النص المفهرس

صفحات 721-740

٧٢١
٣٧١ - باب: في فضل الاستغفار
(أَبُوءُ)) بِبَاءٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ وَاوِ وَهَمْزَةٍ مَمْدودةٍ وَمَعْنَاهُ: أُقِرُّ وَأَعْتَرِفُ(١).
١٨٧٤ - وَعَنْ ثَوْبَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ ل﴿ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ
صَلَِّهِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ ثَلَاثً، وَقَالَ: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَاذَا
الْجَلَالِ وَالإِكْرامِ) قِيلَ لِلأُوْزَاعِيِّ وَهُوَ أَحَدُ رُواتِهِ: كَيْفَ الاسْتِغْفَارُ؟ قَالَ: يَقُولُ:
أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ(٢)
الذنب إلى نفسه ورغبته في المغفرة واعترافه بأنه لا يقدر أحد على ذلك إلا هو. وفي كل
ذلك إشارة إلى الجمع بين الحقيقة والشريعة، فإن تكاليف الشريعة لا تحصل إلا إذا كان في
ذلك عون من الله تعالى، وهذا القدر الذي يكنى عنه بالحقيقة، فلو اتفق أن العبد خالف
حتى يجري عليه ما قدر عليه وقامت الحجة ببيان المخالفة، لم يبق إلا أحد أمرين: إما
العقوبة بمقتضى العدل وإما العفو بمقتضى الفضل اهـ. ملخصاً. وقال المصنف: من شرط
الاستغفار صحة النية والتوجه والأدب، فلو أن أحداً حصل الشروط هل يتساويان؟
فالجواب: أن الذي يظهر أن اللفظ المذكور إنما يكون سيد الاستغفار إذا جمع الشروط
المذكورة والله أعلم (أبوء بياء) موحدة (مضمومة ثم واو) ساكنة (وهمزة ممدودة) لسكون
الواو قبلها (ومعناه أقر) بضم الهمزة وكسر القاف (وأعترف) ولذا وقع في رواية بدله واعترف
بذنوبي، وأصل البوء: معناه اللزوم، ومنه بوأه الله منزلاً أي: أسكنه فكأنه ألزمه به .
١٨٧٤ - (وعن ثوبان) بالمثلثة والموحدة المفتوحتين بينهما واو ساكنة خادم رسول الله وض لال
(رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﴿ إذا انصرف من صلاته) بالتسليم منها (استغفر الله
ثلاثاً) خضوعاً لجلال ربه وتشريعاً لأمته (وقال: اللهم أنت السلام) أي: السالم من سائر
النقائص والمنزه عنها، أو المسلم لمن شئت من الآفات والمضار (ومنك السلام تباركت يا
ذا الجلال) أي: العظمة ومنها التنزه عن النقائص (والإكرام) أي: أوصاف الجمال من الكرم
والغفر والعفو (قيل للأوزاعي وهو أحد رواته) أي: الحديث (كيف الاستغفار؟ قال: تقول
أستغفر الله أستغفر الله رواه مسلم) وتقدم في كتاب الذكر.
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الدعوات، باب: أفضل الاستغفار، (٨٣/١١ و٨٤).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته،
(الحديث: ١٣٥).

٧٢٢
١٨ - كتاب: الاستغفار
١٨٧٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِوَ هِ يُكْثِرُ أَنْ يَقولَ
قَبْلَ مَوْتِهِ: ((سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
١٨٧٦ - وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهَ، يَقُولُ: ((قَالَ
اللَّهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ
وَلَ أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنانَ السَّماءِ ثُمَّ أَسْتَغْفَرْتَنِ غَفَرْتُ لَكَ
١٨٧٥ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله وَلير يكثر أن يقول قبل موته)
أي: في ركوعه وسجوده من صلاته كما تقدم في باب الازدياد من الخير أواخر العمر، وذلك
امتثالاً لقوله تعالى: ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره﴾(٢) (سبحان الله وبحمده أستغفر الله
وأتوب إليه) أتى به تأكيداً لمضمون أستغفره وإيماء إلى اعتبارها في حصول أثره (متفق
عليه).
١٨٧٦ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَّير يقول: قال الله تعالى) فهو
من الأحاديث القدسية (يابن آدم إنك ما دعوتني) أي : بمغفرة ذنوبك كما يدل عليه السياق
أي: مدة دعائك، فهي مصدرية ظرفية، لا شرطية (و) الحال أنك قد (رجوتني) بأن ظننت
تفضلي عليك بإجابة دعائك وقبوله، إذ الرجاء تأميل الخير وقرب وقوعه (غفرت لك) ذنوبك
أي: سترتها عليك بعدم العقاب عليها في الآخرة لأن الدعاء مخ العبادة، كما ورد وروى
أصحاب السنن الأربعة ((الدعاء هو العبادة)) ثم تلا ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾(٣)
والرجاء يتضمن حسن الظن بالله وهو يقول: ((أنا عند ظن عبدي بي)) وعند ذلك تتوجه
رحمة الله للعبد، وإذا توجهت لا يتعاظمها شيء لأنها وسعت كل شيء (على ما كان منك)
من المعاصي وإن تكررت (ولا أبالي) أي: لا أكثرت بذنوبك، ولا أستكثرها وإن كثرت إذ
لا يتعاظمني شيء كما تقدم في الحديث الصحيح إذا دعا أحدكم فليعظم الرغبة فإن الله
لا يتعاظمه شيء، وإنه لا معقب لحكمه ولا مانع لفضله وعطائه سبحانه، ومعنى قوله
((لا أبالي بكذا)) أي لا يشتغل بالي به. وزاد سبحانه وتعالى هذا المقام تأكيداً مبالغة في سعة
رجاء خلقه فيما عنده من مزيد التفضل والإِنعام فقال: (يابن آدم لو بلغت ذنوبك) أي: عند
(١) أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: تفسير (إذا جاء ... ) وفي أبواب أخرى (٢٣٣/٢، ٢٤٧)
و (٨ / ٥٦٤).
وأخرجه مسلم في كتاب: الصلاة، باب: ما يقول في الركوع والسجود، (الحديث: ٢١٨).
(٣) سورة غافر، الآية: ٦٠.
(٢) سورة النصر، الآية: ٣.

٧٢٣
٣٧١ - باب: في فضل الاستغفار
وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي
شَيْئاً لأَتَيْتُكَ بِقُرابِها مَغْفِرَةً)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. ((عَنانُ السَّماءِ))
فرضها أجراماً (عنان السماء) بأن ملأت ما بينها وبين الأرض كما في الرواية الأخرى لو
أخطأتم حتى بلغت خطاياكم ما بين السماء والأرض ثم استغفرتم الله لغفر لكم (ثم
استغفرتني) أي: تبت توبة صحيحة (غفرت لك ولا أبالي) وإن تكرر الذنب والتوبة في اليوم
الواحد والذنوب، وإن تكاثرت وبلغت ما عسى تبلغ، فتلاشت عند حلمه وعفوه، فإذا
استقال منها العبد بالاستغفار غفرت لأنه طلب الإِقالة من كريم والكريم محل إقالة العثرات
وغفر الزلات. قال صاحب الفتح المبين: وما ذكرناه من أن المراد بالاستغفار التوبة لا مجرد
لفظه هو ما ذكره بعضهم وهو الموافق للقواعد بالنسبة للكبائر إذ لا يكفرها إلا التوبة بخلاف
الصغائر فإن لها مكفرات أخر كاجتناب الكبائر والوضوء والصلاة وغيرها، فلا يبعد أن يكون
الاستغفار مكفراً لها أيضاً، وينبغي أن يحمل على هذا أيضاً تقييد بعضهم جميع ما جاء في
نصوص الاستغفار المطلقة بما في آية آل عمران من عدم الإصرار، فإنه تعالى وعد فيها
بالمغفرة من استغفره من ذنوبه ولم يصر على ما فعله، قال: فيحمل نصوص الاستغفار
المطلقة كلها على هذا القيد اهـ. نعم ضم نحو أستغفر الله اللهم اغفر لي من غير توبة دعاء
فله حكمة، من أنه يجاب تارة وقد لا يجاب أخرى، لأن الإصرار قد يمنع الإِجابة كما أفاده
مفهوم آية آل عمران السابقة. فالاستغفار الكامل المسبب عنه المغفرة هو ما قارن عدم
الإصرار لأنه حينئذ توبة نصوح أما مع الإصرار فمجرد دعاء ومن قال إنه توبة الكذابين مراده
أنه ليس بتوبة حقيقية، خلافاً لما تعتقده العامة لاستحالة التوبة مع الإصرار، على أن من قال
أستغفر الله وأتوب إليه وهو مصر بقلبه على المعصية كاذب آثم لأنه أخبر أنه تائب وليس حاله
كذلك، فإن قال ذلك وهو غير مصر، بأن أقلع بقلبه عن المعصية. فقالت طائفة من السلف،
يكره له ذلك لأنه قد يعود إلى الذنب فيكون كاذباً في قوله وأتوب إليه. والجمهور على أن
لا كراهة، وذلك لأن العزم على ألا يعود إلى المعصية واجب عليه، فهو إخبار عما عزم عليه
في الحال فلا ينافي وقوعه منه في المستقبل، فلا كذب بتقدير الوقوع اهـ. ملخصاً. وفي
كلامه آخراً ما سبق عن المصنف في حديث ابن مسعود من اعتراض كلام الربيع بن خيثم،
وأن لا كذب أصلاً، وإن أيد الحافظ كلام الربيع، بل صرح به صاحب الفتح المبين. فقال:
بعد ذكر حديث ابن مسعود وهذا أبلغ ردٍ على من كره وأتوب إليه (يابن آدم إنك لو أتيتني
بقراب الأرض) سيأتي أنه أبلغ مما قبله (خطايا ثم لقيتني) في حال كونك (لا تشرك بي شيئاً)
لاعتقادك توحيدي والتصديق برسلي وبما جاءوا به (لأتيتك بقرابها) عبر بها للمشاكلة، وإلا

٧٢٤
١٨ - كتاب: الاستغفار
بفَتْحِ العَينِ قِيلَ هُوَ: السَّحَابُ، وَقِيلَ هُوَ: مَا عَنَّ لَكَ مِنْهَا: أَي ظَهَرَ.
و((قُرابُ الأَرْضِ)) بِضَم الْقَافِ، وَرُوِيَ بِكَسْرِهَا وَالضَّم أَشْهَرُ وَهُوَ: ما يُقاربُ مِلْأَهَا (١).
١٨٧٧ - وَعَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ، قَالَ: (يَا مَعْشَرَ النِّساءِ
تَصَدَّقْنَ وَأَكْثِرْنَ مِنَ الاسْتِغْفَارِ؛ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ»
فمغفرة الله أعظم وأوسع في ذلك (مغفرة) فعلم أن الإِيمان شرط في مغفرة ما عدا الشرك،
لأنه الأصل الذي ينبني عليه قبول الطاعة وغفران المعصية، وأما مع الشرك فلا أصل ينبني
عليه ذلك، فالسبب الأعظم للمغفرة هو التوحيد، فمن فقده فقد فقدها، ومن أتى به ولو
وحده بأن لم يكن له عمل خيرٍ غيره أصلاً، فقد أتى بأعظم أسبابها، لكنه تحت المشيئة
وعلى كل حال فمآله إلى الجنة وأما من كمل توحيده وإخلاصه وأتى بشرائعه وأحكامه فإنه
يغفر له ما قد سلف من ذنوبه ولا يدخل النار إلا لتحلة القسم ويرادف المغفرة العفو وفرق
بينهما بأنها لما لم يطلع عليها أحد، وهو لما اطلع عليه قال في الفتح المبين: وهو بالتحكم
أشبه (رواه الترمذي وقال: حديث حسن) تقدم في باب الرجاء الكلام على رتبة لحديث
وكذا قوله (عنان السماء بفتح العين) أي: المهملة وبالنونين (قيل هو السحاب وقيل هو
ما عن) بتشديد النون (لك منها أي: ظهر) إذا رفعت رأسك إليها (وقراب الأرض بضم
القاف وروي بكسرها والضم أشهر وهو ما يقارب ملأها) وقيل: ملؤها، قال في الفتح
المبين: وهذا أبلغ مما قبله أي: ولو بلغت ذنوبك عنان السماء، خلافاً لمن فسره بما يوهم
اتحادهما، لأن قرابها ملؤها وهو يشمل ملء ما بينها وبين السماء وملء طبقاتها السبع. وفسره
بالملء وإن كان حقيقة في قريب الملء، لأن ذلك أبلغ في سعة العفو الدال عليها السياق،
ثم رأيت بعضهم فسره بما يقتضي أنه حقيقة كل من الملء ومقاربه، فإن صح فلا إشكال
١٨٧٧ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي (وَّ قال: يا معشر) بفتح أوله وثالثه
المعجم وسكون ثانيه المهمل. قال في المصباح: المعشر والقوم والرهط والنفر: لجماعة
الرجال دون النساء اهـ. وبه تبين أن استعماله هنا مجاز أي: يا جماعة (النساء تصدقن
وأكثرن من الاستغفار) أي: اجمعن بين التطوع بالمال وبالبدن وعلل ذلك بقوله: (فإني
رأيتكن) أي: أبصرتكن بأن كشف له عنهن، لما رأى النار والجنة وما فيهما (أكثر أهل النار)
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات، باب: فضل التوبة والاستغفار وما ذكر من رحمة الله لعباده،
(الحديث: ٣٥٤٠) لكن له شاهد من حديث أبي ذر عند الدارمي: (٣٢٢/٢) وأحمد: (١٧٢/٥)

٧٢٥
٣٧٢ - باب: في بيان ما أعدّ الله تعالى للمؤمنين
قَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: مَا لَنَا أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: ((تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، مَا
رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينِ أَغْلَبَ لِذِي لُبِّ مِنْكُنَّ)) قَالَتْ: مَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ والدِّينِ؟
قَالَ: ((شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنٍ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ، وَتَمْكُتُ الأَيَّامَ لا تُصَلَّي)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
٣٧٢ - باب: في بيان ما أعدَّ اللَّه تعالى للمؤمنين في الجنة
حال من المفعول، وإن كان رأى حلمية فهو ثاني مفعوليها، ولا يخالف هذا كما تقدم حديث
إيواء الرجل من أهل الجنة على ثنتين وسبعين زوجة: ثنتان من بنات آدم لأنهن أكثر أهل
النار ابتداء وأكثر أهل الجنة انتهاء؛ أو لأنهن أكثر أهلهما بدءاً ومنتهى لكثرة النساء بالنسبة
للرجال (قالت امرأة منهن ما لنا أكثر أهل النار) حال من الظرف المستقر في الخبر (قال
تكثرن) بضم الفوقية وكسر المثلثة (اللعن وتكفرن) أي: تسترن (العشير) مزيدة في المفعول
الأول أي: معروفه أو تنسين جميله والعشير فعيل بمعنى فاعل أي: الزوج (ما رأيت من
ناقصات عقل ودين أغلب لذي) أي: صاحب (لب) أي: العقل الخالص (منكن) وذلك
لعظم كيدهن وقوة حيلهن قال تعالى: ﴿إن كيدكن عظيم﴾(٢) (قالت) أي: السائلة أولاً
(ما نقصان العقل والدين) أي: الذي فينا (قال: شهادة امرأتين بشهادة رجل) وذلك لنقص
عقلهن وقلة ضبطهن (وتمكث الأيام لا تصلي) فهذا نقص من الدين، لفقد الثواب المرتب
على فعلها؛ وإن كان لا إثم عليها في ذلك (رواه مسلم) ورواه البخاري في أبواب الحيض
بنحوه من حديث أبي سعيد الخدري وفيه قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة
الرجل؟ قلن بلى قال: فذلك من نقصان عقلها. أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن
بلى قال: فذلك من نقصان دينها .
باب بيان ما أعد أي: هيأ الله تعالى للمؤمنين
أي: والمؤمنات (في الجنة) حذف المبين إشارة إلى سعته وضيق العبارة عن بيانه.
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الحيض ، باب: ترك الحائض الصوم مع تغاير بعض الألفاظ (٣٤٥/١
و ٣٤٦).
وأخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: بيان نقصان الإِيمان ... ، (الحديث: ١٣٢)
(٢) سورة يوسف، الآية: ٢٨.

٧٢٦
١٨ - كتاب: الاستغفار
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى(١): ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيوٍ * آدْخُلُوهَا بِسَلامٍ آَمِنِينَ * وَنَزَعْنَا
ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلَّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبُ
وَمَا هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿يَا عِبادِ لَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا
بِآيَاتِنا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * آدخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْ وَاجُكُمْ تُحْبَرونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ
مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدونَ *
وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ .
(قال الله تعالى: إن المتقين في جنات) أي: بساتين (وعيون) أي: أنهار (أدخلوها) أي :
يقال لهم أدخلوها (بسلام) أي: من الآفات وقيل: مسلماً عليكم (آمنين) من المكاره
(ونزعنا ما في صدورهم من غل) حسد وحقد (إخواناً) في المودة وهو حال (على سرر
متقابلين) أي: متواجهين وهما صفتان أو حالان (لا يمسهم فيها نصب) أي: تعب
(وما هم منها بمخرجين) الباء مزيدة لتأكيد نفي إخراجهم منها المدلول عليه بالجملة.
(وقال تعالى يا عباد) حكاية لما ينادي به المتحابون المتقون (لا خوف عليكم اليوم) أي :
مما تقدمون عليه من أمر الآخرة (ولا أنتم تحزنون) على ما خلفتموه من أمر الدنيا (الذين)
منصوب على المدح (آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين أدخلوا الجنة أنتم وأزواجكم) أي :
المؤمنات (تحبرون) أي: تسرون (يطاف عليهم بصحاف) جمع صحفة (من ذهب وأكواب)
جمع كوب وهو كوز لا عروة له (وفيها) أي: الجنة (ما تشتهيه الأنفس) قال البيضاوي في
تفسير سورة الفرقان: لعله تقصر همم كل طائفة على ما يليق برتبته، إذ الظاهر أن الناقص
لا يدرك شأو الكامل بالتشهي (وتلذ الأعين) بمشاهدته وكأنه لم يعتد بمستلذات السمع
والشم والذوق في جنب مستلذات العين فلم يذكرها (وأنتم فيها خالدون) فهو من أتم النعيم
(وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون) الجنة إما خبر، والتي أورثتموها صفة لها أو
صفة والتي خبرها أو هما صفتان والظرف خبر ولا تنافي كما سبق بين هذه الآية وما سبق من
حديث ((لن يدخل أحدكم الجنة بعمله)) الحديث لما تقدم من أن دخولها بمجرد الرحمة
وتفاوت المنازل بتفاوت الأعمال، أو أن التوفيق للعمل المسبب عنه دخولها من رحمة الله
ومنته (لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون) يبقى بعضها أبداً لا يجد شجرة عريانة من الثمر.
(١) سورة الحجر، الآيات: ٤٥ - ٤٨.
(٢) سورة الزخرف، الآيات: ٦٨ - ٧٣ .

٧٢٧
٣٧٢ - باب: في بيان ما أعدّ الله تعالى للمؤمنين
وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِنْ
سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ * كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِين * يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ
أَمِنِينَ * لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إلَّ الْمَوْتَةَ الأَولىْ وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * فَضْلاً
مِنْ رَبِّكَ ذُلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ .
وَقَالَ تَعَالَى(٢): ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ
نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقِ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتْنَافَسِ
الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْناً يُشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ .
(وقال تعالى: إن المتقين في مقام) موضع إقامة (أمین) یأمن صاحبه فيه عن كل مكروه وبين
مآكلهم ومشاربهم بقوله (في جنات وعيون) ولباسهم بقوله (يلبسون) خبر ثان أو حال أو
استئناف (من سندس) مارق من الحرير (وإستبرق) ما غلظ منه (متقابلين) لا يجلس بعض
منهم وظهره إلى غيره لأنس بينهم (كذلك) أي: الأمر كذلك أو إتيانهم مثل ذلك
(وزوجناهم) قرناهم (بحور عين) الحور النساء النقيات والعين عظيمة العين (يدعون فيها
بكل فاكهة) يأمرون بإحضار أنواع الفواكه (آمنين) من كل مكروه (لا يذوقون فيها الموت)
بل حياتهم أبدية (إلا الموتة الأولى) أي: لكن ذاقوها في الدنيا. قيل: الاستثناء للمبالغة فإن
الغرض الإِعلام بأنهم لا يذوقون الموت كأنه قال: ولو فرضنا ذوق الموت في الجنة لما ذاق
إلا الموتة الأولى، وذوق تلك الموتة محال لأنها ماضية فالذوق محال (ووقاهم عذاب
الجحيم فضلاً) أي: إعطاء كل ذلك (من ربك ذلك هو الفوز) الظفر (العظيم - وقال تعالى -
فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز. وقال تعالى: إن الأبرار) جمع بر بفتح الموحدة
(لفي نعيم على الأرائك) على السرر في الحجاب (ينظرون) إلى ملكهم ونعيمهم أو إلى
الله وإلى عدوهم كيف يعذبون (تعرف في وجوههم نضرة) أي: بهجة (النعيم) ورونقه
(يسقون من رحيق) خمر خالص (مختوم) بختم أوانيه إكراماً لهم كعادة الملوك (ختامه
مسك) أي: تختم الأواني مكان المسك مكان الطين أو مقطعة عن الفم وآخره مسك
(وفي ذلك فليتنافس) فليرتقب (المتنافسون) المرتقبون، وفي الحديث المرفوع ((أيما مؤمن
سقى مؤمناً شربة على ظمأ سقاه الله يوم القيامة من الرحيق المختوم (ومزاجه) أي: ما تمزج
(١) سورة الدخان، الآيات: ٥١ - ٥٧ .
(٢) سورة المطففين، الآيات: ٢٢ - ٢٨.

٧٢٨
١٨ - كتاب: الاستغفار
والآيات في الْبَابٍ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ .
١٨٧٨ - وَعَنْ جَابِرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِهِ: ((يَأْكُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ
فِيهَا وَيَشْرَبُونَ وَلاَ يَتَغَوَّطُونَ وَلاَ يَمْتَخِطُونَ وَلاَ يَبِولُونَ؛ وَلَكِنَّ طَعَامَهُمْ ذَاكَ جُشاءً
كَرَشَحِ الْمِسْكِ يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ والتَّكْبِيرَ كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَسَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
به تلك الخمر للأبرار (من تسنيم عينا) هو عين في الجنة (يشرب بها المقربون) صرفا .
وتمزج للأبرار. ونصب عيناً على المدح أو الحال والباء في بها يحتمل كونها بمعنى من، أو
زائدة أو ضمن الفعل معنى يروى أو يلتذ وفي ختم المصنف الآيات الموردة في كتابه بهذه
الآية حسن الختام، وفيه إيماء إلى أن الأبرار يشربون مياه الشريعة الممزوجة من بحار
الكتاب بأنهار السنة (والآيات في الباب) أي: ما أعده الله من النعيم في الجنة للمؤمنين
(كثيرة معلومة).
١٨٧٨ - (وعن جابر رضي الله عنه: قال قال رسول الله وسلم يأكل أهل الجنة فيها ويشربون)
تنعماً لا من حاجة بهم إلى ذلك كما في الدنيا (ولا يتغوطون) من الأكل (ولا يمتخطون)
أي: لا يسيل شيء من آنافهم (ولا يبولون) من الشراب (ولكن طعامهم ذاك جشاء) بضم
الجيم وبالشين المعجمة بعدها مدة أي: يخرج منهم بالتجشي (كرشح المسك) أي: يرشح
على أبدانهم رشحاً طيب العرق كرشح المسك. قال ابن الجوزي: لما كانت أغذية أهل
الجنة في غاية اللطافة والاعتدال، لم يكن فيها أذى ولا فضلة تستقذر، بل يتولد عن تلك
الأغذية أطيب ريح وأحسنه (يلهمون) بصيغة المجهول للعلم بالفاعل (التسبيح والتكبير)
يحتمل أن يرادا بخصوصهما وأن يراد بالأول يقدسون الباري عما لا يليق به، والثاني يثنون
عليه بأوصافه ونعوت كماله (كما يلهمون النفس) بفتح أوليه أي: أنهم يأتون بالذكر لا على
وجه التكليف لأن الجنة ليست محله. بل على وجه الترفه والالتذاذ ويصير لا كلفة عليهم فيه
كما لا كلفة عليهم في النفس. وقال القرطبي : وجه التشبيه أن تنفس الإِنسان لا كلفة عليه
فيه ولا بدله منه، فجعل تنفسهم تسبيحاً وسببه أن قلوبهم تنورت بمعرفة الرب وامتلأت بحبه
ومن أحب شيئاً أكثر من ذكره (رواه مسلم) قال الحافظ المزي في الأطراف: أخرجه مسلم
في صفة الجنة عن عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم كلاهما عن جرير. وعن أبي
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: في صفات الجنة وأهلها وتسبيحهم فيها بكرة
وعشياً، (الحديث: ١٩).

X
٧٢٩
٣٧٢ - باب: في بيان ما أعدّ الله تعالى للمؤمنين
١٨٧٩ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ فَهِ: ((قَالَ اللَّهُ
تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَ عَيْنٌ رَأَتْ، وَلاَ أُذُنْ سَمِعَتْ وَلَ خَطَرَ عَلَى
قَلْبِ بَشَرِ، واقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: (١) ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسُ مَا أُخْفِي لَهُمْ مِنْ قُرَّةٍ أَعْيُنِ﴾
مُتَّفَقَ عَلَيْهِ(٢)
١٨٨٠ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهَ وَ﴿ه: ((أَوَّلُ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ
الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمْرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ كَوْكَبِ دُرِّيٍّ
بكر بن أبي شيبة وأبي كريب عن أبي معاوية عن الأعمش. وأخرجه أبو داود في السنن عن
عثمان عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قاله في الأطراف
١٨٧٩ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ( قال الله تعالى: أعددت)
أي: هيأت (لعبادي) المخصوصين بشرف الإِضافة إليه ولذا وصفهم بقوله (الصالحين) أي:
القائمين بحقوق الله تعالى وحقوق العباد (ما لا عين رأت ولا أذن سمعت) الصلة لا النافية
للجنس، وفي مثله الأوجه الخمسة السابقة في لا حول ولا قوة إلا بالله لتكرر لا غير أن
الرواية برفعهما (ولا خطر) أي: مر (على قلب بشر واقرءوا) مصداق ذلك (إن شئتم فلا
تعلم نفس) نكرة في سياق النفي فتعم كل مسمى بها (ما) أي الذي (أخفي) بصيغة
المجهول كما تقدم آنفاً وقرىء بسكون الياء مضارع أو ماض مبني للمجهول سكن تخفيفا
كما خفف مسكن بعض المنقوص المنصوب وقدر فيه الفتحة (لهم من قرة أعين أحد)
الظرفين نائب الفاعل(٣) على كون الفعل مبنيًاً للمجهول، والثاني حال من قرينه المجهول
وكلاهما حالان على كون الفعل مضارعاً. وصاحب الحال عليه الموصول. (متفق عليه).
٠٠٠٠٠٠
١٨٨٠ - (وعنه قال: قال رسول الله ( أول زمرة) بضم الزاي أي جماعة (يدخلون الجنة
على صورة القمر ليلة البدر ) أي: ليلة الرابع عشر وسمي بذلك لأنه يبدر طلوعه غروب
الشمس وطلوعها غروبه، والمراد تشبيههم في الإضاءة والإِشراق (ثم الذين يلونهم على)
(١) سورة السجدة، الآية: ١٧.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: بدء الخلق، باب: ما جاء في صفة الجنة وفي كتاب التفسير، تفسير
السجدة، (٢٣٠/٦).
وأخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب :
(الحديث: ٢)
(٣) الظاهر أن نائب الفاعل ضمير الموصول. ع

٧٣٠
١٨ - كتاب: الاستغفار
فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لَا يَبُولُونَ، وَلاَ يَتَغَوَّطُونَ، وَلاَ يَتْفُلُونَ، وَلاَ يَمْتَخِطُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ،
وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، وَمَجَامِرُهُمُ الْأَلَّوَّةُ (عُودُ الطِّيبِ) أَزْ وَاجُهُمُ الْحُورُ الْعَيْنُ،
صورة (أشد كوكب دري) في صحيح البخاري الدري، هو النجم الشديد الإضاءة وقال
الفراء: هو النجم العظيم المقدار. قال في الفتح بضم الدال وكسر الراء المشددة بعدها
تحتية ثقيلة وقد تسكن وتعقبها همزة ومد، وقد تكسر الدال على الحالين. فتلك أربع لغات
ثم قيل المعنى مختلف فبالتشديد كأنه منسوب إلى الدر لبياضه وضيائه وبالهمز كأنه مأخوذ
من درأ أي: دفع لاندفاعه عند طلوعه. ونقل ابن الجوزي: عن الكسائي تثليث الدال
فبالضم نسبة إلى الدر وبالكسر الجاري وبالفتح اللامع (في السماء) صفة كوكب (إضاءة)
تمييز لأشد (لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يمتخطون) جاء في رواية عند البخاري
ولا يسقمون قال في الفتح: قد اشتمل ذلك على نفي جميع صفات النقص عنهم (أمشاطهم
الذهب) جمع مشط مثلث الميم والأفصح ضمها. وجاء في رواية أخرى أمشاطهم الفضة
وكأنه اكتفى بذكر إحداهما عن الأخرى. ويؤيده حديث أبي موسى مرفوعاً جنتان من ذهب
آنيتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما الحديث متفق عليه (ورشحهم المسك
ومجامر هم الالوة) العود الذي يتبخر به كما قال (عود الطيب) قيل جعلت مجامرهم نفس
العود لكن في رواية البخاري وقود مجامرهم الألوة ففي هذه الرواية تجوز. والمجامر جمع
مجمرة وهي المبخرة سميت مجمرة لوضع الجمر فيها، ليفوح به ما يوضع فيها من البخور
والألوة بفتح الهمزة، ويجوز ضمها وبضم اللام وتشديد الواو وحكى ابن التين كسر الهمزة
وتخفيف الواو والهمزة أصلية. وقيل زائدة. قال الأصمعي: أراها فارسية معربة. وقد يقال
إن رائحة العود إنما تفوح بوضعه في النار ولا نار في الجنة. ويجاب باحتمال أن يشعل بغير
نار بقول كن. وإنما سميت مجمرة باعتبار ما كان في الأصل. ويحتمل أن يشعل بنار لا ضرر
فيها ولا إحراق، أو يفوح بغير إشعال. قال القرطبي وقد يقال أي: حاجة لهم إلى المشط
وهم مرد وشعورهم لا تتسخ وأي حاجة لهم إلى البخور وريحهم أطيب من المسك. قال:
ويجاب بأن نعيم أهل الجنة من أكل وشرب وكسوة وطيب ليس عن ألم من جوع أو ظمأ
أو عرى أونتن، وإنما هي لذات متتالية ونعم متوالية. والحكمة في ذلك أنهم ينعمون بنوع
ما كانوا يتنعمون به في الدنيا وقال النووي: مذهب أهل السنة أن تنعم أهل الجنة على هيئة
تنعم أهل الدنيا إلا ما بينهما من التفاضل في اللذة. ودل الكتاب والسنة على أنه نعيم
لا انقطاع له اهـ. ملخصاً من الفتح (أزواجهم الحور العين) أي: زيادة على زوجتين من

٧٣١
٣٧٢ - باب: في بيان ما أعدّ الله تعالى للمؤمنين
عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةٍ أَبِيهِمْ آدَمَ سِتُّونَ
ذِرَاعَاً فِي السَّمَاءِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ: ((آنِيَتُهُمْ
فِيهَا الذَّهَبُ، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، وَلِكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ يُرَى
مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ مِنْ الْحُسْنِ، لَا أَخْتِلَفَ بَيْنَهُمْ،
بنات آدم كما يأتي في الرواية بعده (على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم) أي: هيئته
إن كان بفتح المعجمة وإن كان بضمها فالمعنى على صفته وطريقته (ستون ذراعاً عافي
السماء) هذا يؤيد فتح الخاء المعجمة أي: ذلك طول آدم وطولهم كذلك فيها (متفق عليه
وفي رواية للبخاري ومسلم) الأخصر لهما (آنيتهم فيها الذهب) أي: والفضة كما تقدم
لحديث أبي موسى السابق فيه، ولحديث الطبراني بإسناد قوي عن أنس مرفوعاً ((إن أدنى
أهل الجنة درجة لمن يقوم على رأسه عشرة آلاف خادم بيد كل واحد صحيفتان واحدة من
ذهب والأخرى من فضة)) الحديث (ورشحهم) أي: عرف ما يرشح من أبدانهم (المسك
ولكل واحد منهم زوجتان) قال في الفتح أي: من نساء الدنيا فقد روى أحمد من وجه آخر
عن أبي هريرة مرفوعاً في صفة أدنى أهل الجنة منزلة، وإن له من الحور العين اثنتين وسبعين
زوجة سوى أزواجه في الدنيا، وفي سنده شهر بن حوشب وفيه مقال، ثم أورد أحاديث
مختلفة في قدر عدد الزوجات اللاتي يمنحهن المؤمن في الجنة. ثم قال، قال ابن القيم:
ليس في الأحاديث الصحيحة زيادة على زوجتين سوى ما في حديث أبي موسى ((إن للمؤمن
في الجنة لخيمة من لؤلؤ له فيها أهلون يطوف عليهم. ثم اعترضه بأن في صحيح الضياء عن
ابن عباس ((إن الرجل من أهل الجنة ليفضي إلى مائة عذراء)) رواه الطبراني. وبأن في
حديث أبي سعيد عند مسلم في صفة أدنى أهل الجنة ثم تدخل عليه زوجتاه. والذي يظهر
أن المراد أن أقل ما لكل واحد منهم زوجتان. وقد أجاب بعضهم باحتمال كونه التثنية للتكثير
والتعظيم، نحو: لبيك وسعديك ولا يخفى ما فيه اهـ. كلام الفتح ملخصاً. قال المصنف:
كذا وقع زوجتان بتاء التأنيث وهي لغة تكررت في الأحاديث. والأشهر خلافها وبه جاء
القرآن. وذكر أبو حاتم السجستاني أن الأصمعي كان ينكر زوجة ويقول إنما هي زوج
فأنشدناه قول الفرزدق.
كساع إلى أسد الشرى يستتلها
وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي
قال فسكت ثم ذكر له شواهد أخرى (يرى مخ سوقهما من وراء اللحم) جاء في رواية
في البخاري زيادة والعظم والمخ بضم الميم وتشديد المعجمة: ما في داخل العظم.

٧٣٢
١٨ - كتاب: الاستغفار
وَلَا تَبَاغُضَ، قُلُوبُهُمْ قَلْبُ وَاحِدٍ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيّاً)). قَوْلُهُ ((عَلَى خَلْقِ
رَجُلٍ)) رَوَاهُ بَعْضُهِم بِفَتْحِ الخَاءِ وَإِسْكَانِ اللامِ وَبَعْضُهُمْ بِضِمِّهما وَكِلاهُما صَحيحٌ
١٨٨١ - وَعَنِ الْمُغَيْرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ هِ، قَالَ: ((سَأَلَ
مُوسَى وَ﴿ رَبَّهُ:
والمراد به وصفها بالصفاء البالغ، وإن ما في داخل العظم لا يستتر بالعظم واللحم والجلد.
ووقع عند الترمذي لیری بیاض ساقها من وراء سبعین حلة حتی یری مخه. ونحوه لأحمد من
حديث أبي سعيد وزاد ينظر وجهه في خدها أصفى من المرآة. وبين سبب رؤية محاسنها
بقوله: (من) أي: بسبب (الحسن) في الخلق ولطف البدن (لا اختلاف بينهم) وفي نسخة
بينهما (ولا تباغض قلوبهم قلب واحد) أي: رجل في رواية الأكثر بالإِضافة وللمستملى قلب
واحد بالتنوين وهو من التشبيه البليغ أي: كقلب رجل واحد وفسره بقوله لا اختلاف بينهم
ولا تباغض. وفي رواية ((لا تحاسد بينهم ولا اختلاف)) أي: إن قلوبهم طهرت من مذموم
الأخلاق (يسبحون الله بكرة وعشياً) أي: قدرهما. قال القرطبي: هذا التسبيح ليس عن
تكليف وإلزام وقد فسره بما تقدم في حديث جابر بقوله ((يلهمون التسبيح)) كما يلهمون
النفس. ووجه الشبيه قد وقع في خبر ضعيف أن تحت العرش ستارة معلقة فيه ثم تطوى فإذا
نشرت كانت علامة البكور وإذا طويت كانت علامة العشي (قوله على خلق رجل واحد رواه
بعضهم بفتح الخاء) المعجمة (وسكون اللام وبعضها بضمها) أي: المعجمة
وضم اللام فالأول اسم للصورة المدركة بالبصارة والثاني اسم
للمعاني المدركة بالبصيرة (وكلاهما صحيح) قال المصنف في شرح مسلم:
ذكر في الكتاب أي: مسلم اختلاف ابن أبي شيبة وأبي كريب في ضبطه فابن أبي شيبة يرويه
بضم الخاء واللام وأبو كريب بفتح الخاء وإسكان اللام وكلاهما صحيح وقد اختلف فيه رواة
صحيح البخاري أيضاً وترجح الضم بقوله في الحديث ((لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم
قلب واحد)) وقد يرجح الفتح بقوله ◌َ ◌ّ في تمام الحديث على صورة آدم أبيهم اهـ.
١٨٨١ - (وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه عن رسول الله وسلم قال: سأل موسى وض له ربه
(١) أخرجه البخاري في كتاب: بدء الخلق، باب: ما جاء في صفة الجنة وفي الأنبياء، باب: خلق آدم
وذريته، (٢٣٠/٦ و٢٣٢)
وأخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: أول زمرة تدخل الجنة ... ، (الحديث:
١٥)

٧٣٣
٣٧٢ - باب: في بيان ما أعدّ الله تعالى للمؤمنين
مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَمَا أُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ
الْجَنَّةَ، فَيُقَالَ لَهُ: أَدْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ كَيْفَ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ،
وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ؟ فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلَكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيا؟
فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ، فَيَقُولُ في
الْخَامِسَةِ: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ،
وَلَذَّتْ عَيْنُكَ، فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ. قَالَ: رَبِّ فَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً! قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ
أَرَدْتُ غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي وَخَتَّمْتُ عَلَيْهَا، فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَحْ أُذُنَّ، وَلَمْ
ما أدنى) أي: أنزل (أهل الجنة منزلة) تمييز (قال: هو رجل يجيء بعد مما أدخل أهل الجنة
الجنة) الفعل في الأصول المصححة مضبوط بالماضي المبني للمجهول وأهل الجنة نائب
فاعله ولو روي بالمضارع للمتكلم ونصب المفعولين لكان مستقيماً (فيقال له أدخل الجنة)
يمكن المخاطب له الله تعالى كما يومىء إليه قوله (فيقول أي رب) لا أدري لهذا
القرب(١) (كيف) أي: دخولي فيها المدلول عليه بالسياق (وقد نزل الناس منازلهم) أي :
فيها وما أبقوا لغيرهم منزلاً (وأخذوا أخذاتهم) بفتح أوليه (فيقال له أترضى أن يكون لك مثل
ملك) بضم فسكون (ملك) بفتح فكسر وبيه وبين ما قبله الجناس المحرف (من ملوك الدنيا)
صفة الملك والتقييد به لكونه معروفاً للمخاطب (فيقول رضيت رب) حذف حرف النداء
إيجازاً مسارعة لذكر الرب (فيقول لك ذلك) أشير إليه مع قربه بما يشار به للبعيد تفخيماً
وتعظيماً وعطف على المبتدأ قوله (ومثله ومثله ومثله ومثله) أي: منضماً لما رضيت به زيادة
عليه مبالغة في التفضيل (فيقول في الخامسة رضيت رب) الرضا مقول بالتشكيك فحصل
بالأولى أدناه كما حصل بالخامسة أعلاه (فيقول هذا) أي: المذكور من مثل ملك الملك
والمتعاطفات بعده (لك وعشرة أمثاله ولك) زيادة على ذلك (ما اشتهت نفسك ولذت
عينك) وهذا شامل لكل أحد من أهل الجنة، قال تعالى ﴿وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ
الأعين﴾(٢) (فيقول رضيت رب) أي: زيادة في الرضا (قال) أي: موسى (رب فأعلاهم
(١) كذا ولعله (نادى بأي لاجل القرب). ع
(٢) سورة الزخرف، الآية: ٧١ .

٧٣٤
١٨ - كتاب: الاستغفار
يَخْطُرْ عَلَى قَلْبٍ بَشَرٍ) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
منزلة قال) أي: الله تعالى (فأولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي) أي: بمحض القدرة
من غير توسط ملك ولا غيره زيادة في كرامتهم (وختمت عليها) لئلا يراها غيرهم بمالغة فيما
ذكر (فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر) أي ما أعددت لهم من الكرامة
لعدم وجود شيء مما ذكر لأحد منهم (رواه مسلم. وعن أبي هريرة(٢) رضي الله عنه أن
رسول الله وَ ل﴿ قال: لقاب قوس أحدكم) في المصباح القاب ما بين مقبض القوس والسية،
ولكل قوس قابان. والسية بكسر المهملة وتخفيف التحتية طرفها المنحني، وكان رؤية
يهمزه، والعرب لا تهمزه اهـ. أي: هذا القدر (من الجنة) لنفاسته ولدوامه وبقائه (خير مما
تطلع) بضم اللام (عليه الشمس وتغرب) أي: مما في الدنيا أجمع لأن ذلك وصفها (متفق
عليه) رواه البخاري في أبواب الجنة. (وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله مح لل قال: إن
في الجنة سوقاً) أتى بالمؤكد لتردد المخاطبين في ثبوت ذلك بما سمعه بعضهم من أهل
الكتاب، فالتردد ناسب التوكيد والسوق مؤنث معنوي سمي به لسوق الناس بضائعهم إليها
أو لقيامهم فيها على ساق، أو لتزاحم الساقات فيها (يأتونها كل جمعة) أي: في قدرها
(فتهب) بضم الهاء وتشديد الموحدة (ريح الشمال) بفتح المعجمة وتخفيف الميم (فتحثو
في وجوههم وثيابهم) حذف المحثو إيماء إلى تعميم جميع أنواع الكمال التي يجول في
الخاطر وجودها ثمة، فلذا قال: عقبه (فيزدادون حسناً وجمالاً فيرجعون إلى أهليهم) بالياء
جمع سلامة مع فقده بعض شروط الجمع الحق به في إعرابه (وقد ازدادوا حسناً وجمالاً)
جملة حالية من فاعل يرجعون (فيقول لهم أهلوهم) أي: عند وقوع نظرهم عليه كما يدل
عليه الفاء الدالة على التعقيب (والله لقد ازددتم حسناً وجمالاً) كان التأكيد لإنكار
المخاطبين، ذلك لعدم رؤياه له في أنفسهم، فيذعنون عند ذلك وينظرون إلى أهليهم
فيرونهم زيدوا كذلك (فيقولون) عطف على قول أزواجهم (وأنتم) قدمه على القسم اهتماماً
به (والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً) أتوا بالقسم لتردد المخاطبين به في ثبوته، وفيه إيماء
إلى أن الجمال متزايد في الجنة شيئاً بعد شيء بعضه عن شبه صوري وبعضه هكذا (رواه
مسلم) في أبواب الجنة من صحيحه.
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها، (الحديث: ٣١٢).
(٢) هذا الحديث والذي يعده مكرران مع ما يأتي في نسخ الشرح وأما في نسخ المتن فلم يذكرا إلا فيما
یأتي . ع

٧٣٥
٣٧٢ - باب: في بيان ما أعدّ الله تعالى للمؤمنين
١٨٨٢ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنِّي لَأَعْلَمُ
آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجَاً مِنْهَا وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخولاً الْجَنَّةَ: رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ
حَبْواً فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيَأْتِيَهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَّى،
فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلْأَى؟ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ،
فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّها مَلْأَى، فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَجَدْتُها مَلْأَى، فَيَقُولُ اللَّهُ
عَزَّ وَجَلَّ لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا، أَوْ إِنَّ لَكَ مِثْلَ
عَشَرَةٍ أَمْثَالِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ بِي أَوْ تَضْحَكُ بِي وَأَنْتَ الْمَلِكُ)) قَالَ:
فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿: ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ فَكَانَ يَقُولُ: ((ذَلِكَ أَدْنَى أَهْلِ
١٨٨٢ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ لل إني لأعلم آخر أهل النار
خروجاً منها وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة رجلاً) قيل هو جهينة كما ذكره الشيخ زكريا في
تحفة القاري (يخرج من النار حبواً) بفتح المهملة وسكون الموحدة. ولمسلم ((زحفاً)) وهو
بوزنه ومعناه (فيقول الله عز وجل له) بعد إخراجه من النار (اذهب فادخل الجنة) أمر إباحة
(فيأتيها فيخيل إليه) بضم التحتية وتأنيث فاعله (أنها ملأى) بفتح همزة أن، وملأى بوزن
فعلي من الملء، وألف التأنيث فيها مقصودة (فيرجع) أي منها لمحل مناجاته لله تعالى
(فيقول يا رب وجدتها ملأى) من لازم فائدة الخبر، لأن الله تعالى لا يخفى عليه شيء
(فيقول الله عز وجل له اذهب فادخل الجنة فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها، أي مضموماً
إلى مثلها (أو) للشك من الراوي في أنه قال ما ذكر أو قال: (إن لك مثل عشرة أمثال الدنيا)
فالمشكوك فيه زيادة المثل الحادي عشر. وهذا أعلى مما ذكر في الحديث قبله، فلعل من
في ذلك مع كونه أدنى يدخلها قبل من في هذا الحديث وإن أعطي أعلى (فيقول أتسخر بي
أو) شك من الراوي (تضحك بي) ضمنه معنى تسخر فعداه بالباء. قال القاضي عياض: وقع
منه هذا القول وهو غير ضابط لما قال: إذا وله عقله من السرور بما لم يخطر بباله. وقال
القرطبي : استخفه الفرح وأدهشه فقال ذلك (وأنت الملك) جملة حالية والملك بفتح فكسر
وهو أبلغ من المالك إذ كل ملك مالك ولا عكس (قال) أي: ابن مسعود (فلقد رأيت
رسول الله وَ ر ضحك) جملة حالية بتقدير قد قبلها وقوله (حتى بدت نواجذه) غاية لضحك
فإن غالب ضحكه التبسم، بحيث لا يبدو منه إلا المتبسم، وإذا اقتضى المقام ضحك حتى
تبدو النواجذ. وتقدم في باب الأمر بالمحافظة على السنة: أنها الأنياب. وقيل: آخر

٧٣٦
١٨ - كتاب: الاستغفار
الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
١٨٨٣ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ لَ﴿َ، قَالَ: ((إِنَّ لِلْمُؤْمِنِ في
الْجَنَّةِ لَخَيْمَةٌ مِنْ لُؤْلُؤةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ طُولُها في السَّماءِ سِتُّونَ مِيلًا، لِلْمُؤْمِنِ فِيهَا
أَهْلُونَ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنُ فَلَ يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضَاً)) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. ((الْمِيلُ)) سِنَّةُ
آلافٍ ذِرَاعٍ (٢).
١٨٨٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النّبِيِّ وَهَ، قَالَ: ((إِنَّ في
الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ .
الأضراس وهو ضرس الحلم. وقيل الأضراس كلها وقيل ما بين الضرس والناب، وقيل غير
ذلك مما تقدم بعضه (فكان يقول ذلك أدنى أهل الجنة منزلة) أي: من أدنى ولا ينافيه قوله
((أدنى)) لأن الأدنى متفاوت في الرتبة، أو أن هذا مقول على وجه التضعيف، وذاك مجزوم به
فذاك مقدم عليه (متفق عليه).
١٨٨٣ - (وعن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صل قال: إن للمؤمن في الجنة لخيمة)
بفتح المعجمة وسكون التحتية. قال المصنف: بيت مربع من بيوت الأعراب (من لؤلؤة)
بهمزتين واللام مضمومة فيهما (واحدة) تأكيد لمدلول التاء من الوحدة (مجوفة) هكذا في
عامة نسخ مسلم بالفاء. قال القاضي عياض: ورواه السمرقندي بالموحدة وهي المثقوبة
وهي بمعنى المجوفة (طولها في السماء ستون ميلاً) وفي أخرى لمسلم عرضها ستون ميلاً.
قال: المصنف: ولا معارضة بينهما فعرضها في مساحة أرضها وطولها في السماء أي: في
العلو متساويان (للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم) أي بعض
الأهلين (بعضاً) إما لمزيد سعتها وكمال تباعد ما بينهم، وإما بستر ذلك عن الآخرين لحكمة
تقتضيه (متفق عليه) رواه مسلم بهذا اللفظ (الميل ستة آلاف ذراع) هو ما جرى عليه
بعضهم، والذي عليه الفقهاء في باب صلاة المسافر أنه ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة.
١٨٨٤ - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ثم قال: إن في الجنة شجرة
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: صفة الجنة والنار وفي التوحيد، (٣٨٦/١١)
وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: آخر أهل النار خروجاً، (الحديث: ٣٠٨).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: بدء الخلق باب صفة الجنة وفي تفسير الرحمن وفي التوحيد (٤٧٩/٩)
وأخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: في صفة قيام الجنة وما للمؤمنين
(الحديث: ٢٣).

٧٣٧
٣٧٢ - باب: في بيان ما أعدّ الله تعالى للمؤمنين
يَسيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادَ الْمُضَمَّرَ السَّرِيعَ مِائَةَ سَنَةٍ مَا يَقْطَعُهَا)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
وَرَوَيَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةٍ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: ((يَسِيرُ الرَّاكِبُ
فِي ظِلُّهَا مِائَةَ سَنَةٍ لَا يَقْطَعُها))(٢).
١٨٨٥ - وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَهِ، قَالَ: (إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ
يسير الراكب الجواد) مفعول به للراكب وهو بفتح الجيم وتخفيف الواو الفرس يقال: جاد
الفرس إذا صار فائقاً والجمع جياد وأجواد (المضمر) بضم الميم الأولى وتشديد الثانية وهو:
أن يعلق الفرس حتى يسمن ويقوى، ثم يقلل العلف بقدر القوت، ويدخل بيتاً ويغشى
بالجلال حتى يحمى فيعرق، فإذا جف عرقها خف لحمها، قويت على الجري قال
المصنف: قال القاضي عياض: ورواه بعضهم المضمر بكسر الميم الثانية صفة للراكب
المضمر لفرسه والمعروف (هو الأول السريع) وصف آخر للجواد أي: السريع المشي (مائة
سنة) منصوب على الظرفية ليسير (ما يقطعها) من كمال كبرها وشدة اتساعها (متفق عليه)
ورواه من حديثه أحمد والترمذي (وروياه في الصحيحين أيضاً) وكذا رواه الترمذي وابن
ماجه (من رواية أبي هريرة رضي الله عنه قال: يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها)
ورواه أحمد والبخاري والترمذي من حديث أنس باللفظ المذكور، لكن أبدل السنة بالعام ولا النافية
بما. ثم المراد بالظل النعيم والراحة والجنة كما يقال عز ظليل وأنا في ظلك أي: كنفك أي :
فقوله في ظلها أن نعيمها وراحتها. وقيل: معناه ناحيتها فأشار به إلى امتدادها ومنه قولهم أنا
في ظلك أي: ناحيتك. قال: القرطبي والمحوج إلى هذا التأويل أن الظل في عرف أهل
الدنيا ما يقي من حر الشمس وأذاها، وليس في الجنة شمس ولا أذى. وقيل: ظلها أي:
ما يستر أغصانها. وقال الراغب: الظل أعم من الفيء فإنه يقال لظل الليل وظل الجنة وكل
موضع لا تصل إليه الشمس ولا يقال الفيء إلا لما زالت عنه الشمس قال: ويعبر بالظل عن
العز والنعمة والرفاهية والحراسة. ويقال عن نضارة العيش ظل ظليل.
١٨٨٥ - (وعنه) أي: أبي سعيد وكذا رواه عنه أحمد ورواه الترمذي من حديث أبي هريرة
(عن النبي ◌َّل قال: إن أهل الجنة ليتراءون) بالهمزة قبلها ألف لينة ولمسلم يرون (أهل
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: صفة الجنة والنار، (٣٦٦/١١ و٢٣٣/٦).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ... ،
(الحديث: ٦ و٨).

٧٣٨
١٨ - كتاب: الاستغفار
الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا تَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الأَفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ
أَوْ الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تِلْكَ مَنَازِلُ الأَنْبِيَاءِ لَ يَبْلُغُهَا
غَيْرُهُمْ، قَالَ: ((بَلَى وَالَّذِي نَفْسي بِيْدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ))
الغرف من فوقهم) في محل الحال أو الصفة من أهل لأن أل في المضاف إليه المعرف
بإضافته إلى ما دخلت عليه صاحب الحال جنسية (كما تراءون الكوكب الدري الغابر في
الأفق من المشرق والمغرب) أي: أهل الجنة متفاوتو المنازل بحسب درجاتهم في الفضل،
حتى إن أهل الدرجات العلى ليراهم من هو أسفل منهم كالنجوم كما قال: (لتفاضل ما
بينهم) وتقدم ضبط الدري وما فيه من اللغات في الباب والغابر بالمعجمة والموحدة كذا
للأكثر، ورواه في الموطأ بالتحتية بدل الموحدة كأنه الداخل في الغروب. وفي رواية
الأصيلي العابز بالمهملة والزاي قال عياض: معناه الذي يبعد الغروب، وقيل: معناه
الغائب، ولكن لا يحسن هنا لأن المراد بعده عن الأرض كبعد غرف أهل الجنة عن بعضها
في رأي العين. والرواية الأولى هي المشهورة. ومعنى الغابر الذاهب وقد فسره بقوله في
الحديث: ((من المشرق إلى المغرب)). قال القرطبي: شبه رؤية الرائي في الجنة صاحب
الغرفة برؤية الرائي الكوكب المضيء الباقي في جانب الشرق والغرب في الاستضاءة مع
البعد وفائدة ذكر المشرق والمغرب بيان الرفعة وشدة البعد، والمراد بالأفق السماء. وفي
رواية لمسلم من الأفق من المشرق والمغرب، قال القرطبي: الأولى لابتداء الغاية وهي
الظرفية والثانية مبينة لها (قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم) يحتمل
الإِخبار بحسب ما عندهم ويحتمل الاستفهام بتقدير همزته (قال: بلى والذي نفسي بيده
رجال) بالرفع أي: أهلها رجال فحذف المبتدأ لدلالة الخبر عليه ثم الخبر المضاف وأقيم
المضاف إليه مقامه وقدره بعضهم، هم الرجال أي: تلك المنازل منازل رجال اهـ. ولا
يخفى ما بين كلامه أولاً وآخراً (آمنوا بالله وصدقوا المرسلين) ثم قوله بلى قال القرطبي : هي
جواب وتصديق ومقتضى المقام أن يكون الجواب بالإضراب عن الأول وإيجاب الثاني،
فلعلها كانت بلی فغيرت بل. وحكى ابن التين إن في رواية أبي ذر بل ويمكن توجيه بل بان
التقدير نعم هي منازل الأنبياء بإيجاب الله تعالى لهم ذلك ولكن قد يتفضل على غيرهم
بالوصول لتلك المنازل. وقال ابن التين: يحتمل أن يكون بلى جواب النفي في قوله
((لا يبلغها غيرهم)) فكأنه قال: بلى يبلغها رجال غيرهم. وقوله صدقوا المرسلين أي: حق
تصديقهم وإلا لكان كل من آمن بالله وصدق رسوله وصل إلى تلك الدرجة وليس كذلك
ويحتمل أن يكون تنكير رجال للإشارة إلى ناس مخصوصين موصوفين بالصيغة المذكورة،

٧٣٩
٣٧٢ - باب: في بيان ما أعدّ الله تعالى للمؤمنين
مُتَّفَقْ عَلَيْهِ (١).
١٨٨٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِوَ إِهِ، قَالَ: ((لَقَابُ قَوْسٍ
فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أَوْ تَغْرُبُ)) مُتُّفَقٌ عَلَيْهِ(٢).
١٨٨٧ - وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ ﴿هَ، قَالَ: ((إِنَّ فِي الْجَنَّةِ سُوقاً
ولا يلزم أن يكون كل من اتصف بها كذلك، لاحتمال أن يكون لمن بلغ تلك المنازل صفة
أخرى، وكأنه سكت عن الصفة التي اقتضت لهم ذلك، والسرّ فيه أنه قد يبلغها من له عمل
مخصوص ومن لا عمل له كان بلوغه إنما هو برحمة الله تعالى. قال الدراوردي: يعني أنهم
يبلغون هذه المنازل التي وصفت، وأما منازل الأنبياء فإنها فوق ذلك واعترض بأنه جاء في
رواية عند أحمد والترمذي قال: بلى والذي نفسي بيده أقوام آمنوا بالله ورسوله بالواو فدل
على أن المعنى كما حكاه ابن التين أنهم يبلغون درجات الأنبياء. ويحتمل أن يقال إن
الغرف المذكورة لهذه الأمة وأما من دونهم فهم الموحدون من غيرهم أو أصحاب الغرف
دخلوا الجنة من أول وهلة ومن دونهم دخل الجنة بالشفاعة ويؤيد الذي قبله قوله في صفتهم
هم الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، وتصديق جميعهم إنما يتحقق لأمة محمد ێآ ،
بخلاف من قبلهم من الأمم وإن كان فيهم من صدق لمن سيجيء بعده فهو بطريق التوقع
لا بطريق الواقع اهـ. ملخصاً من الفتح (متفق عليه).
١٨٨٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله مح لال قال لقاب قوس) بالقاف
والموحدة أي: قدر ما بين المقبض والسية من القوس ولكل قوس قابان. (في الجنة) في
محل الصفة أو الحال من قاب لتخصيصه بالإِضافة (خير مما تطلع عليه الشمس أو) شك من
الراوي (تغرب) ويحتمل أن كون أو فيه بمعنى الواو فيكون الجمع بينهما إطناباً تأكيداً لبيان
فضل الجنة (متفق عليه).
١٨٨٧ - (وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله وَل قال: إن في الجنة سوقا) قال
(١) أخرجه البخاري في كتاب: بدء الخلق، باب: صفة الجنة (٢٣٣/٦، ٢٣٤).
وأخرجه مسلم في كتاب: الجنة ... ، باب: ترائي أهل الجنة أهل الغرف كما يرى الكوكب في السماء ،
(الحديث: ١١).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: بدء الخلق، باب: ما جاء في صفة الجنة وفي تفسير سورة الواقعة (١١/٦).
وهذا الحديث مما انفرد به البخاري .

٧٤٠
١٨ - كتاب: الاستغفار
يَأْتُونَها كُلَّ جُمُعَةٍ، فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ فَتَحْثُو فِي وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ فَيَزْدَادُونَ حُسْنَاً
وَجَمالاً، فَيَرْجِعونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ وَقَدِ ازْدَادُوا حُسْنَاً وَجَمالاً، فَيَقولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: واللَّهِ
لَقَدِ ازْدَدْتُمْ حُسْناً وجَمالاً. فَيَقُولُونَ: وَأَنْتُمْ وَاللَّهِ لَقَدْ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْناً وَجَمَالاً))
رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١) .
١٨٨٨ - وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ الِهِ، قَالَ: ((إِنَّ أَهْلَ
الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ.
المصنف: المراد بالسوق هنا مجتمع لهم يجتمعون كما يجتمع الناس في الدنيا في أسواقها
أي: يعرض فيه الأشياء على أهلها فيأخذ كل منهم ما أراد (يأتونها كل جمعة) أي: في قدر
ذلك: وهل المراد قدر جمعة من جمع الدنيا أو من جمع الآخرة، الأول أبلغ في الإِكرام،
ثم رأيت المصنف قال أي: في مقدار كل جمعة أي: أسبوع لفقد الشمس والليل والنهار
اهـ. وهو موافق لما ذكرته (فنهب) بضم الهاء أي فتهيج (ريح الشمال) بفتح الشين والميم
بغير همز هكذا الرواية قال صاحب العين: الشمال والشمال باسكان الميم مهموز أو الشأمل
بهمزة قبل الميم والشمل بغير ألف والشمول بفتح الشين وضم الميم وهي التي من دبر القبلة
قال القاضي: وخص ريح الجنة بالشمال لأن ريح المطر عند العرب كانت تهب من جهة
الشام، وبها يأتي سحاب المطر وكانوا يرجون السحابة الشامية. وجاء في الحديث تسمية
هذه الريح المثيرة أي: المحركة لأنها تثير في وجوههم ما تثيره من مسك الجنة وغيره من
نعيمها ا هـ. (فتحثو في وجوههم وثيابهم) أي: حذف المفعول للتعميم ولتذهب النفس في
تعين ما يحثي به كل مذهب (فيزدادون حسناً وجمالاً) أي: بذلك (فيرجعون إلى أهليهم)
جمع تصحيح لأهل على خلاف القياس فيه إذ مفرده ليس علماً ولا صفة ولا يجعله قياساً إلا
أحدهما (وقد ازدادوا حسناً وجمالاً) مطاوع زاد المتعدي لاثنين وعطف الجمال على
الحسن من عطف الخاص على العام. قال في المصباح: قال سيبويه: الجمال رقة الحسن،
والأصل جماله بالهاء مثل صبح صباحة، لكنهم حذفوا الهاء تخفيفاً لكثرة الاستعمال (فيقول
لهم أهلوهم والله لقد ازددتم حسناً وجمالاً فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسناً
وجمالاً رواه مسلم).
١٨٨٨ - (وعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله وَلقر قال: إن أهل الجنة ليتراءون
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة ... ، باب: في سوق الجنة وما ينالون فيها من النعيم والجمال،
(الحديث: ١٣).