النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ ٢٤٣ - باب: في فضل الصلاة على رسول الله وَال كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: ((قُولوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى أَزْوَاجِهِ وذُرِّيَتِهِ كما صَلَّيْتَ عَلى إِبْراهِيمَ، وبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى أَزْوَاجِهِ وذُرِّيَتِهِ كما بَارَكْتَ عَلى إِبْراهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١) يا رسول الله كيف نصلي عليك) سؤال عن الصيغة التي يؤدون بها ذلك (قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى أزواجه) جمع زوج وهو يطلق على المؤنث كالمذكر، وإلحاق التاء به في المؤنث لغة ضعيفة، إلا في علم الفرائض فيستحسن دفعاً للبس. وزوجاته وَل* إحدى عشرة، توفي منهن اثنتان على عهده وَلّه والتسع مات عنهن (وذريته) شمل جميع أولاده وبناته وذريتهن، والباقي من ذريته ذرية السيدة فاطمة، دون ذرية باقي بناته مير ورضي عنهن، ودخل في ذلك كل من إليه انتساب إليها ولو من جهة الأمهات، وإن كانت الأحكام مخصوصة بما كان الاتصال فيه من جهة الآباء (كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد) في الإتيان بالجملة. الثانية: بعد الأولى إطناب وتخصيص بعد تعميم؛ لأن الرحمة المقرونة بالتعظيم المطلوبة بالجملة الأولى المراد بها إرادة التفضل والإِحسان، أو نفس ذلك على ما تقدم فدخلت البركة في جملته واندرجت في طيه، لكن خصت بالذكر اهتماماً بها وقد ظهرت آثار هذه الدعوة الشريفة فلله الحمد والمنة (متفق عليه) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء وفي الدعوات، ومسلم في الصلاة، وكذا رواه فيها كل من أبي داود والنسائي في السنن، ورواه النسائي في التفسير من سننه أيضاً، ورواه ابن ماجه في الصلاة من سننه اهـ. (١) أخرجه البخاري في كتاب: الأنبياء، باب: يزفون النسلان في المشي وفي الدعوات هل يصلى على غير النبي مر (٢٩٢/٦ و١٤٦/١١، ١٤٧). وأخرجه مسلم في كتاب: الصلاة، باب: الصلاة على النبى مل بعد التشهد، (الحديث: ٦٩). ١٤ - كتاب: الأذكار ٢٤٤ - باب: في فضل الذكر والحثّ عليه قال اللَّه تعالى(١): ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾. وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى (٣): ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةٌ وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ كتاب الأذكار باب فضل الذكر والحث عليه بفتح المهملة وتشديد المثلثة، أي: الحض (عليه) المراد بذكر الله هنا: الإتيان بالألفاظ التي ورد الترغيب فيها، وطلب الإكثار منها. وقيل: الذكر شرعاً قول سيق لثناء أو دعاء، وقد يستعمل لكل قول يثاب قائله. قال الحافظ في الفتح: ويطلق ويراد به المواظبة على العمل بما أوجبه الله أو ندب إليه. وقال الرازي: المراد بذكر اللسان الألفاظ الدالة على التسبيح والتحميد والتمجيد، والذكر بالقلب التفكر في أدلة الذات والصفات وفي أدلة التكاليف من الأمر والنهي حتى يطلع على أحكامها، وفي أسرار مخلوقات الله تعالى. والذكر بالجوارح هو أن تصير مستغرقة في الطاعات. (قال الله تعالى: ولذكر الله أكبر) أي: ذكر العبد ربه أفضل من كل شيء، والصلاة لما كانت مشتملة على ذكره كانت أكبر من غيرها من الطاعات. وقيل: المراد ذكر الله عبيده برحمته أكبر من ذكرهم إياه بطاعته، وهذا هو المنقول عن كثير من السلف. وقال التوربشتى: الذكر من الله هو حسن قبوله منه والمجازاة له بالحسنى اهـ (وقال تعالى: فاذكروني) أي: بالطاعات أو في الرخاء (أذكركم) بالمغفرة أو في الشدة. وقد تقدم ذكر هذا في أول باب الحمد (وقال تعالى: واذكر ربك في (١) سورة العنكبوت، الآية: ٤٥. (٢) سورة البقرة، الآية: ١٥٢. (٣) سورة الأعراف، الآية: ٢٠٥. ٢٠٣ ٢٤٤ - باب: في فضل الذكر بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾. وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ﴾ إِلَى قَوْلِه تَعالَى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾. وَقَالَ تَعَالَى (٣): ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾. نفسك) أي: سراً (تضرعاً) أي: تذللاً (وخيفة) أي: خوفاً منه، فالنصب على العلة، ويصح كونه على الحال، أي: متضرعاً وخائفاً (ودون الجهر من القول) أي: قصداً بينهما، وهو كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: أن تسمع نفسك دون غيرك (بالغدو والآصال) أوائل النهار وأواخره، وخصا بطلب الذكر فيهما دون غيرهما؛ لفضلهما ولأن بدء اليوم وختمه بالبر والعمل الصالح مقتض لغفران ما يقع بينهما من المخالفات كما في حديث (ولا تكن من الغافلين) عن ذكر الله (وقال تعالى: واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون) جملة الترجي في محل الحال من فاعل، اذكروا أي: ائتوا بعمل البر راجين الفلاح من الله تعالى، فإن الأعمال أمارات ظنية وليست بدلالات قطعية، ففيه إيماء إلى نهي العامل عن الركون إلى عمله دون الله تعالى، وتنبيه على أن المطلوب كون الظاهر مستعملاً في أعمال البر مع عدم النظر لذلك بالقلب (وقال تعالى إن المسلمين والمسلمات) أتى بذلك توطئة لقوله (إلى قوله تعالى والذاكرين الله كثيراً والذاكرات) المناسب للترجمة إذ لو بدأ به لتوهم أن الثواب المذكور بعده مرتب عليه بانفراده، وإنما هو جزء للمرتب عليه ذلك (أعد الله لهم) أي: هيأ لهم (مغفرة) لذنوبهم عظيمة كما يومىء إليه إسناد ذلك إليه سبحانه، مع ما في ذلك من الإيماء إلى مزيد العناية وكمال الرعاية (وأجراً عظيماً) على الطاعات (وقال تعالى يأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً) في الحديث عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَّ : ((إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا أو صلى ركعتين جميعاً كتبا في الذاكرين الله كثيراً والذاكرات)) هذا حديث مشهور رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه في سننهما. وفي الحديث ((أكثروا ذكر الله حتى يقولوا(٤) مجنون))، وفي الأذكار للمصنف: سئل ابن الصلاح عن القدر (١) سورة الجمعة، الآية: ١٠. (٢) سورة الأحزاب، الآية: ٣٥. (٣) سورة الأحزاب، الآيتان: ٤١، ٤٢. (٤)، أي المنافقون ومن ألحق بهم أهـ. مناوي ملخصا. ٢٠٤ ١٤ - كتاب: الأذكار وسَبِّحوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ الآيَة. والآياتُ في الْبَابٍ كَثِيرَةٌ مَعلومَةٌ . ١٤٠٦ _ وعَنْ أبي هُريْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَهِ: (كَلِمَتانِ الذي يصير به الذاكر من الذاكرين الله كثيراً فقال: إذا واظب على الأذكار المأثورة المثبتة صباحاً ومساء، وفي الأوقات والأحوال المختلفة ليلاً ونهاراً - وهي مثبتة في كتاب عمل اليوم والليلة - كان من الذاكرين الله كثيراً. قال المصنف. وما قاله سعيد بن جبير. فكل من لازم الطاعات فهو من الذاكرين الله كثيراً. اهـ (وسبحوه) أي: نزهوه عما لا يليق به (بكرة) أول النهار (وأصيلاً) آخره خصوصاً(١) (الآية) وكأنه أشار بذلك للآيات بعده المرغبة على الذكر لما اشتملت عليه مما هو كالتعليل له ﴿هو الذي يصلي عليكم وملائكته﴾(٢) أي: يتعطف الله عليكم وملائكته ﴿ليخرجكم من الظلمات﴾(٢) أي: ظلمات الكفر والمعاصي ﴿إلى النور﴾ (٢) أي: نور الإِيمان والطاعة ﴿وكان بالمؤمنين رحيماً تحيتهم يوم يلقونه﴾(٢) أي: عند الموت أو في الجنة ﴿سلام﴾(٢) أي: تسليم الله عليهم ﴿وأعد لهم أجراً كريماً﴾(٢) ففي هذه الآيات أعظم تهييج على فعل ما قبلها لينال ما ذكر فيها، ويتعرض بعمل البر لحصول هذه النفحات وبما ذكر علم أن (ال) في الآية للجنس فيصدق بما فوق الواحد (والآيات في الباب) أي: في باب فضل الذكر (كثيرة معلومة) فكثرتها تمنع من استيعابها دفعاً للتطويل الناشىء عنه، والعلم بها يغني عن ذكرها، وفيما ذكر كفاية لمن كان له قلب. ١٤٠٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله مَله: كلمتان) المراد بالكلمة فيهما المعنى اللغوي، وهو الجملة المفيدة، مجاز مرسل علاقته الجزئية والكلية، أو استعارة مصرحة. شبه الكلام لارتباط بعضه ببعض وتوقف فهم المراد منه على المجموع بالمفرد الذي لا يفهم معناه إلّ بذكر جميع حروفه، فأطلق لفظ المشبه به على المشبه وهو خبر مقدم، ويجوز أن يكون مبتدأ ولذا طول بالصفات على حد قوله: شمس الضحا وأبو إسحاق والقمر ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها (١) قال البيضاوي: وتخصيصهما بالذكر للدلة على فضلهما على سائر الأوقات لكونهما مشهودين كإفراد التسبيح في جملة الأذكار. (٢) سورة الأحزاب، الآيتان: ٤٤،٤٣. ٢٠٥ ٢٤٤ - باب: في فضل الذكر خَفِيفتَانِ عَلى اللِّسانِ، ثَقيلَتانِ في الْمِيزانِ، حَبيبَتَانٍ إِلَى الرَّحْمنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ)) مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ (١) (خفيفتان على اللسان) قال الطيبي: الخفة مستعارة للسهولة شبه سهولة جريان هذا الكلام على اللسان بما يخف على الحامل من بعض المحمولات ولا يشق عليه، فذكر المشبه به وأراد المشبه (ثقيلتان في الميزان) الثقل فيه على حقيقته؛ لأن الأعمال تتجسم عند الميزان، والميزان هو ما يوزن به أعمال العباد يوم القيامة. وفي كيفيته أقوال الأصح أنه جسم محسوس ذو لسان وكفتين، والله تعالى يجعل الأعمال كالأعيان موزونة أو توزن صحف الأعمال. وسئل بعضهم عن سبب ثقل الحسنة على الإِنسان، وخفة السيئة عنه فقال: إن الحسنة حضرت مرارتها وغابت حلاوتها فثقلت فلا يحملنك ثقلها على تركها، والسيئة حضرت حلاوتها وغابت مرارتها فخفت فلا يحملنك خفتها على ارتكابها (حبيبتان إلى الرحمن) أي: محبوب قائلهما وخص الرحمن بالذكر؛ لأن القصد من الحديث بيان سعة رحمة الله بعباده، حيث يجزي على العمل القليل بالثواب الكثير الجزيل. قال العيني : ويجوز أن يكون لأجل السجع، وهو من محسنات الكلام، وإنما نهى عن سجع الكهانة لكونه متضمناً لباطل (سبحان الله وبحمده) الواو للحال، أي: أسبحه متلبساً بحمدي له من أجل توفيقه لي، وقيل: عاطفة أي: وأتلبس بحمده. وقدم التسبيح؛ لأنه من باب التخلية بالمعجمة، والحمد من باب التحلية بالمهملة. قال الكرماني: التسبيح إشارة للصفات السلبية، والحمد إشارة إلى الصفات الوجودية (سبحان الله العظيم) كرر التسبيح تأكيداً للاعتناء بشأن التنزيه من جهة كثرة المخالفين الواصفين له بما لا يليق به بخلاف صفة الكمال فلم ينازع في ثبوتها له أحد، ثم سبحان فيهما منصوب على المصدرية بإضمار فعل واجب الحذف على المرضي، أتى لقصد الدوام واللزوم بحذف ما هو موضوع للتجدد والحدوث، ثم صار علم جنس للتسبيح، وأضيف إلى الله في نحو سبحان الله أولاً وأريد بهما اللفظ، فلذا كان ابتدائين. قال الدماميني في المصابيح: إن قلتِ المبتدأ مرفوع وسبحان منصوب فكيف وقع مبتدأ مع ذلك؟ قلت: المراد لفظهما محكياً، فإن قلت الخبر مثنى والمخبر عنه غير متعدد ضرورة، أنه ليس ثم حرف عطف يجمعهما، ألا ترى أنه لا يصح زيد عمرو قائمان، قلت هو على حذف العاطف أي: سبحان الله وبحمده وسبحان الله العظيم كلمتان الخ (متفق عليه) ورواه أحمد والترمذي وابن ماجه وهو آخر حديث في صحيح البخاري. (١) أخرجه البخاري في كتاب: الإِيمان، باب: (إذا قال والله لا أتكلم اليوم) والدعوات باب فضل التسبيح = ٢٠٦ ١٤ - كتاب: الأذكار ١٤٠٧ - وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ له: ((لأنْ أَقُولَ: سُبْحانَ اللَّهِ والْحَمْدُ للَّهِ وَلا إِلَه إلّا اللَّهُ واللَّهُ أَكْبَرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١). ١٤٠٨ - وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فِ ﴿ِ قَالَ: (مَنْ قَالَ لا إِلَّهَ إلَّ اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ ولَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَة مَرَّةٍ ١٤٠٧ - (وعنه قال: قال رسول الله وَ له: لأن أقول) اللام فيه مؤذنة بالقسم المقدر قبلها، لتأكيد ما بعدها عند السامع؛ لأن المقام يدعو للتأكيد لما ركز في الطباع من عظم الدنيا فيستبعد أن تفضلها هذه الكلمات (سبحان الله) أي: تنزيه الله عما لا يليق به (والحمد لله) أي: ثناءً عليه بنعوت الكمال (ولا إلّه) أي: لا إلَه مستغن عن كل ما سواه ومفتقر إليه كل ما عداه (إلا الله) بالرفع بدل من محل لا مع اسمها وهو الرفع بالابتداء عند سيبويه (والله أكبر) من أن يوصف بما لا يليق (احب إليّ مما طلعت عليه الشمس) كناية عن الدنيا، وذلك لأن هذه الأعمال من أعمال الآخرة وهي الباقيات الصالحات، وثوابها لا يبيد وأجرها لا ينقطع، والدنيا بمعرض الفناء والزوال والتغير والانتقال، ومقتضى ما ذكرناه من التعليل أن كل واحدة منهن أحب إليه من الدنيا لدوامه وانقطاعها ولا يخالفه الحديث، لأن إثبات الأمر المتعدد لا ينافي ثبوته لكل من أفراده (رواه مسلم) ورواه النسائي. ١٤٠٨ _ (وعنه أن رسول الله وَير قال: من قال لا إله إلا الله وحده) بالنصب على الحالية، وجازت مع تعريفه لفظاً لتأويله بمنفرد (لا شريك له) جملة حالية، حذف معمولها؛ ليعم أي: فلا شريك له في شيء من صفاته ولا في شيء من أفعاله ولا في شيء من ملكه (له الملك) بضم الميم، أي: السلطنة والقهر له دون غيره قال تعالى: ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾(٢) (وله الحمد) فالحمد حقيقة مختصة أفراده كلها به تعالى، فلا فرد منه لما عداه إلا باعتبار ظاهر الأمر، إذ الحمد تابع للمثنى عليه، وهو خلق الله تعالى (وهو على كل شيء قدير) قدم معمول الصفة المشبهة عليها، لكونه ظرفاً والممنوع تقديمه عليها في قولهم، = والتوحيد (١٧٥/١١). وأخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء ... ، باب: فضل التهليل والتسبيح والدعاء، (الحديث: ٣١). (١) أخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء، باب: فضل التهليل والتسبيح والدعاء، (الحديث: ٣٢). (٢) سورة الأنعام، الآية: ٦١ . ٢٠٧ ٢٤٤ - باب: في فضل الذكر كانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، ومُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وكَانَتْ لَهُ حِرْزاً مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، ولَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّ رَجُلٌ عَمِلَ أكْثَرَ مِنْهُ)) وقَالَ: ((مَنْ قَالَ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ. خَطَايَاهُ . والعبارة للخلاصة، وسبق ما تعمل فيه مجتنب. هو إذا كان عملها من حيث كونها صفة مشبهة وعملها في الظرف ليس لذلك، بل لتضمن معنى الفعل، وبه يندفع اعتراض المحقق بدر الدين بن مالك على أبيه فيما ذكرناه بالآية السابقة (في يوم) هو شرعاً ما بين طلوع الفجر الصادق وغروب الشمس (مائة مرة) كتب الألف فيه، دفعاً لاشتباهه بمن الجارة الضمير الغائب، وظاهر إطلاقه أنه لا فرق في ترتب الثواب الآتي عليه بين ما إذا والاها أو أتى بها مفرقة (كانت له عدل عشر رقاب) أي: في ثواب عتقها. قال ابن التين: قرأناه بفتح العين، وقال في المصباح: عدل الشيء بالكسر مثله من جنسه أو مقداره. قال ابن فارس: والعدل بالكسر الذي يعادل في الوزن والقدر اهـ. وعدله بالفتح ما يقوم مقامه من غير جنسه ومنه قوله تعالى: ﴿أو عدل ذلك صياماً﴾(١) وهو في الأصل مصدر يقال: عدلت هذا بهذا عدلاً، من باب ضرب إذا جعلته مثله قائماً مقامه اهـ (وكتبت له مائة حسنة) بالنصب ثاني مفعولي كتب المبني للمفعول؛ لتضمنه معنى جعل، والمفعول الأول نائب الفاعل المستكن في الفعل، وفي رواية الكشميهني: وكتب بالتذكير. قال العيني: أي: القول المذكور. قلت: ولو روي بالرفع لكان نائب فاعل الفعل فيناسب قوله: (ومحيت عنه مائة سيئة) أي: رفعت من ديوان الحفظة أو محي عنه المؤاخذة بها فلم يعذب بها (وكانت له حرزاً) بكسر المهملة وسكون الراء وبالزاي الموضع الحصين والعوذة (من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي) غاية للجملة الأخيرة أي: إنه يكون في عوذة من الشيطان مدة بقاء النهار (ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به) من الأذكار المأثورة (إلا رجل) بالرفع بدل من أحد (عمل أكثر منه) بأن زاد على المائة من التهليل فكلما زاد منه زاد الثواب. وسمي ذلك عملاً؛ لأنه عمل اللسان (ومن قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة) مفعول مطلق نحو قوله تعالى: ﴿فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾(٢) وفي المصباح فعلت الشيء مرة، أي: تارة اهـ. وفيه التارة المرة فإن ريد مرة من الزمان، كان النصب على الظرفية (حطت خطاياه) ببناء الفعل للمجهول؛ لأن من المعلوم أن هذا الفعل لا يقدر عليه غيره تعالى فهو نظير قوله تعالى: ﴿وغيض الماء﴾(٣) إذ لا يتصور (١) سورة المائدة، الآية: ٩٥. (٢) سورة النور، الآية: ٤. (٣) سورة هود، الآية: ٤٤. ٢٠٨ ١٤ - كتاب: الأذكار وإِنْ كانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). ١٤٠٩ _ وعَنْ أَبي أَيُّوبَ الْأَنْصارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ ولَهُ الْحَمْدُ وهُوَ عَلى كلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ، كانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(٢). العقل فاعلاً لهذا الفعل غيره سبحانه (وإن كانت مثل زبد البحر) بكسر الميم وسكون المثلثة، والزبد بفتح الزاي والموحدة، وبالدال المهملة الرغوة. إن قيل هذا يقتضي فضل التسبيح على التهليل؛ لأن المعلق على التهليل محو مائة سيئة وعلى التسبيح حط خطاياه، وإن كثرت فالجواب أنه لم يقتصر في ثواب التهليل على تكفير العدد المذكور من الخطايا كما اقتصر عليه في ثواب التسبيح، بل ضم إليه عتق عشر رقاب وتقدم أن عتق الواحدة فيه غفر كل الخطايا لحديث ((من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضو منه عضواً من النار)) فساوى عتق الرقبة فيما ذكر ثواب التسبيح المرتب عليه، وزاد باقي ما ذكر والله أعلم (متفق عليه). ١٤٠٩ - (وعن أبي أيوب) واسمه خالد بن زيد بن كليب (الأنصاري) رضي الله عنه، شهد بدراً، ونزل النبي ◌ّ﴾ حين قدم المدينة عليه، مات غازياً بالروم سنة خمسين، وقيل: بعدها خرج حديثه الستة (عن النبي ◌َّ قال: من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات كان) أي: في الأجر (كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل) في المبالغة في التطهير من تبعات الذنب، وخص ولد إسماعيل عليه السلام لشرفهم. وفيه دليل على أن الكافر الأصلي منهم يرق كالكافر كذلك من غيرهم (متفق علیه). (١) أخرجه البخاري في كتاب: الدعوات، باب: فضل التهليل وفي بدء الخلق، باب: صفة إبليس والحديث الثاني في الدعوات، باب: فضل التسبيح، (١٦٨/١١، ١٦٩). وأخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء، باب: فضل التهليل والتسبيح والدعاء، (الحديث: ٢٨). (٢) أخرجه البخاري في كتاب: الدعوات، باب: فضل التهليل (١٧٠/١١). وأخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء ... ، باب: فضل التهليل والتسبيح والدعاء، (الحديث: ٣٠) ٢٠٩ ٢٤٤ - باب: في فضل الذكر ١٤١٠ - وعَنْ أبي ذَرِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الْكَلامِ إِلَى اللَّهِ؟ إِنَّ أَحَبَّ الْكَلامِ إلَى اللَّهِ: سُبْحانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمُ(١) ١٤١١ - وعَنِ ابنِ مَالِكِ الْأُشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((الطُّهورُ شَطْرُ الإِيمَانِ، والْحَمْدُ للَّهِ تَمْلْأُ الْميزانَ، وسُبْحانَ اللَّهِ والْحَمْدُ للَّهِ تَمْلآنٍ ١٤١٠ - (وعن أبي ذر) جندب بن جنادة الغفاري (رضي الله عنه قال: قال رسول الله إِلٍ: ألا) بتخفيف اللام (أخبرك) ورود الخطاب معه لا يقتضي الحكم الآتي عليه، بل مثله كل من أتى بذلك (بأحب الكلام إلى الله عز وجل) أي: بأكثره محبوبية عنده، أي: أبلغه إثابة، والمراد بالكلام الأذكار المأثورة. قال المصنف: هذا محمول على كلام الآدميين، وإلا فالقرآن أفضل منه، وكذا قال البيضاوي: في حديث ((أحب الكلام إلى الله تعالى أربع كلمات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر لا يضرك بأيهن بدأت)). قال الظاهر: إن المراد من الكلام كلام البشر فإن الثلاث الأول وإن وجدت في القرآن لكن الرابعة لم توجد فيه، ولا يفضل ما ليس فيه على ما هو فيه اهـ (إن أحب الكلام إلى الله تعالى: سبحان الله وبحمده) وذلك لاشتماله على التقديس والتنزيه والثناء بأنواع الجميل، وكل لفظ أبلغ في هذا المعنى فهو أحب وأعلى (رواه مسلم). ١٤١١ - (وعن أبي مالك الأشعري) تقدم الخلاف في اسمه مع ذكر ترجمته (رضي الله عنه) ومع شرح الحديث بجملته في باب الصبر (قال: قال رسول الله وسلم: الطهور) بضم الطاء المهملة فعل الطهارة وبفتحها ما يتطهر به أي : استعماله ففي الحديث مضاف محذوف (شطر الإيمان) أي: شرط الصلاة قال الله تعالى: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾(٢) أي: صلاتكم أو المراد بالإِيمان الإِيمان المعروف شرعاً من التصديق الجناني بكل ما علم مجيء الرسول به بالضرورة والإقرار باللسان، ومعنى كون الطهارة شطره أنها أهم أمره فتكون كقوله في الحديث الآخر (الحج عرفة)) (والحمد لله تملأ) بالفوقية أي: باعتبار ثوابها أو تجسم حتى تملأ كفة (الميزان) لعظم مدلولها من إثبات أوصاف الكمال له (وسبحان الله والحمد الله تملآن) بالفوقية أي: كلاهما باعتبار ما ذكر فيما قبل (أو) شك في أنه بصيغة التثنية أم الإفراد (١) أخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء ... ، باب: فضل سبحان الله وبحمده، (الحديث: ٨٥). (٢) سورة البقرة، الآية: ١٤٣ ٢١٠ ١٤ - كتاب: الأذكار أَوْ تَمْلُ مَا بَيْنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١). ١٤١٢ _ وعَنْ سَعْدِ بنِ أبي وقّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ أَعْرابيّ إِلَى رسُولِ اللَّهِ وَ﴿ فَقَالَ: عَلَّمْنِي كَلامَاً أَقُولُهُ، قَالَ: ((قُلْ: لا إِلَّهَ إِلّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرَاً، والْحَمْدُ للَّهِ کَثیراً، وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، وَلا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) قَالَ: فَهَؤْلاءٍ لِرَبِّي فَمَالِي؟ قَالَ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي كما قال: أو (تملأ) أي: كل واحدة بانفرادها (ما بين السموات والأرض) أي: أنهما لعظم مدلولهما لو كانا جسمين لملأ ما ذكر أو لملأه أحدهما، ففيه عظم فضلهما وعلو مقامهما (رواه مسلم). ١٤١٢ - (وعن سعد بن أبي وقاص) بفتح الواو والقاف المشددة آخره صاد مهملة هي كنية مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب الزهري (رضي الله عنه قال: جاء أعرابي) هو ساكن البادية عربياً كان أو لا (إلى رسول الله وَ ل﴿ فقال: علمني كلاماً أقوله) بالرفع جملة في موضع الصفة لكلام لنكارته، ولم يقيد القول بحال ولا زمان إيماءً إلى أن المطلوب قول يكون شأنه العموم (قال: قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له) قدمها على ما بعدها لأنها أشرف قرائنها، ولذا جعلت كلمة الإِسلام ومفتاح الجنة خصوصاً، وقد ضم إليها ما يزيد في تأكيد مدلولها من التوحيد بالحال المفردة فالجملة(٢) (الله أكبر كبيراً) فصل هذه الجملة عما قبلها إيماءً، إلى استقلال كل جملة فيما سأل، وكبيراً بالموحدة منصوب على أنه مفعول مطلق عامله الوصف (والحمد لله كثيراً) بالمثلثة إعرابه كإعراب كبيراً، ووصل هذه الجملة بما قبلها لمشاركتها لها في الدلالة على اتصاف الباري بأوصاف الكمال، ولما لم يشاركها فيه ما بعد فصلها كما يأتي، وبين كبيراً بالموحدة وكثيراً بالمثلثة جناس مصحف ومنه حديث ((ارفع إزارك فإنه أنقى وأبقى وأتقى)) (وسبحان الله رب) أي: مالك وخالق (العالمين) بفتح اللام اسم جمع لعالم لاختصاصه بالعقلاء من الجن والإِنس والملك، وعموم دلالة عالم على ما سوى الله تعالى من سائر الأجناس، والجمع لا يكون أخص من مفرده (ولا حول) بالفتح أو الرفع أي: عن المعصية (ولا قوة) بالفتح أو النصب أو الرفع عطفاً على حول على الوجه الأول وبما عدا النصب على الثاني، أي: على الإِتيان بالطاعة (إلا بالله العزيز) أي: (١) أخرجه مسلم في كتاب: الطهارة، باب: فضل الوضوء، (الحديث: ١). (٢) المفردة هي وحده والجملة هي لا شريك له. ٢١١ ٢٤٤ - باب: في فضل الذكر وارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وارْزُقُني)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ١٤١٣ - وَعَنْ ثَوْبَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثَاً، وَقَالَ: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ الذي لا يغالب في مراده (الحكيم) الموقع للأشياء مواقعها بحسب حكمته البالغة، وفي الختم بهذين الاسمين رد لما اشتهر من ختم الحوقلة بالعلي العظيم كما بيناه سابقاً(٢)، ومناسبة هذين للحوقلة أظهر؛ لأن شأن من كان عزيزاً حكيماً أن لا يصدر خير ولا يندفع شر إلّ بقوته (قال) أي: الأعرابي (فهؤلاء) أي: الجمل (لربي) لما فيها الثناء عليه مع إثبات الوحدانية له دون غيره بالجملة الأولى، وتنزيهه عما لا يليق به بالجملتين الأخيرتين (فمالي. أي: فأي شيء أدعو به مما يعود لي بنفع ديني أو دنيوي؟ (قال: قل اللهم اغفر لي) بدأ به، لأنه من باب التخلية بالمعجمة، وما بعده من قبيل التحلية بالمهملة. والأول مقدم على الثاني كما تقدم نظيره في حكمة تقديم التسبيح على التحميد، وإنما قدمه في هذا الخبر على التسبيح لأنه لما شارك التكبير في إثبات الكمال، لذي الجلال ولذا عطفت جملته على جملة التكبير اقتضى قرنه به فتأخر عنه التسبيح (وارحمني واهدني وارزقني) من عطف بعض أفراد الخاص على العام، لأن المراد بالرحمة غايتها من إرادة التفضل أو نفسه على الخلاف السابق مراراً، وخصا بالذكر لاشتمالهما على مهم الدين وهو الهداية التي هي الإِيصال إلى مرضاة الله تعالى، ومهم الدنيا من الرزق الذي ينتفع به، وبه قوام البدن وفي حصوله ستر الوجه عن الابتذال للغير (رواه مسلم) قال الحافظ في تخريج أحاديث الأذكار بعد أن أخرجه وذكر أن مسلماً رواه قال: ورواه البزار، لكن وقع عنده العلي العظيم بدل العزيز الحكيم. ١٤١٣ - (وعن ثوبان) بفتح المثلثة وسكون الواو، وبالموحدة هو مولى رسول الله واله (رضي الله عنه قال: كان رسول الله وَلّ إذا انصرف من الصلاة) انصرافاً معنوياً بالتحلل منها بالتسليم (استغفر) الله (ثلاثاً) إيماءً إلى أنه ينبغي عدم النظر لما يأتي به العبد من الطاعة، فذلك أقرب للقبول، والتكرار للمبالغة في رؤية النقص فيما جاء به، وأنه لشدته محتاج (١) أخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء ... ، باب: فضل التهليل والتسبيح والدعاء، (الحديث: ٣٣). (٢) أي في خطبة الكتاب. ٢١٢ ١٤ - كتاب: الأذكار يَاذَا الْجَلَاَلِ وَالْإِكْرَامِ))، قِيلَ لِلْأَوْزَاعِيِّ (وَهُوَ أَحَدُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ): كَيْفَ الاسْتِغْفَارُ؟ قَالَ: يَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ. أَسْتَغْفِرُ اللَّه رَوَاهُ مُسْلِمُ(١). ١٤١٤ - وعَنِ الْمُغيرَةِ بنِ شُعْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﴾ كانَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ وسَلَّمَ قَالَ: ((لا إِلَّهَ إِلَّ اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ ولَهُ الْحَمْدُ، لتتابع الاستغفار عليه، ليذهب بعضه (وقال: اللهم أنت السلام) أي: ذو السلامة من كل ما لا يليق بجلال ذاتك وكمال صفاتك، أو المسلم لمن شئت من العباد (ومنك السلام تباركت) تفاعل من البركة، وهي الخير والثبات، أي: ثبتت أوصافك العلا ونعوتك الحسنى (ياذا) أي: يا صاحب (الجلال) أوصاف الجبر والقهر (والإكرام) أوصاف الفيض والإِنعام فمن الأول الجبار القهار العزيز، ومن الثاني الرحمن الرحيم الرزاق الغفار، والكمال الاتصاف بمجموعي الجلال والجمال، وليس ذلك لغير الملك المتعال، فلهذا تسمعهم يقولون: الكمال لله دون من سواه (قيل الأوزاعي) هو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو قال في لب اللباب: الأوزاع التي ينسب إليها قرية بدمشق خارج باب الفراديس، مات سنة سبع وخمسين ومائة. قال الشيخ عز الدين الصواب: إن الأوزاع بطن من ذي الكلاع من اليمن وقيل: بطن من همدان نزلوا الشام فنسبت القرى التي سكنوها إليهم (وهو أحد رواة الحديث) أي: أحد رجال إسناده (كيف الاستغفار) أي: كيف لفظه المختار أداؤه به (قال: يقول) بالتحتية أي: المستغفر، أو بالفوقية والخطاب لكل صالح له نحو قوله تعالى: ﴿ولو ترى إذ وقفوا على ربهم﴾ (٢) (أستغفر الله أستغفر الله) أي: أسأله المغفرة، وحذف المتعلق؛ ليعم كل ذنب وتكراره مرتين للتأكيد وإيماءً إلى طلب الإِكثار منه ولا يقتصر فيه على مسماه (رواه مسلم) ورواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة من حديث ثوبان. ١٤١٤ - (وعن المغيرة) بضم الميم وقد تكسر إتباعا لحركة الغين المعجمة بعدها (ابن شعبة) الثقفي (رضي الله عنه أن رسول الله ولو كان إذا فرغ من الصلاة وسلم) هو بمعنى قول ثوبان في الحديث قبله ((إذا انصرف من الصلاة)) وال فيها للحقيقة (قال: لا إلّه إلا الله وحده لا شريك له) أتى بالحال المفردة، فالجملة مع أن مضمون جملة التهليل يدل على (١) أخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته،، (الحديث: ١٣٥). (٢) سورة الأنعام، الآية: ٣٠. ٢١٣ ٢٤٤ - باب: في فضل الذكر وهُوَ عَلى كِلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ. مؤداهما من التوحيد في الصفات والأفعال إطنابًاً وكذا قوله (له الملك وله الحمد) إذ يلزم من انتفاء الألوهية عما عداه سبحانه وإثباتها له أن لا ملك ولا حمد لغيره، إذ غيره مخلوق له مفتقر ذليل إليه تحت عز سلطانه وقهره، يميل بالطبع إلى الشهوات فلا ملك ولا حمد لسواه، ولولا التأييد الإِلَهي بالتخلي عن النقص والتحلي بحلى بعض الكمال لما حمد من حمد. قال تعالى: ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحدٍ أبداً ﴾(١) الآية ولولا تمليكه لمن شاء ما صار أحد ذا مِلك بكسر الميم فضلاً عن الملك بالضم. قال تعالى في الحديث القدسي : (يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم) وكذا قوله: (وهو على كل شيء قدير) لازم لحصر الألوهية فيه، إذ لو قدر غيره على شيء ما لما كان منفرداً بها، وقد تقرر بالبرهان القطعي أن لا إله إلا هو، فلا يقدر على شيء أحد سواه (اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي) حكى الزمخشري في الفائق أنه روي أنطيت ولا منطي بإبدال العين نوناً. وهي لغة بني سعد، وقال في موضع آخر منه: هي لغة أهل اليمن (لما منعت) الظرف في كل من الجملتين متعلق باسم لا وحينئذ يصير شبيهاً بالمضاف، ويا خيراً من زيد وحقه النصب فينون، والرواية ثبتت بحذفه. قال القلقشندي: حكى الفارسي في الحجة أن أهل بغداد يجرون المطول مجرى المفرد، فيبنونه فيخرج الحديث عليه. وجوز الزمخشري في قوله تعالى: ﴿لا تثريب عليكم اليوم﴾(٢) و﴿لا عاصم اليوم من أمر الله﴾(٣) أن يكون عليكم متعلقاً بتثريب ومن أمر الله متعلق بلا عاصم. ورده أبو حيان بأنه يصير حينئذ مطولاً فيلزم تنوينه والتلاوة بغير تنوين. وهذا جوابه، وجوز ابن كيسان في المطول التنوين، وتركه، قال: وتركه أحسن اهـ. وقال الدماميني في المصابيح: أجاز البغداديون ترك تنوين الاسم المطول أجروه مجرى المضاف في ترك التنوين، كما أجرى مجراه في الإِعراب. قال ابن هشام: وعليه يتخرج الحديث، وتبعه الزركشي في تعليق العمدة. قلت: بل يتخرج على قول البصريين أيضاً، بأن يجعل مانع اسم لا مفرداً مبنياً معها، والخبر محذوف أي : لا مانع مانع لما أعطيت، واللام للتقوية فلك أن تقول يتعلق، ولك أن تقول لا يتعلق. وجوز حذف ما ذكرنا، وحسنه دفع التكرار، فظهر بذلك امتناع التنوين على مذهب البصريين، ولعل السر (١) سورة النور، الآية: ٢١. (٢) سورة يوسف، الآية: ٩٢. (٣) سورة هود، الآية: ٤٣ ١٠ ٢١٤ ١٤ - كتاب: الأذكار لِمَا مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). ١٤١٥ _ وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ كانَ يَقولُ دُبُرَ كلِّ صَلاةٍ حِينَ يُسَلِّمُ: ((لا إِلَهَ إِلّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ ولَهُ الْحَمْدُ وهُوَ عَلى كلِّ شَيْءٍ قَديرٌ، لَ حَوْلَ ولا قُوَّةَ إِلّا بِاللَّهِ، لا إِلَهَ إِلّ اللَّهُ ولا نَعْبُدُ إِلّ إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ ولَهُ في العدول عن تنوينه على قول البغداديين إرادة التنصيص على الاستغراق؛ لأنه مع التنوين يكون الاستغراق ظاهراً لا نصاً لقولهم أن لا العاملة عمل إن لنفي الجنس مطلقاً، فيحصل نفيه ظاهراً مع التنوين، ونصاً مع عدمه. وقيل: إنه مخصوص عند بعضهم بما إذا بني اسمها من جهة تضمن معنى من الاستغراقية. وبتسليم الإطلاق فبني ليكون نصاً على الاستغراق إذ مع التنوين يحتمل كون النصب بفعل محذوف، أي: لا نجد أو لا نرى مانعاً ولا معطياً فعدل إلى البناء لسلامته من هذا الاحتمال. اهـ قلت: هو مع وجاهته يبعده ما يلزم عليه من حذف متعلق الظرف مع وجود متعلقه، نعم. الثاني: أقرب من الأول: وأنه غير متعلق بالاسم فصار مفرداً. والله أعلم (ولا ينفع ذا الجد) بفتح الجيم الحظ والغنى (منك) أي: عندك (الجد) أي: غناه إنما ينفعه عنايتك وما قدمه من صالح العمل قال تعالى: ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم﴾ (٢) وروي بكسر الجيم بمعنى الجد في الطاعة، أي: لا ينفع ذا الجد فيها جده إنما ينفعه رحمتك كما في الحديث الصحيح ((لن ينجي أحداً عمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته (متفق عليه). ١٤١٥ - (وعن عبد الله بن الزبير) بضم الزاي القرشي الأسدي (رضي الله عنهما أنه) بالفتحِ بدلاً مما قبله بدل اشتمال (كان يقول دبر) بالنصب على الظرفية المكانية، لكونه شبيها بالمكان أي خلف (كل صلاة حين يسلم) بدل من الظرف قبله، أي: عقب السلام (لا اله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ولا حول ولا قوة إلا بالله) فصل جملة الحوقلة عن الجملة قبلها، لأنها جنس آخر من الثناء وإن كان مدلولها ملزوماً لمدلول ما قبلها (لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه) جملة حالية من مقدر أي أقوالها حال كوننا غير عابدين غيره، وفصل الضمير الممكن اتصاله، للدلالة على الحصر الذي لا (١) أخرجه البخاري في كتاب: الآذان، باب: الذكر بعد الصلاة، (٢٧٥/٢). وأخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، (الحديث: ١٣٧). (٢) سورة الشعراء، الآيتان: ٨٨، ٨٩. ٢١٥ ٢٤٤ - باب: في فضل الذكر الْفَضْلُ ولَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لا إِلَهَ إِلّ اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ» قَالَ ابنُ الزُّبَيْرِ: وكانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يُهَلِّلُ بِهِنَّ دُبْرَ كلِّ صَلاةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١). ١٤١٦ _ وعَنْ أبي هُريْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ فُقَراءَ الْمُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ وَه فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بالدَّرَجَاتِ الْعُلَى والنَّعِيمِ الْمُقِيمِ: يُصَلُّونَ كما نُصَلِّي، ويَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، ولَهُمْ يحصل إلّ به، لأن المتصل لا يقع بعد إلا (له النعمة) بكسر النون الخفض والدعة والمال وجمعها نعم وأنعم والتنعم الترفه. والاسم النعمة بالفتح قاله في القاموس وشرعاً الأمر المسلتذ المحمود العاقبة. مقتبس من قوله تعالى: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾(٢) (وله الفضل) ضد النقص أي: له دون غيره الكمال المطلق فلا يعتريه النقص بوجه (وله الثناء الحسن) بالمثلثة والنون والمد والتقييد بالحسن إطناب، فإن الثناء على الصحيح مختص بالجميل والذي في ضده نثاء بتقديم النون. وقيل: بل يستعمل فيهما، وعليه العزبن عبد السلام والحديث يشهد له (لا إله إلا الله مخلصين) تقدم نظيره آنفاً (له الدين) فلا نعبد معه غيره (ولو كره الكافرون) الواو الداخلة على لو، وإن الوصلية قيل: عاطفة على مقدر، وقيل: حالية، وصنيع السعد التفتازاني يدل على الثاني (قال ابن الزبير) هو موصول بسند الحديث الموقوف قبله (وكان رسول الله وَ لي يهلل بهن) فيه تغليب له على باقي ما ذكر معه، لشرفه عليه أو لما كان ما معه أحوال مما ذكر فيه صار هو المقصود الأصلي وغيره كالقيد له (دبر كل صلاة) أي: مكتوبة كما في نسخة معتمدة من الرياض (رواه مسلم). ١٤١٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن فقراء المهاجرين) من إضافة الصفة إلى الموصوف (أتوا إلى رسول الله وَ ل﴿ فقالوا: ذهب أهل الدثور) بضمتين جمع دثر أي الأموال الكثيرة (بالدرجات العلا) بضم ففتح جمع عليا (والنعيم المقيم) أي: الذي لا ينقطع ولا ينقضي وبينوا وجه ذلك بقولهم على سبيل الاستئناف البياني (يصلون كما نصلي) ما يحتمل كونها مصدرية، وكونها موصولاً اسمياً، والعائد محذوف فالتشبيه على الأول في الفعل وعلى الثاني في المفعول (ويصومون كما نصوم) أي: فساوونا في الأجر المرتب عليهما (ولهم (١) أخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، (الحديث: ١٣٩). (٢) سورة النحل، الآية: ٥٣. ٢١٦ ١٤ - كتاب: الأذكار فَضْلٌ مِنْ أَمْوالٍ يَحُجُّونَ وَيَعْتَمِرُون ويُجَاهِدُونَ وَيَتَصَدَّقِونَ. فَقَالَ: ((أَلا أُعَلَّمُكُمْ شَيْئاً تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلا يَكُونُ أَحَدُ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلّ مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟)) قَالُوا: بَلَى يا رسُولُ اللَّهِ قَالَ: ((تُسَبِّحونَ وتَحْمَدُونَ وتُكَبِرونَ خَلْفَ كلِّ صَلاةٍ ثَلاثَاً وَثَلاثِينَ)) قَالَ أبو صَالِحِ الرَّاوِي عَنْ أَبي هُرِيْرَةً لَمَّ سُئِلَ عَنْ كَيْفِيَّةِ ذِكْرِ هِنَّ قَالَ يَقولُ: سُبْحانَ فضل) أي: علينا في الأجر مبتدأ (من الأموال) فمن ابتدائية أو تعليلية نحو مما خطاياهم أغرقوا (يحجون ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون) أي: ولا سبيل لنا لذلك لتوقفه على المال المفقود عندنا (فقال: ألا) بتخفيف اللام أداة استفتاح، لتنبيه المخاطب على ما بعده (أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم) إلى الأجر بعمل البر الذي عجزتم عنه (وتسبقون به من بعدكم) أي: تفوقون في الأجر من لم يأت بهذا العمل (ولا يكون أحد أفضل منكم) لعظم ثوابكم المرتب على هذا الذكر (إلا من صنع مثل ما صنعتم) استثناء منقطع، أي: لكن من صنع مثل صنعكم أجره كأجركم، فالمقيد خبره محذوف وأتى به إيماء إلى أن الصنع بسبب الأجر، وعلة له بجعل الله تعالى. والحكم دائر مع علته ودفعاً لتوهم اختصاصهم بالأجر المذكور فيه، بل هم وسائر العمال له سواء في ثوابه (قالوا: بلى يا رسول الله قال: تسبحون) أي: تقولون سبحان الله (وتحمدون) أي: تقولون الحمد لله (وتكبرون) أي: تقولون الله أكبر (خلف كل صلاة) ظرف تنازعته الأفعال المذكورة قبله وأعمل الأخير إذ لو أعمل الأول لأتى للأخيرين بمثل ذلك. والمراد من الصلاة وإن كانت لنكارتها ودخول كل عليها عامة المكتوبة. وكذا تنازعت العوامل قوله (ثلاثاً وثلاثين) قال شيخنا في الشفاء: فتنازعت الأفعال الثلاثة في اثنين ظرف وهو دبر، ومفعول مطلق وهو ثلاثة وثلاثين فأعمل الأخير فيهما. وأعمل الأولان في ضميريهما وحذفا لأنهما فضلتان اهـ قال البرماوي: وحكمة تخصيص هذه الأذكار أن التسبيح تنزيه عن النقائص، والتحميد إثبات الكمالات والتكبير إثبات أن حقيقة ذاته أكبر من أن تدركها الأوهام أو تحيط بها الأفهام. اهـ. أي: كل واحدة ثلاثاً وثلاثين، أو المجموع ذلك فيكون كل واحدة إحدى عشرة وعليه فثلاثاً وثلاثين معمول لمقدر، أي: تقول مجموع ذلك ثلاثاً وثلاثين وفيه بعد، وأكثر الروايات أن التسبيح ثلاث وثلاثون، وكذا كل من التحميد والتكبير، وختم المائة لا إلَه إلا الله وحده لا شريك له الخ. وفي رواية أن كلاً من الأولين كذلك، والتكبير أربع وثلاثون وسيأتي من حديث كعب بن عجرة. وإما الإحدى عشرة من كل فهو رواية. ويجمع بحمل هذه على أصل السنة وتينك على كمالها (قال أبو صالح الراوي عن أبي هريرة) واسمه ٢١٧ ٢٤٤ - باب: في فضل الذكر اللَّهِ والْحَمْدُ للَّهِ واللَّهُ أَكْبَرُ. حَتَّى يَكُونَ مِنْهُنَّ كُلَّهُنَّ ثَلاثاً وَثَلاثِينَ. مُتَفَقٌ عَلَيْهِ وزَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوايَتِهِ: فَرَجَعَ فُقَراءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللّهِ وَ ﴿ فَقالوا: سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الْأُمْوالِ بِمَا فَعَلْنَا فَفَعَلُوا مِثْلَهُ، فَقالَ رسولُ اللَّهِ وَ: ((ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ)). ((الدُّنُورُ)) جَمْعُ دَثْر بِفَتحِ الدَّالِ وإِسْكانِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وهُوَ: الْمالُ الْكَثِيرِ(١) ذكوان بالمعجمة السمان الزيات (لما سئل عن كيفية ذكرهن قال: يقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر) قال: في فتح إلالَه ما أفهمه. كلامه من أن الإتيان بها مختلطات لا بكل نوع على حدته غير معمول به بالنسبة للأكمل، إذ هو أن يأتي بكل عدد على حدته. قال القاضي عياض: وهو أولى من تأويل أبي صالح (حتى يكون) اسمها مضمر يرجع لما دل عليه الكلام، أي: حتى يكون المأتي به (منهن كلهن ثلاثاً وثلاثين) قال البرماوي: هو منصوب في أكثر الروايات، ويروى بالرفع على أنه اسم كان. والأول أظهر وأنه خبرها، وهو محتمل لما تقدم من أن المراد أن يكون من المجموع هذا العدد أو من كل من المركب من هذه الأنواع والثاني أقرب لكلامه (متفق عليه) أخرجه البخاري في الصلاة، وكذا مسلم ورواه النسائي في اليوم والليلة، وللحديث طرق انفرد ببعضها مسلم عن البخاري في صحيحه، وذلك كرجاء بن حيوة عن أبي صالح، فقد أخرجه مسلم في صحيحه في الصلاة، والبخاري في الأدب المفرد (وزاد مسلم في روايته) للحديث من طريق رجاء بن حيوة عن أبي صالح (فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله وسر فقالوا: سمع إخواننا) أي المؤمنون (أهل الأموال بما فعلنا) فيه إطلاق الفعل على القول؛ لأنه فعل اللسان (ففعلوا مثله) أي: فساوونا في العبادة التي فوقتنا عليهم لو أتينا بها دونهم وزادوا علينا بالعبادة المالية (فقال رسول الله والر: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) المشار إليه إما الفضل الذي أرشدهم إليه وي* وأن به يسبقون أي: ذلك الفضل بيده فله أن يخص به قائلاً دون قائل، فلا عليكم إن شركوكم في القول فإن الثواب المذكور مقصور على الفقراء، وأما تفضيل الجامعين بين عبادة البدن والمال. ويبتني عليه الخلاف هل الفقير الصابر أفضل أو الغني الشاكر؟ الجمهور على الثاني لتعدي نفعه وقصور نفع الأول (الدثور) بضمتين (جمع دثر بفتح الدال) المهملة (وإسكان الثاء المثلثة) وذلك كفلوس جمع فلس (وهو) أي الدثر (المال الكثير) تقدم بسط ذلك في حديث أبي ذر بقريب منه في شكوى فقراء المهاجرين من تقدم (١) أخرجه البخاري في كتاب: الآذان، باب: الذكر بعد الصلاة (٢٧٠/٢، ٢٧٢) 0/07 ٢١٨ ١٤ - كتاب: الأذكار ١٤١٧ - وعَنْهُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بِ هِ قَالَ: ((مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ فِي دُبُرٍ كلِّ صَلاةٍ ثَلاثَاً وَثَلاثِينَ، وحَمِدَ اللَّهَ ثَلاثً وَثَلاثِينَ، وكَبَّرَ اللَّهَ ثَلاثَاً وَثَلاثِينَ وقَالَ تَمامَ الْمِائَةِ: لا إِلّهَ إلّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ ولَهُ الْحَمْدُ وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وإِنْ كانَتْ مِثْلَ زَبَدِ آلْبِحْرِ) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١). ١٤١٨ - وعَنْ كَعْبِ بنِ عُجَرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ لِ قَالَ: مُعَقِّبَاتٌ لا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ أَوْ فَاعِلُهُنَّ دُبُرَ كلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ: ثَلاثَاً وَثَلاثِينَ تَسْبِيحَةً، وَثَلاثَاً الأغنياء عليهم في ذلك في باب بيان كثرة طرق الخير. ١٤١٧ - (وعنه عن رسول الله بِ ير قال: من سبح الله في دبر) بضم الدال المهملة والموحدة أي عقب (كل صلاة) أي: مكتوبة ولا يضر الفصل بين المكتوبة والذكر عقبها بالراتبة (ثلاثاً وثلاثين وحمد الله ثلاثاً وثلاثين وكبر الله ثلاثاً وثلاثين) العدد منصوب على المفعولية المطلقة (وقال تمام المائة) منصوب على أنه مفعول له أي: لإتمامها (لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت خطاياه) تقدم أنه جمع خطيئة (وإن كانت) أي: الخطايا في الكثرة (مثل زبد البحر) وتقرر مراراً أن المكفر بالطاعات صغائر الذنوب المتعلقة بحق الله سبحانه (رواه مسلم) وروى النسائي من حديث أبي هريرة ((من سبح دبر صلاة الغداة مائة تسبيحة وهلل مائة تهليلة غفر له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر)). ١٤١٨ - (وعن كعب بن عجرة) سبقت ترجمته (رضي الله عنه) في باب الصلاة على النبيِ وَ ◌ّه (عن رسول الله وَ لّ قال: معقبات) قال المصنف: قال الهروي: قال شمر: معناه تسبيحات تفعل أعقاب الصلاة: وقال أبو الهيثم: سميت معقبات؛ لأنها تفعل مرة بعد أخرى. اهـ قال العاقولي: وهي صفة أقيمت مقام المبتدأ الموصوف المحذوف، وخبره (لا يخيب) من الخيبة، وهي الحرمان والخسران (قائلهن أو) للشك بينه وبين قوله (فاعلهن) والقول فعل اللسان، فيجوز إطلاق الفعل عليه، ولا يطلق عليه غالباً إلا إذا صار القول مستمراً ثابتاً، راسخاً رسوخ الفعل، ويحتمل أن تكون هذه الجملة صفة معقبات وقوله (ديز = وأخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، (الحديث: ١٤٢). (١) أخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، (الحديث: ١٤٦). ٢١٩ ٢٤٤ - باب: في فضل الذكر وَثَلاثِينَ تَحْمِيدَةً، وأَرْبَعاً وثلاثينَ تَكْبِيرَةً)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١). ١٤١٩ - وعَنْ سَعْدِ بنِ أَبي وقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَ لِ كَانَ يَتْعَوَّذُ دُبُرَ الصَّلَواتِ بِهَؤْلاءِ الْكَلِمَاتِ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرٍ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيا، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٢). كل صلاة مكتوبة) صفة أخرى أو خبر آخر أو متعلق بقائلهن (ثلاثاً وثلاثين تسبيحة) مفعول مطلق للقائلين، نحو ضربته مائة ضربة. ووقع في المصابيح بالرفع فجوز العاقولي إعرابه خبراً آخر لمعقبات، أو لمبتدأ محذوف أي: هن ثلاث وثلاثون (وثلاثاً وثلاثين تحميدة وأربعاً وثلاثين تكبيرة رواه مسلم) وفي الجامع الصغير بعد أن أورده بلفظ ((وثلاث وثلاثون تكبيرة)) رواه أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وفي الجامع الكبير بعد إيراده بلفظ «وأربع وثلاثون تكبيرة في دبر كل صلاة مكتوبة)) ذكر مخرجيه المذكورين، وزادوا: ابن حبان في صحيحه . ١٤١٩ - (وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله وَل﴿ كان) تعليماً وتشريعاً (يتعوذ دبر الصلوات) في نسخة كل صلاة (بهؤلاء الكلمات) وعطف عليها عطف بيان، بناء على مجيئه في الجمل، وهو الصحيح كما بينته في شرح نظم قواعد ابن هشام قوله (اللهم إني أعوذ) أي: أعتصم وألتجىء (بك من الجبن) بضم الجيم وسكون الموحدة، مصدر جبن بضم الموحدة، مثل قرب قرباً وهو ضد الشجاعة، قال في المصباح: هو ضعف القلب (والبخل) بضم فسكون وبفتحتين، جاء من بابي قرب وتعب، وهو شرعاً منع الواجب، وعند العرب منع السائل مما يفضل عنه اهـ (وأعوذ بك) أعاده لأن هذا نوع غير ما قبله (من أن أرد) بالبناء للمفعول (إلى أرذل العمر) أي: أخسه وهو الهرم، وعن علي رضي الله عنه أنه خمس وسبعون سنة، ففيه ضعف القوى، وسوء الحفظ، وقلة العلم (وأعوذ بك من فتنة الدنيا) بأن أبتلى بالغنى أو الفقر المشغل عن الله تعالى المبعد عن ساحات فضله (وأعوذ بك من فتنة القبر) الناشىء عن سؤال الفتنين فيه فإن المؤمن يثبت والمنافق بضده (رواه البخاري). (١) أخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، (الحديث: ١٤٥). (٢) أخرجه البخاري في كتاب: الدعوات، باب: التعوذ من البخل وفي الجهاد، باب: ما يتعوذ به من = ٢٢٠ ١٤ - كتاب: الأذكار ١٤٢٠ _ وعَنْ مُعاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: ((يا مُعاذُ واللَّهِ إِنِّي لَأَحِبُّكَ)) فَقالَ: ((أُوصِيكَ يا مُعاذُ لا تَدَعَنَّ فِي دُبرِ كلِّ صَلاةٍ تَقولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلى ذِكْرِكَ وشُكْرِكَ وحُسْنِ عِبادَتِكَ)) رواهُ أبو داوُدَ بِإِسْنادٍ صَحِيحٍ (١). ١٤٢٠ _ (وعن معاذ) هو ابن جبل الأنصاري (رضي الله عنه قال: إن رسول الله وَلَّ أخذ بيده) ليتنبه لما سيلقي إليه إن كان غافلاً، وقريب منه أخذه بأذن ابن عباس في صلاة الليل وإدارته له من عن شماله إلى يمينه (وقال: يا معاذ والله إني لأحبك) القسم فيه، لتأكيد الأمر عند السامع، وفيه شرف معاذ عند الله وفضله، إذ الرسول وَ * إنما يكون محبوبه من كان كذلك فما بالك بالأحب إليه، وأتى بهذه الجملة، ليعتني معاذ بما سيلقي إليه بعد إذ شأن المحب الاجتهاد في نفع محبوبه (فقال: أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر) بضمتين على المشهور في كتب اللغة، والمعروف في الروايات. قال المصنف: قال المطرزي في كتابه اليواقيت: دبر كل شيء بفتح الدال آخر أوقاته من الصلاة وغيرها. قال: هذا هو المعروف في اللغة أما الجارحة فبالضم. وقال الداودي عن ابن الأعرابي: دبر الشيء ودبره بالضم والفتح آخر أوقاته. والصحيح الضم ولم يذكر الجوهري وآخرون غيره اهـ (كل صلاة) أي: مكتوبة (تقول) مفعول تدع إما بتقدير أن قبله أو تنزيل الفعل منزلة المصدر. وقوله: لا تدعن الخ بيان للموصي به (اللهم أعني على ذكرك) بالتيقظ من سنة الغفلة، ودوام الشهود والخروج عن الوجود (وشكرك) القيام بالعبودية بالتفرغ له عن كل شاغل (وحسن عبادتك) أي: بأن يحافظ على سنن العبادة وآدابها الظاهرة والباطنة. وفي فتح الإِلّه وقوله: حسن عبادتك، أشار به إلى مقام الإحسان المشار إليه بقوله وسلم ((الاحسان أن تعبد الله كأنك تراه)) الحديث. والأول: يستدعي كمال التفرغ عن الأغيار. والثاني: يستدعي دوام استفراغ الجهد في العبادات والأذكار بتصفيتها عن الشوائب وتطهيرها عن المعايب، وبما تقرر علم أنه # جمع في هذه الألفاظ القليلة مطالب الدنيا والآخرة، وجعل الشكر وسطاً لتكفله بمصالح الدنيا والآخرة بنص قوله تعالى: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾(٢) أي: مما أنتم فيه من نعم الدارين. وجعل الذكر وحسن العبادة مبدأ ومنتهى، لأنهما لما تمحضا للمصالح الأخروية والمعارف الربانية استحقا أن يبدأ بأحدهما ويختم = الجبن، (١٥٢/١١). (١) أخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: في الاستغفار، (الحديث: ١٥٢٢). (٢) سورة إبراهيم، الآية: ٧