النص المفهرس
صفحات 101-120
٣٤ - باب: في الوصية بالنساء
زَوْجَها وَفَرِكَها زَوْجُها بِكَسْرِ الرَّاءِ. يَفْرَكُها بِفَتْحِها: أَيْ أَبْغَضَها، واللَّهُ أَعْلَمُ (١).
٢٧٧ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الأَحْوَصِ الْجُشَمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ النّبِيَّ ◌َِ
في حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَقُولُ بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَذَكَرَ وَوَعَظَ، ثُمَّ قَالَ:
(أَلَا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّساءِ خَيْراً، فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٍ
التحتية وكسر المعجمة، مضارع من الإِبعاض (يقال فركت المرأة زوجها وفركها زوجها
بكسر الراء) في الماضي (يفركها بفتحها) في المضارع (أي أبغضها) قال في المصباح:
أبغضت الشيء إبغاضاً فهو مبغض والاسم البغض، ولا يقال: بغضة بغير ألف، والمراد من
الحديث أن شأن المؤمن أن لا يبغض المؤمنة بغضاً كلياً يحمله على فراقها، أي: لا ينبغي
له أن يغفر سيئتها لحسنتها، ويتغاضى عما يكره بما يحب، قال القرطبي: وأصل الفرك إنما
يقال في النساء، يقال فركت المرأة زوجها، وأبغض الرجل امرأته، وقد استعمل الفرك في
الرجل قليلاً وتجوزاً، ومنه ما في هذا الحديث اهـ. (والله أعلم).
٢٧٧ - (وعن عمرو بن الأحوص) بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وبعد الواو مهملة
ثانية، ابن جعفر بن كلاب (الجشمي) الكلابي، قاله أبو عمرو، وأما ابن منده وأبو نعيم فلم
ينسباه، إنما قالا: عمرو بن الأحوص الجشمي، قال ابن الأثير: قول أبي عمرو أنه جشمي
كلابي لا أعرفه، فإنه ليس في نسبته إلى كلاب جشم، ولا فيما بعد كلاب أيضاً، وإنما
الأحوص بن جعفر بن كلاب نسب معروف، ولعله له حلف في جشم فنسب إليه اهـ.
(رضي الله عنه) قال ابن حزم: روي له عن رسول الله وَ طير حديثان (أنه سمع النبي ◌ِّر في
حجة الوداع) بفتح الواو؛ لأن النبي مير ودع الناس ولم يحج بعدها، ويقال: بكسرها،
وتقدم فيها مزيد في باب النية في حديث سعد بن أبي وقاص، (يقول بعد أن حمد الله)
بالأوصاف الجميلة (وأثنى عليه) بتنزيهه عما لا يليق به (وذكر) بتخفيف الكاف، أي: أتى
بذكر الله تعالى من التكبير والتهليل، أو بتشديدها من التذكير بالله والتخويف من عقابه،
ويؤيد هذا قوله: (ووعظ ثم) أي: بعد أن أطال في ذلك لاستدعاء المقام له (قال:)
مستطرداً للوصية بالنساء (ألا) بتخفيف اللام، أداة استفتاح يؤتى بها أول الكلام إذا كان
المقام يهتم به (واستوصوا بالنساء خيراً) المعطوف عليه محذوف اختصاراً، مدلول عليه بما
قبله (فإنما هن عوان) جمع واحده عانية، وإعرابه مقدر لثقل الضمة على الياء المحذوفة
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الرضاع، باب: الوصية بالنساء، (الحديث: ٦١)
١٠٢
كتاب : دليل الفالحين
عِنْدَكُمْ لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئاً غَيْرَ ذَلِكَ، إِلَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبِّنَةٍ، فَإِنْ
فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ، وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ،
فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً. أَلَا إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ
حَقًّا، وَلِسائِكُمْ عَلَيْكُمْ حقّاً، فَحَقُّكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوِئْنَ فُرُشَكَمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، وَلاَ يَأْذَنَّ فِي
لالتقاء الساكنين، قال في النهاية: أي أسراء أو كالأسراء، وأشار به إلى أنه محتمل لكونه من
باب التشبيه البليغ، أو أنه على ظاهره من غير تقدير لشيء. (عندكم ليس تملكون منهن شيئا
غير ذلك) المشار إليه محذوف مدلول عليه بباقي الكلام، وهو الاستمتاع وحفظ الزوج في
نفسها وماله (إلا أن يأتين بفاحشة) كبيرة، كنشوز وسوء عشرة (مبينة) بكسر الياء، اسم
فاعل؛ لأنها تبين عدم انقيادها المفروض عليها، وبفتحها اسم مفعول، أي: إن سوء حالها
يدل على تلك الفاحشة، ويبينها (فإن فعلن) ذلك، أي: النشوز، بأن ظهرت مقدماته منها،
فعظوهن، فإن لم ينزجرن به (فاهجروهن في المضاجع) في المراقد، فلا تدخلوهن تحت
اللحف (واضربوهن ضرباً غير مبرح) بكسر الراء المشددة ولا شاين، بأن لا يجرحها، ولا
يكسر لها عظماً، ويجتنب الوجه والمهالك، فيضربن مع الهجران عند تحقق النشوز
والعصيان، وهو ضرب تأديب وتعزير، قال الروياني في البحر: ويضربها بمنديل ملفوف، أو
بيده لا بسوط ولا عصى، وإباحة الضرب في هذه الحالة ولاية من الشرع للزوج؛ لأخذ حقه
قال العزبن عبد السلام: ليس لنا موضع يضرب المستحق من منع حقه غير هذا، والعبد إذا
منع حق سيده؛ لأن الحاجة ماسة إلى ذلك فيهما؛ لتعذر إثبات ذلك بسبب عدم الاطلاع،
وإنما يجوز ضربها إن علم أو ظن أنه يصلحها، فإن علم عدم إفادته لم يجز، (فإن أطعنكم
فلا تبغوا عليهن سبيلاً) بالتوبيخ والإِيذاء، فالمعنى فأزيلوا عنهن التعرض، واجعلوا ما كان
فيهن كأن لم يكن، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وهذه الجمل مقتبسة من معنى
قوله تعالى: ﴿واللاتي تخافون نشوزهن﴾(١) إلى قوله: ﴿سبيلاً﴾(٢) (ألا) أداة استفتاح، أتى
بها للتنبيه على ما بعدها، لأنه حكم آخر (إن لكم على نسائكم حقاً) أمراً واجباً (ولنسائكم
عليكم حقاً) هذا من عطف معمولين على معمولي عامل واحد، وهو جائز اتفاقاً (فحقكم
عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهونه) قال المازري: قيل المراد بذلك أن لا يستخلين
بالرجال، قال القاضي عياض: كانت عادة العرب حديث الرجال مع النساء، ولم يكن ذلك
(١) و(٢) سورة النساء، الآية: ٣٤.
ـرحـ
٣٤ - باب: في الوصية بالنساء
١٠٣
بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ. أَلَ وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ)) رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيْثٌ حَسَنٌ صَحِيْحٌ. قَوْلُهُ ﴿ ((عَوَانٍ)): أَيْ أَسِيرَاتٌ. جَمْعُ عَانِيَّةٍ
بِالعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وهِيَ: الأسيرَةُ. وَالْعَانِي: الأَسِيرُ. شَبَّهَ رَسُولُ اللَّهِ وَ الْمَرْأَةَ فِي
عيباً ولا ريبة عندهم، فلما نزلت آية الحجاب نهوا عن ذلك اهـ. قال المصنف: والمختار
أن معناه لا يأذن لأحد تكرهونه في دخول بيوتكم والجلوس في منازلكم، سواء كان المأذون
له رجلاً أجنبياً، أو امرأة، أو أحد محارم الزوجة، فالنهي يتناول جميع ذلك، ((قلت)): ولذا
عقب بقوله: (ولا يأذنَّ في بيوتكم لمن تكرهونه) أي: تكرهون دخوله لمنزلكم من أنثى
وذكر، وهذا حكم المسألة عند الفقهاء أنه لا يحل لها أن تأذن لرجل ولا امرأة لا محرم ولا
غيره في دخول منزل الزوج إلا من علمت أو ظنت أن الزوج لا يكرهه؛ لأن الأصل تحريم
دخول منزل الإِنسان حتى يوجد الإِذن منه في ذلك، أو ممن أذن له في الإِذن في ذلك، أو
عرف رضاه به باطراد العرف بذلك ونحوه، ومتى حصل الشك في الرضا ولم يترجح شيء
ولا وجدت قرينة لا يحل الدخول ولا الإذن، والله أعلم اهـ. (ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا
إليهن في كسوتهن وطعامهن) بإعطائهن ذلك بحسب اللائق بأحوالكم يساراً وإعساراً، وفي
الحديث وجوب نفقة الزوجة وكسوتها عند عدم نحو النشوز، وهو واجب إجماعاً، (رواه
الترمذي) في النكاح من جامعه (وقال: حديث حسن صحيح) وتقدم أن الجمع بين
الوصفين المذكورين إن كان في متعدد السند فهو على تقدير واو العطف، والتقدير حسن
وصحيح، أي: حسن باعتبار أحد الإِسنادين، وصحيح باعتبار الآخر، وإلا فهو على تقدير:
أو التي للترديد، أي: أنه حسن أو صحيح، أي: أن المحدثين اختلفوا في رجال سنده، هل
بلغوا درجة الصحة، أو هم قاصرون على درجة الحسن، ورواه النسائي وابن ماجه.
(قوله {َّر: عوان) التنوين فيه للعوض عن الياء إن اعتبر الإعلال سابقاً على منع الصرف، أو
عن الحركة إن اعتبر منع الصرف قبل اعتبار الإِعلال، وقيل: إنه للصرف، وهذا ضعيف
جداً. (أي: أسيرات جمع عانية بالعين المهملة) ((إن قلت)) هذا القسم من جمع التكسير،
هو الذي ادعى النحاة فقده خارجاً ووجوده عقلاً، وهو التغيير بالزيادة والنقص من غير تغيير
الشكل، ((قلنا)): يمكن أن يقال إنه ليس كذلك، فإن حركات الجمع غير حركات المفرد،
فضمة الفاء في فلك(١) جمعاً كضمة همزة أسد، وضمته مفرداً كضمة قاف قفل، وقد صرح
بذلك شراح الكافية، فكان ما ذكر كغلام وغلمان مما اجتمع فيه التغيير بالنقص والزيادة
(١) قوله فضمة الفاء في فلك الخ لو قال كما قالوا إن ضمة الفاء في فلك الخ لكان أوضح في إفادة المقصود
تأمل. ش
١٠٤
كتاب : دليل الفالحين
دُخُولِهَا تَحْتَ حُكْمِ الزَّوجِ بِالْأَسِيرِ. و((الضَّربُ الْمُبْرِّحُ)): هُوَ الشَّاقُّ الشَّديدُ.
وَقَولُهُ مَِّ ((فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا)): أَيْ لَا تَطْلُبوا طَرِيقاً تَحْتَجُونَ بِهِ عَلَيْهِنَّ وَتُؤْذُونَهُنَّ
بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ(١) .
٢٧٨ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ
زَوجَةٍ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: ((أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوْها إِذَا اكْتَسَيْتَ، وَلَا تَضْرِبٍ
وتغيير الشكل، (وهي الأسيرة والعاني الأسير) ومنه حديث: ((أطعموا الجائع وفكوا العاني))
قال في النهاية: العاني الأسير وكل من ذل واستكان وخضع، يقال: عنا يعنو فهو عان (شبه
رسول الله ﴿ المرأة في دخولها تحت حكم الزوج) ووجوب طاعتها له (بالأسير) فيكون
قوله وسلم: ((فإنما هن عوان))، من التشبيه البليغ على حد: زيد أسد (والضرب المبرح)
المنهي عنه (هو الشاق الشديد) قال في المصباح: برحٍ به الضرب تبريحاً: اشتد وعظم
(وقوله {وَلجر: فلا تبغوا عليهن سبيلاً أي: لا تطلبوا طريقاً تحتجون به عليهن) بعد توبتهن
ورجوعهن إلى الطاعة، (وتؤذوهن به) أي: ولا تؤذوهن به، ويجوز أن تكون أو، أو للمعية
والنصب بأن مضمرة؛ لكونه في جواب النهي، لكن يوهم أن الممنوع منه إنما هو طلب
الطريق المذكور مع الإيذاء، أما طلبها من غير إيذاء فلا نهي عنه، وليس كذلك، بل منهي
عن التعرض لها بعد التوبة مطلقاً (والله أعلم)
٢٧٨ - (وعن معاوية) بالعين المهملة وبالتحتية بعد الواو المكسورة (بن حيدة) بمهملة
مفتوحة وسكون تحتية وفتح دال مهملة فهاء تأنيث، كذا في المغني ابن معاوية ابن قشير ابن
كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة الشيري، من أهل البصرة غزا (رضي الله عنه) خراسان،
ومات بها، وهو جد بهزبن حكيم بن معاوية، وروى عنه ابنه حكيم بن معاوية، وسئل
یحیی بن معین عن بهز بن حکیم عن أبيه عن جده فقال: إسناد صحيح إذا كان من دون بهز
ثقة (قال: قلت يا رسول الله) ورواه ابن الأثير في أسد الغابة عنه ((أن رجلاً سأل
رسول الله ﴿ ما حق المرأة على الزوج)) إلى آخر الحديث، ولا تنافي؛ لاحتمال التعدد، أو
أنه أبهم نفسه في تلك الرواية إما نسياناً لعين السائل، أو لغرض آخر. (ما حق زوجة أحدنا
عليه) أي: ما واجبها عليه (قال: أن تطعمها) بضم الفوقية (إذا طعمت) بكسر العين، أي:
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الرضاع، باب: ما جاء في حق المرأة على زوجها، (الحديث: ١١٦٣).
١٠٥
٣٤ - باب: في الوصية بالنساء
الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَ تَهْجُرْ إِلَّ فِي الْبَيْتِ)) حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ مَعْنَى
((لَا تُقَبِّحْ)) لَا تَقُلْ قَبَّحَكِ اللَّهُ(١).
٢٧٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَكْمَلُ
الْمُؤمِنِينَ إِيمَاناً أَحْسَنُهُمْ خُلُقَاً،
أكلت (وتكسوها) بفتح التاء الفوقية والواو (إذا اكتسيت) ومعنى كونه فرضاً عليه إذا كان لا
يأكل زائداً على فرض القوت، أما لو كان مترفهاً في المطعم والملبس، فما زاد على الواجب
لها فنفل منه وإحسان عليها (ولا تضرب الوجه) لأنه عضو لطيف، والشين فيه شنيع (ولا
تقبح) بتشديد الباء الموحدة المكسورة، أي: لا تقل قبح الله وجهك، أو لا تقل ما أقبح هذا
الخلق؛ فإن ذم الصنعة ذم لصانعها(٢) (ولا تهجر) عند النشوز (إلا في البيت) فاترك
مضاجعتها ولا تترك كلامها عند حاجتها (حديث حسن رواه أبو داود) في كتاب النكاح من
سنته، والنسائي وابن ماجه (وقال) أي: أبو داود (معنى لا تقبح أي) تفسير لمعنى الجملة (لا
تقل قبحك الله) وهذا أحد احتمالين فيه.
٢٧٩ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله مح لل: أكمل المؤمنين) أي: من
أكملهم (إيماناً) منصوب على التمييز عن أفعل التفضيل، وهو فاعله من حيث المعنى
(أحسنهم خلقاً) بضم الخاء المعجمة واللام وسكونها، وتقدم أنه ملكة تبعث النفس على
أفعال حميدة، واكتساب شيم شريفة، وقال الحسن البصري: حقيقة حسن الخلق بذل
المعروف وكف الأذى وطلاقة الوجه، قال الباجي: وتحسين الخلق أن يظهر منه لمن
يجالسه، أو يرد عليه البشر والحلم والإِشفاق والصبر على التعليم والتودد إلى الصغير
والكبير، وقد اختلف فيه، هل هو مكتسب؟ أو غريزي؟ وجمع بين القولين بأنه غريزي
باعتبار أصله، ويقوى وينمو بالكسب، قال الحافظ في الفتح: ومحصل ما أجاب العلماء عن
الأحاديث المختلف فيها الأجوبة بأن أفضل الأعمال، كذا أن اختلاف الجواب لاختلاف
حال السائلين، بأن أعلم كلاً بما يحتاج إليه، أو بما لهم فيه رغبة، أو بما هو اللائق، أو أن
اختلافه باختلاف الأوقات، بأن يكون العمل في ذلك الوقت أفضل منه في غيره، فقد كان
الجهاد في ابتداء الإِسلام أفضل الأعمال؛ لأنه الوسيلة إلى القيام بها والتمكن منها، وقد
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: النكاح، باب: في حق المرأة على زوجها، (الحديث: ٢١٤٢).
(٢) ويقال قبحه الله أي نحاه عن الخير وبابه قطع اهـ. مختار.
١٠٦
كتاب : دليل الفالحين
وَخِيارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ)) رَوَاهُ التِّرِمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيْحٌ(١).
*
٢٨٠ - وَعَنْ إِيَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ أَبِي ذُبابٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَه: ((لَا تَضْرِبُوا إِمَاءَ اللَّهِ) فَجَاءَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى
رَسُولِ اللَّهِ بَهِ، فَقَالَ: ذَئِرْنَ النِّساءُ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ، فَرَخَّصَ فِي ضَرْبِهِنَّ، فَأَطَافَ
تظافرت الأدلة على أن الصلاة أفضل من الصدقة، ومع ذلك ففي وقت مواساة المضطر
تكون الصدقة أفضل، أو أن أفضل ليس على بابه، بل المراد الفضل المطلق، أو أن المراد
من أفضل، فحذفت من، وهي مرادة كما ورد ((خيركم خيركم لأهله)) ومعلوم أنه لا يصير
بذلك خير الناس مطلقاً، فعلى هذا فأفضل الأعمال على الإطلاق الإِيمان، والباقيات
متساوية في كونها من أفضلها وإن تفاوتت درجاتها بما ورد فيها اهـ. ملخصاً (وخياركم
خياركم لنسائهم) وفي رواية ((خيركم خيركم لأهله)) قال في النهاية: هو إشارة إلى صلة
الرحم، والحث عليها، قيل: ولعل المراد من حديث الباب أن يعامل زوجته بطلاقة الوجه،
وكف الأذى والإِحسان إليها، والصبر على أذاها. ((قلت)): ويحتمل أن الإِضافة فيه للعهد،
والمغهود هو النبي ◌َّرَ، والمراد: ((أنا خيركم لأهلي)) وقد كان ◌َّ أحسن الناس لأهله
وأصبرهم على اختلاف أحوالهم (رواه الترمذي وقال: حسن صحيح) وكذا رواه ابن حبان.
٢٨٠ - (وعن إياس) بكسر الهمزة وتخفيف التحتية وبعد الألف سين مهملة، (ابن
عبد الله بن أبي ذباب) بضم المعجمة وخفة الموحدة الأولى كما في المغني الدوسي، وقيل:
المزني، والأول أكثر (رضي الله عنه) سكن مكة، قال أبو عمرو: له صحبة، وقال ابن منده
وأبو نعيم: اختلف في صحبته، كذا في أسد الغابة، روي له عن رسول الله صلال هذا
الحديث، (قال: قال رسول الله وَلل: لا تضربوا إماء الله) الإِماء بكسر الهمزة وبالمد بوزن
كتاب، جمع أمة، وهي محذوفة اللام والهاء عوض عنها، والأصل أموة بفتحات، ولذا يرد
في التصغير، فيقال أمية، والأصل أميوة، ويجمع أيضاً على آإم بوزن قاض، وعلى إموان
بوزن إسلام، وقد يجمع على أموات بوزن سنوات، والمراد بآماء الله النساء، أي: لا
تضربوهن ظاهره على كل حال، (ف) - لذا (جاء عمر رضي الله عنه إلى رسول الله وَ لَر فقال:
ذئرن النساء) سيأتي ضبطه ومعناه، وهو على لغة أكلوني البراغيث، والفصيح تجريد الفعل
من علامة الجمع، بأن يقال: ذئر أو ذئرت بالتاء، والثاني أفصح؛ لأن المسند لجمع
التكثير، الأفصح إلحاق التاء آخره، ورأيته في أصل آخر من سنن أبي داود ذئر النساء بحذف
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الرضاع، باب: في حق المرأة على زوجها، (الحديث: ١١٦٢).
١٠٧
٣٤ - باب: في الوصية بالنساء
بِآلٍ رَسُولِ اللّهِ وَهِ نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((لَقَدْ أَطَافَ
بِآلِ مُحَمَّدٍ نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ أَزْ وَاجَهُنَّ لَيْسَ أُولَئِكَ بِخِيارِكُمُ)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنادٍ
صَحِيحٍ. قَولُهُ: ((ذَئِرْنَ)) هُوَ بِذَال مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ راءٍ سَاكِنَةٍ
ثُمَّ نونٍ: أَيْ اجْتَرَأْنَ. قَولُهُ (أَطَافَ)): أَيْ أَحَاطَ(١).
٢٨١ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ
قَالَ: ((الدُّنْيَا مَتَاعْ وَخَيْرُ مَتَاعِهَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(٢).
النون (على أزواجهن) لما سمعن المنع عن ضربهم مطلقاً (فرخص في ضربهن) من
الرخصة وهي تغيير الحكم من صعوبة إلى سهولة لعذر مع قيام سبب حكم الأصل، وسبب
المنع الرفق بهن، وهو قائم حال إباحته للعذر، وهو دوام الزوجية والقيام بحقوقها عند
حقوقهن من ترك ذلك. (فأطاف بآل رسول الله وَلاير) أي: بأزواجه وسراريه، وليس المراد
بالآل من تحرم عليهم الزكاة. (نساء كثير) من صيغ جمع الكثرة (يشكون أزواجهن) أي:
ضربهم. (فقال رسول الله وسلم: لقد أطاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس
أولئك) أي: الضاربون لأزواجهم. (بخیارکم) وذلك لأنه يؤذن بحرج الصدر وضيق النفس،
ذلك خلاف حسن الخلق الذي هو من أوصاف الخيار. (رواه أبو داود) في كتاب النكاح
(بإسناد صحيح) ورواه النسائي وابن ماجه (قوله:) في الحديث (ذئرن هو بذال معجمة
مفتوحة ثم همزة مكسورة ثم راء ساكنة ثم نون أي: اجترأن) عليهم ونشزن (قوله: أطاف
أي: أحاط) وهو متعد بالباء أيضاً يقال: أطاف بالشيء، أي: أحاط به .
٢٨١ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص) بإثبات الياء كما هو الفصيح، وتقدم تحقيق
ذلك في باب الاقتصاد، وتقدمت ترجمته في باب بيان كثرة طرق الخير. (رضي الله عنهما
أن رسول الله وَ لقر قال: الدنيا متاع) أي: شيء يتمتع به حيناً، كما قال تعالى: ﴿قل متاع
الدنيا قليل﴾(٣) (وخير متاع الدنيا) أتى بالاسم الظاهر موضع المضمر؛ للزيادة والإِيضاح.
(المرأة الصالحة) قال القرطبي: فسرت في الحديث بقوله: التي إذا نظر إليها سرته، وإذا
أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله. (رواه مسلم) في كتاب النكاح، وأحمد
وأحمد والنسائي .
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: النكاح، باب: في ضرب النساء، (الحديث: ٢١٤٦).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: الرضاع، باب: خير متاع الدنيا المرأة الصالحة، (الحديث: ٦٤).
(٣) سورة النساء، الآية: ٧٧ .
١٠٨
كتاب: دليل الفالحين
٣٥ - باب: في حق الزوج على المرأة
قَالَ اللَّهُ تَعَالى (١): ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى
بَعْضٍ، وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتُ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا
حَفِظَ اللَّهُ﴾ .
وأَمَّا الْأَحَادِيثُ فَمِنْهَا حَديثُ عَمْرِو بْنِ الأَخْوَصِ السَّابِقُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ(٢).
باب حق أي: واجب الزوج على امرأته
أي: ما يجب له عليها ويستحقه منها. (قال الله تعالى: الرجال قوامون على
النساء) يقومون عليهن قيام الولاة على الرعية، وعلل ذلك بأمرين وهي هو قوله:
(بما فضل الله بعضهم على بعض) أي: بسبب تفضيله الرجال على النساء بكمال
العقل وحسن التدبير ومزيد القوة في الأعمال والطاعات، ولذلك خصوا
بالفتوة والإِمامة والولاية وإقامة الشعائر، والشهادة في مجامع القضايا، ووجوب الجهاد
والجمعة ونحوها، والتعصيب، وزيادة السهم في الميراث والاستبداد بالفراق، وبأمر كسبي
هو قوله: (وبما أنفقوا من أموالهم) في نكاحهن، كالمهر والنفقة، ثم قسم الله النساء قسمين
فقال: (فالصالحات قانتات) مطيعات الله، قائمات بحقوق الأزواج (حافظات للغيب)
لمواجب الغيب، أي: يحفظن في غيبة الأزواج ما يجب حفظه في النفس والمال، وقيل:
للأسرار (بما حفظ الله) أي: بحفظ الله إياهن بالأمر على حفظ الغيب، والحث عليه بالوعد
والوعيد والتوفيق له، أو بالذي حفظه الله لهن عليهم من المهر والنفقة والقيام بحفظهن
والذب عنهن، قال السفاقسي: قراءة الجمهور برفع الجلالة، وما مصدرية، أي:
يحفظ الله إياهن، وجوز كون ما موصولا اسميا محذوف العائد، أي: بما حفظه الله، وأجاز
أبو البقاء أن تكون نكرة موصوفة والعائد محذوف، وقرأ أبو جعفر بنصب الجلالة، فما بمعنى
الذي، وفي حفظ ضمير يعود عليها، أي: بالبر الذي حفظ حق الله من التعفف وغيره،
وقدره ابن جني بما حفظ حدود الله، والمضاف متعين؛ لأن الذات المقدسة لا ينسب حفظها
إلى أحد، وفيه حذف الضمير من حفظ، أي: يحفظهن، وهو قبيح لا يجوز إلا في الشعر،
والأحسن أن لا يقال حذف الضمير، بل عاد عليهن مفرداً ملاحظة للجنس، فكان الصالحات
في معنى من صلح، وإنما أدى إلى هذا الشذوذ في هذه القراءة توجيهها على أن ما
موصولة، أما إذا جعلناها مصدرية كما تقدم فلا اهـ. (وأما الأحاديث) النبوية (فمنها حديث
عمرو بن الأحوص السابق) بالرفع (في الباب قبله).
(١) سورة النساء، الآية: ٣٤.
(٢) وهوفي هذا الجزءص ١٠١ (برقم: ٢٧٧).
١٠٩
٣٥ - باب: في حق الزوج على المرأة
٢٨٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَّهِ: ((إِذَا دَعَا الرَّجُلُ
امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَلَمْ تَأْتِهِ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا لَعَنْهَا الْمَلائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ)) مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لَّهُمَا:
٢٨٢ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: إذا دعا الرجل امرأته إلى
فراشه) قيل: هو كناية عن الجماع، ويقويه قوله: ((الولد للفراش)) والكناية عما يستحي من
التصريح به فاشية في الكتاب والسنة. (فلم تأته) من غير عذر بها (فبات غضبان) غير
مصروف، بناء على أن الشرط في منع صرف الوصف ذي الزيادة وجود فعلى (عليها لعنتها
الملائكة) ويستمر ذلك منهم إن استمرت على الامتناع (حتى تصبح) ويؤيد ما تقرر أنه جاء
في رواية حتى ترجع، قال بعضهم: ورواية الأصل محمولة على الغالب، وظاهر عموم
الحديث حرمة امتناعها من فراشها ولو حائضاً، وهو كذلك؛ لإمكان الاستمتاع بها بغير
الجماع، وظاهر الخبر اختصاص اللعن بما إذا وقع منها ذلك ليلاً، لقوله: حتى تصبح،
وكأن السر فيه تأكد ذلك الشأن في الليل وقوة الباعث عليه، ولا يلزم منه جواز امتناعها منه
نهاراً؛ لأن تخصيص الليل بالذكر لأنه مظنة ذلك، ويؤخذ من قوله: ((فبات غضبان))، أن
اللعن عليها إنما يكون حينئذ لتحقق ثبوت معصيتها، بخلاف ما إذا لم يغضب من ذلك، إما
لعذرها وإما لأنه ترك حقه من ذلك، قال القرطبي: أما لو دعت المرأة زوجها فأبى فلا إثم
عليه ما لم يقصد بالامتناع المضارة لها فيحرم حينئذ، والفرق بينهما أن الرجل لبذله لما له
هو المالك للبضع، والدرجة التي له بسبب سلطنته عليها بسبب ملكه، وأيضاً فقد لا ينشط
في وقت دعائها له، فلا ينتشر ولا يتهيأ له ذلك بخلافها، قال المهلب: هذا الحديث يوجب
أن منع الحق في البدن كان أوفى المال مما يوجب سخط الله، إلا أن يتغمد الله بالعفو، وفيه
جواز لعن العاصي المسلم إذا كان على وجه الإرهاب عليه لئلا يواقع الفعل، فإذا واقعه
فإنما يدعي له بالتوبة والهداية، قال الحافظ ابن حجر: والحق أن من منع أراد باللعنة المعنى
اللغوي، وهو الإبعاد من الرحمة، ومن أجاز أراد بها المعنى العرفي، وهو مطلق السب،
وحديث الباب ليس فيه إلا أن الملائكة يدعون على أهل المعصية ما داموا فيها، وهل هم
الحفظة أو غيرهم، كل محتمل، ويحتمل أن يكون بعض الملائكة موكلاً بذلك، ((قلت)):
وظاهر الحديث التعميم؛ لأن الجمع المحلى بأل من صيغه، وفيه دليل على قبول دعاء
الملائكة؛ لكونه 18 خوف به، وفيه الإِرشاد إلى مساعدة الزوج ومرضاته، وفيه أن صبر
الرجل على ترك الجماع أضعف من صبر المرأة، وفيه أن امتناعها من ذلك كبيرة (متفق
عليه) ورواه أحمد، وأبو داود والنسائي (وفي رواية لهما) أي: للشيخين، وهي عند أحمد
١١٠
كتاب: دليل الفالحين
((إِذَا بَاتَتْ الْمَرْأَةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا لَعَنْهِا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ)). وَفِي
رِوَايَةٍ قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو
امْرَأَتَهُ إِلَى فِراشِهَا فَتَأْبَى عَلَيْهِ إلَّا كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطَاً عَلَيْهَا حَتَّى
يَرْضَى عَنْهَا (١).
٢٨٣ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ قَالَ: ((لَا يَجِلُّ لِلْمَرْأَةِ
أيضاً (إذا باتت المرأة هاجرة) أي: تاركة (فراش زوجها) بغير مانع من مرض، أو امتناع
لتسلم صداق حال عقدت عليه (لعنتها الملائكة حتى تصبح) ما دامت كذلك، فإذا تابت من
الذنب وأقلعت وعادت إلى الطاعة وأجابت إلى الفراش، أو كانت معذورة فلا (وفي رواية)
لمسلم من حديث أبي هريرة أيضاً (قال: قال رسول الله وَ ﴿ والذي نفسي بيده) أي: بقدرته
وفي تصرفه، وفيه القسم على الشيء لتأكيده وتقويته عند السامع، وهو كذلك مستحب،
وواقع في الأخبار كثيراً. (ما) نافية (من) مزيدة لتأكيد استغراق النفي (رجل) يحتمل أن يراد
به ما يقابل المرأة، فيشمل الصبي، فتكون إجابته واجبة على زوجته المكلفة وعلى ولي غير
المكلفة، أمرها بذلك وهو أقرب، ويحتمل أن يراد به ما يقابل الصبي فيخص البالغ (يدعو
امرأته إلى فراشها) أضيف الفراش إليها هنا وإليه أولاً؛ لملابسة كل منهما له (فتأبى) أي:
تمتنع (عليه) في المصباح: أبى الرجل يأبى إباء بالكسر والمد وإباية امتنع (إلا كان الذي في
السماء) إن كان المراد منه ساكنها فهو الملائكة، وإن أريد به حضرة الحق سبحانه فیؤول بأن
المراد الذي سلطانه أو ملكوته أو أمره في السماء؛ لاستحالة المكان والجهة عليه سبحانه
وتعالى علواً كبيراً، والوجه الأخير أقرب إلى قوله (ساخطاً عليها) وإن صح على الأول إفراده
باعتبار لفظ الذي المراد منه النوع الذي هو الملائكة، والسخط المراد منه بالنسبة إليه تعالى
غايته مجازاً مرسلاً من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم، أما الانتقام فيكون صفة فعل، أو إرادته
فیکون صفة ذات كما تقدم أول الكتاب، وظاهر أن ذلك إذا غضب منه الزوج كما يدل عليه
قوله في الحديث قبله: ((فبات غضبان عليها)) وقوله هنا (حتى يرضى عنها).
٢٨٣ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً أن رسول الله وَي قال: لا يحل) أي: لا يجوز
(١) أخرجه البخاري في كتاب: بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم آمين إلخ. (٢٥٨/٩).
وأخرجه مسلم في كتاب: النكاح، باب: تحريم امتناعها من فراش زوجها، (الحديث: ١٢١، ١٢٢).
١١١
٣٥ - باب: في حق الزوج على المرأة
أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إلَّ بِإِذْنِهِ، وَلا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلَّ بِإِذْنِهِ)) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. وَهَذَا
لَفْظُ الْبُخَارِيِّ(١)
٢٨٤ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ◌َ قَالَ: ((كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ
مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْأَمِيرُ راعٍ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى
(لا مرأة أن تصوم) ولو فرضاً موسعاً؛ لأن حق الزوج ناجز، ووقت الفرض متسع، ومن ثم لو
ضاق بأن نذرت صوم وقت معین قبل التزوج به أو بعده بإذنه، أو ضاق الوقت بأن لم يبق من
شعبان إلا قدر ما عليها من قضاء رمضان، حل لها الصوم بغير إذنه (وزوجها شاهد) أي:
حاضر، وظاهر عمومه أنه لا فرق في ذلك بين حريتهما ورقهما وتخالفهما في ذلك، (إلا
بإذنه) وذلك لأنه قد يكون له إليها حاجة فيمنعه عن ذلك الصوم، فإن قيل يجوز له أن يفطرها
والحالة هذه، فلا يكون صومها مانعاً له، أجيب بأنه قد يهاب ذلك، فأدى إلى تركه لحقه
فحرم إلا بإذنه (ولا تأذن في بيته) لرجل محرم أو غيره، ولا لمرأة كذلك. (إلا بإذنه) صريحاً
أو ما في معناه مما تقدم في الباب قبله. (متفق عليه وهذا لفظ البخاري) من جملة حديث
أورده في كتاب النكاح، وآخره: ((وما أنفقت من نفقة عن غير أمره فإنه يؤدي إليه شطره))
وأخرجه النسائي في الصوم، ولفظ مسلم في كتاب الزكاة: ((لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا
بإذنه ولا تأذن في بیته وهو شاهد إلا بإذنه)».
٢٨٤ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي وَالر قال: كلكم راع) أي: حافظ مؤتمن
ملتزم صلاح ما اؤتمن على حفظه، فهو مطلوب بالعدل فيه والقيام بمصالحه. (وكلكم
مسؤول عن رعيته) أي: هل قام بما عليه من صلاحها وحفظها والقيام بمصلحتها أو لا؟
(والأمير) أي: ذو الأمر، فيشمل سائر الحكام، وفي رواية الإِمام: وعليها فخص بالذكر؛
لأنه الأشرف الأكمل وباقي الولاة مثله، كما أفادته رواية الباب والأمير (راع) على من تحت
ولايته، فعليه النظر في شأنهم وتسديد أمرهم ودفع المضرات عنهمٍ (والرجل راع على أهل
بيته) فيقوم بكفايتهم من سائر المؤن بحسب حاله يساراً وإعساراً، ويأمرهم بالمعروف
وينهاهم عن المنكر، ويبين لهم ما يحتاجون إليه من أمر الشرائع (والمرأة راعية على بيت
زوجها) فتقوم بحفظه عن السارق والهرة وسائر المتلفات، ولا تحزن فيه، ولا تتصدق بما
(١) أخرجه البخاري في كتاب: النكاح، باب: لا تأذن المرأة في بيت زوجها ... (٢٥٩/٩، ٢٦٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: ما أنفق العبد من مال مولاه، (الحديث: ٨٤).
١٠٠
١١٢
كتاب: دليل الفالحين
بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ؛ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَتِهِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
٢٨٥ - وَعَنْ أَبِي عَلِيٍّ طَلْقِ بْنِ عَلَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((إِذَا
دَعَا الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ لِحَاجَتِهِ فَلْتَأْتِهِ وَإِنْ كَانَتْ عَلى التُّورِ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ،
تعلم أنه لا يرضى به. (وولده) فيقوم بحضانته وخدمته، قال الخطابي: اشتركوا، يعني
الأمير ومن بعده في الوصف بالراعي، ومعناه مختلف، فرعاية الإِمام الأعظم رعاية الشريعة
بإقامة حدودها والعدل في الحكم، ورعاية الرجل أهله سياسته لأمرهم وإيصال حقوقهم،
ورعاية المرأة تدبيرها لأمر البيت والأولاد والخدم والنصيحة للزوج. (فكلكم) حتى من لا
أمر له ولا زوجة، وهو الإِنسان في نفسه فإنه (راع) على جوارحه، فيعمل المأمورات
ويجتنب المنهيات فعلاً ونطقاً واعتقاداً، فجوارحه وقواه وحواسه رعاياه، ثم لا يلزم من كونه
راعياً أن لا يكون مرعياً باعتبار آخر. (وكلكم مسؤول عن رعيته) هل قام بما يجب لها عليه
أو لا؟ وجاء في حديث أنس مثل حديث ابن عمر وفي آخره: ((فاعدد للمسألة جواباً قال: وما
جوابها؟ قال: أعمال البر)) أخرجه ابن عدي والطبراني في الأوسط، وسنده حسن. (متفق
علیه) ورواه أحمد وأبو داود والترمذي
٢٨٥ - (وعن أبي علي) بفتح المهملة وكسر اللام (طلق) بفتح المهملة وسكون اللام (ابن
علي) بفتح فكسر، كذلك ابن طلق بن عمرو، وقيل طلق بن قيس بن عمرو بن عبد الله بن
عمر بن عبد العزى بن سحيم بن مرة بن الدول بن حنيفة الربعي الحنفي السحيمي
(رضي الله عنه) كان من الوفد الذين قدموا على رسول الله و لر من اليمامة فأسلموا، روي له
عن رسول الله وَلّ أربعة عشر حديثاً كما ذكره ابن حزم في أواخر سيرته، وليس له في
الصحيحين شيء. (أن رسول الله ( قال إذا دعا الرجل زوجته) كذا في النسخ بإثبات
التاء، وهي لغة، واللغة الفصيحة المشهورة التي جاء بها القرآن حذف التاء، وهي لغة أهل
الحجاز، قال المصنف: وثبت إلحاق التاء في أحاديث في الصحيح. (لحاجته) التي
يستحقها عليها (فلتأته) فوراً (وإن كانت على التنور) الجملة الشرطية وصلية وهي في محل
الحال كما تقدم عن المطول، والتنور بفتح الفوقية وتشديد النون: الذي يخبز فيه، قال في
المصباح: وافقت فيه لغة العرب لغة العجم، وقال أبو حاتم: ليس بعربي صحيح، والجمع
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الجمعة، باب: الجمعة في القرى والمدن. (٣١٧/٢).
وأخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: فضيلة الإمام العادل ... (الحديث: ٢٠).
١١٣
٣٥ - باب: في حق الزوج على المرأة
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ(١)
٢٨٦ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ نَ﴿ قَالَ: ((لَوْكُنْتُ آمِراً أَحَداً
أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ
حَسَنٌ صَحِيحٌ(٢).
٢٨٧ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ
مَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَنْهَا رَاضٍ دَخَلَتِ الْجَنَّةَ))
تنانير (رواه الترمذي) في النكاح (و) رواه (النسائي) في باب عشرة النساء (وقال الترمذي
حديث حسن) زاد فيما حكى المزي عنه في الأطراف بعد قوله حسن غريب.
٢٨٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (وَ لي قال: لو) حرف يقتضي امتناع ما يليه
واستلزامه لتاليه. (كنت آمراً) بمد الهمزة، مضارع من الأمر، والجملة خبر كان، ورأيته في
نسخة من الجامع الصغير منوناً على أنه وصف خبر مفرد. (أحداً) أي: من بني آدم (أن
يسجد لأحد) تعظيماً له وأداءً لحقه (لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) لما له عليها من عظيم
الحق الواجب القيام به، وسبب هذا الحديث ما في أبي داود عن قيس بن سعد قال: ((أتيت
الحبرة فرأيتهم يسجدون المرزبان لهم فقلت: رسول الله أحق أن يسجد له قال: فأتيت
النبي ◌َّه فقلت إني أتيت الحبرة فرأيتهم يسجدون المرزبان لهم فأنت يا رسول الله أحق أن
يسجد لك قال: أرأيت لو مررت بقبري أكنت تسجد لي فقال: لا قال: فلا تفعلوا لو كنت))
فذكره. (رواه الترمذي) أي: من حديث أبي هريرة (وقال: حديث حسن صحيح) ورواه
أحمد من حديث معاذ، والحاكم في المستدرك من حديث بريدة.
٢٨٧ - (وعن أم) المؤمنين أم (سلمة) هند بنت أبي أمية، سبقت ترجمتها (رضي الله عنها)
في باب التوكل (قالت: قال رسول الله وَ له: أيما) بتشديد التحتية، وهي الشرطية، وحاصلة
للتأكيد، وأي مضافة إلى (امرأة ماتت) أي: فارقت الحياة مؤمنة (وزوجها عنها راض) جملة
حالية من الضمير المستكن في ماتت، والظرف متعلق براض قدم اهتماماً بشأنه (دخلت
الجنة) ظاهره ابتداء مع الفائزين، وهو محتمل بأن يغفر الله سيئاتها ويرضي عنها الخصماء
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الرضاع، باب: في حق الزوج على المرأة (الحديث: ١١٦٠).
(٢) أخرجه الترمذي في كتاب: الرضاع، باب: في حق الزوج على المراة، (الحديث: ١١٥٩).
١١٤
كتاب: دليل الفالحين
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ(١).
٢٨٨ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((لَا تُؤْذِي أَمْرَأَةٌ زَوْجَهَا
فِي الدُّنْيَا إلَّا قَالَتْ زَوْجُهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ: لا تُؤْذِيهِ، قَاتَلَكِ اللَّهُ! فَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَكِ
دَخِيلٌ يُوْشِكُ أَنْ يُفَارِقَكِ إِلَيْنَا)) .
(رواه الترمذي) وابن ماجه والحاكم (وقال) أي: الترمذي (حديث حسن) ثم مفهوم الحديث
أن من ماتت وهو عنها غير راض لا تدخل الجنة، أي: مع الفائزين كما تقدم أنه ظاهر
المنطوق، ويحتمل أن يبقى على عمومه ويحمل على ما إذا استحلت ذلك، وكان مما أجمع
على تحريمه وعلم من الدين بالضرورة، وقد علمت ذلك.
٢٨٨ - (وعن معاذ بن جبل) الأنصاري تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب المراقبة،
وقوله: (عن النبي (*) متعلق بمحذوف دل عليه المقام، حال من المجرور بعن، أي: ناقلاً
عن النبي ◌َ﴾ (أنه قال: لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا) أي: لا يقع منها معه ما من شأنه أن
يتأذى به من غير مجوز لذلك شرعاً، وإلا فطلب نحو النفقة ممن يتأذى بها لنحو بخله لا
يدخل الزوجة في ذلك. (إلا قالت زوجه) بالإِضافة إلى الهاء (من الحور) بضم الحاء
المهملة، وهن نساء أهل الجنة، واحدتهن حوراء، وهي الشديدة بياض العين الشديدة
سوادها. (العين) بكسر العين المهملة، أي: نجل العيون، وقال البيضاوي: جمع عيناً (لا
تؤذيه قاتلك الله) جملة دعائية، والمراد من المفاعلة فيه أصل الفعل، وعبر بها للمبالغة،
وأنها لما فعلت ذلك وتعرضت لعقوبة الله صارت كالمقاتلة له تعالى، فعبر بذلك (فإنما هو
عندك) في الدنيا (دخيل) أي: ضيف ونزيل، وعبرت بذلك لأن مدة المقام بالدنيا وإن طالت
فهي يسيرة بالنظر إلى الآخرة التي لا أمد لها، فعبرت بما يعبر به عن قصير الإِقامة، وهو
الضيف. (يوشك) بضم أوله وكسر الشين المعجمة، مضارع أوشك، ومنه قول الشاعر:
في بعض غراته يوافقها
يوشك من فر من منيته
وفي المصباح: أوشك من أفعال المقاربة، والمعنى الدنو من الشيء، وقال الفارابي:
ألا يشاك الإِسراع، لكن قال النحاة: استعمال المضارع أكثر من الماضي، واستعمال اسم
الفاعل منها أقل، قال بعضهم: وقد استعملوا ماضياً ثلاثياً فقالوا: وشك مثل قرب وشكا
اهـ. وتقدم في باب التوبة بعضه. (أن يفارقك) متنقلاً (إلينا) أي: فأحسني إليه، وفي
تعبيرها بالدخيل إيماء إلى ذلك، ففي الحديث الشريف: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الرضاع، باب: ما جاء في حق الزوج على المرأة (الحديث: ١١٦١).
١١٥
٣٥ - باب: في حق الزوج على المرأة
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَال: حَدِيثٌ حَسَنٌ(١).
٢٨٩ - وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((مَا تَرَكْتُ بَعْدِيِ
فِتْنَةٌ هِيَ أَضَرُّ عَلى الرِّجَالِ مِنَ النِّساءِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(٢).
فليكرم ضيفه)). (رواه الترمذي) آخر كتاب النكاح (وقال حديث حسن) غريب لا نعرفه إلا
من هذا الوجه اهـ. ورواه ابن ماجه في النكاح أيضاً.
٢٨٩ - (وعن أسامة بن زيد) بن حارثة الحب ابن الحب (رضي الله عنهما) الصحابي ابن
الصحابي ابن الصحابي، تقدمت ترجمته في باب الصبر (٣). (عن النبي ◌ّ قال: ما تركت
بعدي) أي: بعد وفاتي (فتنة) هي كما في المصباح: المحنة والابتلاء، والجمع فتن،
وأصلها من قولك فتنت الذهب والفضة إذا أدخلتهما النار لتمييز الجيد من الرديء. (هي
أضر على الرجال من النساء) أفاد الحديث أن الافتتان بهن أشد منه بغيرهن، ويشهد له قوله
تعالى: ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء﴾ (٤) فجعلهن من عين الشهوات، وبدأ بهن
قبل بقية الأنواع إشارة إلى أنهن الأصل في ذلك، ويقع في المشاهدة حب الرجل ولده الذي
هو من امرأته التي هي عنده، أشد من حبه لباقي ولده، ومن ذلك قصة النعمان بن بشير في
الهبة، وقد قال بعض الحكماء: النساء شر كلهن، وأشر ما فيهن عدم الاستغناء عنهن، ومع
نقص عقلهن يحملهن الرجل على تعاطي ما فيه ذلك، كشغله عن طلب أمور الدين، وحمله
على التهالك على طلب الدنيا، وذلك أشد الفساد، وقد أخرج مسلم من حديث أبي سعيد
الخدري في أثناء حديث: ((واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)) اهـ.
ملخصاً من الفتح للحافظ العسقلاني. (متفق عليه) رواه البخاري في كتاب النكاح، ومسلم
في آخر كتاب الدعاء، ورواه الترمذي في الاستئذان، والنسائي في عشرة النساء، وابن ماجه
في الفتن.
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الرضاع، باب: ١٩، (الحديث: ١١٧٤)، وأخرجه أحمد: (٢٤٢/٥).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: النكاح، باب: ما يتقى من شؤم المرأة (١١٨/٩).
وأخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: أكثر أهل الجنة الفقراء ...
(الحديث: ٩٧).
(٣) وقد تقدم في باب الصبر أن حارثة جد أسامة دعاه رسول الله وم طر إلى الإِسلام فأسلم اهـ. ش.
(٤) سورة آل عمران، الآية: ١٤.
٢٠٠
كتاب: دليل الفالحين
١١٦
٣٦ - باب: في النَّفقة على العيال
قَالَ اللَّهُ تَعَالى(١): ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
وَقَالَ: تَعالى(٢): ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ
اللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسَاً إِلَّ مَا آتَاها﴾.
وَقَالَ تَعَالَى (٣): ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ .
باب النفقة
المراد بها سائر المؤن من كسوة ونفقة وسكن (على العيال) بكسر العين المهملة،
أي: من يعولهم من زوجة وبعض وخادم، قال ابن النحوي في الإشارة إلى لغات المنهاج:
النفقة من الإِنفاق وهو الإِخراج، والنفقة الدراهم ونحوها من الأموال، تجمع على نفقات
وعلى نفاق أيضاً، وسميت بذلك إما لذهابها بالموت، وإما لرواجها من نفقت السوق، أو من
نفق البيع كثر طلابه، وإما لنفاذها من نفق الزاد إذا ذهب؛ لأنها عرضة للنفاد اهـ. (قال الله
تعالى: وعلى المولود له) أي: الذي يولد له، يعني الوالد، فإن الولد يولد له وينسب إليه،
وفي التعبير بما ذكر إشارة للمعنى المقتضي لوجوب النفقة عليه. (رزقهن وكسوتهن) أجرة
لهن، واختلف في استئجار الأم، فجوزه الشافعي ومنعه أبو حنيفة ما دامت زوجة أو معتدة
بنكاح. (بالمعروف) حسبما يراه الحاكم ويفي به وسعه. (وقال تعالى: لينفق ذو) أي:
صاحب (سعة) بفتح السين، وبه قرأ السبعة، وكسرها لغة، وقرأ به بعض التابعين. (من
سعته ومن قدر) أي: ضيق (عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله) فإنه تعالى لا يكلف نفساً إلا
وسعها، وفيه تطييب لقلب المعسر، ولذا عقبه بوعده باليسر بقوله: ﴿سيجعل الله بعد عسر
يسراً﴾(٤) (وقال تعالى: وما) شرط، أو بمعنى الذي، مبتدأ (أنفقتم من شيء) عمومه متناول
لليسير والحقير، (فهو يخلفه) عوضاً، إما عاجلاً أو آجلاً، وقيل: يخلفه في الدنيا بالقناعة
التي هي كنز لا يفنى، وبالثواب في الآخرة، والجملة جواب الشرط، وهل هي الخبر أو
الجملة الشرطية والجواب قيد له أو الخبر مجموعهما؟ أقوال أرجحها ثانيها، فإن كانت ما
موصولة فالجملة خبر المبتدأ.
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٣٣.
(٢) سورة الطلاق، الآية: ٧.
(٣) سورة سبأ، الآية: ٣٩.
(٤) سورة الطلاق، الآية: ٧.
٣٢٠٠
١١٧
٣٦ - باب: في النفقة على العيال
٢٩٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿: ((دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ
في سبيلِ اللَّهِ، وَدِينارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ
أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْراً الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
٢٩١ - وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ثَوْبَانَ بْنِ بُجْدُد مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴾ ﴿ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَفْضَلُ دِينارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ، وَدِيْنَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى
دَابَّتِهِ في
٢٩٠ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ الر: دينار) مبتدأ، وسوغ
الابتداء به مع كونه نكرة إرادة التنويع، فهو كقوله: فيوم لنا ويوم علينا، أو إرادة الجنس به
كقولهم: تمرة خير من جرادة، (أنفقته في سبيل الله) أي: في الجهاد بإعانة بذلك عليه،
ويحتمل أن المراد به الأعم، أي: في طاعة الله (ودينار أنفقته في رتبة) أي: فعتقت به، كان
بقي ذلك من النجم الذي على المكاتب، وبه تحصل حريته، أو المراد به الجنس، أي: وما
أنفق في عتق الرقبة وتخليصها من الرق، أو تصدق به عليها فخلصت به من التلف الذي كان
بها من الجوع والظمأ أو العري، وعلى الاحتمال الثالث فبينه وبين قوله: (ودينار تصدقت به
على مسكين) أي: محتاج فيشمل الفقير أيضاً عموم (ودينار أنفقته على عيالك) أي: من
تعولهم وفي نسخة على أهلك (أعظمها) أي: أكثرها (أجراً الذي أنفقته على أهلك) لأن من
تلزمه مؤنتهم يقع الانفاق فيهم واجباً، وهو أفضل من المندوب بأضعاف مضاعفة، ومن لا
تلزمه مؤنتهم يكون في الإِنفاق عليهم صلة رحمهم، وثوابها أعظم مما ذكر بكثير. (رواه
مسلم).
٢٩١ - (وعن أبي عبد الله) ويقال أبو عبد الرحمن (ثوبان بن بجدد) بضم الموحدة والدال
المهملة الأولى وسكون الجيم بينهما، والتصريح باسمه في نسخة (مولى رسول الله وَلا)
قيل: وجده مسبياً فأمر به فعتق، وقيل: شراه وعتقه، تقدمت ترجمته. (رضي الله عنه) في
باب المجاهدة (قال: قال رسول الله يل ر: أفضل دينار ينفقه الرجل) في سبيل الخير (دينار
ينفقه على عياله) أي: الذين يمونهم، وقدم هذا في الذكر اهتماماً به؛ لأنه أشرف الأنواع،
كما صرح به في الحديث قبله (ودينار ينفقه على دابته) التي يركبها، أو يحمل عليها (في
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: فضل النفقة على العيال ... (الحديث: ٣٩).
١١٨
كتاب: دليل الفالحين
سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
٢٩٢ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لِي أَجْرٌ
فِي بَنِي أَبِي سَلَمَةَ أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْهِمْ وَلَسْتُ بِتَارِكَتِهِمْ هَكَذَا وَهَكَذَا إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ؟
فَقَالَ: ((نَعَمْ لَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ))
سبيل الله ودينار ينفقه على أصحابه) الذين يركبون معه (في سبيل الله) الظاهر أن المراد به في
هذين الجهاد، ويصح أن يراد به الأعم هنا؛ لأن ثواب الإِنفاق على الدابة التي تركب أو
يحمل عليها في الطاعة، وعلى الأصحاب الذين يجتمعون على الطاعة عظيم، وعلى الثاني
فقد يشكل التساوي بين الثلاثة، فإنه إذا أريد مطلق الطاعة يكون الأول أفضلها، ويجاب بأنه
لا مانع أن الثلاثة وإن كانت أفضل من غيرها أن يكون أحدها أفضلها، فهو أفضل الأفضل،
ثم أفضل مبتدأ، خبره دينار، وما عطف عليه بتقدير تقديم العطف على الربط. (رواه مسلم)
في الزكاة، والترمذي في البر، وقال: حسن صحيح، والنسائي في عشرة النساء، وابن ماجه
في الجهاد.
٢٩٢ - (وعن) أم المؤمنين (أم سلمة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله هل) يكتب
(لي أجر) أي: ثواب أخروي (في بني أبي سلمة) تعني أولادها منه (أن أنفق عليهم) بدل من
بني سلمة، بدل اشتمال، أي: هل يكتب لي أجر في الانفاق عليهم؟ (و) الحال أني (لست
بتاركتهم هكذا وهكذا) أي: يتفرقون لطلب القوت يميناً وشمالاً، بل أنا كافيتهم ذلك
بحسب الطبع؛ لأن شفقة الأمومة تحمل على تكلف القيام بما يحتاج إليه الأولاد، وقولها:
(إنما هم بني) بفتح الموحدة وتشديد التحتية، هو تعليل لما أفاده الاستفهام التعجبي من
ترتب الثواب على الإِنفاق عليهم المنسوب لشفقة الأمومة، وشأن أعمال البر أن شوب غيرها
بها يسقطها، وهذا حالها وحالهم (فقال: نعم) أي: لك أجر، وسكت عن جوابها عن سبب
التعجب المذكور علماً منه أنها إذا أخبرت بترتب الثواب عليه، إنما تأتي به لذلك لا غير،
وحينئذ فلا شوب، ولما كان في قولها هل لي أجر إبهام، وكان لو اقتصر على قوله نعم،
لأوهم أن لها ثواباً زائداً على قدر ما تنفقه عليهم، دفعه بقوله: (لك أجر ما) هو في الأصول
المصححة من الصحيحين بالإِضافة، فما موصول، أو موصوف صلة، أو صفته جملة،
قوله: (أنفقت عليهم) قليلاً كان أو كثيراً، قال السيوطي في التوشيح، وجوز بعضهم تنوينه
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: فضل النفقة على العيال ... (الحديث: ٣٨).
٣٦ - باب: في النفقة على العيال
١١٩
مُتَّفَقْ عَلَيْهِ(١).
٢٩٣ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي حَدِيثِهِ الطّوِيلِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ
فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فِي بَابِ النِّيَّةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ لَهُ: ((وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي
بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إلَّا أُجِرْتَ بِهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(٢).
٢٩٤ - وَعَنْ أَبي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ لَهُ
على أن ما وقتية، ((قلت)): أو موصولة وثمة مضاف مقدر، أي: قدر ما أنفقته، (متفق عليه)
أخرجاه في كتاب الزكاة .
٢٩٣ - (وعن سعد بن أبي وقاص) مالك بن وهيب، أحد العشرة (رضي الله عنه في حديثه
الطويل الذي قدمناه أول الكتاب في باب النية) الذي فيه أن النبي ◌َّ عاده عام حجة الوداع
من وجعٍ اشتد به، (أن رسول الله وَّل قال له: وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله) أي:
ذات الله تعالى وطلب مرضاته، وفيه تعميم للنفقة باعتبار قلتها، وكثرتها وجلالتها وحقارتها،
وباعتبار مصرفها (إلا أجرت بها) أي: أجرك الله بسببها، والسببية صورية، وإلا فلا سبيل
للوصول للفضل إلا بمحض الفضل، (حتى) غاية للعموم المستفاد مما قبله باعتبار
المصرف، (ما) أي: الذي أو شيئاً (تجعل) بحذف العائد المنصوب، أي: تجعله (في في
امرأتك) أي: فمها، وإنما غيا به لأنه ربما يتوهم أنها لكونها محل قضاء الوطر أنه لا ثواب
فيما يسدي إليها من الجميل، فأفاد أن كل شيء قصد به وجه الله تعالى أثيب عليه فاعله،
وأخذ منه أن المباحات إذا اقترن بها النية تنتقل إلى درجة الطاعات، ويثاب عليها، فللوسائل
حكم المقاصد. (متفق عليه) وتقدم ثمة بيان من خرجه.
٢٩٤ - (وعن أبي مسعود) عقبة بن عمرو (البدري) نسبة لبدر؛ لكونه سكنها الا أنه شهد
وقعتها على ما تقدم فيه، وتقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب المجاهدة (عن النبي ◌َّيل
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر (٢٦١/٣).
وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: فضل النفقة والصدقة ... (الحديث: ٤٧).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الإِيمان، باب: ما جاء أن الأعمال بالنية، والجنائز، باب: رئي النبي وَلـ
سعد بن خولة، والمغازي، باب: حجة الوداع وغيرهما (١٣٢/٣).
وأخرجه مسلم في كتاب: الوصية، باب: الوصية بالثلث، (الحديث: ٥).
١٢٠
كتاب: دليل الفالحين
قَالَ: ((إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةً يَحْتَسِبُهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
٢٩٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿: كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمَاً أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ)) حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ
وَغَيْرُهُ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِمَعْنَاهُ قَالَ: ((كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمَاً أَنْ يَحْبِسَ عَمِّنْ
يَمْلِكُ قُوتَهُ))(٢) (٣).
قال: إذا أنفق الرجل) المسلم، كما في رواية المشكاة، بدل قوله الرجل (على أهله) الذين
تلزمه مؤنتهم وغيرهم (يحتسبها) عند الله، أي: يقصد بها وجه الله والتقرب إليه، والجملة
حالية، (فهو) أي: المنفق الدال عليه بقوله إذا أنفق (له صدقة) أي: عظيمة الثواب لما فيها
من أداء الواجب، وصلة الرحم الوارد فيه (٤) من الثواب ما لا يحصيه إلا المتفضل به (متفق
عليه).
٢٩٥ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص) كذا هو بحذف الياء، وتقدم أن الأفصح بناء
على كونه منقوصاً إثبات الياء (رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَّر: كفى بالمرء إثماً)
الباء زائدة في المفعول به، وإثماً تمييز محول عن الفاعل، والأصل كفى المرء في عظم
الإِثم إثم تضييع من يقوت، قال ابن رسلان: أي: لو لم يكن له من الإِثم إلا هذا لكفاه
لعظمه عند الله تعالى، وفاعل كفى هو قوله: (أن يضيع من يقوت) يقال قاته يقوته إذا أعطاه
قوته، ويقال فيه أقاته يقيته، وروي ((أن يضيع من يقيت)) على لغة أقات، والمراد: أن يمنع
من تلزمه نفقته من زوجة وولد ووالد ويعطي غيرهم ولو صدقة اهـ. ولم أر من تعرض لضبط
يضيع، هل هو من الأفعال أو من التفعيل، والدائر على ألسنة المشايخ الثاني (حديث
صحيح رواه أبو داود) في آخر كتاب الزكاة (وغيره) فرواه النسائي في عشرة النساء، والبزار
(ورواه مسلم في صحيحه بمعناه) وأوله عنده: ((أن ابن عمرو قال لقهرمان(٥): هل أعطيت
الرقيق قوتهم؟ قال: لا، قال: فانطلق فأعطهم فإني سمعت رسول الله وَالر (قال: كفى
بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته) حذف مفعول يملك، أي: يملك القيام بأمره، وقوته
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: ما جاء أن الأعمال بالنية وأول كتاب النفقات (٤٣٧/٩).
وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: فضل النفقة والصدقة ... (الحديث: ٤٨).
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب: الزكاة، باب: في صلة الرحم، (الحديث: ١٦٩٢).
(٣) أخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: فضل النفقة على العيال ... (الحديث: ٤٠).
(٤) قوله فيه الذي يظهر فيهما والله أعلم. ش.
(٥) القهرمان: هو الخازن القائم بحوائج الإِنسان. وهو بمعنى الوكيل.