النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ ١١ - باب: في المجاهدة قَالَ: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ))، ثُمَّ قَامَ قِيَاماً طَوِيلًا قَرِيباً مِمَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَقَالَ: ((سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى)) فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيباً مِنْ قِيَامِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١). ١٠٣ - التَّاسِعُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ وَ لَيْلَةً فَأَطَالَ الْقِيَامَ حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْرِ سَوْءٍ. قِيلَ: وَمَا هَمَمْتَ بِهِ؟ قَالَ: هَمَمْتُ أَنْ أَجْلِسَ رأسه وقال:) عند رفعه (سمع الله لمن حمده) أي تقبله منه (ربنا لك الحمد ثم قام) أي دام في القيام بعد الرفع من الركوع (قياماً طويلاً قريباً مما ركع) أي: من ركوعه أخذ منه ما اختاره المصنف: أن الاعتدال والجلوس بين السجدتين ركنان طويلان لكن المذهب أنهما قصيران؛ لأنهما مقصودان لغيرهما لا لذاتهما، وقد يجاب بأن القرب من الركوع أمر نسبي فليس فيه نص على أنه طول أكثر من التطويل المشروع عندنا، وهو ما يسع أذكاره الواردة فيه وقدر قراءة الفاتحة (ثم سجد فقال:) في سجوده (سبحان ربي الأعلى) وكرره، والحكمة في جعل العظيم في الركوع، والأعلى في السجود، أن الأعلى لكونه أفعل تفضيل أبلغ من العظيم، والسجود أبلغ في التواضع من الركوع فجعل الأبلغ للأبلغ (فكان سجوده قريباً من قيامه رواه مسلم). ١٠٣ - (وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: صليت مع النبي (وَّ ليلة) أي التهجد في ليلة فهي منصوبة على الظرفية (فأطال) أي القيام طولً كثيراً زائداً على العادة كما سيأتي مستنده (حتى هممت) بفتح الميم الأولى (بأمر سوء) بإضافة أمر إلى سوء كذا في فتح الباري وقال بعض شراح الشمائل: بالإِضافة وعدمها وفتح السين، وضمها، ولعل اقتصار الحافظ على ما هو الرواية وفي الصحاح المفتوح مصدر نقيض المسرة، والمضموم اسم وساغت الإِضافة إلى المفتوح كرجل سوء، ولا يقال: سوء بالضم اهـ. وقوله: ولا يقال إلخ. رد بالقراءة المتواترة دائرة السوء بالضم، ويرد بأن ما فيه، في إضافة الاسم الجامد، وما فيها بإضافة المصدر، وبينهما فرق ظاهر. (قيل وما هممت به قال: أن أجلس وأدعه) قال المصنف: فيه أنه ينبغي الأدب مع الأئمة والكبار بألا يخالفوا بقول، ولا فعل ما لم يكن (١) أخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل. (الحديث: ٢٠٣). ٣٢٢ كتاب: دليل الفالحين وَأَدَعَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). ١٠٤ - العاشِرُ عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ قَالَ: يَتْبَعُ الْمَّيِّتَ ثَلاثَةُ: أَهْلُهُ وَمَالُهُ وعَمَلُهُ؛ فَيَرْجِعَ اثْنَانِ وَيَبْقَى وَاحِدٌ، يَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى عَمَلُهُ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). ١٠٥ - الحَادِي عَشَرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّةَ: ((الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(٣). حراماً واتفق العلماء على أنه إذا شق على المقتدي في فريضة أو نافلة القيام وعجز عنه جاز له القعود. وإنما لم يقعد ابن مسعود تأدباً مع رسول الله وَّر اهـ. وفي فتح الباري في الحديث دليل على اختيار النبي لة تطويل صلاة الليل، وقد كان ابن مسعود قوياً محافظاً على الاقتداء بالنبي ◌َّر، وما هم بالقعود إلا بعد طول كثير ما اعتاده قال: وفي الحديث أن مخالفة الإِمام في أفعاله معدودة في العمل السبىء، وفيه تنبيه على جواز استفادة معرفة ما أبهم من الأقوال وغيرها، لأن أصحاب ابن مسعود ما عرفوا مراده من قوله: هممت بأمر سوء حتى استفهموه عنه فلم ينكر عليهم استفهامهم عنه اهـ. (متفق عليه) ورواه الترمذي في الشمائل. ١٠٤ - (وعن أنس رضي الله عنه عن رسول الله وَ ليل قال: يتبع الميت) أي يصحبه إلى قبره (ثلاثة أهله وماله وعمله) بالرفع بدل من الفاعل (فيرجع اثنان ويبقى واحد) أجمله ثم فصله بقوله على سبيل الاستئناف البياني (يرجع أهله وماله ويبقى عمله) ليكون أقر في النفس وأمكن لأنها يجيئها التفصيل، وقد تطلبته واشتاقت إليه وفي الحديث الحث على تحسين العمل ليكون أنيسه في قبره (متفق عليه) والسياق للبخاري . ١٠٥ - (وعن) عبد الله (ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله وعليه: الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله) الشراك بكسر الشين المعجمة، وبالراء، وآخره كاف، أحد سيور (١) أخرجه البخاري في كتاب: التهجد، باب: طول القيام في صلاة الليل (١٥/٣، ١٦). وأخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل (الحدیث : ٢٠٣). (٢) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: سكرات الموت (٣١٥/١١). وأخرجه مسلم في كتاب: الزهد والرقائق (الحديث: ٥). (٣) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعلة (٢٧٥/١١). ٣٢٣ ١١ - باب: في المجاهدة ١٠٦ - الثَّانِي عَشَرَ عَنْ أَبِي فِرَاسٍ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبِ الْأُسْلَمِيِّ خَادِمٍ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَّ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ فَآتِيهِ بِوُضُوئِهِ النعل التي تكون في وجهه، ويختل المشي بفقده كفقد الشسع بمعجمة ثم مهملتين السير الذي يدخل فيه أصبع الرجل قال ابن مالك: ووجه الأقربية أن يسيراً من الطاعة قد يكون سبباً لدخول الجنة، ومثله من المعصية في النار كما قال (والنار مثل ذلك) قال: في فتح الباري: قال ابن بطال في الحديث: أن الطاعة موصلة إلى الجنة، وأن المعصية مقربة إلى النار، وأنهما قد يكونان في أيسر الأشياء وفي هذا المعنى: ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة)). الحديث فينبغي للمرء ألا يزهد في قليل من الخير أن يأتيه، ولا في قليل من الشر أن يجتنبه، فإنه لا يعلم الحسنة التي يرحمه الله بها ولا السيئة التي يسخط عليه بها. وقال ابن الجوزي : معنى الحديث: أن تحصيل الجنة سهل بتصحيح القصد وفعل الطاعة والنار، كذلك بموافقة الهوى وفعل المعصية اهـ. وقال السعد الكازرونى فى شرح المشارق: أراد قرب الجنة لمن كان كافراً فأسلم. وقرب النار لمن عكس وكذا لمن أتى بالكبائر (رواه البخاري) ورواه أحمد . ١٠٦ - (وعن أبي فراس) بكسر الفاء وبالمهملتين بينهما ألف (ربيعة) بوزن قبيلة (ابن كعب) بن مالك (الأسلمي) الحجازي (خادم رسول الله وَلية) حضراً وسفراً (ومن أهل الصفة) بضم المهملة وتشديد الفاء محل مسقف آخر المسجد يأوي إليه الفقراء الذين ليس لهم عريف (رضي الله عنه) قال أبو نعيم: كان من أحلاس المسجد(١) ومن الملازمين لخدمة رسول الله وَالر، وله بأهل الصفة اتصال. ثم روي عنه قال: كنت أبيت على باب رسول الله وَلّ وأعطيه الوضوء فأسمعه من الهوي بالليل يقول: سمع الله لمن حمده وللهوي من الليل يقول: الحمد لله رب العالمين. ذكره ابن الجوزي في المستخرج المليح من التنقيح في باب من روى عن النبي و # اثني عشر حديثاً، وقال: قال البرقي: له أربعة أحاديث. قلت: وقد انفرد مسلم عن البخاري فأخرج له هذا الحديث، وروى عنه أصحاب السنن الأربعة. توفي بعد الحرة سنة ثلاث وستين: (قال: كنت أبيت مع رسول الله (َلآ) على باب بيته لأداء خدمته كما قال: (فآتيه) بالمد (بوضوئه) بفتح الواو الماء المعد للوضوء (١) أي من الملازمين لكثرة الجلوس في المسجد كالحلس الذي لا يرفع عن ظهر الدابة إلا نادراً. ش. ٣٢٤ كتاب: دليل الفالحين وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ: ((سَلْنِي))، فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ: ((أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ؟)) قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ. قَالَ: فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١). بضمها (وحاجته) أي: ما يحتاج إليه من لباس وغيره (فقال: سلني) حاجة أتحفك بها في مقابلة خدمتك، لأن هذا شأن الكرام ولا أكرم منه وَله. ويؤخذ من إطلاقه السؤال أن الله تعالى مكنه من إعطاء كل ما أراد من خزائن الحق. ومن ثم عد أئمتنا من خصائصه القر أن يخص من شاء بما شاء، كجعله شهادة خزيمة بشاهدين، رواه البخاري وإباحة النياحة لأم عطية في آل فلان خاصة رواه مسلم. (فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة) أي: أن أكون معك فيها قريباً منك ومتمتعاً بنظرك وقربك حتى لا أفارقك، فلا يشكل حينئذ بأن منزله الته . الوسيلة: وهي خاصة به عن سائر الأنبياء، فلا يساويه في مكانه منها نبي مرسل فضلاً عن غيرهم، لأن المراد أن تحصل له مرتبة من مراتب القرب التام إليه، فكنى عن ذلك بالمرافقة (فقال، أو) تسأل (غير ذلك) لأنه أهون. فأو: عاطفة. ويصح فتح الواو. فالهمزة للاستفهام داخلة على فعل دل عليه السياق. أي: أترجع عن سؤالك هذا لأنه مشق(١) لا تطيقه، وتسأل غيره مما هو أهون منه (قلت: هو) أي مسئولي (ذاك) الذي ذكرته لا غيره، فلا أرجع عنه وإن كان مشقاً. وعبر عنه ومدير بذلك الموضوع للبعيد ليدله على بعد هذه المرتبة وعزتها، وأنها لا تحصل ◌ّ بالهوينى، فعدل عنها السائل إلى ذاك الدالة على القرب بالنسبة لذلك، لیعلم بأنه مصمم على أن مسئوله غیر مستبعد له؛ لعزمه على امتثال كل ما يؤمر به لأجله فلما علم ◌َّرُ صدقه وقوة عزمه (قال:) له (أعني) حينئذ (على نفسك) المتخلفة بطبعها عن السعي في نيل المعالي لميلها إلى الدعة والرفاهية والشهوات والبطالات، وفي قوله: أعني إشارة إلى أنه سير كان مجتهداً أي: اجتهاد في إصلاحه كغيره، وأنه الطبيب الساعي في شفائه، والطبيب يحتاج لمساعدة المريض بتعاطيه ما يصفه له (بكثرة السجود) المحصل النيل مرتبة القرب المطهر للنفس عن خباثتها، المخرج لها عن شهواتها وعاداتها، وببعدك عن هذه النقائص المؤدي إلى دوام المراقبة يحصل الرقي إلى درجة المرافقة والمجاورة، وفي شرح المشكاة لابن حجر: فمن كثر سجوده؛ حصلت له تلك الدرجة العلية التي لا مطمع في الوصول إليها، إلا بمزيد الزلفى عند الله في الدنيا بكثرة السجود، المومأ إليه (١) أخرجه مسلمٍ في كتاب: الصلاة، باب: فضل السجود والحث عليه (الحديث: ٢٢٦). (٢) (قوله مشق) هُو بمعنى شاق وهو خطأ فإن الفعل شق ولم يسمع منه غير الثلاثي في شيء من كتب اللغة المعروفة وقد وقع التعبير به في مواضع عديدة من جمع الجوامع وغيره اهـ شفاء. ع ٣٢٥ ١١ - باب: في المجاهدة ١٠٧ - الثَّالِثَ عَشَرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللّهِ، وَيُقَالُ: أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُول اللَّهِ ﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِوَ لَ يَقُولُ: ((عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ؛ فَإِنَّكَ لَنْ تَسْجُدَ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلَّ رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً)) رَوَاهُ مُسْلِمُ (١). بقوله تعالى: ﴿واسجد واقترب﴾(٢) فكل سجدة فيها قرب مخصوص لتكفلها بالرقي إلى درجة من درجات القرب، وهكذا حتى ينتهي إلى درجة المرافقة لحبيبه مصر، فنتج من هذا الذي هو على منوال قوله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾(٣) إن القرب من رسول اللّه وَ ل و لا يحصل إلا بالقرب من الله تعالى. وإن القرب من الله تعالى، لا ينال إلا بالقرب من رسوله ول#. فالقربان متلازمان لا انفكاك لأحدهما عن الآخر البتة، ومن ثم أوقع تعالى متابعة رسوله بين تلك المحبتين، ليعلمنا أن محبة العبد لله ومحبته للعبد متوقفتان على متابعة رسوله اهـ. (رواه مسلم) وأحمد بن حنبل. ١٠٧ - (وعن أبي عبد الله ويقال:) في كنيته (أبو عبد الرحمن ثوبان) بفتح المثلثة وسكون الواو بعدها موحدة، وبعد الألف نون ابن بحدد وقيل: ابن جحدد (مولى رسول الله وَليّ) قال الكازروني في شرح المشارق: كان (رضي الله عنه) من اليمن وقيل: إنه حكمي من حكم بن سعد العشيرة. وقيل: من التمر. وقيل: من السرة موضع بين مكة واليمن أصيب سبباً فمر به رسول الله وَير فأعتقه، وقيل: اشتراه فأعتقه فلم يزل مع النبي ◌َّ حتى قبض وتحول إلى حمص، له بها دار ضيافة مات بها سنة أربع وخمسين في زمن معاوية، وجميع مروياته ثمانية وعشرون حديثاً اهـ. انفرد مسلم بالإِخراج عنه عن البخاري، فأخرج له عشرة أحاديث. ذكره ابن الجوزي وغيره (قال: سمعت رسول اللّه ◌َلل يقول: عليك) اسم فعل بمعنى خذ والباء في (بكثرة السجود) زائدة لازمة (فإنك لن تسجد) مخلصاً (لله سجدة) أي: في ضمن ركعة أو لنحو تلاوة أو شكر، وإلا فالتعبد بالسجدة المنفردة غير مشروع (إلا رفعك الله بها درجة) أي: درجة (وحط عنك بها خطيئة) أي: خطيئة. وسبب رواية ثوبان لهذا الحديث أن معدان بن طلحة قال: أتيت ثوبان فقلت: أخبرني بعمل أعمل به يدخلني الله به الجنة، أو قال: بأحب الأعمال إلى الله، فسكت ثم سأله فسكت، ثم سأله الثالثة فقال: سألت عن ذلك رسول اللّه ◌َليل فقال: عليك فذكره وفي آخره، فلقيت أبا الدرداء فسألته فقال لي: مثل ما قال ثوبان (رواه مسلم) قال في الجامع الصغير: ورواه (١) أخرجه مسلم في كتاب: الصلاة، باب: فضل السجود والحث عليه. (الحديث: ٢٢٥). (٣) سورة آل عمران، الآية: ٣١ (٢) سورة العلق، الآية: ١٩. ٣٢٦ كتاب: دليل الفالحين ١٠٨ - الرَّابِعَ عَشَرَ عَنْ أَبِي صَفْوَانَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرِ الأُسْلَمِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((خَيْرُ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. ((بُسْرٍ): بِضَمِّ الْبَاءِ وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ (١). أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه عن ثوبان وأبي الدرداء، وهذان الحديثان ظاهران في أن تكثير السجود أفضل من طول القيام، وهو أحد مذاهب ثلاثة في ذلك، أصحها: أن تطويل القيام أفضل، وقد بسطت الكلام في ذلك كتاب الصلاة من شرح الأذكار. ١٠٨ - (وعن أبي صفوان) بفتح المهملة وسكون الفاء. وقيل: أبو بسر (عبد الله بن بسر الأسلمي) قال الكازروني في شرح المشارق: ((المازني)) وجرى عليه العامري في الرياض، لكن في أسد الغابة بعد أن نقل ذلك عن أبي منده قال: وهذا لا يستقيم، فإن سليماً أخو مازن، وليس لعبد الله حلف في سليم حتى ينسب إليهم بالحلف كان (رضي الله عنه) ممن صلى للقبلتين، ووضع وَّر يده على رأسه ودعا له وقال: ((يعيش هذا الغلام قرناً)). فعاش مائة سنة وقال: لا يموت حتى يذهب هذا النؤلول(٢) من وجهه. فلم يمت حتى ذهب الثؤلول من وجهه. قال ابن الأثير صحب النبي بَّرَ هو وأبوه وأمه وأخوه عطية وأخته الشماء. وحينئذ فكان حق المصنف أن يقول رضي الله عنهما. وفي التقريب للحافظ ابن حجر صحابي صغير له ولأبيه صحبة، توفي سنة ثمان وثمانين عن أربع وتسعين سنة. وقيل: مات بحمص وهو آخر من مات بها، بل بالشام من الصحابة سنة ست وتسعين عن مائة سنة. روى عن رسول الله 18 خمسين حديثاً، أخرج له البخاري حديثاً ومسلم آخر (قال: قال رسول الله وَله: خير الناس) أي: أفضلهم (من طال عمره وحسن عمله) فاكتسب في طول الأيام ما يقربه إلى مولاه ويوصله إلى رضاه، وحسن العمل الإِتيان به مستوفياً للشروط والأركان والمكملات (رواه الترمذي وقال: حديث حسن) وكذا رواه أحمد وفي بعض النسخ رواه مسلم والترمذي، وهو من غلط النساخ (بسر بضم الباء) أي: الموحدة. وكان الإِتيان بذلك أولى لبعده عن الاحتمال في الصورة الخطية، أهي الموحدة أم المثناة الفوقية أم التحتية (وبسين مهملة) وراء. (١) أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: ما جاء في طول العمر للمؤمن. (الحديث: ٢٣٢٩). وأخرجه في كتاب: الزهد، باب: منه (٢٢) ما جاء في طول العمر للمؤمن (الحديث: ٢٣٣٠). (٢) الثؤلول شيء يأتي في الوجه وهو واحد الثآليل اهـ مختار. ٣٢٧ ١١ - باب: في المجاهدة ١٠٩ - الْخَامِسَ عَشَرَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: غَابَ عَمِّي أَنَسُ بْنُ النَّصْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ الْمُشْرِكِينَ، لَيْنِ اللَّهُ أَشْهَدَنِي قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ لَيْرِيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤلاءِ (يَعْني أَصْحَابَهُ) وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّ صَنَعَ هَؤْلَاءِ (يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ)، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ ١٠٩ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: غاب عمي) أي: أخو والدي إذ هو أنس بن مالك ابن النضر وعمه (أنس بن النضر رضي الله عنه عن قتال بدر) الإِضافة لأدنى ملابسة أي: الكائن فيها، وبدر المحل المعروف. قيل: سمي باسم بئر ثم وقيل: لغير ذلك (فقال:) متحسراً (يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين) صفة قتال والعائد محذوف أي: فيه (لئن) اللام موطئة للقسم المحذوف أي: والله لئن و (الله) فاعل لفعل محذوف هو فعل الشرط وجواب الشرط محذوف، لدلالة جواب القسم عليه (أشهدني) أحضرني (قتال المشركين) يحتمل أن يكون مضافاً لفاعله، وأن يكون مضافاً لمفعوله، وحذف الضمير الدال عليه، تنزيهاً له أن يذكر في مقابلتهم (ليرين الله ما أصنع) جواب القسم والنون للتوكيد. قال القرطبي في المفهم: هذا الكلام يتضمن أنه ألزم نفسه إلزاماً مؤكداً، هو الإِبلاغ في الجهاد والانتهاض فيه والإبلاغ في بذل ما يقدر عليه، ولم يصرح بذلك مخافة ما يتوقع من التقصير في ذلك وتبرياً من حوله وقوته، ولذا قال في رواية: فهاب أن يقول غيرها، ومع ذلك نوى بقلبه وصمم على ذلك بصحيح قصده، ولذا سماه الله عهداً. فقال: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾(١) ١ هـ. (فلما كان يوم أحد) برفع يوم على أن كان تامة وبنصبه على الظرفية، والمعنى: يوم قتال أحد أو أراد باليوم الوقعة (انكشف المسلمون) بما وقع لهم من ترك منازلهم التي أنزلهم النبي صل# فيها حال التصاف للحرب، ونهاهم عن التحول عنها، فلما انكسر المشركون وانهزموا؛ نزل بعض أولئك الأقوام عن تلك المنازل، فكان في تلك المخالفة سبب انهزامهم. (فقال:) أنس (اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني أصحابه) المسلمين من الفرار (وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين) من قتال النبي ◌ُ ◌ّ ومن معه من المؤمنين (ثم تقدم) إلى القتال (فاستقبله سعد بن معاذ) منهزماً (فقال: يا سعد) يجوز ضمه وفتحه لأنه وصف بقوله (ابن معاذ) ويتعين (١) سورة الأحزاب، الآية: ٢٣. ٣٢٨ كتاب : دليل الفالحين مُعَاذٍ فَقَالَ: يَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، الْجَنَّةُ وَرَبِّ النَّضْرِ إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ؛ فَقَالَ سَعْدٌ: فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَنَعَ! قَالَ أَنَسٌ: فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعاً وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَةٌ بِرُمْحٍ أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ، وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وَمَثَّلَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ فَمَا عَرَفَهُ أَخْدٌ إِلَّا أُخْتُهُ بِبَّنَانِهِ، قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نَرَى أَوْ نَظُنُّ، أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾(١) إلى آخِرِهَا. مُتَّفَقٌ نصب ابن لأنه مضاف (الجنة) بالنصب أي: أريد. والرفع أي: مطلوبي (ورب النضر) بفتح النون وإسكان المعجمة يعني أباه. وكل ما كان على هذه الصورة معرفاً فبالضاد المعجمة، ومنكراً فبالمهملة (أي أجد ريحها) أي: الجنة (من دون أحد) أي: من مكان أقرب منه، يحتمل أن يكون على الحقيقة وأنه وجد ريحها، ويجوز أن يكون أراد أنه استحضر الجنة التي أعدت للشهيد، فصور أنها في ذلك الموضع الذي يقاتل فيه فيكون المعنى: إني لأعلم أن الجنة تكتسب في هذا الموضع فاشتاق لها (قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع) أي: أن أصنع ما صنع ورواية مسلم: فقاتلهم حتى قتل. وهي ظاهرة كما قال القرطبي في أنه قاتلهم وحده، فيكون فيه دليل على جواز ذلك بل على ندبه اهـ. (قال أنس: فوجدنا به بضعاً) بكسر الباء وسكون الضاد المعجمة ما بين الثلاث إلى التسع. وقيل: ما بين الواحد إلى العشر، وسيأتي بسط الكلام فيه في باب بيان كثرة طرق الخير. (وثمانين ضربة بالسيف أو) هي للتنويع (طعنة برمح أو رمية) بفتح الراء المهملة واحدة الرمي (بسهم ووجدناه قد قتل) بالبناء للمجهول لعدم العلم بعين قاتليه (ومثل) بتشديد المثلثة (به المشركون) حتى خفي على أهله (فما عرفه أحد) منهم (إلا أخته) أي: أخت أنس بن النضر وهي: الربيع بضم الراء وفتح الباء الموحدة وتشديد التحتية (ببنائه) أي : بأصابعه. ومنه قوله تعالى: ﴿أن نسوِّي بنانه﴾(٢) وفي رواية: بشامته (قال أنس: كنا نرى) بضم النون بمعنى نظن (أو نظن) شك من الراوي في لفظ أنس، وإن كان معناهما واحداً ففيه مزيد الاحتياط في الرواية. وعند مسلم: ((فكانوا يرون)) إلخ يعني به: أن الصحابة كانوا يظنون (أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه) وقيل أنزلت في السبعين وهم أهل العقبة الثانية الذين بايعوه ◌َله أن يُمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم، فوفوا بذلك، قاله الكلبي وقيل: غير ذلك والآية (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) إلى آخرها أو إلى قوله: ﴿وما بدلوا تبديلاً﴾(٣) أي: استمروا على ما التزموا ولم يقع منهم نقض فيما أبرموا (١) سورة الأحزاب، الآية: ٢٣ . (٢) سورة القيامة، الآية: ٤. (٣) سورة الأحزاب، الآية: ٢٣. ٣٢٩ ١١ - باب: في المجاهدة عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (لَيُرِيَنَّ اللَّهُ)) رُوِيَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ: أَيْ لِيُظْهِرَنَّ اللَّهُ ذَلِكَ لِلنَّاسِ. وَرُوِيَ بِفَتْحِهِمَا وَمَعْنَاهُ ظَاهِرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (١). ١١٠ - السَّادِسَ عَشَرَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو الأنْصَارِيِّ الْبَدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ كُنَّا نُحامِلُ عَلَى ظُهُورِنَا، فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ، فَقَالُوا: مُرَاءٍ، وَجَاءَ رَجُلٌ آخَرُ فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ، فَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيُّ عَنْ صَاعِ هَذَا! (متفق عليه) ورواه الترمذي (ليرين الله روى بضم الياء) التحتية (وكسر الراء المهملة أي ليظهرن الله ذلك) الذي أصنعه من الجهاد في سبيله (للناس وروي بفتحهما ومعناه ظاهر) وفي نسخة من البخاري ليراني الله بإبقاء ألف الفعل على أصلها، وحذف نون التوكيد وإبقاء نون الوقاية عكس الرواية الأولى، ومعناه كمعنى الرواية الثانية (والله أعلم). ١١٠ - (وعن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري) سكن بدراً ولم يشهد وقعتها على الصحيح عند جماعة من أصحاب المغازي والمحدثين، لكن الذي جرى عليه البخاري في صحيحه: أنه شهدها. ورجحه الحافظ في فتحه وشهد العقبة الثانية. روى عن رسول اللّه وَلّر مائة حديث وحديثين، اتفقا على سبعة منها وانفرد البخاري بواحد ومسلم بتسعة. توفي بعد علي (رضي الله عنه قال: لما نزلت آية الصدقة) قال في فتح الباري : كأنه يشير إلى قوله تعالى ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾(٢) الآية: (كنا نحامل على ظهورنا) سيأتي معناه وقال الخطابي: يريد تكلف الحمل بالأجرة لنكتسب ما نتصدق به. وفي رواية أخرى للبخاري: ((انطلق أحدنا إلى السوق يتحامل)) (فجاء رجل) هو عبد الرحمن بن عوف (فتصدق بشيء كثير) كان ثمانية آلاف درهم أو أربعة آلاف درهم، وقيل: أربعون أوقية من الذهب (فقالوا: مراء) اسم فاعل من المراءاة، وهي: العمل ليراه الناس فيكتسب منهم غرضاً دنيوياً (وجاء رجل) هو أبو عقيل وقيل: غيره (فتصدق بصاع) هو أربعة أمداد نبوية، فيكون: خمسة أرطال وثلثاً بغدادية. وكان تحصيله له، بأن أجر نفسه على النزع من البئر بالحبل بصاعين من تمر، فذهب بصاع لأهله وتصدق بالآخر (فقالوا: إن الله لغني عن صاع هذا) سمي من اللامزين في مغازي الواقدي معتب بن قشير وعبد الرحمن بن نبتل، بنون (١) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ (١٧،١٦/٦). وأخرجه مسلم في كتاب: الإِمارة، باب: ثبوت الجنة للشهيد. (الحديث: ١٤٨). (٢) سورة التوبة، الآية: ١٠٣. ٣٣٠ كتاب: دليل الفالحين فَزَلَتْ ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّ جُهْدَهُمْ﴾(١) الآية، مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. وَ((نُحَامِلُ)) بِضَمِّ النُّونِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ: أَيْ يَحْمِلُ أَحْدُنَا عَلَى ظَهْرِهِ بِالََّجْرَةِ وَيَتَصَدَّقُ بِهَا (٢). ١١١ - السَّابِعَ عَشَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلاَنِيِّ عَنْ أَبِي ذَرِّ جُنْدُبٍ بْنِ جُنَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَهُ فِيمَا يَرْوِي عَنْ ومثناة فوقية مفتوحتين بينهما موحدة ساكنة ثم لام. كذا في فتح الباري. (فنزل: الذين) مبتدأ وخبره سخر الله منهم (يلمزون) أي: يعيبون (المطوعين) بتشديد الطاء المهملة وأصله المتطوعين. أدغمت التاء في الطاء أي: المتنفلين (من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم) طاقتهم فيأتون به (الآية) إلى قوله: ﴿ولهم عذاب أليم﴾ (٣) (متفق عليه) ورواه النسائي وابن مروديه وغيرهم (ونحامل بضم النون وبالحاء المهملة) وكسر الميم (أي: يحمل أحدنا على ظهره بالأجرة) طلباً لتحصيل ما يتوصل به إلى الصدقة (ويتصدق بها) طلباً لمرضاة الله تعالى. فالصيغة للمبالغة ففيه أن العبد يطيع مولاه جهده وطاقته وحسب قدرته واستطاعته . ١١١ - (وعن سعيد بن عبد العزيز) التنوخي، مفتي دمشق وعالمها، قرأ على ابن عامر وسمع مكحولاً وسأل عطاء لما حج، قال أحمد: هو والأوزاعي عندي سواء. كان بكاءً خوافاً سُئل فقال: ما قمت إلى صلاة إلا مثلت لي جهنم. وقال أبو مسهر: سمعته يقول: ما لي كتاب. وقال سفيان: ثقة ثبت مات سنة مائة وسبع وستين من أبناء الثمانين. روى له مسلم وأصحاب السنن الأربعة (عن ربيعة) بوزن قبيلة (ابن يزيد) القصير يكنى ربيعة بأبي شعيب، وهو فقيه أهل دمشق مع مكحول. قال فرج بن فضالة: كان يفضل على مكحول. استشهد بإفريقية سنة مائة واثنتي عشرة. روى له الستة (عن أبي (٤) إدريس الخولاني) بفتح (١) سورة التوبة، الآية: ٧٩. (٢) أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: اتقوا النار ولو بشق تمرة (٢٢٤/٣ و٢٤٩/٨). وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: الحمل أجرة يتصدق بها. والنهي الشديد عن تنقيص المتصدق بقليل. (الحديث: ٧٢). (٣) سورة البقرة، الآية: ١٠ . (٤) قوله أبي إدريس عائذ الله بذال معجمة بعد الهمزة ابن عبد الله بن عمر وعلى المشهور الخولاني الشامي ولد يوم حنين وولاء معاوية القضاء بدمشق وكان من عباد الشام وقرائهم توفي سنة ثمانين اهـ كرماني . ٣٣١ ١١ - باب: في المجاهدة اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: ((يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، الخاء المعجمة وسكون الواو نسبة لخولان قبيلة نزلت بالشام. واسمه عائذ الله قال سعيد بن عبد العزيز: كان عالم أهل الشام بعد أبي الدرداء. ولد يوم حنين، مات سنة ثمانين، روى له الستة، ذكر هذا الذهبي في الكاشف (عن أبي ذر جندب) بضم الجيم وفتح الدال (ابن جنادة) وتقدمت ترجمته (رضي الله عنه) أول باب المراقبة (عن النبي ◌ِّير فيما يروي) عن جبريل وسي*، كما في الأذكار وغيرها، وهو كذلك في بعض طرقه كما نبه عليه الحافظ العلائي (عن الله تبارك) قال في الصحاح: أي: بارك مثل قاتل وتقاتل، إلا أن فاعل يتعدى وتفاعل لا يتعدى (وتعالى) وهذا من الأحاديث القدسية، وسبق الفرق بينها وبين القرآن في باب الصبر (أنه قال: يا عبادي) بكسر أوله وتخفيف ثانيه، وهو أحد جموع لفظ عبد، وله عشرون جمعاً ذكرتها نظماً في أول شرح الأذكار. وهو هنا وفيما يأتي وفي نظائره يتناول الأحرار والأرقاء من الذكور، وكذا من النساء إجماعاً، لكن لا وضعاً بل بقرينة التكليف (أني حرمت الظلم على نفسي) قال ابن القيم: تحريم الله الفعل على نفسه يستلزم عدم وقوعه، ثم قال: وإذا كان معقولاً من الإِنسان أن يأمر نفسه وينهاها كما قال تعالى: ﴿إن النفس الأمارة بالسوء﴾(١) وكما قال: ﴿ونهى النفس عن الهوى﴾(٢). مع كونه تحت أمر غيره. فالآمر الناهي الذي ليس فوقه آمر ولا ناه، كيف يستحيل في حقه أن يحرّم على نفسه أو يكتب عليها، فيحرم على نفسه بنفسه ويكتب على نفسه، ولا يلتفت إلى ما قيل في ذلك من التأويلات الباطلة اهـ. ملخصاً. وقد نقلت كلامه برمته في أواخر شرح الأذكار، وهو يقتضي أن الظلم متصور منه تعالى، إلا أنه منع منه نفسه؛ فلا يفعله عدلاً منه وتنزهاً عنه، قال جمع: واعترض بأنه إن أريد جوازه بناء على تفسيره بما هو ظلم عند العقل لو خلي ونفسه من حيث عدم مطابقته لقضيته، فله نوع احتمال. والجمهور على استحالة تصور الظلم في حقه تعالى. إذ هو لغة: وضع الشيء في غير محله. وعرفاً: التصرف في حق الغير بغير حقٍ أو مجاوزة الحد، وهو بمعنييه محال في حقه تعالى، إذ ليس فوقه من يطيعه تعالى حتى يحد له حداً. فيقال: إنه جاوزه، ولا حق لأحد معه سبحانه، بل هو الذي خلق المالكين وأملاكهم، وتفضل عليهم بها، وحد لهم حدوداً وحرّم وأحل، فلا حاكم يتعقبه ولا حق يترتب عليه تعالى عن ذلك، ولاستحالته في حقه تعالى قال بعضهم: سمى تقدسه عن (١) سورة يوسف، الآية: ٥٣. (٢) سورة النازعات، الآية: ٤٠. ٣٣٢ كتاب: دليل الفالحين وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمَاً فَلاَ تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالُّ إِلَّ مَنْ هَدَيْتُهُ، الظلم تحريماً لمشابهته الممنوع في تحقق العدم، قيل: قضية هذا الحديث جواز إطلاق لفظ النفس عليه تعالى. قال بعضهم: وهو ظاهرٌ حيث كان من باب المقابلة كما هنا، إذ المعنى: حرمته على نفسي فنفوسكم بالأولى، كما أفاده قوله: وجعلته بينكم محرماً أما إطلاقه في محل لا مقابلة فيه، فلا يظهر جوازه؛ لإِيهامه حقيقة النفس، وهي محال عليه تعالى. وقيل: يجوز إطلاقه عليه بناء على أنه مأخوذ من النفاسة، ولا يشكل على الأول إطلاق الذات عليه تعالى في قول خبيب رضي الله عنه، عند إرادة قتله. وذلك في ذات الإِلَّه لأنه ذات الشيء. حقيقته فلا إشعار فيها بحدوث بخلاف لفظ النفس، فإنه يشعر بالتنفس والحدوث فامتنع إطلاقه عليه إلا في مقام المقابلة، إذ هو قرينة ظاهرة، على أن المراد به في حقه تعالى غير حقيقته وما يتبادر منه. وأيضاً ففي إطلاقه عليه تعالى من غير مقابلة إيهام شمول قوله تعالى: ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾(١) له تعالى الله عن ذلك (وجعلته بينكم محرماً) أي: حكمت بتحريمه عليكم. وهذا مجمع عليه في كل ملة، لاتفاق سائر الملل على مراعاة حفظ الأنفس فالأنساب فالأعراض فالعقول فالأموال. والظلم قد يقع في هذه أو بعضها وأعلاه الشرك قال تعالى: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ (٢) وهو المراد بالظلم في أكثر الآيات، ثم يليه المعاصي على اختلاف أنواعها (فلا تظالموا) يفتح التاء وتخفيف الظاء على الأشهر، وروي بتشديدها ففيه حذف إحدى التاءين وإدغامها في الظاء أي: لا يظلم بعضكم بعضاً، وهذا توكيد لقوله: ((وجعلته بينكم محرماً) وزيادة في تغليظ تحريمه (يا عبادي) کرر النداء زيادة في تشريفهم، ولذا أضافهم إليه وتنبيهاً على فخامة ما بعده . وجمعه الإفادة الاستغراق (كلكم ضال) أي: غافل عن الشرائع قبل إرسال الرسل. أو ضال عن الحق لو ترك ونفسه (إلا من هديته) من الضلال بالتوفيق للإيمان بما جاءت به الرسل على المعنى الأول، أو للوصول إلى الحق بالنظر الموصل إلى معرفة الله تعالى، وامتثال ما جاء من عنده على المعنى الثاني. وعلى كل من المعنيين فلا ينافي حديث: ((كل مولود يولد على الفطرة)) لأن ذلك ضلال طارىء على الفطرة الأولى، كما يرشد إليه حديث: ((خلق الله الخلق على معرفته فاغتالهم الشيطان)) والأصح أن المراد من معنى خبر: كل مولود إلخ. أن كل مولود يخلق متهيئاً للإِسلام، فمن كان أبواه أو أحدهما مسلماً، استمر عليه في أحكام الدارين، وإن كانا كافرين جرى عليه حكمهما فيتبعهما في أحكام الدنيا، وهذا معنى فيهودانه (١) سورة آل عمران، الآية: ١٨٥. (٢) سورة لقمان، الآية: ١٣. ٣٣٣ ١١ - باب: في المجاهدة فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، وينصرانه. أي: يحكم له بحكمهما في الدنيا، فإذا بلغ مستمراً على الكفر، حكم له به فيهما. واختلف أيضاً فيمن مات صغيراً. والأصح أنه في الجنة والحاصل: أن الإِنسان مفطور على قبول الإِسلام، والتهيؤ له بالقوة، لكن لا بد أن يتعلمه بالفعل، فإنه قبل التعليم جاهل قال تعالى: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً﴾ (١) فمن هداه سبب له من يعلمه الهدى فصار مهدياً بالفعل بعد أنه كان مهدياً بالقوة، ومن خذله والعياذ بالله قيض له من يعلمه ما يغير فطرته بأمر بتهود أو تنصر أو تمجس. قال المصنف: وفي هذا دليل لمذهب أصحابنا وسائر أهل السنة أن المهتدي هو من هداه الله، وبهدي الله اهتدى، وبإرادة الله تعالى ذلك، وأنه سبحانه أراد هداية بعض عباده، وهم المهتدون ولم يرد هداية الآخر، ولو أرادها لاهتدى قال تعالى: ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً﴾(٢) (فاستهدوني) اطلبوا مني الهداية. بمعنى: الدلالة على طريق الحق والإيصال إليها معتقدين أنها لا تكون إلا من فضلي (أهدكم) أنصب لكم أدلة ذلك الواضحة، وأوصل من شئت إيصاله في سابق العلم القديم الأزلي، وحكمة طلبه تعالى من السؤال للهداية، إظهار الافتقار منا والإذعان والإعلام بأنه لو هداه قبل أن يسأله؛ لربما قال: إني أوتيته على علم عندي، فيضل بذلك، فإذا سأل ربه فقد اعترف على نفسه بالعبودية، ولمولاه بالربوبية. وهذا مقام شريف لا يتفطن له إلا الموفقون. وهذا البيان: طريق حصول النفع الديني ودفع الضرر من ذلك، وقدمه اهتماماً واحتفالاً بشأنه (يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته) لأن الناس كلهم عبيد لا ملك لهم في الحقيقة، وخزائن الرزق بيده؛ فمن لم يطعمه بفضله بقي جائعاً بعدله إذ ليس عليه إطعام أحد فقوله تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾ (٣) التزام منه تفضلاً، لا أنه عليه واجب بالأصالة، ولا يمنع نسبة الإِطعام إليه ما يشاهد من ترتب الأرزاق على أسبابها الظاهرة من أنواع الكسب، لأنه تعالى المقدر لتلك الأسباب الظاهرة بقدرته وحكمته الباطنة، فالجاهل محجوب بالظاهر عن الباطن، والعارف الكامل لا يحجبه ظاهر عن باطن ولا عكسه، بل يعطي كل مقام حقه (فاستطعموني) أي : سلوني واطلبوا مني الطعام. (أطمعكم)، أي: أيسر لكم أسباب تحصيله إذ العالم جماده وحيوانه مطيع الله تعالى (١) سورة النحل، الآية: ٧٨. (٢) سورة يونس، الآية: ٩٩. (٣) سورة هود، الآية: ٦. ٣٣٤ كتاب: دليل الفالحين يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّ مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا طاعة العبد لسيده، فتصرفاته تعالى في العالم عجيبة لمن تدبرها، فيسخر السحاب لبعض الأماكن، ويحرك قلب فلان لإِعطاء فلان، ويحوج فلاناً لفلان، وفيه تأديب للفقراء. كأنه قال: لا تطلبوا النعمة من غيري، فإن من تستطعمونهم أنا الذي أطعمهم، فاستطعموني أطعمكم (يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته. فاستكسوني أكسكم) وفي هذا جميعه أوفى تنبيه، وأظهر تقرير على افتقار سائر خلقه تعالى إليه، وعجزهم عن جلب منافعهم ودفع مضارهم، إلا أن ييسر لهم ما ينفعهم، ويدفع عنهم ما يضرهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ولا تمسك إلا بسببه. وهذان مثالان لدفع الضرر الدنيوي، وجلب النفع من ذلك، واقتصر عليهما لكمال حاجة الإِنسان إليهما. (يا عبادي إنكم تخطئون) قال المصنف: بضم التاء وروي بفتحها وفتح الطاء، يقال: خطىء يخطأ إذا فعل ما يأثم به فهو خاطىء. ومنه قوله تعالى: ﴿استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين﴾(١). ويقال في الإِثم أيضاً. أخطأ فهما صحيحان اهـ. والمخاطب بهذا هنا غير معصوم (٢) (بالليل والنهار) هو من باب المقابلة لاستحالة وقوع الخطأ من كل منهم ليلاً ونهاراً (وأنا أغفر الذنوب جميعاً) ما عدا الشرك والذي لا يشاء مغفرته قال تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾(٣) وفي اعتراض هذه الجملة مع التأكيد فيها بشيئين، أل الاستغراقية وجميعاً المفيد كل منهما العموم غاية الرجاء للمذنبين، حتى لا يقنط منهم أحد من رحمة الله تعالى لعظم ذنبه (فاستغفروني أغفر لكم) أصل الغفر: الستر فغفر الذنب ستره ومحو أثره وأمن عاقبته، وحكمة التوطئة لما بعد الفاء بما قبلها؛ بيان أن غير المعصوم والمحفوظ لا ينفك غالباً عن المعصية. فحينئذ يلزمه أن يجدد لكل ذنب ولو صغيرة توبة، وهي المرادة هنا من الاستغفار، إذ ليس فيه مع عدمها كبير فائدة، وشتان بين ما يمحوه بالكلية، وهو التوبة النصوح. وبين ما يخفف عقوبته أو يؤخرها إلى أجل، وهو مجرد الاستغفار. (يا عبادي إنكم (١) سورة يوسف، الآية: ٩٧. (٢) ويجوز إبقاء لفظ ((عبادي)) على التعميم الشامل للمعصوم وغيره. ويراد بالخطأ ما يشمل الذنب وخلاف الأولى اللائق بمقام الفاعل من إطلاق اللفظ على حقيقته ومجازه أو من عموم المجاز. ش. (٣) سورة النساء، الآية: ٤٨. ٣٣٥ ١١ - باب: في المجاهدة عَلَى أَتْقَى قَلْبٍ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئاً، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرٍ قَلْبٍ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئً، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ لن تبلغوا ضري(١) فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني) لما قام من الإِجماع والبرهان على أنه تعالى منزه مقدس غني بذاته لا يمكن أن يلحقه ضر ولا نفع، فهو تعالى إن أحسن إلى عباده بغاية وجوه الإِحسان، غير محتاج إلى مكافأتهم بجلب نفع أو دفع ضر، ومن ثم قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾(٢) ونفع عباداتهم إنما يعود عليهم. كما قال تعالى: ﴿من عمل صالحاً فلنفسه﴾(٣). ومحبته تعالى لها، وفرحه بها لكمال رحمته بهم ورأفته عليهم. وما اقتضاه ظاهر الحديث من أن لضره ونفعه غاية، لكن لا يبلغها العباد متروك بما دل عليه الإِجماع والبرهان من غناه المطلق، أو أنه من باب ((على لاحب (٤) لا يهتدي بمناره)» أي: لا منار له فيهتدي به والمعنى: لا يتعلق بي ضر ولا نفع فتضروني أو تنفعوني، لأنه تعالى غني مطلق والعبد فقير مطلق. (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم) سموا بذلك لظهورهم، أو أنهم يؤنسون (وجنكم) سموا به لاجتنانهم أي: اختفائهم (كانوا على) تقوى (قلب أتقى رجل منكم) وفي نسخة على أتقى قلب رجل وكذا قرينه الآتي قيل: أراد به هنا: محمداً ◌َّ (ما زاد ذلك في ملكي شيئاً) أي: لا يعود نفع ذلك إلى الله، بأن يزيد في ملكه، بل نفعه قاصر على فاعله (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على) فجور (قلب أفجر رجل واحد) أي: على صورته؛ لما قيل: إن المراد إبليس لعنه الله، وفي ترك الخطاب. هنا تنبيه على أن الأدب فيه، ألا يضاف المكروه للمخاطب (ما نقص ذلك) العصيان (من) كمال (ملكي شيئاً) ففي ذلك إشارة إلى أن ملكه تعالى على غاية الكمال لا يزيد بطاعة جميع الخلق، وكونهم على أكمل صفات البر والتقوى، ولا ينقص بمعصيتهم؛ لأنه تعالى الغني المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله الكامل، فلا نقصٍ يلحقه بوجه. (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد) أي: أرض واحدة ومقام واحد (فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك) (١) الضر ضد النفع من باب رد. (٢) سورة الذاريات، الآية: ٥٦. (٣) سورة فصلت، الآية: ٤٦. (٤) بالمهملة والموحدة أى طريق . ٣٣٦ كتاب: دليل الفالحين مِمَّا عِنْدِي إِلَّ كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُخْصِيها لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ أي: إعطاء كل سائل مسئوله (مما عندي) من الخزائن الإِلَهية (إلا كما ينقص المخيط) هو بكسر فسكون ففتح الإِبرة (إذا أدخل البحر) وهو في رأي العين لا ينقص شيئاً من البحر، فكذا الإِعطاء من الخزائن الإِلَهية لا ينقصها شيئاً التبة، لأنها من رحمته وكرمه، وهما صفتان قديمتان ولا نهاية لهما. والنقص مما لا يتناهى محال بخلافه مما يتناهى، كالبحر وإن جل وعظم وكان أكبر المرئيات في الأرض، بل قد يؤخذ العطاء الكثير من المتناهي، ولا ينقص كالنار والعلم، تقتبس منهما ما شاء الله، ولا ينقص منهما شيء، بل قد يزيد العلم على الإِعطاء، فعلم أن قوله: إلا كما ينقص المخيط. إلخ. ليس المراد منه حقيقته، وإنما هو تمثيل يقرب إلى الفهم ليعلم منه أنه لا ينقص في تلك الخزائن البتة، لا لعدم نقص ماء البحر من غرز المخيط، فالجامع بين المشبه والمشبه به عدم النقص من حيث المشاهدة الصورية، فهما وإن افترقا في أنا إذا نظرنا إليهما بعين الحقيقة، وجدنا البحر ينقص بهذا الشيء الحقير المأخوذ منه الذي لا يدرك لنا، وتلك الخزائن لا ينقصها شيء مما أفاضه الله تعالى منها، من حين خلق السموات والأرضين إلى انقضاء هذا العالم، ثم من حين بعثه إلى ما لا نهاية له، لما تقرر من استحالة نقص ما لا يتناهى. وفي هذا تنبيه وأي تنبيه للخلق على إدامتهم لسؤاله تعالى، مع إعظام الرغبة وتوسيع المسألة، فلا يختصر سائل بل يسأل ما أحب، لما تقرر أن خزائن النعم سحاء الليل والنهار لا ينقصها الإِعطاء وإن جل وعظم. وقيل: إن ذلك إشارة إلى النعمة المخلوقة، وهي يتصور فيها النقص كالبحر. ونقص، استعمل لازماً كنقص المال، ومتعدياً كما هنا، إذ مفعول الماضي والمضارع محذوف بدليل السياق. (يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها) أي: أضبطها (لكم) بعلمي وملائكتي الحفظة، واحتيج إليهم معه لا لنقصه عن الإِحصاء، بل ليكونوا شهداء بينه وبين خلقه، وقد يضم إليهم شهادة الأعضاء زيادة في العدل. والحصر المستفاد من إنما هو بالنسبة لجزاء العمل. أي: لأجزاء ينقسم إلى خير وغيره. إلا عن عمل يكون سبباً له فلا ينافي المزيد عليه الثابت بالنص في قوله تعالى: ﴿ولدينا مزيد﴾(١) وبالإجماع لأنه ليس في حديث الباب تعرض لذلك بنفي ولا إثبات، وقد صحت فيه نصوص أخرى لا تعارض لها فوجب الأخذ بها (ثم أوفيكم إياها) أي: جزاءها في الآخرة على حد: ﴿وإنما توفون أجوركم يوم (١) سورة قَ، الآية: ٣٥. ٣٣٧ ١١ - باب: في المجاهدة وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ)). قَالَ سَعِيدُ: كَانَ أَبُو إِدْرِيسَ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. القيامة﴾(١) فلما حذف المضاف انقلب المجرور منفصلاً منصوباً، أو في الدنيا أيضاً، لما روي أن النبي وسلّ فسر ذلك بأن المؤمنين يجازون بسيئاتهم في الدنيا ويدخلون الجنة بحسناتهم (فمن وجد خيراً) أي: ثواباً ونعيماً بأن وفق لأسبابهما، أو حياة طيبة هنيئة مريئة (فليحمد الله) على توفيقه للطاعات التي ترتب عليها ذلك الخير والثواب، فضلاً منه ورحمة. وعلى إسدائه ما وصل إليه من عظيم المبرات، فإن أريد بذلك الآخرة فقط كان الأمر والنهي في ذلك بمعنى الإِخبار. أي: من وجد خيراً حمد الله عليه، ومن وجد غيره لام نفسه حيث لا ينفع الملام. وجاء في آيات الإِخبار عن أهل الجنة بأنهم يحمدون الله، وعن أهل النار بأنهم يلومون أنفسهم (ومن وجد غير ذلك) أي: شراً ولم يذكره بلفظه تعليماً لنا كيفية الأدب في النطق بالكفاية عما يؤذي، ومثله ما يستقبح ويستحى من ذكره. وإشارة إلى أنه إذا اجتنب لفظه فكيف الوقوع فيه، وإلى أنه تعالى حي كريم يحب الستر ويغفر الذنب، فلا يعاجل بالعقوبة ولا يهتك الستر (فلا يلومن إلا نفسه) فإنها آثرت شهواتها ومستلذاتها على رضا مولاها، فاستحقت أن يعاملها بمظهر عدله وأن يحرمها مزايا جوده وفضله. نسأل الله العافية من ذلك، وأن يمنَّ علينا بالسلامة من خوض غمرة هذه المهالك إلى أن نلقاه آمنين مبشرين بقربه ورضاه آمين. ووجه ختم الحديث بهذه الجملة التنبيه على أن عدم الاستقلال بالإِطعام والستر لا يناقض التكليف بالفعل تارة وبالترك أخرى، لأنا وإن علمنا أنا لا نستقل. لكننا نحس بالوجدان الفرق بين الحركة الاضطرارية كحركة المرتعش. والاختيارية كحركة التسليم فهذه التفرقة راجعةٌ إلى ممكن محسوس مشاهد، وأمر معتاد يوجد مع الاختيار دون الاضطرار. وهذا هو مورد التكليف المعبر عنه بالكسب، فلا تناقض ولا تعسف. والحاصل: أن المعاصي التي ترتب عليها العقاب، وإن كانت بقدر الله وخذلانه فهي بكسب العبد، فليلم نفسه لتفريطه بالكسب القبيح (قال سعيد:) بن عبد العزيز (كان أبو إدريس إذا حدث بهذا الحديث جثا) بالمثلثة بعد الجيم أي: جلس (على ركبتيه) تعظيماً له وإجلالاً (رواه مسلم) وهو حديث عظيم رباني. مشتمل على قواعد عظيمة في أصول الدين وفروعه وآدابه ولطيف الغيوب وغيرها. وقد ختم به المصنف أذكاره، وبينت في شرحي حكمة ذلك، وقد أخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد والترمذي. وقد بسطت الكلام ثمة على بيان (١) سورة آل عمران، الآية: ١٨٥ . ٣٣٨ كتاب : دليل الفالحين وَرَوَيْنَا عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: لَيْسَ لِأَهْلِ الشَّامِ حَدِيثٌ أَشْرَفُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ(١). ١٢ - باب: في الحث على الازدياد من الخير في أواخر العمر قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (٢): ﴿أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْمُحَقِّقُونَ: مَعْنَاهُ: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ سِتِّيْنَ سَنَةً، وَيُؤَيِّدُهُ الحَدِيثُ الَّذِي مخرجيه واختلافهم في رواياتهم بما فيه بسط وطول (وروينا عن الإِمام أحمد بن حنبل قال: ليس لأهل الشام حديث أشرف من هذا الحديث) قال السخاوي في تخريج الأربعين الحديث التي جمعها المصنف: وكذا قال أبو مسهر نفسه فيما حديث أبو الحسن علي بن إسحاق البحري المادراني عن أبي بكر محمد بن إسحاق الصغاني شيخ مسلم فيه عنه. باب الحث بالمثلثة أي: الحض (على الازدياد) افتعال من الزيادة. وأبدلت المثناة الفوقية دالاً لوقوعها بعد الزاي (من الخير) أي: الطاعات والبر الموصلة إلى مرضاة الله عز وجل (في أواخر العمر) لأنه أوان الختام، وبحسنه تحصل ثمرات الطاعات وبركات الحسنات (قال الله تعالى: أولم نعمركم) هو استفهام توبيخ وتقرير (ما يتذكر فيه من تذكر) ما موصولة. أي: المدة التي يتذكر فيها المتذكر. ويجوز أن تكون نكرة موصوفة. أي: تعميراً أو زمناً يتذكر فيه من تذكر (وجاءكم النذير) قال البيضاوي: عطف على معنى ﴿أولم نعمركم﴾(٣) فإنه للتقرير. كأنه قيل: عمرناكم وجاءكم النذير. (قال ابن عباس والمحققون:) من المفسرين (معناه أولم نعمرکم ستين سنة ويؤيده الحديث الذي سنذكره) أول أحاديث الباب (إن شاء الله تعالى) وعند ابن أبي حاتم عن عطاء مرفوعاً إذا كان يوم القيامة قيل: أين أبناء الستين وهو العمر الذي قال الله تعالى فيه: ﴿أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر﴾ (٤) وكذا (١) أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم الظلم. (الحديث: ٥٥). (٢) سورة فاطر، الآية: ٣٧. (٣) سورة فاطر، الآية: ٣٧. (٤) سورة فاطر، الآية: ٣٧ . ٣٣٩ ١٢ - باب: في الحث على الازدياد من الخير سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقِيلَ مَعْنَاهُ: ثَمَانِىَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَقِيلَ: أَرْبَعِينَ سَنَّةً. قَالَهُ الحَسَنُ وَالْكَلْبِيُّ وَمَسْرُوقٌ، وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضَاً، وَنَقَلوا أَنَّ أَهْلَ المَدِينَةِ كَانُوا إِذَا بَلَغَ أَحَدُهُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةٌ تَفَرَّغَ لِلْعِبَادَةِ. وَقِيلَ: هُوَ الْبُلوُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَكُمُ الَّذِيرُ﴾، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْجُمْهُورُ: هُوَ النَّبِيُّ وَّةِ، وَقِيلَ: الشَّيْبُ. رواه ابن جرير والطبراني من طرق بعضها ضعيف. كذا في أخبار الأعمال لابن فهد (وقيل: معناه:) أولم نعمركم (ثماني عشرة سنة) قال ابن الجوزي في زاد المسير. قال له عطاء ووهب بن منبه وأبو العالية وقتادة اهـ. قال قتادة: طول العمر حجة فنعوذ بالله أن نغتر بطول العمر. قد نزلت هذه الآية وإن فيم لابن ثماني عشرة سنة. (وقيل: أربعين سنة قاله الحسن) أي: البصري ومحمد بن السائب (والكلبي ومسروق) بن سعيد. سمي بذلك لأنه سرق في صغره (ونقل) ذلك (عن ابن عباس أيضا) أخرجه ابن جرير عن مجاهد عنه قال: العمر الذي أعذر الله إلى ابن آدم أربعون سنة. واختاره ابن جرير ونقله غيره. وكأنه أخذه من قوله تعالى: ﴿حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة﴾(١) (ونقلوا أن أهل المدينة كانوا إذا بلغ أحدهم أربعين سنة) تخلى عن العلائق والعوائق و(تفرغ للعبادة) وإلى هذا المعنى رمز بعضهم بقوله : فواصل شرب ليلك بالنهار إذ العشرون(٢) من شعبان ولت فقد ضاق الزمان عن الصغار ولا تشرب بأقداح صغار قال القرطبي في التفسير: قال ابن مالك: أدركت أهل العلم ببلدنا وهم يطلبون الدنيا والعلم ويخالطون الناس، حتى إذا بلغوا أربعين سنة تركوا المخالطة، واشتغلوا بالعبادة حتى يأتيهم الموت (وقيل: هو البلوغ) أي: سنه وهذا القول نقله البغوي والخازن في التفسير، ولم يعينا قائله وسنه عند إمامنا الشافعي خمس عشرة سنة، وعند الإِمام أبي حنيفة ثماني عشرة سنة. أما الاحتلام وإمكانه فهو بعد استكمال التسع، ويمكن حمل كلام المصنف عليه لو قيل به (وقوله تعالى: وجاءكم النذير قال ابن عباس والجمهور) أي: جمهور العلماء ومنهم: زيد بن علي وابن زيد حكاه عنهما القرطبي ومنهم السري. وهو الصحيح عن قتادة فيما رواه شيبان عنه أنه قال: احتج عليهم بالعمر والرسل، وهو اختيار ابن جرير. وهو (١) سورة الأحقاف، الآية: ١٥. (٢) قوله إذا العشرون إلخ الإِشارة فيه أن العشرين ثلثا الشهر والأربعين ثلث العمر. ش ٣٤٠ كتاب: دليل الفالحين قَالَهُ عِكْرِمَةُ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُما، واللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا الأحادِيثُ: ١١٢ - فَالأَوَّلُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ النَّبِيِّ ◌َ﴿ِ، قَالَ: ((أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى امْرِىءٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّى بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. قَالَ العُلَماءُ: مَعْنَاهُ: لَمْ يَتْرُكْ لَهُ عُذْراً إِذْ أَمْهَلَهُ هَذِهِ الْمُدَّةَ. يُقَالُ: أَعْذَرَ الرَّجُلُ إِذَا بَلَغَ الْغَايَةَ فِي الْعُذْرِ(١). الأظهر فقال هؤلاء: النذير (هو النبي ◌َّة) قال القرطبي لأن الله تعالى بعثه بشيراً ونذيراً إلى عباده قطعاً لحجتهم. قال: ﴿لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ (٢) (وقيل:) هو (الشيب قاله) ابن عباس وعكرمة (و) سفيان (بن عيينة وغيرهما) كوكيع والحسين بن الفضل والفراء والطبري. ذكره القرطبي قلت: واقتصر عليه البخاري. في كتاب الرقاق من صحيحه قال: والشيب نذير، لأنه يأتي في سن الاكتهال، وهو علامة لمفارقة سن الصبا الذي هو سن اللهو واللعب قال : لصاحبه وحسبك من نذير رأيت الشيب من نذر المنايا (والله أعلم) (وأما الأحاديث) النبوية. ١١٢ - (فـ) الحديث (الأول عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ◌َّ أعذر الله إلى أمرىء) أي شخص (أخر) بتشديد المعجمة (أجله حتى بلغ ستين سنة رواه البخاري قال العلماء: معناه) أزال عذره (فـ) لم يترك له عذراً يعتذر به في ترك صالح الأعمال (إذ أمهله هذه المدة) فالهمزة للسلب (يقال) في كلام العرب (أعذر الرجل) بالرفع (إذا بلغ الغاية في العذر) قال الحافظ العسقلاني: الأعذار إزالة العذر. والمعنى إنه لم يبق له اعتذاراً. كأن يقول: لو مد لي في الأجل لفعلت ما أمرت به، وإذا لم يكن له عذر في ترك الطاعة مع تمكنه منها بالعمر الذي حصل له، فلا ينبغي له حينئذ إلا الاستغفار والطاعة والإقبال على الآخرة بالكلية. ونسبة الأعذار إلى الله تعالى مجازية والمعنى: أن الله لم يترك للعبد سبباً للاعتذار يتمسك به. والحاصل: أنه تعالى لا يعاقب إلا بعد حجة. وقال التوربشتي: ومنه قولهم: أعذر من أنذر. أي: أتى بالعذر وأظهره، وهذا مجاز من القول. فإن العذر لا يتوجه (١) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر (٢٠٤/١١). (٢) سورة النساء، الآية: ١٦٥ .