النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
٣٩ - باب: في حق الجار والوصية به
بَهَذَا اللفظِ وَرَوى البُخَارِيُّ بَعضَهُ(١).
٣١١ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لي جَارَينٍ فَإِلى
أَيِّهِما أُهْدي؟ قالَ ((إلى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَاباً) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(٢).
٣١٢ - وعنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((خَيْرُ
الْأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيْرُ الجِيْرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ» رواهُ
التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ (٣)
البخاري بعضه) قلت: بل جميعه إلا أن في اللفظ اختلافاً يسيراً، فقال في كتاب الأدب:
من الصحيح، في باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، عن أبي شريح
العدوي قال: ((سمعت أذناي وأبصرت عيناي حين تكلم النبي ◌َّ: من كان يؤمن بالله
واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته، ثم فسر
الجائزة، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)).
٣١١ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله إن لي جارين) أي: وقد
أمرت بإكرام الجار مطلقاً ولا أقدر على الإِهداء إليهما معاً (فإلى أيهما أهدي) ليحصل لي
الدخول في جملة القائمين بإكرام الجار (قال إلى أقربهما منك باباً)؛ لأنه المراد بالجار ذي
القربى على أحد الأقوال، وقد قدم في الذكر على الجار الجنب اهتماماً به واعتناءً بشأنه،
ففيه إيماء إلى تقديمه عند المضايقة، وباباً منصوب على التمييز (رواه البخاري).
٣١٢ - (وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وسلم: خير الأصحاب
عند الله) أي: أكثرهم عنده ثواباً أو أكرمهم عنده منزلة، قال تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله
أتقاكم) (٤) (خيرهم لصاحبه) في القيام بما ينفعه والدفع لما يؤذيه (وخير الجيران) ثواباً أو
منزلة (عند الله خيرهم لجاره رواه الترمذي وقال: حديث حسن) ورواه أحمد والحاكم،
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: الحث على إكرام الجار ... (الحديث: ٧٧).
وأخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره
(٣٧٣/١٠).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الشفعة، باب: أي الجوار أقرب، وفي الهبة باب: بمن يبدأ بالهدية
(٣٧٤/١٠).
(٣) أخرجه الترمذي في كتاب: الأحكام، باب: ما جاء في الرجل يضع ... (الحديث: ١٣٥٣).
(٤) سورة الحجرات، الآية: ١٣

١٤٢
كتاب: دليل الفالحين
٤٠ - باب: في بر الوالدين وصلة الأرحام
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى(١): ﴿وَأَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي
الْقُرْبِى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ
السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾،
وَقَالَ تَعَالَى(٢): ﴿وَاتَّقوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ .
وورد ما يعم ذلك في حديث: ((الخلق عيال الله وأحبهم إليه أنفعهم لعباده)).
باب بر الوالدين وصلة الأرحام
أي: بيان ما ورد فيهما وما يحصل به ذلك (قال تعالى: واعبدوا
الله ولا تشركوا به شيئاً) لا صنماً ولا غيره، أو شيئاً من الشرك جلياً كان أو
خفياً، فهو على الأول مفعول به، وعلى الثاني مفعول مطلق (وبالوالدين إحساناً وبذي
القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن
السبيل وما ملكت أيمانكم) تقدم الكلام على الآية في الباب قبله (وقال تعالى: واتقوا الله)
بامتثال أوامره واجتناب منهياته، أي: اجعلوا ذلك وقاية لكم من عذابه (الذي تساءلون به)
بإدغام إحدى التاءين في السين، وقرىء بالتخفيف على حذف إحداهما، أي: الذي يسأل
بعضكم به بعضاً فيقول أحدكم: أسألك بالله (والأرحام) أي: واتقوا الأرحام، وقرأ حمزة:
والأرحام بالخفض عطفاً على الضمير، لقولهم: أسألك بالله وبالرحم، قاله مجاهد، قال ابن
عطية: وهذه القراءة عند نحاة البصرة لا تجوز؛ لأنه لا يجوز عندهم العطف على الضمير
المخفوض من غير إعادة الخافض إلا في ضرورة، كقوله :
فاذهب فما بك والأيام من عجب
لأن الضمير المخفوض لا ينفصل، فهو كحرف من الكلمة، ولا يعطف على حرف،
واستشكل بعض النحاة هذه القراءة اهـ. قال السفاقسي: الصحيح جواز العطف على
الضمير من غير إعادة الجار كمذهب الكوفيين، ولا ترد القراءة المتواترة لمذهب البصريين
اهـ. قال الثعالبي: وهو حسن، والرازي نحوه، قلت: القراءة ثابتة ومقبولة على المذهبين؛
لكنها على قول البصريين محمولة على أن الواو للقسم والأرحام مقسم به، ولله تعالى أن
(١) سورة النساء، الآية: ٣٦.
(٢) سورة النساء، الآية: ١.

١٤٣
٤٠ - باب: في بر الوالدين وصلة الأرحام
وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿وَالَّذِينَ يَصِلونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ الآيةَ.
وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً﴾.
وَقَالَ تَعَالَى (٣): ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّ تَعْبُدُوا إِلَّ إِيَّهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً
يقسم بما شاء، والله أعلم. (وقال تعالى: والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل) قال ابن
عباس: يريد الإِيمان بجميع الكتب والرسل، يعني يصلون بينهم بالإِيمان بهم ولا يفرقون
بين أحد منهم، والأكثرون على أن المراد به صلة الرحم. (الآية) بالنصب على تقدير: أتم
الآية، أو بالرفع على تقدير: الآية معلومة وتمامها ﴿ويخشون ربهم﴾ (٤) أي: أنهم مع
وفائهم بعهد الله وميثاقه والقيام بما أمر الله به من صلة الرحم يخشون ربهم، والخشية:
خوف يشوبه تعظيم، وإنما يكون ذلك على علم ما يخشى به منه، ﴿ويخافون سوء
الحساب﴾ (٥) قال إبراهيم النخعي: هو أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر له منه شيء.
(وقال تعالى: ووصينا الإِنسان بوالديه حسناً) أي: براً بهما وعطفاً عليهما، والمعنى:
ووصينا الإنسان أن يحسن بوالديه إحساناً، وهذه الآية هي التي في العنكبوت، ونزلت في
سعد بن أبي وقاص وأمه حمنة بنت أبي سفيان لما أسلم وكان باراً بأمه، فقالت أمه: ما هذا
الدين، والله لا آكل ولا أشرب حتى ترجع إلى ما كنت عليه أو أموت، فمكثت كذلك أياماً
فجاءها سعد فقال: يا أماه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني، فكلي
إن شئت أو اتركي، فلما أيست منه أكلت وشربت فأنزل الله هذه الآية وأمر بالبر بوالديه
والإِحسان إليهما وأن يطيعهما في الشرك(٦). (وقال تعالى: وقضى ربك) أي: أمر، قاله ابن
عباس، وقيل: معناه أوجب، وحكي عن الضحاك أنه قرأ: ﴿ووصى ربك﴾ وقال: إنهم
ألصقوا الواو بالصاد فصارت قافاً وهي قراءة علي وابن مسعود، قال الإِمام فخر الدين
الرازي: هذا القول بعيد جداً؛ لأنه يفتح بابي التغيير والتحريف في القرآن، ولو جوزنا ذلك
لارتفع الأمان عن القرآن، وذلك يخرجه عن كونه حجة، ولا شك أنه طعن عظيم في الدين
(ألا تعبدوا إلا إياه) فيه وجوب عبادته والمنع من عبادة غيره، إذ هي نهاية التعظيم ولا تليقٍ
إلا بالمنعم المتفضل وليس ذلك لسواه (و) أن تحسنوا أو تفعلوا (بالوالدين إحساناً) أي: براً
(١) سورة الرعد، الآية: ٢١.
(٢) سورة العنكبوت، الآية: ٨.
(٣) سورة الإسراء، الآيتان: ٢٣، ٢٤. (٤) سورة الرعد، الآية: ٢١. (٥) سورة الرعد، الآية: ٢١.
(٦) ومعنى هذا الكلام: أن على الولد أن يطيع أبواه وإن كانا مشركين، على أن تكون الطاعة معاشرة
بالمعروف لقوله تعالى: ﴿وعاشرهما في الدنيا معروفا﴾، أما إذا أمراه بالمعصية فلا طاعة لمخلوق في
معصية الخالق وكذلك إذا أجبره على الشرك فلا يطيعهما بالمعروف لقوله تعالى : ﴿وإن جاهداك على أن تشرك
بي ماليس لك به علم فلا تطعهما﴾

٩
١٤٤
كتاب: دليل الفالحين
إمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُما فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا
كَرِيماً ﴾ واخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّانِي صَغِيراً﴾ .
بهما وعطفاً عليهما وإحساناً إليهما (إما) هما إن الشرطية وما الزائدة للتأكيد، ولذا أكد الفعل
في قوله: (يبلغن عندك الكبر) مفعول مقدم (أحدهما) فاعل (أو كلاهما) معناه أن يبلغ الكبر
أحدهما أو كلاهما عندك فيصير فى الضعف والعجز كما كنت أنت عندهما كذلك أولاً (فلا
تقل لهما أف) وهي كلمة تضجر وكراهة، وقيل: أصل هذه الكلمة أنه إذا سقط عليك شيء
من تراب أو رماد نفخته لتزيله بقول ((أف)) ثم توسعوا بذكر هذه الكلمة عند كل مكروه يصل
الإِنسان، وفي الآية تحريم إيذائهما بالقياس الأولوي، وفي أف أربعون لغة، ذكرها في
الارتشاف وحاصلها: أن الهمزة إما أن تكون مضمومة أو مكسورة أو مفتوحة، فإن كانت
مضمومة فاثنتان وعشرون لغة، وحاصل ضبطها أنها إما مجردة عن اللواحق أو ملحقة
بزوائد، والمجردة إما أن يكون آخرها ساكناً أو متحركاً، والمتحركة الآخر إما مشددة أو
مخففة، وكل منهما مثلث الآخر مع التنوين وعدمه، فهذه اثنا عشر لغة في المتحركة،
والساكنة إما مشددة أو مخففة، فهذه أربع عشرة، واللاحق لها من الزوائد إما هاء السكت أو
حرف المد، فإن كان هاء السكت فالفاء مثلثة مشددة، فهذه سبع عشر لغة، وإن كان حرف
مد فهو إما واو أو ألف أو ياء، والفاء فيهن مشددة والألف إما مفخمة أو بالإِمالة المحضة أو
بين بين، فهذه خمس أخرى مع السبع عشرة، وإن كانت مكسورة فإحدى عشرة مثلثة، الفاء
مخففة مع التنوين وعدمه، فهذه ست، وفتح الفاء وكسرها بالتشديد فيهما مع التنوين وعدمه
فهذه أربع لغات، والحادية عشر أفي بالإِمالة ، وإن كانت مفتوحة فالفاء مشددة مع الفتح
والكسر والتنوين وعدمه، والخامسة أف بالسكون، والسادسة أفي بالإِمالة والسابعة أفاه بهاء
السكت، فهذه السبعة مكملة للأربعين، نقله الأزهري في شرح التوضيح، قال الحافظ في
فتح الباري: وإن استعمل القياس فيها بلغت السبعين لغة (ولا تنهرهما) أي: تزجرهما عما
يتعاطيانه مما لا يعجبك، يقال: نهره وانتهره بمعنى، ووجه الجمع بينه وبين ما قبله مع أنه
يدل على هذا، أن ذاك للمنع من إظهار الضجر بالقليل والكثير، وهذا للمنع من إظهار
المخالفة في القول على سبيل الرد (وقل لهما قولا كريماً) أي: حسناً جميلاً ليناً كما يقتضيه
حسن الأدب معهما، وقيل: هو قول، يا أباه يا أماه ولا يسميهما باسمهما ولا بكناهما،
وقيل: هو أن يقول لهما كقول العبد الذليل للسيد الفظ الغليظ (واخفض لهما جناح الذل)
أي: ألن لهما جناحك واخفضه لهما حتى لا تمتنع من شيء أحباه (من الرحمة) أي:

١٤٥
٤٠ - باب: في بر الوالدين وصلة الأرحام
وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنَاً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ في
عَامَيْنٍ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ .
٣١٣ - وَعَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَأَلْتُ
النَّبِيَّ ◌َ﴿ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: ((الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِها))
الشفقة عليهما لكبرهما وافتقارهما إليك الآن كما كنت مفتقراً إليهما قبل (وقل رب ارحمهما
كما ربياني صغيراً) أي: وادع الله أن يرحمهما رحمته الباقية، وأراد إذا كانا مسلمين، أما
الكافران فالدعاء منسوخ في حقهما، قال تعالى: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا
للمشركين﴾(٢) الآية، وقيل: يدعو لهما بالهداية للإِسلام، فإذا هديا إليه رحما. (وقال
تعالى: ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن) أي: شدة على شدة، وقيل: إن
المرأة إذا حملت توالى عليها الضعف والمشقة؛ وذلك أن الحمل ضعف والطلق ضعف
والوضع ضعف (وفصاله) أي: فطامه (في عامين) أي: سنتين (أن اشكرلي ولوالديك)(٣)
قال ابن عيينة: في هذه الآية: من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله، ومن دعا للوالدين
في أدبار الصلوات فقد شكر لهما.
٣١٣ - (وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود) بن غافل الهذلي (رضي الله عنه قال:
سألت النبي ◌َّ أي العمل أحب إلى الله) أي: أكثر تقرباً إليه لكونه أفضل، وفي رواية
مالك بن مغول: أي العمل أفضل، وكذا لأكثر الرواة، فإن كان هذا اللفظ هو المسؤول به
فلفظ حديث الباب ملزوم عنه، وتقدم الجواب عن نحو هذا الحديث مما اختلفت فيه
الأجوبة بأنه أفضل الأعمال، بأن ذلك باختلاف أحوال السائلين بأن أعلم كلاً ما هو إليه
أحوج، أو هو به أليق، أو باختلاف الأوقات، أو أنه على تقدير من التبعيضية (قال: الصلاة
على وقتها) وفي رواية لهما: لوقتها، قال القرطبي وغيره: قوله لوقتها اللام للاستقبال مثل:
﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ (٤) أي: مستقبلات عدتهن، وقيل: للابتداء كقوله: ﴿أقم الصلاة
لدلوك الشمس﴾(٥) وقيل: بمعنى في، أي: في وقتها، وقوله: على وقتها قيل: على بمعنى
(١) سورة لقمان، الآية: ١٤.
(٢) سورة التوبة، الآية: ١١٣.
(٣) ان اشكر، نصب بوصينا، تقديره ووصينا الإنسان بوالديه أن اشكر لي ولوالديك، تلخيصه ووصيناه
بشكرنا وشكر والديه اهـ. كواشي. ش.
(٤) سورة الطلاق، الآية: ١.
(٥) سورة الإسراء، الآية: ٧٨.

١٤٦
كتاب: دليل الفالحين
قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ((بِرُّ الوَالِدَيْنِ))، قُلْتُ ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ((الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ(١).
٣١٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهُ مَّهِ: ((لَا يَجْزي
وَلَدٌ وَالِداً إِلَّ أَنْ يَجِدَهُ مَمْلوكاً فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ»
اللام، ففيه ما تقدم، وقيل: الإِرادة والاستعلاء على الوقت، وفائدته تحقق دخول الوقت
ليقع الأداء فيه اهـ. وفي الحديث دليل على أن الصدقة أفضل عبادات البدن بعد
الشهادتين، ويشهد له الخبر الصحيح: ((الصلاة خير موضوع)) أي: خير عمل وضعه الله
لعباده ليتقربوا به إليه (قلت ثم) هي التراخي الرتبة، أي: ثم بعد الصلاة (أي) قال الحافظ:
قيل الصواب أنه غير منون؛ لأنه موقوف عليه في الكلام، والسائل منتظر الجواب، والتنوين
لا يوقف عليه، فتنوينه ووصله بما بعده خطأ، فيوقف عليه وقفة لطيفة ثم يؤتى بما بعده، قال
الفاكهاني: وحكى ابن الجوزي وابن الخشاب الجزم بتنوينه، لأنه معرب غير مضاف،
وتعقب بأنه مضاف تقديراً، والمضاف إليه محذوف لفظاً، والتقدير: ثم أي العمل أحب،
فيوقف عليه بلا تنوينه اهـ. (قال: بر الوالدين) قال ابن حجر: والظاهر أن المراد به إسداء
الخير إليهما مما يلزمه، ويندب له مع إرضائهما بفعل ما يريدانه ما لم يكن إثماً، وليس ضده
العقوق، بل قد يكون بينهما واسطة كما يفيده حد العقوق، بأن يفعل بهما ما يؤذيهما به إيذاءً
ليس بالهين (قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله) لإعلاء كلمة الله (متفق عليه).
٣١٤ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلقول: لا يجزي) قال المصنف:
بفتح أوله ولا همز في آخره، أي: لا يكافي (ولد والداً) وإن علا، ذكراً كان أو أنثى، أي:
لا يقوم بمكافأته فيما له عليه بالإِحسان وقضاء الحاجات (إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه
فيعتقه) وأخذ أهل الظاهر من مفهوم هذا الخبر توقف عتق القريب إذا ملك على إنشاء
المالك للعتق ولو أصلاً أو فرعاً، وقال جماهير العلماء: يحصل العتق في الأصل والفرع
مطلقاً بمجرد الملك، سواء المسلم والكافر والقريب والبعيد والوارث وغيره، واختلف فيما
وراء عمود النسب، فقال الشافعي وأصحابه: لا يعتق غيرهما بالملك، وقال مالك: تعتق
الاخوة، وقال أبو حنيفة: يعتق ذوو الأرحام المحرمة، وتأول الجمهور الحديث المذكور
(١) أخرجه البخاري في كتاب: المواقيت، باب: فضل الصلاة لوقتها والتوحيد (٣٣٦/١٠).
وأخرجه البخاري في كتاب: الإِيمان، باب: بيان كون الإِيمان بالله ... (الحديث: ١٣٧، ١٣٨، ١٣٩).

١٤٧
٤٠ - باب: في بر الوالدين وصلة الأرحام
رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
٣١٥ - وَعَنْهُ أَيْضاً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهُ وَهِ، قَالَ: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ، وَمَنْ
كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَ ولِيَصْمُتْ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(٢).
٣١٦ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ
على أنه لما تسبب في شرائه المتسبب عليه بالعتق أسند إليه (رواه مسلم) والبخاري في
الأدب المفرد، وأبو داود والترمذي، وقال صحيح، وابن ماجه.
٣١٥ - (وعنه أيضاً رضي الله عنه أن رسول الله وَالر قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر)
أي: إيماناً كاملاً (فليكرم ضيفه) وتقدم ما في الحديث في الباب قبله (ومن كان يؤمن بالله
واليوم الآخر فليصل رحمه) وتقدم الحديث في الباب قبله، قال القاضي عياض: لا خلاف
أن صلة الرحم واجبة في الجملة وقطيعتها معصية كبيرة، قال: والأحاديث في الباب تشهد
بهذا، ولكن الصلة درجات بعضها أرفع من بعض، وأدناها ترك المهاجرة وصلتها بالكلام
وبالسلام، ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة، فمنها واجب ومنها مستحب، ولو وصل
بعض الصلة ولم يصل غايتها لا يسمى قاطعاً، ولو قصر عما يقدر عليه وينبغي له لم يسم
واصلاً، وسيأتي بيان الكلام في حد الرحم المأمور بصلتها (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر
فليقل خيراً أو ليصمت) بضم الميم، واصمت بمعناه، مضارعه يصمت، بضم الميم، قاله
المصنف، واعترض بأن المسموع والقياس كسرها؛ إذ قياس فعل مفتوح العين يفعل
بكسرها ويفعل بضمها دخيل فيه، كما نص عليه ابن جني، وإنما يتجه ذلك أن سبرت كتب
اللغة فلم تر ما قاله، وإلا فهو حجة في النقل وهو لم يقل هذا قياساً حتى يعترض بما ذكر،
وإنما قاله نقلاً كما هو الظاهر من كلامه فوجب قبوله، أي: ليسكت عما لم يظهر له فيه الخير
كما تقدم بسطه في الباب قبله (متفق عليه).
٣١٦ - (وعنه قال: قال رسول الله وَ له: إن الله تعالى خلق الخلق) أي: أوجدهم
(١) أخرجه مسلم في كتاب: العتق، باب: فضل عتق الوالد (الحديث: ٢٥).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر (٣٧٣/١٠)
وأخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: بيان كون الإِيمان ... (الحديث: ١٣٨).

١٤٨
كتاب: دليل الفالحين
الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتِ الرَّحِمُ فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ،
قَالَ: نَعَمْ أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مِنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى،
قَالَ: فَذَلِكَ لَكِ)) ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ: ((اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ(١): ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَيْتُمْ
أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأُرْضِ وَتُقَطَّعوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى
واخترعهم من كتم العدم بباهر قدرته (حتى إذا فرغ منهم) أي: كمل خلقهم، لا أنه تعالى
كان مشتغلا بهم ثم فرغ من شغلهم، تعالى عن ذلك علواً كبيراً، فليست أفعاله تعالى
بمباشرة ولا مناولة ولا بآلة ولا محاولة، تعالى عما يتوهمه المتوهمون ﴿إنما أمره إذا أراد شيئاً
أن يقول له كن فيكون﴾(١) (قامت الرحم فقالت: هذا(٢) مقام العائذ بك من القطيعة) قال
القاضي عياض: الرحم التي توصل وتقطع وتبر إنما هي معنى المعاني ليست بجسم، إنما
هي قرابة ونسب يجمعه رحم والدة ويتصل بعضه ببعض، وسمي بذلك الاتصال رحماً
والمعاني لا يتأتى منها القيام ولا الكلام، فيكون ذكر قيامها هنا وتعلقها ضرب مثل وحسن
استعارة على عادة العرب استعمال ذلك، والمراد تعظيم شأنها وفضيلة واصلها وعظيم إثم
قاطعها بعقوقهم، ولذا سمي العقوق قطعاً والعق الشق، كأنه قطع ذلك السبب المتصل،
قال: ويجوز أن يكون المراد قيام ملك من الملائكة تعلق بالعرش وتكلم على لسانها بذلك
بأمر الله تعالى اهـ. قال القرطبي: فالحديث محمول إما على أن ملكاً تكلم بذلك، أو على
أنه لو كانت الرحم ممن يعقل ويتكلم لقالت هذا الكلام، فيكون على وجه الفرض،
والتقدير قال المصنف: والعائذ المستعيذ وهو المعتصم بالشيء الملتجىء إليه المستجير به
(قال: نعم أما ترضين أن أصل من وصلك(٣) وأقطع من قطعك) قال العلماء: حقيقة الصلة
العطف والرحمة، وصلة الله سبحانه عباده لطفه بهم ورحمته إياهم وعطفه بإحسانه ونعمه،
أو صلتهم بأهل ملكوته الأعلى وشرح صدورهم لمعرفته وطاعته، أو إرادته ذلك (قالت) أي:
الرحم لو كانت متكلمة، أو الملائكة المتكلمة بذلك (بلى) أي: رضيت به (قال: فذلك)
بكسر الكاف فيه، وفي (لك) لأن المخاطب مؤنث (ثم قال رسول الله ميلة: اقرءوا إن شئتم)
(١) سورة يَس، الآية: ٨٢.
(٢) الإِشارة إلى القيام أي قيامي هذا قيام العائذ بك علقمي. ش.
(٣) (أصل من وصلك إلخ) قال العلقمي قال شيخ شيوخنا قال ابن أبي جمرة الوصل من الله كناية عن عظيم
إحسانه وإنما خاطب الناس بما يفهمونه ولما كان أعظم ما يعطيه المحبوب لمحبه الوصال هو القرب
وإسعافه بما يريد ومساعدته على ما يرضيه وكانت حقيقة ذلك مستحيلة في حق الله تعالى عرف أن ذلك
كناية عن عظيم إحسانه لعبده قال وكذا القول في القطع فهو كناية عن حرمان الإِنسان اهـ. ش.

١٤٩
٤٠ - باب: في بر الوالدين وصلة الأرحام
أَبْصَارَهُمْ﴾ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ((مَنْ وَصَلَكِ
أي: ما يدل لذلك، وجملة الشرط معترضة وجوابها محذوف لدلالة ما قبلها عليه، ومفعول
اقرءوا قوله: (فهل عسيتم) أي: فهل يتوقع منكم، ويجوز فتح السين وكسرها، وبهما قرىء
(إن توليتم) أمور الناس وتأمرتم عليهم، أو أعرضتم وتوليتم عن الإِسلام (أن تفسدوا في
الأرض) بأنواع العتو (وتقطعوا أرحامكم) تشاجراً على الولاية وتجاذباً لها، أو رجوعاً إلى ما
كنتم عليه في الجاهلية من التغادر والمقاتلة مع الأقارب، والمعنى أنهم لضعفهم في الدين
وحرصهم على الدنيا أحق بأن يتوقع ذلك منهم من عرف حالهم، ويقول لهم: هل عسيتم،
وهذا على لغة الحجاز؛ فإن بني تميم لا يلحقون الضمير به، وخبره أن تفسدوا، وإن
توليتم، إعتراض (أولئك) إشارة إلى المذكورين (الذين لعنهم الله) لإِفسادهم وقطعهم
أرحامهم (فأصمهم) عن سماع الحق (وأعمى أبصارهم) فلا يهتدون إلى سبيله، وعلى
القول الثاني، أي: قوله: أعرضتم وتوليتم عن الإِسلام، تكون الرحم المذكورة دين الإِسلام
والإِيمان التي قد سماها الله تعالى إخوة بقوله: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾(١) وقال الفراء: نزلت
هذه الآية في بني هاشم وبني أمية، قال القرطبي: وعليه فالرحم بمعنى القرابة، قال
المصنف: قال القاضي عياض: وقد اختلف في حد الرحم التي تجب صلتها ويحرم
قطعها، فقيل: هو كل رحم محرم بحيث لو كان أحدهما ذكراً والآخر أثنى حرمت
مناكحتهما، فعليه لا تدخل أولاد العم والخال. واحتج هذا القائل بتحريم الجمع بين المرأة
وعمتها أو خالتها في النكاح ونحوه، وجواز ذلك في بنات الأعمام والأخوال، وقيل: هو عام
في كل ذي رحم من ذوي الأرحام في الميراث، يستوي فيه المحرم وغيره، ويدل عليه قوله
عليه السلام: ((ثم أدناك أدناك)) اهـ. قال المصنف: والقول الثاني هو الصواب، ومما يدل
عليه قوله في الحديث في أهل مصر: ((فإن لهم ذمة ورحماً)) وحديث: ((إن أبر البر أن يصل
الرجل أهل ود أبيه)) مع أنه لا محرمية، والله أعلم. قال القرطبي: ويخرج من هذا القول أن
رحم الأم التي لا يتوارث بها لا تجب صلتهم ولا يحرم قطعهم، والصواب ما ذكرناه من أنها
قرابات الرجل من جهة طرفي آبائه وإن علوا، وأبنائه وإن نزلوا، وما يتصل بالطرفين من
الإخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات، وما يتصل بهم من أولادهم برحم
جامعة اهـ. (متفق عليه) رواه البخاري في كتاب الأدب، ومسلم في كتاب البر والصلة
(وفي رواية للبخاري) هي في كتاب الأدب أيضاً، عن أبي هريرة (فقال الله تعالى: من
(١) سورة الحجرات، الآية: ١٠.

١٥٠
كتاب: دليل الفالحين
وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ)) (١).
٣١٧ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِوَّهِ، فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنٍ صَحَابَتِي؟ قَالَ: ((أُمُّكَ))، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ:
(أُمُّكَ)) قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: (أُمُّكَ) قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: (أَبُوكَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفي
رِوَايَةٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ قَالَ: ((أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ ثُمَّ أُمُّكَ ثُمَّ أَبَاكَ،
ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ)). و «الصَّحابَةُ)) بِمَعْنَى: الصُّحْبَةِ. وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ أَبَاكَ)) هَكَذَا
هُوَ مَنْصوبٌ بِفِعلٍ مَحْذوفٍ: أَيْ ثُمَّ بِرَّ أَبَاَ. وَفِي رِوَايَةٍ (ثُمَّ أَبُولَ)) وَهَذَا واضِحٌ(٢).
وصلك وصلته ومن قطعك قطعته) فالفرق بين اللفظين، أن الأول إخبار عما يبدو في عالم
الشهادة للواصل والقاطع، والثاني إخبار عما في الأزل، أي: قضيت أزلاً بوصل الواصل
وقطع القاطع.
٣١٧ - (وعنه رضي الله عنه قال: جاء رجل) قيل: هو معاوية بن حيدة، وقد جاء في سنن
أبي داود والترمذي عنه أنه قال: ((يا رسول الله من أبر قال: أمك ... )) الحديث وفي آخره:
((ثم الأقرب فالأقرب)) (إلى رسول الله وَ ل فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن
صحابتي) بفتح الصاد المهملة، مصدر صحب (قال: أمك) وذلك لضعفها وحاجتها (قال
ثم: من) أي: الأحق بعدها (قال) تأكيداً للقيام بحق الأم (أمك قال: ثم من) الأحق بعدها
(قال:) مبالغاً في تأكيد حق الأم (أمك قال: ثم من) الأحق بعدها (قال: أبوك متفق عليه
وفي رواية) لمسلم (يا رسول الله من أحق بحسن الصحبة قال: أمك ثم أمك ثم أباك ثم
أدناك) ثم (أدناك والصحابة) المذكورة في الرواية أولاً (بمعنى الصحبة) المذكورة في الرواية
الثانية، وهي بضم الصاد (وقوله: ثم أباك هكذا هو) في الرواية الثانية (منصوب بفعل
محذوف) جوازاً (أي: ثم بر أباك) وفيه عطف الجملة الطلبية على الجملة الخبرية، ويجوز
تخريجه على أنه مرفوع بضمة على الألف على لغة القصر (وفي رواية: ثم أبوك وهو
واضح) أي: أنه معطوف على الخبر للمبتدأ المحذوف.
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: من وصل وصلة الله (٣٤٩/١٠) و (٣٩٢/١٣).
وأخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: صلة الرحم وتحريم قطيعتها (الحديث: ١٦).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: من أحق الناس بحسن الصحبة (٣٣٦/١٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: بر الوالدين وأنهما أحق به (الحديث: ١).
30

٤٠ - باب: في بر الوالدين وصلة الأرحام
١٥١
٣١٨ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ، قَالَ: ((رَغِمَ أَنْفُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ ثُمَّ
رَغِمَ أَنْفُ مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبْرِ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُما فَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ))
رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
٣١٨ - (وعنه عن النبي ◌َّ قال: رغم أنف) قال في المصباحِ: من باب قتل ومن باب
تعب لغة، وهو كناية عن الذل كأنه لصق بالرغام وهو التراب هواناً اهـ. وفي ذيل مثلث ابن
مالك لتلميذه أبي الفتح اليعلي من المثلث: الرغم مصدر رغم أنف فلان (ثم) للتراخي في
الدعاء (رغم أنف ثم رغم أنف من) أي: شخص مكلف (أدرك أبويه) أي: حياتهما (عند
الكبر) بكسر ففتح، قال في المصباح: كبر الصغير وغيره يكبر من باب علم كبراً بوزن عنب
اهـ. قال العاقولي: وفي رواية عنده الكبر، بزيادة هاء، قال: ومعناه على حذفها: أن يدرك
هو والديه عند كبرهما وإن كانا غنيين عنه بما لهما، وعن خدمته لهما بما لهما من خادم،
ومعناه على تلك الرواية أن يدركهما الكبر وهما عنده وفي مؤنته محتاجين إليه ا هـ. والتقييد
به؛ لأن الابتلاء بهما حينئذ أتم؛ لمزيد حاجتهما لضعفهما فكان القيام بحقهما حينئذ آكد
كما قاما بحق الابن حين مزيد حاجته وافتقاره، وإلا فوجدانهما ولو حال الشباب لهما
مطلوب من الابن العناية بهما ومزيد برهما، لكن التقييد بالكبر لمزيد التأكيد لكمال
الحاجة، وقوله: (أحدهما أو كلاهما) بالرفع فيما وقفت عليه من النسخ، وهو محتمل لكونه
مبتدأ محذوف الخبر، أي: أحدهما أو كلاهما، سواء في ما ذكر أو فاعلاً لمحذوف، أي:
ليستوي أحدهما أو كلاهما في ذلك، وأعربه العاقولي فاعلاً للظرف؛ لكونه حالاً، ثم حبذ
كونه خبر مبتدأ محذوف و ((كلاهما)» معطوف عليه عليهما، قال: وهذه الجملة بيان لقوله من
أدرك والديه، وقال القرطبي: الرواية الصحيحة بالنصب فيهما بدل من والديه منصوب
بأدرك، قال: وقد وقع في بعض النسخ رفعهما وهو على الابتداء، ويتكلف بإضمار خبر،
والأول أولى، وفيه التعقيب به دفع لتوهم قصر المذمة على من قصر في البر عند اجتماعهما
دونه مع أحدهما (فلم يدخل الجنة) عطف على أدرك، والعطف بالفاء فيه إشعار بحصول
الجنة بالفضل الإِلَهي للبار بأبويه أو أحدهما عقب مفارقة الحياة، وذلك بعرض مقامه عليه
وتبشيره بما يؤول إليه (رواه مسلم) في أواخر الكتاب، والحديث عند أحمد أيضاً، ففي
الجامع الصغير للسيوطي عزوه إليهما، ولفظه: ((رغم أنفه ثم رغم أنفه ثم رغم أنفه من أدرك
أبويه عند الكبر أحدهما أو كلاهما ثم لم يدخل الجنة)) وعزوه اللفظ المذكور فيه لمسلم،
(١) أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: رغم أنف من أدرك أبويه ... (الحديث: ٩).

١٥٢
كتاب: دليل الفالحين
٣١٩ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي قَرابَةٌ
أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمُ وَيَجْهَلونَ عَلَيَّ .
فَقَالَ: ((لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ
مَادُمْتَ عَلَى ذَلِكَ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. و((تُسِفُّهُمْ)) بِضَم التَّاءِ وَكَسْرِ السين المُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ
مراده باعتبار المعنى لا بخصوص المبنى؛ لأن الضمائر محذوفة من رواية مسلم، وعلى تلك
الرواية فمن فاعل لفعل محذوف أو خبر مبتدأ محذوف، والجملة استئناف بيان لسؤال
تقديره: من هو؟ والإِتيان بثم فيها إيماء إلى صعوبة المقام وإبطائه، فكأنه لذلك كالبعيد
الحصول فعبر فيه بذلك، قال العاقولي: معنى ثم فيه استبعاد لغفلته عن نيل مثل هذه السعادة
العظيمة .
٣١٩ - (وعنه أن رجلاً) لم أقف على من سماه (قال: يا رسول الله إن لي قرابة) أي: ذوي
قرابة، أي: رحم ونسب، ويقال: فيها قربى كما في المصباح (أصلهم ويقطعوني وأحسن
إليهم) أي: أسدي إليهم الإِحسان (ويسيئون إليّ وأحلم) بضم اللام (عنهم ويجهلون علي)
يجوز أن تكون الجمل المضارعية معطوفة على اقرانها وهو الأقرب، ويحتمل أن تكون في
محل الحال على تقدير مبتدأ محذوف، أي: وهم يقطعوني؛ لأن الواو الحالية لا يجوز
دخولها على الجملة المضارعية المثبتة الخالية من قد إلا ضرورة نحو قوله:
علقتها عرضاً وأقتل قومها
وبإضمار المبتدأ تخرج عن ذلك، وقد جعل منه صاحب التسهيل قوله تعالى: ﴿الذين
كفروا ويصدون عن سبيل الله﴾(١) أي: وهم يصدون، وحكى الأصمعي: قمت واصك
عينه، أي: وأنا أصكها (فقال) يعني النبي بَّر: (لئن كنت كما قلت) من إسداء الجميل،
أي: وهم على ما ذكرت من مقابلته بضده (فكأنما تسفهم المل ولا يزال معك) متعلق
بظهير، وكذا قوله: (من الله) ويصح كونه في محل الحال؛ لكونه في الأصل وصفاً لظهير
قدم عليه وقوله: (ظهير) أي: معنى، وهو كما في المصباح يطلق على الواحد والجمع،
وفي التنزيل: ﴿والملائكة بعد ذلك ظهير﴾(٢) والمظاهرة المعاونة اهـ. اسم يزال وقوله:
(عليهم) خبر، ويجوز أن يكون صفة، وقوله: معك أو من الله الخبر، وقوله: (ما دمت على
(١) سورة الحج، الآية: ٢٥.
(٢) سورة التحريم، الآية: ٤.

١٥٣
٤٠ - باب في بر الوالدين وصلة الأرحام
الفاءِ. و((الْمَلُّ)) بِفَتْحِ المِيمِ، وَتَشْدِيدِ اللَّمِ وَهُوَ: الرَّمَادُ الْحَارُّ أَيْ كَأَنَّمَا تُطْعِمُهُمُ
الرَّمَادَ الْحَارَّ، وَهُوَ تَشْبِيهُ لِمَا يَلْحَقُهُمْ مِنَ الإِثْمِ بِمَا يَلْحَقُ آكِلَ الرَّمَادِ الْحَارِّ مِنْ
الأَلَمِ، وَلَ شَيْءَ عَلَى هَذَا الْمُحْسِنِ إِلَيْهِمْ، لَكِنْ يَنَالُهُمْ إِثْمٌ عَظِيمٌ بِتَقْصِيرِهِمْ فِي
حَقِّهِ وإِذْخَالِهِمُ الأَذَى عَلَيْهِ، واللَّهُ أَعْلَم (١).
ذلك) أي: مدة دوامك على ما ذكر، أو أنه لما كان الإِحسان والحلم معطوفين على الصلة
الشاملة لهما من عطف الخاص على العام، أفرد اسم الإِشارة . وفي الحديث أن ما ذكر من
الخصال سبب لإعانة صاحبها وتأييده وتوفيقه وتسديده، فإن المعنى فيه هو التأييد الإِلّهي
واللطف الرباني (رواه مسلم وتسفهم بضم التاء الفوقية وكسر السين المهملة وتشديد الفاء)
وفي المصباح: سف الدواء أكله غير ملتوت، فأشار إلى أنه تناول الجامدات غير ملتوتات
(والمل بفتح الميم وتشديد اللام وهو الرماد الحار) أي: باعتبار المراد في الحديث، وهذا
معناه مطلقاً في أحد الأقوال، ففي المصباح: الملة قيل الحفرة التي تحفر للخبز، وقيل:
التراب الحار والرماد، أي: الحار كما يؤذن به كلام المصنف هنا، ويحتمل إبقاؤه على
إطلاقه، ويجوز إرادة ذلك، فإن تناول الرماد من المضر وإن لم يكن حاراً (وهو تشبيه لما
يلحقهم من الإِثم) أي: الذنب نفسه، أو من جزائه، والثاني أنسب بقوله: (وهو العذاب بما
يلحق آكل الرماد الحار من الألم) بجامع التألم والتوجع، وهو على الأول من تشبيه معقول
بمحسوس، وعلى الثاني من تشبيه محسوس بمحسوس (ولا شيء) بالفتح، أي: من
التبعات (على هذا المحسن إليهم) في مقابلته لسبىء أعمالهم بإحسانه، وذكره من المصنف
إطناب، إذ لم يقع منه بذلك ما يقتضي اللوم، بل زاد في الإِحسان والاستدراك في قوله:
(ولكن ينالهم إثم عظيم) دلّ على عظم تمثيله (٢) بما ذكر (بتقصيرهم في حقه وإدخالهم
الأذى) بالقصر، أي: المكروه (عليه) لدفع ما قد يتوهم من نفي الملامة عنهم بقرينة نفيها
عنه، وإن كان الفرق كفلق الصبح (والله أعلم) وقال المصنف في شرح مسلم: وقيل معناه
أنك بالإِحسان إليهم تحزنهم وتحقرهم في أنفسهم لكثرة إحسانك وقبيح فعلهم، فهم من
الخزي والحقارة عند أنفسهم كمن يسف المل، وقيل: ذلك الذي يأكلونه من إحسانك
كالمل يحرق أحشاءهم اهـ. وقال العاقولي: أراد كأنما يجعل الرماد لهم في سفوف
يسفونه، يعني إذا لم يشكروا فإن عطاءك إياهم حرام عليهم ونار في بطونهم اهـ.
(١) أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: صلة الرحم وتحريم قطيعتها (الحديث: ٢٢).
(٢) قوله تمثيله بما ذكر أي تشبيهه بآكل الرماد الحار كما تقدم. ش.

١٥٤
كتاب: دليل الفالحين
٣٢٠ - وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ لَهَ، قَالَ: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ
لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَمَعْنَى ((يُنْسَأَ لَهُ فِي
٣٢٠ - (وعن أنس) بن مالك (رضي الله عنه أن رسول الله قال: من أحب) وفي رواية: من
يسره (أن يبسط) بالبناء للمفعول، أي: يوسع، في المصباح: بسط الله الرزق كثره ووسعه،
وقال المصنف: بسطه توسيعه وكثرته، وقيل: بالبركة فيه، ونائب الفاعل أحد الطرفين في
قوله: (له في رزقه) أي: مرزوقه مصدر بمعنى المفعول، وهو ما به النفع للحيوان، والثاني
أنسب، والظرف الآخر في محل الحال، وهذا الإِعراب بعينه جار في قرينه من الجملة
الثانية، أعني قوله: (وينسأ) بهمزة آخره، أي: يؤخر (له في أثره) بفتح الهمزة والمثلثة،
أي: أجله وسمي الأجل أثراً لأنه يتبع العمر، قال زهير:
لا ينتهي العمر حتى ينتهي الأثر
والمرء ما عاش ممدود له أمل
وأصله من أثر مشيه في الأرض؛ فإن من مات لا يبقى له حركة، فلا يبقى لقدمه في
الأرض أثر (فليصل رحمه) قال ابن التين: ظاهر الحديث يعارض قوله تعالى: ﴿فإذا جاء
أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾(١) والجمع بينهما إما بحمل الزيادة على أنها
كناية عن البركة في العمر بسبب التوفيق إلى طاعة الله وعمارة وقته بما ينفعه ويقربه من مولاه
تعالى، ويقويه ما جاء من أنه وسيل تقاصر أعمار أمته بالنسبة لأعمار من مضى من الأمم،
فأعطي ليلة القدر، وحاصله أن صلة الرحم سبب للتوفيق لمرضاة المولى وحفظ الأوقات عن
الضياع في غيررضاً، فيبقى بعده الذكر الجميل فكأنه لم يمت، أو بحمل الزيادة في
الحديث على حقيقتها، وذلك بالنسبة للأجل المعلق المكتوب في اللوح المدفوع للملك،
مثلاً: كتب فيه إن أطاع فلان فعمره كذا وإلا فعمره كذا، والله سبحانه وتعالى عالم بالواقع
منهما والأجل المحتوم في الآية على ما في علم الله سبحانه الذي لا تغير فيه، وإلى ذلك
الإِشارة بقوله تعالى: ﴿يمح الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾(٢) فالحديث فيه ما
أشارت إليه أول الآية من الأجل المعلق، وقوله: ﴿عنده أم الكتاب﴾(٣) أشار به إلى العلم
الإِلَهي الذي لا تغير فيه البتة، ويعبر عنه بالقضاء المبرم، وعن الأول بالقضاء المعلق،
والوجه الأول أليق بلفظ حديث الباب، فإن الأثر ما يتبع الشيء، فإذا أخر حسن أن يحمل
على الذكر الحسن بعد فقد المذكور، وقال الطيبي: الأول أظهر، وإليه يشير كلام صاحب
(١) سورة الأعراف، الآية: ٣٤.
(٢) (٣) سورة الرعد، الآية: ٣٩.

١٥٥
٤٠ - باب: في بر الوالدين وصلة الأرحام
أَثَرِهِ»: أَيْ يُؤخَّرَ لَهُ فِي أَجْلِهِ وَعُمْرِهِ(١).
٣٢١ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بِالمَدِينَةِ مَالاً مِنْ
نَخْل، وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ، .
الفائق، قال: ويجوز أن يكون المعنى أن الله يبقى أثر واصل الرحم في الدنيا طويلاً فلا
يضمحل سريعاً كما يضمحل أثر قاطع الرحم، ومن هذه المادة قول إبراهيم عليه السلام:
﴿واجعل لي لسان صدق في الآخرين﴾ (٢) وورد في تفسيره وجه ثالث، أخرج الطبراني في
الصغير بسند ضعيف عن أبي الدرداء قال: ((ذكر عند رسول الله و الله أن من وصل رحمه
أنسأله في أجله فقال: إنه ليس بزيادة في عمره قال الله تعالى: ﴿إذا جاء أجلهم لا
يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ (٣) ولكن الرجل تكون له الذرية الصالحة يدعون له من
بعده)) وأخرج في الكبير من حديث أبي مشجعة، بشين معجمة ثم جيم فعين مهملة الجهيني
رفعه: ((أن الله لا يؤخر نفساً إذا جاء أجلها وإنما زيادة العمر ذرية صالحة ... )) الحديث
وجزم ابن فورك بأن المراد بزيادة العمر نفي الآفات عن صاحب البر في فهمه وعقله، وقال
غيره في أعم من ذلك، وفي وجود البركة في رزقه وعمله، ونحو ذلك. (متفق عليه) ورواه
أبو داود وابن ماجه كلاهما من حديث أنس أيضاً، ورواه أحمد والبخاري من حديث أبي
هريرة، كذا في الجامع الصغير (ومعنى ينسأ له في أثره أي يؤخر له في أجله وعمره) فقوله :
يؤخر، تفسير لقوله: ينسأ، وقوله: في أجله وعمره، تفسير لقوله: أثره، كما علم مما تقدم،
وهل التأخير فيهما على حقيقته أو مجاز مراد منه لازمه من الإِمداد ودوام الثناء بعده، كل
محتمل، والعبارة في الأول أظهر.
٣٢١ - (وعنه قال: كان أبو طلحة أكثر) بالمثلثة (الأنصار بالمدينة مالاً) تمييز عن نسبة
الأكثرية إليه (من نخل) بيان للمال (وكان أحب أمواله) يجوز الرفع والنصب (إليه بيرحاء (٤)
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: من بسط له في الرزق، والبيوع، باب: من أحب البسط في
الرزق (٣٤٨/١٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: صلة الرحم وتحريم قطيعتها (الحديث:
٢٠ - ٢١).
(٢) سورة الشعراء، الآية: ٨٤.
(٣) سورة الأعراف، الآية: ٣٤.
(٤) قال في النهاية: وفي حديث أبي طلحة أحب أموالي إليّ بيرحاء بفتح الباء وكسرها وفتح الراء وضمها
والمد فيهما وبفتحهما والقصر وهو اسم مال وموضع بالمدينة، قال الزمخشري في الفائق أنها فيعلى من
البراح وهي الأرض الظاهرة اهـ. ش.

١٥٦
كتاب: دليل الفالحين
وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَدْخُلُها وَيَشْرَبُ مِنْ
مَاءٍ فِيهَا طَيِّب، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى
تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾(١) قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنَالوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾
وَإِنَّ أَحَبَّ مَاِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءُ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ للَّهِ تَعَالَى أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ،
فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (بَخٍ ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ،
ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ)) فَقَالَ
أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَسَمَها أَبُو طَلْحَةَ في أَقَارِبِهِ وَيَنِي عَمِّهِ. مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ. وَسَبَقَ بَيَانُ أَلْفَاظِهِ فِي بَابِ الإِنْفَاقِ مِمَّا يُحِبُّ(٢).
وكانت مستقبلة المسجد) بكسر الموحدة، أي: مقابلته وراءه (وكان رسول الله وَلقول يدخلها)
أي: الحديقة المذكورة (ويشرب من ماء فيها طيب) يجوز رفع طيب فاعل الظرف؛ لاعتماده
على الموصوف، وجره صفة لماء (فلما نزلت هذه الآية لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون
قام أبو طلحة) وسار قاصداً (إلى رسول الله (ص لل فقال: يا رسول الله إن الله تبارك وتعالى) عما
لا يليق به، وجملة: (يقول) في محل الخبر (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وإن أحب
أموالي إلي بيرحاء) يحتمل أن يكون ذلك لعظم نماء أرضها وعظم ثمرها وكثرته، وأن يكون
لمعنى آخر (وأنها) لكونها أحب إلي (صدقة لله تعالى أرجو برها وأدخرها عند الله) الجملة
الفعلية محتملة لكونها خبراً بعد خبر، على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ (٣)
على أحد الوجوه فيه، ولكونها حالاً حذف عاملها وصاحبها، أي: أتصدق بها حال كوني
أرجو برها (فضعها يا رسول الله حيث أراك الله تعالى فقال رسول الله (مثال: بخ) لتفخيم فعله
والثناء عليه (ذلك مال رابح ذلك مال رابح) بالموحدة وبالهمزة، والتكرير للتأكيد؛ لأن
المقام يقتضي الإطناب (وقد سمعت ما قلت وإني أرى) من الرأي والاجتهاد، ففيه دليل
لجواز الاجتهاد منه وَ يهر ووقوعه (أن تجعلها في الأقربين فقال أبو طلحة: أفعل) أي: أصرفه
لهم متبعاً لرأيك (يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه متفق عليه وسبق بيان
ألفاظه) وبيان من خرج الحديث زيادة على من ذكره المصنف (في باب الإِنفاق مما يحب)
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: الزكاة على الأقارب (٢٥٧/٣)، والوصايا والتفسير والوكالة.
وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: فضل النفقة والصدقة على الأقربين ... (الحديث: ٤٢).
(٣) سورة الأنبياء، الآية: ٥٠ .
(٢) سورة آل عمران، الآية: ٩٢.

١٥٧
٤٠ - باب: في بر الوالدين وصلة الأرحام
٣٢٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ
إِلَى نَبِيِّ اللّهِ وَ، فَقَالَ: أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ أَبْتَغِي الْأُجْرَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
فَقَالَ: ((فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ؟)) قَالَ: نَعَمْ بَلْ كِلَاهُما. قَالَ: ((فَتَبْتَغِي الْأُجْرَ مِنَ
اللَّهِ تَعَالَى؟)) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ . وَفِي رِوَايَةٍ لَّهُما:
بالمهملة والموحدة.
٣٢٢ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: أقبل رجل) قال الشيخ
زكريا: هو جاهمة بن العباس ابن مرداس، أو معاوية بن جاهمة، وقال شيخه الحافظ في
الفتح: يحتمل أن يكون جاهمة بن العباس، فقد روى النسائي وأحمد من طريق معاوية بن
جاهمة: ((أن جاهمة جاء إلى النبي وَّله فقال: يا رسول الله أردت الغزو وجئت لأستشيرك
فقال هل لك من أم قال: نعم قال: الزمها)) الحديث ورواه البيهقي بنحوه اهـ. فاقتصر على
الأول وجعله احتمالاً، وقوله: (إلى نبي الله وَله) متعلق بأقبل (فقال: أبايعك على الهجرة)
أي: مفارقة وطني وسكني المدينة، قال القرطبي: وهذا كان في زمن وجوب الهجرة
(والجهاد) في سبيل الله (أبتغي الأجر من الله تعالى) مستأنفة استئنافاً بيانياً لبيان سبب
المبايعة الحامل عليها (قال: فهل من والديك) خبر مقدم (أحد حي) مبتدأ، وجيء بأحد
توطئة ليقوم به حي (قال: نعم بل) انتقال، دل عليه جوابه بنعم من حياة أحدهما إلى الإِخبار
بحياتهما معاً (كليهما) كذا هو منصوب بتقدير وجدت كليهما، ويجوز كونه مرفوعاً مبتدأ
محذوف الخبر، أي: حيان، وكتبت الألف بصورة الياء، وقد نبه المصنف في شرح مسلم
على أن محل ذلك كله إذا لم يحضر الصف ويتعين للقتال (قال: فتبتغي الأجر من الله تعالى)
الهمزة والمعطوف عليه مقدران قبل الفاء العاطفة، أي: أتفعل ذلك فتبتغي الأجر من الله
تعالى (قال: نعم قال: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما) أسقط الشارع عنه وجوب
الهجرة تقديماً لحق أبويه، فإن الهجرة إن كانت واجبة عليه فقد عارضها ما هو أوجب منها
وهو حق الوالدين، وإن لم تكن واجبة فالواجب أولى، لكن هذا إنما يصح ممن يسلم له دينه
في موضعهما، أما لو خاف على دينه وجب عليه الفرار به وترك آبائه وأبنائه كما فعل
المهاجرون الذين هم صفوة الله من العباد، وفي الحديث تقديم البر للوالدين على الجهاد
(متفق عليه وهذا لفظ مسلم وفي رواية لهما) وهي كذلك عند البخاري في الجهاد، وعند
مسلم في الأدب، ورواها أبو داود والترمذي والنسائي في الجهاد، وقال الترمذي: حسن

١٥٨
كتاب: دليل الفالحين
جَاءَ رَجُلٌ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ، فَقَالَ: ((أَحَيِّ وَالِدَاكَ؟)) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَفَيْهِما
فَجَاهِدْ))(١).
٣٢٣ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ، قَالَ: ((لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالمُكافىءِ،
وَلَكِنَّ الْوَاصِلَ الَّذِي إِذَا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. و((قَطَعَتْ)) بِفْح
صحيح، والبزار كذا، من الأطراف للمزي ملخصاً (جاء رجل) كذا في النسخة بحذف
الظرف، أي: إلى النبي (، وهو ثابت في الصحيحين، والظاهر أنه اختصار من المصنف
لدلالة ما قبله عليه، أو في الكتاب (فاستأذنه في الجهاد فقال: أحي والداك) الوصف فيه
مبتدأ لاعتماده على الاستفهام، ووالداك فاعله سد مسد خبره (قال نعم) أي: هما حيان
(قال: ففيهما فجاهد) وقوله: ففيهما، متعلق بالأمر، قدم للاختصاص، والفاء الأولى جزاء
لشرط محذوف، والثانية جزائية لتضمن الكلام معنى الشرط، أي: إذا كان الأمر كما قلت
فاخصص المجاهدة بخدمة الوالدين نحو: ﴿فإياي فاعبدون﴾ (٢) فحذف الشرط وعوض عنه
الظرف المفيد للاختصاص، قاله العاقولي، وقال ابن رسلان: المراد بالجهاد فيهما جهاد
النفس في وصول البر إليهما بالتلطف بهما وحسن الصحبة والطاعة وغير ذلك، وتقدم أن
الجهاد الأكبر جهاد النفس الأمارة بالسوء اهـ. قال المصنف: هذا كله دليل لعظم فضيلة
برهما، وأنه آكد من الجهاد، وفيه حجة لما قال العلماء من أنه: لا يجوز الجهاد إلا بإذنهما
إذا كانا مسلمين، أو بإذن المسلم منهما، فلو كانا مشركين لم يشترط إذنهما عند الشافعي
ومن وافقه، وهذا كله حيث لم يحضر الصف ويتعين للقتال، فحينئذ يجوز بغير إذن اهـ.
٣٢٣ - (وعنه عن النبي ◌َّر قال: ليس الواصل) أي: الكامل الوصل (بالمكافىء) وقال
الطيبي : أي: ليست حقيقة الواصل ومن يعتد بصلته الذي يكافىء صاحبه بمثل فعله ويعطيه
نظير ما أعطاه، ((قلت)): وقد أخرج عبد الرزاق عن عمر موقوفاً، ليس الواصل أن تصل من
وصلك، ولكن الواصل أن تصل من قطعك (ولكن) قال الطيبي: الرواية فيه بالتشديد،
ويجوز التخفيف (الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها) أي: الذي إذا منع أعطي (رواه
البخاري) وأحمد وأبو داود والنسائى كلهم من حديث ابن عمر كما في الجامع الصغير،
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: الجهاد بإذن الأبوين (٩٧/٦، ٩٨ و٣٣٨/١٠)، وفي
الأدب، باب: لا يجاهد إلا بإذن الأبوين.
وأخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: بر الوالدين وأنهما أحق به، (الحديث:
٥ - ٦)
(٢) سورة العنكبوت، الآية: ٥٦.
جربة

٤٠ - باب: في بر الوالدين وصلة الأرحام
١٥٩
الْقَافِ وَالطَّاءِ. و((رَحِمُهُ)) مَرْفُوعُ(١).
٣٢٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿، قَالَ: ((الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ
بِالعَرْشِ تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ)) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ(٢).
٣٢٥ - وَعَنْ أُمِّ الْمُؤمِنِينَ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّها أعْتَقَتْ وَلِيدَةً
(وقطعت بفتح القاف والطاء) والعين المهملتين (ورحمه مرفوع) على الفاعلية، قال
العلقمي: ضبط هكذا في أكثر الروايات، وفي بعضها بالبناء للمجهول، قال السيوطي في
شرح الترمذي: المراد بالواصل في هذا الحديث الكامل، فإن في المكافأة نوع صلة بخلاف
من إذا وصله قريبه لم يكافئه، فإن فيه قطعاً بإعراضه عن ذلك، وهو من قبيل: ((ليس الشديد
بالصرعة)) وليس الغني عن كثرة العرض، اهـ. وتعقبه العلقمي بأنه لا يلزم من نفي الوصل
ثبوت القطع، فهم ثلاث درجات، مواصل ومكافىء وقاطع، فالواصل من يبدأ بالفضل،
والمكافىء من لا يزيد في الإِعطاء على ما يأخذ، والقاطع الذي يتفضل عليه ولا يتفضل،
وكما تقع المكافأة بالصلة من الجانبين كذلك تقع بالمقاطعة من الجانبين، فمن بدأ (٣)
فواصل، فإن جازى فمكافىء وإلا فقاطع اهـ.
٣٢٤ - (وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي ◌َّر قال: الرحم) بفتح الراء وكسر الحاء
المهملة (معلقة بالعرش) الظاهر الحقيقة، ويحتمل أن المعنى أنها لائذة برب العرش كما
تقدم حديث بذلك في الباب (تقول:) استئناف بيان (من وصلني وصله الله ومن قطعني
قطعه الله) قال المصنف: قال عياض: الرحم التي توصل وتقطع معنى من المعاني، ليست
بجسم إنما هي قرابة ونسب، فيكون ذكر قيامها وتعلقها ضرب مثل وحسن استعارة على عادة
العرب في استعمال ذلك، والمراد تعظيم شأنها وفضيلة وصلها وعظيم إثم قطعها، قال:
ويجوز أن يكون المراد قيام ملك من الملائكة يتعلق بالعرش ويتكلم على لسانها بأمر الله
تعالى (متفق عليه) اقتصر في الجامع الصغير على عزوه لمسلم.
٣٢٥ - (وعن أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث) الهلالية (رضي الله عنها أنها أعتقت وليدة)
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: فضل صلاة العشاء في جماعة (٣٥٥/١٠).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: من وصل وصله الله (٣٥/١٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: صلة الرحم وتحريم قطيعتها، (الحديث: ١٧).
(٣) قوله فمن بدأ فواصل الخ عبارة العلقمي فمن بدأ حينئذ فهو الواصل فإن جوزي سمى من جازاه مكافئاً
وفي كلا العبارتين صعوبة اهـ. ش.

١٦٠
كتاب: دليل الفالحين
وَلَمْ تَسْتَأْذِنِ النَّبِيِّ وَِّ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُها الَّذِي يَدُورُ عَلَيْها فِيهِ قَالَتْ: أَشْعَرْتَ
يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي أَعْتَقْتُ وَلِيدَتِي؟ قَالَ: ((أَوَ فَعَلْتِ؟)) قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: ((أَمَا إِنَّكِ لَوْ
أَعْطَيْتِها أَخْوالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لَأَجْرِكٍ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
أي: أمة، قال في المصباح: الوليد: الصبي المولود، والجمع ولدان بالكسر، والصبية
والأمة وليدة، والجمع ولائد اهـ. (ولم تستأذن النبي ( *) فيؤخذ منه صحة تصرف الزوجة
مطلقاً بغير إذن زوجها، خلافاً للإِمام مالك، حيث منعه فيما زاد على الثلث إلا بإذنه (فلما
كان يومها) بالرفع، وكان تامة (الذي يدور عليها فيه قالت أشعرت) بفتح العين، من باب
قتل كما في المصباح، أي: أعلمت (يا رسول الله أني اعتقت وليدة) كأن التنكير فيه
لتحقيرها وتصغير شأنها من حيث إنها من عملها، وفي نسخة: وليدتي، بالإِضافة للياء
(قال: أو فعلت) أي: أعتقتها فعلت، فالواو عاطفة على مقدر بعد الهمزة، هذا ما مشى
عليه في مواضع كثيرة من الكشاف والبيضاوي، فالاستفهام داخل على المتعاطفين، وجعل
ابن مالك الهمزة مقدمة من تأخير، وأن العاطف كان داخلاً عليها، وإن الأصل: وأفعلت،
فصدرت الهمزة لصدارتها وتقدم التنبيه على هذا في باب تغليظ عقوبة من أمر بمعروف
وخالف قوله فعله (قالت: نعم قال: أما) بتخفيف الميم، أداة استفتاح (إنك لو أعطيتها)
بكسر التاء (أخوالك) أي: قرابتك من جهة الأم، قال المصنف: كذا وقعت هذه اللفظة فى
مُسلم باللام، ووقعت في رواية الأصيلي، أخواتك بالتاء، قال القاضي: ولعله أصح بدليل
رواية الموطأ ((أعطيتها أختك))، ((قلت)): الجميع صحيح ولا تعارض، ولعله وَ ل# قال ذلك
كله (كان أعظم لأجرك) لما فيه من الصدقة مع صلة الرحم، قال الحافظ في الفتح: قال ابن
بطال: فيه أنّ هبة ذي الرحم أفضل من العتق، ويؤيده ما رواه الترمذي والنسائي وأحمد
وصححه، وابن خزيمة وابن حبان من حديث سلمان ابن عامر الضبي مرفوعاً: ((الصدقة
على المساکین صدقة وعلى ذي الرحم صدقة وصلة» لكن لا يلزم من ذلك أن تكون هبة ذي
الرحم أفضل مطلقاً، لاحتمال أن يكون المسكين محتاجاً ونفعه متعدياً والآخر بالعكس، وقد
وقع في رواية النسائي المذكورة، فقال: ((أفلا فديت بها بنت أخيك من رعاية الغنم)) فتبين
وجه الأولوية المذكورة، وهو احتياج القريب إلى الخدمة، وليس في الحديث حجة على أن
الصلة أفضل من العتق؛ لأنها واقعة عين (٢)، فالحق أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال كما
قدرته اهـ. (متفق عليه).
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الهبة، باب: من يبدأ بالهدية (١٦١/٥)
(الحديث: ٤٤)
وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: فضل النفقة والصدقة
(٢) المراد واقعة حال