النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
٢٧ - باب: في تعظيم حرمات المسلمين
عِرْضُهُ، وَمَالُهُ، وَدَمُهُ، التَّقْوَى هَهُنَا، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشُّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ)»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ(١)
أخاه بالغيب وهو يستطيع نصره نصره الله في الدنيا والآخرة)) (كل) مبتدأ (المسلم) فيه رد
على من زعم منع إضافة كل للمعرفة . (على المسلم حرام) خبر، ويبدل من كل. (عرضه)،
أي: حسبه ومفاخره ومفاخر آبائه، بأن تنتهك بالسب والغيبة والبهت، ويمنع من حمل
العرض هنا على النفس وإن كان يطلق عليها لغة؛ أنه لو حمل عليها لكان تكراراً مع قوله
ودمه، إذ هو عبارة عن النفس. (وماله) بأن يغصب أو يخان فيه. (ودمه)، أي: نفسه، بأن
يتعرض لها بقتل، أو أطرافها. وأدلة تحريم هذه الثلاثة مشهورة في الكتاب والسنة وإجماع
الأمة، وجعلها كل المسلم، وحقيقته لشدة اضطراره إليها، أما الدم: فلأن به حياته ومادته
المال فهو مادة الحياة، والعرض به قيام صورته المعنوية، واقتصر عليها لأن ما سواها فرع
عليها وراجع إليها؛ لأنها إذا قامت الصورة الحسية والمعنوية فلا حاجة إلى غير ذلك،
وقيامها بتلك الثلاثة لا غير، ولكون حرمتها هي الأصل لم يحتج إلى تقييدها بما إذا لم
يعرض ما يبيحها شرعاً، كالقتل قوداً، وأخذ مال المرتد فيئاً، وتوبيخ المسلم تعزيراً، ونحو
ذلك. (التقوى ههنا)، أي: في القلب (بحسب) بإسكان السين والباء فيه مزيدة، وهو
مبتدأ، أي: كافي (امرىء)، أي: شخص (من الشر)، في أخلاقه ومعاشه ومعاده. (أن
يحقر أخاه المسلم) لأن الله إذا لم يحتقره إذ أحسن تقويم خلقه، وسخر له ما في السموات
والأرض كله لأجله، ومشاركة غيره له فيه بطريق التبع، وسماه مسلماً أو مؤمناً وعبداً، وجعل
الأنبياء الذين هم أفضل المخلوقين من جنسه، كان احتقاره احتقاراً لما عظمه الله وشرفه،
وهو من أعظم الذنوب والجرائم، قال : ((لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر))
وقد فسره في الحديث بقوله الكبر بطر الحق وغمط الناس، أي: احتقارهم، ومنه أن لا يبدأه
بالسلام احتقاراً له، ولا يرده عليه (رواه الترمذي) ومعناه عند مسلم في الحديث الآتي
عقبه، قال السخاوي في تخريج الأربعين للمصنف: رواه الترمذي بجملته، وذكر فيه بعد
وعرضه التقوى ههنا، ويشير بيده إلى صدره، ثم قال: بحسب، ورواه أبو داود مقتصراً على
كل المسلم الخ، دون قوله وأشار بيده إلى صدره (وقال)، أي: الترمذي (حسن) وزاد
السخاوي عنه، حسن صحيح، وقال المصنف في الأذكار: وما أعظم نفعه وأكثر فوائده
اهـ.
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: أبواب البر، باب: ما جاء في شفقة المسلم على المسلم، (الحديث: ١٩٢٨).

٢٢
كتاب: دليل الفالحين
٢٣٦ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((لاَ تَحَاسَدُوا،
وَلاَ تَنَاجَشُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ ؛ وَكُونُوا
٢٣٦ - (وعنه)، أي: عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله وَ لير: لا تحاسدوا)، أي: لا
يحسد بعضكم بعضاً، وأصله تتحاسدوا بتاءين، حذفت إحداهما تخفيفاً، وهل هي تاء
المضارعة، أو فاء الكلمة، فيه خلاف، وقد أجمع الناس من المتشرعين وغيرهم على حرمة
الحسد وقبحه، ونصوص الشرع الواردة بذلك كثيرة في الكتاب والسنة، وهو لغة وشرعاً
تمني زوال نعمة المحسود، ويخالف الغبطة فإنما هي تمني مثل تلك النعمة مع بقائها
لصاحبها، ووجه ذم الحسد وقبحه، أنه اعتراض على الله تعالى، ومعاندة له، حيث أنعم
على غيره مع محاولته نقض فعله وإزالة فضله، ومما يوضح ظلمه أنه يلزمه أن يحب
المحسوده ما يحب لنفسه، وهو لا يحب لها زوال نعمتها، فقد أسقط حق محسوده مع ما فيه
من تعب النفس وحزنها من غير فائدة وبطريق محرم، فهو تصرف رديء. والحسد أقسام:
فمنهم من يسعى بلسانه ويده في نقل نعمة المحسود لنفسه أو لغيره، وهو أخبث أنواعه.
ومنهم من لا يسعى في ذلك، فهذا غير آثم كما قال الحسن البصري، بل ورد مرفوعاً من
وجوه ضعيفة، وظاهر أن محله إن عجز عن إزالة الحسد من نفسه، بأن جاهدها في تركه ما
استطاع، بخلاف من يحدث نفسه به اختياراً مع تمني إزالة نعمة المحسود، فهذا لا شك في
تأثيمه، بل تفسيقه، ومنهم من يسعى في حصول مثل المحسود عليه، فهذا حسن إن كان في
الأمور الدينية، فقد تمنى ﴿ الشهادة في سبيل الله، ولا حسن فيه في الأمور الدنيوية، كذا
لخص من الفتح المبين، (ولا تناجشوا)، أي: لا ينجش بعضكم على بعض بأن يزيد في
السلعة، لا لرغبة فيها بل ليخدع غيره، وهو حرام إجماعاً على العالم بالنهي، سواء كان
بمواطأة البائع، أم لا، لأنه غش وخداع وهما محرمان، ولأنه ترك للنصح الواجب، ويصح
تفسير النجش هنا بما هو أعم من ذلك، لأن النجش لغة: إثارة الشيء بالمكر والحيلة
والخداع، فالمعنى: لا تتخادعوا ولا يعامل بعضكم بعضاً بالمكر والاحتيال وإيصال الأذى
إليه. قال تعالى: ﴿ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله﴾(١) فيدخل فيه على هذا جميع أنواع
المعاملات بالغش ونحوه، كتدليس عيب وكتمه، وخلط جيد برديء، ويجوز المكر بمن
يحل أذاه وهو الحربي، ومن ثم قال ◌َّار: ((الحرب خدعة)) (ولا تباغضوا)، أي: لا يبغض
بعضكم بعضاً، أي: لا تتعاطوا أسباب البغض، لأنه قهري، كالحب لا قدرة للإِنسان على
اكتسابه ولا يملك التصرف فيه، وهو النفرة عن الشيء لمعنى فيه مستقبح، وترادفه الكراهة،
(١) سورة فاطر، الآية: ٤٣.

:: ٢٧ - باب: في تعظيم حرمات المسلمين
٢٣
عِبَادَ اللَّهِ إِخْواناً،
ثم هو بين اثنين، إما من جانبيهما أو من جانب أحدهما، وعلى كل فهو لغير الله تعالى
حرام، وهو محمل الحديث، وله واجب ومندوب، قال رَ له: ((من أحب الله وأبغض لله
وأعطى لله فقد استكمل الإِيمان)) وبغض الإِنسان لله تعالى لمن خالفه المتجه، أن مخالفة
الغير له إن علم أنها نشأت عن اجتهاد لكونه من أهله لا يجوز له بغضه حينئذ، لأنه ليس لله،
إذ الذي له ما يكون لأجل المعصية ولا معصية هنا، لأن المجتهد مأجور وإن أخطأ، وإن
علم أنها نشأت عن تعصب وهوى نفس، أو تقصير في البحث جاز. ولشرف الألفة امتنّ بها
تعالى على عباده فقال: ﴿واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم
بنعمته إخواناً﴾(١) ولذا كانت حرمة النميمة أشد لما فيها من إيقاع العداوة والبغضاء، وجاز
الكذب للاصلاح. (ولا تدابروا)، أي: لا يدبر بعضكم عن بعض، أي: يعرض عما يجب
له من حقوق الإِسلام، كالإِعانة والنصر وعدم الهجران في الكلام أكثر من ثلاثة أيام إلا لعذر
شرعي، كرجاء صلاح أحدهما، ووجه مغايرته لما قبله أن الشخص قد يبغض ويوفي الحق،
وقد یعرض لنحو تهمة أو تأديب وهو محب. (ولا يبع) نهي تحريم عندنا. (بعضكم) معشر
المكلفين من المسلمين والذميين، والتقييد بالمسلم في الأخبار لا مفهوم له. (على بيع
بعض) فلا يجوز لأحد بغير إذن البائع أن يقول لمشتري سلعة في زمن الخيار، افسخ هذا
البيع وأنا أبيعك مثله بأرخص من ثمنه أو أجود منه بثمنه، وذلك لما فيه من الإِيذاء الموجب
للتنافر والبغض، ومن ثم ورد ذلك بأنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم، ومثله الشراء على
الشراء بغير إذن المشتري، بأن يقول آخر لبائع زمن الخيار: افسخ البيع لأشتريه منك
بأغلى، أما بعد انقضاء الخيار فلا تحريم، إذ لا مقتضي له، وكونه يؤدي إلى الإلحاح عليه
حتى يقبله، فيؤدي إلى ضرر مردود بأنه متمكن من عدم الرد، فإن اختاره كان هو المضر
بنفسه، والإلحاح إنما يقتضي تحريم ذاته؛ لأنه إضرار بالملحوح عليه (وكونوا عباد الله)،
أي: يا عباد الله (إخواناً)، أي: اكتسبوا ما تصيرون به إخواناً مما سبق ذكره وغيره، مما
يدعو إلى الألفة ويمنع من النفرة، أي: تعاونوا وتعاشروا معاملة الأخوة ومعاشرتهم في المودة
والرفق والشفقة والملاطفة والتعاون في الخير مع صفاء القلب والنصيحة بكل حال، وهذا
كالتعليل لما قبله كأنه قيل: إذا تركتم التحاسد وما بعده كنتم إخواناً وإلا كنتم أعداء، وفي
قوله عباد الله، إشارة إلى أن حق العبيد إطاعة أمر سيدهم بأن يكونوا كالإِخوان فيما مر،
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٠٣.

٢٤
كتاب: دليل الفالحين
الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ: لَا يَظْلِمُهُ، وَلاَ يَحْقِرُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، التَّقْوَى هَهُنا،
(وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ)، بِحَسْبٍ آمْرِىءٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ
ووجه طاعة الله في كونهم إخواناً، التعاضد على إقامة وإظهار شعاره، إذ بدون ائتلاف
القلوب لا يتم ذلك، كما قال تعالى: ﴿هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين * وألف بين
قلوبهم﴾(١) الآية. (المسلم أخو المسلم)، أي: لأنهما لجمع دين واحد لهما أشبها
الأخوين المجتمعين في ولادة من صلب أو رحم أو منهما، بل الاخوة الدينية أعظم من
الأخوة الحقيقية؛ لأن ثمرة هذه دنيوية وثمرة تلك أخروية. (لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره)
بفتح أوله وبالمهملة والقاف المكسورة، أي: لا يستصغر شأنه ويضع من قدره؛ لأن الله
تعالى لما خلقه لم يحقره بل رفعه وخاطبه وكلفه، فاحتقاره تجاوز لحد الربوبية في الکبریاء،
وهو ذنب عظيم، ومن ثم ورد كما تقدم: ((بحسب امرىء من الشر)) ... الخ فالاحتقار
ناشىء عن الكبر، فهو بذلك يحتقر الغير ويراه بعين النقص ولا يراه أهلاً لأن يقوم بحقه،
وروي بضم أوله وبالخاء المعجمة والفاء، أي: لا يغدر عهده ولا ينقض أمانه، قال القاضي
عياض: والمعروف الصواب هو الأول الموجود في كتاب مسلم، ويؤيده رواية، (ولا
يحتقره)) ومعنى هذه الجملة، أن من حق الإِسلام وأخوته أن لا يظلم المسلم أخاه ولا يخذله
ولا يكذبه ولا يحقره، وللإِسلام حقوق ذكرت في غير هذا الحديث، وجمعت في حديث:
((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) وتخصيص ذلك بالمسلم لمزيد حرمته لا
لاختصاص به من كل وجه؛ لأن الذمي يشاركه في حرمة ظلمه وخذلانه، بنحو ترك دفع
عدوه عنه والكذب عليه واحتقاره، أي: من غير حيثية الكفر القائم به، أما من تلك الحيثية
فجائز، قال تعالى: ﴿ومن يهن الله فما له من مكرم﴾(٢). (التقوى) وهي اجتناب عذاب الله
بفعل المأمور وترك المحظور. (ههنا ويشير بيده إلى صدره ثلاث مرات)، أي: محل مادتها
من الخوف الحامل عليها القلب الذي هو عند الصدر. قال وسلم: ((إن الله لا ينظر إلى
أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم))، أي: إن الأعمال الظاهرة لا تحصل بها
التقوى، إنما تحصل بما يقع في القلب من عظيم خشية الله ومراقبته، فمن ثم كان نظر الله
بمعنى محازاته ومحاسبته على ما فى القلب من خير وشر دون الصور الظاهرة، إذ الاعتبار
في ذلك كله بالقلب. وفي الحديث دليل على أن العقل في القلب دون الرأس، وفيه خلاف
(١) سورة الأنفال، الآيتان: ٦٢، ٦٣.
(٢) سورة الحج، الآية: ١٨.

٢٥
٢٧ - باب: في تعظيم حرمات المسلمين
الْمُسْلِمَ؛ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
((النَّجْشُ)): أَنْ يَزِيدَ فِي ثَمَنِ سِلْعَةٍ يُنادَى عَلَيْهَا فِي السُّوقِ وَنَحْوِهِ وَلاَ رَغْبَةً لَهُ في
شِرائِها بَلْ يَقْصِدُ أَنْ يَغُرَّ غَيْرَهُ، وَهَذَا حَرامٌ. و((الَّدَابُ)): أَنْ يُعْرِضَ عَنِ الإِنْسَانِ
وَيَهْجُرَهُ وَيَجْعَلَهُ كَالشَّيْءِ الذِي وَرَاءَ الظَّهْرِ والدُّبُرِ(١).
٢٣٧ - وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ، قَالَ: ((لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى
يُحِبُّ لأَخِيهِ
الراجح منه. هذا ووجه مناسبة هذا لما قبله الإعلام بأن كرم الخلق إنما هو التقوى، فرب
حقير عند الناس أعظم قدراً عند الله من كثير من عظماء الدنيا. (بحسب امرىء من الشر أن
يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) تقدم الكلام عليه في
الحديث قبله، وقدم هنا الدم، أي: النفس لأنها الأصل، والمال لتعلق النفس به أتم، لكونه
قوامها، فلم يظهر وجه تأخير العرض حينئذ، وحكمة تقديمه عليهما ثمة أن الابتلاء بالوقوع
فيه أكثر منه فيهما، فابتدىء به اهتماماً به، زيادة في التحذير منه والبعد عنه. (رواه مسلم)
قال الحافظ السخاوي في تخريج الأربعين التي جمعها المؤلف: هذا حديث صحيح رواه
أحمد ومسلم في صحيحه وعنده في بعض طرقه من الزيادة ((إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا
إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأشار بأصابعه إلى صدره)). وأخرج ابن ماجه بعضه،
وأبو عوانة أيضاً، وأبو نعيم بتمامه في المستخرج اهـ. (النجش) بسكون الجيم، لغة: إثارة
الشيء بالمكر والخديعة وشرعاً: (أن يزيد في ثمن سلعة ينادى عليها في السوق ونحوه) من
مواطن البيع (ولا رغبة له في شرائها بل يقصد أن يُغرَّ غيره) أما إذا كان المال لنحو يتيم ورآه
يباع بأقل من ثمن(٢) المثل وقصد وصوله لثمن مثله الواجب فيه لا إضرار الغير، فلا. (وهذا
حرام) مع العلم. (والتدابر أن يعرض)، أي: الإِنسان (عن الإِنسان) احتقاراً له (ويهجره)
فوق ثلاثة أيام (ويجعله كالشيء الذي وراء الظهر والدبر) في عدم الاحتفال به والاهتمام
بشأنه.
٢٣٧ - (وعن أنس رضي الله عنه عن النبي ◌َّ قال: لا يؤمن أحدكم)، أي: إيماناً كاملاً
(حتى يحب لأخيه)، أي: المسلم، فيجب على كل مسلم من حيث إنه مسلم أن لا يخص
(١) أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم ظلم المسلم وخذله ... (الحديث: ٣٢).
(٢) الذي في المبيضة المال وهو أحسن من المثل. ش.

٢٦
كتاب: دليل الفالحين
مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)) مُتَّفَقْ عَلَيْهِ(١).
أحداً منهم دون الآخر، لأن إضافة المفرد تفيد العموم. (ما يحب لنفسه) من الطاعات
والمباحات، أي: ويبغض له مثل ما يبغضه لنفسه، وسكت عنه مع كونه من كمال الإِيمان،
اكتفاء بذكر ضده، قال العلماء: في هذا الحديث من الفقه أن المؤمن مع المؤمن كالنفس
الواحدة، فينبغي أن يحب لها ما يحب لنفسه من حيث إنهانفس واحدة، كما في الحديث:
((المسلمون كالجسد الواحد)) ... الحديث. وقال ابن العماد: الأولى أن يحمل على عموم
الأخوة(٢) حتى يشمل الكافر، فيحب لأخيه الكافر ما يحب لنفسه من دخوله في الإِسلام،
كما يحب للمسلم دوامه، ومن ثم كان الدعاء بالهداية مستحباً، وحتى هنا جارة؛ لأن ما
قبلها غير ما بعدها فإنه غاية لنفي الكمال. ثم ظاهر الخبر أن هذه المحبة كافية في كماله وإن
لم يأت ببقية أركانه، وليس مراداً، بل إنما ورد تحريضاً على التواضع ومحاسن الأخلاق،
وترغيباً في محبة المسلمين بعضهم بعضاً وائتلافهم، ولا يخفى أن ذلك يؤدي إلى التعاضد
والتناصر وبه ينتظم شمل الإِيمان وتتأيد شرائعه، كما علم مما مر في الحديث قبله، أو ورد
مبالغة حتى كان تلك المحبة ركنه الأعظم، ((كالحج عرفة)) إذ هي مستلزمة لبقية أركانه، ثم
المكلف به مقدمات المحبة مما تقدم لا المحبة نفسها؛ لأنها ميل طبيعي لا يطاق تحت
نطاق الاختيار، والتكليف به تكليف بمحال، فالمراد إيثار ما يؤدي للمحبة مما يقتضي العقلِ
اختياره، وإن كان خلاف هوى الإِنسان كالدواء، فإنه يكرهه المريض طبعاً ويميل إليه اختياراً
بحكم عقله لعلمه بأن صلاحه فيه، والمراد محبة الرحمة والإِشفاق. (متفق عليه) قال
السخاوي في التخريج المذكور بعد تخريجه باللفظ المذكور وشك غندر فقال لأخيه أو
لجاره ((قلت)): وكذلك هو عند مسلم بالشك فيهما قال السخاوي ولفظ المعلم (٣) وهمام:
((لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير)) زاد المعلم أوله: ((والذي نفسي
بيده ما لفظه، هذا حديث صحيح)) ورواه أبو داود والطيالسي في مسنده، والدارمي وعبد في
مسنديهما، وابن ماجه في سننه، وأبو عوانة في مستخرجه، وابن حبان في صحيحه، وعند
الترمذي حديث صحيح وكذا اتفق عليه الشيخان من حديث يحيى بن سعيد القطان عن
حسين المعلم، لكن بدون ((قوله من الخير)) وهي صحيحة؛ لأنها خارجة من مخرج
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه. (٥٣/١، ٥٤).
وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: الدليل على أن من خصال الإِيمان ... (الحديث: ٧١).
(٢) أي الإِنسانية لا الدينية.
(٣) اسم راو. ش . .

٢٧
٢٧ - باب: في تعظيم حرمات المسلمين
٢٣٨ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: («انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمَاً
أَوْ مَظْلوماً))، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلوماً، أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ ظَالِماًكَيْفَ
أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: ((تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١).
الصحيحين، بل هي على شرطهما، وأخرجها ابن منده في كتاب الإِيمان من حديث
روح بن عبادة عن المعلم، ووافق المعلم عليها همام ا هـ. وقد سبق الحديث مشروحاً آخر باب
النصيحة .
٢٣٨ - (وعنه) أي: أنس (قال: قال رسول الله وَالقول: انصر أخاك) ولا تخذله (ظالماً) كان؛
لأنه مظلوم حقيقة كما سيأتي (أو مظلوماً) بأن تعدى عليه إنسان في نفسه، أو ماله، أو
عرضه. (فقال رجل أنصره إذا كان مظلوماً)، أي: بدفع الظلم أو منعه منه. (أرأيت)
أخبرني (إن كان)، أي: أخي (ظالماً) بالتعدي على الغير فيما ذكر. (كيف أنصره قال
تحجزه) بضم الجيم، أي: تجعل نفسك حاجزاً له. (أو) شك من الراوي. (تمنعه من
الظلم فإن ذلك) أي: المنع من الظلم (نصره) قال الحافظ ابن حجر، قال ابن بطال: النصر
عند العرب الإعانة، وتفسيره لنصر الظالم بمنعه من الظلم من تسمية الشيء بما يؤول إليه،
وهو من وجيز البلاغة، قال البيهقي : معناه أن الظالم مظلوم في نفسه، فيدخل فيه ردع المرء
عن ظلمه لنفسه حساً ومعنى، فلو رأى إنساناً يريد أن يجب نفسه لظنه أن ذلك يزيل مفسدة
طلبه للزنا مثلاً، منعه من ذلك وكان ذلك نصراً له، واتحد في هذه الصورة الظالم
والمظلوم .
((لطيفة)) ذكر المفضل الضبي في كتابه الفاخر، أن أول من قال أنصر أخاك ظالماً أو
مظلوماً جندب بن العنبر بن عمروبن تميم، وأراد بذلك ظاهره، وهو ما اعتاده من حمية
الجاهلية لا ما فسر في الحديث وأنشدوا.
إذا أنا لم أنصر أخي وهو ظالم على القوم لم انصر أخي حين يظلم
(رواه البخاري) قال في الجامع الصغير: وأحمد والترمذي كلهم عن أبي هريرة،
ورواه الدارمي وابن عساكر عن جابر مرفوعاً بلفظ: ((انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً إن يك
ظالماً فاردده عن ظلمه وإن يك مظلوماً فاردد عنه ظلمه)) اهـ.
(١) أخرجه البخاري في كتاب: المظالم، باب: اعن أخاك ظالما أو مظلوماً (٧١/٥) وفي الإكراه، باب: يمين
الرجل لصاحبه إنه أخوه إذا خاف عليه القتل أو نحوه. (١٢ /٢٨٩).

٢٨
كتاب : دليل الفالحين
٢٣٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ هِ، قَالَ: ((حَقُّ الْمُسْلِمِ
عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسُ: رَدُّ السَّلامِ، وَعِيَادَةُ الْمَريضِ، واتّباعُ الْجَنَائِزِ، وَإِجابَةُ
٢٣٩ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَير قال: حق المسلم) قال الحافظ
ابن حجر: معنى الحق هنا الوجوب، خلافاً لقول ابن بطال، ((المراد حق الحرمة والصحبة)»
والظاهر أن المراد به هنا الأمر المطلوب على وجه التأكيد، ويؤيده قول الشيخ زكريا: ((يعم
وجوب العين والكفاية والندب))، أي: فيفسر بالأمر المطلوب للمسلم، (على المسلم
خمس) لا ينافي ما في الرواية بعده أنه ست، إما لأن العدد لا مفهوم له، وإما لأن محل
العمل بمفهومه ما لم يعلم خلافه، فإن الحقوق المتأكدة كثيرة، واقتصر على ما ذكر إما لأنها
المشروعة إذ ذاك وما عداها شرع بعد، وإما لأنها الأنسب بحال السامعين لتساهلهم فيها أو
شدة احتياجهم إليها. (رد السلام) وهو واجب عيناً إذا كان المسلم عليه واحداً، وكفاية إذا
كانوا جمعاً، قال الحليمي: وإنما وجب رد السلام؛ لأن معناه الأمان، فإذا ابتدأ به المسلم
أخاه فلم يجبه يتوهم منه الشر فيجب عليه دفع ذلك الوهم. ((قلت)): ولذا لم يسقط الفرض
برد مميز عن المكلفين، بخلاف فرض صلاة الجنازة فيسقط به عنهم؛ لأن القصد منه
الدعاء، والمميز من أهله، والقصد هنا التأمين وليس من أهله. (وعيادة المريض) واختلف
فيها هل هي فرض كفاية أو سنة؟ فقال الجمهور: هي في الأصل مندوبة وقد تصل إلى
الوجوب في حق بعض دون بعض. وعن الطبري: تتأكد فيمن ترجى بركته، وتسن فيمن
يراعى حاله، وتباح فيما عدا ذلك، وفي المشرك خلاف. قال الماوردي: هي مباحة، وقد
يقترن بها ما يصيرها قربة، كرجاء إسلامه، وقد نقل المصنف الإجماع على عدم وجوب
العيادة، أي: عيناً، وعموم المريض يقتضي عيادة كل مرض ولو أرمد، وحديث ((ثلاثة ليس
لهم عيادة العين والدمل والضرس)) صحح البيهقي وقفه على يحيى بن كثير، وقد جاء في
عيادة الأرمد بخصوصها حديث زيد بن أرقم قال: ((عادني رسول الله مَّ من وجع كان
بعيني)) أخرجه أبو داود والحاكم وصححه، وهو عند البخاري في الأدب المفرد. ويؤخذ من
إطلاق الحديث أنها لا تتقيد بزمن يمضي من ابتداء المرض، وهو قول الجمهور، وجزم
الغزالي في الإِحياء بأنه لا يعاد إلا بعد ثلاث، ولا بيوم معين، وما اعتاده بعض الناس من
كراهتها في أيام مخصوصة لا أصل له، وسيأتي بسط الكلام في ذلك مع باقي آداب العيادة
في باب عيادة المريض. (واتباع الجنائز)، أي: تشييعها من محلها، أو محل الصلاة، فهو
سنة متأكدة. (وإجابة الدعوة) وهي واجبة في وليمة العرس بشروطها المقررة في الفقه وفي
سائر الولائم، وهي سنة متأكدة. (وتشميت) بالمهملة وبالمعجمة. (العاطس) أي: الدعاء

٢٩
٢٧ - باب: في تعظيم حرمات المسلمين
الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ))، مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. وَفِي رِوايَةٍ لِمُسْلِمِ ((حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى
المُسْلِمِ سِتْ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلُّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ،
وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتْبَعْهُ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ (١)
٢٤٠ - وَعَنْ أَبى عُمَارَةَ
له بالخير والبركة من السمت أو الشوامت، وهي القوائم، كأنه دعاء للعاطس بحسن السمت
والهدى، أو بالثبات على الطاعة، وقيل معناه: أبعدك الله عن الشماتة. وهو بعد حمد
العاطس سنة متأكدة عيناً إن لم يكن غيره، وإلا فكفاية بأن يقول له رحمك الله. (متفق عليه
وفي رواية لمسلم) عن أبي هريرة أيضاً. (حق المسلم على المسلم ست)، أي: ست
خصال، وفي المشكاة قيل: ما هن يا رسول الله قال: (إذا لقيته فسلم عليه) فهي وما بعدها
من الجمل المتعاطفة على هذا التقدير مقول القول، وعلى عدمه فيحتمل أن يكون كذلك
من باب حذف القول وإبقاء المقول وهو كثير في كلام العرب، حتى قال أبو علي الفارسي :
هو من حديث عن البحر حدث ولا حرج. ويحتمل أن يكون بدلاً من ست، أو خبراً لمبتدأ
محذوف، أي: هي إذا لقيته فسلم عليه، أي: ابدأه به ندباً عينياً إن كنت وحدك وإلا فعلى
الكفاية. (وإذا دعاك فأجبه) وجوباً عينياً إذا دعاك إلى وليمة عرس وإلّ فعلى الكفاية، ولا بد
من إطاقة التخليص في الحالين، وندباً إذا دعاك إلى غير وليمة عرس ونحوها. (وإذا
استنصحك)، أي: طلب منك النصح، وهو تحري ما به الصلاح من قول أو فعل. (فانصح
له) وجوباً عليك بأن تذكر له ما به صلاحه، وطلبه ليس شرطاً لوجوب بذله أو ندبه؛ لأنه
يجب تارة ويندب أخرى لمن طلب ومن لم يطلب، فذكره إنما هو لإفادة أن تأكده بعد
الطلب أكثر. (وإذا عطس) بفتح الطاء، (فحمد الله فشمته) بخلاف ما إذا لم يحمد، فإنه لا
يستحق التشميت لتقصيره بترك الحمد على نعمة العطاس التي وصلت إليه. ((إن الله يحب
العطاس ويكره التثاؤب)) ولأن العطاس حيث لا عارض من زكام ونحوه، إنما ينشأ عن خفة
البدن وخلوه عن الأخلاط المثقلة له عن الطاعة، بخلاف التثاؤب، فإنه إنما ينشأ عن ضد
ذلك. (وإذا مرض فعده) ندباً متأكداً في أي يوم كان. (وإذا مات فاتبعه) ندباً كذلك من بيته
إلى أن يفرغ من دفنه. (رواه مسلم) ورواه البخاري في الأدب المفرد.
٢٤٠ - (وعن أبي عمارة) بضم العين المهملة وبعد الألف راء، ويقال أبو عمرو، ويقال أبو
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الجنائز، باب: الأمر باتباع الجنائز والنكاح. (٩٠/٣).
وأخرجه مسلم في كتاب: السلام، باب: من حق المسلم للمسلم رد السلام (الحديث: ٥)

٣٠
كتاب: دليل الفالحين
البَرَاءِ بْنِ عَاذِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: ((أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِلَهُ بِسَبْعٍ،
وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ : أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتِ
الْعَاطِسِ، وَإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ، وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ، وَإِجْابَةِ الدَّاعِي، وَإِنْشَاءٍ
السَّلامِ . وَنَهَانَا عَنْ خَواتِيمٍ أَوْ تَخْتُّمِ بِالذَّهَبِ، وَعَنْ شُرْبٍ بِآَنِيَةِ الفِضَّةِ، وَعَنِ الْمَيَائِرِ
الطفيل (البراء) بتخفيف الموحدة والراء وبالمد هذا هو الصحيح المشهور عند طوائف
العلماء من أهل الحديث والتاريخ والأسماء واللغة والمؤتلف والمختلف وغيره، وحكى فيه
القصر. (ابن عازب) الصحابي ابن الصحابي (رضي الله عنهما) تقدمت ترجمته في باب
التوكل (قال: أمرنا رسول الله وي ليه بسبع ونهانا عن سبع أمرنا بعيادة المرضى) ندباً في سائر
الأوقات، فلا تكره إلا إن شقت على المريض. (واتباع الجنائز)، أي: تشييعها والمكث
إلى الفراغ من دفنها. (وتشميت العاطس) إذا حمد الله تعالى، والأمر في هذه الثلاث
للندب. (وإبرار المقسم) بنحو: أقسمت عليك بالله، أو نحو: والله لتفعلن كذا، فيسن له
حيث لا مانع تخليصاً له من ورطة الاستهتار بحقه في الأول وحنثه في الثاني. (ونصر
المظلوم) ولو ذمياً بمنع الظالم عن ظلمه وجوباً على من قدر على ذلك بفعله أو قوله، وهذا
يرجع إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا واجب عيناً تارة وكفاية أخرى كما سبق
في بابه. (وإجابة الداعي) وجوباً تارة، وندباً أخرى، وقد تقدم تفصيله. (وإنشاء السلام)،
أي: إشاعته وإِذاعته، بأن تقرىء السلام على من عرفت من ولم تعرف، وهذا أمر ندب عيناً
إن كنت منفرداً، أو كفاية إن كنت مع الغير. وفي رواية «ورد السلام))، وعليها اقتصر في
المشكاة، وهو كما علم مما تقدم واجب عيناً تارة وكفاية أخرى. (ونهانا)، أي: معشر
الرجال، وكذا الخناثا دون النساء. (عن خواتيم) جمع خاتام، أحد لغات خاتم. (أو) شك
من الراوي. (تختم بالذهب) فيحرم على غيرهن تحريماً غليظاً لبسه، كاستعمال سائر أنواع
حلي الذهب إلا نحو أنف وسن وأنملة، ويحرم عليهن استعمال غير الحلي منه كالأواني،
وكذا الحلي إن خرج عن حيز الاعتدال إلى السرف، كخلخال وزنه مائتا مثقال. (وعن
شرب بآنية الفضة) والذهب أولى مع أنه صرح به في حديث آخر، ومثل الشرب سائر
الاستعمال، وذكره كالأكل في حديث آخر مثال، فيحرم استعمال واتخاذ إناء النقدين إلا
لحاجة كأن لم يجد غير إنائهما فيجوز استعماله، وكذا لو وصف له التكحل بمرود ذهب لداء
بعينه. (وعن) استعمال (المياثر الحمر) بضمتين ويسكن الثاني تخفيفاً، والتقييد بذلك
باعتبار أنه الأغلب في مراكب الأعاجم رعونة وتزييناً، فهي من حرير، أي نوع كان وبأي

٢٧ - باب: في تعظيم حرمات المسلمين
٣١
الْحُمْرِ، وَعَنْ القَسِّيِّ وَعَنْ لُبْسِ انْحَرِيرِ، والإِسْتَبْرَقِ والدِّيباجِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفي رِوايَةٍ :
(وَإِنْشَادِ الضَّالَّةِ زَادَهَا فِي السَّبْعِ الأَوَلِ)). ((الْمَيَاثِرُ) بِيَاءٍ مُثَّةٍ مِنْ تَحْتُ قَبْلَ الأَلِفِ
وَثَاءٍ مُثَلَّةٍ بَعْدَها، وَهِيَ جَمْعُ مَيْثَرَةٍ، وَهِيَ شَيْءٌ يُتَّخَذ مِنْ الْحَرِيرِ وَيُحْشَى قُطْنَاً
أَوْ غَيْرَهُ وَيُجْعَلُ فِي السَّرْجِ وَكُورِ الْبَعِيرِ يَجْلِسُ عَلَيْهِ الرَّاكِبُ. و((الْقَسِّيُّ)) بِفْح
الْقَافِ وَكَسْرِ السِّينِ المُهملِ المشدَّدَةِ، وَهِيَ: ثِيَابٌ تُنْسَجُ مِنْ حَرِيرٍ وَكَتَّانٍ
مُخْتَلِطَيْن. و((إِنْشَادُ الضَّالَّةِ)): تَعْرِيفُها (١).
لون، أو مما أكثره حرير وزناً حرام، ولو غير حمراء، والحمراء غير الحرير مكروه. (وعن)
استعمال (القسي) (وعن لبس الحرير والإِستبرق) وما غلظ من الديباج، وضده السندس،
فهو ما لان منه. (والديباج) بفتح الدال وكسرها، جمعه دبابيج، ودبابج، وهو عجمي معرّب
وعطفهما على الحرير من عطف الخاص على العام؛ لأنهما من الحرير. (متفق عليه) (وفي
رواية) لمسلم (وإنشاد الضالة زادها)، أي: الراوي (في السبع الأول) بضم ففتح يعني
المأمور بها. قال المصنف في شرح مسلم: بدل إبرار القسم أو المقسم وإنشاد الضالة
تعريفها وهو مأمور به. (المياثر بياء مثناة من تحت قبل الألف وثاء مثلثة) مكسورة (بعدها)،
أي: بعد الألف (وهي جمع ميثرة) وأصلها موثرة، وقلبت الواو ياء لكونها إثر كسرة، نحو:
ميزان وميعاد. (وهي شيء يتخذ من حرير ويحشى قطناً أو غيره) تعميم للمحشو به، ويلحق
به في الحكم ما كان متخذاً من حرير وغيره، والحرير أكثر وزناً. (ويجعل في السرج) ما
يجعله على الفرس. (وكور البعير) بضم الكاف، أي: رحله وجمعه أكوار، ويجعل ذلك
(ليجلس عليه الراكب) فتحصل له الراحة. (والقسي بفتح القاف) على الصحيح المشهور
قال المصنف: وبعض أهل الحديث يكسرها. قال أبو عبيد: أهل الحديث يكسرونها، وأهل
مصر يفتحونها. (وكسر السين المهملة المشددة) بعدها ياء النسبة. (وهي ثياب تنسج من
حرير وكتان مختلطين). هذا حكاه المصنف بلفظ قيل، وقال قبله: قال أهل اللغة وغريب
الحديث: هي ثياب مضلعة بالحرير تعمل بالقس، بفتح القاف، وهو موضع من بلاد مصر،
وهي قرية على ساحل البحر قريبة من تنيس، وقيل: هي ثياب من القز وأصله القزي منسوب
إلى القز، وهو رديء الحرير، فأبدل من الزاي سين. قال المصنف: وهذا القسي إن كان
حريره أكثر من الكتان فالنهي عنه للتحريم وإلا فللكراهة التنزيهية اهـ. (وإنشاد الضالة) في
تلك الرواية (تعريفها).
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأشربة، باب: آنية الفضة. وفي الجنائز، باب: الأمر باتباع الجنائز، والمرضى =

٣٢
كتاب: دليل الفالحين
٢٨ - باب: في ستر عورات المسلمين والنهي عن إشاعتها لغير ضرورة
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (١): ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ فِي الدُّنيا والْآخِرَةِ﴾.
٢٤١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ، قَالَ: لَا يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْداً
فِي الدُّنْيَا إِلَّ سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(٢).
باب ستر عورات المسلمين
والنهي عن إشاعتها لغير ضرورة
من خوف أن يتسلط على إيذاء الغير والتعرض لأضرارهم. (قال الله تعالى: إن الذين
يحبون أن تشيع)، أي: تفشو، يقال: شاع الشيء شيوعاً وشيعاً وشيعاناً وشيوعة، أي: تفرق
وظهر. (الفاحشة): الفعل القبيح المفرط القبح، وقيل: الفاحشة في هذه الآية، القول
السيىء. (في الذين آمنوا) قال القرطبي: في المحصنين والمحصنات: والمراد بهذا اللفظ
العام عائشة وصفوان. (لهم عذاب أليم) والآية في العصبة الذين جاؤوا بالإِفك، والمصنف
أوردها لما يقتضيه عموم لفظها من حصول العذاب لمن أحب إشاعة الفاحشة في المؤمنين.
(في الدنيا) بالحد للقذف. (و) في (الآخرة) بالنار لحق الله.
٢٤١ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي وَالتّ قال: لا يستر عبد) أي إنسان ولو كان
مكلفاً (عبداً) أي: من ذوي الهيئات غير معروف بالشر والأذى على ذنب مضى منه، كما
سبق بسط ما يستر فيه ومالا في الباب قبله. (في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة) إما بأن يمحو
ذنبه ولا يسأله عنه ابتداء، أو يسأله عنه من غير أن يطلع عليه أحداً من الخلق، كما في
حديث ابن عمر في ذلك في الصحيح، ثم يعفو عنه، وكان الجزاء بالستر ليوافق الجزاء
العمل الصالح، والنعم الصادرة منه عز وجل أعلى وأتم، ولا شك أن الستر في ذلك اليوم
أكثر عدداً وأعظم جرماً. (رواه مسلم).
= باب: وجوب عيادة المريض، واللباس باب: خواتم الذهب، وباب: لبس القسيِّ، وباب: الميثرة الحمراء
(٩٠/٣).
وأخرجه مسلم في كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم استعمال إناء الذهب ... (الحديث: ٣).
(١) سورة النور، الآية: ١٩.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: بشارة من ستر الله عيبه في الدنيا .. (الحديث: ٧١).

٣٣
٢٨ - باب: في ستر عورات المسلمين
٢٤٢ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ حِجَ، يَقُولُ: ((كُلَّ أُمَّتِي
مُعافِّى إِلَّ الْمُجَاهِرِينَ. وَإِنَّ مِنَ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحُ
وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ: يَا فُلانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ
٢٤٢ - (وعنه)، أي: أبي هريرة (رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وسلم يقول: كل
أمتي معافاً) اسم مفعول من المعافاة، وهو من العفو، مرفوع تقديراً، خبر كل، يعني كلهم
سالمون عن ألسن الناس وأيديهم. (إلا المجاهرين) قال العلقمي: قال شيخنا وللنسفي ((إلا
المجاهرون)) بالرفع على البدل، وهو رأي الكوفيين اهـ. وقال ابن مالك في التوضيح
الشواهد الجامع الصحيح: حق المستثنى بإلا من كلام تام موجب أن ينصب، مفرداً كان أو
مكملاً معناه بما بعده لا يعرف أكثر المتأخرين من البصريين في هذا النوع إلا النصب، وقد
أغفلوا وروده مرفوعاً بالابتداء ثابت الخبر ومحذوفه، فمن الثابت الخبر قول ابن أبي قتادة:
أحرموا كلهم إلا أبو قتادة لم يحرم، وإلا بمعنى لكن، وأبو قتادة مبتدأ ولم يحرم خبره، ومن
المبتدأ بعد إلا المحذوف الخبر قول النبي وكثير: ((كل أمتي معافاً إلا المجاهرون)) أي: لكن
المجاهرون لا يعافون، وللكوفيين في هذا الذي يفتقر مذهب آخر، وهو أن يجعلوا إلا حرف
عطف، وما بعدها معطوف على ما قبلها اهـ. ملخصاً، قال الدماميني: وهذا، أي: الجملة
المستثناة من الجمل التي لها محل من الإعراب، ولم يعدوه اهـ. قلت: وقد سبقه إلى
استدراكها ابن هشام في المغني، وزاد الجملة المسند إليها نحو: ﴿وإذا قيل إن وعد الله
حق﴾(١) وأوّل الشيخ أكمل الدين في شرح المشارق الرفع بأن معافاً في معنى النفي، فيكون
استثناء من كلام تام غير موجب. قال في فتح الباري: ((المجاهر الذي أظهر معصيته وكشف
ما ستر الله عليه فتحدث بها، والمجاهر)) في هذا الحديث يحتمل أن يكون من جاهر بمعنى
جهر، والنكتة في التعبير بفاعل المبالغة، ويحتمل أن يكون على ظاهر المفاعلة، والمراد:
الذين يجاهر بعضهم بعضاً بالتحدث بالمعاصي، وبقية الحديث يؤيد الاحتمال الأول.
(وإن من المجاهرة) قال السيوطي: كذا للنسفي والكشميهني، أي: في رواة البخاري،
وللأكثر من المجانة، وهو تصحيف قاله عياض، ولمسلم من الإِجهار، ولأبي نعيم من
الجهار، والثلاثة بمعنى الظهور والإظهار، وفي رواية لمسلم الهجار، وللأسمعيلي؛
الإِهجار وهما بمعنى الفحش والخنا وكثرة الكلام، قال عياض: هما أيضاً تصحيف. (أن
يعمل العبد) وفي نسخة الرجل. (بالليل عملاً ثم يصبح) بالنصب (وقد ستره الله عليه
فيقول: يا فلان) بالبناء على الضم، لأنه كناية عن معين، وهو الذي يحدثه العاصي عن
(١) سورة الجاثية، الآية: ٣٢.

٣٤
كتاب: دليل الفالحين
كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَلَيْهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١)
٢٤٣ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ، قَالَ: ((إِذَا زَنَتِ الأُمَةُ فَتَبَيِّنَ زِنَاهَا
فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثْرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلاَ يُثَرِّبْ عَلَيْهَا ثُمَّ إِنْ
معصيته (عملت البارحة) قال في الفتح: هو أقرب ليلة مضت من وقت القول، وأصلها من
برح إذا زال (كذا وكذا) قال في النهاية: هي من ألفاظ الكنايات، مثل: كيت وكيت ومعناه :
مثل ذا ويكنى بها أيضاً عن المجهول وعما لا يراد التصريح به اهـ. وهذا قد تقدم نقله عن
النهاية. (وقد بات يستره ربه) جملة حالية من فاعل يقول: (ويصبح) معطوفاً على يصبح.
(يكشف ستر الله) الكائن (عليه) قال ابن بطال: في الجهر بالمعصية استخفاف بحق الله
ورسوله وبصالحي المؤمنين، وفيه ضرب من العناد لهم، وفي التستر بها السلامة من
الاستخفاف؛ لأن المعاصي تذل فاعلها من إقامة الحد عليه إن كان فيها حد، ومن التعزير إن
لم توجب حداً، وإذا تمحض حق الله وهو أكرم الأكرمين، فكذا إذا ستره في الدنيا لم
يفضحه في الآخرة، والذي يجاهر بها يفوته جميع ذلك، والحديث مصرح بذم من جاهر
بالمعصية فيستلزم مدح من تستر، وستر الله مستلزم لستر المؤمن على نفسه، فمن قصد
إظهار المعصية والمجاهرة بها فقد أغضب ربه فلم يستره، ومن قصد التستر بها منّ الله عليه
بستره إياها اهـ. ملخصاً من فتح الباري. (متفق عليه) وأخرجه الطبراني في المعجم
الأوسط عن أبي قتادة بلفظ: ((كل أمتي معافا إلا المجاهر الذي يعمل العمل بالليل فيستره
ربه ثم يصبح فيقول يا فلان إني عملت البارحة كذا وكذا فيكشف ستر الله)). كذا في الجامع
الصغير.
٢٤٣ - (وعنه)، أي: أبي هريرة رضي الله عنه (عن النبي ◌َّ﴿ إذا زنت الأمة) أي: الرقيقة
(فتبين زناها) برؤيته لذلك، أو إقرارها، أو إقامة بينة الزنا، (فليجلدها) بكسر لام الفعل.
(الحد) هو خمسون سوطاً، والحد مفعول مطلق. (ولا يثرب عليها) أي: يوبخها ويقرعها
بالذنب، نحو يا زانية يا فاجرة، لما فيه من الفحش. (ثم) بعد الحد (إن زنت) مرة ثانية
(فليجلدها الحد) وفي رواية بحذف الحد هنا (ولا يثرب عليها) أي: وإن تكرر منها الذنب
لاستيفاء مقتضاه بالحد (ثم) بعد الحد في الثانية (إن زنت) المرة الثالثة (فليبعها) ندباً عند
الجمهور، وقال داود: وجوباً (ولو بحبل من شعر) مسارعة لمفارقة أرباب المعاصي وترك
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب: ستر المؤمن على نفسه. (٤٠٥/١٠، ٤٠٦).
وأخرجه مسلم في كتاب: الزهد والرقائق، باب: النهي عن هتك الإنسان ستر نفسه، (الحديث:
٥٢)

٣٥
٢٨ - باب: في ستر عورات المسلمين
زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ)) مُتَّفَقْ عَلَيْهِ. ((الَّثْرِيبُ)): التَّوْبِيخُ(١)
٢٤٤ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ◌َ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ قَالَ:
((أَضْرِبُوهُ))، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمِنََّ الضَّارِبُ بِيَدِهِ، والضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، والضَّارِبُ بِثَوْبِهِ .
فَلَمَّا أَنْصَرَفَ قَالَ بَعْضُ القَوْمِ: أَخْزَاكَ اللَّهُ، قَالَ: ((لَ تَقُولُوا هَكَذَا؛ لَا تُعينُوا عَلَيْهِ
الشَّيْطَانَ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٢).
مخالطتهم، وهذا البيع المأمور به يلزم صاحبه أن يبين حالها للمشتري، لأنه عيب، والإِخبار
بالعيب واجب. فإن قيل كيف يكره شيئاً ويرتضيه لأخيه المسلم؟ فالجواب لعلها تتعفف عند
المشتري بأن يعفها بنفسه، أو يصونها بهيبته، أو بالإِحسان إليها والتوسعة عليها، أو يزوجها،
أو غير ذلك. ذكره المصنف في شرح مسلم. (متفق عليه) ورواه أبو داود والنسائي من
حديث أبي هريرة أيضاً كما في الأطراف للمزي وطرقه إلى سعيد المقري كثيرة جداً.
(التثريب) مصدر ثرب بالمثلثة. (التوبيخ) أي: والتقريع بالذنب كما تقدم.
٢٤٤ - (وعنه) أي: عن أبي هريرة (رضي الله عنه قال: أتي) بالبناء للمجهول، (النبي ◌َّ
برجل قد شرب) أي: مسكراً (قال اضربوه) أي: حداً (قال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده
والضارب بنعله ومنا الضارب بثوبه) ومنه كأحاديث أخر في معناه، يؤخذ حصول حد الخمر
بالجلد باليد وأطراف الثوب، وقد نقل المصنف إجماع العلماء على ذلك وما في معناه
كالجلد بالجريد والنعال. (فقال بعض القوم) له بعد أن حد. (أخزاك الله) قال الراغب في
مفرداته: خزي الرجل أي: بوزن علم لحقه انكسار إما من نفسه، وإما من غيره، فالذي
يلحقه من نفسه هو الحياء المفرط، ومصدره الخزاية، والذي من غيره يقال: هو ضرب من
الاستخفاف، ومصدره الخزي، وأخزى يقال منهما جميعاً، وقوله تعالى: ﴿لا يخزي الله
النبي والذين آمنوا معه﴾ (٣) الأقرب كونه من الخزي وإن جاز كونه منهما جميعاً. ((قلت)):
ومثله ما في الحديث. (قال: لا تقولوا هكذا)، أي: مثل هذا الدعاء. (لا تعينوا الشيطان
عليه) جملة استئنافية لبيان حكمة النهي عن ذلك القول. أي: ادعوا له بالتوفيق والنجاة من
الخذلان، ولا تكونوا بدعائكم عليه أعواناً عليه للشيطان. (رواه البخاري).
(١) أخرجه البخاري في كتاب: العتق، باب: كراهية التطاول على الرقيق، وفي البيوع، باب: بيع العبد
الزاني، وفي المحاربين (إذا زنت الأمة) (١٤٦/١٢، ١٤٧).
وأخرجه مسلم في كتاب: الحدود، باب: رجم اليهود أهل الذمة في الزنى، (الحديث: ٣٠).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الحدود، باب: ما يكره من لعن شارب الخمر، باب: الضرب بالجريد
والنعال. (٦٦/١٢).
(٣) سورة التحريم، الآية: ٨.

٣٦
كتاب: دليل الفالحين
٢٩ - باب: في قضاء حوائج المسلمين
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (١): ﴿وَمَا تَفْعَلوا مِنْ خَيْرِ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾
٢٤٥ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مََّ، قَالَ: ((الْمُسْلَمُ أَخْو
المُسْلِمِ : لَا يَظْلِمُهُ، وَلاَ يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةٍ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ
فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِها كُرْبَةً مِنْ كُرَبٍ يَوْمِ الْقِيامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمَاً
سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(٢).
باب ((فضل)) قضاء حوائج المسلمين
قال الله تعالى: (وما تفعلوا من) بيانية (خير) والكلام في معنى الشرط (فإن الله به
عليم) جوابه، أي: إن تفعلوا خيراً فإن الله يعلم كنهه ويوفي ثوابه. والآية تقدمت في باب
المجاهدة وغيره.
٢٤٥ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله وم ليل قال:) محرضاً على أسباب
التآلف المطلوب من المؤمنين، (المسلم أخو المسلم) لاجتماعهما في حياطة الإِسلام،
كالأخوين المجتمعين في الأبوين، أو في أحدهما. (لا يظلمه) بنقص حقه (ولا يسلمه)
بضم التحتية، أي: إلى من يظلمه ويهينه. (ومن كان)، أي: وجد (في حاجة أخيه)، أي:
في قضائها بالفعل أو بالتسبب، ويحتمل إن كان ناقصة، أي: ومن كان كائناً في حاجة أخيه
(كان الله في) قضاء (حاجته). والمفرد المضاف للعموم فيعم الأخروية والدنيوية، وذلك لأن
من قضى حاجة أخيه طالباً لمرضات الله، إنما قام بذلك لحق الله، فجازاه الله بقضاء حاجته
سيما عند ضرورته. (ومن فرج عن مسلم كربة) بإنظار عليه، أو تشفع عند ذي الدين، أو
نحو ذلك. (فرج الله عنه بها) أي: عوضها (كربة) والتنوين فيه للتعظيم؛ لأنها كرب الساعة
التي تذهل فيها كل مرضعة عما أرضعت، والتنكير في سياق الشرط للتعميم، فيفيد أن من
فرج عن مسلم كربة، أي: شدة تكرب النفس حتى تكاد تأخذ بالنفس، أيّ كربة كانت،
فرج الله عنه الكرب. (من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلماً) لم يشتهر بالأذى والضرر على
معصية رآها منه فيما مضى، (ستره الله يوم القيامة متفق عليه). والحديث تقدم بسط الكلام
فيه، وفي معظم ما في الحديث بعده في باب تعظيم حرمات المسلمين
(١) سورة البقرة، الآية: ٢١٥.
(٢) وهنا للبخاري ولكن مر في صفحة ١٨ من هذا الجزء، (الحديث رقمه: ٢٣٤)
0
وأخرجه البخاري في كتاب: المظالم، باب: لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه. وفي الإكراه، باب:
يمين الرجل لصاحبه إنه أخوه إذا خاف عليه القتل أو نحوه (٧/٥و٧١).

٣٧
٢٩ - باب: في قضاء حوائج المسلمين
٢٤٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ، قَالَ: ((مَنْ نَفْسَ عَنْ
مُؤْمِن كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبٍ يَوْمِ الْقِيامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى
مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا
والآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ،
٢٤٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ( قال: من نفْس)، أي: أزال وفرج من
تنفيس الخناق، أي: إرخائه حتى يأخذ له نفساً، (عن مؤمن) أوثر لمزيد شرفه وحرمته،
فالثواب فيما يفعل معه من الإِحسان آكد، وإلا فالذمي كذلك هنا، وفيما يأتي في أصل
الثواب الخبر: ((إن الله كتب الإِحسان على كل شيء)) وخبر: ((في كل كبد رطبة أجر)) وسيأتي
ويلي لذمي المستأمن الحربي، فالثواب في كل، أضعف مما قبله؛ لأنه تابع لمزيد الشرف
والاحترام. (كربة) هي ما أهم النفس وغم القلب؛ لأن الكربة تقارب أن تزهق النفس كأنها
لشدة غمها عطلت مجال التنفس منه، وبه يعلم حكمة إيثار نفس على رديف أزال وفرج.
(من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة)، أي: شدائدها، وفي رواية
للطبراني ((نفس الله كربه يوم القيامة)) ففيه عظيم فضل قضاء حوائج المسلمين ونفعهم بما
تيسر من علم، أو مال، أو جاه، أو نصح، أو دلالة على خير، أو إعانة بنفسه، أو سفارته، أو
وساطته، أو شفاعته، أو دعائه له بظهر الغيب، وسبق في الباب المشار إليه حكمة هذا
الثواب. (ومن يسر على معسر) بإبراء، أو هبة، أو صدقة، أو نظرة إلى ميسرة بنفسه، أو
وساطته. قال في الفتح المبين: ويصح شموله لإِفتاء عامي في ضائقة وقع فيها بما يخلصه
منها؛ لأنه معسر بالنسبة للعالم (يسر الله عليه) أموره (في الدنيا والآخرة) فيه عظيم فضل
التيسير على المعسر، والأحاديث فيه كثيرة منها خبر مسلم: ((من سره أن ينجيه الله من كرب
يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه)) وخبره أيضاً: ((من أنظر معسراً أو وضع عنه
أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)) وخبر أحمد: ((من أراد أن تستجاب دعوته وتنكشف
كربته فليفرج عن معسر)). (ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة) تقدم بسط الكلام
فيه في الباب المذكور. (والله في عون العبد)، أي: إعانته وتسديده. (ما كان العبد)، أي:
مدة دوام كون العبد (فى عون أخيه)، أي: إعانة أخيه بقلبه أو بدنه أو ماله أو غيرها. قيل:
وهذا إجمال لا يسع بيانه الطروس، فإنه مطلق في سائر الأحوال والأزمان، ومنه: ((إن العبد
= وأخرجه مسلم في كتاب: البر والآداب والصلة، باب: تحريم الظلم، (الحديث: ٥٨)
وقد مر في الصفحة ١٨ من هذا الجزء برقم: ٢٣٤

٣٨
كتاب: دليل الفالحين
وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقَاً يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمَاً سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقً إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ
فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ
إذا عزم على معاونة أخيه فينبغي له أن لا يجبن عن إنفاذ قوله وصدعه بالحق)) وتأمل دوام
هذه الإعانة فإنه ◌َظاهر لم يقيدها بحالة خاصة، بل أخبر أنها دائمة بدوام كون العبد في عون
أخيه. وعن الحسن رضي الله عنه ((أنه أمر ثابتاً البناني بالمشي في حاجة فقال: أنا معتكف
فقال له يا أعمش أما تعلم أن مشيك في حاجة أخيك المسلم خير لك من حجة بعد حجة)).
وروى الإمام أحمد ((أن خباب بن الأرت خرج في سرية فكان ي # يحلب عنزاً لعياله فتمتلىء
الجفنة حتى يفيض زيادة على حلابها، فلما قدمها وحلب عاد إلى ما كان)) وكان أبو بكر
يحلب للحي أغنامهم، فلما استخلف قيل الآن لا تحلبها، قال بلى، وإني لأرجو أن لا
يغيرني ما دخلت فيه عن شيء كنت أفعله، وكان عمر يتعاهد الأرامل فيستقي لهم الماء في
الليل، ورآه طلحة داخلاً ليلاً بيت امرأة فدخل لها نهاراً، فإذا هي عجوز عمياء مقعدة،
فقال: ما يصنع هذا الرجل عندك؟ قالت منذ كذا وكذا يتعاهدني بما يقوم بي من البر، وما
يصلح لي شأني، ويخرج عني الأذى، ويقم لي بيتي، فقال طلحة لنفسه: ثكلتك أمك يا
طلحة، أعثرات عمر تتبع (ومن سلك طريقاً) فعيلًا من الطرق؛ لأن الأرجل ونحوها تطرقه
وتطلبه وتسعى فيه، ويصح أن يراد بها ما يشمل المعنوية، كحفظه ومذاكرته ومطالعته وتفهمه
وكل ما يتوصل به إليه. (يلتمس) يطلب (فيه)، أي: في غايته أو سببه واحتمال كونه فيه
حقيقة نادر جداً لا يحمل عليه الحديث. (علماً) شرعياً أو آلة، قاصداً بذلك وجه الله، قيل:
وهذا وإن اشترط في كل عبادة، لكن عادة العلماء تقييد هذه المسألة به؛ لأن بعض الناس قد
يتساهل فيه، أو يغفل عنه اهـ. قال في الفتح المبين: وكأنه يريد أن تطرق الرياء للعلم أكثر
من تطرقه لسائر العبادات، فاحتيج للتنبيه فيه على الإِخلاص؛ اعتناء بشأنه والعلم الشرعي
ما صدر عن الشرع، أو توقف عليه العلم الصادر عن الشرع توقف وجود، كعلم الكلام، أو
توقف كمال، كعلم العربية. (سهل الله له به)، أي: بسلوكه الطريق المذكورة. (طريقاً إلى
الجنة) أي: يرشده إلى طلب الهداية والطاعة الموصلة إلى الجنة، وليس ذلك إلا بتسهيله
تعالى، وإلا فبدون لطفه لا ينفع علم ولا غيره، أو بأنه يجازيه على طلبه وتحصيله بتسهيل
دخول الجنة، بأن لا يرى من مشاق الموقف ما يراه غيره؛ وهذا أقرب لظاهر الحديث،
واستفيد منه مع ما قبله، ومن قوله تعالى: ﴿جزاء وفاقاً﴾(١) أن الجزاء يكون من جنس العمل
(١) سورة النبأ، الآية: ٢٦.
07

٢٩ - باب: في قضاء حوائج المسلمين
٣٩
تَعَالَى يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ،
ثواباً وعذاباً، كالتنفيس بالتنفيس، والستر بالستر، والعون بالعون، ونظير ذلك كثير في أحكام
الدنيا والآخرة، وهذا يؤذن بعظيم فضل السعي في طلب العلم، ويلزم منه عظم فضل
الاشتغال به، وأدلته أشهر من أن تذكر وأكثر من أن تحصر. (وما اجتمع قوم) هو اسم جنس
جمعي يصدق بثلاثة فأكثر، يستوي فيه الذكور والإناث، كذا في فتح الإِلّه، وظاهره أنه
مشترك بين الفريقين، لكن تقدم عن مفردات الراغب، والقوم جماعة الرجال في الأصل دون
النساء، قال تعالى: ﴿لا يسخر قوم من قوم﴾(١) ﴿ولا نساء من نساء﴾ (٢) وفي عامة القرآن
أريدوا به والنساء جميعاً، وحقيقته للرجال اهـ. ومنه يتبين أن قوله يستوي فيه الذكور
والإناث باعتبار أنه المراد لاستواء المكلف من كلا النوعين في غالب الأحكام، فيكون مجازاً
من باب التغليب، أو استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه. (في بيت من بيوت الله تعالى) هو
المسجد (يتلون) أي: يقرؤون (كتاب الله تعالى) أي: القرآن لتبادره إلى الأذهان، وإضافته
إلى الله تعالى، لأنه منزل من عنده، معجزة لنبيه و 98. (ويتدارسونه بينهم)، أي: يقرأ هذا
شيئاً ويقرأ الآخر عين ما قرأه صاحبه، هذه المدارسة الفضلى التي وردت من فعله مع
جبريل 18 في حديث: ((كان جبريل يدارسه القرآن)) ويحتمل أن المراد من المدارسة في
هذا الحديث ما يشمل ما اعتيد من قراءة ما بعد ما يقرأه القارىء وهكذا، والتخصيص بما
ذكر لكمال الفضل؛ وإلا فجاء في رواية أخرى غير مقيدة بذلك، وإنما فيه ترتب ما ذكر في
الخبر على الاجتماع على الذكر مطلقاً، ولا تفيد تلك المطلقة بهذه الرواية؛ لأن ذكر بعض
أفراد العام لا يخصص، وفضل الله عام. (إلا نزلت عليهم السكينة)، أي: المذكورة في
قوله تعالى: ﴿هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين﴾(٣) وهي فعيلة من السكون
للمبالغة، والمراد بها هنا: الحالة التي يطمئن بها القلب، فلا يزعج لطارق دنيوي لعلمه
بإحاطة قدرة الله تعالى لسائر الكائنات، فيسكن القلب ويطمئن بموعود الأجر لقوة رجائه
بحصوله لما وفقه للاشتغال به عما سواه، وقيل: السكينة اسم ملك ينزل في قلب المؤمن
يأمر بالخير، وقيل: السكينة الرحمة والوقار والسكون والخشية وغير ذلك، والمراد، السكون
تحت جري المقادير لا ضد الحركة، ولا يمنع من تفسيرها بالرحمة عطفها عليها في الجملة
بعدها؛ لأن المقام للإِطناب، واختار المصنف كون السكينة هنا بمعنى الطمأنينة. وفي
(١) سورة الحجرات، الآية: ١١.
(٢) سورة الحجرات، الآية: ١١
(٣) سورة الفتح، الآية: ٤

كتاب: دليل الفالحين
وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَقَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ
يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
00 %
الحرز للقاري ((ويجوز أن يقرأ عليهم السكينة)) بضم الهاء والميم وكسرهما، وكسر الأول
وضم الثاني وهو الأشهر. ((قلت)): والأشهرية يحتمل من حيث القراءة، ومن حيث الرواية،
والأول أقرب. (وغشيتهم) عمتهم وأحاطت بهم من كل جهة. (الرحمة) والمراد من الرحمة
كما هو ظاهر غايتها من الإِحسان والفضل والامتنان. (وحفتهم) بتشديد الفاء (الملائكة)،
أي: غشيتهم الملائكة، وأل فيه للعهد، أي: الملائكة الملتمسون للذكر كما في الحرز، أو
ملائكة الرحمة والبركة إلى السماء الدنيا كما في رواية الصحيحين. وفي رواية لأحمد:
((بعضهم على بعض حتى يبلغوا العرش حتى يسمعوا الذكر تعظيماً للمذكور وإعظاماً للذاكر))
على غاية من القرب والمواصلة بحيث لا يدعون للشيطان فرجة يتوصل منها للذاكر وحفّ -
بتشديد الفاء - من باب طلب فتعدى إلى الثاني بحرف الجر قال تعالى: ﴿وحففناهما
بنخل﴾(٢) وقد يضمن معنى أحاط فيصل إلى مفعوله الأول بالباء، نحو ما جاء في حديث
((إن الله ملائكة سيارات من قولهم حفوا بهم)) وهذا أحسن مما أطلتُ به في أول شرح
الأذكار. (وذكرهم الله فيمن عنده) عندية مكانة وعلو رتبة لا علو مكان تعالى الله عن ذلك
علواً كبيراً، وهم الملائكة والأنبياء، وذكره للذاكر ثم مباهاة به، ورضى بفعله. (ومن بطأ) -
بتشديد الطاء المهملة - نقيض السرعة، أي: من قصر (به عمله)، أي: فقصر عن رتبة
الكمال لفقد بعض شروط الصحة أو الكمال فيه. (لم يسرع به نسبه)، أي: لم يلحقه برتب
أصحاب الأعمال الكاملة؛ لأن المسارعة إلى السعادة إنما هي بالأعمال لا بالأحساب. قال
الشاعر:
فخار الذي يبغي الفخار بنفسه
وما الفخر بالعظم الرميم وإنما
وفي الفتح المبين في الحديث السادس والثلاثين قال ابن مسعود: ((يأمر الله تعالى
بالصراط فيضرب على جهنم فيمر الناس على قدر أعمالهم زمراً زمراً أوائلهم كلمع البرق ثم
كمر الريح ثم كمر الطير ثم يمر الرجل سعياً وحتى يمر الرجل مشياً وحتى يمر آخرهم على
بطنه فيقول: يا رب لم بطأت بي فيقول: إني لم أبطأ بك إنما بطأ بك عملك)) وأورد أحاديث
مرفوعة في ذلك. (رواه مسلم) قال المصنف في الأربعين: الحديث (بهذا اللفظ) قال
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن ...
(الحديث: ٣٨)
(٢) سورة الكهف، الآية: ٣٢.