النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ ١٨ - باب: في النهي عن البدع وَيَقُولُ: (بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ)) وَيَقْرُنُ بَيْنَ أُصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَيَقُولُ: ((أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ وَّهِ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، . أكثرهم في امتثال ما يصدر عنه، ومن ثم مثل جابر حاله مسير في إنذاره بمجيء القيامة وقرب وقوعها وتهالك الناس فيما يؤذيهم بحال من ينذر قومه عند غفلتهم بجيش قريب منه يقصد الإحاطة بهم بغتةً من كل جانب، بحيث لا يقرب منهم أحد فقال: (حتى كأنه منذر جيش) أي: مخبر بجيش العدو الذي يخاف (يقول) في إنذاره لهم. فهو صفة منذر (صبحكم) العدو مغيراً عليكم (ومساكم) كذلك فاحتفظوا منه. فكما أن هذا لشدة اعتنائه بحال قومه يرفع صوته وتحمر عيناه ويشتد غضبه من تغافلهم عما يستأصلهم ويهلكهم، كذلك حال رسول الله وَ لقر لشدة حرصه على أمته، وعظم رأفته ورحمته بهم، وخوفه عليهم من الساعة وأهوالها، ومن ثم عقّب ذلك جابر بقوله: عطفاً على كأنه (ويقول بعثت أنا) أكد به ليصح العطف (والساعة كهاتين) بالرفع والنصب. قال المصنف: والمشهور النصب على المفعول معه. قال القاضي عياض، يحتمل أنه تمثيلٌ لمقاربتهما وأنه ليسس بينهما أصبع أخرى، كما أنه لا نبي بينه وبين الساعة، ويحتمل أنه لتقريب ما بينهما من المدة، كنسبة التقارب بين الإصبعين تقريباً لا تحذيراً (ويقرن) بضم الراء على المشهور الفصيح وحكي كسرها (بين إصبعيه) تثنية إصبع، وفيه عشر لغات. تثليث الهمزة والموحدة، والعاشرة أصبوع (السبابة) سميت بذلك لأنهم كانوا يشيرون بها عند السب (والوسطى ويقول أما بعد) فيه استحباب قولها في خطب الوعظ والجمع والعيد وغيرها، وكذا في خطب الكتب المصنفة، واختلف في أول من تكلم بها، وتقدم بسطه في خطبة الكتاب (فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد رَّلية) قال العلقمي: هو بضم الهاء وفتح الدال فيهما وبفتح الهاء وسكون الدال أيضاً. كذا جاءت الرواية بالوجهين وقال القاضي عياض: روينا في مسلم بالضم وفي غيره بالفتح، وفسره النووي على رواية الفتح بالطريق. أي: أحسن الطرق طريقه. وعلى رواية الضم بالدلالة والإِرشاد، وهو الذي يضاف إلى الرسل والقرآن والعباد قال تعالى: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾(١) وقال تعالى: ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾(٢) أما الهداية بمعنى اللطف والتأييد فتفرد بها سبحانه، ومنه قوله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكنّ الله يهدي من يشاء﴾ (٣)إ هـ. ملخصاً. (وشر الأمور محدثاتها) أي: ما (١) سورة الشورى، الآية: ٥٢. (٢) سورة الإسراء، الآية: ٩. (٣) سورة القصص، الآية : ٥٦. ٤٤٢ كتاب: دليل الفالحين وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ))، ثُمَّ يَقُولُ: ((أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ: مَنْ تَرَكَ مَالاً فَلَِّهْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْناً أَوْ ضَيَاعاً فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١). ١٧٢ - وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدِيثُ السَّابِقُ فِي بَابِ الْمُحَافَظَّةِ عَلَى السُّنَّةِ. لم يكن معروفاً في كتابٍ ولا سنةٍ ولا إجماعٍ ، ولا أصلَ له فيها، وروي شر كما قال الطيبي بالنصب عطف على اسم إن، وبالرفع على محل إن مع اسمها (وكل بدعة ضلالة) هذا عامٌ مخصوصٌ، كما تقدم في حديث العرباض بن سارية في باب المحافظة على السنة (ثم يقول: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه) هو موافق لقوله تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾(٢) أي: أحق. قال أصحابنا: كان النبي ◌َّر إذا احتاج إلى طعام أو غيره، وجب على صاحبه بذله له ﴿ وجاز له أخذه من مالكه المضطر له، وهذا وإن جاز له إلا أنه لم يقع (من ترك مالا فلأهله) الوارثين له إن استغرقوا فما بقي من فرضهم إليه وَ لّ (ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإليّ وعليّ) قال الحافظ: هذا تفسير لقوله وَله: ((أنا أولى بكل مؤمن من نفسه)) قال أهل اللغة: الضياع بفتح الضاد المعجمة. العيال. قال ابن قتيبة: أصله مصدر ضاع يضيع ضياعاً المراد: من ترك أطفالاً وعيالاً ذوي ضياع. فأوقع المصدر موقع الاسم كما تقول: من مات وترك فقراء ا هـ. قال بعضهم: وإن کسرت الضاد کان جمع ضائع کجائع وجياع، قال السيوطي : قال أبو البقاء: هو بفتح الضاد، وهو في الأصل مصدر وليس للكسر هنا معنى اهـ. وقوله: وعلي بتشديد الياء أي قضاء ذلك الدين. فقيل: كان يقضيه تكرماً. قال المصنف: والأصح أنه كان واجباً عليه وهل هو من خصائصه، أو واجب على الإِمام بعده، كذلك من بيت المال إن لم يكن ثمة أهم منه؟ وقوله: وإلى أي الضياع ففي الحديث لف ونشر غير مرتب. (رواه مسلم) قال في الجامع الصغير: ورواه أحمد والنسائي وابن ماجه کلهم من حديث جابر. ١٧٢ - (وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه حديثه السابق) بالرفع مبتدأ خبره الظرف قبله (في باب المحافظة على السنة). (١) أخرجه مسلم في كتاب: الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة (الحديث: ٤٣). (٢) سورة الأحزاب، الآية: ٦. ٤٤٣ ١٩ - باب: فيمن سنّ سنة حسنة أو سيئة ١٩ - باب: فيمن سنَّ سنة حسنة أو سيّئة قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (١): ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةً أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ . وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ . ١٧٣ - وَعَنْ أَبِي عَمْرٍو جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا فِي صَدْرٍ باب في ثواب من سن سنة حسنة بأن كانت قواعد الشرع تمدح ذلك (و) عقاب (من سن سنة) أي: طريقة (سيئة) بأن كانت على خلاف ما تقدم (قال الله تعالى) في مدح المؤمنين بذكر بعض أوصاف محامدهم (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين) لنا بأن نراهم مطيعين لك قال بعضهم: في هذا القول منهم إشارة إلى أنه لما كمل نفعهم أحبوا أن يعود ذلك على اتباعهم، وبدأُوا بالزوجات، للإشارة إلى أن في مدحهم صلاحاً للأبناء؛ لأن من شأنهم أن يأتوا على نعت أبويهم. قيل: أفضل سعادة المرء أن يؤتى ولداً نجيباً، والدعاء من الآباء للأبناء وإن كان لغيرهم أي: الأبناء فهو في الحقيقة صلاح للآباء لأن العبد يؤتى يوم القيامة في صحيفته حسنةً فيقول: من أين لي هذه؟ فتقول الملائكة: من استغفار ولدك. وقالت طائفة: إن الولد إذا عمل طاعةً كتب ضعفها لأبويه (واجعلنا للمتقين إماماً) في الخير (وقال تعالى: وجعلناهم أئمة) يقتدى بهم في الخير (يهدون) الناس (بأمرنا). ١٧٣ - (وعن أبي عمرو جرير) بفتح الجيم وكسر أولى الراءين بينهما تحتية ساكنة (ابن عبد الله) بن جابر بن مالك بن نضر بن ثعلبة البجلي الأحمسي بالمهملتين الكوفي (رضي الله عنه) وبجيلة وهي: بنت صعير بن سعد العشيرة أم أنمار بنت أوس، نسبوا إليها. قال ابن قتيبة: قدم جرير على النبي ◌َّر سنة عشر من الهجرة في رمضان فبايعه وأسلم وكان عمر يقول: جرير يوسف هذه الأمة، وكان طويلاً يصل إلى سنام البعير، وكان نعله ذراعاً. نزل الكوفة ثم تحول إلى إفريقيا ومات بها سنة إحدى وخمسين، وقيل: أقام بالجزيرة وتوفي بها (١) سورة الفرقان، الآية: ٧٤ . (٢) سورة الأنبياء، الآية: ٧٣. ٤٤٤ كتاب: دليل الفالحين النَّهَارِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ نَِّ فَجَاءَهُ قَوْمٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النَّمَارِ أَوِ الْعَبَاءِ مُتَقَلِّدي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِوَ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ (١): ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ ﴿إِنَّ اللَّهَ سنة أربع وخمسين. روي له عن رسول الله وَالر مائة حديث. اتفقا على ثمانية منها وانفرد البخاري بحديث ومسلم بستة. ومناقبه كثيرةٌ، ومن مستظرفاتها أنه رضي الله عنه اشترى له وكيله فرساً بثلاثمائة درهم، فرآها جرير فتخيل أنها تساوي أربعمائة درهم فقال لصاحبها: أتبيعها بأربعمائة درهم؟ قال: نعم. ثم تخيل أنها تساوي خمسمائة، ثم ستمائة، ثم سبعمائة، ثم ثمانمائة، فاشتراها بثمانمائة. وذكرها المصنف في التهذيب. وغيره (قال: كنا في صدر) أول (النهار عند رسول الله (وَلا) نتشرف برؤياه ونستمطر الفيوض الإِلَهية من سحب محياه (فجاءه قوم عراة) جمع عار (مجتابي النمار) حال وسيأتي ضبطهما ومعناهما. قال المصنف: أي: خرقوها وقوروا وسطها (أو) شك من الراوي أي: قال: مجتابي النمار. أو قال: مجتابي (العباء) وهو بفتح العين المهملة وبالموحدة والمد. جمع عباءة وعباية لغتان (متقلدي السيوف عامتهم) بتشديد الميم أي: معظمهم (من) قبيلة (مضر بل كلهم من مضر) أي: مقصورون عليها لا يتجاوزنها إلى غيرهم (فتمعر) بتشديد العين المهملة أي: تغير (وجه رسول الله ير لما رأى بهم من الفاقة) أي: شدة الاحتياج مع عدم مواساة الأغنياء لهم بما يدفع ضررهم كما هو الواجب عليهم، إذ يجب على الكفاية على مياسير المسلمين دفع ضرر المحتاجين، بإطعام الجائع وإكساء العاري. وهؤلاء كذلك. ولم يبادر الأغنياء إلى سد فاقتهم، فهذا سبب التمعر لا مجرد رؤية الفاقة بهم لأنها شأن الصالحين من الأمة (فدخل أي منزله ثم خرج) منه (فأمر بلالاً فأذن وأقام فصلى) أي: الظهر لأن الإِقامة مختصة بالفريضة، وأول فريضة بعد صدر النهار الظهر (ثم خطب فقال: يأيها الناس) الآية مكية والخطاب لأهل مكة. إلا أن لفظ الناس عام والحكم بعده غير مقصور عليهم (اتقوا ربكم) أي: عقابه بأن تطيعوه (الذي خلقكم من نفس واحدة) آدم (إلى آخر الآية) وهو: ﴿إن الله كان عليكم رقيباً﴾ (٢) حافظاً لأعمالكم فيجازيكم عليها أي: لم يزل متصفاً بذلك ووجه مناسبتها لما هو (١) سورة النساء، الآية: ١ . (٢) سورة النساء، الآية: ١. ٤٤٥ ١٩ - باب: فيمن سنّ سنة حسنة أو سيئة كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِباً﴾ وَالآيَةَ الْأُخْرَى الَّتِي فِي آخِرِ الْحَشْرِ (١): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ُ تَصُدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعٍ بُرِّهِ، مِنْ صَاعٍ تَمْرِهِ) حَتَّى قَالَ: ((وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ)) فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، ثُمَّ تَتَبَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ يَتَهَلَّلُ فيه أن فيها اتحاد الناس في خلقهم من نفسٍ واحدةٍ. ثم الأمر باتقاء الأرحام على قراءة النصب وقرنه باتقاء الله الدال على أن صلتها من الله تعالى بمكان، وختمها بقوله: ((رقيباً)) ما تحمل كل غني على سد خلة المحتاج لا سيما الرحم، لأن من رأى شقيقه ورحمه في غاية الحاجة ولم يصله كان قاطعاً لرحمه وقرابته، غير متقٍ لله ولا مستحضرٍ لكونه رقيباً عليه (و) قال (الآية التي في آخر الحشر) وهي قوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد﴾ وفيها غاية الحث على ما في التي قبلها (تصدق) خبر بمعنى الأمر، وهو أبلغ لدلالته على الوقوع. أي: ليتصدق (رجل) نكرةٌ وضع موضع الجمع المعرف، كما اقتضاه السياق فأفاد العموم. ومن ثم كرر من هنا من غير عاطف فقال: (من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره) أي: ورجل من درهمه وهكذا (حتى قال ولو بشق تمرة) أي: ليتصدق ولو كان بشق تمرة ومن: للجنس أي: ببعض ما عنده من هذا الجنس. تبعيضية ومجرورها والظرف في محل الحال، أو ابتدائية متعلقة بتصدق أي: من دينار له وإن احتاجه، لأن الإِيثار في ذلك شأن الكمل قال تعالى: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾(٢) (فجاء رجل من الأنصار بصرة) رواه مسلم كذا. مبهماً في كتاب الزكاة وعين أنها من ورق في روايته في كتاب العلم آخر صحيحه (كادت كفه تعجز) بكسر الجيم (عنها بل) إضرابٌ مفيدٌ للتأكيد والتحقيق (قد عجزت ثم تتابع) بمثناتين فوقيتين وبعد الألف (الناس) أي: في إتيان كل بما قدر عليه (حتى رأيت كومين من طعام وثياب) هو بفتح الكاف وضمها قال القاضي: ضبطه بعضهم بالفتح وبعضهم بالضم. قال ابن سراج: هو بالضم اسم لما كوم، وبالفتح المرة الواحدة قال: والكومة بالضم الصبرة، والكوم العظيم من كل شيء، والكوم المكان المرتفع كالرابية قال القاضي: والفتح هنا أولى لأن مقصوده الكثرة والتشبيه بالرابية (حتى رأيت وجه رسول الله (وَ لل يتهلل) أي يستنير ويضيء لما حصل عنده (١) سورة الحشر، الآية: ١٨. (٢) سورة الحشر، الآية: ٩. ٤٤٦ كتاب : دليل الفالحين كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَه: ((مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَن يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرٍ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَوْلُهُ (مُجْتَابِي النِّمَارِ)) هُوَ بِالْجِيمِ وَبَعْدَ الأَلِفِ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ. و((النِّمَارُ)) جَمْعُ من الفرح باغتناء أولئك المحتاجين، ومبادرة أصحابه إلى الامتثال (كان مذهبة) سيأتي ضبطه، وأن المراد منه على القولين الصفاء والاستنارة (فقال رسول الله وتير: من سن في الإِسلام سنة حسنة) أي: طريقة مرضية وإن لم يكن حسنها بالنص بل بالاستنباط. بأن دعى لفعلها بقولٍ أو فعلٍ أو أعان عليها أو فعلها فاقتدي به في فعلها (فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده) أي: ومثل أجره، فثم مضاف وأنه لمّا تسبب في إيجازه جعل كأنه العامل لها المأجور بها، ففي الكلام تجوز (من غير أن ينقص من أجورهم شيء) فاعل ينقص أي: إن حصول أجر مثل الفاعل لها لدلالته عليها، لا يدخل به شيء من النقص في أجورهم (ومن سن في الإسلام سنة سيئة) معصية وإن قلَّت بأن فعلها فاقتدى به فيها أو دعى إليها أو أعان عليها (كان عليه وزرها) أي: وزر عملها (ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء) وذلك لأن فعل المكلفين وإن كان غير موجب ولا مقتضي لثواب ولا عقاب بذاته، إلاّ أن الله تعالى أجرى عادته الإِلَهية بربطهما به ارتباط المسبب بالسبب، وليس للعبد تأثيرٌ في صدور الفعل عنه بوجه. فكما يترتب كلّ منهما على ما يباشره، يترتب على ما هو السبب فيه بنحو إرشاد أو أمر. فلما انفكت جهة المباشرة عن جهة جزاء الدلالة، لم ينقص أجر الدال من أجر المباشر شيئاً، وعلم من الحديث أنّ له ﴿ ﴿ من مضاعفة الثواب بحسب مضاعفة أعمال أمته ما لا يحيط به عقلٌ ولا يحدّه حدٌ، وذلك أن له مثل ثواب أصحابه، بالنسبة لما عملوه وما دلوا عليه. من بعدهم المضاعف لهم ثوابه إلى يوم القيامة. وهكذا في كل مرتبة من مراتب المبلغين عنه إلى انقضاء الأمة، ومنه يعلم عظيم فضل كل أهل مرتبة المتضاعف المتعدد بتعدد من بعدهم، فتأمله لتعلم فضل السلف على الخلف والمتقدمين على المتأخرين كذا في فتح الإِلَّه. قال المصنف: وفي هذا أي: من سن سنة حسنة إلخ. تخصيص قوله وسلم: ((كل محدثةٍ بدعة وكل بدعةٍ ضلالة)) وقد تقدم انقسام البدعة إلى خمسة أقسام (رواه مسلم) في كتابي الزكاة والعلم من صحيحه (قوله: مجتابي النمار هو) بضم الميم و(بالجيم وبعد الألف موحدة والنمار) بكسر النون (جمع نمرة) بفتح فكسر. ٤٤٧ ١٩ - باب: فيمن سنّ سنة حسنة أو سيئة نَمِرَةٍ وَهِيَ كِسَاءٌ مِنْ صُوفٍ مُخَطِّطْ. وَمَعْنَى ((مُجْتَابِيهَا)): لَابِسِيهَا قَدْ خَرَقُوهَا في رُؤُ وسِهِمْ. وَ ((الْجَوْبُ)): الْقَطْعُ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالى(١): ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾: أَيْ نَحْتُوهُ وَقَطَعُوهُ. وَقَولُهُ: ((تَمَعَّرَ)) هُوَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ: أَيْ تَغَيَّرَ. وَقَوْلُهُ: (رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ)) بِفَتْحِ الْكَافِ وَضَمّهَا: أَيْ صُبْرَتَيْنِ. وَقَوْلُهُ: ((كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ)) هُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْهَاءِ والْبَاءِ الْمُؤَخَّدَةِ. قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ. وَصَحَّفَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: ((مُدْهُنَةٌ)) بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ وَضَمّ الْهَاءِ وَبِالنُّونِ، وَكَذَا ضَبَطَهُ الْحُمَيْدِيُّ، وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ هُوَ الأَوَّلُ. وَالْمُرَادُ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ: (وهي كساء من صوف مخطط) ومعناها: قاطعيها كما قال (ومعنى مجتابيها لابسيها) حال كونهم (قد خرقوها) أي: محل جيوبها (في رؤوسهم) ونصب لابسيها الخبر عن ((معنى)) لمشاكلة المفسر المفسر (والجوب) المأخوذ منه مجتاب الذكور (القطع ومنه قوله تعالى: وثمود الذين جابوا الصخر بالواد أي نحتوه وقطعوه) واتخذوه بيوتاً بالوادي وادي القرى (وقوله: تمعر هو بالعين المهملة) المشددة (أي تغير) من قولهم: مكان أمعر أي: أجدب (وقوله: رأيت كومين) ضبط كما تقدم عن القاضي (بفتح الكاف وضمها) وتقدم عنه أن الأول هو الراجح (أي صبرتين) بضم الصاد المهملة اسم للمجموع من الطعام (وقوله كأنه مذهبة) بضم الميم و(بالذال المعجمة) الساكنة (وفتح الهاء والباء الموحدة قاله القاضي عياض) في المشارق (وغيره) من الأئمة (وصحفه بعضهم فقال مدهنه بدال مهملة) ساكنة (وبضم الهاء وبالنون) المفتوحة (وكذا ضبطه الحميدي) بل لم يذكر في الجمع بين الصحيحين غير هذه الرواية إن صحت المدهن الإِناء الذي يدهن فيه. وهو أيضاً اسم للنقرة في الجبل التي يستنقع فيها ماء المطر. فشبه صفاء وجهه الكريم بصفاء هذا الماء وصفاء هذا الدهن (والصحيح المشهور) قال المصنف في شرح مسلم: قال القاضي: والصواب (وهو الأول) وهو المعروف في الروايات، وذكر في تفسيره على هذا وجهين: أحدهما معناه فضة مذهبة، فهو أبلغ في حسن الوجه وإشراقه، والثاني شبهه في حسنه ونوره بالمذهبة من الجلود وجمعها مذاهب، وهو شيء كانت العرب تصنعه من جلود وتجعل فيه خطوطاً مذهبةً يرى بعضها إثر بعض (والمراد به على الوجهين) أي: ضبطه بالنون والباء وبالمهملة والنون (١) سورة الفجر، الآية: ٩. ٤٤٨ كتاب: دليل الفالحين الصَّفَاءُ والاسْتِنَارَةُ(١). ١٧٤ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ وَ قَالَ: ((لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمَاً إِلَّ كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا لِأِنَّه كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(٢). ٢٠ - باب: في الدلالة على الخير والدعاء إلى هدى أو ضلالة قَالَ تَعَالَى (٣): ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ . (الصفا والاستنارة). ١٧٤ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي وَ ير قال: ليس من) زائدة لتأكيد استغراق النفي (نفس تقتل ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول) وهو قابيل القاتل لأخيه هابيل حين تزوج كل منهما بأخته التي مع الآخر في بطن واحدة، وكان شريعة آدم عليه السلام: أن بطون حواء كانت بمنزلة الأقارب الأباعد، وحكمته تعذر التزوج، فاقتضت مصلحة بقاء النسل تجويز ذلك، فحينئذٍ قتل قابيل هابيل لأن زوجته كانت أجمل، فأدى به حسده إلى قتله، وهذا لا يمنع السبب المذكور في الآية لإِمكان أن سبب القتل به هذا الحسد، وأفهم قوله الأول أنه أول أولاد آدم، فإنهما أول قاتل ومقتول من ولد آدم (كفل) بكسر الكاف وسكون الفاء أي: نصيب (من) إثم (دمها لأنه كان أول من سن القتل) ففعله بأخيه فكل من فعله بعده مقتد به ولو بواسطة أو وسائط (متفق عليه) قال زين العرب في شرح المصابيح: إن قلت هذا منافٍ لقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾(٤) قلت: كل واحدة من النفسين المباشرة والمتسببة وازرة إثمها اهـ. وقد تقدم بسطه في الكلام على الحديث قبله. باب في الدلالة بتثليث الدال المهملة والأفصح الفتح (على خير) دينيٍ أو دنيويٍ ليس فيه كراهة دينية (١) أخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: الحث على الصدقة ... (الحديث: ٦٩). (٢) أخرجه البخاري في كتاب: الجنائز، باب: يعذب الميت ببعض بكاء أهله وفي كتاب الاعتصام، باب: إثم من دعا إلى ضلالة وفي غيرهما (٢٦٢/٦ و١٦٩/١٢). وأخرجه مسلم في كتاب: القسامة، باب: بيان إثم من سن القتل (الحديث: ٢٧). (٣) سورة الحج، الآية: ٦٧، والقصص، الآية: ٨٧. (٤) سورة الأنعام، الآية: ١٦٤ . ٤٤٩ ٢٠ - باب: في الدلالة على الخير وَقَالَ تَعَالَى(١): ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ وَقَالَ تَعَالَى (٣): ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْروٍ الأَنْصَارِيِّ الْبَدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرِ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ)) (والدعاء إلى هدى أو ضلالة) أي: في ثواب الأولين وعقاب الأخير. (قال الله تعالى: وادع إلى ربك) أي: ادع الناس إلى ربك بتوحيده وعبادته. وفيها الأمر بالدعاء سواء أسمع أم لا، وفي ذلك إشارةً إلى أنه ينبغي الذكر وإن لم ينفع (وقال تعالى: ادع) الناس يا محمد (إلى سبيل ربك) دينه (بالحكمة) بالقرآن (والموعظة الحسنة) مواعظه أو القول الرفيق (وقال تعالى: وتعاونوا على البر) فعل ما أمرتم به (والتقوى) ترك ما نهيتم عنه. وهذا الأمر عام في سائر الطاعات فرض في الفروض مندوب في المندوب (وقال تعالى: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير) فيه إشارة إلى أن الدعاة إلى الحق والخير أفضل الأمة، ولذا ميزهم بالذكر. وفي قوله: ﴿ومنكم﴾ إشارةً إلى أنه لا يكون سائر الناس في رتبة، بل يتفاوتون إذ يكون العالم والأعلم والفاضل والأفضل. (وعن أبي مسعودعقبة بن عمرو الأنصاري البدري) تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب المجاهدة (قال: قال رسول الله وَالر: من دل على خير فله مثل أجر فاعله) بسببه كما في مسلم عن أبي مسعود قال: جاء رجل إلى رسول الله وَهير فقال: إني أبدع بي فاحملني قال: ما عندي قال رجلٌ: يا رسول الله أنا أدله على من يحمله. فقال رسول الله وَليقول: ((من دل على خير)) الخ. وقوله: أبدع بي. بضم الهمزة وسكون الموحدة آخره مهملتان. أي: هلكت راحلتي وانقطع بي. وروي بدع بضم الموحدة وتشديد الدال. قال عياض وغيره: وليس بمعروف في اللغة. وقوله: ((من دل)) الخ. قال المصنف: المراد أن له ثواباً مثل ما إن لفاعله ثواباً، ولا يلزم أن يكون قدرهما سواء اهـ. وذهب بعضهم إلى أن المثلية في أصل (١) سورة النحل، الآية: ١٢٥ (٢) سورة المائدة، الآية: ٢. (٣) سورة آل عمران، الآية: ١٠٤ ٤٥٠ كتاب: دليل الفالحين رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١). ١٧٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ: (مَنْ دَعَا إِلَى هُدَّىَ كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً، وَمَنْ دَعْا إِلَى ضَلَاَلَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْتُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(٢). الثواب دون التضعيف المزيد للعامل، واختار القرطبي أنه مثله حتى في التضعيف. قال: لأن الثواب على الأعمال إنما هو بفضل من الله فيعطيه لمن يشاء على أي: شيء صدر منه، خصوصاً إذا صحت النية التي هي أصل الأعمال في طاعة عجز عن فعلها لمانع منع منها، فلا بعد في مساواة أجر ذلك العامل لأجر ذلك القادر الفاعل أو يزيد عليه. قال: وهذا جارٍ في كل ما ورد مما يشبه ذلك. كحديث: ((من فطر صائماً فله مثل أجره)) اهـ. قلت: وحديث الترمذي الذي فيه: ((ورجل ليس عنده شيء من الدنيا وتمنى أنه لو كان ذلك لأنفقه فيما أنفقها فيه من الخيرات صاحبه فهما فى الأجر سواء)). أو كما قال. والحديث الآتى فيه يشهد ظاهرهما لما قاله القرطبي (رواه مسلم) تقدم في شرح خطبة الكتاب بيان من خرجه. والحديث عقبه زيادة على مسلم . ١٧٥ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وير قال: من دعا إلى هدى) أي: من أرشد غيره إلى فعل خير عظيم كثير، أو ترك ضده كإماطة الأذى عن الطرق، أو أمره به أو أعانه عليه (كان له من الأجر مثل أجور من تبعه) فعمل بدلالته أو امتثل (لا ينقص ذلك) الأجر العظيم المعطي للدال على دلالته (من أجورهم) المعطاة على أعمالهم (شيئاً) لاختلاف جهة الجزاء، كما تقدم بسطه في الباب قبله. وهو لازمٌ تارة ومتعدٍ أخرى. وقد استعمل بهما في الحديث، واستعمل قاصراً في الحديث السابق عن جرير في الباب قبله كما تقدم باقي هذا الحديث (ومن دعا إلى ضلالة) أي: من أرشد غيره إلى فعل إثم وإن قلّ أو أمره به أو أعانه عليه (كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه) عليها وامتثل أمره فيها (لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً رواه مسلم) وغيره ممن تقدم ثمة. (١) أخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: فضل إعانة الغازي في سبيل الله ... (الحديث: ١٣٣). (٢) أخرجه مسلم في كتاب: العلم، باب: من سن سنة حسنة أو سيئة (الحديث: ١٦). ٤٥١ ٢٠ - باب: في الدلالة على الخير ١٧٦ - وَعَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ قَالَ يَوْمَ خَيْرَ: ((لْأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَداً رَجُلا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ)) فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوَكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدْوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهِ كُلُّهُمْ يَرْجُو ١٧٦ - (وعن أبي العباس) وقيل: أبو يحيى (سهل بن سعد) بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري (الساعدي رضي الله عنه) كان اسمه حزناً فسماه النبي ◌َّ سهلاً. قال الزهري: سمع سهل من النبي ◌ّ وكان له في وفاة النبي ◌َل خمس عشرة سنة، وتوفي بالمدينة سنة ثمان وثمانين. وقيل: سنة إحدى وتسعين. قال ابن سعد: وهو آخر من مات بالمدينة من أصحاب النبي وَل ليس فيه خلاف. وقال غيره: بل فيه الخلاف كذا في التهذيب للمصنف. قلت: ويؤيد الخلاف الذي نقله المصنف ما تقدم في باب التقوى من اليواقيت الفاخرة، أن آخر من مات بالمدينة السائب بن يزيد المعروف بابن أخت النمر. توفي سنة إحدى وتسعين روي له عن (رسول الله وَ له)) مائة حديث وثمانية وثمانون حديثاً، اتفقا على ثمانية وعشرين وانفرد البخاري بأحد عشر (أن رسول الله ﴾﴿ قال) يوم (خيبر) جرت عادة العرب الكنایة بیوم کذا عن غزوته، سواء كانت في يوم أو أقل أو أكثر. هذا المقال صدر منه في بعض أيام تلك الغزوة، فإنها كانت أياماً (لأعطين الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه) والتنوين في رجلٍ للتعظيم وأبدل منه ما يزيد في تعظيمه قوله: (يحب الله ورسوله) بالنصب (ويحبه الله ورسوله) أي : جامع للوصفين حائز للشرفين المتلازمين يحبهم ويحبونه رضي الله عنهم ورضوا عنه، وتقدم أن المراد من محبة الله للعبد توفيقه لمرضاته وإثابته. والمراد من محبة العبد لله ورسوله : امتثال أوامرهما واجتناب مناهيهما، فبات الناس يدوكون يخوضون (ليلتهم) أي: فيها (أيهم يعطاه) بالبناء للمفعول (فلما أصبح الناس غدوا) هو السير أول النهار، والرواح السير آخره، هذا أصلهما. وقد يستعمل كلّ في موضع الآخر (على رسول الله ور كلهم يرجوا) الأفراد باعتبار لفظ كل قال في مغني اللبيب: إذا أضيفت كل إلى معرفة، فقالوا: يجوز مراعاة لفظها ومراعاة معناها. وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً * لقد أحصاهم﴾(١) والصواب: أن الضمير لا يعود إليها من خبرها إلا مفرداً مذكراً على لفظها نحو: وكلهم آتيه. وقوله ويسر: ((كلكم راع)) وأما لقد أحصاهم فجملة (١) سورة مريم، الآية : ٩٣ - ٩٤. ٤٥٢ كتاب : دليل الفالحين أَنْ يُعْطَاهَا. فَقَالَ: ((أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ. قَالَ: ((فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ)) فَأُتِيَ بِهِ فَبَصَّقَ رَسُولُ اللّهِ وَ﴿ِ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرِىءَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعْ، فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ. فَقَالَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا؟ فَقَالَ: ((انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَلَى فِيهِ، فَوَالَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ ((يَدُوكُونَ)): أَيْ يَخُوضُونَ وَيَتَحَدَّثُونَ. قَولُهُ أجيب بها القسم المقدر، وليست خبراً عن كل، وضميرها راجعٌ لمن ومن معناه الجمع اهـ. (أن يعطاها) ورجاؤها ذلك لا لذات الراية إنما هو لشرف صاحبها من كونه محباً لله تعالى ورسوله محبوباً لهما (فقال: أين علي بن أبي طالب فقيل: يا رسول الله هو يشتكي عينيه) أي: بالرمد. كما جاء في رواية أخرى (قال فأرسلوا إليه) إن كان فاعل. قال ضمير يعود إلى النبي ◌ّير كما يقتضيه السياق، فيكون قوله: ((فأرسلوا إليه)) بصيغة الأمر مرفوعاً وإن كان فاعله يعود إلى الراوي. ففي الكلام اختصار فقال: ((أرسلوا إليه فأرسلوا إليه))، ولم أقف فيه على ضبط (فأتي) بالبناء للمفعول (به فبصق رسول الله بَّر في عينيه ودعا له) أي: بالعافية (فبرىء) عقب ذلك حالاً. معجزة له ثّة وكرامة بإجابة دعوته، فزال الوجع وآثاره (حتى كأن) بتخفيف النون. أي: كأنه (لم يكن به وجع) فيهما (فأعطاه الراية فقال: يا رسول الله أقاتلهم) أي: أؤقاتلهم بتقدير همزة الاستفهام قبل الفعل. وحذفها دفعاً لثقل توالي همزتين (حتى يكونوا مثلنا) في الإِسلام ويدخلوا في الدين (قال: انفذ) بضم الفاء وبالذال المعجمة أي امض (على رسلك) أي: على هينتك ولا تعجل. وأصله السكون والثبات (حتى تنزل بساحتهم) هي: الناحية والفضاء بين دور الحي (ثم) أي: بعد وصولك لها (ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله) الواجب (فيه) من الأعمال البدنية كالصلاة والصيام، والمالية كالزكاة، والجامعة لهما كالحج والعمرة. وتمسك بهذا الحديث قوم فقالوا: يجب الدعاء قبل القتال، والصحيح أنه مخصوصٌ بمن لم تبلغه الدعوة، لأن النبي ( أغار على بني المصطلق وهم غادون (فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً) أي: ينقذه من الكفر والضلال بدلالتك له على الإِسلام والهدى (خير لك من حمر النعم) أي: من أن تكون لك، وحمر النعم: هي الإِبل الحمر، وهي أنفس أموال العرب، ٤٥٣ ٢٠ - باب: في الدلالة على الخير (ِسْلِكَ)) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِفَتْحِهَا لُغَتَانٍ، وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ(١) ١٧٧ - وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ فَتَّى مِنْ أَسْلَمَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أريدُ الْغَزْوَ وَلَيْسَ مَعِي مَا أَتَجَهَّزُ بِهِ؟ قَالَ: أْتِ فُلَاناً فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ تَجَهَّزَ فَمَرْضَ، فَأَتَاهُ ويضربون بها المثل في نفاسة الشيء، وأنه ليس هناك أعظم منه. وتشبيه أمور الآخرة بأعراض الدنيا إنما هو للتقريب إلى الأفهام. وإلا فذرة من الآخرة الباقية خير من الدنيا بأسرها، وأمثالها معها لو تصورت، كما سبق في الكلام على شرح هذه الجملة مع بيان من رواها في آخر شرح خطبة الكتاب، وفي الحديث بيان فضل العلم والدعاء إلى الهدى وسن الدعاء إلى الهدى وسن السنن الحسنة (متفق عليه) وحديث علي تقدم في باب ((المبادرة إلى الخيرات)) من حديث مسلم فلا زيادات فيه هنا (قوله: يدوكون) بالدال المهملة (أي يخوضون ويتحدثون) قال المصنف: وفي بعض نسخ مسلم ((يذكرون)) بالذال المعجمة وبالراء (وقوله: رسلك) بالجر على الحكاية (بكسر الراء وفتحها) وسكون السين فيهما (لغتان والكسر أفصح) وعليه اقتصر ابن الأثير في النهاية فقال: الرسل بالكسر الهينة والتأني. قال الجوهري يقال: افعل كذا وكذا على رسلك. أي: اتئد فيه كما يقال على هینتك. ١٧٧ - (وعن أنس رضي الله عنه أن فتى من أسلم) أبي: القبيلة، وهو كما قال الحازمي في كتاب الأنساب: أسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر بن عويمر بن عمر كذا ساقه البرقي وقال خليفة بن خياط: أسلم بن أفصى بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن المازن بن الأزد بن الغوث. وهم خلق كثير من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء ورواة الحديث اهـ. قلت وعلى القول الثاني جرى الأصفهاني في كتاب لب الألباب مختصر مختصر كتاب الأنساب للسمعاني (قال: يا رسول الله إني أريد الغزو وليس معي ما أتجهز به) الجهاز: ما يحتاج إليه المسافر (قال: انت فلاناً فإنه كان قد تجهز) للغزو (فمرض) فتأخر له، ففيه الدلالة على الخير، وفيه أن من نوى صرف شيء في خير وتعذر عليه استحب له بذله في خير آخر، ولا يلزمه ذلك إلا بالنذر (فأتاه فقال: رسول الله وَل (١) أخرجه البخاري في كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب علي بن أبي طالب والجهاد، باب: فضل من أسلم على يديه وحل وغيرهما (٥٨/٧). وأخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل علي بن أبي طالب (الحديث: ٣٤) ٤٥٤ كتاب: دليل الفالحين فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يُفْرِتُكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ: أَعْطِنِي الَّذِي تَجْهَّزْتَ بِهِ. فَقَالَ: يَا فُلَانَةُ أَعْطِيهِ الَّذِي تَجَهَّزْتُ بِهِ، وَلاَ تَحْبِسِي مِنْهُ شَيْئاً، فَوَاللَّهِ لَا تَحْبِسِينَ مِنْهُ شَيْئاً فَيُبَارَكَ لَنَا فِيهِ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١). ٢١ - باب: في التعاون على البر والتقوى قَالَ اللَّهَ تَعَالَى (٢): ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِّ وَالتَّقْوَىْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى (٣): ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلوا يقرئك) بضم التحتية (السلام ويقول لك: أعطني الذي تجهزت به) أي: إعانةً لي على الخير (فقال:) مسارعاً لامتثال أمر المصطفى وَّر (يا فلانة) كناية عن اسم المرأة. وقد تقدم بسط فيه عن التهذيب للمصنف (أعطيه الذي تجهزت به) أي من الراحلة والزاد وغيره مما هيأه مما يحتاجه المسافر (ولا تحبسي) تؤخري (منه شيئاً فوالله لا تحبسين) في نسخة بحذف النون، فإن ثبتت رواية خرجت على أنها لمناسبة ما قبلها، كما خرج على ذلك قوله وسلم: ((لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا)) الحديث. على أن حذف النون لغير الجازم والناصب لغةٌ حكاها المصنف وغيره (منه شيئاً فيبارك) بالنصب (الله لك فيه) لأنه تصرفٌ فيه على خلاف رضا مالكه وهواه، لأنه أمر بدفعه أجمع لمن أرسله النبي وس، فإذا خالفت وحبست منه بعض الشيء تستكثره له لا يبارك لها فيه (رواه مسلم) وفي الحديث دلالته ويل لذلك المنقطع على ذلك الذي تجهز ثم ترك للمرض، ففيه مناسبة الترجمة. باب التعاون على البر والتقوى (قال الله تعالى: وتعاونوا) أي: ليعن بعضكم بعضاً (على) اكتساب (البر) قال ابن عباس: متابعة السنة (والتقوى) وتقدم في الباب قبله فوائد في الآية (وقال تعالى: والعصر) الدهر. أو ما بعد الزوال، أو صلاة العصر، أو زمان رسول اللّه ◌َله. أقسم به كما أقسم (١) أخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: فضل إعانة الغازي. (٢) سورة المائدة، الآية: ٢ (٣) سورة العصر، الآيات: ١، ٣،٢. .. (الحديث: ١٣٤). ٤٥٥ ٢١ - باب: في التعاون على البر والتقوى الصَّالِحَاتِ، وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بمكانه تنبيهاً بذلك على أن زمانه أفضل الأزمان وأشرفها. وجواب القسم (إن الإِنسان) أل فيه للاستغراق (لفي خسر) أي: خسران ونقصان في تجارته؛ لأن تجارة الإِنسان عمره، فإذا ضاعت الساعة منه في معصية فهو الخسران المبين الظاهر، أو في طاعة، فلعل غيرها أفضل وهو قادر على الإِتيان به، فكان في فعل غير الأفضل تضييع وخسران، فبان بذلك أنه لا ينفك إنسان عن خسران (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) فليسوا في خسرٍ وكل ما مر من عمر الإِنسان في طاعة الله فهو في صلاحٍ وخيرٍ. وما كان بضده فهو في خسرٍ وفسادٍ وهلاكٍ (وتواصوا) أي: أوصى بعضهم بعضاً (بالحق) أي: الإِيمان والتوحيد. وقيل: القرآن والعمل بما فيه (وتواصوا بالصبر) على الطاعة وعن المعصية. قال الخازن: وقيل: أراد أن الإِنسان إذا عمّر في الدنيا وهرم ففي نقص وتراجع، إلا الذين آمنوا فإن الله يكتب أجورهم ومحاسن أعمالهم التي كانوا يعملونها في شبابهم وصحتهم، وهي مثل قوله تعالى: ﴿ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجرٌ غير ممنون﴾(١) ١ هـ. (قال الإِمام) هو لغةً: من يقتدى به، وفي عرف الشرع من يقتدى به في الخير (الشافعي) عالم قريش المحمول عليه: ((لا تسبوا قريشاً فإن عالمها يملأ الأرض علماً)) محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف جد النبي ◌َّر، لقي النبي ◌َّ وهو مترعرع وأسلم أبوه يوم بدرٍ بعد أن أُسر بها، وفدا نفسه ولد الشافعي بغزة على الأضح سنة خمسين ومائة، ثم حمل إلى مكة ونشأ بها وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين والموطأ وهو ابن عشر، وتفقه على مسلم بن خالد المعروف بالزنجي لشدة شقرته من أسماء الأضداد، وأذن له في الإِفتاء وهو ابن خمس عشرة سنة، ثم رحل إلى مالك ولازمه مدة، ثم قدم بغداد سنة خمس وتسعين ومائة، فأقام بها سنتين فاجتمع عليه علماؤها ورجع كثير منهم عن مذاهب كانوا عليها إلى مذهبه، وصنف بها كتابه القديم، ثم عاد إلى مكة فأقام بها شهراً، ثم خرج إلى مصر ولم يزل بها ناشراً للعلم ملازماً للاشتغال بجامعها العتيق إلى أن مات. وهو قطب الوجود يوم الجمعة سلخ رجب سنة أربع ومائتين، ودفن بعد العصر من يومه، ومناقبه كثيرةً أفردت بالتآليف في مجلدات. ومن شعر الشافعي (رحمه الله): فإن النفس ما طمعت تهون أمت مطامعي فأرحت نفسي (١) سورة التين، الآية: ٥ - ٦. ٤٥٦ كتاب: دليل الفالحين كَلَمَاً مَعْنَاهُ: إِنَّ النَّاسَ أَوْ أَكْثَرَهُمْ فِي غَفْلَةٍ عَنْ تَدَبُّرِ هَذِهِ السُّورَةِ. ١٧٨ - وَعَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللّهِ وَ﴿ِ: ((مَنْ جَهَّزَ غَازِياً فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِياً فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). ففي إحيائه عرضي مصون وأحييت القنوع وكان ميتا علته مهانةٌ وعلاه هون إذا طمعٌ يحل بقلب عبدٍ (كلاماً) مفعول قال، وجاز عمله فيه مع أنه مفرد، وينصب القول الجمل لأنه يؤدي مؤداها ولم أقف على لفظه المذكور، ولم يذكر المصنف من خرجه عنه حتى يرجع إليه (معناه أن الناس أو) للتردد (أكثرهم في غفلة عن تدبر) مقاصد (هذه السورة) وما هي مؤدية ومنبهة بشرفه من التواصي بالحق والصبر ومن عمل البر وخسران من لم يكن كذلك. ١٧٨ - (وعن أبي عبد الرحمن) وقيل: أبو طلحة. وقيل: أبو زرعة (زيد بن خالد الجهني) بضم الجيم نسبة إلى جهينة. قال الحازمي: جهينة بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن لحاف بن قضاعة، قبيلة عظيمة منها بشر كثير من الصحابة ١ هـ. سكن زيد (رضي الله عنه) المدينة وشهد الحديبية وكان معه لواء جهينة يوم الفتح، روي له عن رسول الله وَلا أحد وثمانون حديثاً اتفقا على خمسة منها وانفرد مسلم بثلاثة توفي بالمدينة وقيل: بالكوفة وقيل: بمصر سنة ثمان وخمسين وهو ابن خمس وثمانين سنة وقيل: غير ذلك. ذكره المصنف في التهذيب (قال: قال نبي الله جل: من جهز غازياً في سبيل الله) أي: هيأ أسباب السفر له إعانة على الخير (فقد غزا) قال ابن حبان: معناه أنه مثله في الأجر وإن لم يغز حقيقة (ومن خلف) بالخاء المعجمة المفتوحة وبتخفيف اللام المفتوحة أيضاً (غازياً) في سبيل الله (في أهله بخير) بأن قام بما يحتاجون إليه (فقد غزا) وفي رواية لابن حبان: ((من جهز غازياً في سبيل الله أو خلفه في أهله كتب الله له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجره شيء)) (متفق عليه) ورواه ابن ماجه من حديث ابن عمر بلفظ، ((من جهز غازياً حتى يستقل، كان له مثل أجره حتى يموت أو يرجع)) قال العلقمي: أفادت هذه الرواية فائدتين: أن الوعد المذكور (١) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: فضل من جهز غازياً أو خلفه بخير (٣٦/٦، ٣٧) وأخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: فضل إعانة الغازي ... (الحديث: ١٣٥) ٤٥٧ ٢١ - باب: في التعاون على البر والتقوى ١٧٩ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلِ بَعَثَ بَعْشاً إِلَى بَنِي لِحْيَانَ مِنْ هُذَيْلٍ، فَقَالَ: ((لِيَنْبَعِثْ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا وَالْأَجْرُ بَيْنَهُما)) رَوَاهُ مُسْلِمُ (١) مرتب على إتمام التجهيز وهو المراد بقوله: ((حتى يستقل)). وأنه يستوي معه في الأجر إلى أن تنقضي تلك الغزوة اهـ. ثم قال في أثناء كلام لكن من يجهز الغازي بماله مثلاً وكذا: من يخلفه فيمن يتركه بعده يباشر شيئاً من المشقة أيضاً. فإن الغازي لا يتأتى منه الغزو إلا بعد أن يكفي ذلك العمل، فصار كأنه يباشر معه الغزو، بخلاف من اقتصر على النية مثلاً أي حصل له أجر سبب الغزو، وهذا الأجر يحصل بكل جهاز سواء قليله وكثيره، ولكل خالف في أهله بخير من قضاء حاجة لهم أو إنفاقٍ عليهم أو ذب عنهم أو مساعدتهم في أمرهم. ويختلف قدر الثواب بقلة ذلك وكثرته قلت: وبه يعلم أن ما أفاده حديث ابن ماجه من ترتب الأجر على تمام التجهيز، المراد به كمال الأجر ودوامه المشار إليه بقوله ((حتى يرجع)» إليه لا أصله، فهو حاصلٌ بما فعل من التجهيز وإن قلّ. ١٧٩ - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله وَل بعث) أي: أراد أن يبعث (بعثاً إلى بني لحيان) بكسر اللام وفتحها والكسر أشهر. بطنٌ (من هذيل) إذ هو لحيان بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر قال المصنف في شرح مسلم: واتفق العلماء على أن بني لحيان كانوا في ذلك الوقت كفاراً فبعث إليهم بعثاً يغزوهم (فقال) لذلك البعث (لينبعث، من كل رجلين أحدهما) مراده كما قال المصنف: من كل قبيلة نصف عددها (والأجر) أي: مجموع الحاصل للغازي والخالف له بخير (بينهما) فهو بمعنى قوله في الحدیث قبله: ((ومن خلف غازياً فقد غزا)) وأما حديث مسلم: ((أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخيرٍ كان له مثل نصف أجر الخارج)) فقال القرطبي: لفظة ((نصف)) تشبه أن تكون مقحمة أي: مزيدة من بعض الرواة. وقال العلقمي: لا حاجة لدعوى زيادتها بعد ثبوتها في الصحيح والذي يظهر في توجيهها، أنها إنما أطلقت بالنسبة إلى مجموع الثواب الحاصل للغازي والخالف له بخير، فإن الثواب إذا قسم بينهما نصفين، كان لكل منهما مثل ما للآخر فلا تعارض بين الحديثين قلت: إلا أنه على هذا التوجيه يكون فيه حذف، وعلى توجيه القرطبي تكون فيه زيادة والله أعلم. ثم قوله: ((والأجر بينهما)) محمولٌ على ما إذا خلف المقيم الغازي في أهله بخير كما تقدم في الحديث قبله. وصرح به باقي الأحاديث (رواه مسلم). (١) أخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: فضل إعانة الغازي (الحديث: ١٣٧). ٤٥٨ كتاب: دليل الفالحين ١٨٠ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَقِيَ رَكْباً بِالرَّوْحَاءِ، فَقَالَ: (مَنِ القَوْمُ؟)) قَالُوا: المُسْلِمُونَ. فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: (رَسُولُ اللَّهِ) فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيَّاً، فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجُّ؟ قَالَ: (نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١) ١٨١ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وَ أَنَّهُ قَالَ: ١٨٠ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله وَّل﴿ لقي) في حجة الوداع (ركباً) بفتح الراء وسكون الكاف، جمع راكب كصحب وصاحب (بالروحاء) بالمهملتين، محل بقرب المدينة (فقال:) بعد أن سلّم عليهم كما في حديث أبي داود (من القوم) قال ابن رسلان: ففيه السلام على الركب المسافرين إذا لقيهم وإن لم يعرفهم. وإن الذي يسلم يكون كبير القوم، وإن من لقي غيره لا يكلمه قبل أن يسلم عليه، وكذا لا يجيب من كلمه قبل أن يسلم لحديث السلام قبل الكلام (قالوا: المسلمون) فيه دليل على إطلاق ذلك، ولا يحتاج إلى فصله بقوله: إن شاء الله خوفاً من سوء الخاتمة. أي: لأن الأصل بقاء الفضل وإن كان الإتيان بها نظراً لذلك أفضل (فقالوا: من أنت) وعند أبي داود: من أنتم. قال القاضي عياض: يحتمل أن يكون هذا اللقاء كان ليلاً فلم يعرفوه، ويحتمل كونه نهاراً لكنهم لم يروه وهو قبل ذلك لعدم هجرتهم، فأسلموا في بلدانهم ولم يهاجروا قبل ذلك (فقال: أنا) وفي رواية أبي داود: ((فقالوا)) (رسول الله فرفعت إليه امرأة صبياً) زاد أبو داود: فأخذت بعضده فأخرجته من محفتها (فقالت: يا رسول الله) كما في أبي داود (ألهذا) وعند أبي داود: ((هل لهذا)) (حج) أي: يصح له (قال: نعم) فيه حجةٌ للشافعي والجمهور على انعقاد حج الصبي وإن كان غير مميز، إذ من يخرج من المحفة بعضده لا تمييز له، فيحرم عنه الولي إن كان غير مميز ويخير بين ذلك، والإِذن للصبي إن كان مميزاً فيثاب الصبي عليه في الحالين وإن كان لا يجزيه عن حجة الإسلام، بل يقع تطوعاً (ولك أجر) أي: ويثبت لك الأجر بسبب الحمل وتجنيبه ما يتجنبه المحرم وفعل ما يفعله المحرم، وأما الإِحرام عنه: فإن كانت وصيةً أو قيمةً صح. وإلا فلا ولا أجر لها في الإِحرام عنه حينئذ، أما أجر حجه فيكتب له مع سائر ما يعمله من الطاعات من طواف وسعي وطهارة وصلاة وغيرها من الطاعات، ولا يكتب له معصية بالإجماع (رواه مسلم) وأبو داود ١٨١ - (وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي - أنه قال: الخازن) لمال غيره (١) أخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: صحة حج الصبي وأجر من حج به (الحديث: ٤٠٩). ٤٥٩ ٢٢ - باب: في النصيحة ((الْخَازِنُ المُسْلِمُ الأَمِينُ الَّذِي يُنْفِذُ مَا أُمِرَ بِهِ فَيُعْطِيهِ كَامِلاً مُوَفَّراً، طَيِّيَةً بِهِ نَفْسُهُ، فَيَدْفَعُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ، أَحَدُ الْمُتَصَدِّقِينَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: ((الَّذِي يُعْطِي مَا أُمِرَ بِهِ) وَضَبَطُوا ((المُتَصَدِّقِينَ)) بِفَتْحِ القَافِ مَعْ كَسْرِ النّونِ عَلَى النَّثْنِيَةِ، وَعَكْسُهُ عَلَى الْجَمْعِ وَكِلَأُهُما صَحِيحٌ (١) ٢٢ - باب: في النصيحة بإذنه (المسلم الأمين) أي: في ذلك المال الذي أمر بإعطائه وإن خان في غيره قبل أو بعد فيما يظهر من القواعد؛ لأن سبق المعصية أو تأخرها فيما لا تعلق له بما أطاع فيه لا يقتضي نقص ثواب ما أطاع فيه (الذي ينفذ) بفاء مكسورة مثقلة ومخففة (ما أمر به) أي بإعطائه (فيعطيه كاملاً موفراً) تأكيد بعد تأكيد لما غلب على الخزان من الطمع فيما أمروا بإعطائه والنقص عنه (طيبة به نفسه) بأن لا يحسد المعطى ولا يظهر له من العبوس وتقطيب الوجه ما يكدر خاطره، ونبه و على ذلك؛ لأن أكثر الخزان غلب عليهم البخل بمال غيرهم فهم أبخل البخلاء (فيدفعه إلى الذي أمر) بالبناء للمفعول (له) راجع للذي (به) راجع للمال (أحد المتصدقين) فيكتب له بتلك الشروط الأربعة ثواب من ثواب الصدقة، لكنه يقل ويكثر بحسب تعبه وبشاشته ورفقه في الإِعطاء (متفق عليه) ورواه أحمد وأبو داود والنسائي عن أبي موسى كذا في الجامع الصغير (وفي رواية) لهما (الذي يعطي ما أمر به) وعليها اقتصر صاحب المشكاة، وقال: (متفق عليه وضبطوا) أي المحدثون (المتصدقين بفتح القاف مع كسر النون على التثنية) أي على أنه مثنى وعلى هذا اقتصر في شرح مسلم وعليه فهما هو وبازل الصدقة (وعكسه) أي كسر القاف وفتح النون (على الجمع) الصحيح المذكر السالم، وهو جنس الخازن وجنس المتصدق، أو اطلق الجمع وأريد به الاثنان مجازاً (وكلاهما) أي الضبطين (صحيح) باعتبار المعنى كما عرفت باب النصيحة قال الفاكهاني في شرح الأربعين: الحديث التي جمعها المصنف النصيحة كلمة (١) أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: أجر الخادم (٢٤٠/٣). وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: أجر الخازن الأمين ... (الحديث: ٧٩) ٤٦٠ كتاب: دليل الفالحين قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (١): ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ . وَقَالَ تعالَى إِخْبَاراً عَنْ نُوحٍ ◌َِّ(٢): ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَعَنْ هُودٍ وَّةِ(٣): ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾. وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ: ١٨٢ - فَالأَوَّلُ عَنْ أَبِي رُقَيَّةَ تَمِيمِ بْنِ أَوْسِ الدَّارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ وَهِ، قَالَ: جامعة معناها حيازة الخير للمنصوح له يقال: إنها من وجيز الأسماء ومختصر الكلام وإنه ليس في كلام العرب كلمة مفردة تستوفى العبارة عن معنى هذه الكلمة، كما قالوا فى الفلاح: ليس في كلام العرب كلمة أجمع لخير الدارين منها، وهي مأخوذة من نصح الرجل ثوبه إذا خاطه شبه فعل الناصح فيما يتحراه للمنصوح له بسد الخياطة خلل الثوب وإصلاحه، وقيل: إنها مأخوذة من نصحت العسل إذا صفيته من الشمع شبه تخليص القول من الغش بتخليص العسل من الخلط اهـ. (قال الله تعالى: إنما المؤمنون إخوة) ففي التعبير بالإِخوة المقتضية للنظر في مصالحه وما ينفعه إيماء إلى نصحه (وقال تعالى إخباراً) أي مخبراً (عن نوح صلى الله) على نبينا و(عليه وسلم) أي عما قاله لقومه (وأنصح لكم) قال السلمي في الحقائق: قال بعضهم: أنصح لكم أدلكم على طريق رشدكم. وقال شاه الكرماني: علامة النصيحة ثلاثة: اغتمام القلب بمصائب المسلمين، وبذل النصح لهم، وإرشادهم إلى مصالحهم وإن جهلوا وكرهوه (و) قال تعالى مخبراً (عن) قول (هود) لقومه (وأنا لكم ناصح) أي: فيما آمركم به من عبادة الله وترك ما سواه (أمين) على تبليغ الرسالة وأداء النصح. والأمين: الثقة على ما اؤتمن عليه، حكى الله عن نوح بصيغة الفعل وعن هود بصيغة اسم الفاعل. قال الخازن في لباب التأويل: والفرق أن صيغة الفعل تدل على تجدده ساعة بعد ساعة فكان نوح يدعو قومه ليلاً ونهاراً كما أخبر الله تعالى عنه بذلك، فلما كان ذلك من عادته ذكره بصيغة الفعل، وأما هود: فلم يكن كذلك، بل كان يدعوهم وقتاً دون وقت، فلذا ذكر بصيغة الوصف. وفي الآية جواز مدح النفس والثناء عليها في مواضع الضرورة إلى مدحها ١٨٢ - (وأما الأحاديث) النبوية في النصيحة (فكثيرة: عن أبي رقية) كني بابنة له لم يولد له (١) سورة الحجرات، الآية: ١٠. (٢) سورة الأعراف، الآية: ٦٢ (٣) سورة الأعراف، الآية: ٦٨