النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
١ - كتاب: الأدب
وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١) ..
٦٩٠ - وَعَنْ جَابِرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ لِ النَّبِيُّ مَ: ((لَوْ قَدْ جَاءَ مَالُ
الْبَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وهَكَذَا)) فَلَمْ يَجِىءْ مَالُ الْبَحْرَيْنِ حَتَّى قُبِضَ النَّبِيِّ وَ،
فَلَّمَّا جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَنَادَى: مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ
عهد إليه أن يفعله (وإذا خاصم فجر) أي: مال عن الحق وقال الباطل أو شق ستر الديانة،
قال المصنف ولا منافاة بين قوله هنا أربع وفيما قبله ثلاث، لأن الشيء الواحد قد تكون له
علامات كل واحدة منها يحصل بها صفة، ثم قد تكون تلك العلامة شيئاً واحداً وقد تكون
أشياء، وقال الطيبي: العلامات مرة يذكر بعضها ومرة جميعها أو أكثرها، قال الزركشي :
والأولى أن يقال إن التخصيص بالعدد لا يدل على الزائد والناقص. ((قلت)) وهذا مفرع على
أن مفهوم العدد غير حجة ورجح بعضهم حجيته (متفق عليه) ورواه أيضاً أحمد والنسائي
كلهم من حديث ابن عمر، وكذا في الجامع الصغير والحديث عند الشيخين في كتاب
الإِيمان.
٦٩٠ - (وعن جابر رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله وَ ل# لو) يحتمل أن تكون للتمني
فلا جواب لها، ويحتمل كونها شرطية وفصل بقد بينها وبين شرطها في قوله (قد جاء مال
البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا) بتكرير كناية كيفية الأخذ ثلاثاً وقد جاء في رواية
للبخاري بزيادة ((فبسط يديه ثلاث مرات)) وجملة أعطيتك جواب الشرط بحذف اللام منه
تخفيفاً. وهذا المتمني مجيئه مرة أخرى غير ما تقدم في باب فضل الزهد في الدنيا من
حديث عوف، وقوله في الحديث فقدم يعني أبا عبيدة بمال من البحرين والله أعلم إن ذلك
هو الذي سأل العباس النبي ◌َ ل# أن يأذن له أن يأخذ منه؛ لأنه فادى بنفسه وابني أخويه فأذن
له، ويحتمل أنه مال آخر من البحرين، والبحرين من الأعلام المنقولة عن المثنى فيعرب
إعراب أصله حملاً له عليه (فلم يجيء مال البحرين) هو مال الجزية، وكان العلاء بن
الحضرمي عامل النبي ◌ّير عليها (حتى قبض النبي ◌َّلة) هناك محذوف دل عليه الكلام، أي:
وولى الخلافة الصديق وعطف عليه بالفاء قوله: (فلما جاء مال البحرين أمر أبو بكر
رضي الله عنه) يحتمل أن يكون من إرادة أصل الفعل، أي: وقع منه الأمر (فنادى) أي :
المأمور (من كان له عند رسول الله ور عدة) بكسر العين مصدر حذفت فاؤه وعوض منها
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الإِيمان، باب: علامات المنافق (٨٤/١).
وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: بيان خصال المنافق، (الحديث: ١٠٦).

١٦٢
٨٧ - باب: في المحافظة على ما اعتاده من الخير
رَسُولِ اللّهِ وَهِ عِدَةٌ أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا، فَأَتَيْتُهُ وَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ لِي كَذَا وَكَذَا،
فَحَثَى لِي حَثْيَةً فَعَدَدْتُهَا فَإِذَا هِيَ خَمْسُمِائَةٍ، فَقَالَ: خُذْ مِثْلَيْهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
٨٧ - باب: في المحافظة على ما اعتاده من الخير
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى(٢): ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
الهاء في آخره، أي: وعد (أو) للتنويع (دين فليأتنا) لاستيفاء ماله (فأتيته وقلت له إن
رسول الله ( # قال لي كذا وكذا) كنايتان عن قوله: ((لو قد جاء مال البحرين)) إلخ (فحثى لي
حثية) استعمله هنا من اليائي وقد جاء من الواوي أيضاً حثوة، ومبادرة الصدّيق بالإِعطاء
يحتمل أن يكون اعتماداً على قول جابر وتصديقاً له لما يعلمه من دينه وورعه المانع له عن
الكذب في مثل ذلك، ويحتمل أنه بعد أن أقام عليه بينة؛ لأن هذا المال الحق فيه لعموم
المسلمين، فلا يتصرف فيه الإِمام بمجرد قول المدعي وإن كان معلوم الصلاح والصدق، ثم
رأيت الحافظ قال في كتاب الحوالة من فتح الباري في أثناء كلام: لأن أبا بكر لم يلتمس من
جابر شاهداً على صحة دعواه، ويحتمل أن يكون علم بذلك فقضى له بعلمه فيستدل به
على جواز مثل ذلك للحاكم. وفي كتاب الشهادات من الفتح لما كان غير أولى الناس
بمكارم الأخلاق أدّى أبو بكر مواعيده عنه ولم يسأله البينة على ما ادعاه، لأنه لم يدع شيئاً في
ذمة النبي ₪ وإنما ادعى شيئاً في بيت المال وذلك موكول إلى اجتهاد الإِمام ا هـ (فعددتها
فإذا) فجائية (هي) مبتدأ (خمسمائة) خبره (فقال خذ مثلها) بالتثنية (متفق عليه) رواه البخاري
في مواضع من صحيحه كالكفالة والشهادات والجزية، ورواه مسلم في باب فضائل
النبي صَلّ .
باب الأمر بالمحافظة
أي: شدة الحفظ (على ما اعتاده من الخير) فالمفاعلة للمبالغة لا للمغالبة. (قال الله
تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم) أي: من النعمة أو النقمة (حتى يغيروا ما بأنفسهم) من
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الكفالة، باب: من تكفل عن ميت يدين والشهادات باب: من أمر بإنجاز
الوعد (٣٨٨/٤).
وأخرجه مسلم في كتاب: الفضائل، باب: ما سئل رسول الله وهل شيئاً قط ... (الحديث: ٦٠).
(٢) سورة الرعد، الآية: ١١.

١٦٣
١ - كتاب: الأدب
وَقَالَ تَعَالَى(١): ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثً﴾. وَ((الْأَنْكَاثُ)
جَمْعُ نَكْثٍ، وهُوَ: الْغَزْلُ الْمَنْقوضُ.
وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ
قُلُوبُهُمْ﴾ .
وَقَالَ تَعَالَى (٣): ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ .
٦٩١ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ لِي
رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلانٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ)
الأحوال الجميلة أو القبيحة، وقد ورد قال الرب: ((وعزتي وارتفاعي فوق عرشي ما من أهل
قرية ولا أهل بيت كانوا على ما كرهته من معصيتي ثم تحولوا عنها إلى ما أحببت لهم من
طاعتي إلا حولت بهم عما يكرهون من عذابي إلى ما يحبون من رحمتي)). وأيضاً فإذا غير
المتعبد ما اعتاده من الطاعة، غير الله ما كان يسبغه عليه من الثواب وفي الحديث: ((فإن الله
لا يمل حتى تملوا)) (وقال تعالى: ولا تكونوا) في نقض الإِيمان ولا يخفى أنه يتناول نقض
سائر العهود (كالتي نقضت) أي: أفسدت (غزلها) مصدر بمعنى المفعول، أي: ما غزلته
(من بعد قوة) أي: نقضته بعد إحكامه وفتله (إنكاناً الأنكاث جمع نكث) بكسر النون كما في
المصباح، ونظيره حمل وأحمال (وهو الغزل المنقوض) زاد في المصباح: ليغزل ثانياً.
وإنكاثاً مفعول ثان لنقضت بتضمينه معنى الجعل، أو مفعول مطلق وهو مثل لمن نقض عهده
بعد توكيده، وقد نقل أنه في امرأة كانت تفعل ذلك (وقال تعالى: ولا تكونوا كالذين أوتوا
الكتاب) معطوف على أن تخشع، وفيه على قراءة التاء الفوقية التفات (من قبل) كاليهود
والنصارى (فطال عليهم الأمد) الزمان بينهم وبين أنبيائهم (فقست قلوبهم) مالوا إلى الدنيا
وأعرضوا عن مواعظ اللّه (وقال تعالى: فما رعوها حق رعايتها) أي: بالقيام بما التزموا مما
زعموا أنه قربة. والآيتان تقدم الكلام عليهما في باب المحافظة على السنة وفيه أيضاً حديث
ابن عمرو المذكور.
٦٩١ - (وعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال لي رسول الله وَ ل لا
تكن مثل فلان) لم أقف على من سماه، وقد قال بعض المحققين لا ينبغي الفحص عمن
(١) سورة النحل، الآية: ٩٢.
(٢) سورة الحديد، الآية: ١٦
(٣) سورة الحديد، الآية: ٢٧.

١٦٤
٨٨ - باب: في استحباب طيب الكلام
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
٨٨ - باب: في استحباب طيب الكلام وطلاقة الوجه عند اللقاء
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (٢): ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى (٣): ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنْفَضُوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ .
٦٩٢ - وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((اتَّقُوا النَّارَ
وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ،
أبهم في مثل هذا المقام فالستر على أولي التقصير من شأن الناقد البصير. ثم بين المثل
المنهي عنه بقوله على سبيل التنفير (كان يقوم الليل) أي: لصلاة التهجد (فترك قيام الليل)
وإنما كره لما يؤذن به من قلة الاكتراث بأمر الطاعة والاحتفال إذ لو كان مكترثاً محتفلاً به
لحياة قلبه لما وقع منه ذلك (متفق عليه) أخرجاه في كتاب الصلاة.
باب استحباب طيب الكلام
باب استحباب طيب الكلام أي: لينه وترك خشونته (وطلاقة الوجه) هي: تهلله
بالانشراح والابتسام (عند اللقاء) قال الشاعر:
بشاشة وجه المرء خير من القرى
فکیف بمن یقری القری وهو يضحك
(قال الله تعالى: واخفض جناحك) لين جانبك وتواضع (للمؤمنين) أي: دون الكفار
قال تعالى: ((واغلظ عليهم)) (وقال تعالى: ولو كنت فظاً) سيء الخلق (غليظ القلب) قاسيه
(لانفضوا) أي: نفروا (من حولك.).
٦٩٢ - (وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه) تقدمت ترجمته (قال: قال رسول الله وَل اتقوا
النار) أي: اتخذوا ما يقيكم منها (ولو) كان الاتقاء (بشق) بكسر الشين، أي: نصف (تمرة)
(١) أخرجه البخاري في كتاب: أبواب التهجد، باب: ما يكره من ترك قيام الليل (٣١/٣).
وأخرجه مسلم في كتاب: الصيام، باب: النهي عن صوم الدهر لمن ... (الحديث: ١٨٥).
(٢) سورة الحجر، الآية: ٨٨.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٥٩.

١٦٥
١ - كتاب: الأدب
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيَِّةٍ)). مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ(١).
٦٩٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: ((وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ
صَدَقَةٌ)) مُتَّفَقَ عَلَيْهِ وَهُوَ بَعْضُ حديثٍ تَقَدَّمَ بِطُولِهِ(٢).
٦٩٤ - وَعَنْ أَبِي ذَرِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لَا تَحْقِرَنَّ مِنْ
الْمَعْرُوفِ شَيْئاً وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلِيقٍ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(٣).
فإن الله تعالى يقول: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها﴾ (٤). وقال: ((فمن
يعمل مثقال ذرة خيراً يره)) وجاء عن عائشة رضي الله عنها: ((أنها وقف عليها سائل فتصدقت
عليه بعنبة فاحتقرها فقالت له إنها تعدل مثاقيل من مثاقيل الذر)) (فمن لم يجد) أي: ما يتقي
به من الصدقة وإن قلت (فـ) ليتقها (بكلمة طيبة) يكون طيبها للمخاطب قائماً مقام ما فاته
من اللين (متفق عليه).
٦٩٣ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﴿ قال والكلمة الطيبة) كأمر بمعروف ونهي
عن منكر، وإلانة القول لمخاطب في غير مأثم (صدقة) فأفاد الخبر أن الصدقة وإن غلبت
في المال لكنها تكون في غيره كلطيف المقال (متفق عليه وهو) أي: ما ذكر من حديث أبي
هريرة (بعض حديث) وذكره بالواو العاطفة فيه إيماء لذلك (تقدم بطوله) في باب بيان طرق
الخیر، وكذا تقدم في حديث أبي ذر الذي یلیه.
٦٩٤ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله وَ ﴿ لا تحقرن) بتشديد النون
(من المعروف) أي: ما يستحسن شرعاً (شيئاً ولو) كان ذلك المعروف (أن تلقى أخاك بوجه
طلق) أي: متهلل بالبشر والابتسام؛ لأن الظاهر عنوان الباطن فلقياه بذلك يشعر لمحبتك له
وفرحك بلقياه، والمطلوب من المؤمنين التواد والتحاب (رواه مسلم).
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: طيب الكلام وفي الزكاة والرقاق وغيرها (٣٧٥/١٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: الحث على الصدقة ولو بشق ... (الحديث: ٦٨).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الصلح، باب: فضل الاصلاح بين الناس والعدل بينهم والجهاد، باب:
فضل من حمل متاع صاحبه في السفر (٢٢٦/٥ و٦٣/٦).
وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، (الحديث:
٥٦).
(٣) أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: استحباب طلاقة الوجه عند اللقاء، (الحديث:
١٤٤).
(٤) سورة النساء، الآية: ٤٠

١٦٦
٨٩ - باب: في استحباب بيان الكلام
٨٩ - باب: في استحباب بيان الكلام وإيضاحه للمخاطب
وتكريره ليفهم إذا لم يفهم إلّ بذلك
٦٩٥ - عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثَاً
حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثَاً، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١).
باب استحباب بیان
أي: إظهار (الكلام) بأن لا يخفي شيء من حروفه فلا يسمعها المخاطب (وإيضاحه)
باستعمال الألفاظ الظاهرة الدالة على المراد، واجتناب الغريب للمخاطب وذلك ليسهل
فهمه (وتكريره) ظاهرة ولو بإعادته مرة أخرى، والخبر فيه فعل ذلك ثلاثاً فلعله أشار بهذا إلى
أن التثليث هو الغاية، وأن أصل التكرار مطلوب إذا دعا إليه المقام ويحصل ولو بمرة أخرى
(ليفهم إذا لم يفهم إلا بذلك) أي: المذكور من جميع الثلاثة .
٦٩٥ - (عن أنس رضي الله عنه أن النبي (وَلّ كان إذا تكلم بكلمة) المراد بها المعنى اللغوي
(أعادها) أي: كررها (ثلاثاً) أي: إذا كان المقام يقتضي الإِعادة والتكرار إما لمزيد الاعتناء
بمدلول ذلك أو لكثرة المخاطبين أو لغير ذلك. وقوله: (حتى تفهم) أي: لتفهم (عنه) فحتی
تعليله، إذ لو كانت غائية لما قيدت بالثلاث (وإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم ثلاثاً) إما
لكثرتهم بحيث أن سلامه على أولهم لا ينتهي إلى أواسطهم وأواخرهم، وإما لغفلة بعضهم
عن سلامه لكونه نائماً أو في شغل بال أو نحو ذلك كما بينته في شرح الأذكار، أو أنه عند
الاستئذان كما قال الخطابي. ففي الحديث: ((إذا استأذن(٢) أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له
فليرجع، ونظر فيه بأن الإِذن إذا حصل بنحو التسليمة الأولى لا تسن الثانية. قال البرماوي :
والأوجه أن معناه كان إذا أتى على قوم سلم تسليم الاستئذان، وإذا دخل سلم تسليم
التحية، وإذا خرج سلم تسليم الوداع والثلاثة مسنونة. وقال ابن بطال: إنما كان تكرار
الكلام والسلام إذا خشي أن لا يفهم عنه أو لا يسمع سلامه، وفيه أن الثلاثة غاية ما يقع فيه
البيان (رواه البخاري) في كتاب العلم بهذا اللفظ، ورواه في الأدب من صحيحه لكن
بلفظ: ((كان إذا سلم سلم ثلاثاً وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً، ورواه الإِمام أحمد والترمذي
(١) أخرجه البخاري في كتاب: العلم، باب: من أعاد الحديث ثلاثاً، وفي الاستئذان باب: التسليم
والاستئذان ثلاثاً (١٦٩/١، ١٧٠).
(٢) قوله: (إذا استأذن إلخ) في بعض النسخ (الاستئذان ثلاث فإن أذن لك وإلا فارجع). ع.

١٦٧
١ - كتاب: الأدب
٦٩٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ وَ كَلَاَمَاً فَصْلًا
يَفْهَمُهُ كُلُّ مَنْ يَسْمَعُهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ(١).
٩٠ - باب: في إصغاء الجليس لحديث جليسه الذي ليس بحرام
واستنصات العالم والواعظ حاضري مجلسه
٦٩٧ - عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللّهِوَ له في
حَجَّةِ الْوَدَاعِ: ((اسْتَنْصِتِ النَّاسَ))، ثُمَّ قَالَ: (لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ
في جامعه كلهم من حديث أنس كما في الجامع الصغير.
٦٩٦ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان كلام) أي: ما يتكلم به (رسول الله والله كلاماً
فصلاً) أي: بيناً ظاهراً أو فاصلاً بين الحق والباطل ومنه قوله تعالى: ﴿إنه لقول فصل﴾(٢)
أي: فاصل قاطع كذا في النهاية، ويقرب الأول قوله على سبيل الاستئناف (يفهمه كل من
يسمعه) فإن في الظهور أقرب ويجوز أن يكون في محل الصفة لكلام بعد وصفه بالمفرد، أو
في محل الحال منه لتخصيصه بالوصف (رواه أبو داود) في سننه.
باب إصغاء
باب إصغاء أي: إمالة (الجليس) رأسه أو سمعه (لحديث جليسه الذي ليس بحرام)
كأن يكون مطلوباً أو مباحاً (واستنصات العالم والواعظ حاضري مجلسه) بكسر الراء جمع
مذكر مفعول المصدر، أي: طلبهما الحاضرين أن ينصتوا، والوعظ غلب في المخوف من
عذاب الله المرغب في ثوابه بذكر ماجاء في ذلك.
٦٩٧ - (عن جرير بن عبدالله) البجلي تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب من سن سنة
حسنة، وشرح حديثه هذا في باب تحريم الظلم في أثناء حديث ابن عمر وحديث أبي بكرة
(قال: قال لي رسول الله بَّر في حجة الوداع) بفتح أوليهما على الأفصح والأشهر (استنصت
الناس) أي: مرهم بالإِنصات فهو استفعال من أنصت الرباعي، قال البرماوي: وهو قليل،
وذلك لأنه سبب لتيسر وصول المسموع إليهم (ثم قال) أتى ((بثم)) كأنه لتراخي مدة المعطوف
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: الهَدْي في الكلام، (الحديث: ٤٨٣٩).
(٢) سورة الطارق، الآية: ١٣.

١٦٨
٩١ - باب: في الوعظ والاقتصاد فيه
رِقَابَ بَعْضٍ )) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
٩١ - باب: في الوعظ والاقتصاد فيه
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى(٢): ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾.
٦٩٨ - وَعَنْ أَبِي وَائِلٍ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
يُذَكِّرُنَا فِي كُلِّ خَمِيسٍ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمْنِ لَوَدِدْتُ
بها عن أمر جرير وذلك لكثرة الجمع فإنصاتهم يحتاج لمدة ويحتمل، أن تكون وضعت ثم
موضع الفاء، أي: (لا ترجعوا) أي: تصيروا (بعدي كفاراً) أي: كالكفار في الفعل الآتي،
أو كفارا لنعمة الآخرة المقتضية لضد ذلك، أو كفراً ضد الإِيمان إن اعتقد حل ذلك (يضرب)
بالرفع والجزم كما تقدما بتوجيههما (بعضكم رقاب بعض) والمراد: النهي عن الأسباب
المؤدية إلى التقاطع والتقاتل من التحاسد والتناجش والتباغض والتدابر، وقد قدر الله وقوعهم
فيما نهوا عنه ولا معقب لما أراد سبحانه (متفق عليه).
باب الموعظ
قال في المصباح: هو الأمر بالطاعة والوصية بها (والاقتصاد) أي: التوسط (فيه) بين
البسط المؤدي إلى الإِملال، والإِيجاز المؤدي إلى عسر الفهم للمقال (قال الله تعالى ادع إلى
سبيل ربك) أي: دينه وهو التوحيد وأعماله (بالحكمة) القرآن (والموعظة الحسنة) مواعظ
القرآن. وقيل: المراد القول اللين بلا تغليظ وتعنيف.
٦٩٨ - (وعن أبي وائل) بالهمزة بعد الألف كنية (شقيق) بفتح المعجمة بعدها قافين بينهما
تحتية بوزن شريف (ابن سلمة) الأسدي الكوفي يعد مخضرماً. قال الحافظ في التقريب:
مات سنة أربع وستين (قال: كان ابن مسعود رضي الله عنه يذكرنا) أي: بالتكاليف الشرعية
بذكر ثواب ما طلب منها فعلاً وعقاب فعل ما طلب منها تركاً (في كل خميس فقال له رجل)
لم أر من سماه (يا أبا عبدالرحمن) كنية ابن مسعود (لوددت) جواب قسم مقدر، أي: والله
(١) أخرجه البخاري في كتاب: العلم، باب: الانصات للعلماء والحج وغيرهما (١٩٣/١).
وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: بيان معنى قوله وهو لا ترجعوا.
(٢) سورة النحل، الآية: ١٢٥.
. (الحديث: ٦٥).

١٦٩
١ - كتاب: الأدب
أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ ، فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي
أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا مَخَافَةَ السََّمَةِ عَلَيْنَا، مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ. ((يَتَخَوَّلْنَا)): يَتَعَهَّدُنَا(١).
لأحببت (أنك تذكرنا كل يوم) وذلك لعظم ثمرة التذكير بحلاوة نتائجه (فقال إما) بتخفيف
الميم أداة استفتاح (أنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم) أن ومعمولاها مؤولة بمصدر
فاعل يمنع، أي: يمنعني كراهة إملالكم، فإن النفوس من طبعها الملل مما يداوم عليه وإن كان
محبوباً لها (وإني أتخولكم) أي: أتعهدكم (بالموعظة) مصدر ميمي بمعنى الوعظ (كما كان
رسول الله وَ* يتخولنا) سيأتي الخلاف في ضبطه: أهو بالخاء المعجمة أو بالمهملة وباللام،
أو بالنون عند بيان المصنف لمعناه (بها مخافة) مفعول له، أي: خوف (السآمة) كالملالة
وزناً ومعنى. والمراد سآمتهم لا سآمته * يدل عليه السياق (علينا) متعلق بالسآمة على
تضمينه معنى المشقة أو بوصف أو حال محذوفة، أي: الطارئة أو طارئة أو شفقته محذوفاً
(متفق عليه) وقع عند البخاري في باب ما كان النبي وسيا يتخولهم بالموعظة والعلم بلفظ:
((كراهة السآمة))، قال السيوطي في التوشيح: وقد روى ((مخافة)) في الباب الآتي، فالتعبير
بكراهة من تصرف الراوي (يتخولنا يتعهدنا) أي: يراعي الأوقات في وعظنا ولا يفعله كل
يوم. وقال ابن السكيت: معناه يصلحنا ويقوم علينا، وهذا على أنه بالخاء المعجمة وتشديد
اللام والواو وباللام، قال الحافظ ابن حجر: وهو الصواب من حيث الرواية وصح بها المعنى،
وقال البرماوي بعد ذكر الأقوال المذكورة في ضبطه: أنه بالمهملة رواية لكن الرواية
الصحيحة بالإِعجام، وقال أبو عمرو بن العلاء وقد أطلقه البرماوي ولم ينسبه، ونسبه كما
قلنا السيوطي ((يتخوننا)) بالنون والتخون التعهد، ويرد على الأعمش روايته باللام، وكان
الأصمعي يقول ظلمه فإنه يروي باللام والنون، وقال التيمي: نخون فلاناً بعهده وحفظه؛
كأنه اجتنب منه الخيانة المخلة بالحفظ، وقال أبو عمر الشيباني: الصواب بالحاء المهملة،
أي: يطلب أحوالنا التي ننشط فيها الموعظة، والإِتيان بالفعل مضارعاً بعد كان الماضي
لقصد الاستمرار، نحو: كان حاتم يقري الضيف.
(١) أخرجه البخاري في كتاب: العلم، باب: من جعل لأهل العلم أياماً معلومة (١٥٠/١).
وأخرجه مسلم في كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم، باب: الاقتصاد في الموعظة، (الحديث: ٨٢).

١٧٠
٩١ - باب: في الوعظ والاقتصاد فيه
٦٩٩ - وَعَنْ أَبِي الْيَقْطَانِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ طُولَ صَلَةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْيَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلوا
الصَّلَةَ، وَأَقْصِرُوا الْخُطْبَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ((مَئِنَّةً)) بِمِيمٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ
نُونٍ مُشَدَّدَةٍ: أَيُّ عَلَامَةٌ دَالَّةٌ عَلَى فِقْهِهِ(١).
٧٠٠ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكْمِ السُّلَمِيِّ
٦٩٩ - (وعن أبي اليقظان عمار) بفتح المهملة وتشديد الميم (ابن ياسر) بالتحتية وبعد
الألف سين مهملة. ابن عامر بن مالك العنسي بنون ساكنة بين مهملتين مفتوحة فمكسورة،
أبو اليقظان مولى بني مخزوم صحابي جليل مشهور من السابقين الأولين بدري، وقتل مع
علي بصفين سنة سبع وثلاثين كذا في التقريب، روي له عن رسول الله و القر اثنان وستون
حديثاً اتفقا على حديثين منها وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بحديثين، وقد ترجمه المصنف
في التهذيب، وفيه في مسند الإمام أحمد وكتاب الترمذي وغيرهما عن علي بن أبي طالب
قال: ((جاء عمار ليستأذن على النبي وَل﴿ فقال ائذنوا له مرحباً بالطيب المطيب)) وقال
الترمذي: حسن صحيح، وفي طريق عند الترمذي ويقال حديث حسن عن حذيفة مرفوعاً
((واهتدوا بهدي عمار))، وفي المسند من حديث خالد بن الوليد مرفوعاً من عادى عماراً
عاداه الله ومن أبغض عماراً أبغضه الله، وفي سنده انقطاع وهو ووالده صحابيان تقدمت
ترجمته (رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله وسل# يقول أن طول صلاة الرجل) أي:
بالنسبة للخطبة فلا يشكل بحديث إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف، الحديث (وقصر خطبة
مئنة فقهه) وإنما كان كذلك؛ لأن الفقيه يعلم أن الصلاة مقصودة بالذات والخطبة توطئة لها
فيصرف العناية إلى ما هو الأهم، وأيضاً فإن الصلاة عبودية العبد والإِطالة فيها مبالغة في
العبودية، والخطبة المراد منها التذكير وما قل وقر خير مما كثر وفر (فأطيلوا الصلاة) أي :
بالنسبة للخطبة لا بحيث أنه يشق حتى يوقع في النهي (وأقصروا الخطبة رواه مسلم) وقال
السيوطي في الجامع الصغير بعد أن ذكره كذلك وزاد في آخره: ((وإن من البيان لسحراً))،
رواه أحمد ومسلم عن عمار (مئنة بميم مفتوحة ثم همزة) الأولى فهمزة (مكسورة ثم نون
مشددة أي: علامة دالة على فقهه) وتقدم وجهه .
٧٠٠ - (وعن معاوية بن الحكم) بفتح المهملة والكاف (السلمي) بضم المهملة وفتح
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة، (الحديث: ٤٧).

١٧١
١ - كتاب: الأدب
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ
الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاتْلَ
أُمِّيَاهُ! مَا شَأَنْكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ
عَلَى أَفْخَاذِهِمْ! فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَه
فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمَاً قَبْلَهُ وَلَ بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمَاً مِنْهُ، فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي
اللام، نسبة إلى بني سليم قبيلة من العرب. قال الحافظ في التقريب: صحابي نزل
المدينة، وكذا قال المصنف في التهذيب وزاد فيه وقد روى عن رسول الله وَّر ثلاثة عشر
حديثاً، انفرد به مسلم عن البخاري، وروى له حديث الباب، قال المصنف في التهذيب
وخرج عنه أبو داود والنسائي (رضي الله عنه قال: بينا) الألف لكفه عن الإِضافة لما بعده فهو
جملة مستأنفة (أنا أصلي مع رسول الله وَّ﴿ إِذ عطس رجل من القوم) أي: المصلين (فقلت) مشمتاً
له، أي: بعد حمده إذ التشميت إنما يسن حينئذ، ويحتمل أنه بادره عند عطاسه لجهله
بتوقف ذلك على الحمد وهو المتبادر من سياق عبارته (يرحمك الله) خبر لفظاً إنشاء معنى
(فرماني القوم بأبصارهم) شزراً إنكاراً لما فعلت لاشتماله على الخطاب لآدمي وهو مبطل
للصلاة، وإن كان في ذكر وليس رميهم له بأبصارهم من الالتفات المنهي عنه، لأنه يحتمل
أن يكون بمجرد لمح أعينهم، وبفرض كونه التفاتاً حقيقة فهو لحاجة لا يكره (فقلت واثكل)
بضم المثلثة وسكون الكاف كما سيأتي وبفتحهما، وهما لغتان حكاهما الجوهري كالبخل
والبخل (أمياه) بكسر الميم، قال القرطبي: أمي مضاف إليه ثكل وكلاهما مندوب، كما قال
وأمير المؤمنيناه، وأصله أمى زيدت عليه الألف لنداء الصوت وأردفت بهاء السكت الثابتة فى
الوقف المحذوفة في الوصل نقله عنه السيوطي في زهر الربا، أي: وافقدها لي فإني هلكت
(ما شأنكم تنظرون إلي) جملة حالية من الضمير (فجعلوا يضربون بأيديهم) الباء زائدة
(على أفخاذهم) زيادة في الإِنكار على، والظاهر أنه لم يتكرر منهم ثلاثاً فإن المتيقن منه
واحدة والزائد مشكوك فيه فلا تبطل الصلاة بقليل الفعل وهو ما دون الثلاث من ذلك، أما
الثلاث المتوالية عرفاً فتبطل (فلما رأيتهم يصمتونني) أي: بالأمر بذلك بالإشارة، غضبت،
لجهلي بقبح ما فعلت ومبالغتهم في التنكير على (لكني سكت) امتثالاً لأنهم أعلم مني ولم
أعلم بمقتضى ذلك (فلما صلى النبي ( 18) جوابه، قال الآتي: وما بينهما اعتراض لما فيه من
المناسبة والالتئام (فبأبي هو) أي: فرسول الله وسل ◌ّ مفدى أو أفديه بأبي (وأمي) وقرنه بالفاء
تزييناً أو تفريعاً على أحسنية تعليمه (ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه) فيه

١٧٢
٩١ - باب: في الوعظ والاقتصاد فيه
وَلَ ضَرَبَنِي وَلاَ شَتَمَني، قَالَ: (إِنَّ هَذَهَ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامٍ
النَّاسِ، إِنَّمَا هِيَ التَّسْبِحُ، وَالتَّكْبِرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ»،
تعريض بأنهم بالغوا في الإِنكار عليه في الكلام مع عذره بجهله بتحريم ذلك بقرب إسلامه،
ثم بين الأحسنية بقوله (فوالله ما كهرني) قال المصنف: كما يأتي، أي: نهرني هذا قول أبي
عبيدة كما في زهر الربا، وقيل: الكهر العبوس في وجه من يلقاه (ولا ضربني ولا شتمني)
صرح بهما مع العلم بانتفائهما من انتفاء الأول؛ لأن مقام المدح مقام خطابه وإطناب (قال:
إن هذه الصلاة) أي: جنسها الشامل لفرضها ونفلها، بل ولما ألحق بها من سجدة تلاوة
وشكر. والمشار إليه ما في الذهن لا ما في الخارج لإِيهام اختصاص النهي به (لا يصلح فيها
شيء من كلام الناس) المراد بالكلام المعنى اللغوي، وهو كل لفظ سواء كان مهملاً أو
مستعملاً فتبطل بالنطق، بشرط أن يسمع نفسه إن اعتدل سمعه، ولا عارض من لغط أو نحوه
بالحرف المفهم كق أمر من الوقاية أو بالحرفين وإن لم يفهما من كلام الآدميين، وإن لم
يقصد خطابهم ولو بالعجمية، وإن لم يفهما كأن مد فتولدت ألف أو واو أو ياء وإن تعلق ذلك
بمصلحة الصلاة، والكلام لغة يقع على الفهم وغيره مما هو حرفان فأكثر، وتخصيصه بالفهم
اصطلاح طارىء النحاة، والحرف المفهم متضمن لمقصود الكلام، وإن أخطأ بحذف هاء
السكت، بخلاف غير المفهم فاعتبر فيه أقل ما يبنى عليه الكلام وهو حرفان، ويستثنى من
كلام الناس إجابة المصلي للنبي وال بقول أو فعل وإن كثر؛ فإنها واجبة لا تبطل بها الصلاة
لشرفه وسير، ولذا أمر المصلي أن يقول السلام عليك أيها النبي، وزعم أن هذا خطاب لغائب
يرده أن الخطاب مبطل للصلاة ولو لغائب بأن خطر إنسان في باله فقال مخاطباً له فيها
يرحمك الله بخلاف إجابة الأبوين فإنها تبطل وإن أوجبناها بأن تأذيا بعدمها تأذياً ليس بالهين
سواء الفرض والنفل ويستثنى أمور أخرى مذكورة في كتب الفقه، قال السيوطي : وحرمة
الكلام في الصلاة من خصائص هذه الأمة، قال ابن العربي: كان شريعة بني إسرائيل يباح
فيها الكلام في الصلاة دون الصوم فجاءت شريعتنا بعكس ذلك، وقال ابن بطال: إنما عيب
على جريج عدم إجابته لوالدته في الصلاة؛ لأن الكلام في الصلاة كان مباحاً في شرعهم
(إنما هي) كذا فيما وقفت عليه من نسخ الرياض بضمير الواحدة المؤنثة والمرجع مدلول
عليه بالسياق، أي: إنما الكلمات الصالحة فيها وروايته المشكاة هو بضمير المذكر قال في
فتح الأله أي: الذي يصلح فيها (التسبيح) أي: التقديس لله وتنزيهه عما لا يليق به (والتكبير
وقراءة القرآن) ومثلهما سائر الثناء عليه تعالى مما يدل على كماله، ويؤخذ من عدم أمره وَلقة
لمعاوية بإعادة الصلاة - وإلا لنقل - أن من تكلم فيها جاهلاً بتحريمه وحذر بجهله لقرب

١٧٣
١ - كتاب: الأدب
أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَ ﴿ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ،
وَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ، وَإِنَّ مِنَّا رِجَالاً يَأْتُونَ الْكُهَّانَ؟ قَالَ:
((فَلاَ تَأْتِهِمْ))، قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ؟ قَال: ((ذَلِكَ
شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ فَلَا يَصُدُّهُمْ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ((النُّكْلُ)) بِضَمِّ النَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ:
عهده بالإِسلام وإن خالط المسلمين أو لبعده عن العلماء لا تبطل صلاته لعذره، ومحل عدمٍ
البطلان في ذلك حيث قل الكلام؛ فإن الواقع من معاوية نحو خمس كلمات أما ما كثر عرفاً
فيبطل ولو معذوراً بذلك (أو) شك (كما قال رسول الله ( 18) أي: مثل ما قال من التسبيح
والتهليل والدعاء (قلت يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية) هي ما قبل ورود الشرع،
سميت به لكثرة جهالاتهم، وهذا عذر له في كلامه في الصلاة وعدم علمه بحرمته فيها (وقد
جاء الله) في المشكاة: ((جاءنا)) بزيادة ضمير المفعول للمتكلم ومعه غيره، أي: جاءنا معشر
الأمة (بالإِسلام) أي: بدينه على يديك فلا تجد على في أسئلة أخرى يحتاج إلى معرفة
حكم الله فيها (وإن منا رجالاً يأتون الكهان) جمع كاهن، وهو من يدعي معرفة الضمائر
ويخبر عن المستقبل، أما لجني يخبره، أو لزعمه أنه يدرك الغيب بفهم وإمارات، بخلاف
العراف فإن نظره قاصر عن معرفة الضال ومكان المسروق ونحوهما (قال: فلا تأتهم) قال
المصنف: قال العلماء إنما نهى عن إتيانهم لأنهم قد يتكلمون في مغيبات قد يصادف بعضها
الإصابة فيخاف الفتنة على الإِنسان بسبب ذلك، ولأنهم يلبسون على الناس كثيراً من
الشرائع، قال الخطابي: والحديث يشمل النهي عن إتيان كل من الكهان والعراف (قلت:
ومنا رجال يتطيرون) من الطيرة. بكسر ففتح أو سكون وهو التشاؤم بالشيء، ولم يأت مصدر
على فعله غير هذا والخيرة، وذلك أنهم كانوا يتعرفون نحو الطير فإن ذهب ذات اليمين مضوا
وإلا رجعوا فنهوا عن ذلك بقوله: (قال ذلك) أي: التطير (شيء يجدونه في صدورهم) وفي
المشكاة بلفظ: ((في نفوسهم)) أي: من التوهم والتشاؤم المقتضي بحسب توهمهم الفاسد
رجوعهم عما يريدون فعله (فلا يصدهم) كذا في أصول الرياض بحذف نون التوكيد، وهي
ثابتة في المشكاة، أي: فلا يمنعهم ذلك عن وجهتهم لأنه لا يؤثر نفعاً ولا ضراً، وإنما هو
شيء يسوله الشيطان في النفس ويزينه لها حتى تعمل بقضيته ليجرها بذلك إلى اعتقاد مؤثر
غير الله تعالى وهو كفر صراح بإجماع العلماء. قال المصنف: قال العلماء نهاهم عن العمل
بالطيرة كأن يمتنعوا عن مرادهم بسببها؛ لأن ذلك في قدرتهم وكسبهم دون التطير؛ لأن ذلك
يجدونه في النفس ضرورة فلا عتب عليهم فيه. قال: وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة في
النهي عن التطير والطيرة، وهو محمول على العمل بها لا على ما يوجد في النفس من غير

١٧٤
٩١ - باب: في الوعظ والاقتصاد فيه
الْمُصِيبَةُ وَالْفَجِيعَةُ. ((مَا كَهَرَنِي)): أَي مَا نَهَرَني(١).
٧٠١ - وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ عَه
مَوْعِظَةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ(٢) وَقَدْ سَبَقَ بِكَمَالِهِ
في بَابِ الْأُمْرِ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى السُّنَّةِ(٣)، وَذَكَرْنَا أَنَّ التَّرْمِذِيَّ قَالَ: إِنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ
صُچِیحٌ .
عمل على مقتضاه، ونفى في الحديث السؤال عن الخط وسكت عليه المصنف ولفظه:
((قلت ومنا رجال يخطون قال كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك)) (رواه مسلم)
قال في المشاكة: قوله لكني سكت هكذا وجدت في صحيح مسلم، وكتاب الحميدي،
وصحح في جامع الأصول بلفظه: ((كذا)) فوق ((لكني))، قال شارحه: ومر شرحها كما ذكرناه
وأنه لا إشكال فيه، والحديث رواه أبو داود والنسائي، وله طرق بينها المزي في أطرافه
(الثكل بضم الثاء المثلثة) أي: وسكون الكاف، وتقدم أن هذا إحدى لغتين ثانيهما فتحهما
معاً، وقد حكاهما الجوهري وغيره كالبخل والبخل (المصيبة والفجيعة) أي: بالولد بفقده
(ما كهرني) بفتح أوليه (أي: ما نهرني).
٧٠١ - (وعن العرباض بن سارية) تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) مع شرح الحديث في
الباب الذي ذكره المصنف (قال وعظنا رسول الله (وَل﴿ موعظة) أي: عظيمة كما قال:
(وجلت) أي: خافت (منها القلوب) لأنها محل الدراية من الإِنسان (وذرفت) أي: سالت
(منها العيون) أي: دموعها (وذكر الحديث) والقصد أن أحسن المواعظ ما كان جزلاً جامعاً
بليغاً نافعاً، فخير الكلام ما دل (٤) (وقد سبق بكماله) الباء بمعنى مع (في باب الأمر
بالمحافظة على السنة، وقد ذكرنا أن الترمذي قال إنه حديث حسن صحيح) أتى بذلك لينبه
على أن المطلوب من جملة الأحكام التي لا تثبت إلا بالمقبول من الخبر، فينبه بذلك على
أنه منه والله أعلم.
(١) أخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من
إباحة (الحديث: ٣٣).
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب: السنة، باب: في لزوم السنة، (الحديث: ٤٦٠٧).
وأخرجه الترمذي في كتاب: العلم، باب: ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدعة (الحديث:
٢٦٧٦).
(٣) انظر الحديث رقم (١٥٧).
(٤) (ما دل) لعله (ما قل ودل). ع.

١٧٥
١ - كتاب: الأدب
٩٢ - باب: في الوقار والسّكينة
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى(١): ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَاً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ
الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاَمَاً﴾ .
٧٠٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ مُسْتَجْمِعَاً قَطُّ
ضَاحِكَاً حَتَّى تُرَى مِنْهُ لَهَواتُهُ، إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ. مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ. ((اللَّهَوَاتُ)) جَمْعُ لَهَاةٍ،
باب الوقار
بفتح الواو والقاف مصدر وقر بالضم مثل جمل جمالاً. وهو الحلم والرزانة، ويقال
وقر يقر من باب وعد فهو وقور كرسول، قال في المصباح: والوقار أيضاً العظمة، ويقال: وقر
وقراً من باب وعد وعداً، يقال: جلس بوقار اهـ. وما في الترجمة بالمعنى الأول بدليل
عطف قوله: (والسكينة) بتخفيف الكاف عليه، فهي كما قال في المصباح: المهابة والرزانة
والوقار، قال: وحكي من النوادر تشديد الكاف، قال: ولا يعرف في كلام العرب فعلية مثقلاً
إلا هذا الحرف شاذاً اهـ. وبما ذكرنا علم أن عطفها على الوقار من عطف العام على
الخاص، لأنه داخل في مفهومها أتى به اعتناء بذلك، وسیأتي فيه مزيد في الباب الذي یلیه.
(قال الله تعالى وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً) أي: هينين أو مشياً هيناً،
بسكينة ووقار من غير جبرية واستكبار لا مشي المرضى، فإنه مكروه. وهو مبتدأ خبره الذين
يمشون، أو الذين صفته والخبر أولئك يجزون الغرفة (وإذا خاطبهم الجاهلون) أي :
خاطبهم (٢) بما يكرهونه (قالوا سلاماً) سداداً من القول يسلمون فيه من الإِثم، أو تسليماً
منكم لا خير بيننا ولا شر قال تعالى: ﴿وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم
أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين﴾(٣) وعن الحسن البصري، قالوا السلام، وفي
الحدیث ما يؤيده.
٧٠٢ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت رسول الله وير مستجمعاً) أي: مبالغاً في
الضحك لم يترك منه شيئاً (ضاحكاً) قال الحافظ ابن حجر: منصوب على التمييز، وإن كان
مشتقاً، مثل لله دره فارساً، أي: ما رأيته مستجمعاً من جهة الضحك؛ بحيث يضحك ضحكاً
تاماً مقبلاً بكليته على الضحك (حتى ترى) بالبناء للمجهول (منه لهواته إنما كان يبتسم) قال
(١) سورة الفرقان، الآية: ٦٣.
(٢) لعله (أي خاطبوهم). ع.
(٣) سورة القصص، الآية: ٥٥.

١٧٦
٩٣ - باب: في الندب
وَهِيَ: اللَّحْمَةُ الَّتِي فِي أَقْصَى سَقْفِ الْفَمِ (١).
٩٣ - باب: في الندب إلى إتيان الصلاة والعلم
ونحوهما من العباداة بالسكينة والوقار
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى(٢): ﴿وَمَنْ يُعَظِّمُ شَعَائِرَ اللَّهَ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوى القُلُوْبِ﴾.
أهل اللغة: التبسم مبادىء الضحك، والضحك انبساط الوجه حتى تظهر الأسنان من
السرور، فإن كان بصوت وكان بحيث يسمع من بعد فهو القهقهة وإلا فالضحك، وإن كان
بلا صوت فهو التبسم، وهذا باعتبار ما علمته من ضحكه وهلل وإلا فقد جاء في أحاديث:
((ضحك حتى بدت نواجذه)) (متفق عليه) رواه البخاري في الأدب من صحيحه، ورواه مسلم
في الفضائل (اللهوات) بفتح أوليه (جمع لهاة) بفتحهما أيضاً (وهي اللحمة التي في أقصى
الفم) زاد في المصباح: قوله المشرفة على الحلق، وتجمع أيضاً على لها كحصاة وحصى .
باب الندب
بفتح النون وسكون الدال المهملة فباء موحدة، أي: الدعاء يقال: ندبه إلى الأمر ندباً
من باب قتل دعاه (إلى إتيان) محل (الصلاة والعلم ونحوهما من العبادات بالسكينة والوقار)
وذلك لما في ذلك من سكون النفس، فيدخل في العبادة بخشوع وخضوع بخلافه إذا عدا
في الطريق بذلك(٣) فلا يأتي إلا وهو مضطرب من إسراع المشي فيصده ذلك عن كمال
الخشوع أو أصله (قال الله تعالى ومن يعظم شعائر الله فإنها) أي: تعظيمها (من تقوى
القلوب) أي: ناشىء من تقوى قلوبهم، أو أعمال ذوي تقوى القلوب. والآية قد تقدم
الكلام فيها في باب تعظيم حرمات المسلمين.
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: التبسم والضحك، وفي التفسير/ سورة الأحقاف،
(١٠/ ٤٢١).
وأخرجه مسلم في كتاب: صلاة الاستسقاء، باب: التعوذ عند رؤية الريح والغيم والفرح بالمطر
(الحديث: ١٦).
(٢) سورة الحج، الآية: ٣٢ .
(٣) لعله (لذلك) .. ع.

١٧٧
١ - كتاب: الأدب
٧٠٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَهِ يَقُولُ: (إِذَا
أُقِيمَتِ الصَّلَةُ فَلاَ تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأَتُوهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا
أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِّمُّوا)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ لَهُ: ((فَإِنَّ أَحَدَكُمْ
٧٠٣ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله و الله يقول: إذا أقيمت
الصلاة) بذكر كلمات الإقامة ومثله، بل أولى إذا لم تقم، ولكن خشي قيامها. قيل: والمراد
هنا بالصلاة الجمعة بدليل تبويب البخاري للحديث بباب المشي إلى الجمعة، لكن حملها
على العموم أولى إلا أن يقال يفهم غير الجمعة منها بقياس الأولى (فلا تأتوها) ندباً (وأنتم
تسعون) ولا يخالفه قوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾(١)
لأن المنهي عنه السعي بمعنى العدو والإسراع في المشي، والمأمور به المضي فيها. وقد
قرى: ﴿فامضوا إلى ذكر الله﴾ وقد جاء في رواية في البخاري ((فامشوا إلى الصلاة ولا
تسرعوا)) (وأتوها) ندباً (وأنتم تمشون) مشياً بلا إسراع ينافي الوقار، كما يدل عليه تقييده
بالجملة الحالية بقوله: (وعليكم السكينة والوقار) بالرفع مبتدأ مؤخر كما ضبطه المصنف،
واحتمال النصب الذي ضبطه به القرطبي على الإِغراء فيه بعد عن السياق، لكن يؤيده أنه
جاء في رواية بالسكينة بزيادة الياء تأكيداً. وإنما طلب لتكثير الخطأ المقصود لذاته، ثم محل
ذلك ما لم يعد مقصراً بالتأخير في الجمعة بحيث ينسب إليه التفويت، وإلا فيجب عليه
الإسراع حينئذ، ثم عطف السكينة للتأكيد والبيان كما قال القرطبي: بناءً على ترادفهما،
وقال المصنف بعد ذكر الجامع بينهما: الظاهر أن بينهما فرقاً؛ فالسكينة التأني في الحركات
واجتناب العبث، والوقار في الهيئة كغض البصر وخفض الصوت وعدم الالتفات، ورجح بأن
التأسيس خير من التأكيد وأن الأصل في العطف التغاير. قال: قال بعض شراح الجامع
الصغير: ويرجح الأول بالاكتفاء بالسكينة عنه هنا في رواية، فذلك ظاهر في ترادفهما، إلا
أن يقال إن الفرق بينهما على القول به عند اجتماعهما، أما عند افتراقهما فأحدهما يغني عن
الآخر؛ كالفقير والمسكين (فما أدركتم) أي: من الصلاة مع الإِمام (فصلوا) الفاء في ((فما))
فصيحة. قدر الحافظ بقوله: إذا فعلتم ما أمرتم به من السكينة وترك الإِسراع، فما أدركتم
فصلوا، وهو أحسن من قول الكرماني: إذا بينت لكم ما هو أولى بكم فما أدركتم فصلوا (وما
فاتكم) معه (فأتموا) أي: أكملوا وحدكم، وفي لفظ: ((فاقضوا)) وهو بمعنى فإذا(٢)، فلا
(١) سورة الجمعة، الآية: ٩.
(٢) (فإذا) لعل الصواب (فأتموا). ع.

١٧٨
٩٣ - باب: في الندب
إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلاَةِ فَهْوَ فِي صَلَاةٍ)(١).
٧٠٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ وَ يَوْمَ عَرَفَةً
فَسَمِعَ النَّبِيُّ ◌َّهَ وَرَاءَهُ زَجَرَاً شَدِيْدَاً وَضَرْبَاً لِلإِبِلِ، فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِليْهِمْ وَقَالَ:
((أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِيْنَةِ فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالإِيضَاعِ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَرَوَى مُسْلِمٌ
بَعْضُهُ. ((البِرَّ): الطّاعةِ.
ينافي رواية ((فأتموا)) وقوله: ((أتموا)) دليل للشافعية أن ما يفعله مع الإِمام أول صلاته وما يأتي
به بعده آخرها؛ لأن الإِتمام لا يكون إلا للآخر لاستدعائه سبق الأول قال البرماوي: (متفق
عليه) لكن التصريح بالوقار من زيادة رواية البخاري كما قاله القرطبي. ورواه أحمد والأربعة
كما في الجامع الصغير (زاد مسلم في رواية له فإن أحدكم) أي: الواحد منكم (إذا كان
يعمد) بكسر الميم، أي: يقصد (إلى الصلاة فهو في الصلاة) أي: فيحصل له فضلها، وإن
لم يدركها معهم، وقد جاء في ذلك حديث مرفوع، لكن محل ذلك كما في فتح الإِله ما لم
يعتد(٢) ذلك ویثساهل فيه.
٧٠٤ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه دفع مع النبي (وَّلة) أي: قريباً منه بحيث يعد
عرفاً أنه مصاحب له ومنسوب إليه (يوم عرفة) أي: عقبه بعد مغيب شمسه، كما جاء
التصريح بذلك في حديث جابر (فسمع النبي ◌ّر وراءه زجراً شديداً وضرباً) أي: صوت
ذلك (وصوتاً للإبل) أي: من الرغو، قال في المصباح: رغت الناقة ترغو، أي: صوتت
(فأشار بصوته إليهم) أي: تأنوا ودعوا العجلة وقال زيادة في البيان (عليكم) أي: الزموا
(بالسكينة) الباء فيه مزيدة للتأكيد، وقيل: عليكم اسم خذوا فالباء معدية (فإن البر ليس
بالإِيضاع) أي: إنما هو بالخضوع والخشوع والاستكانة لمن لا يخفى عليه شيء في الأرض
ولا في السماء (رواه البخاري) في كتاب الحج (وروى مسلم بعضه) وهو قوله في حديث
جابر: ((ويقول بيده اليمنى أيها الناس السكينة السكينة)) اهـ. وبه يتبين أن قوله في رواية
البخاري المذكورة ((وقال عليكم السكينة أي: بالإِشارة إليها، ويحتمل أنه جمع بينها وبين
اللفظ بذلك (البر الطاعة) كذا قال المصنف، وفسر أيضاً بالخير والفضل، فجعل الإِيضاع
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الجمعة، باب: المشي إلى الجمعة والأذان باب: لا يسعى إلى الصلاة
مستحجماً (٩٧/٢، ٩٨، ٣٢٥).
وأخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب إتيان الصلاة بوقار ...
(الحديث: ١٥٢).
(٢) في نسخة (يقصد) بدل (يعتد). ع.

١٧٩
١ - كتاب: الأدب
و((الإِيْضَاعُ)) بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ قَبْلَهَا هَمْزَةٌ مَكسُورةٌ وَهُوَ: الإِسْرَاعُ(١).
٩٤ _ باب: في إكرام الضيف
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (٢): ﴿هَل أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ المُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ
فَقَالُوا سَلَاماً، قَالَ سَلَامٌ قَومٌ مُنْكُرُونَ * فَرَاغَ إِلى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعجلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ
ليس من البر بمعانيه المذكورة مقيد بما إذا أدى إلى محظور كالتزاحم أو إيذاء الدواب حتى
صوتت؛ فإنها لا يكون منها عادة إلا عندما يشق عليها، وإلا فيطلب والله أعلم. (والإِيضاع)
بسكون التحتية المقلبة عن واو لسكونها وانكسار ما قبلها (بضاد معجمة قبلها همزة) أي :
وبينهما ياء ساكنة (وهو الإِسراع) ومنه قوله تعالى: ﴿الأوضعوا خلالكم﴾(٣) أي: لأسرعوا
ركائبهم في وسطكم بإيقاع العداوة بينكم.
باب إكرام الضيف
قال في المصباح: الضيف معروف ويطلق بلفظ واحد على الواحد وعلى غيره؛ لأنه
مصدر في الأصل من ضافه ضيفاً من باب باع إذ أنزل عنده، وتجوز المطابقة فيقال: ضيف
وضيفة وأضياف وضيفان وأضفته وضيفته إذا أنزلته وقريته، والاسم الضيافة. قال ثعلب:
ضفته إذا نزلت به وأنت ضيف عنده، وأضفته إذا أنزلته عندك ضيفاً تضيفني فضيفته، أي :
طلب مني القرى فقريته اهـ. ملخصاً (قال الله تعالى: (وهل أتاك حديث ضيف إبراهيم
المكرمين) كذا هو بالواو في بعض النسخ وبحذفها من أخرى والتلاوة كذلك. وهذه الجملة
لتعظيم شأن الحديث، وتنبيه على أن المصطفى ◌َّ إنما عرف ذلك بالوحي له، والمراد
الضيف. جاء في اللغة الأولى بدليل وصفه بالمكرمين عند الله أو عند إبراهيم (إذا دخلوا
عليه) ظرف للحديث، أو بتقدير ذكر لا للفعل الماضي، لاختلاف زمني إتيان الخبر
ودخولهم (فقالوا: سلاماً) أي: نسلم عليك سلاماً (قال سلام) أي: عليكم سلام، وعدل
إلى الرفع ليدل على إثبات فعمل بقوله تعالى: ﴿فحيوا بأحسن منها﴾(٤) وقد بسطت هذا
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الحج، باب: أمر النبي بالسكينة عند الافاضة (٤١٧/٣).
وأخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: استحباب إدامة الحج التلبية ... (الحديث: ٢٦٨).
(٢) سورة الذاريات، الآيات: ٢٤ - ٢٧ .
(٣) سورة التوبة، الآية: ٤٧ .
(٤) سورة النساء، الآية: ٨٦.

١٨٠
٩٤ - باب: في إكرام الضيف
إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَال
يَا قَوْمٍ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَظْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونٍ فِي ضَيْفِي ◌َلَيْسَ مِنْكُمْ
رَجُلٌ رَشِيْدٌ﴾.
٧٠٥ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ وَ قَالَ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
والْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمِ ضَيْفَهُ،
المعنى في كتاب أحكام السلام من شرح الأذكار (قوم منكرون) أي: أنتم قوم لا نعرفكم
(فراغ) ذهب (إلى أهله) بخفية، فمن آداب المضيف أن يخفي إتيانه بالضيافة عن الضيف
(فجاء بعجل) مشوي كما في الأخرى: ﴿أن جاء بعجل حينذ﴾(٢) (سمين فقربه إليهم قال
ألا تأكلون) ذكره بصيغة العرض تلطفاً في العبارة (وقال تعالى: وجاءه) أي: لوطاً (قومه
يهرعون) يسرعون (إليه) عجلة لنيل مطلوبهم من إضيافه (ومن قبل) أي: من قبل ذلك
الوقت (كانوا يعملون السيئات) أي: يأتون الرجال، يعني هذه عادتهم من قديم الأيام (قال:
يا قوم هؤلاء بناتي) أي: فتزوجوهن واتركوا إِضيافي، وكانوا يطلبونهن من قبل ذلك ولا
يجيبهم، وكان تزويج المسلمة من الكافر جائزاً. أو المراد من البنات نساؤهم وأضافهن إلى
نفسه؛ لأن كل نبي أبو أمته (هن أطهر لكم) من نكاح الرجال (فاتقوا الله ولا تخزون)
تفضحوني (في) شأن (ضيفي) فإخزاء ضيف الشخص إخزاؤه، فدل على الاهتمام بالضيف
ودفع المؤذيات عنه، وأو بما يتأذى به من المضيف فذلك من الإِكرام المأمور به له (أليس
منكم رجل رشيد) يعرف حقيقة ما أقول.
٧٠٥ - (وعن أبي هريرة) تقدم حديثه (رضي الله عنه) هذا، وشرحه في باب صلة الأرحام
وبنحوه من حديث أبي شريح الخزاعي حديث في الباب الذي قبل ذلك (عن النبي وَّ قال:
من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) أي: إيماناً كاملاً (فليكرم ضيفه) قيل: إكرامه تلقيه بطلاقة
الوجه، وتعجيل قراه، والقيام بخدمته بنفسه، وقد جاء في الرواية أن الله تعالى أوحى إلى
إبراهيم أكرم أضيافك فأعد لكل شاة مشوية، فأوحى إليه أكرم فجعله ثوراً، فأوحى إليه أكرم
فجعله جملاً، فأوحى إليه أكرم فتحير وعلم أن إكرامهم ليس في كثرة الطعام فخدمهم بنفسه
(١) سورة هود، الآية: ٧٨.
(٢) سورة هود، الآية: ٦٩ .
٢٠٠