرمهم الله بها أشار إليه المصنف، ومن
للتبعيض وهي ومجرورها متعلقان بمحذوف هو الخبر وتقديمه مع وجود المسوغ للإِبتداء
بشيء وهو تقدم الاستفهام للاهتمام، والظرف قبله في محل الحال وكان في الأصل صفة
شيء قدم عليه فصار إلى ما ذكرنا كقوله: لمية موحشاً طلل. وقوله: (فتطعمونا) جواب
الاستفهام (فأرسلنا إلى رسول الله ټ منه فأكله) أي: عقب وصوله بلا تراخ كما تؤذن به الباء
وذلك لما تقدم في قوله: فهل معكم إلخ (رواه مسلم) أي: بهذا اللفظ في الأطعمة من
صحيحه، وإلا فحديث جابر في هذه السرية قد رواه البخاري في الشركة وفي الجهاد وفي
المغازي من صحيحه، ولعل ما ذكرنا سبب الاقتصار على العزو لمسلم، أو غاب عن الشيخ
حينئذ تحریج البخاري له ولا عيب في مثله، ورواه الترمذي في الزهد وقال: حسن صحيحٍ،
والنسائي في الصيد وفي السير، وابن ماجه في الزهد كذا يؤخذ من الأطراف ملخصاً.
(الجراب وعاء) بكسر الواو والعين المهملة المخففة بعدها ألف ممدودة (من جلد) أما من
غيره فلا یسمی بذلك (معروف وهو بكسر الجيم) وجمعه جرب ككتاب وكتب وسمع أجربة
(١) كذا، والشطر غير متزن إلا بحذف واو (الأولى). ع
(٢) سورة لقمان، الآية: ١١ .

٤٧٩
٥٦ - باب: في فضل الجوع وخشونة العيش
المِيمِ. و((الْخَبَطُ)): وَرَقُ شَجَرٍ مَعْروفٍ تَأْكُلُهُ الإِبلُ و((الْكَثِيبُ)): التَّلُّ مِن الرَّمْلِ.
و ((الْوَقْبُ)) بِفَتْحِ الوَاوِ وَإِسْكَانِ القَافِ وَبَعْدَها بَاءٌ مُوحِدَةٌ وَهُوَ: نُقْرَةُ الْعَيْنِ. وَ «الْقِلَالُ)):
الْجِرارُ. و((الْفِدَرُ)) بِكَسْرِ الفَاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ: الْقِطَعُ.
كذا في المصباح (وفتحها والكسر(١) أفصح) وكذا قال في شرح مسلم: ولم يبن قائل كل
من القولين، وقد بينه القاضي عياض فقال: الجراب وعاء من جلد كالمزود ونحوه وهو بكسر
الجيم، وكذا قيده الخليل وغيره، وقال القزاز بفتح الجيم، ومثله في المطالع لابن قرقول،
لكن في الصحاح الجراب أي: بكسر الجيم معروف، والعامة تفتحه، وفي المصباح: ولا
يقال جراب بالفتح، قاله ابن السكيت وغيره (وقوله: يمصها بفتح الميم) وفتح التحتية(٢)
قبلها، وسكت المصنف عنه، لأنه معلوم وتشديد الصاد المهملة، ويجوز ضم الميم كما في
شرح مسلم قال: والفتح أفصح وأشهر، لكن في المشارق والمطالع تعين فتح الصاد من
قوله: ((امصص بظر اللات)) وأنه من باب علم، وحينئذ فهذا يعين الفتح كما اقتصر عليه
المصنف هنا والله أعلم (والخبط) بفتح أوليه المعجمة والموحدة وبالمهملة (ورق شبتر
معروف تأكله الإِبل) عبارة لنهاية الخبط أي: بسكون الموحدة ضرب الشجر بالعصي ليتناثر
ورقها، واسم الورق الساقط خبط فعل بمعنى مفعول وهو من علف الإِبل، اهـ. ومثلها في
المصباح، وحينئذ فما ذكره المصنف بيان للمراد في الحديث، وأن هذا النوع الخاص سمي
وحده بهذا الاسم كما يطلق على كل ما تساقط من الورق بالخبط (والكثيب) بضبطه السابق
في الشرح (التل) بفتح الفوقية وجمعه تلال وهو المرتفع أي: الرابية (من الرمل) قال
المصباح: سمي به لاجتماعه، وفي فتح الباري الكثيب: الرمل المستطيل المحدودب
(والوقب بفتح الواو وسكون القاف وبعدها باء موحدة وهي نقرة العين) النقرة بضم النون
حفرة غير كبيرة، والمراد المجوف من عظم الرأس لمحل العين (والقلال) بكسر القاف:
جمع قلة، بضمها وهي الجرة الكبيرة التي يقلها الرجل بين يديه كذا في شرح مسلم،
وحينئذ فكان على الشيخ أن يزيد على قوله: (الجرار) بكسر الجيم وتخفيف الراءين قوله:
الكبار، وسميت القلة بذلك؛ لأن الرجل العظيم يقلها أي: يرفعها من الأرض (والفدر
بكسر الفاء وفتح الدال: القطع) هذا أحد قولين: حكاهما في شرح مسلم وقال إنهما وجهان
مشهوران في نسخ بلادنا أي: من صحيح مسلم أحدهما بقاف مفتوحة ثم دال ساكنة أي:
مثل الثور، والثاني بفاء مكسورة ثم دال مفتوحة جمع فدرة والأول أصح. وادعى القاضي
(١) في النسخ (والفتح) وهو تحريف.
(٢) نسخ المتن بالنون التحتية. ع

٤٨٠
كتاب: دليل الفالحين
(رَحَلَ الْبَعِيرَ) بِتَخْفِيفِ الحَاءِ: أَيْ جَعَلَ عَلَيْهِ الرَّحْلَ. ((الْوَشَائِقُ)) بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ
وَالْقَاف: اللَّحْمُ الَّذِي قُطِعَ لِيُقَدَّدَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ (١).
٥١٨ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَ كُمُّ قَمِيصٍ
رَسُولِ اللّهِ وَه إِلَى الرُّصْغِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَدِيْثٌ حَسَنٌ. ((الرُّصْغُ))
عياض أنه تصحيف وأن الثاني الصواب، وليس كما قال بل هما صوابان اهـ. وبه يعلم أنه
هنا متابع للقاضي عياض (ورحل البعير بتخفيف الحاء) قال في المصباح: من باب نفع
(أي: جعل عليه الرحل) أي: شده عليه كما في المصباح، والرحل للجمل بمنزلة السرج
للفرس (الوشائق بالشين المعجمة والقاف اللحم الذي قطع ليقدد) اللام فيه للصيرورة أي :
لييبس أي: فيؤكل يابساً، وهذا قول حكاه في الصحاح عن أبي عبيد عن بعضهم أن الوشيق
بمنزلة القديد لا تمسه النار، حكاه في شرح مسلم بقوله: وقيل: الوشيق القديد، وقال أولاً:
قال أبو عبيد: هو اللحم يؤخذ فيغلى إغلاء ولا ينضج ويحمل في الأسفار، ومثله في
الصحاح وزاد قوله: وهو أبقى قديد يكون.
٥١٨ - (وعن أسماء) بسكون السين المهملة آخره ألف ممدودة (بنت يزيد) بفتح الياء
الأولى وسكون الثانية بينهما زاي مكسورة ابن السكن بن رافع بن امرىء القيس بن زيد بن
عبد الأشهر بن خيثم الأنصاري (رضي الله عنها) ولما لم يكن في الصحابيات أسماء بنت
يزيد سواها لم يقيد بقوله الأنصارية، تكنى أم سلمة، ويقال: أم عامر. قال الحافظ في
التقريب: لها أحاديث، قلت عدتها أحد وثمانون، خرج لها البخاري في الأدب المفرد،
وروى عنها الأربعة. وفي أسد الغابة أنها ابنة معاذ بن جبل وأنها قتلت يوم اليرموك تسعة من
الروم بعمود فسطاطها (قالت: كان كم قميص رسول الله ( *) قال في المصباح: كم
القميص معروف جمعه أكمام وكممة مثل عنبة (إلى الرصغ) وحكمة الاقتصار عليه أنه متى
جاوز اليد شق على لابسه ومنعه سرعة الحركة والبطش، ومتى قصر عنه تأذى الساعد ببروزه
للحر والبرد فكان جعله إليه أمراً وسطاً وخير الأمور أوساطها. ولا تنافي هذه الرواية رواية
أسفل من الرسغ لاحتمال تعدد القميص أو أن المراد التقريب لا التحديد (رواه أبو داود
والترمذي) قال ابن حجر الهيثمي في أشرف الوسائل: هو بالصاد عندهما (وقال: حديث
حسن) ورواه النسائي قال: وهو عند غيرهما بالسين (الرصغ) بضم الراء وسكون المهملة
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الصيد والذبائح، باب: إباحة ميتات البحر (الحديث: ١٧).