النص المفهرس

صفحات 41-60

٤٠
٦٩ - باب: في استحباب العزلة
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (١): ﴿فَفِرُّواْ إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.
٥٩٦ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ:
(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ الَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. الْمُرَادُ ((بِالْغِنَى)): غِنَى
النَّفْسِ، كَمَا
(قال الله تعالى ففروا إلى الله) أي: من جميع ما عداه، وهو أمر بالدخول في الإِيمان بالله
وطاعته، وجعل الأمر بذلك بلفظ الفرار تنبيهاً على أن وراء الناس عقاباً وعذاباً وأمراً حقه أن
يفر منه، فجمعت لفظة ففروا التحذير والاستدعاء، وينظر إلى هذا المعنى قوله وعملير: ((لا
ملجأ ولا منجى منك إلا إليك)) الحديث. قال الحسين بن الفضل: من فر إلى غيرِ الله لم
يمتنع من الله (إني لكم منه نذير مبين) بما يجب أن ينذر ويحذر أو يبين كونه منذراً من الله
بالمعجزات .
٥٩٦ - (وعن سعد بن أبي وقاص) واسمه مالك، وسعد أحد العشرة المبشرة بالجنة تقدمت
ترجمته (رضي الله عنه قال: سمعت النبي وَ لّ يقول: إن الله يحب) المراد من المحبة،
لاستحالة قيام حقيقتها من الميل النفساني به تعالى، غايتها مجازاً مرسلاً من إطلاق اللازم
وإرادة الملزوم من التوفيق للطاعة، أو الإِنابة بأحسن الفضل، أو الثناء عليه عند ملائكته، أو
يكون صفة فعل، أو إرادة ذلك فتكون صفة ذات (العبد) أي: المكلف ولو حراً. وهو أسنى
أوصاف الإِنسان (النقي) الممتثل للأوامر والمجتنب للنواهي (الغني) الغني المحمود شرعاً
الآتي بيانه في الأصل (الخفي) بالخاء المعجمة. هذا هو الموجود في النسخ والمعروف في
الروايات. وذكر القاضي عياض: أن بعض رواة مسلم رواها بإهمال الحاء، ومعناه
بالإِعجام، الخامل المنقطع إلى العبادة والاشتغال بها بأمور نفسه التي تعنيه ديناً ودنيا. وقال
آخرون: هو الذي يعتزل الناس ويخفي عنهم مكانه، وبالإهمال الوصول للرحم اللطيف بهم
وبغيرهم من الضعفاء، والصحيح المعجمة ففيه دليل تفضيل الاعتزال على الخلطة إما مطلقاً
كما قيل به، أو عند خوف فتنة في الدين كما جرى عليه المصنف وترجم به تبعاً للكثير (رواه
مسلم) وأحمد كما في الجامع الصغير (المراد بالغني) بفتح المعجمة أي: المراد من الغني
المذكور في الحديث (غني النفس) كذلك. ويصح أن يقرأ بكسر المعجمة وبالقصر فيهما،
وحينئذ فيكون المعنى: المراد بالغني المشتق منه الغني في الحديث، ويؤيد هذا قوله: (كما
(١) سورة الذاريات، الآية : .

٤٢
كتاب: دليل الفالحين
سَبَقَ في الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ (١)(٢).
٥٩٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: أَيُّ النَّاسِ
أَفْضَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ))، قَالَ: ثُمَّ
مَنْ؟ قَالَ: (ثُمَّ رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ رَبَّهُ)). وَفِي رِوَايَةٍ: ((يَتَّقي
سبق في الحديث الصحيح) أي: من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وَّ: ((ليس الغني عن
كثرة العرض ولكن الغني غني النفس)) ويؤيد الأول سلامته من التكلف والتقدير الذي في
الثاني .
٥٩٧ - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رجل) قال الحافظ: لم أقف على
اسمه، ويبعد تفسيره بما جاء في حديث أن أبا ذر سأل عن ذلك؛ أنه جاء عند البخاري في
كتاب الرقاق: جاء أعرابي وأبو ذر لا يحسن أن يقال فيه إنه أعرابي (أي الناس أفضل) وعند
البخاري في رواية أي الناس خير، وفيه روايات أخر وقوله: (يا رسول الله) تلذذ بذكره
واستعذاب لمخاطبته. قال الشاعر:
هو المسك ما كررته يتضوع
أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره
وفي النداء به الإِيماء إلى سبب توجيه السؤال إليه عن ذلك، وأن مثل هذا لا يعلم إلا
من حضرة الحق سبحانه فيطلب معرفته من أمينه على وحيه مل (قال) أتى به على طريق
الاستئناف، لأن المراد الإخبار عن حصول جواب السؤال مع قطع النظر عن كونه عقبة كما
هو مدلول الفاء، أو بعده كما هو مدلول ثم، أو غير ذلك. وقوله: (مؤمن يجاهد بنفسه وماله
في سبيل الله) خبر مبتدأ محذوف التقدير هو أي: الأفضل مؤمن. وقوله: في سبيل الله هو
لسان الشرع عبارة عن جهاد الكفار وإعزاز الدين، أي: يقاتل بنفسه ويحمل ويعين بما له في
ذلك، وقد يراد منه مطلق طاعة الله سبحانه (قال ثم من) أي: بعده في ذلك (قال: ثم) أتى
بها في الجواب مع وجودها؛ للتنصيص على نزول مرتبة مدخولها عمن قبله، أي: ثم بعده
(رجل) وعند مسلم مؤمن (معتزل في شعب من الشعاب) فرجل مبتدأ محذوف الخبر عكس
ما قبله. والشعب بكسر الشين المعجمة، هو الطريق في الجبل وما انفرج بين الجبلين
ومسيل الماء وقوله: (يعبد ربه) زاد مسلم في رواية له ((يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة حتى يأتيه
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الزهد والرقائق، باب :... (الحديث: ١١)
(٢) تقدم برقم: (٥٢٢).

٤٣
٦٩ - باب: في استحباب العزلة
اللَّهَ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ(١)
٥٩٨ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالٍ
الْمُسْلِمِ غَنَمْ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ ،
اليقين ليس من الناس إلا في خير)) والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لبيان الحامل له على
الاعتزال، فإن في الاجتماع بالناس الشغل عن ذلك، وفي الخلوة الجلوة، ويجوز إعرابها
خبراً بعد خبر، ولا ينافي هذا الحديث حديث: ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه)). وحديث:
((خيركم من طال عمره وحسن عمله)) ونحوهما؛ لأن هذا الاختلاف بحسب الأوقات والأقوام
والأحوال، وفي الحديث فضل العزلة به. قال الحافظ: والذي يظهر أنه محمول على ما بعد
عصر النبي ◌َّر. (وفي رواية) هي للبخاري في الجهاد من صحيحه إلا إنه قال: ثم مؤمن
في شعب من الشعاب (يتقي الله) أي: لمراقبته مولاه وعلمه بأنه رقيب عليه محيط به (ويدع
الناس) أي: يتركهم (من شره) باعتزاله عنهم وانفراده، فلا يصل إليهم شره، ثم جملة يتقي
ربه عندهما آخر الحديث الذي أورده المصنف، وكأنه غفل رحمه الله عن ذلك فاحتاج لعزوه
إلى رواية أخرى (متفق عليه) فأخرجه البخاري في الجهاد وفي الرقاق، وأخرجه مسلم في
الجهاد، ورواه أبو داود، والترمذي، والنسائي في الجهاد، ورواه ابن ماجه في الفتن. وقال
الترمذي حسن صحيح .
٥٩٨ - (وعنه قال: قال رسول الله ﴿ يوشك) بضم التحتية وكسر الشين المعجمة. قال في
الصحاح: والعامة تفتح الشين وهي لغة رديئة. أي يقرب (أن يكون خير مال المسلم غنم
يتبع بها شعف الجبال) قال ابن مالك: في الحديث شاهد على إسناد أوشك إلى أن
ومنصوبها، وغنم نكرة موصوفة اسم يكون، والخبر قوله خير. والمراد بالمسلم: الجنس،
وقدم الخبر للاهتمام بالاعتزال لأن الكلام مسوق فيه لا في الغنم، ولذا أخرها. قال في
الفتح: ويجوز العكس بأن يكون خير اسمها مال الخبر(٢)، والأشهر غنم الرفع. وقيل:
يجوز رفع الجزأين على الابتداء، والخبروالجملة في موضع نصب خبر يكون، واسمها
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: أفضل الناس مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله،
(٢٨٤/١١).
وأخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: فضل الجهاد والرباط، (الحديث: ١٢٢، ١٢٣).
(٢) قوله: ((مال الخبر)) تحريف ولعل الصواب ((وغنما بالنصب الخبر)) وهي رواية الأصيلي كما في الفتح
ع

٤٤
كتاب: دليل الفالحين
وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَ((شَعَفَ الْجِبَالِ)): أَعْلَهَا (١).
٥٩٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَهِ قَالَ: ((مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبيَّا إِلَّ
رَعَى الْغَنَمَ))، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ قَالَ: (نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَراريطَ لِأَهْلِ
ضمير شأن لأنه كلام يتضمن تحذيراً وتعظيماً وتقديم ضمير الشأن مؤكد لمعناه. قال
الحافظ: ولا يخفى تكلفه (٢) (ومواقع القطر) أي: الغيث، ومواقعه هي مواضع الكلأ
(والغيث)(٣) لأن المطر إذا أصاب الأرض أعشبت (يفر بدينه من الفتن) قال الكرماني : جملة
حالية من الضمير المستكن في يتبع أن المسلم إذا جوزنا الحال من المضاف إليه فقد وجد
شرطه وهي شدة الملابسة فكأنه جزؤه، ويجوز أن تكون استئنافية وهو واضح اهـ. (رواه
البخاري) في الإِيمان وفي الجزية والفتن، ورواه أبو داود في الفتن، ورواه النسائي في
الإِيمان، وابن ماجه في الفتن (وشعف الجبال) بفتح الشين المعجمة والمهملة، بعدها فاء
جمع شعفة كأكم وأكمة، وجمعها شعاف (أعلاها) قال الحافظ: والماء والمرعى يكون فيها
ولاسيما في بلاد الحجاز، والخبر دال على فضيلة العزلة لمن خاف على دينه.
٥٩٩ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (وَّر قال: ما بعث الله نبياً) يحتمل أن يكون
المراد من النبي مطلق من أوحى إليه بشرع سواء أمر بتبليغه أولاً، فيفسر البعث بالإِيحاء
ويحتمل أن المراد منه الرسول من إطلاق العام مراداً به الخاص وقربنته قوله بعث أي: أرسل
(إلا رعى) وفي نسخة من البخاري راعي بصيغة اسم الفاعل (الغنم) وذلك ليتمرنوا برعيها
على ما سيكلفون من القيام بأمر الأمة، ولأن في مخالطتها يحصل الحلم والشفقة، لأنهم إذا
صبروا على رعيها وجمعها بعد تفريقها في المرعى ونقلها من مسرح إلى آخر، ودفع عدوها
من سبع وغيره كالسارق، وعلموا اختلاف طباعها وشدة تفرقها مع ضعفها واحتياجها إلى
المعاهدة ألفوا من ذلك الصبر على الأمة، وعرفوا اختلاف طباعها وتفاوت عقولها فجبروا
كسرها ورفقوا بضعفائها وأحسنوا التعاهد لها، فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل مما لو
كلّفوا القيام بذلك من أول وهلة لما يحصل لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم.
وخصت الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها فهي أسرع انقياداً من غيرها (فقال أصحابه
وأنت) بحذف همزة الاستفهام أي: وأنت أيضاً رعيتها (فقال: نعم) ذكره لذلك بعد علم
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: من الدين الفرار من الفتن وغيرهما، (٦٥/١، ٦٦).
(٢) وقال الحافظ أيضاً إنه لم يجيء به الرواية . ع.
(٣) قوله (والغيث) لعله من زيادة النساخ. ع.

٤٥
٦٩ - باب: في استحباب العزلة
مَكَّةَ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١).
٦٠٠ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَهِ قَالَ: ((مِنْ خَيْرِ مَعَاشٍ
النَّاسِ رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَطِيرُ عَلَى مَنْنِهِ، كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً
أَوْ فَزْعَةً طَارَ عَلَيْهِ يَبْتَغِي الْقَبْلَ أَوِ الْمَوْتَ مَظَانَّهُ، أَوْ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ فِي رَأْسٍ شَعَفَةٍ
كونه أكرم خلق الله على الله من عظيم تواضعه لربه، وفيه اعتراف بمنة الله سبحانه، وفيه
التحريض للأمة على سلوك ذلك (كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة) قيل المراد بالقيراط
هنا جزء من الدينار والدرهم. وقال إبراهيم الحري: قراريط اسم مرعى بمكة، ولم يرد
القراريط من الفضة وصوبه ابن الجوزي تبعاً لابن ناصر، وخطأ الأول، لكن رجح الأول
آخرون بأنه لا يعرف أهل مكة بها محلًا يقال له القراريط (رواه البخاري) في الإِجارة من
صحيحه، ورواه ابن ماجه في الإِجارة من سننه.
٦٠٠ - (وعنه عن رسول الله وَل﴿ قال من خير معاش) والمراد أي: عيش به الحياة (الناس
لهم) قال المصنف: أي: من خير أحوال عيشهم (رجل) هو على تقدير مضاف أي: معاش
رجل فحذف وأقيم المضاف إليه مقامه فارتفع (ممسك عنان) بكسر المهلمة، وبالنونين
الخفيفتين (فرسه في سبيل الله) حال من رجل لتخصيصه بالوصف أو وصف له، والمراد به
جهاد الكفار. وقوله: (يطير على متنه) يجوز فيه الوجهان (كلما) ظرف لقوله طار أي: في
وقتٍ (سمع هيعة) بفتح الهاء والعين المهملة، وسكون التحتية بينهما (أو) يحتمل أن تكون
شكاً من الراوي، ويقربه قول المصنف الآتي، والفزعة نحوه ويحتمل أنها لتنويع بناءً على ما
سيأتي ثمة من الفرق بينهما (فزعة) بفتح الفاء والمهملة، وسكون الزاي بينهما (طار عليه)
أي: على فرسه، وهو كما في المصباح: يطلق على الذكر والأنثى من الخيل (يبتغي القتل)
أي: من الكفار له (أو الموت أي حتف أنفه (مظانة) أي: فيما يظن وجوده فيه، أي يطلب
ذلك في مواطنه التي يرجى فيها لشدة رغبته في الشهادة، وفيه فضيلة الموت في سبيل الله
وإن لم يقتله العدو، وجملة يبتغي إلخ مستأنفة أتي بها لبيان سبب ملازمته عنان فرسه أي:
الحامل له على ذلك مزيد رغبته في الشهادة، وأعلاه كلمة الله سبحانه (أو) للتنويع،
ويحتمل كونها بمعنى الواو فإن كلا منهما عيشة محمود آخره (رجل في غنيمة) بضم الغين
المعجمة، وفتح النون، وسكون التحتية، والتصغير للتقليل إيماءً إلى الإِعراض عن
الاستئثار من الدنيا، والاقتصار على ما تدعو إليه الحاجة (في رأس شعفة من هذه الشعف).
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الإِجارة، باب: من رعى الغنم على قراريط (٣٦٣/٤).

٤٦
كتاب: دليل الفالحين
مِنْ هَذِهِ الشَّعَفِ، أَوْ بَطْنِ وَادٍ مِنْ هَذِهِ الْأَوْدِيَةِ يُقِيمُ الصَّلاةَ، ويؤتي الزَّكَاةَ، وَيَعْبُدُ
رَبَّهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْيَقِينُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ إلَّ فِي خَيْرِ)). رَوَاهُ مُسْلِمُ. ((يَطِيرُ)) أَيْ يُسْرِعُ.
و ((مُتْنُهُ»: ظَهْرُهُ. و((الْهَيْعَةُ)): الصَّوْتُ لِلْحَرْبِ. و((الْفَزْعَةُ)): نَحْوُهُ. و((مَظَانٌ
الشَّيْءٍ)): المَواضِحُ الَّتِي يُظَنُّ وُجُودُهُ فِيهَا. و(الْغُنَيْمَةُ) بِضم الغَيْنِ: تَصْغِيرُ الْغَنَمِ.
الظرف الأول في محل الصفة لغنيمة، والثاني صفة لشعفة أي في أعلى جبل من هذه
العوالي (أو) للتنويع (بطن وادٍ من هذه الأودية) جمع قلة لواد والوادي كل منفرج بين جبال
وإكام يكون منفذاً للسيل، وذلك لأن صاحب الغنيمة تابع للكلأ سواء كان في الأعلى أو في
الأسفل. وقوله: (يقيم الصلاة) جملة حالية من رجل لتخصيصه بالوصف، أو مستأنفة جيء
بها لبيان ما لأجله كان من ذوي المعاش النسبي (١) ومعنى يقيم الصلاة أي يؤديها جامعة
لأركانها وشرائطها وآدابها (ويؤتي الزكاة) أي: المفروضة (ويعبد ربه) بأنواع الطاعات (حتى
يأتيه اليقين أي: الموت المتيقن لحاقه (ليس من الناس) أي: من أمورهم وأحوالهم (في
شيء) من الأشياء (إلا في خير) فهو استثناء من أعم الأشياء كما قدرناه؛ لاعتزالهم عنه
ومجانبته لهم، والجملة في محل الحال من فاعل يقيم فيكون حالاً متداخلة، أو من رجل
لتخصيصه بالوصف فيكون حالاً مترادفة، إن أعربت الجملة السابقة حالاً (رواه مسلم)
وجعله المزي في الأطراف، والحديث الذي نقله المصنف في أول الباب وقال إنه متفق عليه
واحداً، أي: باعتبار المعنى وإن تفاوت في بعض المبنى (يطير) بفتح أوله (أي: يسرع)
وأراد به، مع بيان معنى طار المذكور في الحديث، التنبيه على أنه من باب ضرب (ومتنه)
بفتح الميم، وسكون الفوقية بعدها نون (ظهره) مأخوذ من متن الأرض، وهو ما صلب وارتفع
منها (والهيعة) بضبطه السابق (الصوت للحرب) في شرح مسلم للمصنف: الصوت عند
حضور العدو. وفي النهاية: الهيعة الصوت الذي يفزع منه ويخافه عدو، وبهما يعلم أن ما
فسره به المصنف مراده بيان المراد في خصوص الحديث بدليل السياق لا تفسير مطلق الهيعة
لأنه أعم مما ذكراه (والفزعة) بالضبط السابق (نحوه) هذا محتمل للتوافق كما جرت به عادة
المحدثين من استعمالهم فيما يكون معناه موافقاً لمعنى ما قبله؛ فإن توافقا لفظاً ومعنىِّ قالوا
فيه: ((مثله))، وهو ما يثبت عليه كون أو في الحديث للشك ومحتمل؛ لأن يراد به القريب
فيكون غير ما قبله وهذا أقرب، ففي شرح مسلم للمصنف: الفزعة النهوض إلى العدو وإنما
كان حينئذ قريباً مما قبله لأنه إنما يكون عند الصوت (ومظان الشيء) بفتح الميم، والظاء
(١) كذا. ع
٨

٤٧
٧٠ - باب: في فضل الاختلاط بالناس
و((الشَّعَفَةُ)) بِفَتْحِ الشَينِ والعينِ وهِيَ: أَعْلَى الْجَبَلِ (١)
٧٠ - باب: في فضل الاختلاط بالناس وحضور جمعهم وجماعاتهم
ومشاهد الخير ومجالس العلم ومجالس الذكر معهم،
وعيادة مريضهم وحضور جنائزهم ومواساة محتاجهم
وإرشاد جاهلهم، وغير ذلك من مصالحهم لمن قدر على
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقمع نفسه
عن الإيذاء وصبر على الأذى
المعجمة. جمع مظنة بفتح الميم وكسر الظاء كما في المصباح (المواضع التي يظن وجوده
فيها) أي: ظناً قوياً يقرب أن يلحق بالعلم. ففي المصباح: المظنة بالكسر العلم وهو حيث
يعلم الشيء. قال النابغة: فإن مظنة الجهل الشباب. وقال ابن فارس: مظنة الشيء موضعه
ومألفه اهـ. (والغنيمة بضم الغين) المعجمة. وسكت عن باقي ضبطه الذي ذكرناه لدلالة
ما ذكره عليه عند العارف بصيغ التصغير (تصغير الغنم) بفتح أوليه. قال في المصباح:
وتدخله الهاء إذا صغر فيقال غنيمة لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت
الغير الآدميين وصغرت فالتأنيث لازم لها (والشعفة بفتح الشين) أي: المعجمة (والعين)
أي: المهملة وكان الظاهر ذكر هذا الضبط عند ذكر الشعف أولاً، وإحالة ما هنا عليه ولعل
المصنف تركه ثمة نسياناً وذكر هنا استدراكاً (وهي أعلى الجبل) والله أعلم
باب فضل الاختلاط بالناس
فضل الاختلاط بالناس أي: عند السلامة مما ذكر في الباب قبله، والناس اسم جنس
محلى بأل فهو من صيغ العموم فيحتمل بقاؤه على عمومه، ويكون الشرط مقدراً في الكلام
بدليل السباق - بالموحدة - ويحتمل أن يراد به الخصوص أي الذين ينبغي الاختلاط بهم
(وحضور جمعهم) بضم ففتح جمع جمعه بضم فسكون أو فتح (وجماعاتهم) جمع جماعة
أي: في الصلوات المكتوبات (ومشاهد الخير) من الأعياد (ومجالس العلم) والتذكير بالله
تعالى (ومجالس الذكر معهم) الظرف متعلق بحضور أي: حضوره ما ذكر مع المسلمين وفي
جملتهم ليندرج معهم في ثوابهم، ولتعود بركة الفالح على غيره (وعيادة مريضهم) وسيأتي
أنها مندوبة (وحضور جنائزهم) وهي مندوبة إن حصل فرض الكفاية من نقله إلى المقبرة
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: فضل الجهاد والرباط، (الحديث: ١٢٥).

٤٨
كتاب: دليل الفالحين
اعْلَمَ أَنَّ الْخِتِلاطَ بِالنَّاسِ عَلى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ هُوَ الْمُخْتَارُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ
رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ وَسَائِرُ الْأَنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ الْخُلَفاءُ الرَّاشِدونَ
ومَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الصَّحَابةِ والتَّابِعِينَ ومَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ عُلَماءِ المُسْلِمِينَ وَأَخْيَارِهِمْ،
بسواه لسقوط الطلب عنه حينئذ. وهل يثاب عليه ثواب الفرض كما يثاب المصلي على
جنازة صلى عليها قبل أو يفرق؟ كل محتمل. والله أعلم. (ومواساة محتاجهم) وتقدم أنها
فرض كفاية على مياسير المسلمين (وإرشاد جاهلهم) وهو فرض كفاية بذلاً للنصيحة الواجبة
لعامة المسلمين بعضهم على بعض (وغير ذلك من مصالحهم) التي يتمكن منها بالاجتماع
بالناس (لمن قدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقمع نفسه عن الإيذاء وصبر
على الأذى) اللام تنازعها المصادر المذكورة فكل يطلبها معمولة له، والأولى جعله معمولاً
للأخير كما هو مذهب البصريين، وحذف معمول العوامل السوابق عليه لأنه فضلة وحذفه في
مثل ما ذكر جائز بل واجب، ولو أعربته معمول الأول لوجب إضمار مثله في كل من
المذكورات بعده، خلافاً لمن أجاز الحذف في ذلك كما أشار إليه ابن هشام في توضيحه،
ويؤخذ من هذا أن من لم يقدر على ما ذكر فيه فالاعتزال أفضل له لما تقدم فيه فإن أشكل
الأمر عليه قال المصنف: فالعزلة أولى (إعلم) أيها الصالح للخطاب (أن الاختلاط بالناس
على الوجه الذي ذكرته) أي: من شهود خيرهم دون شرهم، وسلامتهم من شره (هو المختار
الذي كان عليه رسول الله (19) إذ كان يجمع الناس ويقيم لهم أعمالهم ويبيّن لهم أحوالهم
(وسائر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم) أي: وباقي الأنبياء، فيكون من عطف المغاير أو
وجميع الأنبياء بناء على أن سائر يجيء بمعنى الجميع، وهو ما ذكره الجوهري ووافقه عليه
الجواليقي أول شرح آداب الكتاب واستشهد له. قال المصنف: وإذا اتفق هذان الإِمامان
على نقل ذلك فهو لغة. وحينئذ فيكون من عطف العام على الخاص، وذكر ذلك بعد ما قبله
إيماءً إلى أن هذا سنن قديم ونهج مستقيم، وسيأتي دليل استحباب الصلاة والتسليم على
سائر الأنبياء في كتاب الصلاة على النبي # (وكذلك) أي: وكالمذكور من الأنبياء (الخلفاء
الراشدون) هم الأربعة الذين تمت بهم مدة الخلافة المشار إليها في حديث: ((الخلافة
بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً عضوضاً)) (ومن بعدهم من الصحابة) أفرد الخلفاء بالذكر
لمزيد فضلهم وكمال علمهم، ولمزيد ملازمتهم المصطفى 18 وباقي الصحابة رضي الله
عنهم لا يساوونهم في ذلك. والصحابة بفتح الصاد وبالحاء المهملة قال في المصباح: جمع
صاحب وكذا يجمع على صحب وأصحاب اهـ. والذي عليه سيبويه أن صحباً اسم جمع لا
جمع، وما جرى عليه في المصباح هو قول الأخفش. والمراد من الصاحب هنا الصحابي؛

٤٩
٧٠ - باب: في فضل الاختلاط بالناس
وهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ التَّابِعِينَ ومَنْ بَعْدَهُمْ وبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وأكْثَرُ الْفُقَّهَاءِ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
وهو من اجتمع مؤمناً بنبينا وَّ حال حياته ولو لحظة ومات على الإِيمان (والتابعين) جمع
تابعي وهو من اجتمع بالصحابي. وهل يكتفي بأدنى مدة كما في الصحابي أولا ويفرق،
والراجح الثاني كما تقرر في كتب أصول الفقه (ومن بعدهم من علماء المسلمين وأخيارهم)
جمع خير بالتشديد أو بالتخفيف مشدداً(١) منه، كأموات جمع ميت مخفف ميت، كأقوال(٢)
جمع قول كما قاله السمين دفعاً لما قيل من أن قياس جمع ميت ميائت كسيد وسيائد، لكن
تعقبه شيخنا؛ بأنه على ما ذكره لا يستقيم له مراده لأن أفعالاً إنما تنقاس جمعيته لما كان
ثلاثياً وإذا كان ميت مخفف ميت فهو رباعي لا محالة فيكون جمعه على أموات كجمع ميت
عليه على خلاف القياس (وهو مذهب أكثر التابعين ومن بعدهم) أي: من أتباع التابعين
المشهود لقرونهم الثلاثة بالخيرية، وذكر هذا ثانياً لبيان أنه مذهب اقتضاه الدليل وأولاً لبيان
أنه عمهم، وفيه إيماءً إلى أن بعض التابعين ومن بعدهم كان يرى الإنفراد أفضل ولكنه يعمل
بخلافه لحكم الوقت عليه بذلك (وبه قال الشافعي وأحمد وأكثر الفقهاء) أي: من أئمة
المذاهب الذين هم الأسوة وفيهم القدوة (رضي الله عنهم أجمعين) وقال الحافظ في فتح
الباري بعد نقل اختيار المصنف المذكور. وقال: غيره يختلف باختلاف الأشخاص؛ فمنهم
من يتعين عليه أحد الأمرين، ومنهم من يترجح له. وليس الكلام فيه، بل إذا تساويا فيختلف
باختلاف الأوقات؛ فمنهم من(٣) يتحتم عليه المخالطة من كانت له قدرة على إزالة المنكر
فيجب عليه إما عينياً وإما كفائياً بحسب الحال والإِمكان، وممن يترجح من يغلب على ظنه
أنه يسلم في نفسه إذا قام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وممن يستوي من يأمن
على نفسه لكن يتحقق أنه لا يطاع وهذا حيث لا تكون فتنة عامة، فإن وقعت الفتنة ترجحت
العزلة لما ينشأ عنها غالباً من الوقوع في المحذور. وقد تقع العقوبة بأصحاب الفتنة فتعم من
ليس من أهلها كما قال تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ (٤) ويؤيد
التفصيل حديث أبي سعيد: ((خير الناس رجل جاهد بنفسه وماله ورجل في شعب من
(١) قوله (مشدداً) لعله من زيادة النساخ.
(٢) قوله (كأقوال) لعله (وكأقوال).
(٣) قوله (فمنهم من) لعل الصواب ((فمن)). ع.
(٤) سورة الأنفال، الآية: ٢٥.

٥٠
كتاب: دليل الفالحين
قَالَ اللَّهُ تعالى (١): ﴿وَتَعَاوَنُوْ عَلَى الْبِّ والتّقْوَى﴾.
والآياتُ في مَعْنى ما ذكرتُه كَثيرةٌ معلومةٌ .
٧١ - باب: في التواضع وخفض الجناح للمؤمنين
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى(٢): ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ .
الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره) (قال الله تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى) أي:
ففيه الاجتماع للتعاون على البر أي: فعل المأمورات كالجمعة والجماعات وإقامة الشرائع،
والتعاون على التقوى عن المنهيات (والآيات في معنى ما ذكرته) أي: من طلب الاجتماع
الإقامة الشرائع، وإبطال المفاسد (كثيرة معلومة) قال الله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون
إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾(٣) وقال تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت
للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿إن الله يحب الذين
يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص﴾(٥).
باب التواضع
في الرسالة القشيرية: التواضع: هو الاستسلام للحق وترك الاعتراض في الحكم.
قال الشيخ زكريا: وهو أعم من الخشوع لأنه يستعمل فيما بين العباد وفيما بينهم وبين الرب
سبحانه، والخشوع لا يستعمل إلا في الثاني فلا يقال خشع العبد لمثله ويقال تواضع له
اهـ. وفي فتح الباري: من الضعة بكسر أوله وهي الذل والهوان، والمراد بالتواضع: إظهار
الذل لمن يراد تعظيمه، وقيل هو تعظيم من فوقه لفضله. وسئل الفضيل عن التواضع فقال:
يخضع للحق وينقاد له ويقبله ممن قاله، وكذا قال ابن عطاء: التواضع قبول الحق من كلٍ
من قاله. وقيل لأبي يزيد البسطامي متى يكون الرجل متواضعاً؟ قال: إذا لم ير لنفسه مقاماً
ولا حالاً ولا يرى أن في الخلق من هو شر منه اهـ. وسيأتي فيه مزيد في الكلام على
الأحاديث والمراد (وخفض الجناح) قال أبو حيان في النهر: هو كناية عن التلطف والرفق،
(١) سورة المائدة، الآية: ٢.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٠٤.
(٤) سورة آل عمران، الآية: ١١٠.
(٥) سورة الصف، الآية: ٤.
(٢) سورة الحجر، الآية: ٨٨.

٥١
٧١ - باب: في التواضع
وَقَالَ تَعَالَى(١): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
وأصله أن الطائر إذا ضمّ الفرخ إليه بسط جناحه ثم قبضه على فرخه، والجناحان من ابن آدم
جانباه. (قال تعالى: واخفض جناحك للمؤمنين)(٢) قال ابن عطية: وهذه استعارة بمعنى لين
لهم جانبك ووطىء لهم أكنافك. والجناح الجانب والجنب ومنه واضمم يدك إلى جناحك
فهو أمر بالميل إليهم، والجنوح الميل اهـ. ولا مخالفة بين كونه كناية واستعارة أي:
تمثيلية، لاختلاف الاعتبار. قال في النهر: وقد كان ﴿ كثير الشفقة على من بعث إليه، وقد
تقدمت الآية مع الكلام عليها في باب ضعفة المسلمين (وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا من
پرتد منکم عن دينه) وقد ارتد قبائل في عهده چل# وفي خلافة أبي بكر وعمر (فسوف يأتي الله
بقوم) بدلهم ومكانهم، وحرف التنفيس لتحقيق الوعد (يحبهم) يهديهم ويثبتهم (ويحبونه)
أي: يطيعونه، وهم أبو بكر وأصحابه أو أهل اليمن أو الأشعريون. قال في النهر في مستدرك
الحاكم عن أبي موسى الأشعري: لما نزلت أشار إلى أبي موسى وقال هم هذا(٣) وهذا
أصح الأقوال، وكان لهم بلاء في الإِسلام زمن رسول الله وَالر، وعامة فتوح عمر على أيديهم
(أذلة على المؤمنين) أي: متذللين لهم عاطفين عليهم خافضين عليهم أجنحتهم، وأذلة
جمع ذليل، لا ذلول الذي هو نقيض الصعب، لأنه لا يجمع على أفعله بل على ذلل،
وتعديته بعلى لما أشرنا إليه من تضمينه معنى الحنو والعطف (أعزة على الكافرين) شداد
متغلبين عليهم. قال في النهر: جاءت هذه الصفة بالإِسم الذي فيه المبالغة؛ لأن أذلة وأعزة
جمع ذليل وعزيز وهما من صيغ المبالغة، وجاءت الصفة قبلهما بالفعل في قوله يحبهم
ويحبونه لأن الاسم يدل على الثبوت، فلما كانت صيغة مبالغة وكانت لا تتجدد بل هي
كالغريزة جاء الوصف بالاسم، ولما كانت الصفة قبل تتجدد لأنها عبارة عن فعل الطاعات
والإِنابة المرتبة عليها جاء الوصف بالفعل المقتضي للتجدد، ولما كان الوصف الذي يتعلق
بالمؤمن آكد ولموصوفه ألزم قدم على الوصف المتعلق بالكافر ولشرف المؤمن أيضاً، ولما
كان الوصف الذي بين المؤمن وربه آكد مما بينه وبين المؤمن قدم قوله يحبهم ويحبونه على
قوله أذلة على المؤمنين. وفي الآية إبطال قول من ذهب إلى أن الوصف إذا كان بالاسم
والفعل لا يتقدم الفعل إلا في ضرورة الشعر، وقرىء شاذاً بنصب أذلة وأعزة على الحالية من
(١) سورة المائدة، الآية: ٥٤.
(٢) هذه آية الحجر وفي بعض نسخ المتن لمن اتبعك من المؤمنين وهي آية الشعراء. ع.
(٣) قوله (هذا) لعله (هذا وقومه). ع.

٥٢
كتاب: دليل الفالحين
وَقَالَ تَعَالَي(١): ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأَنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ
لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَنْقَاكُمْ﴾ .
وَقَالَ تَعَالى(٢): ﴿فَلَ تُزَكُواْ أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ .
وَقَالَ تَعَالَى (٣): ﴿وَنَادَىْ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُواْ مَا أَغْنَى
عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ * أَهْؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَ يَنَلُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ
النكرة لقربها بالوصف من المعرفة (وقال تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى)
آدم وحواء، فأنتم متساوون في النسب فلا فخر لأحد على أحد بالنسب (وجعلناكم شعوباً)
الشعب بالفتح رأس القبائل والطبقة الأولى والقبائل تشعبت منه (وقبائل) هي دون الشعب
كتميم من مضر. وقيل: الشعوب في العجم والقبائل في العرب (لتعارفوا) أي: ليعرف
بعضكم بعضاً لا للتفاخر. وفي الحديث: ((لتعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم فإن
صلة الرحم منسئة في الأجل)) (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) بيان للخصلة التي بها التفاضل
(وقال تعالى: فلا تزكوا أنفسكم) أي: لا تمدحوها ولا تنسبوها إلى الطهارة ولا تفخروا
بأعمالها. قال ابن عطية: ظاهرة النهي عن أن يزكي نفسه ويحتمل أن يكون نهياً عن تزكية
بعض بعضاً، وحينئذ فالمنهي عنه منه ما كان للدنيا أو القطع بالتزكية، وأما تزكية الإِمام أو
القدوة أحداً ليؤتم به أو ليتمم به الخير فجائز، فقد زكي تَ لّ بعض أصحابه أبا بكر وغيره (هو
أعلم بمن اتقى) فربما ينسبون أحداً إلى التقوى والله يعلم أنه ليس كذلك، ولذا ورد في
الحديث الصحيح: ((إذا كان أحدكم مادحاً صاحبه لا محالة فليقل أحسب فلاناً والله حسيبه
ولا أزكي على الله أحداً أحسبه كذا وكذا إن يعلم ذلك)) وأفعل التفضيل قيل: هو بمعنى
عالم. وقال الجمهور: بل هو على بابه أي هو أعلم بالموجودين جملة. (وقال تعالى: ونادى
أصحاب الأعراف) وهو السور المضروب بينهما (رجالاً يعرفونهم بسيماهم) من رؤساء
الكفار يقولون: يا أبا جهل يا فلان يا فلان (قالوا) أي لهم (ما أغني عنكم) أي: لم ينفعكم،
ويجوز أن تكون ما استفهامية أي: أي شيء نفعكم، بل قال ابن عطية: إنه أصوب
(جمعكم) أي: كثرتكم التي كانت في الدنيا وجمعكم المال (وما كنتم تستكبرون) أي :
(١) سورة الحجرات، الآية: ١٣ .
(٢) سورة النجم، الآية: ٣٢.
(٣) سورة الأعراف، الآيتان: ٤٨، ٤٩.

٥٣
٧١ - باب: في التواضع
ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لَاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾.
٦٠١ - وعنْ عِياضٍ بِنِ حِمارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: إِنَّ اللَّهَ
أَوْحِى إِلَيَّ أَنْ تَواضعوا
واستكباركم عن الحق وعدم انقيادكم له. ويقول أهل الأعراف لأولئك الكفار: (أهؤلاء)
المشار إليهم ضعفاء أهل الجنة الذين كان الكفار يحقرونهم في الدنيا ويسخرون بهم
ويقسمون أنهم لا يدخلون الجنة كما قال: (الذين أقسمتم) من القسم الحلف (لا ينالهم الله
برحمة) المراد منها هنا إدخال الجنة مجازاً مرسلاً وقدمنا عن البدر الدماميني أنه يتعين في
بعض المواضع تأويل الرحمة بالإِحسان ولا يجوز تأويلها فيه بإرادة ذلك لأن المقام يأباه،
كما يتعين عكسه في بعض آخر (ادخلوا الجنة لا خوف عليكم) من مكروه يتوقع فأنتم
مؤمنون (ولا أنتم تحزنون) على فوات محبوب لكم. وبنا الحكم على الضمير للتأكيد لما
فيه من تكرار الإِسناد، والمخاطب بقوله ادخلوا يحتمل أنه ضعفاء المؤمنين أي: قيل لهم
ذلك، أهل الأعراف(١) أي: يقال لهم ذلك، أو لما عبر أهل الأعراف أهل النار وقال أهل
النار إن دخل هؤلاء الجنة فوالله أنتم لا تدخلونها تعبيراً لهم فقالت الملائكة: أهؤلاء يعني
أهل الأعراف الذين أقسمتم يا أهل النار أنهم لا ينالهم الله برحمة، ثم قالت الملائكة لهم
ادخلوا الجنة .
٦٠١ - (وعن عياض) بكسر العين المهملة، وتخفيف التحتية والضاد (ابن حمار) بكسر
المهملة وتخفيف الميم على لفظ الحمار الدابة المعروفة ابن أبي حمار بن ناجية بن
عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد بن
مناة بن تميم التميمي المجاشعي (رضي الله عنه) وقيل: في نسبه غير هذا. نزل عياض
البصرة وهو معدود من أهلها روي له عن رسول الله وَّر ثلاثون حديثاً، روى منها مسلم
حديثين كذا في التهذيب للمصنف (قال: قال رسول الله وََّ إن الله أوحى إليَّ) قال ابن
رسلان: لعله وحي إلهام أو برسالة (أن تواضعوا) أن فيه مفسرة؛ فالموحي هو الأمر
بالتواضع. قال الحسن: التواضع أن تخرج من بيتك فلا تلقى مسلماً إلا رأيت له عليك
فضلاً. وقال أبو زيد مادام العبد يظن أن في الخلق من هو شر منه فهو متكبر، وقيل:
التواضع الانكسار والتذلل، ونقيضه التكبر والترفع، وقيل غير ذلك مما تقدم بعضه في
الكلام على الترجمة. وقال القرطبي: التواضع الانكسار والتذلل، وهو يقتضي متواضعاً له
(١) كذا، ولعل الصواب (أو أهل الأعراف). ع.

٥٤
كتاب: دليل الفالحين
حَتى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ ولا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلى أَحَدٍ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
٦٠٢ - وعن أبي هُريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَ قَالَ: «مَا نَقْصَتْ
صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، ومَازَادَ اللَّهُ عَبْداً بِعَفْرِ إلَّ ◌ِزَّاً، وما تَوَاضََعِ أَحدٌ للَّهِ إِلَّ رَفَعَهُ اللَّهُ))
رَوَاهُ مُسْلِمٌ(٢) .
فالمتواضع له هو الله تعالى ومن أمر الله بالتواضع له كالرسول والإِمام والحاكم والعالم
والوالد، فهذا التواضع الواجب المحمود الذي يرفع الله به صاحبه في الدارين، وأما
التواضع لسائر الخلق فالأصل فيه أنه محمود ومندوب إليه ومرغب فيه إذا قصد به وجه الله
تعالى، ومن كان كذلك رفع الله قدره في القلوب وطيب ذكره في الأفواه ورفع درجته في
الآخرة. وأما التواضع لأهل الدنيا ولأهل الظلم فذاك الذل الذي لا عز معه، والخيبة التي لا
رفعة معها بل يترتب عليه ذل الآخرة وكل صفقة خاسرة، وقد ورد: من تواضع لغني لغناه
ذهب ثلثا دينه (حتى) غاية للتذلل وكسر النفس وعدم النظر إليها أي: افعلوا ذلك إلى أن (لا
يفخر) بفتح الخاء المعجمة ومصدره الفخر والاسم منه الفخار كسلام، قال في المصباح:
هو المباهاة بالمكارم والمناقب من حسب ونسب وغير ذلك سواء كان فيه أو في آبائه أي: لا
يباهي (أحد) مستعلياً بفخره (على أحد) ليس كذلك. فالخلق من أصل واحد والنظر إلى
العرض الحاضر الزائل ليس من شأن العاقل (ولا ينبغي) بالنصب عطف على يفخر أي:
وحتى لا يظلم ولا يعتدي (أحد على أحد) وذلك أن من انكسر وتذلل امتثالاً لأمر الله عز
وجل حال ذلك بينه وبين الفساد والوقوع في الظلم والاعتداء والعناد (رواه مسلم) ورواه أبو
داود، وابن ماجه من حديث عياض أيضاً.
٦٠٢ - (وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صل قال: ما نقصت صدقة من
مال) قيل: هو عائد إلى الدنيا بالبركة فيه، ودفع المفسدات عنه أي: ما ينقص منه بالصدقة
يتدارك بما يحصل فيه من النماء ببركتها، وقيلَ: إلى الآخرة بالثواب والتضعيف (وما زاد الله
عبداً بعفو) عمن جنى عليه في نفس، أو عرض أو مال أو نحو ذلك (إلا عزاً) قيل: في
الدنيا، وقيل: في الآخرة (وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله) فيه القولان فيما قبله قال
المصنف: ويجوز إرادة الوجهين معاً في الأمور الثلاثة (رواه مسلم) والحديث سبق مع
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: الصفات التي يعرف ... (الحديث: ٦٤).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: استحباب العفو والتواضع، (الحديث: ٦٩).

٥٥
٧١ - باب: في التواضع
٦٠٣ - وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ مرَّ عَلى صِيْيانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: كان
النّبِيُّ ◌َ يَفْعَلُهُ. مُتَّفَقَ عَلَيْهِ(١)
٦٠٤ - وعنهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: إِنْ كَانَتِ الْأَمَةُ مِنْ إِماءِ المَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدٍ
الكلام عليه، وعلى من خرجه في باب الكرم والجود.
٦٠٣ - (وعن أنس رضي الله عنه أنه) بدل من أنس على تقدير مضاف أي وعن قصة أنس
أنه (مر على صبيان) بكسر المهملة وضمها، وسكون الموحدة بعدها تحتية جمع كثرة،
ويجمع في القلة على صبية بكسر المهملة أي: على جماعة مميزين منهم (فسلم عليهم
وقال: كان النبي ◌َّ﴿ يفعله) أي: تواضعاً وكسراً للنفس فإن من طبعها الترفع عن خطابهم
فضلاً عن مؤانستهم بالسلام. قال ابن بطال: وفيه تدريبهم على آداب الشريعة وطرح رداء
الكبر، وتناول التواضع ولين الجانب. وظاهر ((كان)) تكرر ذلك فإنها تفيده كما أشار إليه ابن
الحاجب، لكن عرفا كما قيد ابن دقيق العيد أي: في مقام تقبله كما قاله بعضهم، لكن نقل
المصنف في شرح مسلم عن المحققين والأكثر من الأصوليين أنها لا تفيده (متفق عليه) رواه
البخاري في كتاب الاستئذان من صحيحه كما قال الحافظ في الفتح، وأخرج النسائي
حديث الباب بلفظ: ((كان رسول الله * ** يزور الأنصار فيسلم على صبيانهم ويمسح رؤوسهم
ويدعو لهم)). وهو مشعر بوقوع ذلك منه غير مرة بخلاف سياق الباب حيث قال: مر على
صبيان فسلم عليهم لأنها تدل على أنها واقعة حال ((قلت)) قول أنس: ((كان النبي ◌ِّ)) يشعر
بما نشعر به. رواية النسائي، وقول ثابت أنه مر إلخ لا ينافي ذلك لأن أنساً أشار إلى أن
حكمة تسليمه عليهم االاتباع لكونه رآه سي كان يفعل ذلك والله أعلم. قال: وأخرجه مسلم
والنسائي وأبو داود بلفظ: غلمان بدل صبيان، ووقع لابن السني وأبي نعيم في يوم وليلة
بلفظ: فقال السلام عليكم يا صبيان، وعثمان بن مطر الراوي له عن ثابت واه. ولأبي داود
من طريق حميد عن أنس انتهى إلينا النبي ◌َّ وأنا غلام في الغلمان فسلم علينا الحديث.
٦٠٤ - (وعنه قال إن) مخففة من النقيلة أي أنه (كانت الأمة) بفتح أولیه ولامه، واو محذوفة
أي: الجارية (من إماء) بكسر الهمزة والمد بوزن كتاب أي: جواري. أهل (المدينة) علم
بالغلبة على دار هجرته (لتأخذ بيد النبي ◌َّة) اللام فيه فارقة بين المخففة والنافية
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الاستئذان، باب: التسليم على الصبيان، (٢٧/١١).
وأخرجه مسلم في كتاب: السلام، باب: استحباب السلام على الصبيان، (الحديث: ١٥).

٥٦
كتاب: دليل الفالحين
النَّبِيِّ ◌َ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١).
٦٠٥ - وَعَنِ الْأُسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: مَا كانَ النَّبِيُّ
وَ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالتْ: كَانَ يَكُونُ فِي مَهْنَةِ أَهْلِهِ (تَعْنِ خِدْمَةَ أَهْلِهِ) فَإِذَا حَضَرَتِ
(فتنطلق به حيث شاءت) ففيه مزيد تواضعه من وجوه؛ الأول أنها أمة وليست من وجوه
الناس، والثاني أنها تأخذ بيده وذلك يدل على مزيد الانقياد، الثالث أنها تذهب به لحاجتها
أي: مكان كانت قريبة أو بعيدة، ففيه منه ﴿ التحريض على ذلك والحث على سلوكه.
(رواه البخاري) في الأدب من صحيحه.
٦٠٥ - (وعن الأسود بن يزيد) بفتح التحتية الأولى وسكون الثانية وكسر الزاي، وهو أبو
عمرو، ويقال أبو عبدالرحمن الأسود بن يزيد بن قيس بن عبدالله بن مالك بن علقمة بن
سلامان بن كهيل النخعي الكوفي التابعي الجليل. قال أحمد بن حنبل: هو ثقة من أهل
الخير. واتفقوا على توثيقه وجلالته. روينا عن ميمون بن حمزة قال: سافر الأسود ثمانين
حجة وعمرة لم يجمع بينهما اهـ. ملخصاً من التهذيب. (قال سألت عائشة رضي الله عنها
ما كان النبي ◌َ﴿ يصنع) هو أخص من الفعل كما قاله البيضاوي في سورة المائدة (في بيته)
أي: منزله (قالت: يكون في مهنة أهله) قال في المصباح: المهنة أخص من المهن كالضربة
والضرب، وقيل: المهنة بكسر لغة وأنكرها الأصمعي وقال الكلام الفتح وهو في مهنة أهله
أي: في خدمتهم، وفي النهاية الرواية بفتح الميم الخدمة وقد تكسر، وقال الزمخشري :
وهو عند الإِثبات خطأ. قال الأصمعي: المهنة بفتح الميم الخدمة ولا يقال المهنة بالكسر
وكان القياس لو قيل مثل جلسة وخدمة إلا أنه جاء على فعلة واحدة اهـ. وفي بعض حواشي
الشفاء: المهنة الخدمة بفتح الميم وكسرها خطأ قاله سمرة، وقال غيره فيه الكسر وأنكر
الفتح، وفي شرح ابن أقبرس: قيل الفتح أفصح وأنكره البعض، وقيل الكسر أفصح وأنكره
البعض الآخر، ووجه لغة الكسر على وزن خدمة(٢) اهـ. (تعني) أي: عائشة بقولها في
مهنة أهله (في خدمة أهله) وقد فسرت المهنة بما رواه عياض في الشفاء، والحسن وأبو
سعيد وغيرهم في صفته. قال: وبعضهم يزيد على بعض كان في بيته في مهنة أهله يفلي
ثوبه، ويحلب شاته، ويرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويخدم نفسه، ويعلف ناضحه ويقم
البيت، ويعقل البعير، ويأكل مع الخادم، ويعجن معها، ويحمل بضاعته من السوق
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: الكبر (٤٠٨/١٠، ٤٠٩).
(٢) وفي نسخة خرقه وفي أخری خلفه. ع.

٥٧
٧١ - باب: في التواضع
الصَّلاةُ خَرَجَ إِلى الصَّلاةِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١).
٦٠٦ _ وعَنْ أبي رِفَاعَةَ تَميمِ بْنِ أُسَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ انْتَهيتُ إِلى النَّبِيِّ وَّ
وهُو يَخْطُبُ فَقُلْت يَارَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ غِرِيبٌ جَاءَ يَسْألُ عَنْ دِينِهِ لا يَدْرِي مَا دِينُهُ!
اهـ. وظاهر عبارة المصنف أن تغني إلخ قول الأسود، ويحتمل أن يكون قول من دونه، وهذا
التفسير لم أجده في أصلين مصححين من البخاري، وبه يظهر أنه من صنيع المؤلف فيكون
مخالفاً لعادته في مثله من تأخيره عن سوق الحديث بجملته ثم بيان مخرجه ثم غريبه.
وكونه ويؤ يباشر خدمة أهله من مزيد فضله وكمال تواضعه إذ سيد قومه القوم خادمهم، وظاهر أن
المراد من كونه كان كذلك في بيته إذا انفرد بهم ولم يكن ثم ما هو أهم منه وإلا اشتغل
بالأهم (فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة) أي: مبادراً لأدائها تحريضاً على فعلها أول
وقتها الذي جاء في الصحيح: أنه أفضل الأعمال (رواه البخاري) في الصلاة وفي النفقات
وفي الأدب من صحيحه، ورواه الترمذي في الزهد من جامعه وقال: حسن صحيح .
٦٠٦ - (وعن أبي رفاعة) بكسر الراء وخفة الفاء وإهمال العين (تميم) بفتح الفوقية وكسر
الميم الأولى بينهما تحتية ساكنة (ابن أسيد) قال الحافظ العسقلاني في تبصير المنتبه:
اختلف فيه هل هو بضم الهمزة مصغراً، أو أسد بفتح أوليه مكبراً ابن عبدالعزى بن جعونة بن
عمرو بن العين بن رزاح بن عمرو بن سعد بن كعب بن عمرو الخزاعي (رضي الله عنه) قال
في أسد الغابة: أسلم وولاه النبي ◌َّ﴿ تجديد أنصاب الحرم وإعادتها نزل مكة قاله ابن سعد
اهـ. روي له عن رسول الله وَلجر ثمانية عشر حديثاً فيما يؤخذ من كلام ابن الجوزي في
المستخرج المليح أخرج له مسلم هذا الحديث الواحد، ولم يخرج عنه البخاري شيئاً (قال:
انتهيت إلى النبي ◌َّر وهو يخطب) أي: خطبة الجمعة (فقلت: يا رسول الله رجل غريب
جاء يسأل عن دينه) كل من الجملتين الفعليتين محتمل لكونه صفة رجل من الوصف
بالجملة بعد المفرد؛ كقوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ (٢) ومحتمل لكونه حالاً إما
كلاهما من رجل لتخصيصه بالوصف فيكونان مترادفين، أو الأول منه كذلك والثاني من
المستكن في جاء فيكونان متداخلين، والمراد يسأل عما يلزمه عمله حالاً من الأحكام الدينية
(لا يدري ما دينه) أي: ما هو وجملة الاستفهام معلقة للفعل قبلها عنها. قال المصنف: وفي
(١) أخرجه البخاري في كتاب: صلاة الجماعة، باب: من كان في حاجة أهله، والنفقات، باب: خدمة
الرجل في أهله والأدب باب كيف يكون الرجل في أهله، (٣٨٥/١٠).
(٢) سورة الأنبياء، الآية: ٥٠.

٥٨
كتاب: دليل الفالحين
فَأَقْبَلَ عَلِيَّ رَسُولُ اللَّهِ بَهِ وَتَرَكَ خُطْبَتُهُ حَتَّى أَنْتَهَى النَّ ، فَأُتِيَ بِكُرْسِيٍّ فَقَعَدَ عَلَيْهَا
وَجَعَلَ يُعَلَّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ فَأَتَمَّ آخِرَهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
٦٠٧ - وعنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهَ كَانَ إِذَا أَكَلَ طَعَاماً لَعِقَ
أَصابِعَهُ الثَّلاثَ، قَالَ: وقالَ: ((اذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُمِطْ عَنْها الأذَى وَلِيأْكُلُها
قوله رجل غريب إلى قوله ما دينه استحباب تلطف السائل (فأقبل على رسول الله وصله وترك
خطبته حتى انتهى إلي فأتى) بالبناء للمفعول (بكرسي) بضم الكاف وفتحها والضم أشهر
وتشديد الياء (فقعد عليه رسول الله (يوليو) أي: ليسمع باقي الناس الحاضرين كلامه، ويروا
شخصه الكريم (وجعل) أي: شرع (يعلمني مما علمه الله) أي: من الدخول في الإِسلام
والإِيمان وما يجب الإِيمان به (ثم أتى خطبته فأتم آخرها) قال المصنف: فيه كمال
تواضعه وآله ورفقه بالمسلمين وكمال شفقته عليهم وخفض جناحه لهم، وفيه المبادرة إلى
جواب المستفتي وتقديم أهم الأمور فأهمها ولعله كان يسأل عن الإِيمان وقواعده المهمة .
وقد اتفق العلماء على أن من جاء يسأل عن الإِيمان وكيفية الدخول في الإِسلام وجبت إجابته
وتعليمه على الفور ويحتمل أن هذه الخطبة التي كان النبي ◌َيقر فيها خطبة أمر غير الجمعة
فلذا قطعها بهذا الفصل الطويل أو كان كلامه لهذا الغريب متعلقاً بالخطبة فيكون منها ولا
يضر المشي في أثنائها (رواه مسلم) في أبواب الجمعة من صحيحه، ورواه النسائي في
سننه .
٦٠٧ - (وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله وسي كان إذا أكل طعاماً) أي: ملوثاً
كالمائعات (لعق) بكسر المهملة وبالقاف (أصابعه الثلاث) الإبهام والمسبحة والوسطى يبدأ
بالوسطى ؛ لأنها أكثر تلويثاً إذ هي أطول فيبقى فيها من الطعام أكثر من غيرها، ولأنها لطولها
أول ما ينزل في الطعام ثم السبابة ثم التي تليها لخبر الطبراني في الأوسط، ((ثم رأيته ويليه
يلعق أصابعه الثلاث قبل أن يمسحها الوسطى ثم التي تليها ثم الإِبهام» واعترض(٢) ذلك بأن
نسبة الثلاث للفم سواء غفلة عن الخبر والمعنى المذكورين وفيه رد على من كره لعق
الأصابع استقذاراً. قال الخطابي: عاف قوم أفسد قلوبهم الترفه لعقها وزعموا أنه مستقبح
كأنهم لم يعلموا أن الطعام الذي علق بالأصابع جزء مما أكلوه، وإذا لم يستقذر كله فلا
يستقذر بعضه وليس فيه أكثر من مصها بباطن الشفة. ولا يشك عاقل أن لا بأس بذلك وقد
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الجمعة، باب: حديث التعليم في الخطبة، (الحديث: ٦٠)
(٢) (واعترض) صوابه (واعتراض). ع.

٥٩
٧١ - باب: في التواضع
وَلَا يَدِعْهُا لِلشَّيطانِ)) وَأَمَرَ أَنْ تُسْلَتَ الْقَصْعَةُ قَالَ: ((فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْرُونَ فِي أَيِّ طَعَامِكُمُ
الْبَرَكَةُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
٦٠٨ - وعَن أَبِي هُريْرَةَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ قَالَ: ((مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيأً
الَّ رِعَى الغَنَمْ)) قَالَ أَصحَابُهُ: وَأَنْت؟
يدخل إنسان أصبعه في فيه ويدلكه ولم يستقذر ذلك أحد اهـ. ويؤيده أن الاستقذار إنما
يتوهم في اللعق أثناء الأكل؛ لأنه يعيدها في الطعام وعليها آثار ريقه وذلك غير سنة. وظاهر
أن الكلام فيمن استقذر ذلك من حيث هو، لامع نسبته للنبي ◌ّله إذ من استقذر شيئاً من
أحواله * كفر قاله في أشرف الوسائل (قال) أي: أنس (وقال) أي: النبي ◌َّر (إذا سقطت
لقمة) بضم اللام (أحدكم فليمط) بضم التحتية أي يزل (عنها الأذى) الذي لابسها عند
سقوطها (وليأكلها) كسراً لنفسه في إبائها بحسب الطبع واستنكافها من تناولها بعد ملاقاتها ما
سقطت عليه (ولا يدعها) بالجزم عطف طلبي على مثله أي: لا يتركها (للشيطان وأمر)
عطف على قال (أن تسلت) بضم الفوقية أي: تلعق (القصعة) بفتح القاف وجمعها قصع
بكسر ففتح، وهي التي تأكل عليها عشرة أنفس كما في مهذب الأسماء، والصفحة هي التي
يأكل عليها خمسة أنفس على ما في الصحاح والمهذب، وقيل هما واحدة، والمراد بالقصعة
هنا مطلق الإِناء الذي فيه الأدم المائع (قال فإنكم لا تدرون) أي: لا تعلمون (في أي
طعامكم البركة) أي: هي في المأكول أم في الباقي بالأصابع والقصعة أو في الساقط. قال
المصنف في شرح مسلم: معنى قوله فإنكم لا تدرون إلخ إن الطعام الذي يحضر الإِنسان
فيه بركة فلا يدري أهي فيما أكل أو فيما سقط أو فيما بقي على أصابعه أو فيما بقي بأسفل
الصحفة؛ فينبغي أن يحافظ على هذا كله لتحصيل البركة. وأصل البركة الزيادة وثبوت الخير
والانتفاع به، والمراد هنا والله أعلم ما يحصل به التغذية وتسلم عاقبته من أذى ويقوي على
طاعة الله وغير ذلك اهـ. (رواه مسلم) في الأطعمة من صحيحه، ورواه أبو داود في
الأطعمة من سننه، والنسائي في الوليمة من سننه، ومداره عندهم على حماد بن أسامة عن
ثابت عن أنس وقد تقدم الحديث في باب الأمر بالمحافظة على السنة من حديث جابر.
٦٠٨ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ◌َّ قال ما بعث) أي: نبأ أو أرسل (الله نبياً
إلا رعى الغنم) ليتدرب برعايتها إلى رعاية أمته الذين يدعوهم إلى ما أوحي إليه من الشرائع
(قال أصحابه وأنت) أي: وأنت رعيتها أخذاً بعموم نبياً المذكور مع نكارته في سياق النفي أو
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الأشربة، باب: استحباب لعق الأصابع ... (الحديث: ١٣٦).

٦٠
كتاب: دليل الفالحين
فَقَالَ: ((نَعَمْ كُنْتُ أَرعاهَا عَلى قَرَارِيطَ لِأهلِ مَكَّةَ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١).
٦٠٩ - وعنهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: ((لَوْ دُعِيْتُ إلى كُراعٍ أَوْ ذِرَاعٍ
لأجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعُ أَو كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٢).
٦١٠ - وعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كَانتْ نَاقَةُ رَسُولِ اللَّهِ وَ ﴿ِ العَضباءُ لاتُسْبَقُ
لست كذلك؛ والمراد من عداك لأن المتكلم لا يدخل في عموم كلامه فيكون عاماً أي أريد
به خاص فيكون مجازاً (قال: نعم) أي: أنا منهم في ذلك، وبين ما قد يكتفي بدلالة نعم
عليه بقوله: (كنت أرعاها) زيادة في الإِيضاح وتنبيهاً على التواضع وإن تعاطى الكامل ما فيه
كسر النفس وعدم النظر إليها لا يخل من كمالها ما لم يكن فيه إخلال بمروءة أو وقوع في
منهي عنه (على قراريط) اسم مكان بمكة، وقيل جزء من الدرهم والدينار (لأهل مكة)
متعلق بأرعاها ففيه أن الكسب لا يخل بالكمال ويحتمل كونه ظرفاً مستقراً لقراريط بناءً على
أنه اسم مكان بمكة (رواه البخاري) وتقدم مع شرحه وتخريجه في باب استحباب العزلة .
٦٠٩ - (وعنه عن النبي ◌َّ- قال: لو دعيت إلى كراع) بضم الكاف وتخفيف الراء آخره عين
مهملة، وهو من الدابة ما بين الركبتين إلى الساق، وقيل هو اسم مكان ولا يثبت، ويرده
حديث أنس عند الترمذي بلفظ لو أهدى إليّ كراع لقبلت، وللطبراني في حديث أم حكيم
الخزاعية: قلت: يا رسول الله يكره رد الظلف قال ما أقبحه لو أهدي إليّ كراع لقبلت
الحديث. (أو ذراع) قال الحافظ: خص الذراع والكراع بالذكر ليجمع بين الخطير
والحقير؛ لأن الذراع كانت أحب إليه من غيرها والكراع لا قيمة له، وفي المثل: أعط العبد
كراعاً يطلب ذراعاً (لأجبت ولو أهدي إليّ ذراع أو كراع لقبلت) قال ابن بطال: أشار اليه
إلى الحض على قبول الهدية وإن قلت لئلا يمتنع الباعث من الهدية لاحتقار الشيء، فحض
على ذلك لما فيه من التآلف، وفي الحديث: إجابة الداعي وإن قل المدعو إليه. وفي ذلك
كله تحريض على التواضع وحث على تعاطي ما يبعث على التآلف ويغرس الوداد (رواه
البخاري) في الهبة وفي النكاح من صحيحه، ورواه النسائي في الوليمة من سننه.
٦١٠ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: كانت ناقة رسول الله وَلقر العضباء) بفتح المهملة
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الإِجارة، باب: من رعى الغنم على قراريط، (٣٦٣/٤).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الهبة، باب: القليل من الهبة وفي النكاح (١٤٧/٥).
٢٠٠٩