النص المفهرس

صفحات 661-680

٦٦١
٣٧٠ - باب: في فضل المنثورات والملح
١٨٣٦ - وعَنْهُ رضيَ اللَّهُ عِنْه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَ ﴿ قَالَ: ((يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ أَصَابُوا
فَلَكُمْ، وإِنْ أَخْطَؤُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ)) رواهُ الْبُخَارِيُّ(١).
١٨٣٧ - وعَنْه رضِيَ اللَّهُ عَنْه (٢) ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، قَالَ: ((خَيْرُ
النَّاسِ لِلنَّاسِ يَأْتُونَ بِهِم في السَّلَاسِلِ فِي أَعْناقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلوا في الإِسلامِ)).
١٨٣٦ - (وعنه أن رسول الله وسلم قال: يصلون) أي: الأئمة (لكم) أيها المسلمون (فإن
أصابوا) أي: وافقوا والصواب فيها وهم عارفون به، لأنه لا يجوز مباشرة أمر لمن لا يعلم
حكم الله فيه (فلكم) الأجر أي: ولهم أيضاً لذلك، وسكت عنه لوضوحه وظهوره، لأن الله
لا يضيع أجر من أحسن عملاً عليه ولدلالة قوله (وإن أخطئوا فلكم وعليهم) هذا يحمل على
ما إذا كان ما أتى به من الخطأ غير موجب للإِعادة كالحدث مثلاً والإِخلال بما يحرم الإِخلال
به إلا أنه غير مبطل كتأخير الصلاة وإخراجها عن وقت أدائها بغير عذر، فهو حرام. وإذا
فعلت خارجة فهي صحيحة (رواه البخاري).
١٨٣٧ - (وعنه) أي: أبي هريرة (رضي الله عنه) موقوفاً عليه في تفسير قوله تعالى: (كنتم
خير أمة أخرجت) أي: أظهرت (للناس قال:) أي: أبو هريرة (خير الناس للناس) قال
الحافظ ابن كثير في التفسير: المعنى خير الأمم وأنفع الناس للناس، ولذا قال تعالى:
﴿تأمرون بالمعروف﴾ (٣) الآية (يأتون) أي: الناس (بهم في السلاسل في أعناقهم) في محل
الصفة أو الحال من السلاسل (حتى يدخلوا في الإِسلام) قال الحافظ ابن كثير: وهكذا قال
ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطاء والربيع عن أنس وعطية العوفي يعني خير الناس للناس
أي: هذا المتفق عليه. وفيه تفسير الآية. وقوله يأتون بهم الخ بيان لكمال لطف الله بهم،
وأنهم يؤسرون على ما يحوزون به الشرف في الدارين، وهو بمعنى الحديث المرفوع بعده
ولعله أخذه منه. وفي حديث درة بنت أبي لهب مرفوعاً: ((خير الناس أقرؤهم وأفقههم في
دين الله وأتقاهم الله وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرحم)). وعن ابن
عباس موقوفاً عليه في قوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾(٢) قال: هم الذين
هاجروا مع رسول الله وبر من مكة إلى المدينة. قاله ابن كثير. والصحيح أن هذه الآية عامة
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الآذان، باب: إذا لم يتم الإِمام وأتم من خلفه، (١٥٧/٢)
(٢) سورة آل عمران، الآية: ١١٠.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ١١٠.

٦٦٢
١٧ - كتاب: المنثورات والملح
١٨٣٨ - وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: ((عَجِبَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِنْ قَوْمِ
يَدْخُلُون الْجَنَّةَ فِي السَّلاسِلِ)) رَواهُما الْبُخَارِيُّ. ومَعْناهُ: يُؤْسَرونَ ويُقَيِّدُونَ ثُمّ
يُسْلِمُونَ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ(١).
١٨٣٩ - وعَنْه رضِيَ اللَّهُ عنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: ((أحَبُّ الْبِلادِ إِلَى اللَّهِ
مساچِدُها
في جميع الأمة كل قرن بحسبه وخير قرونهم الذين يلونهم. وفي مسند الإِمام أحمد من
حديث معاوية بن حيدة مرفوعاً ((أنتم موفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله
عز وجل)). حديث مشهور حسنه الترمذي، وصححه الحاكم في المستدرك. وإنما فضلت
هذه الأمة من تقدمها بنبيها محمد ◌َّ فإنه أشرف خلق الله وأكرمهم عليه، وبعثه الله بشرع
عظيم كامل لم يعطه نبياً قبله ولا رسولاً من الرسل، فالعمل على منهاجه وسبيله يقوم القليل
منه ما لا يقوم العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه اهـ.
١٨٣٨ - (وعنه عن النبي ◌َّ- قال: عجب ربك) وفي نسخة عجب الله. المراد منه
لاستحالة قيام حقيقة العجب بالله تعالى غايته من الرضا والإِكرام (من قوم يدخلون الجنة)
بصيغة المجهول أي: يفعلون المقتضى لدخولها بالوعد الصادق وهو الإِيمان، ففيه مجاز
مرسل من إطلاق اسم المسبب على السبب، (في السلاسل) في تعليلية أي: لوضعها في
أعناقهم حال الأسر ثم يسلمون، أو ظرفية أي: إنهم يسلمون وهم فيها أسرى (رواهما
البخاري) أي: الحديث الموقوف على أبي هريرة والمرفوع (معناه) أي: المذكور فيهما
(يؤسرون ويقيدون ثم يسلمون فيدخلون الجنة) فالأسر باعتبار ما كانوا يرونه نقمة وباعتبار
ما تجلى عنه نعمة .
١٨٣٩ - (وعنه) رضي الله عنه (عن النبي وَ ير قال: أحب البلاد) أل فيه للجنس (إلى الله
مساجدها) لأنها البيوت التي أذن الله فيها أن ترفع ويذكر فيها اسمه بالتسبيح والتقديس والثناء
عليه جل وعلا، ويقام فيها الصلاة، ويقرأ فيها القرآن، وينشر فيها العلوم، ويعرض فيها
لنفحات الحي القيوم. والبلاد جمع بلد في القاموس البلد والبلدة كل قطعة من الأرض.
مستحيزة عامرة أو غامرة. وفي الصحاح البلد الأرض. وفي النهاية البلد من الأرض ما كان
مأوى للحيوان وإن لم يكن فيه بناء، وفي المصباح يطلق البلد والبلدة على كل موضع من
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: الأسارى في السلاسل (١٠١/٦ و١٦٩/٨).

٦٦٣
٣٧٠ -باب: في فضل المنثورات والملح
وأبْغَضُ الْبِلادِ إِلى اللَّهِ أسْواقُها)) رَواهُ مُسْلِمٌ(١).
١٨٤٠ - وعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رضِي اللَّهُ عنه مِنْ قَوْلِه قَالَ: لا تَكُونَنَّ إِن
اسْتَطَعْتَ أَوْلَ مَنْ يَدخُلُ السُّوقَ ولا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْها فَإِنَّهَا مَعْرَكَةُ الشَّيْطَانِ وَبِها
الأرض عامراً كان أو خلاء. وفي التنزيل إلى بلد ميت أي: إلى أرض ليس بها نبات ولا
مرعى، فيخرج ذلك بالمطر فترعاه أنعامهم فأطلق الموت على عدم النبات والمرعى، وأطلق
الحياة على وجودهما ا هـ(٢). (وأبغض البلاد إلى الله) تعالى (أسواقها) جمع سوق وهو اسم
لكل مكان وقع فيه التبايع ممن يتعاطى البيع. وفي المصباح: السوق يذكر ويؤنث. وقال أبو
إسحاق التأنيث أفصح وأصح والتذكير خطأ، لأنه يقال سوق نافقة ولم يسمع نافق. والنسبة
إليها سوقي وسبب البغض أنها محل للفحش والخداع والربا والأيمان الكاذبة واختلاف
الوعد والإِعراض عن ذكر الله تعالى، وغير ذلك مما في معناه، والحب والبغض من الله
تعالى إرادته الخير والشر، وفعل ذلك لمن أسعده وأشقاه والمساجد محل نزول الرحمة
والأسواق ضدها. وقال السيوطي : هذا مجاز وصف المكان بصفة ما يقع فيه ولا يقوم به قيام
العرض بالجوهر أراد بمحبة المساجد حب ما يقع فيها من ذكر، وتلاوة كتابه، والاعتكاف،
ونشر العلم والصلوات. ويبغض الأسواق بغض ما فيها من غش وخديعة وخيانة وسوء معاملة
مع كون أهلها لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر، ولا يغضون أبصارهم عن المحارم
(رواه مسلم).
١٨٤٠ - (وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه) تقدمت ترجمته في باب أدب المجلس
والجليس (من قوله) أي: موقوفاً عليه وهو في محل الحال (قال: لا تكونن إن استطعت)
جملة شرطية محذوفة الجواب، لدلالة المقام عليه أي: فلا تكونن من أول داخل فيها
ولا خارع منها وهي معترضة بين اسم يكون وهو المستكن في الفعل وخبرها وقوله (أول من
يدخل السوق ولا آخر) معطوف عليه (من يخرج منها) وأتى بالجملة تنبيهاً على أن التكاليف
على هذه الأمة، حسب طاقتها وقدر استطاعتها. وعلل ما ينهى عنه بقبوله (فإنها) أي :
السوق (معركة الشيطان) أي: يريد فيها القبائح من الغش والخداع والأيمان الكاذبة،
والأفعال المنكرة، ويريد ذلك لأوليائه من الإِنس (وبها ينصب رايته) والمبادرة إليها دخولاً،
(١) أخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل الجلوس في مصلاه بعد الصبح وفضل
المساجد، (الحديث: ٢٨٨).
(٢) صححت العبارات السابقة بمراجعة القاموس والنهاية والمصباح. ع.

٦٦٤
١٧ - كتاب: المنثورات والملح
يُنْصُبُ رايَتَهُ. رواهُ مُسْلِمٌ هَكَذَا. وَرَواهُ الْبَرْقَانِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّه ◌ِوَه: ((لا تَكُنْ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ ولا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْها، فِيها باضَ
الشَّيْطانُ وفَرَّخَ))(١).
١٨٤١ - وعَنْ عَاصِمِ الأُخْوَلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ سِرْجِسٍ
والتأخير منها خروجاً، فيه عناية بما هو منسوب للشيطان مبغض للرحمن، ولا ينافي ذلك
الأمر بالتبكير وأنه سبب للبركة لأنه يبكر من بيته لطلب الرزق فيبدأ بالمسجد، ويفتتح
بالطاعة فإذا قامت السوق أول النهار فلا يكون أول داخل إليه، فإذا جمع بين التبكير وترك
المنهي عنه (رواه مسلم هكذا) أي: موقوفاً عليه (ورواه البرقاني) بفتح الموحدة وبالقاف
كما تقدم أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي الشافعي شيخ بغداد قال
الخطيب: كان ثقة ورعاً ثابتاً لم ير في شيوخنا أثبت منه عارفاً بالفقه له حظ من علم العربية،
كثير الحديث، صنف مسنداً ضمنه ما اشتمل عليه الصحيحان وغير ذلك، ولم يقطع
التصنيف حتى مات وله ترجمة طويلة في طبقات الحفاظ للذهبي (في صحيحه عن سلمان)
فرفعه (قال: قال رسول الله وَ له: لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها) ثم
بين علة النهي بقوله على سبيل الاستئناف البياني (فيها) وعند الخطيب البغدادي فإن فيها
(باض) بالموحدة والمعجمة (الشيطان وفرخ) قال في الجامع الكبير: رواه الخطيب
والطبراني لكن قال: ففيها بزيادة فاء. وأخرج الطبراني عن سلمان أيضاً مرفوعاً لا تكن أول
من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها، فإنها معركة الشيطان أو قال: مربض الشيطان أو
وبها نصب رايته. وقوله: ((فيها باض الشيطان وفرخ)) مجاز عن كونها محل المعاصي من
الغش والخداع والأيمان الكاذبة والأفعال المنكرة وتلك مرضية الشيطان مطلوبة له مسؤوله،
وعليها يعول. ولذا كانت أبغض إلى الله تعالى كما تقرر آنفاً.
١٨٤١ - (وعن عاصم الأحول) هو ابن سليمان قال في التقريب يكنى أبا عبد الرحمن
بصري ثقة من أوساط التابعين لم يتكلم فيه إلا القطان، وكان سبب دخوله في الولاية
مات بعد مائة وأربعين خرج حديثه الجميع اهـ. وقد ذكرت زيادة في ترجمته في رجال
الشمائل (عن عبد الله بن سرجس) بوزن نرجس والعين فيهما مهملة تقدمت ترجمته
(١) أخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها،
(الحديث: ١٠٠).

٦٦٥
٣٧٠ - باب: في فضل المنثورات والملح
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ وَ﴿َ: يَا رَسُولَ اللَّهِ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ. قَالَ: ((وَلَكَ)) قَالَ
عَاصِمٌ فَقُلْتُ لَهُ: أَسْتَغْفِرَ لَكَ رَسُولَ اللّهِ إِلَ؟ قَالَ: نَعَمْ وَلَكَ، ثُمَّ تَلا الآيةِ(١) ﴿وَاسْتَغْفِرْ
لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ رَوَاهُ مُسْلِمٌ(٢).
١٨٤٢ - وعَنْ أَبي مَسْعودٍ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النّبِيُّ وَهُ: ((إِنَّ
مِّمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كلامِ النُّبُوَّةِ الأولَى إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ)) رَواهُ
(رضي الله عنه) في باب ما يقوله إذا ركب دابته (قال: قلت لرسول الله وَيّ يا رسول الله
غفر الله لك) دعاء أو إخبار اقتباساً من قوله تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما
تأخر﴾(٣) وأومأ إلى التعميم بحذف المعمول، وقدمنا أن المختار أن ما في الآية كناية عن
تعظيم الله تعالى لنبيه وعنايته به، وإلا فلا ذنب أصلاً (قال) النبي وَّر بعد قوله غفر الله لك
مكافأة للحسنة بأحسن منها (ولك) أي: وغفر لك وإنما كان أحسن لرفعة دعائه على دعاء
من سواه ◌َّ﴾ (قال عاصم) الراوي عن ابن سرجس (٤) (فقلت له) أي: عند إخباره بذلك
(أستغفر) بفتح الهمزة للاستفهام واكتفى بها عن همزة الوصل فلذا حذفت أي: دعا بالمغفرة
(لك رسول الله وَّة) أي: بقوله ولك أي: وغفر لك (قال: نعم ولك) أي: واستغفر لك
أيضاً لأنه أمر بذلك فلا يتخالف عن أداء ما أمر به البتة (ثم تلا هذه الآية) وعطف عليها
عطف بيان قوله (واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) وفيه تجوز بإطلاق الآية على بعضها
(رواه مسلم) والترمذي بنحوه في الشمائل.
١٨٤٢ - (وعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: قال النبي وَلّ إن مما أدرك الناس)
أي: مما وصل إليهم عنه وظفروا به، ومن: ابتدائية خبر إن واسمها قوله: ((إذا لم تستح)) الخ
على تأويل هذا القول والعائد إلى ما محذوف وفاعله أدرك الناس أو ضمير يعود إلى ما
(١) سورة محمد، الآية: ١٩.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: الفضائل، باب: إثبات خاتم النبوة وصفته، ومحله في جسده مصر، (الحديث:
١١٢).
(٣) سورة الفتح، الآية: ٢.
(٤) كان في الأصل تقديم وتأخير مخل فليتنبه. ع.
١٢٠١

٦٦٦
١٧ - كتاب: المنثورات والملح
البُخَارِي(١).
١٨٤٣ - وعَنِ ابنِ مَسْعودٍ رضِيَ اللَّهُ عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((أَوَّلُ مَا يُفْضَى
بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِي الدِّمَاءِ» مُتْفَقٌ عَلَيْهِ(٢).
والناس مفعوله لكن الرواية على الأول (من كلام النبوة الأولى) أي: ذوي النبوة المتقدمة
على نبوة محمد ﴾ (إذا لم تستح فاصنع ما شئت) أي: إذا أردت فعل شيء فإن كان مما
لا يستحى فيه من الله ولا من الناس لإِباحته فافعل وإلا فلا، وعليه فالأمر للإِباحة. ويجوز أن
يكون الأمر للتهديد أي: إذا نزع منك الحياء فافعل ما شئت فإنك مجازى عليه، أو أن الأمر
بمعنى الخبر أي: إذا نزع منك الحياء فعلت ما شئت من حرام وحلال، إذ لا رادع يردعك،
وتقدم في بيان كثرة طرق الخير تعريف الحياء (رواه البخاري) وقال السخاوي في تخريج
الأربعين حديثاً التي جمعها المصنف: هذا حديث صحيح كوفي المخرج رواه أحمد وأبو
داود وابن حبان والطبراني والقطيعي. في زوائد المسند وجمع آخرون يطول الكلام
بذکرهم .
١٨٤٣ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي ◌َّ أول ما يقضى بين الناس يوم
القيامة في الدماء) أي: التي وقعت بين الناس في الدنيا، والمعنى أول القضايا القضاء في
الدماء ويحتمل أن يكون التقدير أول ما يقضى فيه الأمر الكائن في الدماء ولا يعارضه
حديث: ((أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته)) لأن الأول محمول على ما يتعلق
بمعاملات الخلق، والثاني فيما يتعلق بعبادة الخالق. وما في الحديث موصول حرفي
ومتعلق الجار محذوف أي أول القضاء يوم القيامة في الدماء، أي: في الأمر المتعلق
بالدماء. وفي الحديث عظيم أمر الدماء، فإن البداءة تكون بالأهم، والذنب يعظم بحسب
عظم المفسدة، وتفويت المصلحة وإعدام البنية الإِنسانية غاية في الذم، وقد ورد في
التغليظ في أمر القتل آيات كثيرة، وأحاديث صحيحة، ولا يخالف حديث الباب حديث:
((أنا أول من يحشر للخصومة)) يعني هو ورفيقاه حمزة وعبيدة وخصومهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة
والوليد بن عتبة لأن حديث الباب محمول على الجماعة؛ وذلك على الآحاد (متفق عليه)
ورواه أحمد والنسائي وابن ماجه.
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأنبياء والأدب، باب: إذا ما لم تستح فاصنع ما شئت، (٤٣٤/١٠).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: اول الديات والرقاق، باب: القصاص يوم القيامة (١٦٦/١٢).
وأخرجه مسلم في كتاب: القسامة، باب: المجازاة بالدماء في الآخرة، وأنها ... ، (الحديث: ٢٨).

٦٦٧
٣٧٠ - باب: في فضل المنثورات والملح
١٨٤٤ - وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنها قَالتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَ لِهِ: ((خُلِقَتِ
الْمَلائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نَارٍ، وخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ))
رواهُ مُسْلمُ(١).
١٨٤٥ - وعَنْها رضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالتْ: كانَ خُلُقُ نَبِيِّ اللَّهِ﴿ِ الْقُرْآنَ. رواهُ
١٨٤٤ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله وَلقر خلقت الملائكة من نور)
فلذا كانت أجساماً لطيفة نورانية لها قدرة على التشكل بأيّ صورة كانت (وخلق الجان) هو
إبليس وهو أبو الشياطين، وقيل المراد به أبو الجن وهل هو إبليس أو غيره قولان (من مارج)
بالراء فيه (من نار) بيان لمارج فإنه في الأصل للمضطرب، من مرج إذا اضطرب قال ابن
عادل: من الأولى لابتداء الغاية، وفي الثانية وجهان: البيان والتبعيض، والمارج ما اختلط
من أحمر وأصفر وأخضر، وهذا مشاهد في النار ترى الألوان الثلاثة مختلط بعضها ببعض،
وقيل: الخالص. وقيل: الأحمر، وقيل: الحمرة في طرق النار، وقيل: المختلط بالسواد
وقيل: اللهب المضطرب. وقال الليث: المارج الشعلة الساطعة ذات اللهب الشديد. وعن
ابن عباس أنه اللهب الذي يعلو النار فيختلط بعضه ببعض أحمر وأصفر وأخضر ونحوه عن
مجاهد. وقيل: المارج المرسل غير ممنوع. قال المبرد: والمارج النار المرسلة التي
لا تمنع وقال أبو عبيدة والحسن: المارج المختلط من النار، وأصله مرج إذا اضطرب
واختلط قال الفرضي قوله من نار: نعت لمارج (وخلق آدم مما وصف لكم) ببناء الفعل
للمجهول أي: مما ذكر لكم في التنزيل من أنه من التراب قال تعالى: ﴿منها خلقناكم﴾(٢)
ثم عجن فصار طيناً قال تعالى حكاية عن إبليس ﴿خلقتني من نار وخلقته من طين﴾(٣) ثم ترك
حتى تجمد وتغير وصار حما مسنوناً، ثم يبس حتى صار يصلصل أي: يصوت إذا نقر قال
تعالى ﴿ولقد خلقنا الإِنسان من صلصال من حما مسنون﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿خلق الإِنسان
من صلصال كالفخار﴾(٥) (رواه مسلم) ورواه أحمد.
١٨٤٥ - (وعنها قالت كان خلق) بضم المعجمة واللام أي: سجية (نبي الله صل ر القرآن) قال
العارف بالله تعالى السهروردي صاحب عوارف المعارف: لا يبعد أن قول عائشة: فيه رمز
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الزهد والرقائق، باب: في أحاديث متفرقة، (الحديث: ٦٠).
(٢) سورة طه، الآية: ٥٥.
(٤) سورة الحجر، الآية: ٢٦.
(٣) سورة الأعراف، الآية: ١٢ .
(٥) سورة الرحمن، الآية: ١٤ .

٦٦٨
١٧ - كتاب: المنثورات والملح
مُسْلِمٌ فِي جُمْلَةِ حَديثٍ طَويلٍ (١).
١٨٤٦ - وعَنْها رَضِيَ اللَّهُ عنْها قَالتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ◌ِلهِ: (مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ
أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ ومَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أَكَرَاهِيَّةَ
الْمَوْتِ فَكُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ؟! قَالَ: ((لَيْسَ كَذَلِكَ، ولَكِنَّ الْمُؤْمِنَ
غامض وإيماء خفي إلى الأخلاق الربانية، فاحتشمت الحضرة الالهية أن تقول كان متخلقاً
بإخلاق الله تعالى، فعبرت عن ذلك المعنى بقولها. كان خلقه القرآن استحياء من سبحات
الجلال وستر الحال بلطف المقال، وهذا من وفور عقلها وكمال أدبها فكما أن معاني القرآن
لا تتناهى، فكذلك أوصافه الجميلة الدالة على عظم أخلاقه لا تتناهى، وفي كل حالة من
أحواله يتجدد له من مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، وما يفيضه الله عليه من معارفه وعلومه
ما لا يعلمه إلا الله، فإذاً التعرض لحضرة جزئيات أخلاقه الحميدة تعرض لما ليس من
مقدور الإِنسان ولا من ممكنات عاداته. قال الحراني: بفتح المهملة وتشديد الراء: ولما كان
عرفان قلبه وَي وه بربه عز وجل كما قال عليه الصلاة والسلام: ((بربي عرفت كل شيء)) كانت
أخلاقه أعظم خلق، فلذا بعثه إلى الناس كلهم ولم يقصر رسالته على الإِنس حتى عمت
الجن ولم يقصرها على الثقلين حتى عمت جميع العالمين (رواه مسلم في جملة حديث
طويل).
١٨٤٦ - (وعنها قالت: قال رسول الله وَلخير من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه) فيه حث على
القيام بالطاعات والدأب فيها والإِخلاص المرتب عليه من فيوض الله ما لا يحصى ومن
تشريفات العامل. لذلك ما لا يستقصى، فيحب العامل لذلك لقاء الله لما أعد له ويحب الله
لقاءه (ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه فقلت يا رسول الله أكراهية الموت) الهمزة للاستفهام
أي: أيراد بكراهية لقاء الله تعالى كراهية الموت فهذا مشكل؟ (فكلنا نكره الموت) بحسب
الطبع وإن كان محبوباً بالنظر لما وراءه مما أعد لصالح المؤمنين مما لا عين رأت ولا أذن
سمعت ولا خطر على قلب بشر (قال: ليس كذلك) أي: ليس الأمر كذا الذي توهمته
(ولكن) استدراك بإثبات ما يوهم شمول النفي له والنون مشددة (المؤمن) وفي نسخة إن
(١) أخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض،
(الحديث: ١٣٩). مطولاً

٦٦٩
٣٧٠ - باب: في فضل المنثورات والملح
إِذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَرِضْوانِهِ وَجَنَّتِهِ أَحبَّ لِقَاءَ اللَّهِ فَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وإِنَّ الْكَافِرَ
إِذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وسَخَطِهِ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقاءهُ)) رواهُ مُسْلِمٌ(١).
المؤمن بزيادة إن (إذا بشر برحمة الله) من النعيم والإحسان المعدين له (ورضوانه وجنته)
وذلك التبشير عند الاحتضار (أحب لقاء الله) لما يعلم من عظيم ما ينتقل إليه ويحل به من
فضل ربه (فأحب الله لقاءه) أي: رضيه وأثنى عليه (وأن الكافر إذا بشر بعذاب الله وسخطه)
فيه تهكم واستهزاء، إذا استعملت البشارة الموضوعة في الأمر السار للمبشر في ضده ومنه
قوله تعالى: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾(٢) (كره لقاء الله) لما يعلم من سوء منقلبه فإنه في الدنيا
خال من العذاب، وفي الآخرة مؤبد فيه مخلد (فكره الله لقاءه) أي: أبعده من رحمته وكرهه
وذمه في عالم الملكوت - (رواه مسلم) وفي الجامع الصغير حديث ((من أحب لقاء الله
أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)) رواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي من
حديث عائشة وعبادة. وفي الجامع الكبير بعد ذكر المتن كما في الجامع الصغير رواه
الطيالسي وأحمد والدارمي والشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أنس عن عبادة بن
الصامت ورواه أحمد والبخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة. ورواه الطبراني عن معاوية
وذكر الحديث كما ذكره المصنف لكن قال: قالوا يا رسول الله لكنا نكره الموت ((قال ليس
ذلك كراهية الموت ولكن المؤمن إذا احتضر جاء البشير من الله بما هو صائر إليه فليس شيء
أحب إلى الله(٣) من أن يكون قد لقي الله فأحب الله لقاءه، وإن الفاجر إذا احتضر جاءه ما هو
صائر إليه من الشر فكره لقاء الله فكره الله لقاءه)) وقال: رواه أحمد والنسائي من حديث ابن
حبان اهـ. قال المصنف هذا الحديث يفسر آخره أوله، ويبين المراد بباقي الأحاديث
المطلقة: ((من أحب لقاء الله ومن كره لقاء الله)). ومعنى الحديث إن الكراهة المعتبرة
ما يكون عند النزع حالة عدم قبول توبة، ولا غيرها فحينئذ یبشر كل بما يصير إليه ویکشف له
عنه، فأهل السعادة يحبون لقاء الله، لينتقلوا إلى ما أعد الله لهم، ويحب الله لقاءهم، أي:
فيجزل لهم العطاء والكرامة، وأهل الشقاوة يكرهون لما علموا من سوء ما ينتقلون إليه
ويكره الله لقاءهم أي: يبعدهم عن رحمته وكرامته ولا يريد ذلك بهم، وهذا معنى كراهيته
سبحانه لقاءهم. وليس معنى الحديث أن سبب كراهة الله لقاءهم كراهيتهم ذلك، ولا أن
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء ... ، باب: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء،
(الحديث: ١٥).
(٢) سورة آل عمران، الآية: ٢١
(٣) كذا في الأصل ولعلم إليه

٦٧٠
١٧ - كتاب: المنثورات والملح
١٨٤٧ - وعَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالتْ: كانَ
النَّبِيُّ ◌َ﴿ مُعْتَكِفاً فَأَنْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا فَحَدَّثْتُهُ ثُمَّ قُمْتُ لِأَنْقَلِبَ فَقَامَ مَعي لِيَقْلِبَنِي، فَمَرَّ
رُجُلانٍ مِنَ الأَنْصَارِ رضِيَ اللَّهُ عَنْهما فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيِّ :﴿ أَسْرَعَا، فَقالَ النَّبِيُّ ◌ِ:
((عَلَى رِسْلِكُما إِنَّها صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيّيٍّ)) فَقالا: سُبْحانَ اللَّهِ يا رسُولُ اللَّهِ! فَقالَ: ((إنَّ
سبب حبه لقاء الآخرين حبهم ذلك بل هو صفة لهم اهـ. وفي النهاية من أحب لقاء الله
أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه والموت دون لقاء الله. قال في الفتح: كذا
أخرجه النسائي بهذه الزيادة وهي من كلام عائشة مما يظهر، وذكرتها استنباطاً مما تقدم. قال
في النهاية: المراد بلقاء الله المصير إلى الدار الآخرة وطلب ما عند الله، وليس الغرض به
الموت لأن كلا يكرهه، فمن ترك الدنيا وأحب الآخرة أحب لقاء الله ومن آثرها وركن إليها
كره لقاء الله، لأنه إنما يصل إليه بالموت. وقوله والموت دون لقاء الله، يبين أن الموت خير
اللقاء، لكنه معترض دون الغرض المطلوب، فيجب أن يصبر عليه - ويحتمل مشاقه على
الاستسلام لما كتب الله له وقضى، حتى يصل إلى الفوز بالثواب العظيم اهـ. وكذا قال كل
من أبي عبيد القاسم بن سلام والخطابي: أن معنى محبة لقاء الله إيثاره الآخرة على الدنيا،
وعدم محبة استمراره فيها لاستعداده للارتحال عنها، والكراهة عند حکمه. قال أبي عبيد:
ومما بينه أن الله سبحانه وتعالى عاتب قوماً بحب الحياة بقوله: ﴿إن الذين لا يرجون لقاءنا
ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها﴾(١).
١٨٤٧ - (وعن أم المؤمنين صفية) بفتح المهملة وكسر الفاء وتشديد التحتية (بنت حيي)
بضم المهملة وفتح التحتية الأولى وتشديد الثانية تقدمت ترجمتها (رضي الله عنها قالت كان
النبي (18 معتكفاً فأتيته أزوره ليلاً) أي: في جزء منه كما يومىء إليه تنكيره (فحدثته ثم قمت
لأنقلب) أي: أرجع إلى منزلي (فقام معي ليقلبني) أي: ليرجعني (فمر رجلان من الأنصار)
قال الحافظ في الفتح: لم أقف في شيء من كتب الحديث على تسميتهما إلا أن ابن العطار
في شرح العمدة زعم أنهما أسيد بن حضير وعباد بن بشر ولم يذكر لذلك مستنداً (رضي الله
عنهما فلما رأيا النبي ◌َّر أسرعا) أي: في المشي (فقال النبي ثَّ على رسلكما) بكسر الراء
ويجوز فتحها أي: على هينتكما في المشي، فليس هنا ما تكرهانه. وفيه شيء محذوف.
أي: إمشيا على هينتكما (إنها صفية بنت حيي فقالا: سبحان الله يا رسول الله) زاد البخاري
في رواية ((وكبر عليهما ذلك)) وفي رواية ((فقال يا رسول الله وهل يظن بك إلا خيراً)) (فقال إن
(١) سورة يونس، الآية: ٧.

٦٧١
٣٧٠ - باب: في فضل المنثورات والملح
الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ آبَنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، وإِنِّي خَشِيتُ أن يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُما شَرَّاً
أَوْ قالَ شَيْئاً)) مُتَّفَقَ عَلَيْه(١).
١٨٤٨ - وعَنْ أبي الْفَضْلِ الْعَبَّاسِ بنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رضِيَ اللَّهُ عنْه قَالَ:
الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم) قيل هو على الحقيقة وإن الله تعالى أقدر من ذلك.
وقيل: هو على سبيل الاستعارة من كثرة إغرائه، فكأنه لا يفارق كالدم فاشتركا في شدة
الاتصال وعدم المفارقة (وإني خشيت) أي: خفت (أن يقذف) بكسر الذال المعجمة أي:
يلقي (في قلوبكما شراً أو قال شيئاً) قال الحافظ: المحصل من الروايات: أن النبي ◌َّ لم
ينسبهما إلى أنهما يظنان به سوءاً لما تقرر عنده من قوة إيمانهما ولكن خشي عليهما أن
يوسوس لهما الشيطان ذلك، لأنهما غير معصومين، فقد يمضى بهما ذلك إلى الهلاك فبادر
إلى إعلامها حسماً للمادة وتعليماً لما بعده إذا وقع له مثل ذلك، كما قال، الشافعي : فقد
روى ابن عساكر في تاريخه أن الشافعي كان في مجلس ابن عيينة فسأله عن فقه هذا
الحديث فقال: إن كان القوم اتهموا النبي و لو كانوا بتهمتهم إياه كفاراً لكن النبي ◌َلّ أُدب
من بعده فقال: ((إذا كنتم هكذا فافعلوا هكذا حتى لا يظن بكم الظن السوء)) لأن النبي ◌َّ
لا يتهم وهو أمين الله في أرضه، فقال ابن عيينة: جزاك الله خيراً يا عبد الله ما يجيئنا منك إلا
كل ما نحبه، نقله السيوطي عنه في زهر الربى على المجتبى، لكن نقله الحافظ في الفتح
عن الحاكم بلفظ إن الشافعي كان في مجلس ابن عيينة فسأله عن الحديث فقال إنما قال
لهما ذلك، لأنه خاف عليهما الكفر إن ظنا به التهمة فبادر إلى إعلامها نصيحة لهما قبل أن
يهلكا بقذف الشيطان في نفوسهما ما يهلكان به (متفق عليه) قال الحافظ في الفتح: في
الحديث فوائد: منها التحرز عن التعرض لسوء الظن والاحتفاظ من كيد الشيطان والاعتذار.
قال ابن دقيق العيد: وهذا متأكد في حقوق العلماء ومن يقتدى بهم فلا يجوز لهم أن يفعلوا
ما يوجب ظن السوء بهم وإن كان لهم فيه مخلص، لأن فعل ذلك يكون سبباً لسوء الظن بهم
ولإِبطال الانتفاع بعلمهم.
١٨٤٨ - (وعن أبي الفضل) كنية (العباس بن عبد المطلب) بن هاشم عم رسول اللّه تمثيلية.
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الاعتكاف، باب: هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد،
(٤/ ٢٤٣).
وأخرجه مسلم في كتاب: السلام، باب: بيان أنه يستحب عن رؤي خالياً بامرأة وكانت زوجه ... ،
(الحديث: ٢٤).

٦٧٢
١٧ - كتاب: المنثورات والملح
شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ يَوْمَ حُنَيْنِ، فَلَزِمْتُ أَنَّا وَأَبُو سُفْيَانَ بِنُ الْحَارِثِ بنِ
عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَسُولَ اللَّهِ ،﴿ فَلَمْ نُفارِقْهُ وَرَسُولُ اللَّهِو ◌َ﴿ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ بَيْضَاءَ،
فَلَمَّا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَلَى الْمُسْلِمُونَ مُذْبِرِينَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِعِه
يَرْكُضُ بَغْلَتْهُ قِبَلَ الْكُفَّارِ وَأَنَا آخِذٌ بِلِجَامِ بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ لَ أْكُفُّها
تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب الدعوات (قال: شهدت مع رسول الله صل يوم
حنين) بضم المهملة وبالنونين المفتوحة أولاهما وسكون التحتية: محل بقرب عرفة كان فيه
القتال مع هوازن في شوال سنة ثمان من الهجرة، وكان جيشه وسّ فيه اثني عشر ألفاً العشرة
الذين دخلوا مكة معه وألفان من مسلمة الفتح وسمي حنيناً باسم رجل كان يلازمه ويجوز
صرفه ومنعه (فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله (مصر فلم نفارقه)
أي: النبي ◌َّر ذلك اليوم أبداً (ورسول الله وَ ل﴿ على بغلة بيضاء)(١) قيل هي الدلدل التي
أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي كما في صحيح مسلم ولا يعرف بغلة سواها ونفاثة بضم
النون المضمومة والفاء والمثلثة. وفي رواية لمسلم نعامة بالعين المهملة والميم قال
المصنف: والصحيح المعروف الأول. وحكى القرطبي فيه نباتة بضم النون وبالموحدة
والفوقية قال: وكأنه من ... واختلف في إسلامه وفي البخاري إن الذي أهداها ملك ايلة
واسمه فيما ذكر ابن إسحاق يحيى بن روزنة اهـ. وإنما ركب البغلة في الخرب، وإنما هي
من مراكب السلم إيماء كمال يقينه وشدة وثوقه بربه، بحيث تساوي عنده ميدان الحرب
وموطن السلم، فركب في الأول ما يركب في الثاني (فلما التقى المسلمون والمشركون ولّي
المسلمون مدبرين) لأن المشركين كانوا رماة فأنكوهم بالسهام فما قدروا على الثبات معهم،
وكان ذلك أثر قول بعضهم لما رأى كثرة جيش المسلمين لن نغلب اليوم عن قلة كما أشار
إليه تعالى بقوله ﴿ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم
الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين﴾(٢) (فطفق رسول الله ( لل يركض بغلته قبل) بكسر ففتح
أي: جهة (الكفار) لكمال وثوقه بربه وأنه عصمه من الناس (وأنا آخذ بلجام) بكسر اللام قال
في المصباح: قيل عربي وقيل: معرب وجمعه لجم ككتاب وكتب (بغلة رسول الله (وَلا)
وبين على سبيل الاستئناف البياني سبب الأخذ بقوله (أكفها) أي: عن الدخول في لجة
(١) في نسخة من المتن زيادة (أهداها له فروة بن نفاثة الجدامي) فلعلها من النساخ. ع
(٢) سورة التوبة، الآية: ٢٥.

٦٧٣
٣٧٠ - باب: في فضل المنثورات والملح
إرادَةَ أَنْ لا تُسْرِعَ، وَأَبُو سُفْيَانَ آخِذٌ بِرِكَابٍ رَسُولِ اللّهِ وَهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َ: ((أَبْ
عَبَّاسُ نَادٍ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ) قَالَ الْعَبَّاسُ وَكَانَ صَيِّتاً فَقُلْتُ بِأَعْلِى صَوْتِي: أَيْنَ أَصْحَابُ
السَّمُرَةِ؟ فَوَاللَّهِ لَكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ حِينِ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةُ الْبَقَرِ عَلى أَوْلادِهَا، فَقَّالوا:
يَا أَبِّكَ يا لَبِّكَ، فَاقْتَتَلُوا هُمْ والْكُفَّارَ، والدَّعْوَةُ في الْأنْصارِ يَقولونَ: يا مَعْشَرَ
الأَنْصَارِ، ثُمَّ قَصُرَتِ الدَّعْوَةُ عَلَى بَنِي الْحَارِثِ بنِ الْخَزْرَجِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَه
الحرب (إرادة ألا تسرع) مفعول له (وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله صل فقال
رسول الله وَ﴾ أي: عباس) أي: للنداء (ناد أصحاب السمرة) بفتح المهملة وضم الميم
أي: بيعة الرضوان وكانت عند سمرة (قال) أي: الراوي عن العباس (وكان) يعني العباس
(رجلاً صيتاً) يسمع صوته من نحو ثمانية أميال قال الحازمي في المؤتلف: كان العباس يقف
على سلع فينادي غلمانه في آخر الليل وهم في الغابة فيسمعهم قال: وبين سلع والغابة
ثمانية أميال، وهذه الجملة مدرجة في الحديث لبيان حكمة أمره بنداء القوم (قال العباس
فقلت بأعلى صوتي أين أصحاب السمرة فوالله لكأن عطفتهم) وإقبالهم على (حين) وقت
(سمعوا صوتي) بقولي المذكور (عطفة البقر على أولادها) ثم هو مضبوط في أصل مصحح
من الرياض برفع عطفتهم ونصب عطفة على أن ((كان)) فعل ماض ناقص. وقال القرطبي :
شبههم في سرعة رجعتهم واجتماعهم على النبي لة بعطفة البقر على أولادها اهـ. وهو
صريح في أنها كأن التشبهية إحدى أخوات إن فالأول منصوب، والثاني مرفوع (فقالوا
يا لبيك يا لبيك) قال العلماء: فيه دليل على أن فرارهم لم يكن بعيداً أو أنه لم يحصل الفرار
من جميعهم، بل المنهزم إنما كان أكثرهم من أهل مكة، والطلقاء ومن في قلبه مرض
(فاقتتلوا هم والكفار) بالنصب على أنه مفعول معه وهو أولى، لما يلزم على الرفع من
العطف على المرفوع المتصل من غير تأكيد (والدعوة في الأنصار) بفتح الدال يعني
الاستعانة والمناداة لهم (يقولون) أي: الصحابة الثابتون في المعرك (يا معشر الأنصار
يا معشر الأنصار) في المصباح المعشر والرهط النفر والجماعة الرجال دون النساء والجمع
معاشر (ثم قصرت) بضم الصاد المهملة (الدعوة على بني الحارث بن الخزرج) الأكبر
ولقب ووصف بالأكبر للاحتراز عن حفيده كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج ومن
ذريته عبد الله بن رواحة الصحابي الجليل (فنظر رسول الله و الر وهو على بغلته كالمتطاول

٦٧٤
١٧ - كتاب: المنثورات والملح
وهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ كالمُتطاوِلٍ عَلَيْهَا إِلى قِتالِهِمْ، فَقَالَ: ((هَذَا حِينَ حَمِيَ الْوَطِيسُ)) ثُمِّ
أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ حَصَياتٍ فَرَمَى بِهِنَّ وَجُوهَ الْكُفَّارِ، ثُم قالَ: ((انْهَزَمُوا وَرَبُّ
مُحَمَّدٍ)) فَذَهْبْتُ أَنْظُرُ فَإِذَا الْقِتالُ عَلى هَيْتِهِ فِيمَا أَرَى، فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّ أَنْ رَمَاهُمْ
بِحَصَياتِهِ، فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلاً وَأَمْرَهُمْ مُذْبِراً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. «الْوَطِيسُ»:
التّنُّورُ، ومَعْناهُ: أَشْتَدَّتِ الْحَرْبُ.
عليها إلى قتالهم) متعلق بنظر (فقال هذا حين حمى الوطيس) حين خبر المبتدأ وبنى الإِضافته
للجملة التي صدرها مبني والبناء فيه هو الراجح ويجوز إعرابه فيكون مرفوعاً وقد روي
بالإِعراب. والبناء قول الشاعر: على حين عاتبت المشيب على الصبا. (ثم أخذ
رسول الله وَل حصيات) أي: صغاراً وهي التي يقال لها الحصباء (فرمى بهن) ويحتمل أن
يكون أخذ قبضة من تراب أيضاً فرمى بها لما جاء من قوله ((فما خلق الله منهم إنساناً إلا ملأ
عينه تراباً من تلك القبضة)). ويحتمل أن يكون اشتملت القبضة على الحصى والتراب فرمى
بهن (وجوه الكفار) فوصل التراب كل كافر وفي ذلك معجزة له إذ ليس في القوة البشرية
إيصال ذلك إلى أعينهم، ولا يسع كفه ما يعمهم وإنما كان من صنع الله تعالى لنبيه ولذا قال
﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾(١) وكذا قوله (ثم قال) أي: وقت التهاب الحرب
وشدته (انهزموا ورب الكعبة) فهذه معجزة فعلية (فذهبت أنظر) أي: قبل الرمي والقول
المذكور، والفاء للترتيب الذكرى (فإذا القتال على هيئته) أي: في الالتهاب والتكافؤ من
الجانبين (فيما أرى فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته) أي: وأخبرهم بانهزامهم (فما زلت
أرى حدهم) قوتهم (كليلاً) أي: ضعيفة (وأمرهم مدبراً) فغلبوا وانقلبوا صاغرين (رواه
مسلم) في المغازي من صحيحه (الوطيس) بفتح الواو وكسر الطاء وبالسين المهملتين هو
(التنور) تقدم أنه بالفوقية المفتوحة وتشديد النون وبالراء، وهذا قول مقابل قول الجمهور
ونقله القرطبي عن المطرز. وقال المنصف في شرح مسلم قال الأكثر هو شبه التنور يخبز فيه
ويضرب مثلاً لشدة الحر التي يشبه حرها حره. وقال الأصمعي: هو حجارة مدورة إذا حميت
لم يقدر أحد أن يطأ عليها، فيقال: الآن حمي الوطيس. وقيل بل هو الضراب في الحرب.
وقيل الوطيس الذي يطيس الناس أي: يدفعهم قالوا: وهذه اللفظة من فصيح الكلام
وبديعه، الذي لم يسمح من واحد قبله وم طار (ومعناه اشتدت الحرب) هو على الأقوال الأربعة
(١) سورة الأنفال، الآية: ١٧ .

٦٧٥
٣٧٠ - باب: في فضل المنثورات والملح
وقولُه: ((حَدَّهُمْ)) هُوَ بِالحاءِ المهملة: أَيْ بَأْسَهُمْ(١).
١٨٤٩ - وَعَنْ أبي هُرِيْرَةِ رضِيَ اللَّهُ عنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَهِ: ((أَيُّهَا النَّاسُ
إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلّ طَيِّياً، وإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِما أمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ
تَعالى(٢): ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطََِّّاتِ، واعْمَلُوا صَالِحاً﴾ وَقَالَ تعالى (٣): ﴿يا أيُّها
الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتٍ مَا رَزْقناكُمْ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ
الأول كناية عن اشتدادها أو مجاز عنه. وعلى الآخرين حقيقة في ذلك قال القرطبي :
الوطيس موضع وقود النار، استعاره هنا لشدة الحرب، وهذا نحو قوله تعالى ﴿كلما أوقدوا
ناراً للحرب أطفأها الله﴾(٤). وهذه الاستعارة العجيبة لا يعرف من تكلم بها قبله وضئيل من
العرب، ومنه تلقيت فصيرت مثلاً في الأمر إذا اشتد قاله ابن الأعرابي. وقال الأصمعي :
الوطيس الحجارة المحماة وعليه فهو جمع وطيسة. وعلى قول المطرز أنه التنور لا يكون
جمعاً (وقوله حدهم هو بالحاء المهملة) المفتوحة وبالدال المهملة المشددة (أي: بأسهم)
قال في شرح مسلم أي: قوتهم والمآل إلى واحد.
١٨٤٩ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صل أيها الناس) بحذف حرف
النداء اختصاراً (إن الله طيب) أي: منزه عن النقائص مقدس من الآفات والعيوب (لا يقبل
إلا طيباً) خبر بعد خبر ولا ينبغي التقرب إليه إلا بالحلال من خيار المال (وإن الله أمر
المؤمنين بما أمر به المرسلين) أي: لا فرق بين الرسل والأمم في أمر كل بطلب الحلال
واجتناب الحرام، (فقال تعالى يأيها الرسل) قال الزمخشري: ناداهم وإن كانوا في أزمنةٍ
مختلفة للإعلام بأن كل رسول يؤدي وحي في زمانه ليعتقد السامع أن ما نودوا به جميعاً
حقيق بالأخذ والعمل (كلوا من الطيبات) أي: الحلال والمستلذات (واعملوا صالحاً وقال
تعالى يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) اسند الرزق إلى نفسه تحريضاً على
غاية احتياطهم أي: لا تأكلوا إلا الحلال الخالص، الذي يستأهل أن يضاف إليه سبحانه،
((ومن)): صيانة لهم عن الأشراف والأمر للإِباحة أو الوجوب كما لو أشرف على الهلاك مجاعة
أو للندب لموافقة ضيف وعقب * كلامه بذكر الرجل الموصوف استبعاداً لأن الله تعالى
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الجهاد والسير، باب: في غزو حنين، (الحديث: ٧٦).
(٢) سورة المؤمنون، الآية: ٥١.
(٣) سورة البقرة، الآية: ١٧٢
(٤) سورة المائدة، الآية: ٦٤.

٦٧٦
١٧ - كتاب: المنثورات والملح
يَدَيْهِ إلى السَّماءِ: يا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ، وغُذِّيَ بِالْحَرامِ ،
فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
١٨٥٠ - وعَنْهُ رضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿: ((ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ، ولا يُزَكِيهِمْ ولا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ولَهُمْ عَذابٌ أليمٌ: شَيْخُ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ،
وعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ»
يقبل دعاء آكل الحرام فقال (ثم ذكر الرجل) ولفظ ثم للترتيب في الوجود لا في الرتبة (يطيل
السفر) في العبارة من نحو حج أو جهاد، والجملة صفة أو حال من رجل لأن أل فيه جنسية
(أشعث) أي: متفرق شعر الرأس (أغبر) مغبر الوجه هما حالان مترادفان من فاعل بطيل
أو متداخلان (يمد يديه إلى السماء) حال من ضمير أشعث أو مما قبله قائلاً (يا رب يا رب)
أي: أن هذه الحالات دالة على أن الداعي حقيق بالإِجابة ومع ذلك فلا يستجاب دعاؤه
للحرام فما بال من لم يكن كذلك وتلبس بالحرام (ومطعمه حرام) حال من فاعل قائلاً وهو
مصدر بمعنى المطعوم (ومشربه حرام وغذي بالحرام) بضم الغين المعجمة وكسر الذال
أيضاً أي: عني به، ففيه الإِشارة إلى مأكله حال صغره. وفي قوله ومطعمه: الإِشارة إلى
مآكله حال كبره أي: أنه استوى حالتاه في أكل الحرام (فأنى) أي: كيف أو من أين
والاستفهام للاستعباد (يستجاب) أي: الدعاء (لذلك) الرجل أو اللام للتعليل أي: لكون
ما ذكر حراماً. ففيه إيماء إلى أن حل المطعم والمشرب مما يتوقف عليه إجابة الدعاء، ولذا
قيل إن للدعاء جناحين أكل الحلال وصدق المقال (رواه مسلم) والترمذي وقال: حسن
غريب. ورواه ابن المبارك في الزهد. قال السخاوي: وأخرجه الإِمام أحمد في المسند
والدارمي في مسنده وأبو عوانة في صحيحه.
١٨٥٠ - (وعنه قال: قال رسول الله وسلّ ثلاثة) أي: ثلاثة من الأصناف (لا يكلمهم الله يوم
القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم) وذلك لسوء عملهم من غير ضرورة بهم
إليه (شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر) قال الواحدي : هو العذاب الذي يخلص وصفه
إلى القلب. والعذاب كل ما يعي الإِنسان ويشق عليه. قال: وأصل العذاب في كلام العرب
المنع، يقال عذبته عذاباً إذا منعته وعذب عذوباً، أي: امتنع وسمي الماء عذباً لأنه يمنع
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، (الحديث: ٦٥).

٦٧٧
٣٧٠ - باب: في فضل المنثورات والملح
رواهُ مُسْلِمٌ. ((الْعَائِلُ)): الْفَقيرُ(١)
١٨٥١ - وعَنْهُ رضِيَ اللَّهُ عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((سَيْحَانُ وجَيْحَانُ
والْقُراتُ والنِّيلُ كلَّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ) رَوَاهُ مُسلمٌ (٢).
١٨٥٢ - وعَنْه رضِيَ اللَّهُ عَنْه قالَ: أَخَذَ رسُولُ اللَّهِ وَ ﴿ بِيَدِي فَقالَ: ((خَلَقَ اللَّهُ
المعاقب من معاودة مثل جرمه ويمنع غيره من مثل فعله اهـ. قال: القاضي عياض خصوا
بالوعيد المذكور لأن كلا منهم ألزم المعصية مع عدم ضرورة إليها وضعف داعيتها عنده
فأشبه ((إقدامهم عليها المعاندة والاستخفاف بحق الله وقصد معصيته لا لحاجة غيرها فإن
الشيخ ضعفت شهوته عن الوطء الحلال فكيف بالحرام، وكمل عقله ومعرفته بطول ما مر
عليه من الزمان، وإنما يدعو إلى الزنى غلبة الشهوة وقلة المعرفة وضعف العقل، الحاصل
كل ذلك من الشباب. والإِمام لا يخاف من أحد وإنما يحتاج إلى الكذب من يريد مصانعة
من يحذره. والعائل قد عدم المال الذي هو سبب الفخر والخيلاء فهو يتكبر ويفخر غيره
(رواه مسلم) والنسائي (العائل) بالمهملة والهمزة بعد الألف (الفقير) جمع عالة قال في
المصباح: فعلة نحو كاتب وکتبة .
١٨٥١ - (وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَل ◌ّ سيحان) بفتح السين وبالحاء
المهملتين وسكون التحتية بينهما قال المصنف: هو نهر المصيصة وقال جلال الدين
المحلى : سيحون نهر الهند (وجيحان) بفتح الجيم وسكون التحتية بعدها مهملة قال
المصنف: هو نهر ادند وهو غير جيحون فإن ذلك نهر وراء خراسان عند بلخ. وذكر
القاضى أن سيحان وجيحان هو سيحون وجيحون. وأنهما ببلاد خراسان. وأنكره المصنف.
وقال: اتفق الناس على المغايرة. وقال السيوطي وفيه نظر (والفرات) بضم الفاء وتخفيف
الراء آخره مثناة: نهر فاصل بين الشام والجزيرة (والنيل) نهر مصر (كل من أنهار الجنة) قال
السيوطي: هو على ظاهره ولها مادة إلى الجنة وقيل معناه أن الإِيمان عم بلادها أو أن
الأجسام العذبة بها صارت إلى الجنة قال النووي: والأول أصح (رواه مسلم)
١٨٥٢ - (وعنه قال: أخذ رسول الله صل بيدي) طلباً للتيقظ من الغفلة إن كانت (فقال
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: بيان غلظ إسبال الإِزار ... ، (الحديث: ١٧٢)
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: ما في الدنيا من أنهار الجنة، (الحديث:
(٢٦).
تقدماً

٦٧٨
١٧ - كتاب: المنثورات والملح
التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وخَلَقَ فِيها الْجِبالَ يَوْمَ الأحَدِ، وخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، وخَلَقَ
الْمَكْروهَ يَوْمَ الثُّلاثَاءِ، وخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ، وَبَثَّ فِيها الدَّوابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ،
وخَلَقَ آدَمَ وَهَ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ في آخِرِ الْخَلْقِ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنَ النَّهارِ
فيما بَيْنَ الْعَصْرِ إِلى اللَّيْلِ)) رواهُ مُسلم(١).
١٨٥٣ _ وعَنْ أبي سُلَيْمانَ خَالِدِ بنِ الْوَلِيدِ رَضيَ اللَّهُ عنْهِ قَالَ: لَقَدِ أَنْقَطَعَتْ في
يَدِيَ يَوْمَ مُؤْتَةً
خلق الله التربة) بضم الفوقية من أسماء التراب (يوم السب وخلق فيها) أي: التربة مادة
الأرض (الجبال يوم الأحد) أوتاداً لها ورواسي (وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم
الثلاثاء) قال المصنف: كذا في مسلم وروي في غيره ((وخلق الفتن يوم الثلاثاء)) كذا رواه
ثابت بن واسم قال: وهو ما يقوم المعاش ويصح به التدبير كالحديد وغيره من جواهر
الأرض، وكل شيء يقوم به صلاح كل شيء فهو نفسه، ومنه إتقان الشيء (وخلق النور) كذا
في مسلم بالراء ورواه غيره بنون في آخره قال القاضي: وكذا رواه بعض رواة مسلم وهو
الحوت ولا منافاة (يوم الأربعاء) بفتح الهمزة وكسر الباء وفتحها وضمها ثلاث لغات حكاهن
صاحب المحكم، وجمعها أربعاوات وحكي أيضاً أرابيع (وبث فيها) أي: الأرض (الدواب)
المراد المعنى العام أي: كل ما دب عليها (يوم الخميس وخلق آدم وَ ير بعد العصر من يوم
الجمعة) من للتبعيض، أو للابتداء. وقوله (في آخر الخلق) متعلق بخلق وقوله (في آخر
ساعة من النهار) يدل على ما قبلها بإعادة العامل ثم أبدل منه أيضاً قوله (فيما بين العصر إلى
الليل رواه مسلم) ورواه أحمد في مسنده.
١٨٥٣ - (وعن أبي سليمان) كنية (خالد بن الوليد) بفتح الواو وكسر اللام وسكون التحتية
بعدها دال مهملة من المعتبرين عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي (رضي الله عنه) أسلم
بين الحديبية والفتح وقيل: كان إسلامه قبل غزوة موتة بشهرين، وكان أميراً على قتال أهل
الردة وغيرها والفتوح، إلى أن مات سنة إحدى أو اثنتين وعشرين (قال: لقد انقطعت في
يدي يوم موتة) بضم الميم وسكون الواو وبالفوقية موضع بقرب الشام وكانت في جمادى سنة
(١) أخرجه مسلم في كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم، باب: ابتداء الخلق وخلق آدم عليه السلام،
(الحديث: ٢٧).

٦٧٩
٣٧٠ - باب: في فضل المنثورات والملح
تِسْعَةُ أَسْيافٍ فَمَا بَقِيَ فِي يَدِي إِلّ صَفِيحَةٌ يَمانِيَّةً)) رَواهُ الْبُخَارِيُّ(١).
١٨٥٤ - وعَنْ عَمْرِو بنِ الْعاصِ رضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقولُ:
(إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرانٍ، وإِذَا حَكَمَ واجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ))
مُتَّفقٌ عليهِ(٢).
١٨٥٥ - وعَن عائِشَةَ رضيَ اللَّهُ عَنْها أنَّ النَّبِيِّ وَ﴿ قَالَ: ((إِنَّ الْحُمِّى مِنْ فَيْحِ
جَهَنَّمَ فَبَردُوهَا.
ثمان وقيل كانت في صفر، وكان الفتح بعدها في رمضان (تسعة أسياف) بتقديم الفوقية
وذلك من قوة الضرب والقتال (فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية) أي: سيف على تلك
الصفة. (رواه البخاري) فيه كمال ثباته في لجة الحرب وقوة بأسه وقد قال الشاعر في
ممدوحه :
· بهن فلول من قراع الكتائب
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم
فالمدح بكسر السيوف في الحرب أحرى وأولى .
١٨٥٤ - (وعن عمرو بن العاص) بن وائل السهمي الصحابي المشهور (رضي الله عنه)
تقدمت ترجمته في باب فضل السحور، (أنه سمع رسول الله وبيل يقول: إذا حكم الحاكم
فاجتهد) أي: وهو من أهل الاجتهاد فيما يسوغ الاجتهاد فيه (ثم أصاب فله أجران) أجر
لاجتهاده وأجر لإصابته (وإن حكم واجتهد) أي: وهو أهله (فأخطأ فله أجر) لاجتهاده الذي
هو من أهله وإن لم يصب فيه، أما من ليس أهلاً له فيأثم به أصاب أو أخطأ (متفق عليه).
١٨٥٥ - (وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي ◌َّ قال: الحمى من فيح) بفتح الفاء وسكون
التحتية وبالمهملة أي: انتشار (جهنم) وقوة لهبها (فأبردوها) بوصل الهمزة وضم الراء لأنه
ثلاثي من برد الماء حرارة جوفي أي: اسكن حرارتها. وحكي كسر الراء، وحكى عياض
قطع الهمزة وكسر الراء من أبرد الشيء إذا عالجه فصيره بارداً. وقال الجوهري: إنها لغة
(١) أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب: غزوة مؤته، (٣٩٧/٧).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الاعتصام، باب: أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، (٢٦٨/١٣).
وأخرجه مسلم في كتاب: الأقضية، باب: بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، (الحديث:
١٥).

٦٨٠
١٧ - كتاب: المنثورات والملح
بِالمَاءِ» مُتَّفقٌ عَلَيْهِ(١).
١٨٥٦ - وعَنْها رَضِيَ اللَّهُ عِنْهَا عَنِ النَّبِيِّ وَهْ قَالَ: ((مَنْ ماتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ صَامَ
عَنْهُ وِلِيُّهُ، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. والْمُخْتارُ
رديئة (بالماء. متفق عليه) وهذا محمول على ما كانت تصفه أسماء بنت أبي بكر من رش
الماء على بدن المحموم من بدنه وثوبه، وليس المراد اغتسال المحموم بالماء أو انغماسه
فيه، لأن ذلك مضر. والصحابي لا سيما مثل أسماء التي كانت تلازم بيت النبي وَلّ أعلم
بالمراد من غيرها أو الخطاب خاص بأهل الحجاز وما والاهم، إذ كانت أكثر الحميات التيٍ
تعرض لهم من العرضية الحادثة عن شدة الحرارة، وهذه ينفعها الماء البارد شرباً واغتسالاً
ولا يحتاج صاحبها إلى علاج آخر. قال ابن القيم: فالخطاب وإن كان لفظاً عاماً إلا أن
المراد به خاص أي كما ذكرنا. وقال القاضي: غير بعيد أن المراد بالحمى: الحمى
الصفراوية، فإن الأطباء يسلمون أن صاحبها يبرد بسقي الماء البارد الشديد البرد نعم
ويسقونه الثلج ويغسلون أطرافه بالماء البارد، وأن المراد بالغسل مثل ما قالوه أو قريب
منه. وقد كانت أسماء تصب الماء في جيب الموعوك. قال عيسى بن دينار أي: بين طوقها
وجسدها. فهذه أسماء شاهدت الرسول روسيا18 وهي في القرب منه على ما علم، فتأولت
الحديث على نحو ما قلناه. والحاصل: أن الحميات مختلفات، منها ما يناسبه الإِبراد ومنها
ما لا يناسبه، والحديث محمول على الأول فيعمل ما يناسبه على ما لا يليق به. وقيل يحتمل
أن الحمى المأمور بالانغماس لها ما يكون سببها العين أو السم أو السحر فيكون ذلك من
باب النشرة المأذون فيها، أخرج ابن أبي شيبة عن الأسود قال: سألت عائشة عن النشرة
فقالت: ما تصنعون بهذا فهذا الفرات إلى جانبكم من أصابه نفس أوسم أو سحر فليأت
الفرات فليستقبل، فينغمس فيه سبع مرات.
١٨٥٦ - (وعنها رضي الله عنها عن النبي ◌َ ◌ّر قال: من مات وعليه صوم) أي: وتمكن من
قضائه أو كان أفطر عدواناً (صام عنه وليه) أي: إن أراد ذلك، وإن شاء أخرج من تركته عن
كل يوم مداً من طعام (متفق عليه) وبه أخذ الشافعي في القديم، وهو المعتمد فجوز للولي
الصوم عن الميت الذي عليه الصوم كما ذكر أن يصوم أو يطعم (والمختار) تبعاً للقول القديم
(١) أخرجه البخاري في كتاب: بدء الخلق، باب: صفة النار (١٥٠/١٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: السلام، باب: لكل داء دواء واستحباب التداوي، (الحديث: ٨١).