النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
١٠ - باب: في المبادرة إلى الخيرات
٩٠ - الرَّابِعُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْراً؟ قَالَ: ((أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَجِيحٌ
تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى، وَلاَ تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ
قال: ((في الجنة)) فقاتل حتى قتل، فأتاه النبي وَلّ فقال: ((بيض الله وجهك وطيب ريحك
وأكثر مالك)) الحديث ا هـ.
٩٠ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل) قال في فتح الباري لم أقف على
اسمه، ويحتمل أنه أبو ذر. ففي مسند أحمد أنه سأل أي الصدقة أفضل؟ لكن في الجواب
جهد من مقل أو سر إلى الفقير. وكذا في مسند عبد بن حميد أن أبا ذر سأل فأجيب (إلى
النبي ◌َّر فقال يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجراً) في رواية: أي الصدقة أفضل (قال أن
تصدق) بتشديد الصاد والدال المهملتين وأصله تتصدق بتاءين فأدغمت إحداهما في
الصاد(١) (وأنت صحيح شحيح) قال الخطابي: الشح أعم من البخل، وكأن الشح جنس
والبخل نوع، وأكثر ما يقال: البخل في أفراد الأمور والشح عام. وقيل: هو الذي كالوصف
اللازم ومن قبيل الطبع. قال: فمعنى الحديث إن الشح غالب في حال الصحة، فإذا سمح
فيها وتصدق كان أصدق في نيته وأعظم لأجره، بخلاف من أيس من الصحة ورأى مصير
المال لغيره، فإن صدقته حينئذ ناقصة بالنسبة إلى حال الصحة والشح ورجاء البقاء وخوف
الفقر اهـ. وفي فتح الباري قال صاحب المنتهى: الشح بخل مع حرص. وقال صاحب
المحكم: الشح بتثليث الشين والضم، أعلى. وقال صاحب الجامع: كان الفتح في
المصدر والضم في الاسم (تخشى) أي: تخاف ولهذا الفعل ستة مصادر نظمها ابن مالك
فقال :
وخشية وخشاء ثم خشيانا
خشيت خشياً ومخشاة ومخشية
(الفقر) أي: إن أنفقت، لوسوسة الشيطان بذلك. قال تعالى: ﴿الشيطان يعدكم
الفقر﴾(٢) (وتأمل) بضم الميم (الغنى) أي: تطمع به (ولا تمهل) بالإِسكان على أنه نهي،
والرفع على أنه نفي، ويجوز النصب قاله في فتح الباري. أي: لا تؤخر الصدقة (حتى إذا
بلغت) أي: الروح (الحلقوم) أي: قاربت بلوغه، إذ لو بلغته حقيقة لم تصح وصية ولا
(١) ويجوز تخفيف الصاد على حذف إحدى التاءين. كرماني
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٦٨.

٣٠٢
كتاب : دليل الفالحين
قُلْتَ: لِقُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلانٍ)» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ((الْحُلْقُومُ)): مَجْرَى
النَّفَسِ. وَالْمَرِيءُ: مَجْرَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ (١).
صدقة ولا شيء من تصرفاته بالاتفاق، ولم يجر للروح ذكر اكتفاء بدلالة السياق كالآية
(قلت) ليأسك من الحياة أوصيت (لفلان) بما هو (كذا و) أوصيت (لفلان) بما هو (كذا وقد
كان لفلان كذا) الظاهر أن هذا من باب الإِقرار لا الوصية. وقال الخطابي: فلان الأول
والثاني الموصى له، وفلان الأخير الوارث. قال: يريد يعني النبي ◌ّ أنه إذا صار للوارث؛
إن شاء أبطله وإن شاء أجازه. وقال غيره: يحتمل أن يكون المراد من الجميع الموصى له،
وإنما دخل كان في الثالث إشارة إلى تقدير المقدر له في الأزل بذلك. وقال الكرماني :
يحتمل أن يكون الثالث المورث أو الموصى له. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون بعضها
وصية وبعضها إقراراً. وقد وقع في رواية ابن المبارك قلت: اصنعوا لفلان كذا وتصدقوا
لفلان بكذا اهـ. ملخصاً قيل: وهذا من باب التسجيل عليه أي: إذا كان طمعك في الحياة
أوجب لك كتمان الحق اللازم لك إلى أن أيست منها، فما أقررت به إلا الآن ولم تقر به
قبل، فأولى أن يوجب لك الطمع تأخير الصدقة إلى الآن، فاحذر ذلك، فإنك يؤخذ من
مالك حيث لا ينفعك التحسر ولا يفيدك الندم (متفق عليه) ورواه أبو داود والترمذي
والنسائي. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله: ((لأن يتصدق المرء
في حياته بدرهم خير له من أن يتصدق بمائة عند موته)) رواه أبو داود، وقال الحافظ في فتح
الباري أخرجه الترمذي بإسناد حسن وصححه ابن حبان. (الحلقوم) بضم الحاء المهملة
وسكون اللام وبالقاف. قال في النهاية: والميم أصلية .. وقيل: إنه مأخوذ من الحلق، فالواو
والميم زائدتان (مجرى) بضم الميم وسكون الجيم محل جريان (النفس) بفتح النون والفاء
(والمريء) بفتح الميم وكسر الراء المهملة مهموز ممدود. (مجرى الطعام والشراب) من
الحلق وجمعه مروء كسرير وسرر.
(١) قوله وفي الحديث فيه نظر إذ هو من كلام الحسن البصري كما في اختصار المقاصد الحسنة للزرقاني
وإن صح معناه في حديث البخاري ((ما من يوم يأتي إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم)).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: أي الصدقة أفضل (٢٢٦/٣)، والوصايا: باب الصدقة عند
الموت .
وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح. (الحديث
١٢٩).

٣٠٣
١٠ - باب: في المبادرة إلى الخيرات
٩١ - الْخَامِسُ عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَ أَخَذَ سَيْفاً يَوْمَ أُحُدٍ،
فَقَالَ: ((مَنْ يَأْخُذُ مِنِّي هَذَا؟)) فَبَسَطُوا أَيْدِيَهُمْ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ يَقُولُ أَنَا أَنَا، فَقَالَ: فَمَنْ
يَأْخُذُهُ بِحَقِّهِ؟) فَأَحْجَمَ الْقَوْمُ. فَقَالَ أَبُو دُجَانَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَا آخُذُهُ بِحَقِّهِ. فَأَخَذَهُ
فَفَلَقَ بِهِ هَامَ الْمُشْرِكِينَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. اسْمُ أَبِي دُجَانَةَ: سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ. قَوْلُهُ
((أَحْجَمَ الْقَوْمُ)):
٩١ - (وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ثم أخذ سيفاً يوم أحد) بضم أوليه جبل
معروف بالمدينة، كانت عنده الغزوة المعروفة (فقال: من يأخذ مني هذا) أي: السيف مطلقاً
عن التقييد (فبسطوا) بموحدة فمهملتين (أيديهم) أي : مدوها لأخذه (كل إنسان منهم يقول:
أنا) آخذه (أنا) آخذه والتكرار باعتبار التعدد في معنى كل (قال:) _ (فمن يأخذه بحقه) قال
القرطبي : يعني بهذا الحق أن يقاتل بذلك السيف إلى أن يفتح الله على المسلمين أو يموت
(فأحجم القوم) لما فهموا ذلك (فقال أبو دجانة) بضم الدال المهملة وبالجيم وبعد الألف
نون (واسمه سماك بن خرشة) بن لودان الأنصاري مشهور بكنيته (رضي الله عنه) شهد بدراً
وأحداً ودافع عن رسول الله مثل يومئذ هو ومصعب بن عمير، وكثرت فيه الجراحات، وقتل
مصعب واستشهد أبو دجانة يوم اليمامة. قال أبو عمرو إسناد حديث الحرر المسنوب إليه فيه
ضعف، وقيل: إنه موضوع. والأول أشهر (أنا آخذه بحقه) أي: بعد أن قال: يا رسول الله
وما حقه فقال: أن تضرب به في وجه العدو حتى ينحني. فقال: أنا آخذه (فأخذه) فقام
بشرطه ووفى بحقه (ففلق) أي: شق (به هام) بتخفيف الميم أي: رؤوس (المشركين) وفي
سيرة ابن سيد الناس عن الزبير أنه قال: وجدت في نفسي حين سألت النبي مية السيف
فمنعنيه وأعطاه أبا دجانة فقلت: والله لأنظرن ما يصنع، فاتبعته فأخذ عصابة حمراء فعصب
بها رأسه، فقالت الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت، وهكذا كان يقول إذا عصب
بها. فخرج وهو يقول
ونحن بالسفح لدى النخيل
أنا الذي عاهدني خليلي
أضرب بسيف الله والرسول
ألا أقوم الدهر في الكيول
فجعل لا يلقى أحداً إلا قتله (رواه مسلم وقوله: أحجم القوم) قال في شرح مسلم
هو بحاء ثم جيم. كذا في معظم الأصول، وفي بعضها بتقديم الجيم على الحاء. وادعى
القاضي عياض أنه الرواية ولم يذكره غيره. قال: لكنهما لغتان ومعناهما تأخروا وأوكفوا،

٣٠٤
كتاب : دليل الفالحين
أَيْ تَوَقَّقُوا. وَ((فَلَقَ بِهِ): أَيْ شَقَّ ((هَامَ الْمُشْرِكِينَ)) أَيْ رُؤُوسَهُمْ(١).
٩٢ - السَّادِسُ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيِّ قَالَ: أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنَ الْحَجَّاجِ. فَقَالَ: ((اصْبِرُوا فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي زَمَانٌ إلَّ وَالَّذِي بَعْدَهُ
شَرِّ مِنْهُ
وهو بمعنى قول المصنف هنا (توقفوا وفلق به أي شق) به (هام المشركين أي رؤوسهم) قال
الشاعر :
ويضرب بالسيوف رؤوس قوم أزيلت هامهن عن المقيل
المقيل أصول الأعناق.
٩٢ - (وعن الزبير) بضم الزاي وفتح الموحدة وسكون التحتية (ابن عدي) بفتح فكسر
للمهملتين وتشديد الياء. قال الذهبي في الكاشف: الزبير بن عدي الهمذاني اليامي، نسبة
إلى بني يامة قاضي الري، يروي عن أنس ثقة فقيه، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة، روى
عنه الستة اهـ (قال: أتينا أنس بن مالك رضي الله عنه) أي: بالبصرة (فشكونا إليه ما نلقى
من الحجاج) بفتح المهملة وتشديد الجيم الأولى، ابن يوسف الثقفي، عامل عبد الملك بن
مروان على الحجاز ثم على العراق (فقال اصبروا) أي: على ما تلقون منه (فإنه لا يأتي زمان
إلا والذي بعده شر منه) أي: فينبغي للإنسان أن يبادر لصالح الأعمال وإن لحقته المتاعب
والمشاق والأتعاب، ولا يترقب الخلو عن ذلك فما يأتي بعد أشد في ذلك مما في الزمان
الذي كان فيه، لأن الزمان لا يزال في البعد عن مشكاة النبوة والقرب من البدع والفتن، فلا
يمضي زمن فيه نقص لشيء من السنن، أو ابتلاء بشيء من المحن إلا والذي بعده أشد منه
في ذلك، بأن يعتقد أن تلك السنة التي تركت أولاً للتمادي على تركها والجهل بها بدعة، أو
يصيبه من الكروب ما يتهون معه ما سلف له من الخطوب. وفي الحديث(٢) الشريف في كل
عام ترذلون. وقال الشاعر:
يا زماناً بكيت منه فلما صرت في غيره بكيت عليه
قال الشيخ عبد الوهاب الشعراني في المواثيق والعهود: جرت عادة الله تعالى بالابتلاء
(١) أخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: في فضائل أبي دجانة سماك بن حرشة رضي الله تعالى
عنه. (الحديث: ١٢٩).
(٢) قوله وفي الحديث فيه نظر إذ هو من كلام الحسن البصري كما في اختصار المقاصد الحسنة للزرقاني وإن صح
معناه في حديث البخاري مامن يوم يأتي إلا والذي بعده شرمنه حتى تلقواربكم .

٣٠٥
١٠ - باب: في المبادرة إلى الخيرات
حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ)) سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيَّكُمْ وَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١).
٩٣ - السَّابِعُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَ قَالَ: ((بَادِرُوا
بِالْأَعْمَالِ سَبْعاً: هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّ فَقْراً
بالمصيبة ثم بأشد منها، وذلك ليتدرج العبد من الأخف إلى الأشد، إذ لو فاجاءه الأشد
ابتداء ربما عجز عن حمله، بخلافه بعد التدرج من الأخف إليه. ولا يشكل على ما ذكره
وجود زمان عمر بن عبد العزيز بعد زمان الحجاج، لما روي أن الحسن البصري سئل عن
ذلك فقال: لا بد للناس من زمان يتنفسون فيه وفي التوشيح حمل الأكثر حديث الباب على
الأكثر الأغلب. وأجاب آخرون: بأن المراد تفضيل مجموع كل عصر على مجموع العصر
الذي بعده، فإن زمن الحجاج كان فيه كثير من الصحابة، وقد انقرضوا في زمن عمر بن
عبد العزيز، والزمن الذي فيه الصحابة خير من الزمن الذي بعده اهـ. وحاصل الأمر: أن
الوقت سيف إن لم تقطعه بصالح العمل وانتظرت الفراغ من سائر الأتعاب قطعك وذهب
عليك أنفس الأشياء بلا فائدة، والله المستعان ويستمر توارد الأهوال وتعاقب الأحوال عليكم
(حتى تلقوا ربكم) فلا راحة للمؤمن دون لقاء ربه. ولا يشكل على هذا الحديث حديث
النسائي: ((أمتي كالمطر لا يدري أولها خير أم آخرها)) لأن ما في حديث الباب باعتبار الزمان
كما تقدم، وذاك باعتبار أهله، وعطايا الله تعالى غير مختصة بزمن دون زمن، فكم وجد في
الأزمنة الأخيرة من هو خير من كثير ممن تقدم في الأزمنة، كالأئمة العلماء العاملين، الذين
لا يزالون على الحق ظاهرين. وكالأولياء والصالحين الذين بهم يرفع البلاء عن العالمين،
وتدر بهم البركات وينتظم بهم شمل الأوقات (سمعته) أي: ما حدثتكم به (من نبيكم) إضافة
إليهم ليخف عنهم ألم ما يكابدونه من المشاق. ( 8). رواه البخاري) وفي الأربعين
للماليني عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه وَله: ((لا يزداد الأمر إلا شدة والدنيا إلا
إدباراً والناس إلا شحاً ولا مهدي إلا عيسى ابن مريم، ولا تقوم الساعة إلا على شرار
الناس)).
٩٣ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وم يل قال: بادروا) سابقو أي: اسبقوا
بالاشتغال (بالأعمال) الصالحة (سبعاً) من الأحوال الطارئة المشغلة واهتموا بالأعمال
الصالحة قبل حصولها، وحذف التاء لكون المعدود مؤنثاً أو لحذفه (هل تنتظرون إلا فقراً
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الفتن، باب: لا يأتي زمان إلا الذي بعده شر منه (١٦/١٣، ١٧).

٣٠٦
كتاب : دليل الفالحين
مُنْسِياً، أَوْ غِنَّى مُطْغِياً، أَوْ مَرَضاً مُفْسِداً، أَوْ هَرَماً مُفْنِداً، أَوْ مَوْتاً مُجْهِزاً، أَوِ الدَّجَّال
فَشَرُّ غَائِبِ يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ (١).
٩٤ - الثَّامِنُ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهَ قَالَ يَوْمَ خَيْرَ: ((الأَعْطِيَنَّ هَذِهِ
الرَّايَةَ رَجُلاً يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ) قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
مَا أَحْبَيْتُ الْإِمَارَةَ إِلَّ يَوْمَئِذٍ، فَتَسَاوَرْتُ لَهَا رَجَاءَ أَنْ أُدْعَى لَهَا. فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ وَ
منسياً) أي: إنه لما ينال النفس منه من الغم ينشأ عنه النسيان (أو غنى مطغياً) لصاحبه وملهياً
له عن القيام بأنواع حق العبودية (أو مرضاً مفسداً) للعقل أو للبدن مانعاً من أداء العبادة أومن
كمالها، ومن ثم ورد: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ (أو هرماً مفنداً)
قال في النهاية: الفند في الأصل، الكذب، وأفند: تكلم بالفند، ثم قالوا للشيخ إذا هرم قد
أفند، لأنه يتكلم بالمنحرف من الكلام عن سنن الصحة، وأفنده الكبر إذا أوقعه في الفند.
قال العاقولي : ولا يقال: امرأة مفندة لأنها لم تكن في شبيبتها صاحبة رأي فتفند في كبرها
(أو موتاً مجهزاً) بضم الميم وسكون الجيم وكسر الهاء آخره زاي. أي سريعاً يقال: أجهز
على الجريح يجهز إذا أسرع قتله، كأنه يريد به موت الفجأة أو الاخترام في الشباب. (أو
الدجال فهو شر غائب ينتظر) لما فيه من شدة الفتنة التي لا ينجو منها إلا من عصمه الله (أو
الساعة فالساعة) أي: عذابها وأعادها بلفظها تفخيماً لشأنها (أدهى) أعظم بلية (وأمرّ) أشد
مرارة من عذاب الدنيا وأهوالها (رواه الترمذي وقال: حديث حسن) ورواه الحاكم في
المستدرك
٩٤ - (وعنه) أي: عن أبي هريرة رضي الله عنه (أن رسول الله وم ليل قال يوم خيبر:) بوزن
جعفر، وكانت في السنة السابعة (لأعطين هذه الراية رجلاً يحب الله ورسوله) بالنصب
ومحبة العبد لله ورسوله هو الإِيمان بهما واتباع ما جاء به (يفتح الله على يديه) أي: بعض
حصون خيبر. وكان ذلك بعد إرسالها مع رجلين من كبار الصحابة، وما كان الفتح على
أيديهما ففيه معجزة للنبي * حيث أخبر عن مغيب، فكان كما أخبر به كما سيأتي (قال عمر
رضي الله عنه: ما أحببت الإِمارة) بفتح الهمزة وكسرها (إلا يومئذ) ليس حبه لها لذاتها إنما
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: ما جاء في المبادرة بالعمل. (الحديث: ٢٣٠٦)

٣٠٧
١٠ - باب: في المبادرة إلى الخيرات
عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا وَقَالَ: ((امْشٍ وَلاَ تَلْتَفِتْ حَتَّى يَفْتَحَ
اللَّهُ عَلَيْكَ)) فَسَارَ عَلِيُّ شَيْئاً ثُمَّ وَقَفَ وَلَمْ يَلْتَفِتْ، فَصَرَخَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى مَاذَا
أُقَاتِلُ النَّاسَ؟ قَالَ: قَاتِلْهُمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدَاً رَسُولُ اللَّهِ،
فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ مَنْعُوا مِنْكَ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّ بِحَقُّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ،
هو لكونها علامة لحب ذلك الأمير لله تعالى اللازمة لحب الله تعالى (له) قال تعالى:
﴿يحبهم ويحبونه﴾(١) ولحصول الفتح على يديه (فتساورت) أي: تطاولت له كما جاء في
رواية لمسلم أيضاً. (رجاء أن ادعى لها) بالبناء للمفعول (فدعا رسول الله صلي علي بن أبي
طالب رضي الله عنه فأعطاه إياها وقال: امش ولا تلتفت) لئلا يشغلك ذلك الالتفات عن
كمال التوجه (حتى يفتح الله عليك) أي: واصبر على الجهاد وترك الالتفات إلى أن يفتح الله
عليك، ويحتمل أن تكون حتى تعليلية. ويكون علم كونه علة لذلك بالوحي (فسار علي)
أي: عقب الأمر مبادراً للجهاد (شيئاً) أي: من السير، فهو مفعول مطلق (ثم وقف ولم
يلتفت) لئلا يخاف نهيه عنه وفهم منه علي رضي الله عنه ظاهره من الالتفات يمنة ويسرة،
فلذا لم يلتفت بعينه مع أنه يحتاج إليه للخطاب، وإن كان يحتمل أن يكون المراد من ترك
الالتفات - كما قال المصنف - الحث على الإقدام والمبادرة إلى ما أمر به، وأن يكون
المراد، لا تنصرف بعد لقاء عدوك حتى يحصل الفتح، ففيما فعله علي رضي الله عنه الأخذ
بظاهر الأمر وترك الوجوه المحتملات إذا خالفت الظاهر (فصرخ) أي: رفع صوته (يا
رسول الله على ماذا) مركب بمعنى: على أي شيء (أقاتل الناس قال: قاتلهم حتى يشهدوا
أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) سكت فيه عن ذكر أداء الجزية. مع أنها رافعة
لقتالهم إذا أعطوها، لأنهم أهل كتاب. ولعله كان قبل نزول آية الجزية وفي الحديث:
الدعاء إلى الإِسلام قبل القتال ومذهبنا ومذهب آخرين إن كان القوم ممن لم تبلغهم دعوة
الإِسلام وجب إنذارهم قبل القتال، أو من غيرهم فلا ولذا قال: (فإذا فعلوا ذلك) فيه إطلاق
الفعل على القول أي: إذا تلفظوا بهذه الكلمة (فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها)
أي: فيؤخذ بذلك كالنفس بالنفس والزكوات (وحسابهم على اللّه) أي: يكف عن قتالهم
بنطقهم بذلك وأما ما بينهم وبين الله تعالى، فإن صدقوا وآمنوا بالقلب نفعهم ذلك في الآخرة
ونجوا من العذاب كما نفعهم فى الدنيا، وإلا فلا ينفعهم بل يكونون منافقين من أهل النار
(١) سورة المائدة، الآية: ٥٤
.

٣٠٨
كتاب : دليل الفالحين
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَوْلُهُ: ((فَتَسَاوَرْتُ)) هُوَ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ: أَيْ وَثَبْتُ مُتَطَلِّعاً(١).
١١ - باب: في المجاهدة
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى(٢): ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِيْنَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ
الْمُحْسِنِينَ﴾.
(ورواه مسلم. قوله: فتساورت هو بالسين المهملة) وبالراء المهملة أيضاً (أي وثبت متطلعاً
لها) أي: حرصت عليها حتى أظهرت وجهي وتصديت له ليرى مكاني فلعله يوليني :
باب المجاهدة
مفاعلة من الجهد أي: الطاقة. فإن الإِنسان يجاهد نفسه باستعمالها فيما ينفعها حالاً
ومآلا، وهي تجاهده بما تركن إليه بحسب طبعها وجبلتها من ضد ذلك، ولكون المجاهدة
مع النفس التي بين جنبي الإِنسان، وهي لا تخرج ولا تنفك عنه كان هذا الجهاد الأكبر.
وجهاد العدو الخارج الجهاد الأصغر.
(قال تعالى والذين جاهدوا فينا) قال بعض العارفين: هذه الآية صفوة هذه السورة.
ومن جملة المجاهدات مجاهدة النفس بالصبر عند الابتلاء، ليعقب ذلك أنس الصفاء وينزع
عنه لباس الجفاء، وفي الحديث: ((إن ابتلاء المؤمن يذهب عنه درنه)) (لنهدينهم سبلنا) أتى
بلام الابتداء أو لام جواب القسم المقدر المسند إلى الحق سبحانه، إشارة إلى أنه تعالى
يتولى الهداية بنفسه للمجاهدين فيه، وأنه ينعم عليهم بكمال النعمة والجزاء، ولم يقل
سبيلي إشارة إلى الإِمناح بكثرة المعارف ولطائف الشهود ودوامه، وانهلال سحب الأفضال
(وأن الله لمع المحسنين) المحسن من يعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإنه سبحانه يراه،
فإذا كان هكذا كان له من شريف المعية ما أشار إليه بقوله إن الله لمع المحسنين. وقد ورد
من حديث أبي هريرة عن النبي و 984: «أنا جليس من ذكرني وأنا مع عبدي إذا ذكرني
وتحركت بي شفتاه)) قال الزركشي في الدرر: رواه البيهقي .
(١) أخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: في فضل علي بن أبي طالب رضي الله عنه. (الحديث:
٣٣).
(٢) سورة العنكبوت، الآية: ٦٩.

٣٠٩
١١ - باب: في المجاهدة
وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾: أَيِ انْقَطِعْ إلَيْهِ.
وَقَالَ تَعَالَى (٣): ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ .
وَقَالَ تَعَالَى (٤): ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِإِنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ
أَجْراً﴾ .
وَقَالَ تَعَالَى (٥): ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرِ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.
والآيَاتُ فِي الْبابِ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.
(وقال تعالى: واذكر اسم ربك) بالتوحيد والتعظيم أي: دم على ذلك (وتبتل إليه) في
العبادة (تبتيلاً) مصدر بتل جيء به رعاية للفواصل، وهو ملزوم التبتل وأيضاً، فهو أبلغ منه
في المعنى لزيادة المبنى، وقيل: إن تبتل في الآية بمعنى بتل (أي انقطع إليه) عما سواه
انقطاعاً وقيل: أخلص إخلاصاً وقيل: توكل توكلا قال بعضهم: التبتل رفض الدنيا بما فيها
والتماس ما عند الله (وقال تعالى: واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) أي: الموت (وقال تعالى:
فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره) أي: ير ثوابه ففيه تشويق لتقديم العمل الصالح بين يديه
ليجد جزاءه عند قدومه عليه .. (وقال تعالى: وما تقدموا لأنفسكم من خير) بيان لما (تجدوه
عند الله هو خيراً) مما خلفتم (وأعظم أجراً) وهو فصلٌ وما بعده، وإن لم يكن معرفة يشبهها
لامتناعه من التعريف لاقترانه بمن، ولا يجوز الجمع بينه وبين أل. والمعنى: ما أخرجتم لله
خير لكم وأعظم أجراً عند الله مما ادخرتم. قال ◌َله: ((أيكم مال وارثه. أحب إليه من ماله.
قالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وأرثه. قال: اعلموا ما تقولون.
قالوا: ما نعلم إلا ذلك يا رسول الله. قال: ما منكم من أحد إلا مال وارثه أحب إليه من
ماله. قالوا: كيف يا رسول الله. قال: إنما مال أحدكم ما قدم ومال وارثه ما أخر)).
(وقال تعالى: وما تفعلوا من خير) إنفاق أو غيره (فإن الله به عليم) فمجاز عليه.
(والآيات) القرآنية (في الباب) أي: باب المجاهدة (كثيرة معلومة) وأما الأحاديث النبوية:
(١) سورة الحجر، الآية: ٩٩.
(٢) سورة المزمل، الآية: ٨.
(٣) سورة الزلزلة، الآية: ٧.
(٤) سورة المزمل، الآية: ٢٠ .
(٥) سورة البقرة، الآية: ٢١٥ .

٣١٠
·· كتاب : دليل الفالحين
وَأَمَّا الاحَادِيثُ:
٩٥ - فَالأَوَّلُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ ((إِنَّ اللَّهَ
تَعَالَى قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ
إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ. وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتْقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْيَبْتُهُ
٩٥ - (ف) الحديث (الأول عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله: إن الله تعالى
قال من عادى) من المعاداة ضد الموالاة (لي) حال من قوله (ولياً) قدم من تأخير، وكان قبل
صفة أو ظرف لغو متعلق بالوصف قدم اهتماماً به: وهو من تولى الله بالطاعة والتقوى فتولاه
الله بالحفظ والنصرة. من الولي وهو القرب والدنو، فالولي هو: القريب من الله تعالى لتقربه
إليه باتباع أوامره واجتناب نواهيه والإكثار من نوافل العبادات، مع كونه لا يفتر عن ذكره ولا
يرى غيره بقلبه؛ لاستغراقه في نور معرفته؛ فلا يرى إلا دلائل قدرته ولا يسمع إلا آياته ولا
ينطق إلا بالثناء عليه ولا يتحرك إلا في طاعته، وهذا هو المتقي. قال تعالى: ﴿إن أولياؤه إلا
المتقون﴾(١) (فقد آذنته) بالمد (بالحرب) أي: أعلمته بأني محارب له أي: أعامله معاملة
المحارب من التجلي عليه بمظاهر الجلال والعدل والانتقام. ومن عامله الحق بذلك فإنه
لا يفلح، فهو من التهديد في الغاية القصوى، إذ غاية تلك المحاربة الإهلاك، فهي من
المجاز البليغ. وكأن المعنى فيه ما اشتملت عليه تلك المعاداة من المعاندة لله تعالى بكراهة
محبوبه. والوعيد لمن عادى ولياً من أجل ولايته وقربه من الله تعالى، وذلك كإيذاء من
ظهرت أمارات ولايته باتباع الكتاب والسنة إما بإنكارها عناداً أو حسداً، أو بعدم الجري على
ما ينبغي له من التأدب معه، أو بنحو سبه وشتمه من سائر أنواع الإِيذاء التي لا مسوغ لها
شرعاً مع علم متعاطيها بذلك. أما منازعة الولي في محاكمة أو خصومة، راجعة لاستخراج
حق أو كشف غامض؛ فلا يدخل في هذا الوعيد، فقد جرى نوع ما من الخصومة بين أبي
بكر وعمر وبين علي والعباس وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، مع أن الكل
أولياء الله تعالى. وإذا علم ما في معاداة الولي من الوعيد والتهديد، علم ما في موالاته من
جسيم الثواب وباهر التوفيق والهداية والقرب والتأييد (وما تقرب إليَّ عبدي) إضافته
للتشريف المؤذن بمزيد الرفعة والتأهل لعلى المقامات (بشيء أحب إليّ من أداء ما افترضته
عليه) عيناً كان أو كفاية، كالصلاة وأداء الحقوق إلى أربابها وبر الوالدين ونحو ذلك من
١٠
(١) سورة الأنفال، الآية: ٣٤

٣١١
١١ - باب: في المجاهدة
كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ
الَّتِي يَمْشِي بِها،
الأمور الواجبات، لأن الأمر بها جازم، فيتضمن أمرين: الثواب على فعلها والعقاب على
تركها، بخلاف النفل، فلذا كان الفرض أكمل وأحب إلى الله وأشد تقرباً، وروي أن ثواب
الفرض يفضل ثواب النفل بسبعين درجة، وبالجملة فالفرض كالأس، والنفل كالبناء على
ذلك الأس. (وما يزال عبدي) إضافته لما تقدم (يتقرب) وفي رواية: يتحبب (إلي بالنوافل)
أي: بالتطوعات من جميع أصناف العبادات ظاهرها كقراءة القرآن إذ هو من أعظم ما يتقرب
به، وكالذكر، وكفى في شرفه قوله تعالى: ﴿فاذكروني أذكركم﴾(١) وباطنها كالزهد والورع
والتوكل والرضا، وغير ذلك من سائر أحوال العارفين، سيما محبة أولياء الله تعالى وأحبائه
فيه، ومعاداة أعدائه فيه (حتى أحبه) بضم أوله. والفعل منصوب، ومحبة الله تعالى للعبد كما
تقدم توفيقه لما يرضيه عنه وإثابته ومعاملته بالإحسان، فعلم أن إدامة النوافل بعد أداء
الفرائض - إذ من غير أدائها لا يعتد بالنوافل، كما يشير إليه تأخير هذه وتقديم تلك - تفضي
إلى محبة الله تعالى للعبد وصيرورته من جملة أوليائه الذين يحبهم ويحبونه، ويؤخذ من
سياق الحديث أن الولي : إما أن يتقرب بالفرائض بأن لا يترك واجباً ولا يفعل محرماً أو بها
مع النوافل، وهذا أكمل وأفضل. ولذا خص بالمحبة السابقة والصيرورة الآتية، وأنه لا سبيل
إلى ولاية الله تعالى ومحبته، سوى طاعته التي جاء بها رسول الله ولي وما سواها باطل (فإذا
أحببته كنت) أي: صرت حينئذ (سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر) بضم أوله وكسر
ثالثه (به ويده التي يبطش) بفتح أوله وكسر ثالثه أو ضمه.
(بها ورجله التي يمشي بها) قال بعض المحققين: التحقيق أن هذه الصيرورة مجاز،
أو كناية عن نصرة اللّه تعالى لعبده المتقرب إليه بما ذكر، وتأييده وإعانته له وتوليه في جميع
أموره، حتى كأنه تعالى نزل نفسه من عبده منزلة الآلات والجوارح التي بها يدرك ويستعين،
ولذا جاء فى رواية أخرى: ((فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي)) أي: أنا الذى
أقدرته على هذه الأفعال وخلقتها فيه، فأنا الفاعل لذلك لا أنه يخلق أفعال نفسه. أي : سواء
الجزئيات والكليات، وهذا يرد على المعتزلة في زعمهم أن العبد يخلق أفعاله الجزئيات
وزعم الحلولية والاتحادية بقاء هذا الكلام على حقيقته، وأنه تعالى عين عبده أو حال فيه
ضلال وكفر إجماعاً، وما وقع في عبارات بعض العارفين مما يوهم ذلك فليس مرادا لهم
(١) سورة البقرة، الآية: ١٥٢.

٣١٢
كتاب : دليل الفالحين
وَلَئِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لِأُعِيذَنَّهُ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ((آذَنْتُهُ)): أَعْلَمْتُهُ بِأَنِّي
مُحَارِبُ لَهُ. ((اسْتَعَاذَني)): رُوِيَ بِالنُّونِ وَبِالْبَاءِ(١).
٩٦ - الثَّانِي عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ فِيمَا يَرْوِيِهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ
قَالَ: ((إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إِلَيَّ شِبْراً تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعاً، وَإِذَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعاً تَقَرَّبْتُ مِنْهُ
وفهم ذلك منه من قصور فهم الناظر، وإلَّ فَهُم مطهرون من ذلك الاعتقاد الفاسد، كما
طهرهم الله تعالى بكمال محبته من سائر المفاسد. (ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني
لأعيذنه) مما يخاف وهذه عادة الحبيب مع محبوبه، ولا يحصى عدد من حصل له ذلك،
فوقع له مطلوبه وذهبت عنه كروبه من صالحي الأمة، فلا نطيل بذكره خصوصاً، وسيأتي في
أثناء الكتاب بعضه، وفي هذا الوعد المحقق المؤكد بالقسم، إيذان بأن من تقرب إليه بما مر
لا يرد دعاؤه، وقد لا يجاب الولي إلى سؤاله لعلمه تعالى أن الخير له في غيره مع تعويضه له
خيراً منه، إما في الدنيا أو في الآخرة (رواه البخاري) وزاد بعد قوله: لأعيذنه: ((وما تردد عن
شيء أنا فاعله، ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته)) والتكلم في بعض
رواته غير مقبول. وانفرد به البخاري عن باقي الكتب الستة، ورواه ابن حبان في صحيحه
وأبو داود خارج السنن فيما رواه عنه ابن الأعرابي ورواه أبو نعيم في الحلية، والبيهقي في
الزهد، وابن عدي في الكامل، وآخرون. وقد روي الحديث من طريق عائشة وميمونة وعلي
وأنس وحذيفة ومعاذ بن جبل وابن عباس وغيرهم، وطريق كل لا تخلو عن مقال، إلا الطريق
إلى حذيفة فإن إسناده حسن لكن حديثه غريب جداً (آذنته) بالمد (أعلمته) هذا معنى آذنته
وقوله: (بأني محارب له) هذا معنى بالحرب وقوله: (استعاذني روي بالنون) أي: طلبني
أعيذه. فيكون متعدياً (وبالباء) الموحدة أي: اعتصم وتحصن بي.
٩٦ - (وعن أنس رضي الله عنه عن النبي ◌َّ فيما يرويه عن ربه عز وجل) أي: فهو من
الأحاديث القدسية، وقد تقدم في باب الإِخلاص فيها بعض البيان والفرق بينهما وبين القرآن
أنه معجز، ويتعلق الثواب بتلاوته ولا تجوز روايته بالمعنى ولا مس ما كتب فيه لعلة ولا حمله
مع الحدث، ولا كذلك هذه الأحاديث. (قال:) أي: الرب سبحانه أو النبي ◌ِّ راوياً له عن
ربه (إذا تقرب العبد إليَّ شبراً تقربت إليه ذراعاً وإذا تقرب إليَّ ذراعاً تقربت إليه) وفي
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: التواضع (٢٩٢/١١، ٢٩٧).

٣١٣
١١ - باب: في المجاهدة
بَاعاً، وَإِذَا أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١).
٩٧ - الثَّالِثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ: ((نِعْمَتَانِ
مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ»
نسخة منه: (باعاً وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة) كذا في النسخ بحذف الواو من إذا الأولى،
والظاهر إثباتها؛ ليدل على أن المذكور بعض حديث أوله: ((أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه
إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير
منه، وإذ تقرب إليَّ إلخ)) ثم هذا من باب التمثيل في الجانبين. قال الكرماني: قامت
البراهين القطعية على استحالة هذه الإِطلاقات على الله تعالى، فهي إذاً على سبيل التجوز،
والمعنى: من أتى شيئاً من الطاعات ولو قليلاً قابلته عليه بأضعاف من الإِثابة والإِكرام،
وكلما زاد في الطاعة زدته في الثواب، وإن كان إتيانه بالطاعة على التأني ؛ تكون كيفية إتياني
بالثواب على السرعة، فالغرض أن الثواب راجح على العمل مضاعف عليه، وإطلاق النفس
والتقرب والهرولة، وهي من الإِسراع، ونوع من العدو عليه تعالى إنما هو مجاز على سبيل
المشاكلة، أو على طريق الاستعارة، أو على قصد إرادة لوازمها، وهو من الأحاديث الدالة
على كرم أكرم الأكرمين، اللهم ارزقنا حظاً وافراً منه آمين. (رواه البخاري) قال ابن
الجزري في الحصن بعد أن أورد صدر الحديث إلى قوله: ((خير منه)) تم الحديث، ورمز إليه
أنه رواه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه، وفي مختصر جامع الأصول للديبع أخرجه
الشيخان والترمذي، وسكت عن الباقي ولعلهما روياه بالمعنى، والبخاري بخصوص هذا
المبنى .
٩٧ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله) وفي نسخة النبي (قَيّ:
نعمتان) أي: عظيمتان. قال ابن الخازن: أي: ما يتنعم به الإِنسان. وقال الطيبي: الحالة
الحسنة التي يكون عليها الإِنسان كالجلسة، وقيل: النعمة عبارة عن المنفعة المفعولة على
وجه الإِحسان إلى الغير، ونعمتان مبتدأ خبره (مغبون فيهما) من الغبن وهو الشراء بأضعاف
الثمن، أو البيع بدون ثمن المثل، وهو وصف و (كثير من الناس) نائب فاعله أو مبتدأ وخبره
مغبون، وفيهما ظرف لغو، والجملة الخبر والرابط ضمير الوصف، وأفرد باعتبار لفظ كثير
(الصحة والفراغ) بدلان من نعمتان بدل مفصل من مجمل. شبه مر المكلف بالتاجر.
(١) أخرجه البخاري في كتاب: التوحيد، باب: ذكر النبي ◌َّ وروايته عن ربه (٤٢٧/١٣).

٣١٤
كتاب : دليل الفالحين
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١).
٩٨ - الرَّابِعُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ النَّبِيَّ وَ كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى
تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقُلْتُ لَهُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ
ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: ((أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدَاً شَكُوراً؟)) مُتَّفَقُ عَلَيْهِ. هَذَا لَفْظُ
والصحة أي: في البدن والفراغ أي: من العوائق من الطاعة برأس المال، لأنهما من أسباب
الأرباح ومقدمات نيل النجاح، فمن عامل الله تعالى بامتثال أوامره وابتدر الصحة والفراغ
يربح، ومن لا أضاع رأس ماله ولا ينفعه الندم. (رواه البخاري) ورواه الترمذي وابن ماجه .
٩٨ - (وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي (* كان يقوم) أي: بالتهجد (من الليل) أي
بعضه، وهو السدس الرابع والخامس غالباً (حتى تفطر) بفتح المثناة والفاء وتشديد المهملة،
وأصله تتفطر، وهو كذلك في رواية الأصيلي، كما في فتح الباري أي: تتشقق (قدماه) وعند
النسائي حتى تزلع قدماه بزاي وعين مهملة وللبخاري في رواية: ((حتى تورمت قدماه)) ولا
مخالفة بين هذه الروايات، فإنه إذا حصل النفخ والورم حصل الزلع والتشقق (فقلت له:
لم تصنع هذا) الأمر الشاق (يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر) قال
العارف بالله ابن أبي جمرة في أثناء كلام له على حديث: ((لن يدخل أحدكم الجنة بعمله)) ما
لفظه: لا يخطر بخاطر أحد أن الذنوب التي أخبر الله تعالى أنه بفضله غفرها للنبي وقّله، من
قبيل ما نقع نحن فيها معاذ الله لأن الأنبياء معصومون من الكبائر بالإجماع، ومن الصغائر
التي فيها رذائل. أما الصغائر التي ليس فيها رذائل. ففيها خلاف بين العلماء، الأكثر على
أنهم معصومون منها كما عصموا من الكبائر، وهو الحق لأن رتبتهم جليلة، إنما ذلك من
قبيل توفية ما يجب للربوبية من الإِعظام والإِكبار والشكر، ووضع البشرية وإن رفع قدرها
حيث رفع، فإنها تعجز عن ذلك بوضعها لأنها من جملة المحدثات، وكثرة النعم على الذي
رفع قدره أكثر من غيره فتضاعفت الحقوق عليه فحصل العجز، فالغفران لذلك اهـ. وهو
من النفاسة بمكان، وسيأتي في باب أداء الأمانة إن شاء الله تعالى كلام نفيس للقاضي
عياض في عصمة الأنبياء وتفصيل الخلاف في ذلك. (قال: أفلا) الفاء للسببية عن محذوف
التقدير: أأترك التهجد فلا (أحب أن أكون عبداً شكوراً) والمعنى: أن المغفرة سبب لكون
(١) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب: ما جاء في الرقاق وأن لا عيش إلا عيش الآخرة
(١٩٦/١١)

٣١٥
١١ - باب: في المجاهدة
الْبُخَارِيُّ. وَنَحْوَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ الْمُغيرةِ بْنِ شُعْبَةَ(١).
٩٩ - الْخَامِسُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ مَ﴿ إِذَا دَخَلَ
الْعَشْرُ أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ
التهجد شكراً، فكيف أتركه. قال القرطبي: ظن من سأله عن سبب تحمله المشقة في
العبادة أنه إنما يعبد الله خوفاً من الذنب وطلباً للمغفرة والرحمة، فمن تحقق غفران الله تعالى
له لا يحتاج لذلك. فأفادهم أن لذلك سبباً آخر، هو الشكر على المغفرة وإيصال النعمة لمن
لا يستحق عليه منها شيئا. والشكر: الاعتراف بالنعمة والقيام بالخدمة، فمن كثر منه ذلك
سمي شكوراً، ومن ثم قال سبحانه: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾(٢)١ هـ. ثم الأخذ بهذا
الحال من مشاق الأعمال، إنما يطلب ممن لا يفضي به ذلك إلى الملال، كما هو شأنه والتر،
فإنه كان لا يملّ من عبادة ربه وإن أضر بدنه، وقد جاء عنه: ((وجعلت قرة عيني في الصلاة))
أما من يفضي به لذلك فلا ففي الحديث: اكلفوا من العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى
تملوا. (متفق عليه) أي: على أصل المعنى لا على خصوص الراوي والمبنى، بدليل قوله
(هذا) أي: المذكور عن عائشة بهذا اللفظ (لفظ البخاري ونحوه) أي: بمعناه (في
الصحيحين) الذي يعبر عنه بالمتفق عليه. (من رواية المغيرة بن شعبة) وكذا رواه من رواية
الترمذي والنسائي وابن ماجه كما في الجامع الصغير.
٩٩ - (وعن عائشة) الأخصر وعنها (رضي الله عنها) وكأنه عدل إليه لئلا يتوهم أن المغيرة
اسم امرأة، والضمير لأقرب مذكور. (كان رسول الله صل* إذا دخل العشر) أي: الأخير من
رمضان، كما يأتي في كلامه وأوله الحادي والعشرون وآخره آخر رمضان (أحيا الليل) بأنواع
الطاعات ومحل النهي عن قيام الليل كله، الوارد في حديث عبد الله بن عمر فيمن داوم على
ذلك جميع ليالي السنة لأنه مضر بالبدن والعقل (وأيقظ أهله) للصلاة تنبيهاً لهم على فضل
تلك الأوقات، واغتنام صالح العمل فيها. وروى الترمذي من حديث زينب بنت أم سلمة :
لم يكن النبي ﴿ إذا بقي من رمضان عشرة أيام يدع أحداً من أهل بيته يطيق القيام إلّ أقامه
(وجد) أي: اجتهد في العبادة زيادة على العادة، وذلك لأن فيه ليلة القدر التي هي خير من
(١) أخرجه البخاري في كتاب: التهجد، باب: قيام النبي مثله حتى ترم قدماه (٤٤٩/٨ و ٢٢/٣)
وأخرجه مسلم في كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم، باب: أكثر الأعمال والاجتهاد في العبادة
(الحديث: ٨٠ - ٨١).
(٢) سورة سبأ، الآية: ١٣.

٣١٦
كتاب: دليل الفالحين
وَشَدَّ ((المِثْزَرَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالْمُرَادُ: الْعَشْرُ الأَوَاخِرُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ. وَ ((الْمِثْزَرُ)):
الْإِزَارُ: وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ اعْتِزَالِ النِّسَاءِ. وَقِيلَ الْمُرَادُ: تَشْمِيرُهُ لِلْعِبَادَةِ. يُقَالُ: شَدَدْتُ
لِهَذَا الْأَمْرِ مِثْزَرِي: أَيْ تَشَمَّرْتُ وَتَفَرَّغْتُ لَهُ (١).
١٠٠ - السَّادِسُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَل :
ألف شهر (وشد المئزر. متفق عليه) ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، كما في الجامع
الصغير أيضاً. (والمراد العشر الأواخر من شهر رمضان) وقد صرح بهذا في حديث علي
عند ابن أبي شيبة والبيهقي من طريق عاصم بن ضمرة عنه، وتقدم مبتداه ومنتهاه (والمئزر)
بكسر الميم وفتح الزاي وسكون التحتية (الإِزار وهو) أي: شد المئزر لا الإِزار كما قد يتبادر
(كناية عن اعتزال النساء) هذا ما جزم به عبد الرزاق عن الثوري. واستشهد عليه بقول
الشاعر:
عن النساء ولو بانت بأطهار
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم
وذكر ابن أبي شيبة عن أبي بكر بن عياش نحوه (وقيل:) هو قول الخطابي كما في
فتح الباري (المراد) منه (تشميره للعبادة) على سبيل المجاز المرسل لعلاقة الإِطلاق والتقييد
(يقال: شددت لهذا الأمر مئزري أي تشمرت: وتفرغت له) قال في فتح الباري: يحتمل أن
يريد به الجد في العبادة كما يقال شددت لهذا الأمر مئزري أي: تشمرت له. ويحتمل أن
يراد التشمير للعبادة والاعتزال معاً. ويحتمل أن يراد حقيقته. والمجاز كمن يقول: طويل
النجاد لطويل القامة، وهو طويل النجاد حقيقة. فيكون المراد شد مئزره حقيقة فلم يحله
واعتزل النساء وشمر للعبادة، قال: وقد وقع في رواية عن عاصم بن ضمرة المذكور شد
مئزره واعتزل النساء، فعطفه بالواو فيتقوى الاحتمال الأول اهـ.
١٠٠ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّر: المؤمن القوي) هو من لا
يلتفت إلى الأسباب لقوة باطنه، بل يثق بمسبب الأسباب وقال المصنف: هو من له صدق
رغبة في أمور الآخرة، فيكون أكثر إقداماً على العبادات. وقيل: المؤمن
(١) أخرجه البخاري في كتاب: صلاة التراويح، باب: العمل في العشر الأواخر من رمضان (٢٣٣/٤،
٢٣٤).
وأخرجه مسلم في كتاب : الاعتكاف، باب: الاجتهاد في العشر الأواخر من شهر رمضان (الحديث: ٧).

٣١٧
١١ - باب: في المجاهدة
(الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلِّ خَيْرٌ، احْرِصْ
عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلاَ تَعْجَزِ، وَإِن أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ
كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ))
القوي من صبر على مجالسة الناس وتحمل أذاهم وعلمهم الخير والإِرشاد. وقال القرطبي :
القوي البدن والنفس الماضي العزيمة الذي يصلح للقيام بوظائف العبادات من الحج
والصوم والأمر بالمعروف، وغير ذلك مما يقوم به الدين (خير) أفعل تفضيل، حذفت ألفه
تخفيفاً. (وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف) يعلم المراد به من المراد بضده (وفي كل)
بالتنوين أي: من المؤمن القوي والمؤمن الضعيف. (خير) لاشتراكهما في أصل الإِيمان.
وخير هنا: مصدرٌ. وهو خلاف الشر. (أحرص) أي: استعمل الحرص والاحتياط (على)
تحصيل (ما ينفعك) من أمر دينك ودنياك التي تستعين بها على صيانة دينك وعيالك ومكارم
الأخلاق، ولا تفرط في ذلك (واستعن بالله) أي: اطلب المعونة منه وتوكل عليه ولا تعتمد
على حركاتك ولا على أسبابك، بل الجأ في كل الأمور إليه وتوكل عليه، فمن أعانه أعين،
وما أحسن قول بعض العارفين :
فليس لمخلوق إليه سبيل
إذا لم يعنك الله فيما تريده
ضللت ولو أن السماك دليل
وإن هو لم يرشدك في كل مسلك
(ولا تعجز) بكسر الجيم على الأفصح، أي: لا تفرط في طلب ذلك وتتعاجز عنه
تاركاً للحكمة الإلهية متكلا على القدرة، فتنسب للتقصير وتلام على التفريط شرعاً وعادةً
(وإن أصابك شيء) من المقدورات (فلا تقل: لو أني فعلت) كذا (كان كذا وكذا) كناية عن
مبهم. والجملة جواب لو، فيكون فيه ركون إلى العادات وربط للمسببات بأسبابها العادية،
وغفلة عن حقائق الأمور، وهو أن كل شيء بقدر مقدور. فلذا قال: (ولكن) بسكون النون
(قل: قدر الله) قال البرهان العلوي: ومن خطه نقلت هو بفتح أوليه المخففين، ورفع الراء
هكذا رأيت في نسخة الرزندي، وسماعي ((قدر)) يعني بصيغة الماضي المعلوم (وما شاء)
أي: ما شاءه اللّه (فعل) لا رادّ لمراده وهو على كل شيء قدير. ففيه التنبيه على الدواء عند
وقوع المقدور، وذلك بالتسليم لأمر الله والرضا بقدر الله، والإِعراض عن الالتفات لما
مضى، وفات بألّاً يقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا، لأن ذلك يؤول به إلى الخسران من
توهم أن التدبير يعارض سوابق المقادير، وهذا عمل الشيطان. كما قال: (فإن لو) بسكون
الواو على الحكاية، أي إذا ذُكرت على سبيل معارضة القدر، أو مع اعتقاد أن ذلك المانع لو

٣١٨
كتاب: دليل الفالحين
رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١) .
١٠١ - السَّابِعُ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ: حُجِبَتِ النَّارُ
بِالشَّهَوَاتِ، وَحُجِبَتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: (حُفَّتْ)) بَدَلَ ((حُجِبَتْ)) وَهُوَ بِمَعْناه، أَْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا هَذَا
الْحِجَابُ فَإِذَا فَعَلَهُ دَخَلَهَا.
ارتفع لوقع خلاف المقدور. (تفتح عمل الشيطان) أي: وساوسه المفضية بصاحبها
للخسران، أما إذا أتى بلو على وجه التأسف على ما فات من الخير، وعلم أنه لن يصيبه إلا
ما قدر الله تعالى، فليس بمكروه وفيه حديث: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت))
الحديث. (رواه مسلم) ورواه أحمد وابن ماجه كما في الجامع الصغير.
١٠١ - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رسول الله (وَ ل قال: حُجبت)
بالمهملة فالجيم مبني للمفعول، والتاء في آخره للتأنيث (النار بالشهوات وحجبت الجنة
بالمكاره) قال القرطبي: هو من الكلام البليغ الذي انتهى في البلاغة نهايته، وذلك أنه: مثل
المكاره بالخفاف، أي: في رواية مسلم الآتية وبمعناها الحجاب، وهو الدائر بالشيء
المحيط به الذي لا يتوصل إلى ذلك الشيء إلا بعد أن يتخطى. وفائدة هذا التمثيل، أن
الجنة لا تنال إلا بقطع مفاوز المكاره، وبالصبر عليها، وأن النار لا ينجى منها إلا بترك
الشهوات وفطام النفس عنها، وقال المصنف: معناه لا يوصل إلى الجنة إلا بارتكاب المكاره
من الجهد في الطاعات والصبر عن الشهوات، كما لا يصل المحجوب عن الشيء إلا بهتك
حجابه، والتجاوز عنه ويوصل إلى النار باتباع الشهوات، والمراد، ما كان محرماً منها
لا المباح منها، فلا يدخل في ذلك لكن الإكثار منه مكروه مخافة أن يقسي القلب ويكسل
عن الطاعة (متفق عليه) في المعنى، ومعظم المبنى بدليل قوله (وفي رواية مسلم. حفت)
بضم المهملة، وتشديد الفاء (بدل حجبت) وبه يندفع اعتراض الصاغاني في المشارق على
القضاعي ، حيث قال - بعد أن رواه بلفظ حجبت وقال: متفق عليه، رواية القضاعي حفت،
(١) أخرجه مسلم في كتاب: القدر، باب: في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله
(الحديث: ٣٤).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: حجبت النار بالشهوات (٢٧٤/١١).
وأخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، (الحديث: ١)

٣١٩
١١ - باب: في المجاهدة
١٠٢ - الثّامِنُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَّانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: صَلَّيْتُ
مَعَ الْنِبِيِّ نَّهَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ، فَقُلْتُ يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ، ثُمَّ مَضَى، فَقُلْتُ
يُصَلِِّ بِهَا فِي رَكْعَةٍ،
وقال ابن مالك في شرحها: قال النووي المذكور في الصحيحين: حجبت لا حفت اهـ
وهو نقل عجيب عن المصنف، ولعله سهو من قلم الناسخ، وإلا فهذا اللفظ رواية مسلم
(وهو) أي: حفت (بمعناه) أي: حجبت أي: معناهما واحد (أي: بينه وبينها) أي: النار في
الأول، والجنة في الثاني (هذا الحجاب فإذا فعله) وخرق الحجاب (دخلها).
١٠٢ - (وعن أبي عبد الله حذيفة) بضم المهملة، وفتح الذال المعجمة، وسكون التحتية
بعدها فاء، (ابن حسيل) بكسر المهملة الأولى، وسكون الثانية، ويقال له: حُسيل بالتصغير.
ولقبه: (اليمان) لقب به: لحلفه الأنصار، وهم من اليمن، وإلا فهو عبسي بفتح المهملة،
فسكون الموحدة، نسبة إلى عبس بن يعيص بن بنت غطفان ثم ابن قيس عيلان بالمهملة ابن
مضر (رضي الله عنهما) أسلم حذيفة وأبوه، وشهدا أحداً، وقتل اليمان يومئذ بأيدي
المسلمين غلطاً، ونادى حذيفة حينئذ: أبي عباد الله أبي أبي، فما احتجزوا عنه حتى قتلوه،
فقال حذيفة: يغفر الله لكم، ووهب دمه للمسلمين، وكان حذيفة أحد الرقباء النجباء، وأحد
الفقهاء، أهل الفتوى وصاحب سر رسول الله - في المنافقين، والمختص بأخبار الفتن
المستقبلة ما ظهر منها وما بطن، وله مقامات محمودة في الجهاد، من أعظمها: ليلة
الأحزاب وخبره فيها مشهور، وأبلى في الفتوح، وحمدت مشاهده، وكان فتح همدان
والدينور على يديه، وشهد فتح الجزائر. ولاه عمر المدائن، وقال عمر لأصحابه يوماً تمنوا
فتمنوا، فقال عمر: لكني أتمنى رجالاً مثل أبي عبيدة ومعاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان،
استعملهم في طاعة الله تعالى، روى عن رسول الله * مائة حديث ونيفاً اتفقا منها على اثني
عشر، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بسبعة عشر توفي بالمدينة سنة ست وثلاثين بعد قتل
عثمان بأربعين ليلة (قال: صليت مع النبي (لا) أي في صلاة التهجد ففيه وفي حديث ابن
مسعود الآتي الاقتداء في النافلة، وتطويل صلاة الليل (ذات ليلة فافتتح سورة البقرة) فيه
إطلاق ذلك بلا كراهة، وقيل: إنما يقال: السورة التي تذكر فيها البقرة (فقلت: يركع عند
المائة) منها وكان القياس في رسم مائة أن تكتب الهمزة بصورة التحتية لانكسار ما قبلها
لكنها رسمت بهذه الصورة لئلا تلتبس بصورة منه إذا لم تنقط، وأصلها متى حذفت لامها،
وعوض عنها هاء التأنيث (ثم مضى) في قراءتها بعد تمام المائة (فقلت: يصلي بها في ركعة

٣٢٠
كتاب : دليل الفالحين
فَمَضَى، فَقُلْتُ يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا، يَقْرَأُ مُتَرَسِّلاً، إذَا مَرَّ
بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ،
ثُمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ)) فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْواً مِنْ قِيَامِهِ، ثُمَّ
فمضى فقلت: يركع بها) فأكملها (ثم افتتح النساء فقرأها) إلى آخرها (ثم افتتح آل عمران
فقرأها) قال القاضي عياض: فيه دليل لمن يقول إن ترتيب السور اجتهادي وليس بتوقيفي،
بل وكله وَل# إلى أمته، وهو قول مالك، وجمهور العلماء، واختاره ابن الباقلاني، وقال: إنه
أصح القولين مع احتمالهما قال: والذي يقول إن ترتيب السور ليس بواجب في الكتابة، ولا
في الصلاة، ولا في الدرس، ولا في التلقين، وإنه لم يكن من النبي ◌ّ في ذلك نص، ولا
حد تحرم مخالفته، ولذا اختلف في ترتيب المصاحف قبل مصحف عثمان. قال: وأما على
قول من يقول: إنه بتوقيف من النبي صل* حدده لهم. كما استقر في مصحف عثمان، وإنما
اختلفت المصاحف قبل أن يبلغهم التوقيف، والعرض الأخير فتأول قراءته النساء، ثم آل
عمران هنا على أنه كان قبل التوقيف في الترتيب، وكانت هاتان السورتان هكذا في مصحف
أُبَيّ. قلت: قال بعض المتأخرين: أو إنه فعله لبيان الجواز. قال الباقلاني: ولا خلاف أنه
يجوز للمصلي أن يقرأ في الركعة الثانية بسورة قبل التي قرأها في الأولى. إنما يكره ذلك في
ركعة ولمن يتلو في غير صلاة، وقد أباحه بعضهم، وتأول نهي السلف عن قراءة القرآن
منكوساً على من يقرأ من آخر السورة إلى أولها. قال: ولا خلاف أن ترتيب آيات كل سورة
بتوقيف من الله سبحانه وتعالى على ما هي الآن في المصحف، وهكذا نقلته الأمة عن نبيها
اهـ. باختصار يسير. (يقرأ مترسلاً) أي مرتلاً بتبيين الحروف وأداء حقها (إذا مر بآية فيها
تسبيح) نحو: ﴿سبح اسم ربك﴾(١) (سبح وإذا مر بسؤال سأل وإذا مر بتعوذ تعوّد) فيه دليل
الاستحباب هذه للقارىء، وهي سنة له مطلقا (ثم ركع فجعل) من أفعال الشروع (يقول:)
في ركوعه (سبحان ربي العظيم) وكرر ذلك التسبيح فيه، وبه قال بعض الأئمة، ولم يأخذ
أئمتنا بقضية التكرير فيه وفيما يأتي بل قالوا: أقل التسبيح مرة، وأقل الكمال ثلاث، وأكثره
إحدى عشرة، واقتضى صريح كلامهم عدم سن الزيادة على ذلك. فإن الذي ذكروه هو
ما واظب عليه وَّة، وما في هذا الحديث وقع نادراً فلم يغيروا به ما علم، واستقر من
أحواله ◌ََّ (فكان ركوعه) في الطول (نحواً) أي قريباً (من قيامه) في القراءة قبله (ثم رفع
(١) سورة الأعلى، الآية: ١