النص المفهرس
صفحات 681-700
٦٨١ ٣٧٠ - باب: في فضل المنثورات والملح جَوَازُ الصَّوْمِ عَمِّنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ لِهذا الحَديثِ، والْمُرادُ بالْوَلِيِّ: الْقَرِيبُ وارِثاً كانَ أوْ غَيْرَ وارِثٍ (١). ١٨٥٧ - وعَنْ عَوْفِ بنِ مَالِكِ بنِ الطَّفَيْلِ أنَّ عَائِشَةَ رضِيَ اللَّهُ عَنْها حُدِّثَتْ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بِنَ الزُّبَيْرِ رضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ في بَيْعٍ أَوْ عَطاءٍ أَعْطَتْهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: واللَّهِ لَتَنْتَهِيَنَّ عَائِشَةُ أَوْ لَأَحِجُرَنَّ عَلَيْهَا، قَالَّتْ: أَهُوَ قَالَ هَذَا! قَالوا: نَعَمْ، قَالتْ: هُوَ للَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ أَنْ لا أُكَلِّمَ آبْنَ الزُّبَيْرِ أَبَداً، فَاسْتَشْفَعَ ابنُ الزُّبَيْرِ إِلَيْهَا حِينَ طَالَتِ الْهِجْرَةُ، فَقَالَتْ: لا واللَّهِ لا أُشفَّعُ فِيهِ أَبَداً! ولا أَتَحَنَّثُ إلى نَذْرِي، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ كِلَّمَ الْمِسْوَرَ بِن مَخْرَمَة وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بنِ الْأَسْوَدِ بنِ يَغُوثَ لصحة الحديث بمقتضاه (جواز الصوم عمن مات وعليه صوم) واجب من قضاء عن رمضان أو نذر أو كفارة تمكن من صومها (لهذا الحديث) الصريح في ذلك (والمراد بالولي القريب وارثاً كان أو غير وارث) ولا يصوم الأجنبي إلا بإذنه وهذا بخلاف الحج حيث لا يعتبر فيه القرب تغليباً للمال ثمة، وهذه عبادة بدنية محضة فافترقا. ١٨٥٧ - (وعن عوف بن مالك بن الطفيل) بضم المهملة وفتح الفاء وتخفيف التحتية ابن سخبر بفتح المهملة والموحدة وسكون المعجمة بينهما الأزدي من أوساط التابعين وهو رضيع عائشة (أن عائشة رضي الله عنها حدثت) بصيغة المجهول والذي حدث هو المسور بن مخرمة (أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة والله لتنتهين عائشة) أي: عن هذه السماحة والكرم التي تفعله (أو لأحجرن عليها) أي: ليكونن أحد الأمرين انتهاؤها أو حجري عليها (قالت أهو قال هذا قالوا) أي: السامعون له (نعم قالت هو) ضمير الشأن والخبر قولها (لله عليّ نذر ألا أكلم ابن الزبير أبداً) هو نذر لجاج والناذر مخير بين بقائه على ترك ما نذر تركه أو الخنث فيه والإتيان بكفارة يمين (فاستشفع ابن الزبير إليها حين طالت الهجرة) بكسر الهاء وهي في الأصل مفارقة بلد إلى غيرها، واستعملها هنا في معنى الهجر بمعنى الرفض والترك (فقالت والله لا أشفع) وفي نسخة لا والله لا أشفع (فيه أبداً) أي: لا أقبل شفاعته فيه (ولا أتحنث إلى نذري) أي: فيه (فلما طال ذلك) أي : (١) أخرجه البخاري في كتاب: الصوم، باب: من مات وعليه صوم (١٦٨/٤). وأخرجه مسلم في كتاب: الصيام، باب: قضاء الصيام عن الميت، (الحديث: ١٥٣). ٦٨٢ ١٧ - كتاب: المنثورات والملح وقَالَ لَهُما: أَنْشُدُكُمَا اللَّهَ لَمَا أَدْخَلْتُمَانِي عَلى عَائِشَةَ رضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَإِنَّها لا يَحِلُ لَها أنْ تَنْذِرَ قَطِيعَتِي، فَأَقْبَلَ بِهِ الْمِسْوَرُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ حَتَّى اسْتَأَذَنَا على عَائِشَةَ فَقَالا: السَّلامُ عَلَيْكِ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرِكَاتُهُ أَنَدْخُلُ؟ قَالتْ عَائِشَةُ: ادْخُلُوا، قَالوا: كُلُنا؟ قَالتْ: نَعَمْ ادْخُلُوا كُلَّكُمْ، ولا تَعْلَمُ أَنَّ مَعَهُما ابنَ الزُّبَيْرِ، فَلَمَّا دَخَلُوا دَخَلَ ابنُ الزُّبَيْرِ الْحِجَابَ فَاعْتَقَ عَائِشَةَ رضِيَ اللَّهُ عَنْها وطَفِقَ يُناشِدُها ويَبْكِي، وطَفِقَ الْمِسْوَرُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ يُنشِدانِها إِلَّ كَلَّمَتْهُ وَقَبِلَتْ مِنْهُ، وَيَقولانِ إِنَّ النَّبِيِّ ◌َهْ نَهِى عَمَّا قَدْ عَلِمْتٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، ولا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثِ لَیالٍ، المذكور من هجرها والشفع وعدم القبول (على ابن الزبير كلم المسور بن مخرمة) بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهري أبو عبد الرحمن صحابي ابن صحابي (وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث) بفتح التحتية وضم المعجمة وبالمثلثة ابن وهب بن عبد مناف بن زهرة الزهري (وقال لهما أنشدكما الله) أي: أسألكما مقسماً عليكما به (لما) بفتح اللام وتشديد الميم أي: إلا (أدخلتماني على عائشة فإنها) أي: عائشة أو الضمير للقصة (لا يحل) أي: يجوز (لها أن تنذر قطيعتي) وهي أداها اجتهادها إلى جوازه لأنه طاعة فالتزمته بصفة النذر وإلا فلو رأته محرماً، فالظن لها أن لا تفعله فضلاً عن كونها تلتزمه فضلاً عن كونها تنذره (فأقبل به المسور) بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الواو وبالراء (وعبد الرحمن) وسارا (حتى) وصلا الدار (استأذنا على عائشة فقالا: السلام عليك ورحمة الله وبركاته أندخل) هذه صيغة الاستئذان المحبوب كما تقدم في بابه (قالت عائشة أدخلوا قال: كلنا؟ قالت نعم أدخلوا كلكم) بالرفع تأكيد لضمير الجماعة المرفوع وقوله (ولا تعلم أن معهما ابن الزبير) جملة حالية من فاعل قالت (فلما دخلوا) المنزل (دخل ابن الزبير الحجاب فاعتنق عائشة رضي الله عنه وطفق يناشدها) أي: يسألها الرضا عنه وأن تكلمه (وبيكي) لما أصابه من ذلك (وطفق) أخذ (المسور وعبد الرحمن يناشدانها) يسألانها (إلا كلمته وقبلت منه) بتشديد اللام أي: لا يسألانها إلا تكليمه وقبولها منه عذره ورضاها عنه (ويقولان إن النبي ◌َّقر نهى عما قد علمت من الهجرة) أي: الهجر للأخ المسلم فوق ثلاث، فكيف بالرحم المحرم (ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه) أي: المسلم لغرض نفسه (فوق ثلاث ليال) أما الهجر لله فيجوز ما دام باقياً على تلك المعصية التي هجر لأجلها كما تقدم من هجر النبي ◌َّر والصحابة كعب وصاحبيه، لما تخلفوا عن غزوة تبوك حتى تاب الله ٦٨٣ ٣٧٠ - باب: في فضل المنثورات والملح فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلى عَائِشَةَ مِنَ الَّذْكِرَةِ والتَّحْرِيجِ طَفِقَتْ تُذَكِّرُهُما وتَبْكي وتَقولُ: إنِّي نَذَرْتُ والنَّذْرُ شَدِيدٌ، فَلَمْ يَزالا بِهَا حَتَّى كَلَّمَتِ ابنَ الزُّبَيْرِ، وَأَعْتَقَتْ فِي نَذْرِهَا ذَلِكَ أربعينَ رَقَبَةِ، وَكَانَتْ تَذْكُرُ نَذْرَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَتَبْكِي حَتَّى تَبِلَّ دُمُوعُها خِمَارَها. رَواه البُخاري(١). ١٨٥٨ - وعَنْ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عِنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ خَرَجَ إِلَى قَتْلَى أُحُدٍ فَصَلّى عَلَيْهِمْ بَعْدَ ثَمَانٍ سِنِينَ كَالمُؤَدِّعِ لِلْأَحْياءِ والْأَمْواتِ ثُمَّ طَلَعَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَقالَ: عليهم (فلما أكثروا على عائشة من التذكرة) بوزن التفعلة مصدر سماعي لذكر المضاعف إذ قياس مصدره التذكير وهو الوعظ (والتحريج) بالمهملة وآخره جيم أي: التحريج المترتب على هجرها له (طفقت تذكرهما) بضم الفوقية وسكون المعجمة وكسر الكاف أو بضم ففتح فكسر (النذر) أي: شأنه وما في الإِخلال به (وتبكي) تأسفاً لوقوعها في الإِخلال به (وتقول إني نذرت) أي: ما ذكر (والنذر شديد) أي: أمره، ففي الإِخلال به حرج أي: حرج (فلم يزالا بها) في الإِلزام بالرضا (حتى كلمت ابن الزبير وأعتقت في نذرها) نذار اللجاج ما يعتق في كفارة اليمين إذا حنث الحالف (ذلك أربعين رقبة) وذلك من مزيد ورعها، وإلا فالواجب رقبة واحدة لكن لما كانت من أمهات المؤمنين، المضاعف لهن الحسنات والسيئات تعظيماً لمقام من أضفن إليه، احتاطت فزادت في عتق الرقاب نظراً لذلك، مع ما كان عندها من مزيد الخشية لله سبحانه وتعالى (وكانت تذكر نذرها بعد ذلك فتبكي حتى تبل دموعها) فاعل الفعل (خمارها) ويجوز نصبهما على أن الفاعل ضمير يعود إليها، وخمارها مفعول الفعل الذي يصله بلا صلة. ودموعها: مفعوله بحرف الجر المقدر فيكون منصوباً على نزعه (رواه البخاري) في الأدب من صحيحه. ١٨٥٨ - (وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله و لقد خرج إلى قتلى أحد) بضمتين الجبل المعروف بالمدينة وكانت وقعة أحد سنة ثلاث أو أربع (فصلى عليهم) أي: دعا (بعد ثمان سنين) وذلك قبيل مرضه بيسير (كالمودع الأحياء والأموات) توديعه للأحياء برمزه لذلك، كقوله في حجة الوداع لعلكم لا تلقوني بعد هذا في أمثاله، وتوديعه للأموات كدعائه للشهداء بأحد (ثم طلع إلى المنبر فقال: إني بين أيديكم فرط) بفتح الفاء والراء وبالطاء (١) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: الهجرة وقول رسول الله بَّ لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث (٤١٠/١٠، ٤١٣). ٦٨٤ ١٧ - كتاب: المنثورات والملح (إِنِّي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَرَطْ وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْحَوْضُ، وإِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ مَقامِي هَذا، وإنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أنْ تُشْرِكُوا وَلِكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أنْ تَنَافَسوهَا)) قَالَ فَكانَتْ آخِرَ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهَـ مُتَّفْقٌ عليْه وفي رِوايَةٍ: (وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوهَا فِيها، وتَقْتَتِلُوا فَتَهْلِكُوا كَما هَلَكَ مَنْ كانَ بْلَكُمْ» المهملة، وهو من سبق الركب إلى المنزل لتهيئة المصالح من تقريب الحطب وإصلاح الحياض وهكذا: أنا بين أيدي أمتي مهىء لمصالحهم الأخروية بالشفاعة للعصاة والشهادة للمطيعين (وأنا شهيد عليكم) كما قال تعالى: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا﴾(١) (وإن موعدكم الحوض) أي: أنهم يلقونه بَّر عنده، وموعد اسم مكان (وإني لأنظر إليه من مقامي هذا) كشف له حينئذ فعاينه ببصره فأخبر عنه. وفيه إثبات الحوض وأنه موجود الآن كالجنة والنار (وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا) أي: لا أخاف عليكم حدوث الشرك فيكم لأن نور الإِيمان إذا خالط بشاشة القلب لا يخرج منه. والمراد أنه لا يخاف لحوق ذلك جميع أمته يرتد. فلا يشكل بحديث: ((إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها)). ولا بحديثي النواس بن سمعان وعبد الله بن عمرو بن العاص، من موت جميع الأخيار وبقاء الأشرار وعبادتهم للأوثان، لأن الأول في بعض الأفراد، والثاني في بعض آخر في آخر الزمان. أما كون جميع الأمة تشرك بعد الإِيمان فأمر غير كائن البتة (ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها) بدل اشتمال أي: تتنافسوا فيها كما في رواية للبخاري بإثبات الجار فحذفت إحدى التاءين تخفيفاً وحذف الجار وأوصل الفعل المفعول بنفسه اختصاراً (قال) أي: عقبة (فكانت) أي: نظرتي للنبي وله على المنبر حينئذ (آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله (19) أي: على المنبر كما في الرواية بعده، ويحتمل مطلقاً فلا يكون للتقييد مفهوم (متفق عليه) رواه البخاري في باب الجنائز وفي علامات النبوة وفي المغازي في باب الحوض. ورواه مسلم في فضائل النبي و ير ورواه أبو داود والنسائي (وفي رواية) لمسلم في باب الفضائل أيضاً (ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها وتقتتلوا) عليها غرضاً لإِرادة كل الاستئثار بها والانفراد عن غيره (فتهلكوا) هلاكاً معنوياً وهو الهلاك الدنيوي (كما هلك من كان قبلكم) فقتل بعضهم بعضاً، ومن ذلك القصة التي أمر الله أن تذبح البقرة فيها ليتبين (١) سورة النساء، الآية: ٤١ . ٦٨٥ ٣٧٠ - باب: في فضل المنثورات والملح قَالَ عُقْبَةُ: فَكَانَتْ آخِرَ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ وَ هِ عَلى الْمِنْبَرِ وفي رِوايَةٍ قَالَ: (إِنِّي فَرَطْ لَكُمْ وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وإِنِّي واللَّهِ لَأَنْظُرُ إلى حَوْضي الآنَ، وإِنِّي أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزائِنِ الْأَرْضِ، وإِنِّي واللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، ولَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أنْ تَنَافَسُوا فِيها)). والْمُرادُ بِالصَّلاةِ عَلى قَتْلَى أَحُدٍ الدُّعَاءُ لَهُمْ لا الصَّلاةُ الْمَعْروفَةُ(١). ١٨٥٩ - وعَنْ أبي زَيْدٍ عَمْرِو بنٍ أَخْطَبَ الأنصارِيِّ رَضيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: صَلّى بِنا القاتل (قال عقبة فكانت) أي: تلك النظرة (آخر ما رأيت رسول الله وه لر على المنبر وفي رواية) للبخاري عن عقبة أيضاً أوردها في الرقاق وفي الحوض (قال: إني فرط لكم وأنا شهيد عليكم وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن) أي: في حال خطبته (وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض أو) شك من الراوي (مفاتيح الأرض) فالشك في إثبات خزائن، والحاصل إنه أعطي ما في الوجود من الخير، وإنما وصل لأمته بواسطته، وإلى هذا المعنى، أشار البوصيري حيث يقول: فإن من جودك الدنيا وضرتها. (وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي) وذلك لأنه أوصى بدوام الإِيمان وشرائعه في الأمة المحمدية إلى قرب قيام الساعة (ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها) وفي الحديث برواياته البشارة بدوام الإِسلام في الأمة، وعدم تطرق الإِشراك إليها. وفيه النهي عن التنافس في الدنيا ومن لازمه الأمر بالزهد فيها والإِعراض عن زهراتها فإن التنافس فيها سبب للهلاك الديني والدنيوي (والمراد بالصلاة على قتلى أحد) كما تقدم في كلامنا أيضاً الصلاة اللغوية (الدعاء لهم) بالرحمة وإعلاء الدرجة (لا الصلاة المعروفة) شرعاً من الصلاة على الأموات. ١٨٥٩ - (وعن أبي زيد عمرو بن أخطب) بالمعجمة والمهملة والموحدة بوزن أفعل (الأنصاري رضي الله عنه) وقد ذكرت نسبه والخلاف في أنه من الأنصار ... أو ابن أخيهم في رجال الشمائل قال الحافظ: صحابي جليل خرج عنه مسلم والأربعة وقال غيره: غزا مع رسول الله وَل ثلاث عشرة غزوة ومسح رأسه ودعا له وقال عزرة حفيده: إنه عاش مائة وعشرين سنة وليس في رأسه إلا شعرات بيض. وفي أسد الغابة عن عمرو بن أخطب: استقى النبي ﴿ فأتيته بإناء فيه شعرة فرفعتها فقال: ((اللهم جمله)) قال أبو نهيك: فرأيته بعد (١) أخرجه البخاري في كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على الشهيد، (الحديث: ٢٦٩/٧). وأخرجه مسلم في كتاب: الفضائل، باب: إثبات حوض نبينا ولا وصفاته، (الحديث: ٣٠). ٦٨٦ ١٧ - كتاب: المنثورات والملح رسُولُ اللَّهِوَ ﴿ الْفَجْرُ وصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَنَا حَتّى حَضَرتِ الظُّهْرُ فَنَزَلَ فَصلّى، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْرَ فَخَطَبَ حَتَّى حَضَرتِ الْعَصْرُ ثُمَّ نَزَلَ فَصلّى، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأَخْبَرَنَا مَا كانَ ومَا هُوَ كَائِنٌ، فَأَعَلَمُنَا أَحْفَظُنا. رَوَاهُ مُسْلَمٌ (١). ١٨٦٠ _ وعَنْ عَائِشَةَ رضِيَ اللَّهُ عنها قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلا يَعْصِهِ)) رواهُ البُخاري(٢). ١٨٦١ - وعَنْ أُمِّ شَريكٍ رضِيَ اللَّهُ عنْها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِوَهِ أَمْرَهَا بِقْلٍ ثلاث وتسعين سنة وما في رأسه ولحيته شعرة بيضاء. ويقال إنه بلغ مائة ونيفاً وما في رأسه ولحيته إلا نبذ من شعر أبيض، وعدة ما روي له عن النبي ◌ّلل أربعة أحاديث وسكت من ترجمه عن بيان محل وفاته (قال: صلى بنا رسول الله وَّ الفجر وصعد) بفتح المهملة الأولى وكسر الثانية (المنبر فخطبنا) واستمر يخطب (حتى حضرت الظهر) بزوال الشمس (فنزل فصلى ثم صعد المنبر فخطب حتى حضرت العصر ثم نزل فصلى ثم صعد المنبر حتى غربت الشمس فأخبرنا ما كان وما هو كائن) إن كان المراد جميع ذلك كما يومىء إليه لفظ الموصول، فيكون فيه معجزة بخرق الأوقات والمباركة فيها، حتى اتسعت لنشر ذلك كله وذكره، وإن كان المراد بعضاً منهم فيحتمل ذلك ويحتمل أن لا (فأعلمنا) أي: بالآيات (أحفظنا) أي: أكثرنا حفظاً لها (رواه مسلم) في الفتن من صحيحه . ١٨٦٠ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلّ من نذر أن يطيع الله) بأن نذر صوماً أو صلاة أو غيرهما من أعمال البر تقرباً إلى الله تعالى (فليطعه) حتماً لالتزامه بالنذر، فهو كالواجب بأصل الشرع في تحتم الإتيان به، وإن اختلف الفقهاء في أنه يسلك به مسلك واجب الشرع أو جائزه (ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) ولا ينعقد الندر لأنه التزام قربة تقرباً إلى الله تعالى (رواه البخاري) ورواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة. ١٨٦١ - (وعن أم شريك) بفتح الشين المعجمة وكسر الراء وسكون التحتية: هي العامرية . ويقال: الغامدية، تقدمت ترجمتها (رضي الله عنها) قريباً (أن رسول الله وَالر أمرها بقتل (١) أخرجه مسلم في كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: إخبار النبي 18َّ فيما يكون إلى قيام الساعة، (الحديث: ٢٥). (٢) أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: النذر في الطاعة، (٥٠٤/١١). ٦٨٧ ٣٧٠ - باب: في فضل المنثورات والملح الأَوْزاغِ. وقَالَ: ((كانَ يَنُفُخُ عَلى إِبْراهِيمَ)) مُتَّفْقَ عَلَيْه(١). ١٨٦٢ - وعَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (( مَنْ قَتَلَ وَزِغَةً فِي أَوَّلِ ضَرِبَةٍ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةٌ، ومَنْ قَتَلَها في الضَّربَةِ الثَّانِيَةِ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةٌ دُونَ الأُولَى، وإنْ قَتَلَها في الضَّرَبَةِ الثَّالِثَةِ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةٌ)) وفي رِوايَةٍ : (مَنْ قَتَلَ وَزَغاً فِي أَوَّلِ ضَرْبَةٍ كُتِبَ لَهُ مائَةُ حَسَنَةٍ، وفي الثَّانِيَّةِ دُونَ ذَلِكَ، وفي الثَّالِثَةِ دُونَ ذَلِكَ)) رَواهُ مُسْلِمٌ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْوَزَغُ: الْعِظامُ مِنْ سَامَّ أَبْرَصَ (٢). الأوزاغ) لعظم ضررها مع ما فيها من عداوة خيار العباد كما قالت (وقال: كان ينفخ على إبراهيم) أي: النار. وهو وإن لم يكن لنفخه تأثير في النار لصغر جرمه ولإِحراقه بلهبها إلا أن فيه مناصاة معاداة وإظهاراً للعداوة (متفق عليه). X٢٩ ١٨٦٢ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله مَ ليل من قتل وزغة في أول ضربة) من إضافة الصفة إلى الموصوف، كما يدل عليه قوله في قرينته في الضربة الثانية في الضربة الثالثة (فله كذا وكذا حسنة، ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة دون الأولى (وإن قتلها في الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة) أي: دون الثانية ولعل السكوت عنه اكتفاء بما قبله (وفي رواية) هي كالتي قبلها لمسلم (من قتل وزغا) بيّن بهذه الرواية أن التاء في وزغة في الرواية الأولى قيل بالموحدة لا للتأنيث (في أول ضربة كتب له مائة حسنة وفي الثانية دون ذلك وفي الثالثة دون ذلك) أي: ما في الثانية كما هو ظاهر، ويدل له ما أورده في الجامع الكبير بلفظ ((من قتل وزغا في أول ضربة كتب له مائة حسنة ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة لدون الأولى، وإن قتلها في الضربة الثالثة كذا وكذا حسنة لدون الثانية)) وقال: أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة مرفوعاً (رواه مسلم) وعند الطبراني في الأوسط من حديث عائشة من قتل وزغا كفر الله عنه سبع خطيئات (قال أهل اللغة الوزغ) اسم جنس واحده وزغة كلبن ولبنة (العظام) بكسر المهملة وتخفيف الظاء المعجمة جمع عظيمة وقضية كلام القاموس إنه لا يقال إلا في جمع عظيم الحيوان المعروف (من سامّ أبرص) مركب مزجي والميم مشددة وكل من السين (١) أخرجه البخاري في كتاب: بدء الخلق، باب: خير مال المسلم غنم يتبع بها شغف الجبال، (٦/ ٢٨١) وأخرجه مسلم في كتاب: السلام، باب: استحباب قتل الوزع، (الحديث: ١٤٢). (٢) أخرجه مسلم في كتاب: السلام، باب: استحباب قتل الوزع، (الحديث: ١٤٦ و١٤٧) ٦٨٨ ١٧ - كتاب: المنثورات والملح ١٨٦٣ - وعَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنه أَنَّ رَسُولَ اللّهِ مَهِ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ لُأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ فَأَصْبَحوا يَتَحَدَّثُون: تُصُدُّقَ اللَّيْلَةَ عَلى سارِقٍ! فقالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحمدُ لُأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقْتِهِ فَوَضعها في يَدِ زانِيَةٍ، فَأَصْبَحوا يَتْحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلى زانِيَةٍ! فَقالَ: اللُّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ لُأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَها فِي يَدِ غَنِيٍّ فَأَصْبَحِوا يَتَحَدَّثونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى غَنِيٍّ! فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلى سَارِقٍ وعَلى زانِيَةٍ وعَلَى غَنِيٍّ، فَأَتَيَ فَقيلَ له: أمّا صَدَقَتُكَ عَلى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وأمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِناهَا، والصاد مهملة قال المصنف: اتفقوا على أن الوزغ من الحشرات المؤذيات جمعه أوزاغ ووزغات، وأمر النبي وَلّ بقتله وحث عليه ورغب فيه لكونه من المؤذيات، وأما سبب تكفيره في قتله بأول ضربة ثم ما يليها فالمقصود به الحث على المبالغة بقتله والاعتناء به وتحريض قاتله على أن يقتله بأول ضربة فإنه إذا أراد أن يضربه ضربات ربما انفلت وفات قتله اهـ. ١٨٦٣ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله (وَ ل زل قال: قال رجل) قال الدماميني: هذا الرجل ممن كان قبلنا (لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق فأصبحوا) أي: الناس في زمنه (يتحدثون تصدق) بصيغة المجهول ونائب فاعله (على سارق) والجملة محكية بقول مقدر أو بالفعل قبله لتضمنه معنى القول (قال) فصل عما قبله استئنافاً لبيان قوله (اللهم الحمد على سارق) الظرف متعلق بما دل عليه المقام أي: تصدقت أو وقعت صدقتي (لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية فأصبحوا يتحدثون تصدق الليلة) بالنصب على الظرفية للفعل قبله ونائب فاعله (على زانية) ولعل التقييد بالظرف في هذه الجملة دون قرينتها في وقوعه فيها دونها أو كان فيها في جنحه ووسطه وفيهما في أطرافه (فقال اللهم لك الحمد على زانية لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد غني فأصبحوا يتحدثون تصدق على غني فقال اللهم لك الحمد على سارق وعلى زانية وعلى غني) أعاد الجار إيذاناً بالاستقلال في كل وتعدد الصدقة (فأتى) بصيغة المجهول (فقيل له) وكان ذلك في المنام، ففي مستخرج أبي نعيم فأتى في منامه فقيل له إن الله قد قبل صدقتك (أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته) عند مسلم يستعف بها عن سرقته أي : باغتنائه بها (وأما الزانية فلعلها تستعف) زاد مسلم بها (عن زناها) أي: تعف عنه، والسين ٦٨٩ 200 ٣٧٠ - باب: في فضل المنثورات والملح وأمَّا الْغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ أنْ يَعْتَبِرَ فَيَنْفِقُ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ)) رواهُ الْبُخَارِيُّ بِلَفْظِهِ ومُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ(١). ١٨٦٤ - وعَنهُ رضِيَ اللَّهُ عنه قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ فِي دَعْوَةٍ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذُّراعُ، وكانّتْ تُعْجِبُهُ، فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً وقَالَ: ((أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيامَةِ، هَلْ للمبالغة. وفيه إيماء لصعوبة ترك المألوف وكأنه يطلب من النفس تركه وهي تطلب لالفها ذلك فعله (وأما الغني فلعله أن يعتبر فينفق مما آتاه) أي أعطاه (الله رواه البخاري) في كتاب الزكاة بلفظه (ومسلم بمعناه) بل بلفظه، إلا أنه قدم الزانية فالغني، وزاد لفظ بها كما تقدمت الإِشارة إليه. وقال: لعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله تعالى ولعل السارق يستعف بها عن سرقته، وهذا التفاوت يسير جداً والله أعلم. ١٨٦٤ - (وعنه قال كنا مع رسول الله (وَلّ في دعوة) قال ابن السيد في كتاب المثلث له بفتح الدال: الدعوة إلى الطعام. وزعم قرطب أنها كذلك بضم الدال ولا أحفظ ذلك من غيره، والذي حكاه اللغويون أنها بالفتح اهـ. وقال ابن مالك في مثلثه: الدعوة إلى الطعام بالضم عن قرطب، والمشهور فتحها وقد تكسر (فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه) قال القاضي عياض: محبته ثية للذراع لنضجها وسرعة استمرائها، وزيادة لذتها وحلاوة مذاقها وبعدها عن مواضع الأذى اهـ. وروى الترمذي في الشمائل عن عائشة ما كانت الذراع أحب إلى رسول الله وَسير، ولكن كان لا يجد اللحم إلا غباً فكان يعجل إليها لأنها أعجلها نضجاً اهـ. قال بعض شراحها: هذا بحسب ما فهمته عائشة وإلا فالذي دلت عليه ظواهر الأحاديث أنه كان يحبه محبة غريزة طبيعية سواء فقد اللحم أم وجد. وكأنها أرادت بذلك تنزيه مقامه الشريف عن أن يكون يميل إلى شيء من الملاذ وإنما سبب المحبة نضجها، فيقل الزمن في الأكل ويتفرغ لمصالح نفسه والمسلمين. وعلى الأول: فلا محذور في محبة الملاذ بالطبع لأن هذا من كمال الخلقة، وإنما المنافي للكمال التفات النفس وعناؤها في تحصيل ذلك وتأثرها لفقده. واعترضه شارح آخر بقوله: ولا يخفى ما فيه من إيهام نسبة القصور في الفهم إلى هذه الصديقة بنت الصديق، ولعله لم ير في ذلك كلاماً لأحد فاضطر إلى هذا التوجيه مع أن زين الحفاظ العراقي قد أحسن في الجواب وأتى بما يستطاب، بحيث لا منافاة لبقية أحاديث الباب من كونه يعجبه الذراع إذ يجوز أن يعجبه وليست أحب اللحم إليه، وحديث (١) أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: إذا تصدق على غنى وهو لا يعلم، (٢٣١/٢٣٠/٣). وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: ثبوت أجر المتصدق، وإن وقعت الصدقة في يد غير أهلها، (الحديث: ٧٨). X:00: ٦٩٠ ١٧ - كتاب: المنثورات والملح تَدْرونَ مِمَّ ذاكَ؟ يَجْمَعُ اللَّهُ الأَوَّلِينَ والآخرينَ فِي صَعيدٍ واحِدٍ فَيَنْظُرُهُمُ النَّاظِرُ، ويُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، وَتَدْنُو مِنْهُمُ الشَّمْسُ، فَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لا يُطِيقُونَ ولا يَحْتَمِلُونَ، فَيَقولُ النَّاسُ: أَلا تَرَونَ إِلى مَا أنْتُمْ فِيهِ ابن جعفر المذكور عقبه صريح في أن أطيب اللحم لحم الظهراهـ. (فنهس منها نهسة) هو بالسين المهملة كما قال المصنف. قال القاضي عياض: رواه أكثر الرواة بالسين المهملة. ووقع لابن ماهان بالمعجمة وكلاهما صحيح بمعنى أخذ بأطراف أسنانه. قال الهروي قال أبو العباس: النهس بالمهملة بأطراف الأسنان وبالمعجمة بالأضراس. وقال القاضي مجد الدين الفيروزأبادي في كتابه تخيير الموشين في التعبير بالسين والشين: النهس والنهش قصم الشيء بمقدم الأسنان، والفعل منه على مثال منع يمنع (وقال: أنا سيد الناس) شمل آدم وغيره من بنيه فلو أعم منطوقاً من قوله أنا سيد ولد آدم، ونهيه عن تفضيله عن الأنبياء محمول على تفضيل يؤدي إلى تنقيص المفضل عليه فهو كفر. وقوله لمن قال له يا سيد البرية: ذاك إبراهيم محمول على أنه قال: قبل أن يعلم فضله عليه (يوم القيامة) التقييد للإِطباق عليه حينئذ والظهور لكل كما بينه ما بعده بخلاف الدنيا إذ ينكر ذلك الكافريه الجاحد فضله وإلا فهو سيد الناس حقيقة في الدارين ومثله قوله تعالى: ﴿مالك يوم الدين﴾(١) وهو مالك لما فيه وفي غيره من أيام الدنيا (هل تدرون مم) أي: لأي سبب (ذاك) أشير إليه مع قربه بما يشار به للبعيد تفخيماً نحو قوله تعالى: ﴿ذلك الكتاب﴾(٢). وسكت عن جوابهم من نحو الله أعلم ورسوله إما لظهوره أو أنه بادرهم بالبيان قبل الإِتيان به (فقال يجمع الله الأولين والآخرين) أي: من سائر المكلفين ولا ينافيه قوله فيما يأتي أبوكم آدم الإِمكان كون الساعي من ذلك النوع الإنساني لشرفه أو من الإِنس وسكت عن الجن والسكوت عن الشيء لا ينفيه (في صعيد واحد) بفتح المهملة الأولى وكسر الثانية أي: أرض وذكر باعتبار لفظ الصعيد (فينظرهم الناظر ويسمعهم الداعي) بضم التحتية في الفعلين (وتدنو) أي: تقرب (منهم الشمس) قدر ميل وهل المراد به ما يكتحل به أو المسافة المعلومة؛ قولان تقدما في باب الخوف (فيبلغ الناس) مفعول مقدم (من الغم) بالمعجمة في المصباح قيل للحزن غم لأنه يغطي السرور والحلم اهـ. (والكرب) بفتح فسكون مصدر كربه الأمر إذا همه ومن بيان لما في قوله (ما لا يطيقون ولا يحتملون) وهي فاعلٍ مبلغ (فيقول الناس ألا) بتخفيف اللام (ترون) تنظرون (إلى ما أنتم فيه) أتى بـ ((ما)) تفخيماً للأمر (١) سورة الفاتحة، الآية: ٤. (٢) سورة البقرة، الآية: ٢. ٦٩١ ٣٧٠ - باب: في فضل المنثورات والملح إلَى مَا بَلَغَكُمْ، أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبَّكُمْ! فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضِ : أَبُوكُمْ آدَمُ فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو البَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، ونَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الْمَلائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، وأَسْكَنَكَ الْجَنَّةَ، أَلا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرى مَا نَحْنُ فِيهِ وَمَا بَلَغَنا! فَقَالَ: إِنَّ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، نحو قوله تعالى: ﴿فغشيهم من اليم ما غشيهم﴾(١). وأبدل منه بإعادة الجار (إلى ما بلغكم) وعطف على ترون قوله (وتنظرون) وفي نسخة ألا تنظرون من نظر الأمر تفكر فيه أي: تفكرون (من يشفع لكم إلى ربكم) أي: في الخلاص مما أنتم فيه (فيقول بعض الناس) أتى ببعض هنا وحذفه فيما قبل تفنناً في التعبير (لبعض) اللام للتبليغ (أبوكم آدم) أي: سلوه ذلك أو المنظور إليه لذلك أبوكم تعبيرهم بدعاء كل رسول باسمه حتى نبينا محمد وَل ير لأن حرمة ندائه * باسمه مقيدة بهذه الدار، ومثله كل نبي (فيأتونه فيقولون يا آدم أنت أبو البشر) أتوا بذلك تهييجاً له على المطلوب منه لأن الطبع يدعو الأصل لفعل ما ينفع الفرع. والبشر بفتحتين الإِنسان يطلق على المفرد الجمع قال في المصباح: العرب ثنوه ولم يجمعوه. قال البيضاوي في قوله تعالى عن قوم فرعون: ﴿أنؤمن لبشرين مثلنا﴾(٢) ثني البشر لأنه يطلق للواحد كقوله تعالى: ﴿بشراً سوياً﴾(٣) وللجمع كقوله ﴿فأما ترين من البشر أحداً ﴾ (٤) أي: وليس المراد أحدهما فلو لم يثن لربما توهم إرادة غير المراد (خلقك الله بيده) أي: بقدرته (ونفخ فيك من روحه) أي: من روح مشرف بإضافته إليه تعالى (وأمر الملائكة) أي: أن يسجدوا حذف اكتفاء بدلالة (فسجدوا لك) أي: إليك وإلا فالسجود لله تعالى، وهو لهم حينئذ قبلة بمنزلة الكعبة لنا (وأسكنك الجنة) أي: التي يدخلها المؤمنون في الدار الآخرة على الصحيح. وفيه دليل أهل الحق على وجودها الآن (ألا تشفع لنا إلى ربك) عرض وطلب برفق وذكروا ما يهيجه عليه بقولهم (ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا) بفتح المعجمة على أن الفاعل مضمر يعود لما دل عليه ما نحن فيه، أو بالسكون على أن الضمير فاعل، وحذف ما بلغوه من الأتعاب، إيماء إلى شدته وأنه تقصر العبارة عن بيانه (فقال: إن ربي غضب اليوم غضباً) المراد به لاستحالة قيام حقيقته بالله سبحانه وتعالى، غايته مجازاً مرسلاً: إما إرادة الانتقام أو نفسه (لم) وفي نسخة لن (يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله وإنه) (١) سورة طه، الآية: ٧٨. (٢) سورة المؤمنون، الآية: ٤٧ . (٣) سورة مريم، الآية: ١٧ . (٤) سورة مريم، الآية: ٢٦ . ٦٩٢ ١٧ - كتاب: المنثورات والملح ولا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإِنَّهُ نَهاني عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُ، نَفْسِي نَفْسي نَفْسي، أَذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبوا إِلى نُوحٍ. فَيَأْتُونَ نُوحَاً فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ أَنْتَ أوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى الأَرْضِ ، عطف على إن ربي. ويحتمل كونها حالية وأنها مستأنفة والواو فيها كالواو في قوله تعالى : ﴿ونقر في الأرحام﴾(١) لكن أولها أولاها (نهاني عن الشجرة فعصيت) أي: بالوقوع فيها وذلك أنه جوز فيما قيل: كون النهي عن شجرة مخصوصة أشير إليها بقوله: ﴿هذه الشجرة﴾(٢) دون ما كان من نوعها، فأكل من ذلك النوع. والنهي عن جميع أفراد ذلك النوع، فوقع في المنهي عنه. ومثل ذلك لا عصيان فيه للتأويل القريب لكن علو مقام الرسل وشرف قدرهم اقتضى أن يقال له ما قيل له، فعلى قدر المقام يكون الكلام قال المفسرون: لا يجوز أن يقال آدم عاصٍ وإن ورد عصى آدم ربه، لأنه إنما يقال عاص لمن فعل المعصية، كالرجل يخيط ثوبه يوماً يقال خاط ثوبه، ولا يقال هو خائط حتى يعاوده ويعتاده. قاله ابن قتيبة (نفسي نفسي نفسي) يجوز أن يعرب مغرياً على التحذير. ومنه قول عمر بن الخطاب إياي وأن يحذف أحدكم الأرنب. وإن كان وقوع التحذير في ضمير المتكلم قليلاً. ويجوز أن يعرب مبتدأ خبره محذوف أي حسبي نفسي. أو فاعل محذوف أي: يكفيني نفسي والتكرار للتأكيد. وقال الحافظ في الفتح: نفسي التي تستحق أن يشفع لها لأن المبتدأ والخبر إذا كانا متحدين فالمراد به بعض اللوازم (اذهبوا) لما تطلبون من الشفاعة (إلى غيري اذهبوا إلى نوح) بدل مفصل من مجمل (فيأتون نوحاً) قيل اسمه عبد الغفار ولقب بنوح لكثرة نوحه الأمر فعله فعوتب عليه (فيقولون يا نوح أنت أول الرسل) بضمتين ويسكن الثاني تخفيفاً (إلى الأرض) أي: إلى أهلها. وجاء في حديث عند مسلم: ((فيقول آدم ولكن ائتوا نوحاً أول رسول بعثه الله)) قال المأزري: قد ذكر المؤرخون أن إدريس جد نوح فإن قام دليل على أن إدريس أرسل أيضاً لم يصح قول النسابين: إنه قبل نوح لإِخبار النبي وسلّر عن آدم عليه السلام أن نوحاً أول رسول بعث، وإن يقم دليل جاز ما قالوه، وصح أن يحمل أن إدريس كان نبياً غير مرسل قال القاضي عياض: وقد قيل إن إدريس هو إلياس وأنه كان نبياً في بني إسرائيل كما جاء في بعض الأخبار مع يوشع بن نون فإن كان هذا، سقط الاعتراض. قال القاضي: وبمثل هذا يسقط الاعتراض بآدم وشيث ورسالتهما إلى من كان معهما، وإن كانا (١) سورة الحج، الآية: ٥. (٢) سورة البقرة، الآية: ٣٥. ٦٩٣ ٣٧٠ - باب: في فضل المنثورات والملح وَقَدْ سَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدَاً شَكُوراً، أَلَا تَرى إلى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلا تَرى إلى ما بَلَغَنا! ألا تَشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ؟ فَقُولُ: إِنَّ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُ بِهِا عَلى قَوْمي، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهبوا إِلَى غَيْرِي؛ اذْهَبوا إِلَى إِبْراهِيمَ. فَيَأْتُونَ إِبْراهِيمَ فَيَقولُونَ: يا إِبْراهِيمُ أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وخَليلُهُ مِنْ أهْلِ الأَرْضِ، اشْفَعْ لَنا إِلَى رَبِّكَ، رسولين فإن آدم إنما أرسل لبنيه ولم يكونوا كفاراً بل أمر بتبليغهم الإِيمان وطاعة الله تعالى، ولذلك خلفه شيث بعده فيهم بخلاف رسالة نوح فهي إلى كفار أهل الأرض. قال القاضي : وقد رأيت ابن بطال ذهب إلى أن آدم ليس برسل ليسلم من هذا الاعتراض. وحديث أبي ذر الطويل ينص على أن آدم وإدريس لم يرسلوا إلى جميع أهل الأرض. ويشكل عليه حديث جابر أي قوله فيه: وكأن النبي يبعث إلى قومه بخلاف عموم بعثة نبينا ومّ لقومه ولغيرهم أو الأولية مقيدة بالنسبة. أو الأولية مقيدة بكونه أهلك قومه، أو أن الثلاثة كانوا أنبياء ولم يكونوا رسلاً، وإليه جنح ابن بطال في حق آدم. وتعقبه عياض بما صححه من حديث أبي ذر فإنه كالصريح في أنه كان مرسلاً. وفيه التصريح بإنزال الصحف على شيث، وهو من علامة الإِرسال. ومن الأجوبة: إن رسالة آدم كانت إلى بنيه وهم موحدون ليعلمهم شريعته، ونوح كانت رسالته إلى قوم كفار يدعوهم إلى التوحيد (وقد سماك الله عبداً شكوراً، ألا ترى إلا ما نحن فيه ألا) بتخفيف اللام فيه وفيما قبله وهما لاستفتاح الكلام والتنبيه على ما بعدهما (ترى) أي: تبصر (إلى ما بلغنا) ولظهور حالهم وأنها صارت كالمرئي لكل راء عبروا بذلك ورتبوا على ذلك قولهم (ألا تشفع لنا إلى ربك فيقول (لهم) إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي) أي: قوله ﴿لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً﴾(١). ويحتمل أنها قوله ﴿رب انصرني بما كذبون﴾(٢) (نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم فيأتون إبراهيم فيقولون يا إبراهيم أنت نبي الله وخليله) تقدم معناه ومأخذه والتفضيل بينه وبين الحبيب أول الكتاب، وسكوتهم عن وصفه بالرسالة مع أنه من أولي العزم، إما لأنهم أرادوا بالنبي ما يشمله أي: أوحى الله إليك وحيه فيشمل الآخرين، وإما أن النبوة أفضل من الرسالة كما عليه ابن عبد السلام أو لأنهم ذهلوا عنها لشدة الكرب والهول (من أهل الأرض) متعلق (١) سورة نوح، الآية: ٢٦ . (٢) سورة المؤمنون، الآية: ٢٦ . ٦٩٤ ١٧ - كتاب: المنثورات والملح أَلا تَرى إلَى مَا نَحْنُ فِيهِ! فَيَقولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإِنِّي كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلاث كَذَّبَاتٍ، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، أَذْهَبوا إِلَى غَيْرِي، أَذْهَبُوا إِلَى مُوسَى، فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقولُونَ: يَا مُوسَى أنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَضَلَّكَ اللَّهُ بِرِسَالاتِهِ، وبِكَلامِهِ عَلى النَّاسِ ، أَشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، بخليله (اشفع لنا إلى ربك) لعل سر الإِضافة لضمير المخاطب فيه وفي قرائنه أن تربيته لهم أكمل منها لغيرهم من الخلق إذ أوصلهم غاية الشرف ولم يصل إلى أدنى مراتبهم أحد من البشر، وفيه إيماء إلى التوسل بهم لأن للمضاف كمال الانتساب للمضاف إليه، وذلك يقتضي الإِدلال والسؤال (أما) وفي نسخة ألا (ترى إلى ما نحن فيه) يحتمل أنهم قالوا وما بلغنا، کما فيما قبله فيهما وتركه الراوي اكتفاء بدلالة ما قبله وإنهم ترکوا ذلك لکونه من باب الإطناب واشتد بهم الكرب آخراً فامتنعوا منه (فيقول لهم إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني كنت كذبت ثلاث كذبات) قوله إني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا وقوله في سارة أختي. والحق أنها ليست معاصي أي: سأسقم وفعله كبيرهم إن كانت الأصنام تنطق وأختي أي: في الإِسلام لكنها لما كانت بصورة الكذب، سماها كذباً وعدها ذنباً اشفق منه على نفسه، وذلك لأن من كان أعرف بالله تعالى وأقرب منه منزلة كان أعظم خطراً وأشد خشية، وعلى هذا سائر ما أضيف إلى الأنبياء من الخطأ (نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى فيأتون موسى فيقولون يا موسى أنت رسول الله فضلك الله برسالته وبكلامه على الناس) أي: من عدا نبينا ◌َّ حتى إبراهيم بسماعه كلامه القديم النفسي بغير واسطة. ومثل موسى في ذلك نبينا والر فكلمه الله تعالى ليلة المعراج. ولا يلزم من اختصاص موسى عن إبراهيم بما ذكر فضله عليه لأنه قد يكون للمفضول خصيصية بل خصائص لا تكون لأفضل منه. وقد ثبت النص بالحديث المرفوع في إبراهيم أنه سيد البرية، خرج من عمومه نبينا وكثير وبقي عليه فيما عداه فتناول موسى وغيره، والناس عام مخصوص (اشفع لنا إلى ربك) يحتمل أن إلى فيه وفي قرائنه: بمعنى عند. كقول أبي كثير الهذلي : أم لا سبيل إلى الشباب وذكره أشهى إلي من الرحيق السلسل وعلى قول البصريين الذين لا يثبتون لها معنى سوى انتهاء الغاية مطلقاً، فيكون في ٦٩٥ ٣٧٠ - باب: في فضل المنثورات والملح ألا تَرى إلى مَا نَحْنُ فِيهِ! فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلُهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإِنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْساً لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِها، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبوا إِلَى غَيْرِي؛ أَذْهَبُوا إِلَى عِيسى، فَيَأْتُونَ عِيسى فَيَقولُونَ: يا عِيسى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وَرُوحٌ مِنْهُ، وكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ، أَشْفَعْ لَنا إِلَى رَبَّكَ، أَلا تَرى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ! فَقُولُ عِيسى: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبأَ لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، ولَمْ يَذْكُرْ ذَنْباً، نَفْسي نَفْسي الحديث تضمين أي: اشفع لنا متوسلاً إلى ربك (ألا ترى إلى ما نحن فيه فيقول إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني قد قتلت نفساً لم أومر بقتلها) هو القبطي خباز فرعون قال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا﴾(١) الآية فيه إشارة لمنع قتال الكافرين بغير إذن الله. ولهذا لما قتل موسى ذلك القبطي الكافر قال: هذا من عمل الشيطان الآية ١ هـ. ثم إن هذا من موسى من كمال معرفته بعظمة ربه عز جلاله، فإنه أشفق من قتله ذلك مع أن الله أخبر بنص القرآن أنه غفر له (نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى عيسى فيأتون عيسى فيقولون يا عيسى أنت رسول الله وكلمته) أطلقت عليه مجازاً مرسلاً لكونه صدر عن كلمة كن من غير أب (ألقاها إلى مريم وروح منه) أي: من أمره (وكلمت الناس في المهد) حال من فاعل كلم (اشفع لنا إلى ربك) قال الأبي: لم يأت أن الخلق تلجأ إلى غير هذه الأربع وخص الأربع. لأنهم أفضل الرسل بعده ◌َّر، وأولوا العزم من الرسل الذين أمر أن يصبر كما صبروا. قال المصنف: الحكمة في أن الله تعالى ألهمهم سؤال آدم ومن بعده في الابتداء ولم يلهموا سؤال نبينا ◌َّة إظهار فضيلته فإنهم لو سألوه ابتداء لكان يحتمل أن غيره يقدر على ذلك ويحصله، وأما إذا سألوا غيره من رسل الله تعالى وأصفيائه فامتنعوا ثم سألوه فأجاب وحصل غرضهم فهو النهاية في ارتفاع المنزلة وكمال القرب وعظيم الإِدلال والأنس. وفيه تفضيله 18 على جميع المخلوقين من الرسل الآدميين والملائكة، فإن هذا الأمر العظيم، وهو الشفاعة لا يقدر على الإقدام عليه غيره وي ليه (ألا ترى إلى ما نحن فيه فيقول عيسى إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله) علل امتناعه عن الشفاعة بظهور الجلال، فخاف منه (ولم يذكر ذنباً) كذا في هذه الرواية قال السيوطي في (١) سورة الحج، الآية: ٣٩. ٦٩٦ ١٧ - كتاب: المنثورات والملح نَفْسِي، اذْهَبوا إلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلى مُحَمَّدٍ، فَيَأْتُونَ مُحَمَّداً وَ﴿)) وفي رِوايَةٍ: ((فَيَأْتُونِيَ فَيَقولُونَ: يا مُحَمَّدُ أنْتَ رسُولُ اللَّهِ وخَاتِمُ الأَنْبِياءِ، وقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنا إلَى رَبِّكَ، ألا ترى إلى مَا نَحْنُ فِيهِ! فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِدَاً لِرَبِّي، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وحُسْنٍ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئاً لَمْ يَفْتَحْهُ عَلى أَحَدٍ قَبْلِي، التوشيح: وفي رواية عنه إني عبدت من دون الله (نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد ◌َّ فيأتون محمداً ( وفي رواية) أي: لهما (فيأتوني)(١) وإن كانت مشددة فأدغمت نون الرفع بعد تسكينها في نون الوقاية وبالوجهين قوله تعالى: ﴿أتحاجوني﴾(٢) والمراد هنا على الرواية ثم جاء عند أحمد زيادة في الحديث أنهم يأتونه عند الصراط وأن الآتي له الأنبياء وأن المخاطب له عيسى كذا في التوشيح (فيقولون يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء) ويلزمه كونه خاتم الرسل لاعتبار النبوة في مفهوم الرسالة أي: لا ينبأ بعده أحد فلا يرد نزول عيسى عليه السلام لأنه نبي قبله ثم رفع وكذا الخضر وإلياس، إن قيل بوجودهما وهو الأصح وبنبوتهما وهو المختار. فقد تنبأ قبله وص له فلا نقض بأحد منهم (وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر) هو استعارة للعصمة أي: لم يقع منه ذنب أصلاً فأشبه المغفور له. وقيل: المعنى أنه مغفور له مؤاخذ، لو وقع منه ذنب وإن لم يقع. قال الحافظ ابن حجر: ويستفاد التفرقة بينه وبين سائر الأنبياء فإن موسى غفر له أيضاً قتل النفس بنص القرآن، وقد أشفق، فدل على أنه وسلّ لم يقع شيء منه أصلاً وإلا لأشفق كما أشفق غيره (اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فانطلق فآتي تحت العرش) وفي رواية فاستأذن على ربي في الجنة ولا تنافي بينهما. والحكمة في انتقاله من مكانه إليها أن أرض الموقف أرض عرض وحساب، فهي أرض مخافة ومقام الشافع يناسب أن يكون في مكان إكرام، ومن ثم يتحرى الدعاء في مكان شريف (فأقع ساجداً لربي) جاء عند أحمد قدر جمعة (ثم يفتح الله علي من محامده) أي: الثناء عليه بأوصافه الكرام (وحسن الثناء عليه) أي: بأوصاف الجلال ويحتمل العكس. ويجوز أن يراد منهما شيء واحد والعطف باعتبار تنوع الوصف (شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي) وفي رواية فيفتح الله من الثناء والتحميد والتمجيد ما لم يفتح لأحد من الخلائق وهي أبلغ من رواية الكتاب لعموم قوله لأحد من (١) لعل هنا سقطاً والأصل ((إن كانت مخففة فنون الرفع محذوف وإن الخ )). ع. (١) سورة الأنعام، الآية: ٨٠. ٦٩٧ ٣٧٠ - باب: في فضل المنثورات والملح ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، وأَشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ: أُمَّتي يا رَبِّ أُمَّتي يا رَبِّ أُمَّتي يا رَبِّ. فيُقالُ: يَا مُحَمَّدُ أدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْبَابِ الأَيْمَنِ مِنَ أبْوابٍ الْجَنّةِ وهُمْ شُركاءُ النَّاسِ فِيما سِوى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ)) ثُمَّ قَالَ: ((والَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْراعَيْنِ مِنْ مَصارِيعِ الْجَنَّةِ كما بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرَ أوْ كما بَيْنَ مَكَّةَ وبُصْری)» مُتَّفْقٌ عَلَيْهِ(١). قبله وَالر وبعده (ثم يقال) أي: على لسان جبريل كما في حديث أحمد (يا محمد ارفع رأسك) أي: من السجود (سل تعطه) كذا بحذف الواو عند مسلم وهي ثابتة عند البخاري نبه عليه في الفتح، وزاد البخاري ((وقل تسمع واشفع تشفع)) وزاد في رواية ((وادع تجب)). ثم الهاء في لفظه بالسكت. فهي ساكنة ينطق بها وقفاً لا وصلاً، ويجوز أنها ضمير المفعول الثاني عائد على المسؤول المدلول عليه بقوله (فأرفع رأسي فأقول أمتي يا رب أمتي يا رب أمتي يا رب) أي: سؤالي خلاص أمتي أي: خلص أمتي من موبقات القيامة فهو مرفوع أو منصوب (فيقال يا محمد أدخل (الجنة) من أمتك) بيان لمن في قوله: (من لا حساب عليهم) وذلك كل السبعين ألفاً الذين سأل عكاشة أن يكون منهم وقد سبق ذلك في حديث طويل لابن عباس في باب التوكل (من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم) أي: باقي أمتك (شركاء الناس فيما سوى ذلك) الباب الأيمن (من) بقية (الأبواب) الثمانية (ثم قال) بَيّ (والذي نفسي بيده) عند مسلم والذي نفس محمد بيده (إن ما بين المصراعين) بكسر الميم وبالمهملتين جانبا الباب (من مصاريع الجنة) جمع المصراع باعتبار تعدد الأبواب (كما) وعند مسلم لكما بزيادة لام (بين مكة وهجر) بفتح الهاء والجيم مدينة عظيمة قال المصنف: هي قاعدة البحرين. قال: الجوهري في صحاحه هجر اسم بلد مذكر مصروف قال: والنسبة إليه هاجري. وقال: أبو القاسم الزجاج في الجمل هجر يذكر ويؤنث قال المصنف: وهجر هذه غير هجر المذكورة في حديث القلتين تلك قرية من قرى المدينة كان يصنع بها القلال (أو) للشك من الراوي في أنه قال: بين مكة وهجر أو قال: (كما بين مكة وبصرى) بضم الموحدة وسكون المهملة مدينة معروفة، بينها وبين دمشق ثلاث مراحل وهي مدينة حوران وبينها وبين مكة شهر (متفق عليه) رواه البخاري في التفسير وفي أحاديث الأنبياء. ورواه (١) أخرجه البخاري في كتاب: التفسير سورة الإِسراء وفي كتاب الأنبياء باب قوله تعالى ﴿إنا أرسلنا = ٦٩٨ ١٧ - كتاب: المنثورات والملح ١٨٦٥ - وعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ: جَاءَ إِبْرَاهِيمُ لَّهِ بِأُمِّ إِسْمَاعِيلَ وبِابْنِها اسْماعِيلَ وهِيَ تُرْضِعُهُ حَتَّى وضَعَها عِنْدَ الْبْتِ، عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ في أَعْلَى الْمَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ، وَلَيْسَ بِها مَاءٌ فَوَضعَهُمَا هُناكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِراباً فِيهِ تَمْرُ وسِقاءً فِيهِ مَاءٌ، ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقاً فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَقَالتْ: يَا إِبْراهِيمُ أَيْنَ تَذْهَبُ وتَتْرُكَنَا بِهَذا الْوادي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ أَنِيسُ ولا شَيْءٌ؟ فَقَالتْ لَهُ ذَلِكَ مِراراً وجَعَلَ لا يَلْتَفِتُ إِليْها، فَقَالتْ لهُ: آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذا؟ قالَ: نَعَمْ، قالتْ: إِذاً لا يُضَيِّعُنا، مسلم في الأنبياء، وكذا أخرجه الترمذي في الأيمان وقال: حسن صحيح. وأخرجه النسائي في الوليمة، وأخرجه ابن ماجه في الأطعمة كما قاله المزي في الأطراف. ١٨٦٥ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء إبراهيم ◌ََّ بأم إسماعيل) واسمها هاجر وقيل آجر بفتح الجيم فيهما قبطية وهبها لسارة ملك مصر الذي أراد سارة فمنعه الله منها وحديثه في البخاري (وبابنها إسماعيل وهي ترضعه) جملة حالية من أم إسماعيل (حتى وضعها) أي: هاجر وسكت عن إسماعيل لاستلزام وضعها ثمة وضعه معها إذ كان رضيعاً لا مرضع له غيرها (عند البيت) أي: الكعبة (عند دوحة) بفتح المهملتين وسكون الواو بينهما (فوق زمزم) صفة للدوحة أي: كائنة وثابتة فوقها (في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد) أي: من الإِنس (وليس بها ماء فوضعهما) بضمير التثنية وأفرد أولاً تفنناً في التعبير وإلا فالمراد في الموضعين منه واحد (هناك) أي: عند الدوحة (ووضع عندهما جراباً) بكسر الجيم (فيه تمر وسقاء) بكسر المهملة وتخفيف القاف وبالمد إناء يكون للماء واللبن (فيه ماء ثم قفى) بتشديد الفاء (إبراهيم) أي: جعل قفاه لجهة هاجر (منطلقاً) إلى الشام (فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أي تذهب وتتركنا) بالنصب بأن بعد الواو في جواب الاستفهام وبالرفع عطفاً على الفعل قبله (بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيسٍ ولا شيء) أي: مما يؤكل ويشرب (فقالت له ذلك) أي: يا إبراهيم أين تذهب إلخ (مراراً) أخرج عمرو بن شيبة من طريق أنها نادته بذلك ثلاثاً (وجعل لا يلتفت إليها) وانصرف إلى طريقه (فقالت له الله) بمد الهمزة وهي للاستفهام (أمرك بهذا قال: نعم قالت إذاً) حرف جواب وجزاء (لا يضيعنا) بالنصب ولا يضر الفصل بلا، وبالرفع على إهمالها فإن أعمالها عند اجتماع شروطه جائز = نوحاً ... ﴾، (٢٦٤/٦، ٢٦٥، ٣٠٠/٨). وأخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها، (الحديث: ٣٢٧). ٦٩٩ ٣٧٠ - باب: في فضل المنثورات والملح ثُمَّ رَجَعَتْ، فَانْطَلَقَ إبْرَاهِيمُ وَ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَِّيَّةِ حَيْثُ لا يَرونَهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتِ ثُمَّ دَعَا بِهَؤلاءِ الدَّعَوَاتِ فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ(١): ﴿رَبَّنَا إِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿يَشْكُرُونَ﴾ وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْماعيِلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُها، وجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِليْهِ يَتَلَوَّى أوْ قالَ يَتَلَبَّطُ، فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ فَوَجَدَتِ الصَّفا أقْرَبَ جَبَلٍ فِي الأَرْضِ يَليها فَقامَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الْوَادِي تَنْظُرُ هَلْ تَرِى أَحداً فَلَمْ تَرَ أَحَداً، فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفا حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْوَادِي رَفَعَتْ طَرَفَ لا واجب (ثم رجعت) إلى ابنها (فانطلق إبراهيم ◌َّ حتى إذا كان عند الثنية) بفتح المثلثة وكسر النون وتشديد التحتية وذلك عند الحجون بفتح المهملة (حيث لا يرونه) بدل من التثنية (استقبل) جواب ذا الوقتية المضمنة معنى الشرط (بوجهه البيت) فيه استحباب استقبال القبلة حال الدعاء (ثم دعا بهؤلاء الدعوات فرفع يديه فقال:) عطف على دعا كالعطف في قوله توضأ زيد فغسل وجهه ويديه، (رب إني أسكنت من ذريتي) أي: بعضهم (بواد غير ذي زرع) هو مكة وكونها كذلك ليتم التفرغ فيها للعبادة فإن الزرع والأكساب الدنيوية مانعة منه (عند بيتك) إضافة تشريف ووصفه بقوله (المحرم) لذلك أي: المحرم الصيد عنده وقطع الشجر والمقاتلة وغير ذلك (ربنا ليقيموا الصلاة) بمكة لإِسكانه لهم ثمة ففيه تحريض للمقيم بمكة على عبادة المولى والإِعراض عن أعراض الدنيا فإنها حينئذ تنقاد له (فاجعل أفئدة من الناس) أي: من افئدتهم (تهوي) أي : تسرع (إليهم) شوقاً. عن بعض السلف لو قال: الناس لازدحمت عليه الروم وفارس والناس كلهم، ولكن قال: من الناس فاختص به المسلمون (وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون) نعمتك وقد استجاب الله دعاءه (وجعلت أم إسماعيل ترضعه وتشرب من ذلك الماء) أي: وتأكل من ذلك الثمر (حتى إذا نفد) بكسر الفاء وبالدال المهملة (ما في السقاء) أي: من الماء (عطشت وعطش ابنها) بكسر الطاء (وجعلت تنظر إليه) أي: تبصره (يتلوى أو قال) أي: ابن عباس (يتلبط) بموحدة بعدها مهملة أي يتمرغ ويضرب بنفسه الأرض (فانطلقت كراهية) بتخفيف التحتية مفعول له (أن تنظر إليه) أي: وهو كذلك (فوجدت الصفا) بالقصر طرف جبل أبي قبيس (أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي) أي مكة (تنظر هل ترى) أي: تبصر (أحداً (١) سورة إبراهيم، الآية: ٣٧. ٧٠٠ ١٧ - كتاب: المنثورات والملح دِرْعِها ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإِنْسانِ الْمَجْهودِ حَتَّى جَاوَزَتِ الْواديَ، ثُمَّ أَتَتِ الْمَرْوَةَ فَقَامَتْ عَلَيْها فَنَظَرَتْ هَلْ تَرِى أَحَداً فَلَمْ تَرَ أَحَدَأَ، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضِيَ اللَّهُ عِنْهُما قالَ النَّبِيُّ :﴿: ((فَلِذلِكَ سَعِى النَّاسُ بَيْنَهُمَا))؛ فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلى الْمَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتاً فقالتْ صَهْ (تُرِيدُ نَفْسَها)، ثُمَّ تَسَمَّعَتْ فَسَمِعَتْ أَيْضاً فَقالتْ: قَدْ أَسْمَعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غَواثٌ، فَإِذا هِيَ بِالمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَهْزَمَ فَبَحَثَ بِعَقَبِهِ أَوْ قالَ بِجَناحِهِ حَتَّى ظَهَرَ الْمَاءُ، فَجَعَلَتْ تُخَوِّضُهُ وَتَقولُ بِيَدِهَا هَكَذَا، وجَعَلَتْ تَغْرِفُ الْمَاءَ في سِقائِها وَهُوَ يَفورُ بَعْدَمَا تَغْرِفُ. وفي روايةٍ: بِقَدْرِ مَا تَغْرِفُ. قالَ فلم تر أحداً فهبطت) بفتح الهاء والموحدة أي: نزلت (من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها) غاية لمقدر أي: وسارت إلى بلوغ الوادي. والدرع هنا بمعنى القميص (ثم سعت سعي الإِنسان المجهود) الذي أصابه الجهد وهو الأمر المشق (حتى جاوزت) أي: قطعت (الوادي) فعادت لسيرها وإنما فعلت ذلك لأنها لما بلغت الوادي استتر عنها ولدها لهبوط بطن الوادي فأسرعت لتقطعه وترجع إلى علو قراه (ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحداً فلم تر أحداً) أي: فهبطت حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإِنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت الصفا وحذف من الكلام اختصاراً اكتفاء بدلالة ما قبله عليه وكذا قوله (ففعلت ذلك سبع مرات) زاد في رواية الفاكهي وكان ذلك أول ما سعى بين المروتين (قال ابن عباس رضي الله عنهما قال النبي مطهر فلذلك) أي: سعيها (سعى الناس بينهما فلما أشرفت على المروة) أي: آخر المرات التي تم بها السبع (سمعت صوتاً فقالت صه) أي: اسكتي (تريد) بقولها صه (نفسها) أي: تخاطبها به (ثم تسمعت) التفصيل فيه للمبالغة (فسمعت أيضاً فقالت قد أسمعت) بفتح التاء خطاباً لذي الصوت (إن كان عندك غواث) بفتح أوله وتخفيف الواو وآخره مثلثة مصدر. ولأبي ذر بضم أوله. وحكى ابن قرقول كسره، وجواب الشرط محذوف أي: فأغثنى (فإذا هي بالملك) أي: جبريل (عند موضع زمزم فبحث) أي: الملك (بعقبه أو قال بجناحه حتى ظهر الماء) أي: ماء زمزم (فجعلت تحوضه) بحاء مهملة وضاد معجمة وواو مشددة أي تجعله مثل الحوض (وتقول بيدها) من إطلاق القول على الفعل (هكذا وجعلت تغرف الماء في سقائها وهو) أي: الماء (يفور) أي: ينبع نبعاً شديداً (بعدما تغرف، وفي رواية بقدر ما تغرف، قال