النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ ٤٣ - باب: في إكرام آل بيت رسول الله عليه بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ. قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آَلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤلاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفي . الحديث: ((كان إذا تكلم ﴿ تكلم ثلاثاً)) وحينئذ فعدم ذكر الثالثة إما من الناسخ، أو من الرواة اختصاراً، أو منه وَّ لعروض ما هو أهم من التكرار ثالثة، والله أعلم. (فقال له حصين) في الشفاء، ((فقلنا له)): وهو محتمل لتواردهم عليه، ويحتمل صدوره من حصين وأسنده إليهم في تلك الرواية لكونه مراداً لهم (ومن أهل بيته يا زيد أليس) استفهام تقريري، وهو حمل المخاطب على الإِقرار بمضمونه، أي: أما تقر بمضمون قولنا أليس (نساؤه من أهل بيته قال: نساؤه من أهل بيته) أعاده بلفظه ليحصل كمال المناسبة بين السؤال والجواب، وخير الجواب ما كان من لفظ السؤال كما ذكره البيضاوي في التفسير، ولو راعى زيد الاختصار لقال: بلى، قال المصنف: قال في هذه الرواية نساؤه من أهل بيته، وقال في الرواية الأخرى، أي: لمسلم، ((فقلت من أهل بيته نساؤه قال: لا)) فهاتان الروايتان ظاهرهما التناقض، والمعروف في معظم الروايات في غير مسلم أنه قال: ((نساؤه ليس من أهل بيته)) فتأول الرواية الأولى على أن المراد أنهن من أهل بيته الذين يساكنونه ويعولهم، وأمرنا باحترامهم وإكرامهم وسماهم ثقلاً ووعظ في حفظ حقوقهم، فنساؤه داخلات في ذلك ولا يدخلن فيمن حرم عليهم الصدقة، وقد أشار إلى هذا بقوله: ((نساؤه من أهل بيته ولكن أهل بيته ... )) إلخ فاتفقت الروايتان، قال: وفي قوله في الرواية الأخرى من أهل بيته نساؤه دلیل لإِبطال قول من قال: هم قريش كلها؛ لأن بعض أزواجه قرشيات اهـ(١). (ولكن أهل بيته) أي: المرادون عند الإطلاق كما في الآية والخبر (من حرم عليهم الصدقة) أي: الواجبة (بعده) قال ابن اقبرس: هو أحد الأقوال، وتعارضه الأدلة الدالة على دخول نسائه في أهل بيته كما تقدم في الكلام على الآية (قال: ومن هم) أي: الذين تحرم عليهم الصدقة (قال: هم آل علي وآل عقيل) بفتح المهملة وكسر القاف (وآل جعفر) أولاد أبي طالب (وآل عباس) وبقي عليه باقي أولاد بني هاشم من آل حمزة وأولاد أبي لهب، وكون آله مؤمني بني هاشم فقط قول الحنفية، وهو أحد قولي الإِمام مالك، والثاني هو مذهب إمامنا الشافعي أنهم مؤمنوا بني هاشم والمطلب، ويدل له قوله وَيّر: ((نحن وبنوا المطلب كشيء واحد)) (قال) أي: حصين (كل هؤلاء حرم الصدقة) بالنصب، أي: منع الصدقة، أي: الواجبة من زكاة ونذر وكفارة (قال: نعم. رواه مسلم) في الفضائل، ورواه النسائي في المناقب (وفي (١) أي والبعض الآخر لسن بقرشيات فبطل هذا الرأي. ع. ٢٠٢ كتاب: دليل الفالحين رِوَايَةٍ: ((أَلَ وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ نَقَلَيْنِ: أَحَدُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ، هُوَ حَبْلُ اللَّهِ، مَنِ اتَّبَعَهُ كَانَ عَلَى الْهُدَى، وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ عَلَى ضَلالَةٍ)(١). ٣٤٧ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنْ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَوْقوفَاً عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ: ارْقُبُوا مُحَمَّدَاً مَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. مَعْنى ((ارْقُبُوا)): رَاعُوهُ وَاحْتَرِمُوهُ وَأَكْرِمُوهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٢). رواية) هي لمسلم، قال مسلم بعد إيراد الطريق الأولى وإسناد الطريقة الثانية إلى يزيد بن حيان ما لفظه، وساق الحديث بنحو حديث أبي حيان، أي: الراوي في الأولى عن يزيد، غير أنه قال (ألا:) أداة استفتاح يؤتى بها لتنبيه السامع لما بعدها اهتماماً، أي: ألا أنبهك (وإني تارك فيكم ثقلين) وفي نسخة الثقلين (أحدهما كتاب الله وهو حبل الله) قال المصنف: قيل المراد بحبل الله عهده، وقيل: السبب الموصل إلى رضاه ورحمته، وقيل: نوره الذي يهدى به، ((قلت)): وهو على هذه الوجوه استعارة مصرحة شبه ما ذكر في الأقوال الثلاثة بالحبل بجامع الوصل فأطلق عليه اسمه (من اتبعه) مؤتمراً بأوامره منتهياً عن نواهيه (كان على الهدى) الذي هو ضد الضلالة (ومن تركه) فأعرض عن أمره ونهيه (كان على الضلالة) وفيه فقلنا من أهل بيته نساؤه فقال: ((لا، أيم الله إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها وترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده)) اهـ. وتقدم عن المصنف الجمع بين قوله في حديث الباب في نسائه أنهن من أهل بيته ونفى ذلك في هذه الرواية، وقوله في هذه ((وعصبته)) إن أراد الأدنين اختص ببني هاشم، وإن أراد مطلقاً دخل الجميع وخرج ما عدا بني هاشم والمطلب؛ لما يدل عليه، فيكون عليه عاماً مخصوصاً، والله أعلم. ٣٤٧ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه موقوفاً عليه) الموقوف ما أضيف إلى الصحابي من قول أو فعل (أنه قال: أرقبوا محمداً ◌َّر في أهل بيته) أداء لبعض واجبات حقه (رواه البخاري. ومعنى ارقبوا) أي: مع المفعول كما يدل عليه ذكر الضمير في الأفعال المفسر بها وهي: (راعوه) قال في النهاية: المراعاة الملاحظة (واحترموه وألزموه) أي: افعلوا ذلك معه بمراقبة أهل بيته وتعظيمهم وودادهم وحبهم (١) أخرجه مسلم في كتاب: الفضائل، باب: فضائل علي رضي الله عنه (الحديث: ٣٦١). (٢) أخرجه البخاري في كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب الحسن والحسين (٦٣/٧). ٢٠٣ ٤٤ ــ باب: في توقير العلماء والكبار وأهل الفضل ٤٤ - باب: في توقير العلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم على غيرهم ورفع مجالسهم وإظهار مرتبتهم قَالَ اللَّهُ تَعَالَى(١): ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتْذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبَابِ﴾ . والدخول في عقد ولائهم مع ولاء سائر من أمرت الشريعة بموالاته من الصحابة الأكرمين والعلماء العاملين والأولياء الكاملين. أحيانا الله وأماتنا على محبتهم وحشرنا في زمرتهم بمنه آمین. باب توقير بالقاف من الوقار وهو التبجيل، أي: تعظيم العلماء، أي: بالعلوم الشرعية وآلاتها المطلوبة، أي: وإن لم يكونوا من ذوي السن، والمراد: علماء السنة والجماعة لما ورد من الوعيد في تعظيم ذي البدعة وكذا يعتبر هذا في قوله: (والكبار) بكسر الكاف، أي: في السن وإن لم يكونوا أهل علم (وأهل الفضل) من الكرم والمروءة والشجاعة وغيرها من خصال الكمال التي بها تتفاضل الرجال (وتقديمهم على غيرهم) ممن لم يكونوا كذلك، وظاهر تعبيره أنهم عند اجتماعهم يرتبون بترتيبهم في الذكر، فيقدم ذو العلم على ذي السن وهو على من بعده (ورفع مجالسهم) وإن كانوا هم ينبغي لهم أن لا يطلبوا رفعها تواضعاً واتباعاً لحديث: ((كان ◌َّ يجلس حيث ينتهي به المجلس)) (وإظهار مرتبتهم) أداء الحق ذي الحق. (قال الله تعالى: قل هل) استفهام إنكاري، ما (يستوي الذين يعلمون) أي: قام بهم العلم المطلوب تعلمه (والذين لا يعلمون) أي: لم يقم بهم ذلك، فالفعل فيه في الموضعين منزل منزلة اللازم، قال البيضاوي: الآية نفي لاستواء الفريقين باعتبار القوة العلمية على وجه أبلغ لمزيد فضل العلم، وقيل: تقرير للأول، أي: لقوله: ﴿أمن هو قانت﴾(٢) ... الخ أي: كما لا يستوي العالم والجاهل لا يستوي القانت والعاصي. (١) سورة الزمر، الآية: ٩. (٢) سورة الزمر، الآية: ٩. ٢٠٤ كتاب: دليل الفالحين ٣٤٨ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرِ والبَدْرِيِّ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((يَؤْمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِراءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ ، فَإِنْ كَانوا في السُّنَّةِ سَواءٍ فَأَقُدَمُهُمْ هِجْرَةً فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا. وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي ٣٤٨ - (وعن أبي مسعود عقبة) بالقاف (ابن عمرو البدري) نسب إليها لكونه سكنها، وإلا فلم يشهدها مع النبي ◌ّ 18 كما تقدم بما فيه من الخلاف (الأنصاري) وتقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب المجاهدة (قال: قال رسول الله وَّر: يؤم القوم أقرؤهم) أي: أكثرهم قراءة (لكتاب الله) جملة خبرية لفظاً طلبية معنى، أي: ليؤمهم، ويدل عليه حديث: ((إذا كنتم ثلاثة فليؤمكم أكبركم)) وحديث مالك بن الحويرث: ((وليؤمكما أكبركما)) وليس المراد بها الإِخبار المحض؛ لأن ما أخبرته* عن حصوله فلا بد منه، وكثيراً ما يؤم غير الاقرأ، فدل على ما ذكرنا (فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة) قال القرطبي : تأول أصحاب الحديث بأن الأقرأ في الصدر الأول هو الأفقه؛ لأنهم كانوا يتفقهون مع القراءة فلا يوجد قارىء إلا وهو فقيه، قال: وكان من عرفهم تسمية الفقهاء بالقراء اهـ. فلا يشكل على ما قال إمامنا الشافعي وشيخه مالك من تقديم الأفقه على الأقرأ؛ لأن حاجة الصلاة إلى الفقه أتم منها إلا القراءة، وأخذ الإِمام أبو حنيفة بظاهر الخبر فقدم الأقرأ على الأفقه وهو المعبر عنه بأعلمهم بالسنة، قاله الشيخ زكريا في شرح الأعلام، وقال القرطبي: السنة هي أحاديث السنن عن النبي صل18 وهذه الزيادة، أي: فإن كانوا في القراءة سواء ... الخ مما انفرد بها الأعمش، ومحلها عندنا وعند الشافعي فيما كان أول الإِسلام عند عدم التفقه كان المقدم الأقرأ وإن كان صبياً كما جاء في حديث عمرو بن سلمة: ((فلما تفقه الناس في الكتاب والسنة قدم الفقيه بدليل تقديم النبي ويله للصديق وقد نص على أن أقرأهم أبي)) فلو كان المقدم الأقرأ مطلقاً لقدم على الصديق، قال: في قوله يؤم القوم أقرؤهم حجة لمنع إمامة المرأة للرجال؛ لأن القوم هم الرجال؛ لأنهم بهم يقوم الأمر كما تقدم (فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة) إلى النبي ◌َّل أو إلى دار الإِسلام، ويراعى ذلك في أولادهم، وفيه فضل الهجرة، والأولى وإن انقطعت ففضيلتها باقية (فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سناً) أي: في الإِسلام كما تدل عليه الرواية الثانية ((سلماً) أي: إسلاماً؛ فيقدم الشاب القديم المدة في الإِسلام على الشيخ الحديثها فيه، وهذه لفضيلة السبق إلى الإِسلام، قال بعض العلماء: إنما رأت الأئمة هذا الترتيب لأنها خلافة النبي ◌َّر، إذ هو إمام في الدنيا والآخرة، فهي بعده للأقرب إليه منزلة والأشبه به رتبة، ومحل هذا الترتيب ما إذا لم يوجد ٢٠٥ ٤٤ - باب: في توقير العلماء والكبار وأهل الفضل سُلْطانِهِ، وَلاَ يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّ بِإِذْنِهِ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: ((فَأَقْدَمُهُمْ سِلْماً)) بَدَلَ ((سِنّا): أَيْ إِسْلاماً. وَفِي رِوَايَةٍ ((يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتابِ اللَّهِ، وَأَقْدَمُهُمْ قِرَاءَةً، فَإِنْ كَانَتْ قِرَاءَتُهُمْ سَواءً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ سِنَّا)) وَالْمُرَادُ ((بِسُلْطَانِهِ)): مَحَلُّ وِلَيَتِهِ، الوالي بمحل ولايته، وإلا فيقدم حتى على الأقرأ والأفقه، فإن لم يتقدم الوالي قدم من يصلح للإِمامة وإن كان غيره أصلح منه؛ لأن الحق فيها له كما يدل عليه قوله: (ولا يؤمن الرجل الرجل) مثلًا (في سلطانه) فرب الدار مقدم على الضيف، والمعير على المستعير، والسيد على عبده غير المكاتب (ولا يقعد على تكرمته) في القاموس: هي الوسادة (إلا بإذنه) وجه المنع من هذا ما فيه من التصرف في حق الغير بغير إذن، وإذا منع من التكرمة بغير الإِذن مع التساهل فيها والتخفيف فيها فالمنع من باقي حقوق الغير بغير إذنه أولى (رواه مسلم) في كتاب الصلاة من خمس طرق مدارها على الأعمش، ومن طريق أخرى عن شعبة كلاهما عن إسماعيل بن رجاء عن أوس بن ضمغج عن أبي مسعود، وأخرجه أبو داود والنسائي في كتاب من طريقهما، وأخرجه ابن ماجه في الصلاة، كذا لخص من الأطراف للحافظ المزي، وقال الحافظ السيوطي في الجامع: أخرجه الطبراني في الكبير وابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه اهـ. (وفي رواية له فأقدمهم سلماً) بكسر السين وسكون اللام (بدل سناً) وفسر السلم بقوله: (أي إسلاماً) ((قلت)): لعله مأخوذ من السلم بمعنى الصلح لما فيه من الاستسلام، لاستسلام المسلم وانقياده لأحكام مولاه، وهو كذلك بكسر السين وفتحها يذكر ويؤنث كما في الصحاح (وفي رواية) هي لمسلم من حديث أبي مسعود أيضاً، وكان على المؤلف - حيث عزا ما قبلها له - عزو هذه له لئلا يتوهم أنها لغيره، قال: قال رسول الله صلاته: (يؤم القوم اقراؤهم لكتاب الله) أي: أرسخهم قدماً في ذلك (و) يقدم من الأقرأ (أقدمهم قراءة) وإن اختلفوا في تقدم الهمزة وتأخرها (فإن كانت قراءتهم سواء فليؤمهم أقدمهم هجرة) منصوب على التمييز (فإن كانوا في الهجرة سواء) أي: وفي الأقربية وإلا فالأقرأ مقدم على الأقدم هجرة كما في الحديث قبله، فحينئذ يحمل المراد من الحديث على ما إذا تساووا في قدم الهجرة والأقرئية واختلفوا في تقدم السن في الإِسلام، أو اتحدوا فيه وتفاوتوا في كبره وصغره (فليؤمهم أكبرهم سناً) لأنه أقرب إلى التوجه إلى المولى وأكثر عروضاً عن الدنيا وتوجهاً إلى الدار الآخرة، وتتمة الحديث قوله: ((ولا يؤمن الرجل في أهله وعياله)) والفعل فيه مبني للمجهول مؤكد بالنون الثقيلة (والمراد بسلطانه محل ولايته) من بلد إن كان أميراً (أو الموضع الذي يختص به) من ٢٠٦ كتاب: دليل الفالحين أَوْ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ. و((تَكْرِمَتُهُ)) بِفَتْحِ النَّاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ: وَهِيَ مَا يَنْفَرِدُ بِهِ مِنْ فِرَاشٍ وَسَرِيرٍ وَنَحْوِهِمَا (١). ٣٤٩ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنا في الصَّلَاةِ وَيَقُولُ: (اسْتَرُوا، وَلاَ تَخْتَلِفِوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبِكُمْ، لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُوُلُو الْأَحْلَامِ مسجد إن كان إماماً راتباً فيه أو بيته وأهله مطلقاً، فأمير البلد وصاحب المنزل وإمام المسجد أحق بالإِمامة من الغير وإن كان الغير أفقه وأقرأ (وتكرمته بفتح التاء) الفوقية وسكون الكاف (وكسر الراء وهي ما ينفرد به) أي: عن أهل منزله كرامة له (من فراش وسرير ونحوهما) ولا يخالف ما تقدم من أنها الوسادة عن القاموس لإِمكان حمل كلامه على أنه ذكر فرداً مما ينفرد به عنهم؛ لأن الكرامة خاصة بها وإن كان ذلك ظاهر كلامه، وقال الشيخ زكريا في شرح الأعلام، وقيل: مائدته. ٣٤٩ - (وعنه قال: كان رسول الله ﴿ يمسح مناكبنا في الصلاة) أي: يسويها بيده الكريمة حتى لا يخرج بعضها عن بعض (ويقول:) حال التسوية كما هو ظاهر السياق (استووا ولا تختلفوا) بأن يتقدم منكب بعضكم على منكب بعض، يؤخذ منه أن الإِمام إذا سوّى الصفوف باليد يسن له أن يقول ما ذكر، وجمعه وَل بين الفعل والقول كما هنا واقتصاره على القول فقط كما في أحاديث أخر مختلف باعتبار حال المخاطبين، فإذا علم ◌َّ اكتفاءهم بالقول لفقههم وسرعة امتثالهم اقتصر عليه، وإلا لكثرتهم أو لاختلاطهم بحديثي الإِسلام محتاجين لمزيد العلم جمع بينهما (فتختلف) بالنصب؛ لأنه جواب النهي (قلوبكم) أي: أهويتها وإرادتها، وفي فتح الإِله: فإن قلت: هذا ينافي خبر: ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله)) إلى أن قال: ((ألا وهي القلب))، قلت: لا منافاة؛ لأن حديث الباب دال على أن اختلاف القلوب ناشىء عن مخالفة الأعضاء هذا الأمر الذي أمرت به بخصوصها، والثاني على أن مخالفتها لما أمرت به ناشىء عن فساد القلب وخلوه عن نور الهدى واليقين، وحاصله أن فساد القلب ينشأ عنه فساد الأعضاء، وفسادها ينشأ عنه اختلاف أهوية القلوب، واختلافها ينشأ عنه اختلاف الكلمة المؤدي إلى ما لا يتدارك خرقه من الفتن وضعف الدين اهـ. (ليلني) أي: ليقرب مني في الصلاة (منكم أولوا الأحلام) جمع حلم بالكسر كأنه من الحلم وهو الأناة والتثبت في الأمر، وذلك من شعار العقلاء، وقال المصنف: أولو الأحلام (١) أخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: من أحق بالإِمامة، (الحديث: ٢٩٠ - ٢٩١). ٢٠٧ ٤٤ - باب: في توقير العلماء والكبار وأهل الفضل وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَوْلُهُ وَ: ((لِيَلِنِي)) هُوَ بِتَخْفِيفِ النُّونِ وَلَيْسَ قَبْلَهَا يَاءٌ، وَرُوِيَ بِتَشْدِيدِ النُّونِ مَعَ يَاءً قَبْلَهَا و((النَّهَى)): الْعُقولُ. و((أُوَّلُو الْأَحْلَامِ)): هُمُ الْبَالِغُونَ . هم العقلاء، وقيل: البالغون (والنهى) بضم النون، العقلاء، فعلى قول من يقول: أولو الأحلام العقلاء، اللفظان بمعنى عطف أحدهما على الآخر تأكيداً، وعلى الثاني معناه البالغون العقلاء، وعليه اقتصر المصنف فيما يأتي، قال أهل اللغة: وواحد النهى نهية بضم النون وهي العقل، ورجل نه ونهي وقوم نهين، وسمي العقل نهية لأنه ينتهي إلى ما أمر به ولا يتجاوزه، وقيل: لأنه ينهى عن القبائح، قال أبو علي الفارسي: ويجوز أن يكون مصدراً كالهدى، وأن يكون جمعاً كالظلم، قال: والنهي في اللغة الثبات والحبس ومنه النهي بكسر النون وفتحها للمكان الذي ينتهي إليه الماء فيستنقع، قال الواحدي: فرجع القولان في اشتقاق النهية إلى قول واحد وهو الحبس والنهية تنهى وتحبس عن القبيح (ثم الذين يلونهم) كالصبيان سواء المراهقون وغيرهم فهم في درجة واحدة (ثم الذين يلونهم) وهم الخناثا (رواه مسلم) وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، كلهم في كتاب الصلاة، وفيه كما قال المصنف: تقديم الأفضل فالأفضل إلى الإِمام لأنه أولى بالإِكرام؛ ولأنه ربما احتاج الإِمام الى استخلاف فيكون هو أولى؛ ولأنه يتفطن لتنبيه الإِمام عن السهو ما لا يتفطن له غيره وليضبطوا صفة الصلاة ويحفظوها ويتعلموها ويعلموها الناس، ولا يختص هذا التقديم بالصلاة بل السنة تقديم أهل الفضل في كل مجمع إلى إمام وكبير المجلس كمجالس العلم والقضاء والذكر والتدريس والإِفتاء واستماع الحديث ونحوها، ويكون الناس فيها على مراتبهم في العلم والدين والعقل والشرف والسن والكفاية في ذلك الباب، والأحاديث متعاضدة على هذا، وفيه تسوية الصفوف والاعتناء بها والحث عليها (وقوله: ليلني هو بتخفيف النون) أي: هي للوقاية (وليس قبلها ياء) أي: قد حذفت للجازم (وروي بتشديد النون مع ياء قبلها) كذا جعلها هنا رواية، وعبارته في شرح مسلم: ويجوز إثبات الياء مع تشديد النون على التوكيد اهـ. وهو من زيادات هذا الكتاب على شرح مسلم، فليلحق بطرته وينبه عليه، ثم تنبهت لكون كلام شرحٍ مسلم في حديث ابن مسعود وكلامه هنا في حديث أبي مسعود، ولم يذكر في الأخير شيئاً في شرح مسلم بعد ما قدمه مما نقله عنه في حديث ابن مسعود، وظاهر أن الرأي لا مجال له في هذا الشأن، وجوز ابن حجر الهيتمي إثبات الياء ساكنة مع تخفيف النون، وقال: إن ذلك لغة صحيحة (والنهى العقول) سكت عن كون النهى جمعاً أو مفرداً وإن كان تفسيره بالجمع يومىء إلى الأول؛ لما علمت ما فيه عن الفارسي من الاحتمالين (وأوَّلو الأحلام هم البالغون) اقتصر عليه ليكون العطف على ٢٠٨ كتاب : دليل الفالحين وَقِيلَ: أَهْلُ الْحِلْمِ وَالْفَضْلِ(١). ٣٥٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِ: ((لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُوا الْأَحْلَامِ النُّهى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ)) ثَلَاثً( وَإِيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الْأُسْواقِ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(٢). ٣٥١ - وَعَنْ أَبِي يَحْيَى وَقِيْلَ: أَبِي مُحَمَّدٍ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ((بِفْحِ الحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الثاءِ المثلثةِ)) الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ أَنْطَلَقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ أصله في المغايرة، وتقدم أنه قيل: إنهم العقلاء وأنه عليه من عطف الرديف (وقيل أهل الحلم) أي: الأناة والتثبت في الأمر (والفضل) أي: العلم، وعليه فيكون عطف أولي النهى عليه من عطف العام على الخاص، وحكاية هذا القول مزيدة على شرح مسلم. ٣٥٠ - (وعن عبد الله بن مسعود) الهذلي الصحابي الجليل، تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب الصبر (قال: قال رسول الله وَله: ليلني) بحذف الياء وتخفيف النون كما ضبطه المصنف في شرح مسلم (منكم أولو الأحلام والنهى) يجوز في الظرف أن يكون لغواً معلقاً بالفعل وأن يكون مستقراً حالاً من الفاعل مقدماً عليه (ثم الذين يلونهم ثلاثاً) أي: كرر ذلك ثلاث مرات، والتكرار باعتبار صفوف المأمومين، فالأولون البالغون والثانون الصبيان والثالثون الخنائى (وإياكم) منصوب على التحذير، وكرره لمزيد التأكيد فقال: (وإياكم) أي: احذروا أنفسكم (وهيشات) بفتح الهاء وسكون التحتية والشين المعجمة (الأسواق) أي: اختلاطها والمنازعة والخصومات وارتفاع الأصوات واللغط والفتن التي فيها، قاله المصنف، وقال القرطبي: هيشات الأسواق قال أبو عبيدة: هو شاذ، والهوشة الفتنة والهيج والاختلاف، يقال هوش القوم إذا اختلفوا (رواه مسلم). ٣٥١ - (وعن أبي يحيى وقيل: أبي محمد سهل) بفتح المهملة وسكون الهاء (ابن أبي حثمة بفتح الحاء المهملة وإسكان المثلثة) واسم أبي حثمة عبد الله بن ساعدة، وقيل: عامر بن ساعدة بن عامر بن عدي بن خيثم ابن مخدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس (الأنصاري الخزرجي) الأوسي الحارثي (رضي الله عنه) وهو مدني، توفي النبي ◌َّ وهو ابن ثمان سنين، وقد حفظ عن رسول الله و طلّ أحاديث، روي له عن النبي ◌َّ خمسة وعشرون حديثاً، اتفقا على ثلاثة منها، روى عنه نافع بن جبير (١) أخرجه مسلم في كتاب: الصلاة، باب: تسوية الصفوف وإقامتها ... (الحديث: ١٢٢). (٢) أخرجه مسلم في كتاب: الصلاة، باب: تسوية الصفوف وإقامتها ... (الحديث: ١٢٣). ٢٠٩ ٤٤ - باب: في توقير العلماء والكبار وأهل الفضل سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعودٍ إِلَى خَيْبَرَ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ فَتَفَرَّقَا، فَأَتِى مُحَيِّصَةُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ وَهُوَ يَتَشَخَّطُ فِي دَمِهِ قَتِيلًا فَدَفَنَهُ، ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ﴿َ، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكُلُّمُ، فَقَالَ: ((كَبِّرْ كَبِّرْ)) وَهُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ، فَسَكَتَ فَتَكَلِّما. فَقَالَ: وعبد الرحمن بن مسعود والزهري، وقيل: لم يسمع منه اهـ. ملخصاً من التهذيب للمصنف. (قال: انطلق عبد الله بن سهل) بن زيد بن عامر بن عمرو بن مخدعة بن حارثة الأنصاري الحارثي (ومحيصة) بتشديد التحتية وتخفيفها لغتان مشهورتان فيه وفي حويصة الآتي، قال المصنف: ذكرهما القاضي أشهرهما التشديد (ابن مسعود) ابن كعب بن عامر بن عمرو بن مخدعة بن حارثة بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن أوس الأنصاري (إلى خيبر) البلدة المعروفة، ذكر الحازمي أن أراضي خيبر يقال فيها: خيابر، بفتح المعجمة وخروجهما إليها ليمتارا منها (وهي يومئذ صلح) أي: مع النبي وَلَّ، أي: بعد فتحها وإقرار أهلها عليها صلحاً (فتفرقا) لحوائجهما (فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط) أي: يتخبط ويضطرب (في دمه قتيلاً) لحال من فاعل يتشحط (فدفنه ثم قدم) بكسر الدال (المدينة) علم بالغلبة على دار هجرته وهو، مأخوذة من دان إذا أطاع، وهي محل الدين في الحديث ((أن الإِيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها)) (فانطلق عبد الرحمن بن سهل) أخو المقتول (ومحيصة وحويصة) بتشديد الياء على المشهور فيهما كما تقدم (ابنا مسعود) ابنا ابن عم أبي المقتول (إلى النبي وَّر فذهب عبد الرحمن) قال الشيخ زكريا في شرح الأعلام: وفي رواية، محيصة (يتكلم) فيجوز أن يكون كل منهما ذهب يتكلم، وكان حويصة أكبر منهما، والجملة في محل الحال (فقال) النبي ◌َّ للمتكلم: (كبر كبر) بتشديد الموحدة، أي: راع الكبر بضم الكاف، كذا في شرح الأعلام، لكن في مسلم بعد قوله: كبر الكبر في السن، قال المصنف: معناه يريد الكبر في السن والكبر منصوب بإضمار يريد أو نحوها، وفي نسخة المكبراهـ. ومقتضى ضبطه النسخة الأولى أن يكون بالكسر والفتح، قال في المصباح: كبر الصغير وغيره يكبر من باب تعب كبراً بوزن عنب، وكبر الشيء كبراً من باب قرب عظم فهو كبير أيضاً اهـ. وظاهر أن ما نحن فيه من المادة الأولى، ثم رأيت العاقولي بين وجه ما في الأعلام كما يأتي عنه قريباً (وهو) أي: عبد الرحمن (أحدث القوم) سناً وأسن منه محيصة وأسن منهما حويصة (فسكت فتكلما) بأن يذكر الأصغر الأكبر ما نسيه، قال المصنف: واعلم أن حقيقة الدعوى إنما هي لأخيه عبد الرحمن لا حق فيها لا بني عمه، وإنما أمر ﴿ أن يتكلم الأكبر وهو حويصة؛ لأنه لم يكن المراد بكلامه حقيقة الدعوى ٢١٠ كتاب: دليل الفالحين (أَتَخْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ؟)) وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَديثِ. مُتَّفَقُ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ مَ: ((كَبِّرْ كَبِّرْ)) مَعْنَاهُ: يَتَكَلِّمُ الْأَكْبُرُ(١). ٣٥٢ - وَعَنْ جَابِرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهَ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ (يَعْنِي فِي الْقَبْرِ) ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهُمَا أَكْثَرُ أَخْذَاً لِلْقُرآنِ؟)) فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِما بل سماع صورة القصة وكيف جرت، وإذا أراد حقيقة الدعوى تكلم عبد الرحمن، ويحتمل أن يكون وكلهما في الدعوى، وقال العاقولي: هذا إرشاد وتأديب لأنهما ابنا عم أبيه وقد حضرا معه لنصره، وإذا لم يوقرهما بأن يجعل الكلام إليهما فقد أضاع حقهما، إذن لا نصيب لهما في الإِرث ولا ترك لهما مجالاً في القول، والإِنسان إنما يتسلى بأحد هذين: مال يأخذه أو كلام ينصت إليه فيه ويذعن له، ويؤخذ منه استحباب تقديم الكبير سناً؛ لأن حويصة أسن من عبد الرحمن ورتبة فإنه في عداد والده، والكبر بالضم، يقال: فلان كبر في قومه إذا كان أقعدهم سناً اهـ. وله نظائر، فإنه يقدم بذلك في الإِمامة وولاية النكاح ندباً وغير ذلك (فقال: أتحلفون) أي: خمسين يميناً كما جاء في رواية (وتستحقون قاتلكم) أي : يثبت حقكم عليه، وهل هو قصاص أو دية؟ فيه خلاف بين العلماء، وعرضه اليمين عليهم محمول على أن المراد إن علموا ذلك أو ظنوه، إذ لا يجوز الحلف إلا عند وجود ذلك، وعرضته على الثلاثة مع أنها للوارث وهو الأخ، وأما الآخران فلا ميراث لهما مع وجوده للعلم بأنها لا تجب على غير الوارث، فأطلق الخطاب لهم ومراده من يختص به اليمين، والإِطلاق لكونه معلوماً عند المخاطبين كما سمع صورة الواقعة من القوم، وإن الدعوى مختصة بالأخ، قاله المصنف (وذكر تمام الحديث) مما لا يتعلق به غرض الترجمة وهو تقديم أهل الفضل والسن (متفق عليه) أخرجه البخاري في خمسة أماكن من صحيحه، ومسلم في الحدود، وأبو داود والترمذي وابن ماجه في الديات، والنسائي في القضاء (وقوله وي كبر كبر) بالتكرير للتأكيد (معناه يتكلم) أي: ليتكلم (الأكبر) أي: في السن كما ذكره المصنف في شرح مسلم، أو في الرتبة كما تقدم عن العاقولي وغيره. ٣٥٢ - (وعن جابر رضي الله عنه أن النبي (وَلّ كان) للحاجة من كثرة القتلى وقلة العمال (يجمع بين الرجلين من قتلى أحد) بضمتين، الجبل المعروف بالمدينة، وكان غزوته سنة (١) أخرجه البخاري في كتاب: الديات، باب: القسامة (١٩٧/٦). وأخرجه مسلم في كتاب: القسامة، باب: القسامة (الحديث: ١). ٢١١ ٤٤ - باب: في توقير العلماء والكبار وأهل الفضل قَدَّمَهُ فِي اللَّحْد. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١). ٣٥٣ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ، قَالَ: ((أَرَانِي فِي الْمَنَامِ أَتَسَوَّكُ بِسِواكٍ فَجَاءَنِي رَجُلانِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ، فَنَاولْتُ السِّواكَ الْأَصْغَرَ فَقِيلَ لِي كَبِّرْ. فَدَفَعْتُهُ إِلَى الأَكْبَرِ مِنْهُمَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مُسْنَداً . أربع من الهجرة على قول الأكثر، قال الحافظ في الفتح : روى أصحاب السنن عن هشام بن عامر الأنصاري قال: ((جاءت الأنصار إلى رسول الله وسلم يوم أحد فقالوا: أصابنا قرح وجهد فقال ◌َله: احفروا وأوسعوا واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر)) صححه الترمذي، وأما دفن الرجل مع المرأة فروى عبد الرزاق بإسناد حسن عن وائلة بن الأسقع: ((أنه كان يدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد فيقدم الرجل ويجعل المرأة وراءه وكان يجعل بينهما حائل من تراب ولا سيما إذا كانا أجنبيين)) اهـ. وقوله: (يعني في القبر) بيان للمجموع فيه، وخرج به الكفن فكان كل يفرد بكفنه (ثم يقول: أيهما أكثر أخذاً) أي: حفظاً (للقرآن فإذا أشير) أي: بكثرة الأخذ (إلى أحدهما) أي: الرجلين (قدمه في اللحد) إلى جهة القبلة من غيره ولو أسن منه تعظيماً له أو تشريفاً لما خص به من أكثرية لأخذ للقرآن، وظاهر منه بالأولى تقديم الآخذ لشيء من القرآن على من لم يأخذ بالمرة (رواه البخاري) في الجنائز وفي المغازي، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في الجنائز أيضاً، وقال الترمذي: حسن صحيح. ٣٥٣ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ◌ّ قال: أراني) قال الحافظ في الفتح: بفتح الهمزة من الرؤية ووهم من ضمها (في المنام) مصدر ميمي، أي: النوم، والظرف في محل الحال وجملة: (أتسوك) بتشديد الواو، في محل المفعول الثاني (بسواك) الباء فيه للاستعانة (فجاءني رجلان) في المنام (أحدهما أكبر من الآخر فناولت السواك الأصغر) لعلة أو لمعنى رآه وَّير فيه من علم أو نحوه (فقيل لي: كبر) بتشديد الموحدة، والقائل جبريل كما جاء كذلك في رواية ابن المبارك (فدفعته إلى الأكبر منهما) قال ابن بطال: فيه تقديم ذي السن في السواك، ويلتحق به الطعام والشراب والمشي والكلام، قال المهلب: هذا ما لم يترتب القوم، فإن ترتبوا فالسنة تقديم الأيمن وهو صحيح، ويؤيده تقديم الأعرابي على الصديق في دفع الشراب إليه، وفيه أن استعمال سواك الغير بإذنه غير مكروه إلا أن المستحب غسله ثم استعماله (رواه مسلم) في الرؤيا وفي آخر الكتاب (مسنداً) عن نصر بن (١) أخرجه البخاري في كتاب: الجنائز، باب: دفن الرجلين والثلاثة في قبر، وفي المغازي (١٧٠/٣). ٢١٢ كتاب: دليل الفالحين وَرَوَاهُ الْبُخارِيُّ تَعْلِيقاً(١). ٣٥٤ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ تَعَالَى إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ)) حَدِيْثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ(٢). علي عن أبيه عن صخر بن جويرية عن رافع عن ابن عمر (ورواه البخاري تعليقاً) بصيغة الجزم، فقال: وقال عفان ثنا صخر بن جويرية بالإِسناد المذكور، قال الحافظ في الفتح : قال الإِسماعيلي: أخرجه البخاري بلا رواية، ((قلت)): وقد وصله أبو عوانة في صحيحه عن محمد بن إسحاق الصنعاني، وغيره عن عفان، وكذا أخرجه أبو نعيم والبيهقي من طريقه، والتعليق حذف أول السند واحداً فأكثر ولو لجميع السند مأخوذ من تعليق الجدار. ٣٥٤ - (وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلجر: إن من إجلال الله) أي: من تعظيمه وتبجيله (إكرام ذي) أي: صاحب (الشيبة المسلم) الذي شاب شعره، أي: أبيض ونفذ عمره في الإِسلام والإِيمان، فتعظيمه وتقديمه في الصلاة بشرطه على غيره، وفي المجامع والمجالس وفي القبر وغيره والرفق به والشفقة عليه من كمال تعظيم الله لحرمته عند مولاه سبحانه (وحامل القرآن) أي: قارئه، سمي حاملاً لما تحمل في حفظه من الدرس والمشقة في تفهمه والعمل بأحكامه وتدبره، فهو كحامل لمشاق كثيرة تزيد على الأحمال الثقيلة (غير) بالنصب على الاستثناء وبالجر على الوصفية (الغالي) بالمعجمة (فيه) المتجاوز الحد في التشدد، والعمل به، وتتبع ما خفي منه، واشتبه عليه من معانيه، والكشف عن دقيق علله التي لا يصل فيها عقله بما يبتدعه في الدين ليضل ويضل غيره ويجاوز حدود قراءته ومخارج حروفه ومده (والجافي عنه) أي: التارك له البعيد عن تلاوته والعمل بما فيه، فإن هذا من الجفاء وهو البعد عن الشيء، قال في النهاية: وإنما قال ذلك لأن من أخلاقه التي أمر بها القصد في الأمر، والغلو التشديد في الدين ومجاوزة الحد، والتجافي البعد عنه، ((قلت)): لا سيما من أعرض عنه بكثرة النوم والبطالة والإِقبال على الدنيا والشهوات، وما أقبح بحامل القرآن أن يتلفظ بأحكامه ولا يعمل بها فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً (وإكرام ذي) أي: صاحب (السلطان) أي: الملك والتسلط (المقسط) بضم الميم، أي : العادل في حكمه بين رعيته (حديث حسن رواه أبو داود) في الأدب من سننه. (١) أخرجه مسلم في كتاب: الرؤيا، باب: رؤيا النبي ◌َّ (الحديث: ١٩). وأخرجه البخاري في كتاب: الوضوء، باب: دفع السواك إلى الأكبر (٣٠٧/١). (٢) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في تنزيل الناس منازلهم (الحديث: ٤٨٤٣). ٢١٣ ٤٤ - باب: في توقير العلماء والكبار وأهل الفضل ٣٥٥ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيْهِ عَنْ جَدِّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنا، وَيَعْرِفْ شَرَفَ كَبِيرِنَا)) حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: ((حَقَّ كَبِيرِنا))(١). ٣٥٦ - وَعَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَرَّ بِهَا سَائِلٌ فَأَعْطَنْهُ ٣٥٥ - (وعن عمرو بن شعيب عن أبيه) شعيب (عن جده) أي: جد أبيه، أي: إن أباه رواه عن جد، وهو عبد الله بن عمرو (رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلجر: ليس منا) أي: من أهل سنتنا وهدينا وطريقتنا (من لا يرحم صغيرنا) أي: الصغير من المسلمين بأن يشفق عليه ويرحمه ويحسن إليه ويلاعبه (ويعرف شرف كبيرنا) أي: بما يستحقه من التعظيم والإِجلال والتبجيل، وتوضحه رواية أحمد: ((ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا)) ولأحمد والترمذي وابن حبان في صحيحه: ((ليس منا من لم يوقر الكبير ويرحم الصغير ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر)» (حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي) في أبواب البر واللفظ له عن ابن عمر ( وقال الترمذي: حديث صحيح) الذي في الجامع، وقال: حسن صحيح، وكذا في نسخة من الرياض، والظاهر أنه حسن باعتبار، طريق صحيح باعتبار آخر، لأنه رواه من طريقين ينتهيان إلى عمروبن شعيب، وفي رواية له عن أنس مرفوعاً: ((ليس منا من لم يرحم صغيرنا ولا يوقر كبيرنا)) وقد نبه المصنف على أن اللفظ المذكور للترمذي فقال: (وفي رواية أبي داود حق كبيرنا) أي: عبر بحق بدل شرف، وقد أخرجه باللفظ المروي عن الترمذي وأحمد والحاكم في مستدركه. ٣٥٦ - (وعن ميمون) بفتح الميم الأولى وسكون التحتية (ابن أبي شبيب) بفتح المعجمة وكسر الموحدة بوزن حبيب، وهو الربعي أبو نصر الكوفي، قال الحافظ في التقريب: صدوق، كثير الإِرسال من الثالثة، مات سنة ثلاث وثمانين في وقعة الجماجم (أن عائشة رضي الله عنها مر بها سائل) أي: متعرض بالسؤال لطلب الإِحسان (فأعطته كسرة) بكسر (١) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في الرحمة، (الحديث: ٤٩٤٣). وأخرجه الترمذي في كتاب: البروالصلة، باب: ماجاء في رحمة الصبيان، (الحديث: ١٩٢٠، ١٩٢١). ٢١٤ كتاب: دليل الفالحين كِسْرَةً، وَمَرَّ بِها رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابٌ وَهَيْئَةُ فَأَقْعَدَتْهُ فَأَكَلَ، فَقِيلَ لَهَا فِي ذَلِكَ، فَقَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَ﴿: ((أَنْزِلوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. لَكِنْ قَالَ: مَيْمُون لَمْ يُدْرِكَ عَائِشَةَ. وَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِمُ في أَوَّلِ صَحِيحِهِ تَعْلِيقَاً، فَقَالَ: وَذُكِرَ عَنْ عَائِشَةَ، الكاف وسكون المهملة، وهي هنا القطعة المكسورة من الخبز، والجمع كسر كسدرة وسدر (ومر بها رجل عليه ثياب وهيئة) هي في اللغة الحالة الظاهرة، والمراد هنا حالة حسنة (فأقعدته فأكل) قال السخاوي في المقاصد: ولفظ أبي نعيم في الحلية: ((فمر رجل غني ذو هيئة فقالت: ادعوه فنزل فأكل ومضى وجاء سائل فأمرت له بكسرة فأكل فقالت: إن هذا الغني لم يجمل بنا إلا ما صنعناه به وإن هذا السائل سأل فأمرت له بما يرضاه وإن رسول الله* أمرنا أن ننزل الناس منازلهم)) (فقيل لها في ذلك) بحذف الفاعل لغرض من أغراض حذفه (فقالت: قال رسول الله وَلفر: انزلوا الناس منازلهم) هو حض على مراعاة مقادير الناس ومراتبهم ومناصبهم وتفضيل بعضهم على بعض في المجالس وفي القيام والمخاطبة والمكاتبة وغير ذلك من الحقوق كما تقدم عن المصنف، قال الإِمام مسلم: فلا يقصر بالرجل العالي القدر عن درجته، ولا يرفع متضع القدر فوق منزلته، ويعطى كل ذي حق حقه من قوله تعالى: ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾(١) وهذا في بعض الأحكام أو أكثرها، وقد سوى الشرع بينهم في القصاص والحدود وأشباهها مما هو معروف اهـ. قال العلماء في الحديث: إن العالم إذا فعل شيئاً يخفى أمره وسئل عن ذلك يستدل بالحديث النبوي، إذ هو من أقوى الحجج الشرعية وهو أبلغ من ذكر الحكم بلا دليل. (رواه أبو داود) في الأدب من سننه، قال السخاوي: ورواه ابن خزيمة في صحيحه والبزار وأبو يعلى في مسنديهما والبيهقي في الأدب والعسكري في الأمثال، ومداره عندهم على ميمون (لكن قال: ) أبو داود (ميمون لم يدرك عائشة) أي: فالحديث منقطع، قال السخاوي في كتاب الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإِسلام الحافظ ابن حجر: وتعقب ابن الصلاح ما ذكر عن أبي داود بأن ميمون أدرك المغيرة وهو قد مات قبل عائشة، وأشار إلى أنه على شرط مسلم لاكتفائه بالمعاصرة مع إمكان التلاقي، وأقره النووي على ذلك، وفيما أشار إليه نظر؛ فإن الاكتفاء بالمعاصرة محله في غير المدلس، وميمون قد قال فيه عمرو بن الغلاس: ليس بقوي في شيء من حديثه(٢)، سمعت ولم أخبر أن أحداً منهم يزعم أنه سمع الصحابة اهـ. وصرح غيره بأنه روى عن جمع من الصحابة لم يدركهم، منهم معاذ وأبو ذر وعلي، فلذا قال أبو (١) سورة يوسف، الآية: ٧٦. (٢) هكذا في جميع النسخ التي بأيدينا . ٢١٥ ٤٤ - باب: في توقير العلماء والكبار وأهل الفضل قَالَتْ: ((أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَ أَنْ نُنْزِلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ)) وَذَكَرَهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ (مَعْرِفَةُ عُلومِ الْحَديثِ)) وَقَالَ هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ(١). ٣٥٧ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ. حاتم: إن روايته عنها مرسلة، بل صرح أيضاً بأن روايته عن عائشة غير متصلة، وكذا قال البيهقي، حديثه عنها مرسل، وقال أبو نعيم: إنه ضعيف، ثم ذكر السخاوي تصحيح بعض المحدثين لروايته عن أبي ذر وعن معاذ والمغيرة، ثم قال: وهذا كله مشعر بإدراك ميمون لعائشة، ثم إن الجواب عن أبي داود ممكن بأن يكون مراده أنه لم يدرك السماعٍ منها، وجزم ابن القيم بفساد التعقب المشار إليه، أي: بالرواية عن المغيرة وغيره بأن ميموناً كان بالكوفة فسماعه من المغيرة لا ينكر لأنه كان معه بها بخلاف عائشة فإنها كانت بالمدينة، قال: وأئمة هذا الشأن لهم أمر وراء المعاصرة على أن الحافظ العراقي قال: لم يأت في خبر قط إدراك ميمون للمغيرة إنما أخذه ابن الصلاح من رواية مسلم في المقدمة عنه عن المغيرة حديثاً استشهاداً وقال فيه: إنه حديث مشهور، ثم أشار السخاوي إلى أن من ذكر رواية موقوفاً عليها (وقد ذكره مسلم في أول صحيحه تعليقاً) وهو في مسلم قليل جداً (فقال: وذكر) بالبناء للمفعول (عن عائشة) قال المصنف: هو بالنظر إلى أن لفظه ليس جازماً لا يقتضي حكمه بصحته، وبالنظر إلى أنه احتج به وأورده إيراد الأصول لا إيراد الشواهد يقتضي حكمه بصحته (قالت: أمرنا رسول الله ﴿ أن ننزل) بضم النون الأولى وسكون الثانية مضارع أنزل، وفي رواية بضم الأولى وفتح الثانية وتشديد الزاي وهي المشهورة (الناس منازلهم وذكره الحاكم أبو عبيد الله) من الربيع بفتح الموحدة وتشديد التحتية (في كتابه معرفة علوم الحديث) في النوع السادس عشر (قال: وهو حديث صحيح) وعبارته: صحت الرواية عن عائشة رضي الله عنها، وساقه بلا إسناده، وكذا صححه ابن خزيمة لأنه أخرجه في كتاب السياسة من صحيحه وتعقب التصحيح بما تقدم من انقطاعه، وباختلاف رواته في رفعه تارة ووقفه على عائشة أخرى، قال السخاوي في الجواهر: هذا حديث حسن وفي المقاصد، وبالجملة فحديث عائشة حسن، قال أبو أحمد العسكري في الأمثال: وهذا الحديث مما أدب به النبي وسلم أمته في إيفاء الناس حقوقهم من تعظيم العلماء وإكرام ذي الشيبة وإجلال الکبیر وما أشبهه. ٣٥٧ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم عيينة) بضم العين وفتح التحتية الأولى وسكون الثانية بعدها نون فهاء (ابن حصن) بكسر المهملة الأولى، ابن حذيفة بن بدر بن (١) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في تنزيل الناس منازلهم (الحديث: ٤٨٤٢). ٢١٦ كتاب: دليل الفالحين فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الْحُرِّ بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصحَابَ مَجْلِسٍ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ كُهولاً كَانُوا أَوْ شُبَّاناً. فَقَالَ عُبَيْنَةُ لابْنٍ أَخِيهِ: يَا ابْنَ أَخِي لَكَ وَجْهُ عِنْدَ هَذَا الْأَمِيرِ فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ، فَاسْتَأْذَنَ لَهُ فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ، عمرو بن حوبة بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة بن ذبيان بن مفيض بن ربيع بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان _ بالمهملة - الفزاري، أسلم بعد الفتح، وقيل: قبله، وشهد حنيناً والطائف وكان من المؤلفة قلوبهم والأعراب الجفاة، ثم ارتد وقاتل مع طليحة الأسدي فأسرته الصحابة وحملوه إلى الصديق فأسلم فأطلقه، والمراد أنه قدم المدينة (فنزل على ابن أخيه الحر) بضم المهملة وتشديد الراء (ابن قيس) والحر صحابي، أحد الوفد الذين قدموا على رسول الله ◌َّ مرجعه من تبوك، وهو الذي خالف ابن عباس في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لقيه، فقال ابن عباس: هو الخضر فسألا أبياً فذكر حديثاً مرفوعاً كما قال ابن عباس، وحكاية الخلاف بينهما في كتاب العلم من صحيح البخاري، وقيل: المخالف لابن عباس عوف البكالي وهو كذلك في مسلم، قال العلائي: كان للحر، ابن شيعي وابنة حرورية وامرأة معتزلية وجارية مرجئية فقال لهم الحر: أنا وأنتم كما قال تعالى: ﴿كنا طرائق قدداً﴾ (١) (وكان) أي: الحر (من النفر) بفتح النون والفاء، وهو كما في المصباح جماعة الرجال من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: إلى سبعة، ولا يقال فيما زاد على العشرة اهـ. ((قلت)): فهو اسم جمع لا واحد له من لفظه (الذين يدنيهم) بضم التحتية الأولى، أي: يقربهم (عمر رضي الله عنه) منه لعلمهم وعملهم (وكان القراء أصحاب مجلس عمر رضي الله عنه) المقدمين فيه (و) أصحاب (مشاورته) مصدر شاورته في الأمر، قال في المصباح: شاورته في كذا واستشرته فيه راجعته لأرى رأيه فيه فأشار علي بكذا، أي: أراني ما عنده من المصلحة والاسم المشورة، وفيها لغتان: سكون الشين وفتح الواو وضم الشين وسكون الواو، ويقال: هي من شار الدابة إذا عرضها في المشوار، وقيل: من شرب العسل، شبه حسن النصيحة بشرب العسل اهـ. (كهولاً) خبر مقدم لقوله: (كانوا أو شباناً) عطف على كهولاً وهو بضم الشين المعجمة وتشديد الموحدة الأولى، جمع شاب كفارس وفرسان، ويجوز أن يقرأ شباب بفتح المعجمة وتخفيف الموحدة الأولى جمع شاب أيضاً، كما في مصدر شب، فيكون على تقدير مضاف أو على تقدير المبالغة كزيد عدل، قال في الفتح: الأولى رواية الأكثر والثانية رواية الكشميهني، والشباب قبل الكهولة، وقد (١) سورة الجن، الآية: ١١. هم. ٢١٧ ٤٤ - باب: في توقير العلماء والكبار وأهل الفضل فَلَّمَّا دَخَلَ قَالَ: هِيَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! فَوَاللَّهِ مَا تُعْطِينا الْجَزْلَ وَلَا تَحْكُمُ فِيْنَا بِالعَدْلِ، فَغَضِبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَتَّى هَمَّ أَنْ يوقِعَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِّهِ وَ(١): ﴿خُذِ العَقْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ وَإِنَّ هَذَا مِنَ الْجَاهِلِينَ. وَاللَّهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلَهَا عَلَيْهِ، وَكَانَ وَقَّافَاً عِنْدَ تقدم بيان الاسنان ونظمها للدماميني في باب تعظيم حرمات المسلمين، وفيه تقديم أولي الفضل على من عداهم وإن كانوا دونهم في السن أو في النسب والحسب (فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي لك وجه) أي: تقدم (عند هذا الأمير) يعني عمر (فاستأذن لي عليه) أي : اسأل لي منه الإذن في الدخول عليه (فاستأذن له فأذن عمر رضي الله عنه فلما دخل) معطوف على مقدر، أي دخل فلما دخل (قال: هي) بكسر الهاء وسكون التحتية، كلمة تهديد، وقيل: ضمير وثم محذوف، أي: هي داهية (يا ابن الخطاب) بفتح المعجمة وتشديد المهملة (فوالله ما تعطينا الجزل) أي: ما يجزل لنا من العطاء، وأصل الجزل ما عظم من الحطب (ولا تحكم فينا بالعدل) هو خلاف الجور، يقال: عدل على القوم من باب ضرب عدلاً (فغضب عمر) لما نسبه إليه من الجور (حتى هم) بتشديد الميم، أي: أراد (أن يوقع) بضم التحتية (به شيئاً) أي: من العقوبة أو شيئاً من الإِيقاع، وذلك لجفاه وسوء أدبه معه (فقال له الحر: يا أمير المؤمنين إن الله قال لنبيه مح لل: خذ العفو وامر بالعرف واعرض عن الجاهلين) أي: والأصل في أحكام التكاليف اشتراك أمته معه حتى يدل دليل على التخصيص والاقتداء فيما لم يدل دليل على الخصوص مطلوب، قال تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (٢) وقوله: ﴿خذ العفو﴾(٣) أي: ما عفا لك من أفعال الناس وتسهل ولا تطلب ما يشق عليهم من العفو الذي هو ضد الجهد، أو خذ العفو عن المذنبين أو الفضل أو ما يسهل من صدقاتهم، وقوله: ﴿وامر بالمعروف﴾ (٤) أي: بالمعروف المستحسن من الأفعال وقوله: ﴿وأعرض عن الجاهلين﴾(٥) أي: فلا تمارهم ولا تكافئهم مثل أفعالهم، وهذه الآية جامعة لمكارم الأخلاق آمرة للرسول باستجماعها (وإن هذا من الجاهلين) أي: المأمور بالإِعراض عنهم (ووالله) الواو الأولى عاطفة على فقال له الحر والثانية للقسم (ما جاوزها) وفي نسخة: ما جازها (عمر رضي الله عنه) أي: بالمخالفة لها (حين تلاها عليه) بل وقف عندها فأعرض عن مكافأة جهله (وكان وقافاً) بتشديد القاف (١) سورة الأعراف، الآية: ١٩٩. (٢) سورة الأحزاب، الآية: ٢١ . (٣) سورة الأعراف، الآية: ١٩٩. (٤) سورة لقمان، الآية: ١٧ . (٥) سورة الأعراف، الآية: ١٩٩. 1X00 ٢١٨ كتاب: دليل الفالحين كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١). ٣٥٨ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَقَدْ كُنْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَ غُلاماً، فَكُنْتُ أَحْفَظُ عَنْهُ فَمَا يَمْنَعُنِي مِنَ الْقَوْلِ إِلَّ أَنَّ هَهُنا رِجَالاً هُمْ أَسَنُّ مِنِّي. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(٢). (عند) أوامر (كتاب الله) يعني القرآن، كناية عن امتثالها والقيام بأداء ما أمر بأدائه وترك ما نهي عنه (رواه البخاري) في كتاب التفسير والاعتصام من صحيحه، وهذا الحديث ذكره المصنف في أواخر باب الصبر وتقدم شرحه، ثم وفيه بعض فوائد زائدة على ما هنا. ٣٥٨ - (وعن أبي سعيد) وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو سليمان، وقيل: أبو محمد حكاها في التهذيب (سمرة) بفتح السين وضم الميم (ابن جندب) بضم الجيم والدال المهملة وبفتح الدال بينهما نون ساكنة، ابن هلال بن حريج - بمهملة مفتوحة فراء مكسورة فتحتية ساكنة فجیم ـ ابن مرة بن حزن بن عمر جابر بن خشين - بخاء وشين معجمتين ابن لاي بن عصم بن شمخ بن فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان الفزاري الصحابي (رضي الله عنه) توفي أبوه وهو صغير فقدمت به أمه المدينة فتزوجها أنصاري، وكان في حجره حتى كبر، فقيل: أجازه النبي ◌َّر في المقاتلة يوم أحد وغزا مع النبي ◌َّ﴾ غزوات ثم سكن البصرة، وكان زياد يستخلفه عليها إذا سار إلى الكوفة وعلى الكوفة إذا سار إلى البصرة، وكان الحسن وابن سيرين وفضلاء البصرة يثنون عليه، روي له عن النبي وي مائة حديث، اتفقا منها على حديثين وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بأربعة، توفي بالبصرة سنة تسع، وقيل: ثمان وخمسين، وقال البخاري: توفي سمرة بعد أبي هريرة يقال آخر سنة تسع وخمسين ويقال سنة ستين (قال: لقد كنت على عهد) أي: زمن حياة (رسول الله ﴿ غلاماً) تقدم ما يؤخذ منه أن سنه كانت عند وفاة النبي ◌َّر نيفاً وعشرين سنة، فالمراد من الغلام الصغير في السن (فكنت أحفظ عليه) معطوف على كنت الأول (فما يمنعني من القول) أي: من التحديث (إلا أن ها هنا رجالاً هم أسن مني) أخذ منه علماء الأثر قولهم: يكره أن تحدث إذا كان في البلد من هو أولى به لزيادة علم أو ضبط أو حفظ أو تقدم سن أو نحو ذلك، بل يدل عليه، وهذا بخلاف باقي العلوم فلا يكره تعاطيها للمفضول المتأهل مع وجود الأعلم بها منه (متفق عليه). (١) أخرجه البخاري في كتاب: التفسير/ الأعراف والاعتصام، باب: الاقتداء بسنن النبي ◌َّلة (٢٢٩/٨). (٢) أخرجه مسلم في كتاب: الجنائز، باب: أين يقوم الإِمام من الميت ... (الحديث: ٨٨)، وأخرجه = ٢١٩ ٤٥ - باب: في زيارة أهل الخير ٣٥٩ - وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((مَا أَكْرَمَ شَابٌ شَيْخاً لِيسِنَّهِ إِلَّ قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنَّهِ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ(١). ٤٥ - باب: في زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم وطلب زيارتهم والدعاء منهم وزيارة المواضع الفاضلة ٣٥٩ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ لقل ما أكرم شاب) بتشديد الموحدة (شيخاً) أي: داخلاً في سن الشيخوخة، وهو ما بعد الخمسين (لسنه) أي: لأجل كبره (إلا مَيّض) بتشديد التحتية والضاد المعجمة، أي: قدر (الله له من يكرمه عند سنه) أي : كبره، ففيه إيماء إلى وعد من أكرم شيخا لسنه لله تعالى بأن يطول عمر المكرم حتى يبلغ ذلك السن، ويقدر الله له من يقوم بكرامته فيدان بما دان به (رواه الترمذي وقال: غريب) في الجامع الصغير على الحديث علامة الحسن. باب زيارة أهل الخير أي: قصدهم تشوقاً إليهم، قال في المصباح: زاره يزوره قصده شوقاً إليه فهو زائر وزور وزوار، مثل: سافر وسفر وسفار ونسوة زور أيضاً، وزور مثل نوح وزائرات اهـ. والمراد من أهل الخير حزب الله المنقطعون إليه اللائذون به الحائزون لشرف العلم والعمل به مع الإِخلاص فيه، ومن شبه بقوم فهو منهم، وهم القوم لا يشقى بهم جليسهم، أماتنا الله على محبتهم وحشرنا كذلك في زمرتهم (ومجالستهم) أي: ليحفظ نفسه ذلك الزمن عن المخالفة لمولاه، فإن ذلك أقل ثمرات مجالستهم، ويراعي في ذلك الأدب ويحفظ نفسه من الخواطر بين يدي أهل الله تعالى (وصحبتهم) أي: المصاحبة معهم (ومحبتهم) أي: تعاطي ما يوصل إليها، والمصادر مضافة لمفعولها والفاعل محذوف (وطلب زيارتهم ودعائهم) مصدران مضافان لفاعلهما، واستحباب طلبه لزيارتهم له لتعود بركتهم على منزله ومن به، وطلبه لدعائهم له لأنه أقرب إلى الإِجابة وأرجى إلى الحصول (وزيارة) معطوف على زيارة المضاف إليه الباب، أي: وزيارته (المواضع الفاضلة) وفضلها بكونها مساجداً وبكونها مأثورات عن النبي ◌َّهر، أو عن أحد من الصحابة، أو عن متعبدات الأولياء الصالحين فالمكان بالمكين. = البخاري في كتاب: الفضائل (٣٣٦/١، ١٦٢/٣). (١) أخرجه الترمذي في كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في إجلال الكبير، (الحديث: ٢٠٢٢). ٢٢٠ كتاب: دليل الفالحين قَالَ اللَّهُ تَعَالَى(٢): ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَ أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَينِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً؟﴾. (قال تعالى: وإذ قال موسى لفتاه) أي: واذكر إذ قال موسى لفتاه يوشع بن نون بن أفراثيم بن يوسف عليهم الصلاة والسلام، فإنه كان يخدمه ويتبعه ولذا سمي فتاه، وقيل: لعبده (لا أبرح) لا أزال أسير، فحذف الخبر لدلالة حاله ـــ وهو السفر - عليه، وقوله: (حتى أبلغ مجمع البحرين) من حيث إنها تستدعي ذا غاية عليه، ويجوز أن يكون لا أبرح بمعنى لا أزول عما أنا عليه من السير والطلب ولا أفارقه فلا تستدعي خبراً، ومجمع البحرين ملتقى بحر فارس والروم مما يلي المشرق، وعد لقاء الخضر فيه، وقيل: البحران موسى وخضر، فإن موسى كان بحر علم الظاهر، وخضر كان بحر علم الباطن، وقرىء مجمع بكسر الميم الثانية على الشذوذ من يفعل كالمشرق والمطلع (أو أمضي حقباً) أي: أسير زمناً طويلاً، والمعنى: حتى يقع إما بلوغ المجمع أو مضي الحقب وهو الدهر، وقيل: ثمانون سنة، وقيل: سبعون سنة، وكان الخضر في أيام أفرندون وكان على مقدمة ذي القرنين الأكبر، وبقي إلى أيام موسى (فلما بلغا مجمع بينهما) أي: مجمع البحرين، وبينهما ظرف، وأضيف إليه على الاتساع أو بمعنى الوصل (نسيا حوتهما) أي: نسي موسى أن يطلب حاله ويتعرفه، ويوشع أن يذكر ما رأى من حياته ووقوعه في البحر، وكان ذلك العلامة من الله تعالى لموسى على مكان الخضر، وكان الحوت مشوياً فوثب في ذلك المكان في البحر معجزة لموسى أو الخضر (فاتخذ سبيله في البحر سرباً) فاتخذ الحوت طريقه في البحر مسلكاً، وسرباً مفعول ثان، وفي البحر حال منه أو من السبيل، ويجوز تعلقه باتخذ (فلما جاوزا) مجمع البحرين (قال لفتاه آتنا غداءنا) أي: ما نتغدى به (لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا) قيل: لم ينصب حتى جاوز الموعد فلما جاوزه وسار الليلة والغد إلى الظهر ألقي عليه الجوع والنصب، وقيل: لم يعي موسى في سفر غيره، ويؤيده التقييد باسم الإِشارة (قال: أرأيت إذ أوينا) أي: أرأيت ما دهاني إذ أوينا (إلى الصخرة) يعني التي وعد عندها موسى بلقاء الخضر (فإني نسيت الحوت) أي: فقدته أو نسيت ذكره بما رأيت منه (وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره) أي: وما أنساني ذكره إلا الشيطان، فإن أذكره بدل من مفعول إنساني، وهو اعتذار عن نسيانه لشغل الشيطان له بوسواسه، والحال وإن كانت عجيبة لا ينسى مثلها، لكنه لما جرت بمشاهدة أمثالها عن موسى وألفها قل اهتمامه بها ولعله نسي ذلك لاستغراقه (١) سورة الكهف، الآيات: ٦٠ - ٦٦