النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ ٧١ - باب: في التواضع أَوْ لا تَكَادُ تُسْبَقُ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلى قَعُودٍ لَهُ فَسَبَقَهَا فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَتَّى عَرَفَهُ، وسكون المعجمة بعدها باء موحدة فألف ممدودة. قال المصنف في شرح مسلم: قال ابن قتيبة كانت للنبي ﴿ نوق القصوى والجذعاء والعضباء. قال أبو عبيدة: العضباء اسم لناقة النبي ◌َّ ولم تسم بذلك لشيء أصابها. ((قلت)) وفي تحفة القاري للشيخ زكريا: ناقته وَل لم تكن عضباء ولا قصوى وإنما كان ذلك نعتاً لها قاله الجوهري اهـ. وهو موافق لأبي عبيدة. ثم نقل عن القاضي أحاديث فيها ذكر الناقة، قال: فهذا كله يدل على أنها ناقة واحدة خلاف ما قاله ابن قتيبة، وأن هذا كان اسمها أو وصفها بهذا الذي بها خلاف ما قاله أبو عبيدة، لكن يأتي أن القصوى غير العضباء. قال الحزبي: العضب والجدع الخرم، والقصوى والخضرمة في الأذن. قال ابن الإِعرابي: القصوى التي قطع طرف أذنها، والجدع أكبر منه. وقال الأصمعي في القصوى مثله، قال: وكل قطع في الأذن جدع؛ فإن جاوز الربع فهي عضباء، والمخضرمة المستأصلة، والعضباء المقطوعة النصف فما فوقه. وقال الخليل: المخضرمة مقطوعة الأذن، والعضباء مشقوقة الأذن. قال الحربي: والحديث يدل على أن العضباء اسم لها وإن كانت عضباء الأذن فقد جعل اسمها هذا كلام القاضي. وقال إبراهيم بن محمد التيمي التابعي وغيره، العضباء والقصوى والجدعاء اسم الناقة واحدة كانت لرسول الله وَّ اهـ. وفي فتح الباري اختلف هل العضباء هي القصوى أو غيرها؛ فجزم الحربي بالأول وقال: تسمى العضباء والقصوى والجدعاء. وروى ذلك ابن سعد عن الواقدي. وقال بالثاني غيره. وقال: الجدعاء كانت شهباء وكان لا يحمله عند نزول الوحي غيرها. وذكر له عدة غير هذه جمعها من اعتنى بجمع سيره (لا تسبق أو) شك من حميد الراوي عن أنس كما صرح به البخاري في كتاب الجهاد من صحيحه. فقال: قال حميد أو (لا تكاد) تقارب (تسبق) وهو في باقي الروايات لا تسبق بغير شك (فجاء إعرابي) هو ساكن البادية. قال الحافظ: لم أقف على اسم هذا الإِعرابي بعد التتبع الشديد (على قعود له) بفتح القاف هو ما استحق الركوب من الإِبل، قال الجوهري: هو البكر حتى يركب وأقل ذلك أن يكون ابن سنتين إلى أن يدخل في السادسة فيسمى جملاً. وقال الأزهري: لا يقال إلا للذكر ولا يقال للأنثى قعود، إنما يقال لها قلوص. قال: وقد حكى الكسائي في النوادر. قعودة للقلوص، وكلام الأكثر على غيره. وقال الخليل: القعود ما يقتعده الراعي يحمل متاعه، والهاء فيه للمبالغة (فسبقها فشق ذلك) أي: سبقها (على المسملين حتى عرفه) أي : عرف النبي ◌َّر شق السبق عليهم. وفي الرقاق من البخاري: فلما رأى ما في وجوههم، ٦٢ كتاب: دليل الفالحين فَقَالَ: ((حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّ وَضَعَهُ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١). ٧٢ - باب: في تحريم الكبر والإعجاب قالَ اللَّهُ تعالى (٢): ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوَاَ فِي الْأُرْضِ وقالوا أي: سبقت العضباء (فقال) النبي ◌َّر من حسن خلقه إذهاباً لذلك الغضب من نفوسهم إن هذا السبق لهذه من جنس ما جرت به الأقضية الإلهية من ضعة المرتفع من الدنيا فيها كائناً ما كان (حق) أي: واجب (على الله) تعالى لقضائه به على ذاته (ألا يرتفع شيء من الدنيا) من مال أو جاه أو غير ذلك من زهرات الدنيا وما ينظر إليه منها (إلا وضعه) ففيه التزهيد في الدنيا وإغماض الطرف عن زهراتها؛ فإنها تتناهى في مكان من النظر الفائق، إذا بها صارت بأدنى حال ما لم تنظر إليها العيون. قال ابن بطال: فيه هوان الدنيا على الله، والتنبيه على ترك المباهاة والمفاخرة، وفيه الحث على التواضع وطرح رداء التكبر، والإِعلام بأن أمور الدنيا ناقصة غير كاملة، وفيه ما كان عليه وَل ◌ّ لحسن خلقه من إذهاب ما يشق على أصحابه عنهم، وما كان قصد به من الدنيا التقرب إلى الله تعالى فليس منها؛ إنما هو فيها فلا يدخل تحت هذا الخبر بل لا يزال مرفوعاً دنيا وأخرى، وفيه تواضعه وص له إذ سابق إعرابياً (رواه البخاري) في الجهاد وفي الرقاق من صحيحه، ورواه أبو داود في الجهاد من سننه. باب تحريم الكبر هو احتقار المرء غيره وازدراؤه له. والكبر على الله كفر؛ بأن لا يطيعه ولا يقبل أمره، فمن ترك أمر الله أو وقع في منهيه استخفافاً به تعالى فهو كافر، وأما من تركه لا على سبيل ذلك بل لغلبة الشهوة أو الغفلة فعاص. والتكبر على الخلق وهو ما عرف به الكبر في الترجمة فعصيان إن لم يكن فيه استخفاف الشرع وإلا، كأن يحقر نبياً أو ملكاً أو عالماً عن اعتقاد حقارة العلم فذاك كفر أيضاً. قاله المظهري (والإِعجاب) أي: النظر إلى النفس بعين الكمال والفخر بما فيها من علم أو صلاح صوري أو عندها من مال أو جاه (قال الله تعالى: تلك الدار الآخرة) الإِشارة لتعظيم الآخرة، أي: التي سمعت بذكرها أو بلغك وصفها هي (١) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: ناقة النبي ◌َّر، والرقاق، (٥٥/٦). (٢) سورة القصص، الآية: ٨٣. ٦٣ ٧٢ - باب: في تحريم الكبر وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿ وَلاَ تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً﴾. وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلْنَّاسِ وَلَتَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحَاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ وَمَعْنَى ﴿تُصَغِّرْ خَذَّكَ﴾: أَيْ تُمِيلُهُ وتُعْرِضُ بِهِ عَنِ النَّاسِ تَكَبُّراً عَلَيْهِمْ. و((الْمَرَحُ)): النَّبَخْتُرُ. الدار الآخرة (نجعلها) إما خبر تلك والدار صفة، أو الدار خبره والجملة استئناف أو خبر بعد خبر (للذين) أو حالاً من الدار، والعامل فيها ما في تلك من معنى الإِشارة (لا يريدون علواً) كبراً أو استكباراً (في الأرض) يحتمل أن يكون مستقراً على أنه صفة لما قبله، ويحتمل أن يكون لغواً متعلقاً به (ولا فساداً) عملاً بالمعاصي، أو دعوة الخلق إلى الشرك (والعاقبة) الحسنى (للمتقين) عن معاصيه (وقال تعالى: ولا تمش في الأرض مرحا) بفتح أوليه عند الجمهور، وسيأتي معناه في الأصل، وهو مصدر في موضع الحال أي: مرحاً، أو ذا مرح، أو مفعول له. قلت: فيكون كقوله تعالى: ﴿ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورثاء الناس﴾ (٣) ويجوز أن يكون مفعولاً من معناه مطلقاً عامله، أي: لا تمرح مرحاً، وقريء بكسر الراء منصوب على الحال، وفضل أبو الحسن المصدر على اسم الحال لما فيه من التأكيد أي: والمبالغة ولم يظهر حكمة إيراد هذه الآية مع أنها من جملة التي بعدها ولعل المصنف كتبها قبل استحضار ما بعدها، ثم رأى إبقاءها وإن اشتمل ما بعدها عليها تأكيداً في النهي عن ذلك بذكر ما فيه النهي عنه المرة بعد الأخرى (وقال تعالى: ولا تصعر خدك للناس) كما يفعله المتكبر، أي: لا تعرض وجهك عنهم إذا حدثوك تكبراً (ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب) أي: لا يوفق (كل مختال فخور) ذي خيلاء أي: تكبر يفخر على الناس ولا يتواضع لهم، وقوله: إن الله إلخ مستأنفة على النهي (معنى: تصعر خدك) برفع تصعر كما يؤمى إليه قوله: (أي: تميله) إذ لو كان المفسر محروماً لكان المفسر كذلك؛ لأن ما بعد أي عطف بيان لما قبله أو بدل منه، والمراد تميله عن مخاطبك (وتعرض عن الناس) حال خطابهم لك (تكبراً عليهم) مفعول له بخلاف ما إذا به كانت الإمالة والإعراض عن الناس المخاطبين، تأديباً لهم لكونهم وقعوا في منكر وتركوا معروفاً (١) سورة الإسراء، الآية: ٣٧. (٢) سورة لقمان، الآية: ١٨. (٣) سورة الأنفال، الآية : ٤٧ ٦٤ كتاب: دليل الفالحين وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿إِنَّ قُرُونَ كَانَ مِنْ قَوْمٍ مُوسَىْ فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَنُواْ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِي الْقُوَّةِ * فذلك لا يكون تصعيراً بل هو مندوب، فقد أمر هل بمهاجرة الثلاثة(٢) المخلفين حتى نزلت توبتهم. وفي الحديث: ((من أحب الله وغضب الله وأعطي لله ومنع لله فقد استكمل الإِيمان)) (والمرح) أي: بفتح أوليه مصدر معناه (التبختر) وذلك يكون عن الإِعجاب بالنفس واحتقار الناس. (وقال تعالى: إن قارون) اسم أعجمي فلذا منع من الصرف (كان من قوم موسى) ابن عمه كما قاله ابن جريج، وإبراهيم النخعي وهو أشهر الأقوال. وقال ابن إسحاق: هو عمه. وقيل: هوابن خالته وهو بالإجماع من بني إسرائيل آمن بموسى وحفظ التوراة ثم لحقه الزهو والإِعجاب (فبغى) أي: تكبر (عليهم) بأنواع من البغي؛ من ذلك كفره بموسى واستخفافه به ورميه له بما رماه من البغي فبرأه الله من ذلك، وقيل: كان عاملاً لفرعون على بني إسرائيل فظلمهم وبغى عليهم، وقيل: بغى بكثرة ماله. وقيل: بزيادة في طول ثيابه شبراً، وقيل: بالكبر والعلو (وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه) جمع مفتح وهو ما يفتح به الباب، وقيل خزائنه. قال ابن عطية: وأكثر المفسرون في شأن قارون؛ فروي أن في الإِنجيل أن مفاتيحٍ قارون كانت من جلود الإِبل، وكان المفتاح من نصف سير، وكانت وقر ستين بعيراً أو بغلاً لكل كنز مفتاح، وقد روي غير هذا مما يقرب منه وذلك كله ضعيف، والنظر يشهد بفساده، ومن كان الذي يميز بعضها عن بعض وما الداعي إلى هذا وفي الممكن أن ترجع كلها إلى ما لا يحصى (٣) في ويقدر على حصره بسهوله ولكان يقال مفاتيح بالياء كما قرىء به شاذاً، والذي يشبه على هذا أن تكون المفاتيح من حديد ونحوه. وفي النهر: قيل أظفره الله بكنز من كنوز يوسف عليه السلام، وقيل: سمي ماله كنوزاً لأنها كانت لا تزكى وبسبب ذلك كانت أول معاداته لموسى، وفي تفسير الكواشي. قيل: سبب كثرة ماله أنه كان يعلم الكيمياء ويعلمها، وما موصولة ثاني مفعولي آتي وصلتها إن ومعمولاها (لتنوء بالعصبة) أي: الجماعة الكثيرة (أولي القوة) والجملة خبر إن ومعنى تنوء تثقل. قال أبو حيان: الصحيح أن الباء للتعدية أي: لتثقل على العصبة أي: هذه الكنوز لكثرتها واختلاف أصنافها يتعب حفظها القائمين عليها اهـ. وهو ما نحاه سيبويه وشيخه الخليل فجعلا الباء للتعدية، وقالا: التقدير لتنوء العصبة؛ فجعل بدل ذلك تعدية الفعل بحرف الجر (١) سورة القصص، الآيتان: ٧٦، ٨١. (٢) كذا ولعله (يهجرهم الثلاثة). (٣) كذا ولعله (إلى ما يحصى). ع. ٦٥ ٧٢ - باب: في تحريم الكبر إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ الآيات. كما تقول ناء الجمل وأناءه ونؤت به بمعنى جعلته ينوء (١) وجعله ابن عطية من باب القلب فقال: والوجه أن يقال لتنوء العصبة بالمفاتيح المثقلة لها، وكذا قال كثير من المتأولين: إن المراد هذا لكنه قلب كما تفعله العرب كثيراً، ثم نقل ما تقدم عن سيبويه ثم قال: ويحتمل أن تنوء مسند إلى المفاتيح إسناداً مجازياً لأنها تنهض بتحامل إذا فعل ذلك الذي ينهض بها، والعصبة قال ابن عباس: ثلاثة، وقال قتادة: من العشرة إلى الأربعين، وقال مجاهد: خمسة عشر، وقيل: أحد وعشرون وقيل: أربعون (إذ قال له قومه) قال البيضاوي: كالكشاف منصوب بتنوء. قال في النهر: وهو ضعيف جداً لأن إيناء المفاتيح العصبة ليس مقيداً بوقت قول قومه له. وقال ابن عطية: متعلق يبغي. قال أبو حيان: وهذا ضعيف أيضاً؛ لأن الإِيناء لم يكن وقت ذلك القول. قال ابن عطية أيضاً: ويجوز أن يكون ظرفاً لمحذوف دل عليه الكلام. أي: بغى عليهم وقت قولهم له. قال في النهر: ويظهر لي أن يكون التقدير وأظهر التفاخر والفرح بما أوتي من الكنوز وقت قولهم له (لا تفرح) أي: فرحاً مطغياً وهو انهماك النفس والأشر والإِعجاب ونهي عنه، لأن الفرح بالدنيا مذموم لأنه ينتجه حبها والرضا بها والذهول عن ذهابها فإن العلم بمفارقة ما فيها من اللذات لا محالة يوجب النزع. قال الشاعر: تيقن عنه صاحبه انتقالا أشد الغم عندي في سرور وعلل النهي هنا بقوله: (إن الله لا يحب الفرحين) أي: بزخارف الدنيا. قال ابن عطية: لا يحب في هذا الموضع صفة فعل لأنه أمر قد وقع لا محالة فمحال أن يرجع إلى الإرادة وإنها هو، لا تظهر عليهم بركته ولا تعمهم رحمته (وابتغ)(٢) أي: اطلب (فيما آتاك الله)(٣) من المال (الدار الآخرة) (٤) بأن تصرفه في مرضاة الله تعالى. ﴿ولا تنس نصيبك من الدنيا﴾(١) أي: ما ينفعك منها في المآل، وما هو إلا الأعمال الصالحة فنصيب الإِنسان من الدنيا عمره وعمله الصالح فيه فلا ينبغي أن يهمله. وقيل: هو أخذ ما يكفيك منها. (١) كذا، والذي نعرفه ((أناء الحمل فلاناً وناء به أي أثقله وناء فلان بالحمل أي نبض مثقلاً وناء فلان أي أثقل بالبناء للمجهول)) فليتأمل. ع. (٢) سورة القصص، الآية: ٧٧ . (٣) سورة القصص، الآية: ٧٨. (٤) سورة القصص، الآية: ٧٨. ٦٦ كتاب: دليل الفالحين ﴿وأحسن﴾(١) فيما أنعم الله عليك ﴿كما أحسن الله إليك﴾(١) وقيل: أحسن بالشكر والطاعة كما أحسن إليك بالإِنعام ﴿ولا تبغ﴾(١) أي: تطلب ﴿الفساد في الأرض﴾(١) بأمر يكون علة للظلم والبغي، قيل كل من عصى الله فقد طلب الفساد في الأرض ﴿إن الله لا يحب المفسدين﴾(١) لسوء أفعالهم (قال) (٢) أي لما وعظه قومه وأخذته العزة بالإثم وأعجب بنفسه ﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾(١) أي: فضل وخير علمه الله عندي فرآني أهلا لهذا ففضلني بهذا المال عليكم كما فضلني بغيره. واختلف في هذا العلم، فقيل: علم التوراة وحفظها قالوا: وكانت هذه مغالطة منه، وقيل: العلم بالتجارة ووجوه تثمير المال فكأنه قال أوتيته بإدراكي وسعبي، وقيل: علم الكيمياء، وقيل مراده؛ إنما أوتيته على علم من الله. وتخصيص من لدنه قصدتي به أي: فلا يلزمني فيه شيء مما قلتم، وعلى هذا فقوله: عندي خبر مبتدأ أي: هذا عندي، كما تقول في معتقدي أو في رأيي. وعلى كلا الوجهين فقد نبه القرآن على خطئه في اعتزازه (أو لم يعلم)(٢) عطف على مقدر أي: عنده مثل ذلك العلم الذي ادعى ولم يعلم (إن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعاً)(١) فلا تدل كثرة المال على أن صاحبها يستحق رضا الله ليقي بعلمه بذلك نفسه مصارع الهالكين (ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون)(١) سؤال استعلام؛ فإنه تعالى مطلع عليه أو معاتبه؛ فإنهم يعذبون بها بغتة فلا ينافي الآيات التي فيها سؤال المجرمين لأنه سؤال توبيخ وتقريع وتبكيت (فخرج على قومه في زينته)(٢) قال ابن عطية: أكثر المفسرون في تحديد زينة قارون وتعيينها بمالا حجة له فاختصرته (قال الذين يريدون الحياة الدنيا)(٢) على ما هو عادة الناس من الرغبة فيها (يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون) (٢) تمنوا مثله لا عينه حذراً عن الحسد (إنه لذو حظ)(٢) أي: نصيب (عظيم (٢) من الدنيا (وقال الذين أوتوا العلم)(٣) أي: الأحبار لمن تمنى (ويلكم) (٣) دعاء بالهلاك استعمل للزجر عما لا يرضي (ثواب الله (٣) في الآخرة (خير)(٣) مما أوتي قارون (لمن آمن وعمل صالحاً ولا يلقاها)(٣) الضمير للكلمة التي تعلم بها العلماء أو للثواب، فإنه بمعنى المثوبة أو الجنة أو الإِيمان والعمل الصالح، فإنهما في معنى السيرة والطريقة. وجرى ابن عطية على أن الضمير عاد إلى غير مذكور لفظاً دل عليه المقام كهو في حتى توارب بالحجاب وكل من عليها، فإن (إلا الصابرون)(٣) أي: على الطاعات وعن الشهوات، وهذا جماع الخيرات كلها (فخسفنا به) (١) سورة القصص، الآيتان: ٧٧، ٧٨ (٢) سورة القصص، الآية: ٧٩. ٨٠ (٣) سورة القصص، الآية: ٦٧ ٧٢ - باب: في تحريم الكبر ٦١١ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَهِ، قَالَ: ((لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْر! فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَناً وَنَعْلُهُ حَسَنَةً؟ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ. أي: بقارون (وبداره الأرض) وذلك لدعاء موسى عليه وأمر الله الأرض بطاعة موسى فقال لها: يا أرض خذيهم فأخذته ومن معه. ففي الآيات شؤم البغي وسوء مصرع الكبر. قال الشاعر: والبغي مصرع مبتغيه وخيم . ٦١١ - (وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي ◌َّ قال: لا يدخل الجنة) أي: أبداً أن استحل ما يأتي مع علمه بتحريمه، والمراد من في قلبه كبر عن الإِيمان، وقيل لا يدخلها ذا كبر أي: لا يكون في قلبه شيء منه حال دخولها. قال تعالى: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل﴾(١) قال المصنف: وهذا كتأويل الخطابي فيهما بعد فإن الحديث ورد في سياق النهي عن الكبر الآتي معناه في الحديث، فلا ينبغي حمله على هذين المخرجين له عن المطلوب، بل الظاهر ما اختاره عياض وغيره من المحققين؛ أنه لا يدخلها دون مجازاة إن جازاه، وقيل هذا جزاؤه إن جازاه وقد تكرم بأنه لا يجازيه بل لا بد أن يدخل كل الموحدين الجنة إما أولاً وإما ثانياً بعد تعذيب أصحاب الكبائر الذين ماتوا مصرين عليها، وقيل: لا يدخلها مع المتقين أول وهلة (من في قلبه مثقال ذرة) أي: زنة نملة صغيرة أو جزء من أجزاء الهباء (من كبر) بكسر فسكون (فقال رجل) هو مالك بن مرارة بضم الميم، الرهاوي بفتح الراء فيما ذكره الحافظ عبدالغني بن سعيد المصري، وبضمها كما يؤخذ من كلام الجوهري في صحاحه. وكون القائل ما لكا قاله القاضي عياض وأشار إليه ابن عبدالبر وقد جمع ابن بشكوال الحافظ في اسمه أقوالاً من جهات فقال: هو أبو ريحانة واسمه شمعون ذكره ابن الأعرابي وشمعون قال المصنف: بالشين المعجمة وإهمال العين وإعجامها وقيل: ربيعة بن عامر ذكره علي بن المديني في الطبقات. وقيل: سواد بالتخفيف ابن عمرو ذكره ابن السكن. وقيل: معاذ بن جبل ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب الخمول والتواضع، وقيل: مرارة الرهاوي ذكره أبو عبيد في غريب الحديث. وقيل: عبد الله بن عمرو بن العاص ذكره عمر في جامعه . وقيل: حزيم بن فايك هذا ما ذكره ابن بشكوال ذكره المصنف في شرح مسلم (إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً قال إن الله جميل يحب الجمال) أي: فليس ذلك من (١) سورة الأعراف، الآية: ٤٣ ٦٨ 00 كتاب: دليل الفالحين الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (بَطَرُ الْحَقِّ) دَفْعُهُ وَرَدُّهُ عَلَى الكبر، أي: إذا لم يكن على وجه الفخر والخيلاء والمباهاة، بل على سبيل إظهار نعمة الله امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾(١) واختلف في معنى قوله: ((إن الله جميل)) فقيل: معناه كل أمره جميل فله الأسماء الحسنى والصفات العلا. وقيل: جميل بمعنى مجمل ككريم بمعنى مكرم. وقال القشيري: معناه جليل، وحكى الخطابي أنه بمعنى ذي النور والبهجة أي: مالكها. وقيل: معناه جميل الأفعال بكم والنظر إليكم يكلفكم اليسير ويغنيكم عن الكثير ويثيب الجزيل ويشكر عليه. واعلم أن هذا الاسم ورد في هذا الحديث الصحيح، ولكنه من أخبار الآحاد، وورد أيضاً في الأسماء الحسنى وفي إسناده مقال. والمختار جواز إطلاقه عليه تعالى، ومن العلماء من منعه. قال إمام الحرمين: ما ورد في الشرع إطلاقه في أسماء الله تعالى وصفاته أطلقناه وما منع الشرع من إطلاقه، منعناه وما لم يرد فيه إذن ولا منع لم نقض فيه بتحليل ولا تحريم؛ لأن الأحكام الشرعية تتلقى من موارد الشرع ولو قضينا بتحليل أو تحريم لكنا مثبتين حكماً بغير الشرع، قال: ثم لا يشترط في جواز الإطلاق ورود ما يقطع به في الشرع، ولكن ما يقتضي العمل وإن لم يوجب العلم فإنه كاف، إلا أن الأقيسة الشرعية من مقتضيات العمل ولا يجوز التمسك بها في تسمية الله تعالى ووصفه، هذا كلام إمام الحرمين، ومحله من الإتقان والتحقيق بالعلم مطلقاً وبهذا العلم خصوصاً معروف بالغاية العليا، وكذا قال القاضي عياض: الصواب جواز العمل في ذلك بخبر الآحاد لاشتماله على العمل أي: بأن يدعي بها ويثني على الله بها وذلك عمل لقوله: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾(٢) (الكبر بطر الحق) وعدم الانقياد له (وغمط الناس رواه مسلم) في كتاب الإِيمان من صحيحه، ورواه أبو داود في كتاب اللباس من سننه، والترمذي في البر والصلة من جامعه، والنسائي في السنة من سننه ومداره عندهم على الأعمش عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود اهـ. ملخصاً من الأطراف (بطر) بفتح الموحدة والطاء والراء المهملين (الحق دفعه) قال في النهاية: هو أن يجعل ما جعله الله حقاً من توحيده وعبادته باطلاً. وقيل: هو أن يتكبر عن الحق فلا يقبله اهـ. قلت: وعليه فالدفع على المعنى الأول عدم الإِذعان لذلك، وعلى المعنى الثاني عدم الانقياد. ومن الأول آية النساء ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ (٣) الآية، ومن الثاني آية النور في صفة المنافقين ﴿وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم (١) سورة الضحى، الآية: ١١. (٢) سورة الأعراف، الآية: ١٨٠. (٣) سورة النساء، الآية: ٦٥. ٦٩ ٧٢ - باب: في تحريم الكبر قَائِلِهِ. و((غَمْطُ النَّاسِ)) احْتِقَارُهُمْ(١). ٦١٢ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلً أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَه بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: ((كُلْ بِيَمِينِكَ)) قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: ((لَا اسْتَطَعْتَ)): مَا مَنَعَهُ إِلَّ الْكِبْرُ، قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ. معرضون﴾(٢) ((أقول)) إن جعلت أل في الحق للاستغراق، فالكبر لا يكون إلا من الكافر وهو لا يدخلها أبداً وإن أريد بالحق بعض أفراده، أي: ما عدا الإِيمان من أحكام الشرع كان الكبر موجوداً في الكافر والمؤمن؛ لأنه قد يمتنع من الانقياد له عصياناً ولا يخرجه ذلك عن إيمانه، ويؤيد إرادة الثاني قوله: (ورده على قائله) أي: كائناً من كان من كبير أو صغير، جليل أو حقير، وذلك الدفع والرد قد صدرا منه ترفعاً وتجبراً، أما لو لم يتضح له حقيقة أمر ولم ينقد له ورده على قائله لا تكبراً عن الحق ولا ترفعاً عليه بل لعدم ظهور أن ذلك من الحق عنده فلا يكون من الكبر وقد تقدم في التواضع أنه قبول الحق والإِذعان له من غير نظر لقائله فهذا ضده (وغمط الناس) بفتح الغين المعجمة وسكون الميم وبالطاء المهملة قال وبالظاء ذكره أبو داود في مصنفه، وذكره أبو عيسى الترمذي وغيره بالصاد المهملة وهما بمعنى واحد، وهو ما بينه المصنف بقوله: (احتقارهم) يقال: في الفعل منه غمطة يغمطه من باب ضرب وجاء من باب علم. ٦١٢ - (وعن سلمة) بفتح أوليه (ابن الأكوع رضي الله عنه أن رجلاً) تقدم تعيينه مع الكلام على الحديث وشرحه في باب المحافظة على السنة (أكل عند رسول الله وم لل بشماله) يحتمل أن يكون فعله لذلك ابتداء جهلاً بالسنة ثم لما عرفها كما قال: (فقال) يعني النبي ◌َّ: (له كل بيمنك) أي: كما هو الأدب المندوب المحبوب، أخذته نفسه فلم ينقد للحق واعتذر بما ليس كذلك في الواقع (فقال لا أستطيع) أي: الأكل بها أي: لعله بها تمنع من أعمالها (فقال: لا استطعت) ويحتمل أن يكون ذلك منه من أول الأمر عناداً واستكباراً فأصابه ما أصابه وقوله: (ما منعه إلا الكبر) جملة مستأنفة لبيان الذي اقتضى دعاءه ويسهر عند ذلك مع كمال رحمته ومزيد عفوه وصفحه أي: أنه لما علم أن المانع له عن الانقياد كبره عن الحق ودفعه له دعا عليه؛ ففيه الدعاء على من قصد الخروج عن الشريعة عمداً (قال) أي: سلمة (فما رفعها) أي: فما رفع المدعو عليه شماله (٣) (إلى فيه) إجابة لدعائه و له. وقدمنا ثمة أنه (١) أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: تحريم الكبر وبيانه، (الحديث: ١٤٩). (٢) سورة النور، الآية: ٤٨. (٣) قوله شماله لعل الصواب يمينه بدليل رواية الدارمي ((فما وصلت يمينه إلى فيه)). ع ٧٠ كتاب: دليل الفالحين رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١). ٦١٣ - وَعَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِهِ، يَقُولُ: ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلَّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(٢). وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ في بَابٍ ضَعَفَةِ الْمُسْلِمِينَ(٣). ٦١٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَ، قَالَ: ((احْتَجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ؛ فَقَالَتِ النَّارُ: فِيَّ الْجَبَّارونَ وَالْمُتَكَبِّرُونَ، وَقَالَتْ الْجَنَّةُ: فِيَّ ضُعَفَاءُ كان مؤمناً خلافاً لما قال القاضي عياض إنه كان من المنافقين (رواه مسلم) في باب الأطعمة من صحيحه . ٦١٣ - (وعن حارثة) بالحاء المهملة والمثلثة (ابن وهب) وهو الخزاعي أخو عبيد الله بن عمر بن الخطاب لأنه ذكره ابن الأثير في أسد الغابة وقال: روى عنه أبو إسحاق السبيعي، ومعبد بن خالد الجهني ثم أخرج عنه الحديث الذي فيه الكلام ولم يزد عليه في ترجمته (رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَ ليل يقول: ألا أخبركم بأهل النار) أي: بأغلبهم (كل عتل) بضم المهملة والفوقية وتشديد اللام أي: غليظ جاف (جواظ) بفتح الجيم وتشديد الواو وبالظاء المعجمة أي: جموع منوع، وقيل: المختال في مشيته (مستكبر) وفي التعبير بتاء الاستفعال إيماء إلى أن داء الكبر يطلبه لنفسه وليس هو له بل الذي له العبودية والتذلل، والكبرياء لله سبحانه (متفق عليه وتقدم شرحه) ومن خرجه (في باب ضعفة المسلمين) وكذا ذكر في الباب المذكور الحديث عقبه. ٦١٤ - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله وَ ليل قال: أحتجت الجنة والنار) قال المصنف: هو على ظاهره وإن الله تعالى جعل فيهما تمييزاً يدركان به فتحاجا، ولا يلزم من ذلك دوام التمييز لهما (فقالت: النار في الجبارون) قال الراغب في مفرداته: (١) أخرجه مسلم في كتاب: الأشربة، باب: أداب الطعام والشراب وأحكامها، (الحديث: ١٠٧). (٢) أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى ﴿عتل بعد ذلك زنيم﴾، (٤٠٨/١٠). وأخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلها الجبارون ... (الحديث: ٤٦). (٣) تقدم برقم (٢٥٢). ٧١ ٧٢ - باب: في تحريم الكبر النّاسِ وَمَسَاكِينُهُمْ. فَقَضَى اللَّهُ بَيْنَهُما: إِنَّكِ الْجَنَّةُ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَإِنَّكِ النَّارُ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَلِكِلَيْكُمَا عَلَيَّ مِلْؤْهَا)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١). الجبار في صفة الإِنسان يقال لمن تجبر بمعصية بإدعاء منزلة من التعالي لا يستحقها ولا يقال إلا على طريق الذم نحو ﴿وخاب كل جبار عنيد﴾ (٢) ويقال: للقاهر غيره جبار نحو ﴿وما أنت عليهم بجبار﴾ اهـ. ((قلت)) والأنسب هنا المعنى الأول بقرينة قرينه وهو (والمتكبرون) وأنه جاء عند أبي هريرة أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين كما سيأتي، ويحتمل المعنى الثاني ويراد يجبر غيره على الباطل فيكون مذموماً إذ الجبر على الحق لمن تمكن منه محمود. وفي التعبير بصيغة التفعيل إيماء إلى ما تقدم فيما قبله من تكلف المتكبر صفة المتكبر وادعائه ما ليس له (وقالت الجنة في ضعفاء الناس) جمع ضعيف وألفه ممدودة أي: الخاضعون لله سبحانه المذلون أنفسهم له (ومساكينهم) جمع تكسير لمسكين أي: ذوو حاجاتهم من فقير ومسكين. قال الشافعي رضي الله عنه: الفقير والمسكين إذا اجتمعا، أي: في الذكر افترقا أي: في المعنى، وإذا افترقا أي: بأن ذكر أحدهما فقط اجتمعا أي: في المعنى بأن يفسر المذكور بما يشملها (فقضي الله بينهما) أي: فصل بينهما قائلاً: (إنك) بكسر الهمزة والكاف (الجنة) يجوز رفعه كما رأيته مضبوطاً بالقلم في أصل مصحح من الرياض خبر أن ونصبه بدلاً من الضمير بطل كل. وقوله (رحمتي) خبر إن على الثاني، وعلى الأول خبر بعد خبر. ويكون ذلك الخبر الأول كالموطي للثاني نحو جاء كما في جاء زيد رجلاً راكباً من الحال الموطية وضابطها كل جامد موصوف بما يبين الهيئة به وظاهر أن ما ذكر يجيء في قوله وإنك النار إلخ وجملة (أرحم بك من أشاء) مستأنفة ببيان حكمة إنشائها وإيجارها، ويجوز كونها حالاً مما قبلها (وإنك النار عذابي أعذب بك من أشاء) وتقديم الأول على الثاني إيماءً إلى ما سبق الرحمة على العذاب والفضل على العقاب (ولكليكما على ملؤها) أي: ما يملؤها من الخلائق (رواه مسلم) في باب صفة الجنة والنار منفرداً به عن باقي السنة، لكن قضية صنيع المصنف أنه ساقه بهذا اللفظ عن أبي سعيد. والذي في مسلم أنه أورد الحديث عن أبي هريرة من طرق قال في أولها: ((تحاجت النار والجنة فقالت النار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين فقالت الجنة: ومالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وعجزهم فقال الله للجنة أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: أنت النار أعذب بك من أشاء (١) أخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلها الجبارون ... (الحديث ٣٦). : (٢) سورة إبراهيم، الآية: ١٥ ٧٢ كتاب: دليل الفالحين ٦١٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لِهِ، قَالَ: ((لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرَأ)» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). من عبادي ولكل واحدة منكما ملؤها فأما النار فلا تمتلىء فيضع قدمه عليها فتقول قط قط فهنالك تمتلىء ويزوى بعضها إلى بعض)) وفي باقيها عنه نحو هذا، وفي آخره قال الله للجنة: إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ولكل واحدة منكما ملؤها)) الحديث. وهو بهذا اللفظ عند البخاري بالطريق التي عند مسلم، ثم أورد مسلم الحديث عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَلّ احتجت الجنة والنار، وقال مسلم: فذكر أبو سعيد نحو حديث أبي هريرة إلى قوله ولكليكما عليّ ملؤها ولم يذكر ما بعده من الزيادة، انتهت عبارة مسلم. وبهذا يظهر أن ما ساقه المصنف من لفظ الحديث لم يسقه مسلم كذلك، وإنما أشار إلى أنه نحو حديث أبي هريرة، ولعل المصنف وقف عليه من طريق آخر أن هذا لفظه وأنه الذي أشار إليه الحافظ مسلم بقوله نحو حديث أبي هريرة والله أعلم. ٦١٥ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وسلم قال: لا ينظر الله يوم القيامة) أي: نظر رحمة (إلى من جر إزاره بطراً) بفتح أوليه الموحدة والطاء المهملة. قال الراغب: البطر دهش يعتري من سوء احتمال النعمة وقلة القيام بحقها وصرفها إلى غير وجهها، ويقارب البطر الطرب وهو خفة أكثر ما يعتري من الفرح، وقد يقال ذلك من البرح اهـ. بطراً منصوب على العلة أو الحالية بتقدير مضاف. أي: ذا بطر أو بتأويله بالوصف أي: بطراً، أو بإبقائه على ظاهره مبالغة في وصفه كأنه عينه (متفق عليه) أخرجاه في اللباس وعندهما عن ابن عمر ((أن رسول الله صل* قال: لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء، قال المصنف: والخيلاء بالمد والمخيلة، والبطر، والزهو والكبر، والتبختر كلها بمعنى واحد وهو حرام، وحديث ابن عمر يدل على أن الإِسبال يكون في الإِزار والقميص والعمامة وأنه لا يجوز فيحرم إرساله تحت الكعبين إذا كان على وجه الخيلاء والبطر وإلا فيكره، والمستحب فيما ينزل إليه طرف القميص والإِزار من الرجل نصف الساق. ففي حديث أبي سعيد مرفوعاً: ((إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين)) فما نزل عن الكعبين (١) أخرجه البخاري في كتاب: اللباس، باب: من جر إزاره من غير خيلاء وغيره، (٢١٩/١٠ و٢٢٠). وأخرجه مسلم في كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم جر الثوب خيلاء ... (الحديث: ٤٨). ٧٣ ٧٢ - باب: في تحريم الكبر ٦١٦ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: ((ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلُّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَ يُزَكِّيهِمْ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخُ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ فممنوع تحريماً إذا كان على سبيل الخيلاء، وتنزيهاً إن لم يكن كذلك، والأحاديث المطلقة بأن ما تحت الكعبين في النار محمولة على ما كان للخيلاء لأن المطلق يحمل على المقيد قاله المصنف في شرح مسلم، وحديث أبي هريرة قال السيوطي، في الجامع الكبير: خرجه البيهقي أيضاً في الشعب ولم أره تعرض فيه لحديث ابن عمر مرفوعاً ((لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء)) مع أنه عندهما وهذا من العجب والنسيان من طبع الإِنسان وبالله المستعان. ٦١٦ - (وعنه قال: قال رسول الله و لل ثلاثة) أي: أصناف ثلاثة، أو ثلاثة من الأصناف فللوصف ساغ الابتداء به (لا يكلمهم الله يوم القيامة) كناية عن الغضب، أو لا يكلمهم بما يسرهم. قال المصنف: وقيل المعنى لا يكلمهم تكليم أهل الخير بإظهار الرضا بل كلام أهل السخط (ولا يزكيهم) أي: لا يقبل أعمالهم فيثني عليهم، أو لا يطهرهم من الذنوب (ولا ينظر إليهم) أي: نظر رحمة (ولهم عذاب أليم) أي: مؤلم. قال الواحدي: هو الذي يخلص إلى قلوبهم وجعه، قال: والعذاب كل ما يعبي الإِنسان ويشق عليه، وهذا منه على أن أليم بمعنى مؤلم اسم فاعل، ويجوز أن يكون بمعنى المفعول فيكون فيه إيماء إلى شدة فظاعة العذاب؛ لأنه إذا تألم من نفسه فكيف بمن فيه، وقدم الخبر للاهتمام به تحذيراً عما يؤدي إلى الاندراج في شيء منه (شيخ) أي: من طعن في السن واستطال فيه وذلك من الخمسين فما فوق (زان وملك) بكسر اللام (كذاب وعائل مستكبر) قال القاضي عياض: سبب تخصيص هؤلاء بهذا الوعيد أن كلا منهم التزم المعضية المذكورة مع بعدها منه، وعدم ضرورته إليها وضعف دواعيها عنده وإن كان لا يعذر أحد بذنب لكن لما لم يكن إلى هذه المعاصي ضرورة مزعجة ولا دواعي معتادة أشبه أقدامهم عليها المعاندة والاستخفاف بحق الله تعالى وقصد معصيته لا لحاجة غيرها، فإن الشيخ لكلما عقله وتمام معرفته بطول ما مر عليه من الزمان، وضعف أسباب الجماع والشهوة للنساء واختلاف(١) دواعيه لذلك عنده ما يريحه من دواعي الحلال في هذا وتخلي سره منه، فكيف بالزاني الحرام وإنما دواعي ذلك الشباب والحرارة الغريزية وقلة المعرفة وغلبة الشهوة لضعف العقل وصغر السن، وكذلك الإِمام لا يخشى من أحد من رعيته ولا يحتاج إلى مداهنة ومصانعة فإن الإِنسان إنما يداهن ويصانع بالكذب من يحذره ويخشى أذاه أو معاتبته ويطلب عنده بذلك منزلة أو منفعة (١) (واختلاف) كذا، ولعله (وقلة). ع. ٧٤ كتاب: دليل الفالحين مُسْتَكْبِرٌ) رَوَاهُ مُسْلِم. ((الْعَائِلُ)): الفَقِيرُ(١). ٦١٧ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((الْعِزُّ إِزَارُهُ، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ، فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(٢). ٦١٨ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، قَالَ: ((بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي حُلَّةٍ فهو غني عن الكذب مطلقاً، وكذلك الفقير العائل قد عدم المال وإنما سبب الفخر والخيلاء والكبر الارتفاع عن القرناء بالثروة في الدنيا لكونه ظاهراً فيها وحاجات أهلها إليه فإذا لم يكن عنده أسبابها فلماذا يستكبر ويستحقر غيره فلم يبق فعله وفعل الشيخ الزاني والإِمام الكاذب إلا لضرب من الاستخفاف بحق الله تعالى اهـ. (رواه مسلم) في كتاب الإِيمان من صحيحه، ورواه النسائي في الرحم من سننه (العائل الفقير) من العيلة بفتح العين، وهو الفقر وجمع عائل عالة وهو في تقدير فعلة ككافر وكفرة قاله في المصباح. ٦١٧ - (وعنه قال: قال رسول الله و لل يقول الله عز وجل: العز إزاري والكبرياء ردائي) قال المظهري: الكبرياء غاية العظمة والترفع عن أن ينقاد لأحد أو إلى شيء بوجه من الوجوه، وهذا لا يكون إلا لله والإِزار والرداء متشابهان لأن الرداء ما يلبس به الرجل رأسه وكتفه وأسفل من ذلك، والإِزار ما يلبس به الرجل من وسطه إلى قدميه، والعز والكبرياء صفتان مختصان بي لا يشاركني فيهما غيري كما لا يشارك الرجل في ردائه وإزاره اللذين هما لباساه (فمن نازعني عذبته) يقال: نازعه إذا جذب وأخذ شيئاً من واحد وجذب ذلك الواحد من صاحبه ذلك ويقول كل منهما هذا ملكي وحقي أي: يقول تعالى: إن هذين حقي لا يستحق واحداً منهما غيري فمن ادعى العز أو الكبرياء فقد خاصمني ومن خاصمني صار كافراً عذبته (رواه مسلم) قال المزي في الأطراف: رواه في اللباس من صحيحه، ورواه أبو داود في الزهد، وابن ماجه في سننهما، ورواه البزار اهـ. ملخصاً وفي الأحاديث القدسية التي جمعها الحافظ العلائي بعد إيراد الحديث عن الأغر عن أبي هريرة كما أورده مسلم باللفظ المذكور ما لفظه متفق عليه من هذا الوجه. ٦١٨ - (وعنه أن رسول الله وسلم قال: بينما رجل) قال الدماميني في المصابيح، نقلاً عن (١) أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: بيان غلط تحريم اسبال ... (الحديث: ١٧٢). (٢) أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم الكبر، (الحديث: ١٣٦) ٧٥ ٧٢ - باب: في تحريم الكبر تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ، مُرَجِّلٌ رَأْسَهُ يَخْتَالُ فِي مِشْيَتِهِ إِذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الأَرْضِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ. ((مُرَجِّلٌ رَأْسَهُ)): أَيْ مُمَشُِّهُ. ((يَتَجَلْجَلُ) بِالجِيمِينِ: أَيْ يَغُوصُ وَيَنْزِلُ(١). ٦١٩ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَل: السهيلي في مبهمات القرآن: إنه الهيزن رجل من أعراب فارس وهم من الترك، وفى صحاح الجوهري: إنه قارون ١ هـ. وفي تفسير الخازن قال قتادة خسف به أي قارون فهو يتجلجل في الأرض كل يوم قامة رجل لا يبلغها أي إلى قعرها إلى يوم القيامة (يمشي في حلة) بضم المهملة ثوب له ظهارة وبطانة (تعجبه نفسه) جملة مستأنفة لبيان سبب الخسف به، أو حالية من ضمير يمشي، أو خبر بعد خبر (مرجل رأسه) بتشديد الجيم من الترجيل وهو تسريح الشعر (يختال) أي: يزهو ويتكبر (في مشيته) بكسر الميم (إذ خسف الله به) أشار ابن حجر الهيثمي في شرح حديث جبريل في الإِسلام والإِيمان والإِحسان أن إذ أفادت هنا مع كونها ظرف زمان المفاجأة. قال: وخالف في ذلك أبو حيان في بحره فقال: وهو ملازم للظرفية ولا يكون مفعولاً به ولا حرفاً للتعليل أو المفاجأة ولا ظرف مكان خلافاً لزاعمي ذلك اهـ. وقد بسطت الكلام في إذ في أول رسالتي في قوله تعالى: ﴿وإذاستسقى موسى لقومه﴾ (٢) (فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة) وإنما فعل به ذلك تدريجاً ليدوم عليه العذاب، فيكون أبلغ في نكايته وإهانته لكبره (متفق عليه) روياه في اللباس والذي في مسلم في روايته، قد أعجبته جمته وبرداه، وفي أخرى له: بينما رجل يتبختر يمشي في برديه قد أعجبته نفسه، وفي رواية له: بينما رجل يتبختر يمشي في بردين، وفي رواية: إن رجلا ممن كان قبلكم يتبختر في حلته ، ولم أر قوله يختال في مشيته عند البخاري في أبواب اللباس ولا عند مسلم والله أعلم (مرجل رأسه أي مشطه) كذا بصيغة الماضي والأنسب ممشطه بصيغة الوصف (يتجلجل بالجيمين يغوص وينزل) به إلى أسفل وروى بالخاء المعجمة واستبعده القاضي إلا أن يكون من قولهم خلخلت العظم إذا أخذت ما عليه من اللحم. قال: ورويناه في غير الصحيحين بحاء مهملة . ٦١٩ - (وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ﴿ لا يزال الرجل يذهب (١) أخرجه البخاري في كتاب: اللباس، باب: من جر ثوبه من الخيلاء، (٢٢١/١٠، ٢٢٢). وأخرجه مسلم في كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم التبختر في المشي ... (الحديث: ٥٠٤٩). (٢) سورة البقرة، الآية: ٦٠. ٧٦ كتاب: دليل الفالحين (لَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ حَتَّى يُكْتَبَ فِي الْجَبَّرِينَ فَيُصِيبَهُ مَا أَصَابَهُمْ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيْثٌ حَسَنٌ. ((يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ)): أَيْ يَرْتَفِعُ وَيَتَكَّرُ(١). ٧٣ - باب: في حُسْن الخلق قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (٢): ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. بنفسه) قال العاقولي: الباء فيه للتعدية، أي: يرفع نفسه ويعتقدها عظيمة مرتفعة المقدار على الناس، ويجوز أن تكون للمصاحبة أي: يرافقها ويوافقها على ما تريد من الاستعلاء ويعززها ويكرمها كما يكرم الخليل الخليل حتى تصير متكبرة. وفي الأساس ذهب به فر به مع نفسه ومن المجاز ذهب به الخيلاء اهـ. (حتى يكتب في الجبارين) أي: من جملتهمٍ ومندرجاً في غمارهم (فيصيبه ما أصابهم) أي: من العذاب وأتى به بلفظ ما الموصولة تفظيعاً في الوعيد (رواه الترمذي) في البر والصلة (وقال حديث حسن يذهب بنفسه أي: يرتفع ويتكبر) سكت عن الكلام على الباء وقد علمته. باب حسن الخلق بضم المعجمة واللام وقد تسكن تخفيفاً. وحسن الخلق ملكة للنفس يقتدر بها على صدور الأفعال الجميلة بسهولة. واختلف هل هو غريزي أو كسبي (قال الله تعالى وإنك لعلى خلق عظيم) ((سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلقه مثل فقالت: كان خلقه القرآن)) أي: آدابه وأوامره. وقال على الخلق العظيم آداب القرآن. وعبر ابن عباس عن الخلق بالدين والشرع وذلك لا محالة رأس الخلق ووكيده إما أن الظاهر من الآية أن الخلق الذي أثنى تعالى عليه به فهو كرم السجية وبراعة القريحة والملكة الجميلة وجودة الضرائب ومنه قوله وَ له: ((بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)). وقال الجنيد: سمي خلقه عظيماً إذ لم يكن همه سوى الحق سبحانه عاشر الخلق بخلقه وزايلهم بقلبه، فكان ظاهره مع الخلق وباطنه مع الحق، وفي وصية الحكماء: عليك بالخلق مع الخلق، وبالصدق مع الحق وحسن الخلق خير كله. وقيل: وصف خلقه بالعظم إشارة إلى أنه كان يؤدي كل مقام من رفق وغلظ حقه؛ فكان بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً وكان يغلظ على الكفار وينتقم لله سبحانه. (وقال تعالى (١) أخرجه الترمذي في كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في الكبر، (الحديث: ٢٠٠٠) (٢) سورة القلم، الآية: ٤ ٧٧ ٧٣ - باب: في حسن الخلق وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ الآيةَ. ٦٢٠ - وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ ﴾َّ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقَاً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(٢) ٦٢١ - وَعَنْهُ رَضِيّ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: مَا مَسِسْتُ دِيباجاً وَلاَ حَرِيْرَاً أَلْيَنُ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ . والكاظمين الغيظ) الكافين عن إمضائه مع القدرة عليه (والعافين) التاركين (عن الناس) عقوبة استحقوها قبلهم (والله يحب) أي: يثيب (المحسنين) إشارة إلى أن هؤلاء في مقام الإحسان. ٦٢٠ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صل# أحسن الناس خلقاً) كيف وقد قال له: ((أدبني ربي فأحسن تأديبي)) (متفق عليه) وعندهما من حديث البراء بن عازب كان النبي ◌َّ أحسن الناس وجهاً وأحسنهم خلقاً الحديث. ٦٢١ - (وعنه قال ما مسست) بكسر السين وجاء بفتحها من باب قتل، والمس الإِفضاء باليد بلا حائل هكذا قيدوه، كذا في المصباح (ديباجاً) بكسر الدال المهملة وسكون التحتية بعدها موحدة آخره جيم، وهو ثوب سداه ولحمته إبريسم. ويقال: هو معرب. واختلف في الياء؛ فقيل: زائدة ووزنه فيعال ولذا يجمع على ديابيج، وقيل: هي أصل والأصل دباج بالتضعيف فأبدل من أحد الضعفين حرف العلة، ولذا ترد في الجمع إلى الأصل فيقال: دبابيج بباء موحدة بعد الدال (ولا حريراً) هو الإِبريسم وهو هنا من باب الترقي لأنه أنعم من الديباج (ألين من كف رسول الله (*) لا ينافيه ما جاء في صفته والر أنه شئن الكف والقدمين بالمعجمة والمثلثة. وضبطه الحافظ السيوطي بالمثناة الفوقية بدل المثلثة، وفسره الأصمعي بالغلظ مع الخشونة فأورد عليه أنه جاء في صفته لا عند البخاري وغيره؛ أنه لين الكف فحلف أن لا يفسر شيئاً في الحديث إما أن ذلك تفسير لششنها لا في خصوص هذا الحديث، والمراد منه فيه ميلها إلى الغلظ من غير قصر ولا خشونة أي: غلظ العضو لا خشونة الجلد وهذا محمود في الرجال كما في النهاية لأنه أشد لقبضهم لا في النساء، وإما لأن المراد اللين بحسب أصل الخلق والخشونة لعارض عمل أو سفر والكف هي الراحة مع الأصابع سميت (١) سورة آل عمران، الآية: ١٣٤. (٢) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: الكنية للصبي (١٠ /٤٨٠) وأخرجه مسلم في كتاب: الآداب، باب: استحباب تحنيك المولود. . (الحديث: ٣٠). ٧٨ كتاب: دليل الفالحين وَلَ شَمِمْتُ رَائِحَةً قَطُّ أَظْيَبَ مِنْ رَائِحَةٍ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ِ، وَلَقَدْ خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ عَشَرَ سِنِينَ فَمَا قَالَ لِ قَطُّ أُفٍّ، وَلاَ قَالَ لِشَيْءٍ فَعَلْتُهُ لِمَ فَعَلْتَهُ؟ وَلَاَ لِشَيْءٍ لَمْ أَفْعَلْهُ أَلَا فَعَلْتَ كَذَا؟ مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ(١). ٦٢٢ - وَعَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: أَهْدَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ لَّهُ بذلك لأنها تكف الأذى عن البدن وهي مؤنثة. وقال ابن الأنباري: زعم من لا يوثق به أنها مذكرة ولا يعرف تذكيرها عمن يوثق بعلمه وأما كف مخضب فعلي معنى ساعد مخضب (ولا شممت) من باب تعب وشم يشم من باب قتل في لغة (رائحة قط) بفتح القاف وتشديد الطاء المهملة المضمومة أي: في زمن من الأزمنة الماضية (أطيب من رائحة رسول الله وَية) وهي له عرض لازم غير منفك ومن ذاته غير مستمد من شيء خارج (ولقد خدمت رسول الله والد عشر سنين) هي مدة توطنه وله المدينة بعد هجرته إليها جاء به أهله إليه وسلّ ليخدمه فأخدمه (فما قال قط أف) هو صوت دال على التضجر وهو مبني على الكسر والتنوين للتنكير ومن فتح فعلي التخفيف، وفيها لغات عديدة تقدمت الإِشارة إليها، وفي ذلك حفظ أنس من الأفعال المحظورة إذ لو وقعت منه لما سكت على شيء منها (ولا قال لشيء فعلته) جليلاً كان أو حقيراً كما يؤذن به تنكير شيء في سياق النفي (لم فعلته) سؤال عن سبب الفعل والباعث عليه (ولا لشيء لم أفعله إلا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام أداة عرض (فعلت كذا) وذلك منه ويقر كمال تسليم منه لمولاه سبحانه وشهود لما يصدر من أقداره في عالم الشهادة، وأن ما ترك ولم يظهر مما لم يرد الله عدم ظهوره لا سبيل لظهوره فلا فائدة لطلب حصول ما لم يحصل ولا للسؤال عن السبب الحامل، وفيه كمال حسن خلقه ◌َّلل فإن شأن المجاورة والمخالطة تقتضي السؤال عن ذلك ولكن حسن خلقه حمله على ألا يسأل عما وقع من خادمه (متفق عليه). ٦٢٢ - (وعن الصعب) بتشديد المهملة الأولى، وسكون الثانية آخره موحدة (ابن جثامة) بفتح الجيم وتشديد المثلثة، واسم جثامة يزيد بن قيس بن عبدالله بن يعمر بن عوف بن عامر بن ليث الليثي الحجازي توفي (رضي الله عنه) في خلافة الصديق رضي الله عنه كذا في التهذيب للمصنف، وفي المستخرج المليح لابن الجوزي روي له عن رسول الله ويليت (١) أخرجه البخاري في كتاب: فضائل النبي والر والأنبياء، باب: صفة النبي ◌َّ، (٤٢٠/٦ و٤٢١). وأخرجه مسلم في كتاب: الفضائل، باب: كان رسول الله مطر أحسن ... (الحديث: ٥١). وأخرجه مسلم في كتاب: الفضائل، باب: طيب رائحة النبي وه لتر ... (الحديث: ٨١). ٧٩ ٧٣ - باب: في حسن الخلق حِمَاراً وَحْشِيَاً فَرَدَّهُ عَلَيَّ. فَلَّمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِي، قَالَ: ((إِنَّا لَمْ نَرُدُّهُ عَلَيْكَ إِلَّ أَنَّا حُرُمٌ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١) ٦٢٣ - وَعَنِ النََّّاسِ بْنِ سَمْعَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ مَ عَنْ الْبِرِّ والإِثْمِ، فَقَالَ: ((الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالإِثْمُ مَا حَاَ فَي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ ستة عشر حديثاً أخرج له في الصحيحين حديثان متفق عليهما وأحدهما(٢) يجمع حديثين للبخاري أحد الحديثين وما سوى ذلك. متفق عليه (قال: أهديت إلى رسول الله وَلَ حماراً وحشياً) هو أحد ما روي في هديته، كما بينه الحافظ في أواخر الحج من الفتح (فرده علي) لأن المحرم لا يتعرض للصيد بوجه (فلما رأى ما في وجهي) من الأثر الناشىء فيه عن رد هديته فإن ذلك يكسر في نفس المهدي (قال: إنا لم نرده) بضم الدال على الأفصح اتباعاً لحركة الضمير. وقول القاضي: بوجوب الضم فيه حيئنذ رده المصنف في شرح مسلم، بأنه أفصح وإلا فيجوز فيه الكسر بضعف والفتح وهو أضعف منه وممن ذكره ثعلب في الفصيح، لكن غلطوه لكونه يوهم فصاحته ولم ينبه على ضعفه (عليك لا لأنا حرم) بضمتين أي: محرمون (متفق عليه) أخرجه البخاري في الحج وفي الهبة ولفظه في الهبة: ((فلما رأى في وجهي)) بإسقاط ما وأخرجه مسلم في الحج. ورواه الترمذي فيه وقال حسن صحيح ، والنسائي وابن ماجه في الحج من سننهما. ٦٢٣ - (وعن النواس) بفتح النون وتشديد المهملة آخره سين مهملة (ابن سمعان) بفتح السين وكسرها تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) مع الكلام على حديثه في باب الورع وترك الشبهات (قال: سألت رسول الله وَلقر عن البر) أي: الطاعة (والإِثم) أي: المعصية لأنها سببه (فقال البر) أي: معظمه (حسن الخلق) وذلك لأنه يقتدر به صاحبه على محاسن الأفعال، وترك رذائل الأعمال. وهذا وضع الشريعة (والإِثم ما حاك) بالمهملة أي: تردد (في نفسك) أن تفعله لداعية النفس لفعله، أو تتركه لكراهة النفس له لعدم وضوح جوازه شرعاً (وكرهت أن يطلع عليه الناس) أي: فيعيرونه بفعله فإن النفس بطبعهاتحب المدحة وتكره (١) أخرجه البخاري في كتاب: الحج، باب: إذا اهدي للمحرم حماراً وحشياً، والهبة، باب: هديه الصيد، (٢٦/٤ و٢٨). وأخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: تحريم الصيد للمحرم، (الحديث: ٥٠). (٢) قوله: وأحدهما إلخ كذا بالأصول. ع. ٨٠ كتاب: دليل الفالحين يَطَلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١). ٦٢٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ وَ فَاحِشَاً وَلاَ مُتَفَحِّشَاً، وَكَانَ يَقُولُ: ((إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلاَقَاً)) مُتَّفَقْ عَلَيْهِ(٢). ٦٢٥ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ وَهِ، قَالَ: ((مَا مِنْ شَيْءٍ أَنْقَلَ في مِيزانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ، وَإِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الفَاحِشَ الْبَذِيَّ)) المذمة (رواه مسلم) في البر والصلة. ٦٢٤ - (وعن عبدالله بن عمرو بن العاص) كذا فيما وقفت عليه بحذف الياء، وتقدم أن الأفصح إثباتها في مثله من كل منقوص حذفت لامه تخفيفاً (رضي الله عنهما قال: لم يكن رسول الله ◌َّ﴾ فاحشاً) أي: ليس ذا فحش في كلامه وأفعاله. والفحش: ما يشتد قبحه من الأقوال والأفعال (ولا متفحشاً) أي: متكلف ذلك ومعتمده (وكان يقول إن من خياركم) عند البخاري من أخيركم بإثبات الألف في رواية وبحذفها في رواية الأصيلي، والأولى هي الأصل إلا أنهم تركوه غالباً فيها وفي شر (أحسنكم أخلاقاً) وذلك لما تقدم من دعاء حسن الخلق إلى المحاسن، والانكفاف عن المساوي ومن كان كذلك فلا شك في كونه من الخيار والأخيار، وقيل: المراد منه هو رَّ لأنه الأحسن خلقاً فيكون عاماً مراداً به خاص، والأول لما فيه من التهييج على التخلق بذلك أنسب (متفق عليه) أخرجه البخاري في صفة النبي 18َّ وفي الأدب، وأخرجه مسلم في الفضائل، ورواه الترمذي في البر. وقال: حسن صحيح . ٦٢٥ - (وعن أبي الدرداء) تقدمت ترجمته وبيان اسمه (رضي الله عنه) في باب ملاطفة اليتيم (أن النبي ◌َ ﴿ قال: ما من) مزيدة لتأكيد العموم المستفاد من (شيء) لكونه نكرة في سياق النفي وهو اسم ما وخبرها (أثقل في موازين المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق) وهذا الحديث ظاهر في أن نفس العمل يوزن بأن يجسد، وتجسيد المعاني جائز كما جاء: يؤتى بالموت في صورة كبش الحديث. وقد اختلف في ذلك على أقوال: ثانيها أن الموزون (١) أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تفسير والبروالإِثم، (الحديث: ١٤) (٢) أخرجه البخاري في كتاب: المناقب، باب: صفة النبي تمطي (٣٧٨/١٠) وأخرجه مسلم في كتاب: الفضائل، باب: كثرة حيائه مشهور، (الحديث: ٦٨).