النص المفهرس

صفحات 261-280

-
لِط ◌ُرُقِ رَيَاضِ الصَالحِين
تَأليف
العَالِ العَلَّمَة المُفْسِرِ، محمّد بنعلان الصِّدّيقِ الشَافعي
الأَشْعَرَي المكي، المتوفى سَنة ١٠٥٧ هـ
طبعة جديدة مصحّصَة
مرقمة ومخرّجة الآيات والأحاديث
اعتنى بها
الشَّيِّخ خَلِيْلِ مَأْمُون شِْبَحَا
الجُزْءُ الثّاني

٢٦٣
٧ - باب: في اليقين والتوكل
٧ - باب: في اليقين والتوكُّل
باب اليقين
قال السيد في كتاب تعريفات العلوم: اليقين في اللغة: العلم الذي لا شك معه، وفي
الاصطلاح، اعتقاد الشيء أنه كذا، مع اعتقاد أنه لا يمكن إلا كذا، وهو مطابق للواقع، غير
ممكن الزوال، وعند أهل الحقيقة: رؤية العيان بقوة الأيمان لا بالحجة والبيان، وقيل:
مشاهدة الغيوب بصفاء القلوب، وملاحظة الأسرار بمحافظة الأفكار (والتوكل) عرفه الشيخ
العارف بالله أبو مدين بقوله في حكمه: التوكل وثوقك بالمضمون، واستبدالك الحركة
بالسكون، وعرفه غيره بقوله: اعتمادك على مولاك ورجوعك إليه، وخروجك عن حولك
وقوتك، وانطراحك بين يديه، وقيل: اكتفاؤك بعلم الله فيك(١) عن تعلق القلب بسواه،
ورجوعك في كل الأمور إلى الله :
وكل إلى ذاك الجمال يشير
عباراتنا شتى وحسنك واحد
كذا في شرح الحكم المذكورة لعمي الشيخ العارف بالله أحمد بن علان الصديقي .
وفي شرح مسلم للمصنف اختلفت عبارات السلف والخلف في حقيقة التوكل؛ فحكى
الإِمام أبو جعفر الطبري وغيره عن طائفة من السلف أنهم قالوا: لا يستحق اسم التوكل إلا
من لم يخالط قلبه خوف غير الله من سبع أو عدو، حتى لا يطلب الرزق ثقة بضمان الله
رزقه، وقالت طائفة: هو الثقة بالله، والإِيقان بأن قضاءه نافذٌ واتباع سنة نبيه بَّرَ، والسعي
فيما لا بد منه من مطعم ومشرب، والتحرز من العدو كما فعله الأنبياء صلوات الله وسلامه
عليهم. قال القاضي عياض: وهذا المذهب هو اختيار الطبري وعامة الفقهاء، والأول
مذهب بعض المتصوفة وأصحاب علم القلوب والإِشارات، وذهب المحققون منهم إلى نحو
(١) لعله بك. ش.

٢٦٤
كتاب: دليل الفالحين
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (١): ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ
وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَمَا زَادَهُمْ إلَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾.
وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ
فَاخْشَوْهُمْ، فَزَادَهُمْ إِيمَاناً، وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ
وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ، وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾.
مذهب الجمهور، ولكن لا يصح عندهم التوكل مع الالتفات والطمأنينة إلى الأسباب، بل
فعل الأسباب سنة الله وحكمته والثقة بأنها لا تجلب نفعاً ولا تدفع ضراً والكل من الله. هذا
كلام القاضي. وقال القشيري: اعلم أن التوكل محله القلب، وأما الحركة بالظاهر فلا تنافي
توكل القلب. بعد ما تحقق العبد أن التقدير من فعل الله عز وجل؛ فإن تعسر شيء فبتقديره،
وإن تيسر شيء فبتيسيره. وقال سهل بن عبد الله: التوكل في الاسترسال مع الله على
ما يريد. وقال أبو عثمان الحيري: التوكل الاكتفاء بالله تعالى مع الاعتماد عليه اهـ.
(قال الله تعالى: ولما رأى المؤمنون الأحزاب) من الكفار (قالوا: هذا ما وعدنا الله
ورسوله) من الابتلاء والنصر (وصدق الله ورسوله) في الوعد (وما زادهم) ذلك (إلا إيماناً)
تصديقاً بوعد الله (وتسليماً) لأمره.
(وقال تعالى: الذين) بدل من الذين قبله أو نعت له (قال لهم الناس) أي نعيم بن مسعود
الأشجعي (إن الناس) أبا سفيان وأصحابه (قد جمعوا لكم) الجموع ليستأصلوكم (فاخشوهم)
ولا تأتوهم (فزادهم) ذلك القول (إيماناً) تصديقا بالله ويقينا (وقالوا حسبنا الله) كافينا أمرهم
(ونعم الوكيل) المفوض إليه الأمر هو، وخرجوا مع النبي { 18، فوافوا سوق بدر الذي كان واعد
النبي ◌َّ كفار قريش يوم أحد عليه، وألقى الله الرعب في قلب أبي سفيان وأصحابه فلم
يأتوا، وكان مع الصحابة تجارات فباعوا وربحوا قال تعالى: (فانقلبوا) رجعوا من بدر (بنعمة
من الله وفضل) بسلامة وربح (لم يمسسهم سوء) من قتل أو جرح (واتبعوا رضوان الله)
بطاعته وطاعة رسوله في الخروج (والله ذو فضل عظيم) على أهل طاعته. وقد بسطت الكلام
في هذه الآية في كتاب الجهاد من شرح الأذكار.
(١) سورة الأحزاب، الآية: ٢٢ .
(٢) سورة آل عمران، الآيتان: ١٧٣، ١٧٤.

٢٦٥
٧ - باب: في اليقين والتوكل
وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى (٣): ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾.
وَالآياتُ فِي الْأُمْرِ بِالتََّكُلِ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ .
وَقَالَ تَعَالَى (٤): ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ : أَيْ كَافِيهِ .
(وقال تعالى: وتوكل) فيه إشارة لشرف التوكل، وأوجبه بعضهم مطلقاً والظاهر وجوبه
باعتبار لا مطلقاً. أما التوكل بطرح الأسباب والاكتساب، فهو من شأن أهل الكمال، وهو المندوب.
وفي المفهم للقرطبي : المتوكلون على حالين: الحال الأول حال المتمكن في التوكل، فلا
يلتفت إلى شيء من الأسباب بقلبه ولا يتعاطاها إلا بحكم الأمر، والحال الثاني حال غير
المتمكن، وهو الذي يقع له الالتفات إلى الأسباب أحياناً، غير أنه يدفعها عن نفسه بالطرق
العلمية، والبراهين القطيعة والأذواق الحالية، فلا يزال كذلك إلى أن يرقيه تعالى بجوده إلى
مقام المتمكنين، ويلحقه بدرجات العارفين اهـ. (على الحي الذي لا يموت) فيه إشارة إلى
أن من توكل على غير الله فقد ضاع؛ لأن الغير يموت، والعاقل لا ينبغي له أن يتوكل على
من يموت ويفنى. وقال بعضهم: الاعتماد على الغنى غايته الفقر، والاعتماد على القوة
آخره الضعف، والاعتماد على الخلق هو طريق الخذلان، ومن اعتمد على سوى الله وتوكل
على غيره فقد ضيع وقته وخاب سعيه؛ لأن الحي الذي لا تجري عليه فنون العوارض دعاك
إليه بألطف دعواه فقال: ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت﴾(٥) (وقال تعالى: وعلى الله) لا
على غيره (فليتوكل المؤمنون) إذ هو الحي القيوم. (وقال تعالى: فإذا عزمت) على إمضاء
ما تريد بعد المشاورة (فتوكل على الله) أي ثق به لا بالمشاورة (والآيات في الأمر بالتوكل
كثيرة معلومة).
(وقال تعالى:) في فضل التوكل وثمراته (ومن يتوكل على الله فهو حسبه. أي كافيه -
(١) سورة الفرقان، الآية: ٥٨.
(٢) سورة إبراهيم، الآية: ١١ .
(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٥٩.
(٤) سورة الطلاق، الآية: ٣.
(٥) سورة الفرقان، الآية: ٥٨.

٢٦٦
كتاب : دليل الفالحين
وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتُ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ
عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ .
والآياتُ فِي فَضْلِ التَّوَكُّلِ كَثِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ .
وَأَمَّا الأَحَادِيثُ:
٧٤ - فَالْأَوَّلُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَيِّ: ((عُرِضَتْ عَليَّ
الْأُمَمُ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ والرَّجُلانِ، وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ
وقال تعالى: إنما المؤمنون) أي: الكاملو الإِيمان (الذين إذا ذكر الله) أي: وعيده (وجلت)
خافت (قلوبهم) وقيل: ﴿إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾(٢) فزعت لذكره استعظاماً له وتهيباً من
جلاله (وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً) تصديقاً. وإسناد الزيادة للآيات من الإِسناد
للسبب (وعلى ربهم يتوكلون) يفوضون أمرهم إليه ولا يخشون ولا يرجون إلا إياه والآيات
في فضل التوكل وثمراته كثيرة معروفة - وأما الأحاديث النبوية في فضل التوكل.
٧٤ - (ف) الحديث (الأول) منها (عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال
رسول الله وسلم: عرضت) بالبناء للمفعول (عليَّ) بتشديد التحتية (الأمم) وفيه كمال شرفه،
وعرض جميع الأمم عليه صلوات الله وسلامه عليه، ولعل من حكمة ذلك ما قيل: أنه
مبعوث لجميع بني آدم من آدم فمن دونه، والأنبياء إنما هم نواب عنه في تبليغ الشرائع
لأولئك الأمم، وهذا العرض يحتمل أن يكون مناماً، ورؤيا الأنبياء وحي، أو في اليقظة ليلة
الإِسراء أو غيرها، والله يكرم نبيه بما شاء (فرأيت) أبصرت إن كانت يقظة، أو رأي حلمية إن
كانت مناماً (النبي) أل فيه للماهية، أي: المتصف بالنبوة، ويظهر أن المراد به الرسول (ومعه
الرهيط) بضم المهملة وفتح الهاء وسكون التحتية آخره طاء مهملة أيضاً، وفي مختصر
القاموس الرهط، ويحرك قوم الرجل وقبيلته، أو من ثلاثة أو سبعة إلى عشرة، أو ما دون
العشرة وما فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه، جمعه أرهط وأرهاط وأراهط. قلت: الرهط
من الرجال ما دون العشرة، وقيل: إلى الأربعين اهـ. والجملة في محل الحال؛ لتصديرها
بالواو، بناء على أن رأي الحلمية لا تنصب مفعولين، وأن المنصوب الثاني بعدها في محل
الحال، وهو الذي رجحه ابن هشام في بعض كتبه (والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي)
حال كونه (ليس معه أحد) فإن قلت: النبي هو المخبر عن الله للخلق، فأين الذين أخبرهم،
(١) سورة الأنفال، الآية: ٢.
(٢) سورة الأنفال، الآية: ٢.

٢٦٧
٧ - باب: في اليقين والتوكل
أَحَدٌ، إذْ رُفِعَ لِي سَوادٌ عَظِيمٌ، فَظَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ،
وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الََّفُقِ. فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لي: انْظُرْ إلَى الْأَفْقِ الآخَرِ
فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمَّتُكَ وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفاً يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ
حِسَابٍ وَلاَ عَذَابٍ)»
قلت: ربما أخبر ولم يؤمن به أحد، ولا يكون معه إلا المؤمن (إذ رفع) بالبناء للمفعول (لي
سواد) أي: أشخاص وهو كما في مختصر القاموس الشخص، ومن البلدة قراها، والعدد
الكثير من أهلها ومن الناس عامتهم اهـ. ولذا قال القرطبي: أي أشخاص كثيرة، ويجمع
على أسودة (عظيم) لكثرته (فظننت أنهم) أي: السواد الذي هو الأشخاص، وباعتباره جمع
الضمير العائد إليه (أمتي فقيل لي هذا) أي: السواد العظيم (موسى وقومه) أي: أمته
المؤمنون (ولكن انظر إلى الأفق) بضم الهمزة والفاء وبسكونها كما في الصحاح. وعبارته
الآفاق النواحي، الواحد أفق وأفق مثل عسر وعسر انتهت، وبالقاف(١) الناحية. وجوز
الحافظ السيوطي أن يكون الأفق واحداً وجمعاً، كالفلك، ويجمع أيضاً على آفاق (فنظرت
فإذا سواد عظيم فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر فإذا سواد عظيم) أي: غير السواد الأول، إذ
النكرة إذا أعيدت كانت الثانية غير الأولى غالباً (فقيل لي: هذه) أي: مجموع السوادين
العظيمين (أمتك) أي: المؤمنون كما تقدم نظيره (ومعهم سبعون ألفاً) يحتمل أن يكون
معناه، ومن أمتك غير هؤلاء سبعون ألفاً، ويحتمل أن يكون معناه، وفي جملة هذه
((الأسودة)) سبعون ألفاً (يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب) ويؤيد الاحتمال الثاني رواية
البخاري في صحيحه: ((هذه أمتك ويدخل الجنة من هؤلاء سبعون ألفاً)) فالسبعون ألفاً من
أمته بلا شك. (وعذاب) بفتح المهملة وبالذال المعجمة، وفي نسخة (عقاب) بكسر
المهملة وبالقاف وجملة: (يدخلون الجنة) الخ. صفة أو حال من سبعون، لتخصيصه
بالظرف قبله. فإن قلت: هل يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب وإن كانوا أصحاب
معاصي ومظالم؟ قلت: الذين كانوا بهذه الأوصاف الأربعة المذكورة في الحديث؛ لا
يكونون إلا عدولاً مطهرين من الذنوب، أو ببركة هذه الصفات يغفر الله لهم ويعفو عنهم (ثم
نهض) لر قبل بيان السبعين المذكورين (فدخل منزله فخاض) بالخاء والضاد المعجمتين
أي: تكلم (الناس) والمراد منهم الصحابة وتناظروا (في) تعيين (أولئك الذين يدخلون الجنة
بغير حساب ولا عذاب) وفي البخاري: فأفاض الناس وهو بمعناه يقال: أفاض الناس في
(١) عطف على قوله بضم الهمزة والفاء وبسكونها، وما بينهما اعتراض. ع

٢٦٨
كتاب: دليل الفالحين
ثُمَّ نَهَضَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَخَاضَ النَّاسُ فِي أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرٍ
حِسَابٍ وَلَ عَذَابٍ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ صَحِبُوا رَسُولَ اللّهِ وَهِ،
وَقَالَ بَعْضُهُمِ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلاَمِ فَلَمْ يُشْرِكُوا بِاللَّهِ. وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ،
فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ وَ فَقَالَ: ((مَا الَّذِي تَخُوضُونَ فِيهِ؟)) فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: هُمُ
الَّذِينَ لَا يَرْقُونَ وَلاَ يَسْتَرْقُونَ وَلاَ يَتَطَيُّونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَكَّلُونَ))، فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ
الحديث إذا تباحثوا فيه وناظروا عليه وتناظروا، وفي الحديث إباحة المناظرة في العلم،
والمباحثة في نصوص الشرع على جهة الاستفادة وإظهار الحق (فقال بعضهم: فلعلهم
الذين صحبوا رسول الله وَل38) أي: السابقون الذين صحبوه وقاموا بنصرة الدين، وهجروا
الأهل والأوطان لذلك (وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا) بالبناء للمفعول (في الإِسلام)
أي: وإن لم يرهم ◌َّله وفضلهم ما أشاروا إليه بقولهم (فلم يشركوا بالله) فيه دليل على شرف
المسلم أصالة على من كان كافراً ثم أسلم، ويدل له ما ذكره الفقهاء في تقديم من دخل آباؤه
في الإِسلام، على من تأخر آباؤه في الدخول فيه في الإِمامة (وذكروا أشياء) من الاحتمالات
في التعيين (فخرج عليهم رسول الله وَّة) أي: عقب خوضهم في ذلك، كما تشعر به الفاء،
إراحة لهم من الخوض فيما لا سبيل لهم لمعرفته إلا من جهته وَ لّ (فقال: ما الذي تخوضون
فيه فأخبروه فقال: هم الذين لا يرقون ولا يسترقون) أي: يطلبون الرقية لهم من الغير، وقد
اختلف العلماء في هذا المقام مع ورود السنة، فعلاً وإذناً بجواز الرقية والاسترقاء، والذي
رجحه المصنف والقرطبي وغيرهما من ذلك، ما قاله الخطابي وغيره: أن المراد ترك ذلك
توكلا ورضاً بقضاء الله تعالى وبلائه، قال الخطابي: وهذه من أرفع درجات المتحققين
بالإِيمان، قال وإلى هذا ذهب جماعة سماهم، قال المصنف: وحاصله أن هؤلاء كمل
تفويضهم إلى الله تعالى، فلم يسعوا في دفع ما أوقعه بهم، ولا شك في رجحان هذه الحال
وفضيلة صاحبها، وأما تطببه وير فلبيان الجوازاهـ وقال القرطبي: الرقي والاسترقاء، ما كان
منه برقي الجاهلية أو بما لا يعرف؛ فواجب اجتنابه على سائر المسلمين، واجتنابه حاصل
من أكثرهم، فلا يكون اجتناب ذلك هو المراد هنا، ولا اجتناب الرقي بأسماء الله تعالى
وبالمروي عن رسول الله وَ ل#، لأن ذلك التجأ إلى الله تعالى، قال: ويظهر لي - والله
أعلم - أن المقصود اجتناب رقي خارج عن القسمين، كالرقيا بأسماء الملائكة والأنبياء
والصالحين، كما يفعله كثير ممن يتعاطى الرقيا فهذا ليس من قسم المحظور الذي يعم
اجتنابه، ولا من قبيل الرقيا التي فيها اللجأ إلى الله تعالى، فهذا القسم المتوسط يلحق بما

٢٦٩
٧ - باب: في اليقين والتوكل
مُحْصَنٍ فَقَالَ: أَدْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ: ((أَنْتَ مِنْهُمْ)) ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ
فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ: ((سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ))
يجوز فعله، غير أن تركه أولى من حيث إن الرقى بذلك تعظيم، وفيه تشبيه للرقي به بالرقي
بأسمائه تعالى وكلماته، فينبغي اجتنابه، كاجتناب الحلف بغير الله تعالى ا هـ (ولا يتطيرون)
أي: يتشاءمون بالطيور ونحوها مما يتشاءم به، أي: لا يرجعون عما عزموا عليه عند وجود
ما جرت به عادة الجاهلية من التطير به، والوقوف عن الفعل معه من الجوائح والسوائح،
وسيأتي في هذا بسط (وعلى ربهم) لا على غيره في سائر أحوالهم (يتوكلون) وهؤلاء هم
القائمون بأعلى مقام التوكل بترك الأسباب، وعدم معاطاتها رضا بتصرف المولى فيهم،
واكتفاء تدبيره تعالى عن تصرف كل وتدبيره (فقام عكاشة بن محصن) بكسر الميم وسكون
المهملة الأولى وفتح الثانية، ابن حرثان، بضم المهملة وسكون المهملة بعدها مثلثة وبعد
الألف نون، ابن قيس بن مرة بن كثير بن غنم بن داود بن أسد بن خزيمة (الأسدي) بفتح
أوليه وبالمهملتين. حليف بني عبد شمس، وكان عكاشة من أفاضل الصحابة وخيارهم
وشجعانهم، له ببدر المقام المشهور، وذلك أنه ضرب بالسيف في الكفار حتى انقطع،
فأعطاه وير جزل حطب فأخذه فهزه في يده فعاد سيفاً صارماً فقاتل به حتى فتح الله على
المسلمين، وكان ذلك السيف يسمى العون، ولم يزل عنده يشهد به المشاهد مع
رسول الله * حتى قتل عكاشة وهو معه، وقتل في قتال أهل الردة في خلافة أبي بكر الصديق
رضي الله عنه، قتله طليحة بن خويلد الأسدي، هذا قول أهل السير، وقال سليمان التيمي :
أرسله رسول الله وَّه إلى بني أسد سرية، فقتله طليحة، قال ابن الأثير: وهو وهم، وإنما
قاله لقرب الحادثة من عهد رسول الله وَل﴿، وكان عكاشة يوم توفي رسول الله وَلير، ابن أربع
وأربعين سنة، وكان من أجمل الرجال اهـ. وقال ◌َله: ((منا خير فارس في العرب)) قالوا:
ومن هو يا رسول الله؟ قال: ((عكاشة بن محصن)) - رضي الله عنه - ولقوة يقينه وشدة حرصه
على الخير ورغبته فيما عند الله تعالى سبق الصحابة كلهم (فقال: ادع الله لي أن يجعلني منهم
فقال: أنت منهم) يحتمل كونه منهم لدعائه ويّاير له بذلك، ويحتمل لكونه كان موصوفا بتلك
الأوصاف الجميلة، ويحتمل أنه أوحي إليه بأنه منهم وفي جملتهم، والله أعلم بحقيقة
الحال. ثم رأيت الكرماني نقل الأول قولاً عن بعضهم (ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن
يجعلني منهم فقال:) له لما لم يكن عنده ما عند عكاشة من تلك الأحوال الشريفة (سبقك
بها) أي: في الفضل بالدعوة إلى منزلة أصحاب هذه الأوصاف (عكاشة) وکره أن يقول له:

٢٧٠
كتاب: دليل الفالحين
مُتَّفَقْ عَلَيْهِ. وَ((الرُّهَيْطُ)) بضمِّ الراءِ: تصغير رهطٍ، وهم دون عشرة أَنْفُسِ،
و ((الأُمُقُ)) النَّاحِيَةُ وَالْجَانِبُ. وَ((عُكَّاشَةُ)) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْكَافِ وَبِتَخْفِيفِهَا
وَالتَّشْدِيدُ أَفْصَحُ(١).
٧٥ _ الثَّانِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَيْضَاً أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ كَانَ يَقُولُ:
لست من أهل هذه الطبقة، لأنه لكمال فضله لا يواجه أحداً بما يكره، فجاء بكلام موفٍ
للغرض وفيه التعريض بالمراد. قال الكرماني: قيل: يحتمل أن يكون سبقكك عكاشة بوحي
أنه يجاب فيه، ولم يحصل ذلك للآخر وقال القرطبي: لئلا يطلب كلٌّ مثل ما طلب عكاشة
فسد الباب بحسن ذلك الجواب، وهذا أولى مما قيل: كان ذلك الرجل منافقاً لوجهين:
أحدهما أن الأصل في الصحابة الإِيمان والعدالة، فلا يظن بأحد منهم خلاف الأصل، ولا
يسمع منه ذلك إلا بالنقل الصحيح، والثاني أنه قل أن يصدر مثل هذا السؤال من منافق، إذ
لا يصدر غالباً عن تصديق صحيح ويقين بما عند الله تعالى اهـ. قلت: قد صرح الخطيب
بأن ذلك الرجل سعد بن عبادة كما نقله عنه الكرماني، وبه يبطل ذلك القول (متفق عليه)
ورواه أحمد بنحوه وليس فيه ذكر عكاشة (والرهيط بضم الراء) المهملة أوله وسكون التحتية
(تصغير رهط) بفتح فسكون (وهم دون عشرة أنفس) سبق بيان الأقوال فيه، والخلاف في
ذلك (والأفق الناحية والجانب) عطف مرادف. ففي الصحاح الجانب: الناحية، وكذا الجنبة
(وعكاشة بضم العين) المهملة (وتشديد الكاف) قال في القاموس: بوزن رمانة (وبتخفيفها)
قال القرطبي : قال ثعلب: وقد تخفف. قلت: ولعله منقول من عكاشة بالتخفيف اسم لبيت
النمل، أو مأخوذ من عكش الشعر يعكش إذا التوى اهـ. (والتشديد أفصح).
٧٥ - الحديث (الثاني: عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً) منصوب على المصدرية،
وقيل: على الحالية كلمة تقال للاتفاق بين الشيئين معنى، ويمكن الاستغناء بأحدهما عن
الآخر، وقد ثبت نطقه وَلاير بها كما في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما وقد بسطت الكلام
فيها في باب فضل الذكر من شرح الأذكار، والمعنى هنا أروي الحديث الثاني رجوعاً
للرواية، أو حال كوني راجعاً للرواية. عن ابن عباس (أن رسول الله وَلية) بفتح الهمزة في
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الطب، باب: من اكتوى أو كوى غيره (١٣٠/١٠، ١٣١).
وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب
ولا عذاب. (الحديث: ٣٧٤).

٢٧١
٧ - باب: في اليقين والتوكل
((اللَّهُمَ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ؛.
اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لَا إلَهَ إلَّ أَنْتَ أَنْ تُضِلَِّ، أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لا تَمُوتُ، وَالْجِنُّ
وَالإِنْسُ يَمُوتُونَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ وَاخْتَصَرَهُ الْبُخَارِيُّ(١).
تأويل مصدر مبتدأ مخبر عنه بالظرف السابق (كان يقول: اللهم) أي: يا الله (لك) لا لغيرك"
كما يؤذن به تقديم الظرف (أسلمت) قال ابن عبد البر: استسلمت لحكمك وأمرك، وسلمت
ورضيت وآمنت وصدقت وأيقنت اهـ. (وبك) أي: بذاتك وما يجب لها من أوصاف الكمال
(آمنت) أي: صدقت (وعليك توكلت) ركنت إليك في سائر الأمور، وخرجت عن تدبيري
لنفسي وحولي وقوتي اكتفاءً بما سبقت به الإِرادة وجرت به الأقدار (وإليك أنبت) من الإِنابة
الرجوع، وتختص بالرجوع إلى الخير، كما في التمهيد لابن عبد البر. أي: رجعت إلى
عبادتك والإقبال على ما يقرب منك. وقيل: رجعت بالتوبة واللجأ والذلة والمسكنة، وقيل:
رجعت إليك في تدابير الأمور وتصاريفها، فيكون بمعنى: وعليك توكلت (وبك) أي: بما
أعطيتني من البرهان والحجج القولية، أو بالنصرة ونحوها من الحجج الفعلية (خاصمت)
أعداء الدين فقصمت ظهورهم بالبراهين القوية، وقطعت دابرهم بالسيوف والرماح السمهرية
(اللهم إني أعوذ) اعتصم والتجىء (بعزتك) أي: بقوتك وقدرتك وسلطانك وغلبتك
(لا إله إلا أنت) جملةً معترضةً لتأكيد العزة والاعتصام بحبله تعالى وقوله (أن تضلني) أصله
من أن تضلني، متعلق بأعوذ، وحذف الجار من أن وأن قياسٌ مطردٌ، وتضلني بضم الفوقية
من الإضلال (أنت الحي) على الدوام (القيوم) بفتح القاف وتشديد التحتية، القائم بتدبير
الخلق وحفظه (الذي لا يموت) بالتحتية نظراً لكونه صلة للذي، وبالفوقية نظراً لضمير
الخطاب قبله، وهو كالتأكيد لما قبله، لأن من شأن القائم بالتدبير والحفظ ألا يموت؛ لأن
من لا يحفظ حياة نفسه كيف يحفظ حياة غيره (والجن) أي: الشامل للملك (والإِنس)
أي: وأتباعهم من الحيوانات والحشرات (يموتون) فيه تنبيه على سبب التوكل عليه ورد الأمر إليه
دون غيره، وهو أن غيره يموت ويضمحل شأنه ويفوت، والتوكل إنما هو على الحي الذي
لا يموت، فمن اعتز بغير الله ذل، ومن اهتدى بغير هدايته ضل، ومن اعتصم بالله تعالى
وتوكل عليه عز وجل (متفق عليه) ورواه النسائي أيضاً (وهذا) المذكور (لفظ مسلم) في
روايته (واختصره البخاري) فقال: عن ابن عباس أن النبي وَير كان يقول: ((أعوذ بعزتك
(١) أخرجه البخاري في كتاب: التوحيد، باب قول الله تعالى وهو العزيز الحكيم: (الحديث: ٦٩٤٨).
وأخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: التعوذ من شر ما عمل ومن شر
ما لم يعمل. (الحديث: ٦٨).

٢٧٢
كتاب : دليل الفالحين
٧٦ - الثَّالِثُ عِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيضاً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: ((حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامِ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَها مُحَمَّدٌ لَّهَ حِينَ قَالُوا: إِنَّ
النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوهُمْ، فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)) رَوَاهُ
لا إله إلا أنت أنت الذي لا تموت والجن والإنس يموتون)).
٧٦ - الحديث (الثالث: عن ابن عباس رضي الله عنهما) قال القاري في شرح الحصن
الحصين: إنه موقوف خلاف ما أورده الشيخ، يعني ابن الجزري. قلت: وكأنه لما رأى أن
الحديث في حكم المرفوع سكت عليه اعتماداً على أنه مرفوع في بعض طرقه اهـ (قال:
حسبنا الله ونعم الوكيل) تقدم الكلام في معناه أول الكتاب (قالها إبراهيم عليه السلام حين
ألقي في النار) في تفسير القرطبي قال ابن إسحاق : - بعد ذكر المنجنيق - وما هيؤوه من
الحطب فضجت السموات والأرض ومن فيهن من الملائكة وجميع الخلق - إلا الثقلين -
ضجة واحدة: ربنا إبراهيم ليس في أرضك أحد يعبدك غيره، فبك فأذن لنا في نصرته فقال
تعالى: إذ استعان بشيء منكم أو دعاه فلينصره، فقد أذنت له في ذلك، وإن لم يدع غيري
فأنا أعلم به، وأنا وليه. فلما أرادوا إلقاءه في النار أتاه خازن الماء وهو في الهوي، فقال: يا
إبراهيم إن أردت أخمدتُ النار بالماء. فقال: لا حاجة لي فيك. فأتاه ملك الريح فقال: لو
شئت طيرت النار. فقال: لا. ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: ((اللهم أنت الواحد في السماء
وأنا الواحد في الأرض ليس أحد يعبدك غيري، حسبي الله ونعم الوكيل)). ثم ذكر باقي
القصة (وقالها محمد ◌َّ حين قالوا) أي: قال الناس له وَ ل# (إن الناس قد جمعوا لكم
فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) قضية هذا أن يكون الذين الواقع أول
الآية وضمائر الجمع بعده مما أريد به الواحد، وهو النبي ◌َّر، فيكون نظير قوله تعالى:
﴿أم يحسدون الناس﴾ (١) فإن المراد منه النبي وهو، وكذلك الناس في قوله تعالى: ﴿قال
لهم الناس﴾(٢) فإن المراد منه كما تقدم أول الباب: نعيم بن مسعود، لكن تقدم أول الباب
أن المراد من الذين وما بعده، الصحابة. وذلك الذي ذكره السيوطي في تكملته لتفسير
الجلال المحلي، ولا مخالفة، فلعل ابن عباس اقتصر عليه لأنه الأصلَ المتبوع ◌َا﴾ (رواه
(١) سورة النساء، الآية: ٥٤.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٧٣ .

٢٧٣
٧ - باب: في اليقين والتوكل
الْبُخَارِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ لَّهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: ((كَانَ آخِرَ قَوْلٍ
إبْرَاهِيمَ وََّ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ))(١).
٧٧ - الرَّابِعُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَ: ((يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَقْوَامٌ
أَفْئِدَتُهُمْ مِثْلَ أَفْئِدَةِ الطَّيْرِ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قِيل مَعْنَاهُ: مُتَوَكِّلُونَ. وَقِيلَ: قُلُوبُهُمْ رَقِيقَةٌ (٢).
البخاري) والنسائي أيضاً (وفي رواية له) أي: البخاري (عن ابن عباس رضي الله عنهما
قال: كان آخر قول إبراهيم صلى الله على نبينا وعليه وعلى سائر النبيين وسلم) هكذا ينبغي
أن يقال عند ذكر باقي الأنبياء (حين ألقي في النار حسبي الله) أي: بالأفراد، وقد جاء ذلك
عن ابن إسحاق في السيرة كما تقدم، أي: محسبي أي كافي الله (ونعم الوكيل) فهو من
عطف الجملة الخبرية على مثلها. قال السيوطي في التوشيح لأبي نعيم في المستخرج: إنها
أول ما قاله، فلعلها أول شيء قاله وآخر شيء قاله، وقد بسطت الكلام في إعرابها وما فيه
في أوائل شرح الأذكار، وذكرت خلاصة أوائل هذا الشرح الحديث.
٧٧ - (الرابع: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ◌َّ قال: يدخل الجنة) ظاهره مع
الفائزين، كما يدل عليه سياقه في مقام المدح لهم، ولا فجميع أهل الإِيمان يدخلون الجنة
بوعد الله الذي لا يخلف (أقوام) جمع، واحده قوم، وفي مفردات الراغب كما تقدم: القوم
جماعة الرجال في الأصل دون النساء، ولذا قال تعالى: ﴿لا يسخر قوم من قوم ... ولا نساء
من نساء﴾(٣) وفي عامة القرآن أريد به الرجال والنساء. اهـ وظاهر أن ما نحن فيه من قبيل
الثاني (أفئدتهم) في مختصر القاموس: الفؤاد القلب مذكراً، أو هو ما يتعلق بالمرء من كبد
ورثة وقلب، وجمعه أفئدة. اهـ وفي كتاب الإِيمان من شرح مسلم للمصنف المشهور، أن
الفؤاد: هو القلب. وقيل: الفؤاد داخل القلب. أي: الطبقة القابلة للمعاني من المعلوم
وغيرها (مثل أفئدة الطير) جمع طائر، ويقع على واحد وجمعه طيور وأطيار (رواه مسلم)
ورواه أحمد (قيل معناه) أقوام (متوكلون) ففي الحديث الآتي: ((لو اتكلتم على الله حق
اتكاله لرزقكم كما يرزق الطير)). وفيه إشارة إلى أنها لما لم تتسبب للأرزاق بتدابيرها،
يسر الله وصول الرزق إليها مع ضعفها وقلة حيلتها (وقيل: قلوبهم رقيقة) أي: فهي أسرع
فهماً وقبولاً للخير وامتثالاً له.
(١) أخرجه البخاري في كتاب التفسير/ آل عمران. باب إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم (١٧٢/٨).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير.
(الحديث: ٢٧).
(٣) سورة الحجرات، الآية: ١١.

٢٧٤
كتاب : دليل الفالحين
٧٨ - الْخَامِسُ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ وَّهِ قِبَلَ نَجْدٍ فَلَمَّا قَفَلَ
رَسُولُ اللهِ وَهِ قَفَلَ مَعَهُمْ فَأَدْرَكَتْهُمْ الْقَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاءِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِه
وَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلّونَ بِالشَّجَرِ، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَ تَحْتَ سَمُرَةٍ فَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ،
وَنِمْنَا نَوْمَةً فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَدْعُونَا وَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٍّ فَقَالَ: ((إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ
٧٨ - الحديث (الخامس: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه) وتقدمت ترجمته في باب
الإِخلاص (أنه غزا مع النبي ( 18) تقدم في باب التوبة عدة غزواته بير وسراياه وما حارب فيه
بنفسه، وهذه رواية عنه بالمعنى وإلا فإنما قال: غزوت بتاء المتكلم (قبل نجد) هو لغة:
ما ارتفع من الأرض وهي هنا اسم خاص لما دون الحجاز، والمراد بها: ذات الرقاع،
وكانت في السنة السادسة (فلما قفل) بفتح أوليه القاف والفاء أي: رجع من سفره
(رسول الله ◌َّ*) (قفل) أي: جابر (معه) أي: مع النبي ◌َّر، وفي نسخة معهم. أي: مع
النبي 8* وصحبه المجاهدين معه التابعين له (فأدركتهم القائلة) أي: الظهيرة، في
الصحاح، وقد تكون بمعنى القيلولة أيضاً، وهي النوم في الظهيرة (في واد كثير العضاه)
بكسر العين المهملة وبالضاد المعجمة (فنزل رسول الله (18) أي: صار في المنزل وترك
السير للحر (وتفرق الناس عنه يستظلون بالشجر) يستترون بها، كما في الصحاح علة
لتفرقهم عنه في ذلك المكان، حتى انفرد ◌ّل#، ووصل إليه ذلك العدو الذي لولا عصمة الله
لنبيه لفتك به (ونزل رسول الله ◌َ لل تحت سمرة فعلق) بالتشديد (بها سيفه ونمنا نومة) علة
لما تقدم أيضاً، والنوم من تعب السفر مع حر الشمس، ولذا استحبت القيلولة (فإذا
رسول الله ◌َّ* يدعونا وإذا عنده أعرابي) منسوب للأعراب، وهم سكان البوادي، والعرب
يعمهم ويعم سكان القرى كما تقدم، وهذا الأعرابي من بني محارب الذين خرج مية
لحربهم في غزوة ذات الرقاع. قال العلماء: اسمه غورث بغين معجمة وثاء مثلثة والغين
مضمومة ومفتوحة، وحكى القاضي عياض الوجهين، ثم قال: الصواب الفتح. قال: وضبطه
بعض رواة البخاري بالعين المهملة، والصواب المعجمة والخطابي قال: هو غورث أو
غويرث على التصغير، والشك وهو غورث بن الحارث. قال القاضي: وجاء في حديث آخر
مثل هذا الخبر، وسمي فيه الرجل دعثور، كذا في شرح مسلم للمصنف. قال: أين سيد
الناس في عنوان الأثر: وذلك في غزوة ذي قرد. اهـ. لكن في البخاري كما يأتي أنها في
ذات الرقاع، وكذا قال ابن النحوي في شرح البخاري. وفي شرح الشفاء لابن أقبرس: أن
قصة غورث معه في ذات الرقاع في السنة الرابعة، وقد أسلم بعد هذا وصحب النبي ومَّ

٢٧٥
٧ - باب: في اليقين والتوكل
عَلَيَّ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتاً قَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قُلْتُ:
اللَّهُ. ثَلَاثً))، وَلَمْ يُعاقِبْهِ وَجَلَسَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ جَابِرٌ: كُنَّا مَعَ
رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ بِذاتِ الرِّفَاعِ،
اهـ. فلعلها تعددت، فيجمع بين الأقوال بتعدد الغزوة وتعدد الأعرابي. وقضية كلام
البخاري في المغازي من صحيحه، أن ذات الرقاع يقال لها ذو قرد والله أعلم. (فقال إن
هذا اختراط على سيفي وأنا نائم) وفي سيرة ابن سيد الناس عن جابر (أن النبي ولو كان
جالساً، وأن السيف كان في حجره وهّ فقال: يا محمد، انظر إلى سيفك هذا. قال: نعم.
فأخذه واستله، ثم جعل يهزه ويهم بقتل النبي ◌َّرَ، فيكبته الله. ثم قال: يا محمد، أما
تخافني؟. قال: ما أخاف منك. قال: وفي يدي السيف. قال: لا يمنعني الله منك)
الحديث: وظاهر أن ما في الصحيح مقدم على ما في غيره (فاستيقظت) أي: عقب اختراطه
قبل تمكنه من الفتك به، ويحتمل أن يكون بعد تمكنه من الفتك به، وعصم الله تعالى نبيه
وكبت عدوه (وهو في يده صلتا) حال (قال) أي: الأعرابي مخاطباً للنبي وَّ (من يمنعك
مني) استفهام يتضمن النفي، كأنه قال: لا مانع لك مني. ظن لقصور نظره أن السيف هو
القاتل، ولم يدر أن الله هو الفاعل، وأنه يحول بين المرء وقلبه (فقلت: الله) أي: يمنعني
منك؛ فيكون مبتدأ محذوف الخبر بقرينة وجوده في السؤال، ويحتمل أن يكون التقدير
يمنعني الله، فيكون فاعلاً حذف عامله لما ذكر فيما قبله (ثلاثاً) الظاهر أنه قيد في الجواب
فقط، وكأنه سير أعاد هذا اللفظ ثلاثاً تلذذً به، ولغلبة توحيده وكمال شهوده؛ لم ينزعج قلبه
الشريف، بل كان على حاله المنيف في أن قرة عينه في مشاهدته لمولاه ومناجاته. ويحتمل
أنه كرر قوله: من يمنعك. فكرر ◌ّ قوله: الله في جوابه وقد وقع في نسخة من البخاري من
يمنعك مني من يمنعك مني، فكررها مرتين. (و) من يَّر و (لم يعاقبه) ففيه العفو والحلم،
ومقابلة السيئة بالحسنة (وجلس) أي: النبي ◌َّر من اضطجاعه الذي كان عليه حال نومه،
فيكون حالاً من مفعول يدعونا(١)، وعليه اقتصر الشيخ زكريا أو جلس الأعرابي من قيامه
الذي كان عليه؛ حال اختراط السيف لأمنه (متفق عليه) في السيرة لابن سيد الناس عن جابر
أن في ذلك نزل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هَمَّ قوم أن
يبسطوا إليكم أيديهم﴾ (٢) الآية (وفي رواية للبخاري قال جابر: كنا مع رسول الله وَليل بذات
الرقاع) أي: بغزوة ذات الرقاع، وسميت بذلك لأنهم رقعوا فيها راياتهم، ويقال: ذات
(١) لعله: من فاعل يدعونا. ش
(٢) سورة المائدة، الآية: ١١ .

٢٧٦
كتاب : دليل الفالحيز
فَإِذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ تَرَكْنَاهَا لِرَسُولِ اللّهِ وَلَ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ
الْمُشْرِكِينَ وَسَيْفُ رَسُولِ اللّهِ ﴿ مُعَلَّقٌ بِالشَّجَرَةِ، فَاخْتَرَطَهُ فَقَالَ:
تَخَافُنِي؟ قَالَ: ((لَ)) فَقَالَ: فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: ((اللَّهُ)) وفي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْر
الإسماعيليّ في صَحِيحِه قَالَ: من يَمْنَعُكِ مِنِي؟ قَالَ: اللَّهُ فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ،
فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ وَ السَّيْفَ، فَقَالَ: ((مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟)) فَقَالَ: كُنْ خَيْرَ آَخِذٍ.
فَقَالَ: ((تَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟)) قالَ: لَ، وَلَكِنِّي أُعَاهِدُكَ أَنْ
لَا أُقَاتِلَكَ وَلَا أَكُونَ مَعَ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَكَ، فَخَلَّى سَبِيلَهُ، فَأَتَى أَصْحَابَهُ، فَقَالَ: جِنْتُكُمْ
الرقاع شجرة بذلك الموضع وقيل: لأن أقدامهم نقبت فكانوا يلفون عليها الخرق، وقيل: بل
الجبل الذي نزلوا عليه كانت أرضه ذات ألوان تشبه الرقاع، وسيأتي هذا مع زيادة في سبب
التسمية وبيان تاريخ الغزوة في باب القناعة إن شاء الله تعالى (فإذا أتينا) معطوفُ على كنا
(على شجرة ظليلة) أي: ذات ظل كثيف لتراكم أغصانها وكثرة أوراقها (تركناها
لرسول الله ( *) لأنه السيد المقدم (فجاء رجل من المشركين وسيف رسول الله وال معلق
بالشجرة) جملة حالية (فاخترطه) أي: سله بسرعة (فقال: تخافني) أي: أتخافني
(فقال:) وَلجر (لا) أي: لا أخافك لعلمه بأن الفاعل المختار هو الواحد القهار. فقام الحرف
مقام جملة الجواب بقرينة وجود ما يدل عليه في السؤال (قال:) الأعرابي (فمن يمنعك مني)
أي: بالحيلولة بيني وبين ما أريد من الفتك (قال: الله) أي: الله يمنعني منك ويحول بينك
وبين ما تريد (وفي رواية أبي بكر الإسماعيلي في صحيحه) وكذا أخرجه أبو عوانة من حديث
جابر المستخرج على صحيح البخاري (فقال:) أي: الأعرابي (من يمنعك مني، قال: الله
فسقط السيف من يده فأخذ رسول الله ﴿ السيف فقال:) للأعرابي (من يمنعك) أي: من
البشر. أي: لا مانع لك الآن (مني فقال: كن خير آخذ) أي: بأن تعفو وتصفح وتقابل
السيئة بالحسنة (فقال رير: تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فقال: لا ولكن) استدراك
بما قد يوهمه عدم إسلامه من شهوده مع محاربيه ◌َّل فنفى ذلك بقوله: ولكن (أعاهدك أني
لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك) فرأى غيّر المصلحة في العفو عنه رجاء إسلام قومه
وإقبالهم على حضرته الشريفة، لما يسمعون بمحاسن هذه الأخلاق وكمال هذا الكرم،
فيسمعون منه ما يكون سبب إسلامهم وسعادتهم الأبدية (فخلى سبيله) أي: من عليه وأطلقه
من غير فداء، وفي قصة دعثور التي استظهر ابن سيد الناس وابن النحوي أنها وهذه قصة

٢٧٧
٧ - باب: في اليقين والتوكل
مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ)) قَوْلُهُ: ((قَفَلَ)): أَيْ رَجَعَ. وَالْعِضَاهُ: الشَّجَرُ الَّذِي لَهُ شَوْكٌ.
وَ ((السَّمُرَةُ)) بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّ الْمِيمِ: الشَّجَرَةُ مِنَ الطَّلْحِ، وَهِيَ الْعِظَامُ مِنْ شَجَرٍ
العِضاهِ. وَ ((اخْتَرَطَ السَّيْفَ)) أَيْ سَلَّهُ. ((وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتَ): أَيْ مَسْلُولاً. وَهُوَ
بِفَتْحِ الصَّادِ وَضَمِّها (١).
واحدة أن جبريل دفع في صدره فوقع السيف من يده، ثم أسلم ثم جاء قومه يدعوهم إلى
الإِسلام. ولعله قال هذا المذكور هنا من امتناعه من الإِسلام أولاً، ثم شرح الله صدره في
المجلس بحلول نظر المصطفى # عليه وملاحظته له فأسلم. وسكت عن ذلك رواة الصحيح
إما نسياناً أو لسبب آخر وذكره غيرهم، ويقربه قوله (فأتى أصحابه) أي: قومه الذين كان تعاقد
معهم على الفَتك برسول الله بَل (فقال: جئتكم من عند خير الناس) خَلقاً وخُلُقاً، ويكفيك
في شرف خلقه وكماله قوله تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾(٢) وسئلت عائشة عن
خلقه * فقالت: كان خلقه القرآن (قوله: قفل) بالقاف والفاء (أي رجع من السفر.
العضاه) بكسر العين المهملة والضاد المعجمة والواحدة عضه، فالهاء أصلية وقيل: عضهة
وقيل: عضاهة فحذفت الهاء الأصلية كما حذفت من الشفة ثم ردت في العضاه كما ردت في
الشفاه، وقد يقال: عضة مثل عزة ثم يجمع على عضوات، ويقرأ العضاه بالهاء وقفاً
ووصلاً؛ لأن جمعه جمع تكسير وليس بجمع سلامة، فهو مثل شفاه وشياه. كذا في التوضيح
على الجامع الصحيح لابن النحوي (الشجر الذي له شوك السمرة بفتح السين) المهملة
(وضم الميم) وبعدها راء جمعه سمر (الشجرة من الطلح) بفتح المهملة أوله وسكون اللام
بعدها مهملة وهو العوسج (وهي) أي: الطلح والتأنيث بالنظر إلى الخبر أي: قوله (العظام)
أي: الكبار (من شجر العضاه واخترط السيف أي: سله) قال ابن النحوي: بسرعة (وهو في
يده صلتاً أي: مسلولاً وهو بفتح الصاد) المهملة (وضمها) وسكون اللام فيهما قال في
جامع الأصول كالنهاية والصحاح الصلت المشهور. يقال: أصلت السيف إذا شهرته اهـ
أي: أن فعله من الثلاثي المزيد، وفي كتاب الأفعال لابن القوطية صلت الشيء برز وأصلت
الشيء أبرزته.
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: من علق سيفه بالشجرة في السفر والمغازي باب غزوة ذات
الرقاع (٧١/٦).
وأخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: بين كل أذانين صلاة. (الحديث: ٣١١).
(٢) سورة القلم، الآية: ٤ .

٢٧٨
كتاب: دليل الفالحين
٧٩ - السَّادِسُ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ يَقُولُ:
(لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصاً وَتَرُوْحُ
بِطَانًا)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيْثٌ حَسَنٌ. مَعْنَاهُ: تَذْهَبُ أَوَّلَ النَّهَارِ ((خِماصاً)): أَيْ
ضَامِرَةَ الْبُطُونِ مِنَ الْجُوعِ. وَتَرْجِعُ آخِرَ النَّهَارِ ((بِطَانً)): أَيْ مُمْتَلِئَةَ الْبُطُونِ(١).
٨٠ - السَّابِع عن أَبي عُمَارَةَ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما قالَ: قَالَ
٧٩ - الحديث (السادس: عن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَل ◌َو يقول: لو)
تحقق (أنكم تتوكلون) بفتح الهمزة أي: لو تحقق توكلكم (على الله حق توكله) بأن تعتمدوا
عليه في سائر الأحوال وتروا أن الخير بيده ومن عنده (لرزقكم كما يرزق الطير) أل فيه
للجنس (تغدو خماصاً) بكسر الخاء المعجمة وبعد الألف صاد مهملة جمع خميص وهو
الضامر البطن، وخماصاً حال أي: خالية الأجواف من القوت (وتروح بطاناً) بكسر الموحدة
جمع بطين وهو العظيم البطن وهو حال أيضاً (رواه الترمذي) وأحمد وابن ماجه والحاكم في
المستدرك (وقال:) الترمذي (حديث حسن) قال المصنف: (معناه) أي: معنى الحديث
المذكور (تذهب أول النهار خماصاً أي ضامرة البطن من الجوع) فمعنى الغدو: الذهاب
أول النهار والرواح: ضده ولذا قال في معنى قوله وتروح بطاناً (وترجع آخر النهار بطاناً أي
ممتلئة البطون) قال السيوطي في قوت المغتذى: قال البيهقي في شعب الإِيمان: ليس
في هذا الحديث دلالة على القعود عن الكسب، بل فيه ما يدل على طلب الرزق؛ لأن الطير
إذا غدت فإنها تغدو لطلب الرزق، وإنما أراد - والله أعلم - لو توكلوا على الله تعالى في
ذهابهم ومجيئهم وتصرفهم، ورأوا أن الخير بيده ومن عنده لم ينصرفوا إلا سالمين غانمين
كالطير تغدو خماصاً وتعود بطاناً، لكنهم يعتمدون على قوتهم وجلدهم ويغشون ويكذبون
ولا ينصحون، وهذا خلاف التوكل اهـ.
٨٠ - الحديث (السابع: عن أبي عمارة) بضم العين المهملة وتخفيف الراء ويقال أبو
عمرو ويقال أبو الطنبل (البراء) بفتح الموحدة وتخفيف المهملة، والمد هذا هو الصحيح
المشهور عند طوائف من أهل الحديث والتاريخ والأسماء واللغة وغيرهم. قال المصنف في
التهذيب: وحكى فيه القصر أيضاً (ابن عازب) بالمهملة أوله وبعد الألف زاي فموحدة، ابن
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: في التوكل على الله. (الحديث: ٢٣٤٤).

٢٧٩
٧ - باب: في اليقين والتوكل
رَسُولُ اللَّهِ مِ﴿: ((يَا فُلانُ إذَا أَوَيْتَ إلى فِراشِكَ فَقُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ
وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِليْكَ، وَفَوّضْتُ أَمرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتِ ظَهْرِي إِلَيك رَغْبَةً وَرَهْبَةً
إِلَيْكَ، لاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَا مِنْكَ
الحارث بن عدي بن مخدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس
الأنصاري الأوسي الحارثي المدني. أبوه عازب صحابي ذكره ابن سعد في الطبقات فلهذا
قال المصنف: (رضي الله عنهما) استصغر البراء (١) يوم بدر، وأول مشاهده أحد وشهد بيعة
الرضوان. وفي البخاري عن البراء ما جاء رسول الله وَيّ إلى المدينة مهاجراً حتى قرأت
سبح اسم ربك الأعلى في سور مثلها من المفصل. روي له عن رسول الله وَله ثلثمائة
حديث وخمسة أحاديث اتفقا على اثنين وعشرين حديثاً منها، وانفرد البخاري بخمسة عشر
ومسلم بستة. نزل الكوفة وبها توفي في زمن مصعب بن الزبير رضي الله عنهما (قال: قال
رسول الله ◌َله: يا فلان) تقدم الكلام فيه أواخر باب الصبر. هو أسيد بن حضير كما نقله
المصنف في مبهماته عن الخطيب (إذا أويت) بالقصر على الأرجح لأنه قاصر أي:
انضممت (إلى فراشك) وقد بسطت الكلام فيه باب ما يقول إذا استيقظ من منامه من شرح
الأذكار (فقل: اللهم إني أسلمت نفسي) بسكون الياء وتفتح أي: ذاتي (إليك) أي: أسلمت
وجعلت نفسي منقادة لك طائعة لحكمك راضية بقضائك قانعة بقدرك (ووجهت وجهي
إليك) أي: أقبلت بذاتي إليك مستسلماً راضياً قانعاً، وهو مع ما قبله كالإِطناب (وفوضت
أمري إليك) أي: توكلت في جميع شؤوني الدنيوية والأخروية عليك وجعلتها رجعة إليك
(وألجأت) أي: أسندت (ظهري إليك) أي: إلى حفظك، لما علمت أنه لا سند يتقوى به
سواك. قال الطيبي: في الجملة إشارة إلى أنه بعد تفويض أمره الذي هو مفتقر إليه، وبه
معاشه وعليه مدار أمره، ملتجىء إليه مما يضره ويؤذيه من الأسباب الداخلة والخارجة
(رغبة) أي: طمعاً في ثوابك (ورهبة) أي: خوفاً من عقابك (إليك) متعلق برغبةٍ. كقوله:
علفتها تبناً وماءً بارداً. كما قاله الكرماني. وقيل: بل تنازع فيه ما قبله، بمعنى: أني في حالة
الرغبة والرهبة لا أرجع إلا إليك وقوله (لا ملجأ) بهمزة مفتوحة، أي: مستند ولا من يلتجأ
إليه. وقيل: لا مخلص ولا مفر (ولا منجى) غير مهموز. وقال الحافظ ابن حجر: الأصل في
ملجأ الهمز، وفي منجى عدمه، لكن لما جمعا جاز أن يهمزا وأن يترك الهمز منهما
للازدواج، وأن يبقى كل على حاله. ويجوز التنوين مع القصر فتصير خمسة أوجه. قلت:
(١) قوله استصغر أي قيل أنه صغير السن. ع

٢٨٠
كتاب : دليل الفالحين
إلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلَت، وَبِنَبيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ. فَإِنّكَ إِنْ مُتَّ مِنْ
لَيْلَتِكَ مُتَّ عَلى الفِطْرَةِ، وإنْ أَصْبَحْتَ أَصَبْتَ خَيْراً)) مُتَّفَقٌ
وكذا يجوز التنوين مع الهمز، أي: إن لم تعمل ((لا)). فأن أعملتها فلا تنوين مهموزاً كان
أو لا (منك) قال الكرماني: تنازعه ما قبله إن كان مصدرين، وإن كان اسمي مكان فلا: إذ
اسم المكان لا يعمل (إلا إليك) أي: لا ملجأ منك إلى أحد إلا إليك، ولا منجى إلا إليك،
فهو كقوله تعالى: ﴿كلا لاوزر * إلى ربك يومئذ المستقر﴾(١) فالجملة استئناف لما قبله
بطريق الاستئناف البياني. ونصب رغبة ورهبة على العلة لما تقدم. أي: إن إسلامي نفسي .
إلخ، معلل بالرغبة والرهبة، قال الطيبي: إنه بطريق اللف والنشر المرتب. أي فوضت
أمري طمعاً في ثوابك، والجأت ظهري من المكاره إليك خوفاً من عقابك، وهو معنى
صحيح بديع. ولا يظهر قول ابن حجر في شرح المشكاة أنه خلاف الصواب، كما بينته مع
الفرق بين الرهبة والخوف والخشية والوجل في شرح الأذكار، وقيل: منصوبان على الحال،
أي راغباً وراهباً. وقيل: على الظرفية أي: في زمن تساوي الطمع والخوف الذي هو شأن
أرباب الكمال، ففي الحديث: ((لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا)) (آمنت بكتابك الذي
أنزلت) قيل: الإِضافة في كتابك للعهد أي: القرآن بقرينة المقام، والإِيمان به إيمان بسائر
الكتب ويؤيده قوله (ونبيك) من غير مراعاة الجار، ووقع في المصابيح بإعادته (الذي
أرسلت) أي: أرسلته لكافة الناس بشيراً ونذيراً، ويجوز أن يراد من الكتاب والنبي الجنس
(فإنك إن مت) بكسر الميم وضمها كما قرىء بهما في السبع إلا أن تثبت رواية بأحدهما
فيوقف عندها، ثم هو على كسرها على لغة من قال: مات يمات كخاف يخاف، وعلى
ضمها على لغة من قال: مات يموت كقال يقول، فهو بهما مبني للفاعل، ويجوز كونه على
أحدهما مبنياً للفاعل وعلى الآخر مبنياً للمفعول (من ليلتك) مع اعتقاد مضمون هذا الكلام
الذي أتيت به (مت على الفطرة) أي: على الإِيمان الذي فطر الله عليه عباده. قال تعالى:
﴿فطرت الله التي فطر الناس عليها﴾(٢) وهذا كما قال في الحديث الآخر: ((من كان آخر
كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة)) وهما إن تساويا في فطرة الإِسلام فبين الفطرتين ما بين
الحالتين، ففطرة الطائفة المذكورة في هذا الخبر فطرة المقربين، وفطرة الثانية فطرة أصحاب
اليقين ذكره القرطبي (وإن أصبحت) حياً (أصبت خيراً) أي: أجراً عظيماً وثواباً جزيلاً (متفق
(١) سورة القيامة، الآية: ١١ - ١٢ .
(٢) سورة الروم، الآية: ٣٠.