النص المفهرس

صفحات 581-600

٥٨١
٣٥٣ - باب: في كراهة تفضيل الوالد
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَ: أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا؟)) فَقَالَ: لَاَ. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ الَ: ((فَأرْجِعْهُ)) وفي رِوَايَةٍ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ((أَفَعَلْتَ هَذَا
بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟)) قَالَ: لَا. قَالَ: ((أَتَّقوا اللَّهَ واعْدِلُوا فِي أَوْلادِكُمْ)) فَرَجَعَ
أَبِي فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ. وفي رِوايَةٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((يا بَشِيرُ أَلَكَ وَلَدْ سِوى
هَذَا؟)) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذَا؟)) قَالَ: لَا، قَالَ: ((فَلا تُشْهِذْنِي
إِذاً؛ فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلى جَوْرٍ) وفي رِوايَةٍ: ((لا تُشْهِذْنِي عَلَى جَوْرٍ!)) وفي رِوايَةٍ:
(أَشْهِدْ عَلى هَذا غَيْرِي!)) ثُمَّ قَالَ: ((أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكونوا لَكَ فِي الْبِرِّ سَواءً؟)) قَالَ:
بَلى، قَالَ: ((فَلَا إِذاً)). مُتَّفَقْ عَلَيْهِ (١)
توهم بشير نسخ ذلك، أو حمل الأولى على كراهة التنزيه. وجمع الحافظ في الفتح بأنه وهبه
حديقة، فلما بدا له ارتجعها لأنها لم يقبضها منه أحداً غيره، ثم عاودته فمطلها، ثم اقبضها
ثم رضيت عمرة أن يهب له بدل الحديقة غلاماً، فرضيت عمرة لكنها خشيت الارتجاع،
فطلبت إشهاد النبي ◌َّ اهـ. (فقال النبي ◌َّ أَكلّ ولدك) بالنصب بنحلت مقدراً فسره قوله
(نحلت مثل هذا) أي: أعطيت سائر ولدك كما أعطيت هذا (فقال: لا فقال رسول الله ول
فأرجعه) أي: ارتجعه هو كالعبد، لكراهة الرجوع في الهبة الموهوبة، وإن مجلها ما لم توقع
في كراهة، وإلا فيرتجع لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح أورده الشيخان بهذا
اللفظ (وفي رواية) لمسلم (فقال رسول الله ﴿ أفعلت هذا) أي: الاعطاء (بولدك كلهم)
بأن أعطيت كلا كأخيه (قال: لا قال: اتقوا ا واعدلوا في أولادكم) بالتسوية بينهم في العطاء
والبر والإِحسان (فرجع أبي فرد تلك الصدقة) أي: إلى ملكه بعد أن قبلها لولده، وتقدم في
الرواية قبله أن الارتجاع بالأمر النبويّ (وفي رواية) هي أيضاً لمسلم: (فقال رسول الله ◌َالخير يا
بشير ألك ولد سوى هذا؟ قال: نعم) بفتح أوليه حرف جواب (قال: أكلهم) بالنصب
المحذوف يفسره قوله (وهبت له مثل هذا) أي: أعطيت كلا منهم (قال: لا قال: فلا تشهدني
إذاً) أي: حينئذ (فإني لا أشهد على جور) أي: جيف وظلم، وأصله الميل عن الاعتدال،
حراماً كان أو مكروهاً وهو بنحوه (وفي رواية) هي لمسلم أيضاً (لا تشهدني على جور. وفي
رواية) لمسلم أيضاً (أشهد على هذا غيري ثم قال: أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء
قال: بلى قال: فلا) أي: لا تفاضل بينهم في العطاء (إذاً. متفق عليه) باعتبار أصل
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الهبة، باب: الهبة للولد، وباب: الإشهاد في الهبة (١٥٥/٥ و١٥٧)
وأخرجه مسلم في كتاب: الهبات، باب: كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة، (الحديث: ٩)

٥٨٢
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
٣٥٤ - باب: في تحريم إحداد المرأة على ميت فوق ثلاثة أيام
إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام
١٧٧٢ - عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالتْ: دَخَلْتُ عَلى أُمِّ
حَبيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ وَّهِ حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ بِنُ حَرْبٍ فَدَعَتْ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةُ
خَلوقٍ أَوْ غَيْرِهِ فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً ثُمَّ مَسَّتْ بِعارِضَيْها ثُمَّ قالَتْ: واللَّهِ مَالِي بالطَّبِ
مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقولُ على الْمِنْبَرِ: ((لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ
باللّهِ والْيَومِ الآخِرِ
الحديث، لما علمت من أن سياق الأحاديث المذكورة لمسلم ونحوها عند البخاري في
أبواب الهبة. والحديث خرجه مالك والشافعي وأصحاب السنن الأربعة وابن حبان والطبراني
والطحاوي والإِسماعيلي وأبو عوانة والدارقطني والبرقاني وأبو نعيم والبيهقي والبغوي
وغيرهم، ذكره القلقشندي في شرح عمدة الأحكام .
باب تحريم إحداد المرأة
قال في المصباح: حدت المرأة على زوجها تحد حداداً فهي حاد بغير هاء، وأحدت
إحداداً فهي محد ومحدة إذا تركت الزينة لموته. وأنكر الأصمعي الثلاثي، واقتصر على
الرباعي (على ميت فوق ثلاثة أيام) الظرف الأول لغو والثاني في محل الحال (إلا على
زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام) النصب على الظرفية .
١٧٧٢ - (عن زينب بنت أبي سلمة رضي الله عنها) كذا في نسخة مصححه بضمير الواحدة
والأولى عنهما (قالت دخلت على أم حبيبة) هي بنت أبي سفيان بن حرب أمية أخت معاوية
(زوج النبي ◌ّ حين توفي أبو سفيان بن حرب) وكان موته سنة اثنين وثلاثين،
وقيل بعدها (فدعت بطيب فيه صفرة خلوق) بفتح الخاء المعجمة وضم
السلام المخففة في المصباح الخلوق ما يتخلق به في الطيب. وقال
بعض الفقهاء: هو مائع فيه صفرة (أو) صفرة (غيره) وهذا شك منها في
سبب الصفرة (فدهنت منه جارية) أي: ليدل ذلك على رضاها بفعل ربها وتسليمها الأمر له؛
(ثم مست بعارضيها) أي: أصابت منه فيهما. (ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة) أي
نفسانية من التذاذ وغيره، (غير أني سمعت رسول الله وسلم يقول على المنبر لا يحل لامرأة
تؤمن بالله واليوم الآخر) الوصف بالجملة الفعلية ليس لإِخراج من لم يكن كذلك عن هذا

٥٨٣
٣٥٤ - باب: في تحريم إحداد المرأة
أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثِ لَيَالٍ إِلّ عَلَى زَوْجِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً)).
قَالَتْ زَيْنَبُ: ثُمَّ دَخَلْتُ عَلى زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا حِينَ
تُوُفِّيَّ أَخْوَهَا فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ مِنْهُ ثُمَّ قَالتْ: أَمَا واللَّهِ مَا لي بالطّيبِ مِنْ حَاجَةٍ
غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقولُ عَلى الْمِنْبَرِ: ((لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ والْيَوْمِ
الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ إِلّ عَلى زَوْجٍ أَرْبَعَةً أَشْهُرِ وعَشْراً»
الحكم، بل لكون المؤمنة تنقاد للأحكام الشرعية وإلا فالكفار مخاطبون بفروع الشريعة على
الصحيح. والنفي بمعنى النهي على سبيل التأكيد (أن تحد) من أحد أو من حدّ أي: تترك
زينتها التي تعتادها (على ميت) أي: لأجله (فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر
وعشرا) التقييد بهذه المدة خرج مخرج الغالب، أما إذا كانت حاملاً فعدتها بوضع الحمل.
والاستثناء متصل إذا جعل قوله أربعة أشهر منصوباً بمقدر بياناً لقوله فوق ثلاث أي أعني
أو أذكر، فهو من باب قولك ما اخترت إلا منكم رفيقاً يكون ما بعد إلا تبيين فيقدر المفسر
أي: أعني أربعة أشهر على الاستثناء، تقديره لا تحد المرأة على ميت فوق ثلاث أعني أربعة
أشهر وعشراً إلا على زوج. أو من قولك ما ضرب أحد أحداً إلا زيد عمراً. وإذا جعل
معمولاً لتحد مضمراً كان منقطعاً، والتقدير: لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث، لكن تحد
على زوج أربعة أشهر وعشرا قاله العاقولي (قالت زينب ثم دخلت على زينب بنت جحش
رضي الله عنها حين توفي أخوها) هو عبد الله بن جحش كما في تحفة القاري لشيخ
الإِسلام. وفي فتح الباري: أنه كذلك في صحيح ابن حبان. وفي بعض طرق الموطأ أن
المعروف عبد الله بن جحش قتل بأحد شهيداً، وزينب بنت أبي سلمة، كانت يومئذ طفلة
فيستحيل أن تكون دخلت على زينب بنت جحش تلك الحالة. وأنه يجوز أن يكون عبيد الله
المصغر، فإن دخول زينب بنت أبي سلمة عند بلوغ الخبر إلى المدينة بوفاته وهي مميزة،
وأن يكون أبا أحمد بن جحش واسمه عبد بلا إضافة لأنه مات في خلافة عمر، فيجوز أن
يكون مات قبل زينب لكن ما ورد ما يدل أنه حضر دفنها، ويلزم على الأمرين أن يكون وقع
في الاسم تغييراً، والميت كان أخاً لزينب من الرضاعة. أو لأمها اهـ. (فدعت بطيب
فمست منه ثم قالت: أما والله ما لي بالطيب من حاجة غير) بالنصب على الاستثناء، والفتحة
فتحة إعراب. ويحتمل أنها فتحة بناء لإضافته إلى مبني هو جملة (أني سمعت رسول الله موك ليه
يقول على المنبر ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث
ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا) ويحتمل أن يكون وقت سماعها لذلك منه

٥٨٤
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
مُتَّفَقَ عَلَيْهِ(١).
٣٥٥ - باب: في تحريم بيع الحاضر للبادي وتلقي الركبان والبيع على بيع
أخيه
والخطبة على خطبته إلا أن يأذن أو يرد
١٧٧٣ - عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: نَهى رسُولُ اللَّهِ ﴿ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبادٍ
وإِنْ كَانَ .
متحداً، ويحتمل أنه كان في وقتين وأنه تكرر ذلك منه تأكيداً للتحذير منه (متفق عليه) ورواه
أبو داود والترمذي والنسائي .
باب تحريم بيع الحاضر للبادي
أي: بأن يقدم بمتاع نعم الحاجة إليه، ليبيعه بسعر يومه؛ فيقول له الحاضر: دعه
عندي لأبيعه لك بالتدريج، فيحرم لما فيه من الأضرار. أما لو قدم بما لا تعم الحاجة إليه من
الأمتعة أو بما تعم لكن ليبيعه على التدريج فقال له الحاضر أنا أتولي لك ذلك، أو قال له
الحاضر، وكلني في بيعه بالسعر الحاضر، فلا حرمة (وتلقى الركبان) بأن يتلقى من قدم
بمتاع للبيع، فيشتريه منه قبل معرفة سعر البلد، أو يقدم ليشتري متاعاً فيتلقاه فيبيعه كذلك
(والبيع على بيع أخيه) بأن يقول للمشتري بعد عقد البيع وهو في المجلس أو بشرط الخيار
أفسخ العقد وأبيعك مثله بأقل من ثمنه أو أحسن منه بثمنه، وكذا الشراء على الشراء: بأن
يقول للبائع أفسخ العقد لآخذه منك بأكثر، ويمكن تناول العبارة له بأن يراد بالبيع كل من
معنييه، فيكون من إطلاق اللفظ على معنييه دفعة، وهو جائز عندنا (والخطبة) بكسر الخاء
المعجمة (على خطبته إلا أن يأذن أو يرد) قيد في الأخيرة، وكذا يحل البيع على بيع الغير إذا
أذن ذلك الغير، والحرمة مع العلم بالنهي والتعمد.
١٧٧٣ - (عن أنس رضي الله عنه قال: نهى رسول الله وب لر أن يبيع حاضر لباد) وذلك لما فيه
من منع البلدي، من الرفق الحاصل له لو اشترى من البادي بالسعر عند قدومه (وإن كان)
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الجنائز، باب: حد المرأة على زوجها في كتاب الطلاق، باب: تجد المرأة على
زوجها أربعة أشهر وعشراً، (٤٢٧/٩).
وأخرجه مسلم في كتاب: الطلاق، باب: وجوب الاحداد في عدة الوفاة وتحريمه ... ، (الحديث: ٥٨
و ٥٩ و٦٠).
*

٥٨٥
٣٥٥ - باب: في تحريم بيع الحاضر للبادي
أَخَاهُ لِإِبِيهِ وأُمِّهِ)) مُتَّفَقَ عَلَيْهِ(١).
١٧٧٤ - وعَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((لا تَتْلَّقَوُا
السُّلَعَ حَتّى يُهْبَطَ بِهَا إِلَى الْأَسْوَاقِ)» مُتَّفَقَ عَلَيْهِ(٢).
١٧٧٥ - وعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهُ: ((لا تَتَلَقُّوا
الرُّكْبَانَ، ولا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ)) فَقَالَ لَهُ طَاوُسُ: مَا لا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ: لا يَكونُ
لَهُ سِمْساراً. مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ(٣)
أي: البادي (أخاه لأبيه وأمه) قال في شرح الأعلام: وذكر الحاضر والبادي، جرى على
الغالب فلو قدم حاضر فتلقاه بأن كان الحكم كذلك. ثم النهي للتحريم، وينعقد معه البيع
لأن النهي ليس عن نفس العقد، لا يرجع لمعنى فيه (متفق عليه).
١٧٧٤ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله مَّ لا تتلقوا السلع) أي:
المتاع المجلوب للبيع (حتى يهبط بها إلى الأسواق) أي: ويعلم القادم السعر، وشرط
التحريم مع العلم بالنهي عن التلقي أن يشتري المتلقي من الجانب من غير طلب منه وقبل
قدومه البلد ومعرفته بالسعر، سواء قصد التلقي أم لا كأن خرج لنحو صيد، فلقي القادم
فشرى منه كذلك (متفق عليه)
١٧٧٥ - (عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ومسلم لا تتلقوا الركبان) أي:
للشراء منها وللبيع عليها بشرط. (ولا يبع حاضر لباد) والنهي فيهما للتحريم، لما فيه من
ضرر الجالب في الأول، والناس في الثاني (فقال له طاوس ما) أي: شيء معنى (يبيع
حاضر لباد قال: لا يكون له سمساراً) بفتح المهملتين وسكون الميم أي: دلالاً، والمراد
يبيعه له على التدريج وكأن قصد الجالب أن يبيعه بسعر الوقت (متفق عليه).
(١) أخرجه البخاري في كتاب: البيوع، باب: لا يشتري حاضر لباد بالسمسرة، (٣١٢/٤).
وأخرجه مسلم في كتاب: البيوع، باب: تحريم بيع الحاضر للبادي، (الحديث: ٢١).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: البيوع، باب: النهي عن تلقي الركبان، (٣١٣/٤ و٣١٤).
وأخرجه مسلم في كتاب: البيوع، باب: تحريم تلقي الجلب (الحديث: ١٥).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب: البيوع، باب: هل يبيع حاضر لبادٍ بغير أجار وفي الإِجارة، باب: أجر
السمسرة، (٣١١/٤)
وأخرجه مسلم في كتاب: البيوع، باب: تحريم بيع الحاضر للبادي، (الحديث: ١٩)

٥٨٦
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
١٧٧٦ - وعَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: نَهى رسُولُ اللّهِ وَ﴿ أَنْ يَبِيعَ
حَاضِرٌ لِبادٍ، ولا تَنَاجَشُوا، ولا يَبِعِ الرَّجُلُ عَلى بَيْعِ أَخِيه، ولا يَخْطُبْ عَلى خِطْبَةٍ
أَخِيهِ، ولا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِها لِتَكْفَأَ مَا في إِنائِها)) وفي روايةٍ قَالَ: نَهى
رسُولُ اللَّهِ وَ﴿ عَنِ التَّلْقِّي، وَأَنْ يَبْتَاعَ الْمُهَاجِرُ لِلْأَعْرَابِيِّ، وَأَنْ تَشْتَرِطَ الْمَرْأَةُ طَلاقَ
أُخْتِها، وأَنْ يَسْتَامَ الرَّجُلُ عَلى سَوْمِ أَخِيهِ، ونَهى عَنِ النَّجَشِ، والتَّصْرِيَةِ.
مُتَّفَقَ عَلَيْهِ(١) .
١٧٧٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله وَ ل ◌ّر أن يبيع حاضر لباد ولا
تناجشوا) أي: وقال لا تناجشوا فالجملة معطوفة على نهي بتقدير القول لتوافق الجملتين في
الخبرية، وأصله تتناجشوا، فحذفت إحدى التاءين تخفيفاً. وتقدم أن النجش: زيادة في
ثمن السلعة، لا لرغبة بل ليخدع غيره. (ولا يبع الرجل على بيع أخيه) التعبير بالأخ كالتعليل
للنهي؛ والتعبير به جرى على الغالب، وإلا فالذمي مثل المسلم في تحريم ذلك معاً. وفي
رواية ((لا يبع بعضكم على بيع بعض)) وهي أعم (ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه) أي :
إلا أن تركها أو أذن (ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ) أي: لتقلب (ما في إنائها) يعني
لا تسأل المرأة ولو أجنبية طلاق زوجة لينكحها، أو يصير لها من نفقته ومعروفه ومعاشرته،
ما كان للمطلقة. فعبر عن ذلك بكفء ما في إنائها مجازاً. وبما تقرر: علم أن المراد بأختها
في الأنوثة من بني آدم لا في النسب ونحوه (وفي رواية) هي عند مسلم بنحو ما قال كره إلا
أنه قال: إن رسول الله وَ لّ نهى عن التلقي وأن يبيع حاضر لباد وهو عنده من حديث أبي
هريرة كما قال المصنف (قال) أي: أبو هريرة (نهى رسول الله و لر عن التلقي وأن يبتاع
المهاجر للأعرابي) أي: الحاضر، وهو المهاجر للأعرابي وهو البادي القادم بمتاعه ليبيعه
(وأن تشترط المرأة طلاق أختها) أي: حال التزوج عليها وذلك لما فيه من الإِضرار بتلك
(وأن يستام الرجل على سوم أخيه) بأن يزيد في ثمن المبيع الذي استقر عليه، بالرضى من
غير رضا المشتري، أو يأتي للمشتري بمثل ما تراضيا على ثمن بأقل من ثمنه، أو بأحسن منه
بثمنه، وحرم لما فيه من الأضرار. إلا إن رضي المساوم عليه (ونهى عن النجش) بإسكان
الجيم وعن (التصرية) ترك حلب الدابة الحلوب ليجتمع اللبن في ضرعها، فيتوهم كثرة لبنها
وتعظم الرغبة لذلك، وحرماً: لما فيهما من الغش والخديعة (متفق عليه).
(١) أخرجه البخاري في كتاب: البيوع، باب: هل يبيع حضر لباد ... وفي أبواب متفرقة غيره، (٢٩٥/٤
و ٢٣٨/٥).

٥٨٧
٣٥٥ - باب: في تحريم بيع الحاضر للبادي
١٧٧٧ - وعَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ﴾ قَالَ: ((لا يَبِعْ
بَعْضُكُمْ عَلى بَيْعِ بَعْضٍ، ولا يَخْطُبْ عَلى خِطْبَةِ أَخِيهِ إِلّ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ (١).
١٧٧٨ - وعَنْ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((الْمُؤْمِنُ أَخُو
الْمُؤْمِنِ، فَلا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَبْتَاعَ عَلى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلا يَخْطُبَ عَلى خِطْبَةِ أَخِيهِ
حَتّى يَذَرَ»
١٧٧٧ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله وَالقر قال: لا يبع بعضكم على بيع
بعض) النهي للتحريم، كما تقدم. إلا إن كان لزم العقد ولا خيار فيكون غير محرم لانتفاء
الإِضرار المرتب على الأول (ولا يخطب على خطبة أخيه) أي: إذا أجيب لذلك بالصريح،
وكانت الخطبة جائزة لا خطبة الرجعية في عدتها، وقيد النهي في كل منهما بقوله (إلا أن
يأذن له) أي: البعض المباع على بيعه في الأول، والمخطوب على خطبته في الثاني. ومثل
إذنه في ذلك إعراضه عن المخطوبة (متفق عليه وهذا لفظ مسلم) ولفظ البخاري ((لا يبع
بعضكم على بيع بعض)) وعند البخاري من حديث أبي هريرة أنه مرفوع، من جملة حديث
آخره ((ولا يبع الرجل على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه ولا تسأل المرأة طلاق أختها
لتكفأ ما في إنائها)).
١٧٧٨ - (وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله وسلم قال: المؤمن أخو المؤمن)
لاجتماعهما في الإِيمان الذي هو أعظم مجتمع فيه (فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه
ولا يخطب) بالنصب عطفاً على يبتاع، وبالرفع على الاستئناف. والأول أقرب وأنسب (على
خطبة أخيه حتى يذر) أي: يترك أو يأذن كما تقدم في الحديث قبل ذكر المؤمن، وهو
لا مفهوم، له فيحرم على الكافر البيع على بيع المسلم. أو الذمي. والخطبة على خطبته.
= وأخرجه مسلم في كتاب: البيوع، باب: تحريم بيع الرجل على بيع أخيه وسومه على سومه وتحريم .. ،
(الحديث: ١١ و١٢).
(١) أخرجه البخاري في كتاب: البيوع، باب: لا يبيع حاضر لباد بالسمسرة ... ، وفي أبواب متفرقة غيره
وفي النكاح، باب: لا يخطب على خطبه أخيه (٣١٣/٤).
وأخرجه مسلم في كتاب: النكاح، باب: تحريم الخطبة على خطبة أخيه حتى يأذن أو يترك، (الحديث:
٥٠)

٥٨٨
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
٣٥٦ - باب: في النهي عن إضاعة المال في غير وجوهه التي أذن الشرع فيها
١٧٧٩ - عَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ اللَّهُ
يَرضَى لَكُمْ ثَلاثَاً، ويَكْرَهُ لَكُمْ ثَلاثَاً. فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ ولا تُشْرِكوا بِهِ شَيْئاً، وأَنْ
تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعَاً ولا تَفَرَّقوا. ويَكْرَهُ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤالِ،
وإِضَاعَةَ الْمالِ)). رواهُ مُسْلِمٌ. وتَقَدَّمَ شَرْحُهُ(٢).
وذكره لما تقدم من انقياده للأحكام (رواه مسلم).
باب النهي عن إضاعة المال في غير وجوهه التي أذن الشرع فيها
واجبة كانت كالزكوات والكفارات، أو مندوبة كالصدقات، أو مباحة كالأطعمة
والملابس المباحات، والذي لم يأذن فيه يشمل المحرم. والنهي عن إضاعتها فيه: للتحريم
والمكروه، والنهي فيه للتنزيه.
١٧٧٩ - (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَالل إن الله يرضى لكم) أيها
المؤمنون (ثلاثاً) لأنها سبب فوزكم (ويكره لكم ثلاثاً) وإن كانت بإرادته أيضاً، إذ لا يقع في
ملكه شيء يخالف إرادته جل وعلا، (فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً) أي: من
المعبودات أو من الإِشراك (وأن تعتصموا) أي: تتمسكوا (بحبل الله جميعاً) أي: بدينه
أو بالجماعة أو بعهد الله أو بالقرآن (ولا تفرقوا) أي: كونوا على الحق مجتمعين، ولا تتفرقوا
عنه أي: كما فعل أهل الكتاب فضلوا (ويكره لكم قيل وقال) بالفتح فيهما على الحكاية
للفظي الماضي المبني للفاعل؛ وللمفعول، وهو المراد، والكلام فيما لا يعني، وتقدم
البسط في معنى ذلك وباقي الحديث في باب تحريم العقوق (وكثرة السؤال) أي: عمّالاً
تحتاجون إليه على وجه التعنت (وإضاعة المال) وذلك لأن الله جعله بحكمته نظام أمر
المعاش وقوام حاجة الإِنسان، وبإضاعته يتعرض المرء لإضاعة نفسه وشغلها عن العبادة،
بالاشتغال بكسبه وكمال التوجه له عنها (رواه مسلم) وتقدم شرحه ثمة .
(١) أخرجه مسلم في كتاب: النكاح، باب: تحريم الخطبة على خطبة أخيه حتى يأذن أو يترك، (الحديث:
٥٦).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: الأقضية، باب: النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة ... ، (الحديث: ١٠).

٥٨٩
٣٥٦ - باب: في النهي عن إضاعة المال
١٧٨٠ - وعَنْ وَرَّادٍ كَاتِب الْمُغِيرَةِ قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ الْمُغِيرَةُ بنُ شُعَبَةَ في كِتابٍ
إلَى مِّعاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيِّ ﴿ كَانَ يَقولُ فِي دُبُرِ كِلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ : ((لا إِلَهَ
إِلَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ ولَهُ الْحَمْدُ وهُوَ عَلى كلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ
لا مَانِعَ لِمَا أعطيْتَ، ولا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» وَكَتَبَ
إِلَيْهِ أَنَّهُ كانَ يَنْهِى عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وإضَاعَةِ الْمالِ وكَثْرَةِ السُّؤالِ ، وكانَ يَنْهِى عَنْ
عُقوقِ الْأُمَّهاتِ، ووَأْدِ الْبناتِ،
١٧٨٠ - (وعن وراد) بفتح الواو وتشديد الراء والدال المهملة، يكنى أبا سعيد أو أبا الورد.
كوفي، ثقة. من أوساط التابعين (كاتب المغيرة) ومولاه خرج حديثه الستة (قال: أملى علي
المغيرة بن شعبة) الثقفي الصحابي رضي الله عنه (في كتاب إلى معاوية رضي الله عنه)
الظرف مستقر في محل الصفة لكتاب، ويجوز جعله لغواً متعلقاً بكتاب (أن النبي وه يلر كان
يقول في دبر) بضمتين أي: عقب (كل صلاة مكتوبة لا إله إلا الله وحده لا شريك له) أي :
منفرداً عن السوي، لا شريك له في وصف من أوصافه الحسنى ونعوته العليا (له الملك)
بضم الميم أي: العزة والغلبة (وله الحمد) الثناء بالوصف الجميل، على سبيل التعظيم
(وهو على كل شيء قدير) فجملتا لا شريك له وله الملك: حاليتان لوحده مترادفة من
الجلالة أو متداخلة، والجملتان الأخريتان معطوفتان على الجملة الأخيرة لقربها، أو الأولى
كل محتمل (اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا) أي: صاحب
(الجد) بفتح الجيم أي: الحظ والغني (منك) أي: عندك (الجد. وكتب إليه) معطوف على
أملى. وإسناد الكتابة إليه مجاز ععقلي أي: أمر بها، ويحتمل أنه جمع بين إملاء ما قبل
وكتابة هذا، ويقرب الأول قوله (أنه) أي: النبي ◌َّ، فإنه لو كان مستقلاً عما قبله لصرح فيه
باسمه ٣ (كان ينهي عن قيل وقال) وفي الصحيح ((كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل
ما يسمع)) (وإضاعة المال وكثرة السؤال) الواو لا تفيد الترتيب، فلا تخالف بين تقدم
الإِضاعة هنا، وتأخيرها في الحديث قبل (وكان ينهى عن عقوق الأمهات) أي: أن يفعل
معهن ما يتأذين به عادة تأذياً ليس بالهين صريحاً، وخصت مع أن الآباء منهي عن عقوقهم
لغلبته فيهن بالنسبة إليهم، لأن الرجل للذكورة يخاف منه ومن سطوته فقل عقوقه،
ولا كذلك الأم لضعفها واحتجابها (ووأد) بفتح الواو وسكون الهمزة وبالدال المهملة أي :
قتل (البنات) وكانت العرب في الجاهلية تفعل ذلك، فمنهم من يفعله دفعاً للعار المتوقع
منهن عند كبرهن، ومنهم من يفعله خشية كثرة العائلة وضيق النفقة عليه حينئذ. ثم كان

٥٩٠
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
ومَنْعٍ وهاتِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وسَبَقَ شَرحُهُ(١).
٣٥٧ - باب: في النهي عن الإشارة إلى مسلم بسلاح ونحوه سواء كان جاداً
أو مازحاً
والنهي عن تعاطي السيف مسلولاً
١٧٨١ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ﴿ قَالَ: ((لا يُشِرْ
أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلاحِ ؛ فَإِنَّهُ لا يَدْرِي لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ فَيَقَعَ فِي حُفْرَةٍ
مِنَ النَّارِ»
بعضهم يقتل البنت حال ولادتها، ومنهم من يدعها حتى ترعرع ثم يحفر لها حفرة عميقة، ثم
يأتي بها ويلقيها فيها ويواريها بالتراب (ومنع) من أداء الواجب (وهات) طلب ما لا يستحق،
أو الإلحاح في المسألة والكدح فيها (متفق عليه) وقد سبق شرحه ثمة.
باب النهي عن الإِشارة إلى مسلم بسلاح ونحوه
من كل ما يخاف منه ويرهب (سواء كان جاداً) بتشديد الدال المهملة من الجد ضد
الهزل، ولذا قابله بقوله (أو مازحاً) والأنسب: أو هازلاً (والنهي عن تعاطي السيف مسلولاً)
وذلك لما فيه من الإِرعاب مع ما يخشى من حصول ضرر منه.
١٧٨١ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله بح ﴿ قال: لا يشر) بضم التحتية وكسر
المعجمة وهو بصيغة النهي في نسخ الرياض، وقال المصنف في شرح مسلم: إنه في جميع
النسخ أي: في مسلم خبر بمعنى النهي حال، وهو أبلغ من لفظ النهي (أحدكم إلى أخيه)
ومثله الذمي فيحرم إراعته وإن اختلفت مرتبته في التحريم قوة وضعفاً (بالسلاح) بكسر
المهملة قال في المصباح: هو ما يقاتل به في الحرب ويدافع والتذكير أغلب من التأنيث،
فيجمع على التذكير أسلحة، وعلى التأنيث سلاحات، والسلح بوزن حمل لغة في السلاح
(فإنه) أي: المشير به (لا يدري لعل الشيطان ينزغ في يده فيقع) أي: يسقط المشير بسبب
ذلك (في حفرة من النار) إن قتل ذلك واستحله الفاعل أو لم يستحله وجوزي بالقتل الذي
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: ما يكره من قيل وقال (٢٧٥/٢ و٢٦٣/١١).
وأخرجه مسلم في كتاب: الأقضية، باب: النهي عن كثرة المسائل من غيره حاجة ... ، (الحديث:
١٢، ١٣، ١٤).

٥٩١
٣٥٧ - باب: في النهي عن الإشارة إلى مسلم
مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ وَلَ: ((مَنْ أَشَارَ
إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تَلْعَنُهُ حَتَّى يَنْزِعَ وإنْ كانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ)) قَوْلُهُ وَ :
((يُنْزِعَ)) ضُبِطِ بِالعَيْنِ المهملةِ مَعَ كَسْرِ الزَّاي، وبالغينِ المعجمةِ مع فَتحِها ومَعْنَاهُما
مُتَّقَارِبٌ. ومَعْناهُ بالمهمَلَةِ: يَرْمي، وبِالمعجمَةِ أَيْضاً: يَرْمي ويُفْسِدُ. وأصْلُ النَّزْعِ
الطَّعْنُ وَالْفَسَادُ (١).
١٧٨٢ - وعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ((نَهِى رَسُولُ اللَّهِ وَهِ أَنْ يُتَعَاطَى السَّيْفُ
فعله (متفق عليه) ورواه أحمد أيضاً. قال في الجامع الكبير: ورواه الطبراني في حديث أبي
هريرة عن سهل بن سعد (وفي رواية لمسلم) وكذا رواه الترمذي (قال) أبو هريرة (قال أبو
القاسم ◌َّ من أشار إلى أخيه بحديدة) أي: على وجه الترويع والتخويف والتعرض له
بما يؤذيه (فإن الملائكة تلعنه حتى ينزع وإن كان أخاه لأبيه وأمه) مبالغة أيضاً في عموم
النهي في كل أحد، سواء كان ممن يتهم فيه ومن لا يتهم، وسواء كان هزلاً أو جداً لأن ترويع
المسلم حرام مطلقاً، ولأنه قد يسبقه. كما أومأ الحديث إليه قبله. ولعن الملائكة لفاعله يدل
على أنه حرام، وفي بعض نسخ مسلم حتى وإن إلخ بحذف منصوب حتى (قوله اَل
ينزع ضبط بالعين المهملة مع كسر الزاي) نقله القاضي عياض عن جمعٍ رواه مسلم. قال
المصنف: وكذا هو في نسخ بلادنا، وروي في غير مسلم (بالغين المعجمة مع فتحها) أي :
الزاي (ومعناهما) أي: الروايتين (متقارب) وبينه بقوله (ومعناه بالمهملة يرمي) أي: في
الإِثم وتحقق ضربته ومعناه (بالمعجمة) أيضاً (يرمي) فهو بالإِهمال والإِعجام بمعنى يرمى
(ويفسد) المرمي (وأصل النزغ) بالمعجمة (الطعن والفساد) أي: أنه يحمل على تحقق
الضرب به ويزينه .
١٧٨٢ - (وعن جابر رضي الله عنه قال: نهى رسول الله وَ لل عن أن يتعاطى السيف مسلولاً)
قال ابن رسلان: يقال تعاطيت السيف إذا تناولته قال تعالى ﴿فتعاطى فعقر﴾(٢) أي: تناول
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الفتن، باب: قول النبي ◌َّر من حمل علينا السلاح فليس منا، (٢٠/١٣
و ٢١).
وأخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: النهي عن الإِشارة بالسلاح إلى مسلم،
(الحديث: ١٢٦).
(٢) سورة القمر، الآية: ٢٩

٥٩٢
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
مَسْلولاً)) رواه أبو داودَ والتِّرْمِذِيُّ وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ(١).
٣٥٨ - باب: في كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان إلا لعذر حتى يصلي
المكتوبة
١٧٨٣ - عَنْ أَبيِ الشَّعْثاءِ قَالَ: كُنَّا قُعُوداً مَعَ أَبِي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في
الْمَسْجِدِ فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْمَسْجِدِ يَمْشِي فَتْبَعَهُ أَبُو هُرِيْرَةَ بَصَرَهُ حَتّى
خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَقالَ أبو هُرِيْرَةٍ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصى أبا القاسِمِ ◌َّ.
رَوَاهُ مُسْلِمُ (٢).
الناقة بسيفه فعقرها: وفي الحديث كراهة تناوله لأن المتناول قد يخطىء في تناوله، فيخرج
يده أو شيئاً من جسده فيتأذى بذلك ويحصل الفساد. وفي معنى السيف: السكين فلا يرميها
والحد من جهته. والأدب في تناولها أن يمسك النصل المحدود في يده من جهة قفاه ويجعل
المقبض إلى جهته، ليتناولها بالنصال. رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن.
باب كراهة الخروج من المسجد
الأولى المصلي، ليشمل ما لو اتخذ مصلى ليصلي فيه (بعد الأذان) أي: الكائن بعد
دخول الوقت أما الأذان الأول للفجر، فلا يكره به الخروج لأن الانتظار للجماعة مشق عليه
(إلا لعذر) من مرض أو حاجة داعية للخروج كحدث (حتى يصلي المكتوبة) غاية الكراهة
الخروج، ولا فرق في زوالها بين صلاته فرادى أو جماعة، كما يومىء إليه تعبير المصنف.
إذ لم يقيد فعلها بالجماعة .
١٧٨٣ - (عن أبي الشعثاء) بفتح المعجمة وسكون المهملة بعدها مثلثة، وهو سليم بن
الأسود (قال: كنا قعوداً) بضم أوليه جمع قاعد (مع أبي هريرة رضي الله عنه في المسجد
فأذن المؤذن فقام رجل يمشي) أي: قبل أن يصلي (فاتبعه) بفتح فسكون (أبو هريرة بصره)
ناظراً إليه حال مشيه، لينظر مراده منه، وقوله (حتى خرج من المسجد) غاية لاتبعه (فقال أبو
هريرة أما هذا فقد عصى أبا القاسم ◌َّر. رواه مسلم).
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد، باب: في النهي أن يُتعاطى السيف مسلولاً، (الحديث: ٢٥٨٨).
وأخرجه الترمذي في كتاب: الفتن، باب: ما جاء في النهي عن تعاطي السيف مسلولاً، (الحديث:
٢١٦٣).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: النهي عن الخروج من المسجد إذا أذن =
.........

٥٩٣
٣٥٩ - باب: في كراهة رد الريحان لغير عذر
٣٥٩ - باب: في كراهة ردّ الريحان لغير عذر
١٧٨٤ - عَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ عُرِضَ
عَلَيْهِ رَيْحَانٌ فَلَا يَرُدُّهُ؛ فَإِنَّهُ خَفِيفُ الْمَحْملِ، طَيِّبُ الرِّيحِ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
١٧٨٥ - وعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيِّ :﴿ كَانَ لا يَرُدُّ الطَّيبَ)»
رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ (٢).
باب كراهة رد الريحان
ومثله سائر أنواع الطيب (لغير عذر) من نحو احرام، أو كونه مغصوباً.
١٧٨٤ - (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ ﴿ من عرض عليه ريحان) وفي
رواية أبي داود ((من عرض عليه طيب)) (فلا يرده) بضم الدال للاتباع، ثم علل النهي بقوله
(فإنه خفيف المحمل) بفتح الميم الأولى وكسر الثانية. وقال القرطبي بفتح الميمين، ويعنى
به الحمل، وهو مصدر حمل، وقال: وعلى الأول اسم زمان أو مكان. (طيب الريح). قال
القرطبي : أشار إلى قبول عطية الطيب، لأنه لا مؤنة لحمله ولا منة للخلق في قبوله لجريان
عادتهم بذلك؛ قال: لكن المسك المنة فيه ظاهرة لغلاء سعره. وفي الحديث الترغيب في
استعمال الطيب، وعرضه على من يستعمله، لا سيما عند حضور الجمعة والجماعات
ونحوهما (رواه مسلم) وأحمد.
١٧٨٥ - (وعن أنس رضي الله عنه أن النبي يسير كان لا يرد الطيب رواه البخاري) وروى
الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعاً: ((ثلاث لا ترد: الوسائد والدهن واللبن)» وقد نظم
بعضهم ما يسن قبوله فقال:
صلى عليه اللّه طول الزمن
قد كان من سنة خير الورى
والتمر أيضاً يا أخي واللبن
أن لا يرد الطيب والمستكا
= المؤذن، (الحديث: ٢٥٨).
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الألفاظ من الأدب وغيرها، باب: استعمال المسك وأنه أطيب الطيب ... ،
(الحديث: ٢٠).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الهبة، باب: ما لا يرد من الهدية (٣١٢/١٠).

٥٩٤
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
٣٦٠ - باب: في كراهة المدح في الوجه لمن خيف عليه مفسدة من
إعجاب ونحوه، وجوازه لمن أمِنَ ذلك في حقه
١٧٨٦ - عَنْ أَبي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ◌َهَ رَجُلا يُثْنِي عَلى
رَجُلٍ وَيُطْرِيهِ فِي المِدْحَةِ فَقَالَ: ((أَهْلَكْتُمْ أَوْ قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
و (الإِطْرَاءُ)): الْمُبالَغَةُ فِي الْمَدْحِ (١).
وزاد السيوطي عليها أربعة ونظمها في قوله:
إذا ما بها قد اتحف المرء خلان
عن المصطفى سبع يسن قبولها
فحلوى وألبان ودهن وسادة
ورزق لمحتاج وطيب وريحان
ونظمتها كذلك فقلت:
والرد يكره يا أخا العرفان
سبع يسن قبولها إن اهديت
رزق لمحتاج مع الريحان
لبن وحلوى طيب دهن وسادة
باب كراهة المدح في الوجه لمن
خيف عليه مفسدة من إعجاب ونحوه
من كبر أو خيلاء، والعجب الترفع بالنفس والخيلاء (وجوازه) بلا كراهة (لمن أمن
ذلك في حقه) لكمال تقواه ورسوخ عقله ومعرفته؛ وشرط الجواز حينئذ أن لا يكون فيه
مجازفة، وهو يسن إذا ترتبت عليه مصلحة شرعية، ويباح عند فقدها، وهذه المضرة لإِرشاد
مسترشد وإدلال طالب على مظنة الفائدة، بذلاً للنصح وتنشيطاً له على العبادة، أو الازدياد
منها أو الدوام عليه أو الافتداء به .
١٧٨٦ - (عن أبي موسى رضي الله عنه قال: سمع النبي (وَلَّ رجلاً يثني على رجل ويطريه)
بضم التحتية أي: يمدحه بأحسن ما فيه أو يبالغ فيه كما يأتي عن المصنف في معنى الإِطراء
فقوله (في المدح) تجريد ليطرى من معنى المدح، أي: يبالغ في أوصافه بالمدحة بكسر
الميم (فقال) أي: النبي ◌ّ (أهلكتم أو) شك من الراوي (قطعتم ظهر الرجل) كناية عن
إهلاكه، وإنما الشك في اللفظ الوارد، والمعنى هلاك الدين أي: يتولد له من ذلك إعجاب
أو كبر على أحد يقطعه (متفق عليه والإِطراء المبالغة في المدح) ولم يعبر في القاموس
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الشهادات، باب: ما يكره من الأطناب في المدح، وفي الأدب باب ما يكره =

٥٩٥
٣٦٠ - باب: في كراهة المدح في الوجه
١٧٨٧ _ وعَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلاً ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َ﴿ فَأَثْنَى عَلَيْهِ
رَجُلٌ خَيْراً فَقالَ النَّبِيُّ :﴿َ: ((وَيْحَكَ! قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ (يقولُه مِراراً) إِنْ كانَ
أحَدُكُمْ مَادِحَاً لا مَحالَةَ فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ كَذا وَكَذا إِنْ كان يُرِى أَنَّهُ كَذَلِكَ، وحَسيبُهُ
اللَّهُ، ولا يُزَكِّي عَلى اللَّهِ أَحَدٌ) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ(١).
المبالغة في الإطراء، وعبارته أطراه أحسن الثناء عليه. وأشار في المصباح إلى أن ذلك أحد
قولين فيه وعبارته: أطريت فلاناً مدحته بأحسن ما فيه. وقيل: بالغت في مدحه وجاوزت
الحد. قال السرقسطي في باب الهمزة والتاء: أطراته مدحته وأطريته أثنيت عليه.
١٧٨٧ - (وعن أبي بكرة أن رجلاً ذكر) بصيغة المجهول (عند النبي ◌َّ فأثنى عليه رجل
خيراً) منصوب على المصدرية، لأنه بمعنى الثناء؛ أو على أنه مفعول به لقال مقدراً (فقال
النبي ◌ُّيه ويحك) بالنصب على المصدرية بفعل محذوف وجوباً، وهي كلمة ((تقال)) على
سبيل الترحم، لمن وقع في أمر لا يستحقه. (قطعت عنق صاحبك) كناية عن هلاكه
المعنوي، أو مجاز عن قطع العنق حقيقة، الذي هو القتل لاشتراكهما في الهلاك، لكن هذا
في الدين. وقد يكون في الدنيا لما يثنيه عليه من حاله بالاعجاب؛ قال المصنف: وإسناده
إلى المخاطب من الإِسناد إلى السبب (يقوله مراراً) أي: هذه الكلمة المأتي بها، والتكرير
للمبالغة في الزجر له ولغيره عن مدح من كان مثل الممدوح في الخوف عليه من نحو العجب
(إن كان أحدكم مادحاً لا محالة) بفتح الميم وتخفيف المهملة أي: لا بد (فليقل) أي: في
الممدوح (أحسبه) أي: أظنه (كذا وكذا) كناية عن متعدد يثني به عليه (إن كان) أي: المثني
عليه (يرى) بالبناء للمفعول أي: يظن (أنه كذلك وحسيبه الله) أي: محاسبه فلا يكذب:
الثناء بما يعم أو يظن خلافه فيقع في الكذب (ولا يزكي) بالمجهول من التزكية. (على الله
أحد) أي: بأن يثبت الثناء عليه، فإنه لا يعلم بواطن الأمور وحقيقة الشؤون إلا الله العالم
بالسرائر، قال تعالى: ﴿فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى﴾(٢) أي: فلا يزكي بعضكم
بعضاً بما ليس فيه، فإن الله لا يخفى عليه شيء. (متفق عليه).
= من التمادح، (٣٩٧/١٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: الزهد والرقائق، باب: النهي عن المدح إذا كان ... ، (الحديث: ٦٧).
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الشهادات، باب: إذا زكى رجل رجلاً كفاه، وفي الأدب، باب: ما يكره
من التمادح، (٣٩٧/١٠ و ٣٩٨).
وأخرجه مسلم في كتاب: الزهد والرقائق، باب: النهي عن المدح إذا كان ... ، (الحديث: ٦٥).
(٢) سورة النجم، الآية: ٣٢.

....
٥٩٦
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
١٧٨٨ - وعَنْ هَمَّامِ بنِ الْحَارِثِ عَنِ الْمِقْدادِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا جَعَلَ
يَمْدَحُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَعَمَدَ الْمِقْدَادُ فَجَثَا عَلى رُكْبَيْهِ فَجَعَل يَحْثُو فِي وَجْهِهِ
الْحَصْبَاءَ، فَقالَ لَهُ عُثْمَانُ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ ﴿ِ قَالَ: ((إِذَا رَأَيْتُمُ
الْمَدَّاحِينَ فَاحْتُوا فِي وجُوهِهِمُ التَّرابَ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
فَهَذِهِ الْأَحَاديثُ فِي النَّهْيِ. وَجَاءَ فِي الإِباحَةِ أَحاديثُ كَثِيرَةٌ صَحيحةٌ. قَالَ العلماءُ:
وطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحاديثِ أَنْ يُقالَ: إِنْ كانَ الْمَمْدُوحُ عِنْدَهُ كمالُ إِيمَانٍ وَيَقِينٍ،
ورِياضَةُ نَفْسٍ ، ومَعْرِفَةٌ تَامَّةً بِحَيْثُ لا يَفْتَيِنُ ولا يَغْتَرُّ بِذَلِكَ ولا تَلْعَبُ بِهِ نَفْسُهُ فَلَيْسَ
١٧٨٨ - (وعن همام) بفتح الهاء وتشديد الميم (بن الحارث) بن قيس بن عمرو النخعي
الكوفي : ثقة عابد من كبار التابعين، مات سنة خمس وستين، وخرّج عنه الجميع. كذا في
تقريب الحافظ. وقال الذهبي في الكاشف: مات قبل ابن عباس وكان من العلماء العباد
(عن المقداد) الصحابي تقدمت ترجمته (رضي الله عنه أن رجلاً جعل يمدح عثمان رضي الله
عنه) أي: والمقداد حاضر (فعمد) قال في المصباح: من باب ضرب أي: قصد (المقداد
فجثا) بالجيم والمثلثة من الجثى وهو جلسة المستوفز (على ركبتيه فجعل) أي: شرع وجاء
جثا، من باب غزا يغزوا ومن باب رمى يرمي (يحثو في وجهه بالحصباء) بفتح المهملة
الأولى وسكون الثانية فموحدة فألف ممدودة، وهي صغار الحصى (فقال له عثمان ما شأنك
فقال: إن رسول الله رَّ﴿ل قال: إذا رأيتم المداحين فاحثوا) بوصل الهمزة (في أفواههم
التراب) وفي نسخة في وجوههم. قال المصنف: حمله رواية على ظاهره، ووافقه عليه
طائفة. وكانوا يحثون التراب في وجهه حقيقة. وقال آخرون: معناه حيوهم ولا تعطوهم شيئاً
لمدحهم. وقيل: إذا مدحتم فاذكروا أنكم من تراب فتواضعوا ولا تعجبوا وهذا ضعيف (رواه
مسلم. فهذه الأحاديث في النهي وجاء في الإباحة أحاديث صحيحة كثيرة، قال العلماء:
وطريق الجمع بين الأحاديث يقال إن كان الممدوح عنده كمال إيمان ويقين ورياضة نفس
ومعرفة تامة بحيث لا يفتتن) بالمدح فيعجب (ولا يغتر بذلك) فيركن إليه ويرضى عن نفسه
ويحقر غيره (ولا تلعب به نفسه) لثباته وقوة معرفته بربه فليس بحرام ولا مكروه، بل مندوب
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الزهد والرقائق، باب: النهي عن المدح إذا كان نية إفراط، وخيف منه فتنة على
الممدوح، (الحديث: ٦٩).
------

٥٩٧
٣٦٠ - باب: في كراهة المدح في الوجه
بِحَرامٍ ولا مَكْروهٍ، وإِنْ خِيفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ كُرِهَ مَدْحُهُ فِي وَجْهِهِ كَرَاهَةٌ
شَديدة، وعَلى هَذا الَّفْصِيلِ تُنَزَّلُ الْأَحَادِيثُ الْمُخْتَلِفَةُ فِي ذَلِكَ. ومِمَّا جَاءَ في
الإِبَاحَةِ قَوْلُهُ بِّهِ لِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ((أَرْجُو أَنْ تَكونَ مِنْهُمْ)) (١): أَمْ مِنَ الَّذينَ
يُدْعَوْنَ مِنْ جَمِيعِ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ لِدُخولِها. وفي الْحَدِيثِ الآخَرِ: ((لَسْتَ مِنْهُمْ))(٢): أَيْ
لَسْتَ مِنَ الَّذِينَ يُسْبِلُونَ أُزُرَهُمْ خُيَلاءَ. وَقَالَ ﴿ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ((مَا رَآَكَ
تارة، مباح أخرى على ما تقدم (وإن خيف عليه) أي: الممدوح (شيء من هذه الأمور)
الفتنة والاغترار وتلعب النفس به وتحديثها له، أنه من الكمل المثنى عليهم، فيحمله على
البطالات، وترك معالي الأعمال الصالحات (كره مدحه في وجهه) وكذا في غيبته إن علم
وصول ذلك له، بأن كان ثمة من يبلغه (كراهة شديدة) وقد يحرم أن تحقق ذلك فيه، بأن
علم من عادته وتحقق حصول ذلك له عند الممدوح (وعلى هذا التفصيل تنزل الأحاديث)
بصيغة المجهول وبالبناء للفاعل بحذف إحدى التاءين تخفيفاً، أو أنه ماض وحذفت تاء
التأنيث من آخره، لأن تأنيث الجمع مجازي باعتبار معنى الجماعة، فجاز تذكيره وتأنيثه،
وإن كان الثاني أرجح (المختلفة في ذلك) فيكون من باب المختلف ظاهراً المؤتلف معنى
(ومما جاء في الإِباحة قوله ◌َّ لأبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرجو أن تكون منهم) قال
العلماء: كل ما ورد في الكتاب والسنة من ألفاظ الرجاء فهو مقطوع بحصوله. وبيّن
المصنف مرجع الضمير بقوله: (أي: من الذين يدعون من جميع أبواب الجنة) الثمانية بأن
كان عاملاً بعمل أهل كل باب منها (لدخولها) متعلق بيدعون (وفي الحديث الآخر) قوله
للصديق أيضاً وكان على المصنف أن يقول له وإن كان أسعد بانسجام ما قبله عليه الظاهر في
الظاهر من ذلك (لست منهم أي: من الذين يسبلون إزارهم خيلاء) أي: فالوعيد الوارد في
مسبل الإِزار لا يتناولك، وإن كنت تسبله لأنه خاص بمن يسبله خيلاء، وأنت لست كذلك
(وقال ◌َّ لعمر رضي الله عنه ((ما رآك الشيطان سالكاً فجا))) أي: طريقاً واسعاً واضحاً، هذا
معنى الفج لغة، والظاهر أن المراد هنا ما يعم الواسع الواضح وغيره (إلا سلك فجاً، غير
فجك) فيه الثناء عليه بالحفظ من وسوسة الشيطان، لأنه إذا باعد فجه فبالأولى أن يبعد منه
(١) أخرجه البخاري في كتاب: فضائل الصحابة في أبواب فضائل أبي بكر، (٢١/٧، ٢٢).
وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: من جمع الصدقة وأعمال البر، (الحديث: ٨٦).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب أبي بكر، (٢١/٧).

٥٩٨
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
الشَّيْطانُ سَالِكاً فَجَّأْ إِلَّ سَلَكَ فَجَّأَ غَيْرَ فَجِّكَ))(١) والَحَادِيثُ في الإِباحةِ كثيرةٌ. وقدْ
ذَكَرْتُ جملةٌ مِنْ أَطْرافِها فِي كِتَابِ الْأُذْکارِ.
٢٠٠
٣٦١ - باب: في كراهة الخروج من بلد وقع به الوباء فراراً منه وكراهة
القدوم عليه
قال اللَّهُ تعالى (٢): ﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيِّدَةٍ﴾.
ولا يدانيه (والأحاديث في الإِباحة كثيرة، وقد ذكرت جملة من أطرافها في كتاب الأذكار)
وأوضحنا ما يتعلق بها في شرحه.
باب کراهة الخروج من بلد وقع به الوباء
بالهمز. قال في المصباح: مرض عام يمد ويقصر ويجمع الممدود على أوبية كمتاع
وأمتعة والمقصور على أوباء كسبب وأسباب. قال الدماميني في المصابيح قيل: وقصره أشهر
من مده (فراراً) بكسر الفاء، مفعول له علة للخروج المكروه (منه) وعللت الكراهة باحتمال
سلامته دون من لم يخرج، فيقول لو خرجت لسلمت كما سلم فلان فيقع في الحرج. وكذا
النهي عن القدوم عليه لاحتمال أن يصاب منه؛ فيقول لولا أني قدمت لسلمت فيقع فيه .
وقيل لأن الوباء إذا وقع فسدت جميع الأجساد؛ فلا يفيد الفرار، وإن الناس لو تواردوا على
الخروج لضاع من لم يخرج، لعجز أو مرض لفقد من يتعهده، ولئلا ينكسر قلوب الضعفاء.
ولذا ورد ((الفار من الطاعون كالفار من الزحف)) لما في المشبه به أيضاً من كسر قلب من لم
يفر، وإدخال الرعب عليه بخذلانه. قال ابن دقيق العيد: وعندي أن النهي عنه لما فيه من
التكلف ومعارضته القدر؛ (وكراهة القدوم عليه) قال ابن دقيق العيد: عندي أن النهي عنه
لما فيه من تعرض النفس للبلاء. ولعلها لا تصبر، قال: وهذا نظير حديث ((لا تتمنوا الفاء
العدو وإذا لقيتموهم فاصبروا)) فأمر بترك التمني لما فيه من التعرض للبلاء وخوف عذر النفس
بعدم الصبر؛ ثم أمر بالصبر عند الوقوع تسليماً لأمر الله تعالى (قال الله تعالى: أينما تكونوا
يدرككم الموت ولو كنتم في بروج) حصون (مشيدة) منيعة عالية، وهذا كالدليل لصدر
(١) أخرجه البخاري في كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب عمر، (٣٣/٧، ٣٨).
وأخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر رضي الله تعالى عنه، (الحديث:
٢٢).
(٢) سورة النساء، الآية: ٧٨.
293.

٥٩٩
٣٦١ - باب: في كراهة الخروج من بلد وقع به الوباء
وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
١٧٨٩ - وعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ عُمَرَ بِنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
خَرَجَ إلى الشَّامِ حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغٍ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الْأَجْنادِ، أَبُو عُبَيْدَةَ بِنُ الْجَرَّاحِ
وأَصْحَابُهُ فَأَخْبرُوهُ أَنَّ الْوباءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَقالَ لي عُمَرُ: آدْعُ
لي الْمُهَاجِرِينَ الْأُوَّلِينَ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَاسْتَشَارَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَباءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ
فَاخْتَلَفُوا، فَقالَ بَعْضُهُمْ: خَرَجْتَ لَأَمْرٍ ولا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ، وَقَالَ بعضُهمْ: مَعَكَ
بَقِيَّةُ النَّاسِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ ولا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلى هَذا الْوَباءِ. فَقَالَ:
الجملة، وهو النهي عن الفرار وقال تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) مصدر بمعنى
الهلاك.
١٧٨٩ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج إلى
الشام حتى إذا كان بسرغ) بفتح المهملة وسكون الراء، ووهم من فتحها، بعدها معجمة :
منزل من منازل حاج الشام على ثلاث عشرة مرحلة من المدينة. قال السيوطي في التوشيح :
والذي حكى الفتح: القاضي عياض، وجعله المصنف في شرح مسلم: خلاف المشهور
لا وهماً، ويجوز صرف سرغ ومنعه قال الدماميني في المصابيح: وسرغ قرية بتبوك قريب
من الشام (لقيه أمراء الأجناد) قال المصنف: المراد بالأجناد مدن أهل الشام الخمس، وهي
فلسطين والأردن ودمشق وحمص ونسرين. هكذا فسروه واتفقوا عليه (أبو عبيدة بن الجراح
وأصحابه فاخبر وه أن الوباء) يعني الطاعون (قد وقع بالشام قال ابن عباس فقال لي عمر ادع
لي المهاجرين الأولين) قال القاضي عياض: المراد بهم: من صلى إلى القبلتين، فأما من
أسلم بعد تحويل القبلة فلا يعد فيهم (فدعوتهم فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع
بالشام فاختلفوا فقال بعضهم خرجت لأمر) هو قتال العدو (ولا نرى أن نرجع عنه) معطوف
على الجملة الأولى. قال المصنف: وهؤلاء بنوا كلامهم على أصل من أصول الشرع، هو
التوكل والتسليم للقضاء (وقال بعضهم معك بقية الناس وأصحاب رسول الله وَلير) بالجر
عطفاً على الناس، وبالرفع عطفاً على بقية عطف خاص على عام (ولا نرى أن تقدمهم)
بضم الفوقية وكسر الدال المهملة وبفتحها: على تقدير الجار أي: تقدم بهم (على هذا
الوباء) قال المصنف: وهذا مبني على أصل آخر من أصول الشريعة، هو الاحتياط والحذر،
(١) سورة البقرة، الآية: ١٩٥ .

٦٠٠
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
آرْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: أَدْعُ لي الْأَنْصارَ، فَدَعَوْتُهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ فَسَلَكُوا سَبِيلَ
الْمُهَاجِرِينَ واخْتَلَفُوا كاخْتِلافِهِمْ، فَقَالَ: أَرْتَفِعُوا عَنِّي، ثمَّ قَالَ: آدْعُ لِي مَنْ كانَ
هَا هُنا مِنْ مَشْيَخَةٍ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ ، فَدَعَوْتُهُمْ فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ مِنْهُمْ
رَجُلانٍ؛ فَقالوا: نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هُذَا الْوَباءِ، فَنَادَى عُمَرُ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي النَّاسِ: إِنِّي مُصْبِحٌ عَلَى ظَهْرِ فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ
ابنُ الْجَرَّاحِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَفِراراً مِنْ قَدَرِ اللَّهِ! فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
ومجانبة أسباب الإلقاء باليد إلى التهلكة (فقال) لهم (ارتفعوا عني ثم قال) أي: لابن عباس
(ادع لي الأنصار فدعوتهم فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين) أي: طريقهم في اختلاف
الرأي في ذلك (واختلفوا) كاختلافهم (فمن قائل بالتقدم ومن قائل بالرجوع، فقال ارتفعوا
عني ثم قال: ادع لي من كان ها هنا من مشيخة قريش) بفتح الميم وكسر المعجمة الأولى
وسكون التحتية أو بفتح الميم والتحتية وسكون المعجمة الأولى بينهما وكلاهما جمع شيخ.
كما تقدم أول الكتاب (من مهاجرة الفتح) قيل: هم الذين أسلموا قبل الفتح فحصل لهم
فضل بالهجرة قبله، إذ لا هجرة بعد الفتح. وقيل: هم مسلمة الفتح الذين هاجروا بعده،
فحصل لهم اسم الهجرة دون الفضيلة. قال القاضي عياض: وهذا أظهر لأنهم الذين ينطلق
عليهم اسم مشيخة قريش، ولذا اقتصر عليه الشيخ زكريا في تحفة القاري (فدعوتهم فلم
يختلف عليه منهم رجلان) معطوف على مقدر دل عليه ما قبله، أي: فاستشارهم فلم
يختلفوا في أمر بالعود، فلذلك قال: (فقالوا نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا
الوباء) فاجتهد عمر فرأى الرجوع، لكثرة القائلين به، ولأنه أحوط ولم يفعله تقليداً. وقيل
إشارة لحديث عبد الرحمن، كما في رواية لمسلم. قال ابن عمر: إنما انصرف بالناس عن
حديث عبد الرحمن بن عوف قال: هولاً، ولم يكن ليرجع لرأي دون آخر حتى يجد علماً.
ويوافق الأول قوله (فنادى عمر في الناس فقال إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه) وتأوله
الآخرون بأن المراد أنه مسافر للجهة التي خرج إليها لا للرجوع إلى المدينة، قال المصنف:
وهو تأويل فاسد، والصحيح الذي دل عليه الحديث، أنه إنما قصد الرجوع للمدينة
بالاجتهاد حين رأى رأي الأكثرين عليه مع فضيلة المشيرين به، وما فيه من
الاحتياط. ثم بلغه الحديث فحمد الله وشكره على موافقة رأيه واجتهاده واجتهاد معظم
الصحابة نص النبي ◌ُّلة. ومصبح بصيغة الفاعل من الاصباح (فقال أبو عبيدة بن الجراح
رضي الله تعالى عنه أفراراً من قدر الله)؟ أي: أنفر فراراً أو ترجع فراراً (فقال عمر رضي الله