النص المفهرس

صفحات 561-573

٦٤ - باب: في فضل الغني الشاكر
٥٦١
بَرَكَتِكَ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١)
٦٤ - باب: في فضل الغني الشاكر وهو من أخذ المال
من وجهه وصرفه في وجوهه المأمور بها
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (٢): ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنْيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾.
غنى لي عن بركتك) أي: أغنيتني عنه من سائر الجهات من حيث إنه مال؛ وأنا لا آخذه
كذلك شرهاً وحرصاً ولكن لكونه بركة، وفيها وجوه: فقيل لأنه قريب عهد بتكوين من الله
تعالى كما حسر نبينا وَّر عن جلده حين نزل عليه المطر وقال: إنه حديث عهد بربه أي:
بتكوينه. وقيل: لأنه نعمة جديدة خارقة للعادة فينبغي تلقيها بالقبول، ففي ذلك منه شكر لها
وتعظيم لشأنها وفي الإعراض عنها كفر بها، وقريب منه حديث ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه
كما تؤتى عزائمه)) وقيل: إن هذا آية ومعجزة وكل ما نشأ عنها فهو بركة ومن ذلك قول
الصحابة: كنا نعد الآيات بركة، وقيل: غير ذلك (رواه البخاري) في كتاب الأنبياء من
صحیحه
باب فضل الغني الشاكر
أي: ما جاء في ذلك والشاكر: هو القائم بما أمر الله تعالى به في المال فعلاً وتركاً كما
قال المصنف: (وهو من أخذ المال من وجهه) أي: طريقه المأذون بأخذه منه شرعاً
كالمعاوضة المستجمعة لشروط الصحة السالمة من غش وخديعة، وكالإِرث والوصية
والاكتسابات المأذون فيها من احتطاب ونحوه (وصرفه) الأولى وإنفاقه لقوله: (في وجوهه)
أي: طرقه (المأمور بها) شرعاً واجباً عينياً كأداء الزكوات والكفارات والنذور، أو كفائياً
كالقيام بحاجة المحتاج من طعام وكسوة، أو مندوباً كالتطوعات. (قال الله تعالى: فأما من
أعطى) أي: أنفق ماله لوجه الله (واتقى) محارمه (وصدق بالحسنى) المجازاة وأيقن أن الله
سيخلفه عليه، أو بالكلمة الحسنى وهي كلمة التوحيد (فسنيسره) نهيئه في الدنيا (لليسرى)
للخلة التي توصله إلى اليسرى والزلفى في الدار الآخرة يعني الأعمال الصالحة والآية بعدها
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأنبياء، باب: قول الله تعالى ﴿وأيوب إذ نادى ربه﴾ وفي التوحيد، باب:
يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾ وفي كتاب: الغسل، باب: من اغتسل عرياناً (٣٣١/١) و(٣٠٠/٦).
(٢) سورة الليل، الآيتان: ٧،٥.

٥٦٢
كتاب: دليل الفالحين
وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿وَسَيُجَنَبِهَا الْأَنْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ
تُجْزَى * إِلَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَّبِهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ .
في ضد ذلك تقدمت مع الكلام على ما يتعلق بها في باب النهي عن البخل. (وقال تعالى:
وسيجنبها) أي: النار (الأتقى) أي: الذي اتقى الشرك والمعصية فلا يدخلها أصلاً، أما من
اتقى الشرك فقط فيمكن أن يدخلها لكن لا يصلاها ولا يلزمها (الذي يؤتي ماله) يعطيه وينفقه
في طاعة الله (يتزكى) أي: يطلب تزكية نفسه وماله فصلة الذي بدل أو حال فلا محل له على
الأول (وما لأحد عنده من نعمة تجزى) فيقصد بإتيانه مجازاتها (إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى)
أي: لكن يؤتي طلباً لمرضاة الله سبحانه، والجمهور على نصب ابتغاء وأنه على الاستثناء
المنقطع، وإلا بمعنى لكن كما تقرر فهو في الحقيقة مفعول له، قال الهمداني، ونظر ابن
عطية في كون الاستثناء منقطعاً وجعل الكواشي الاستثناء المنقطع والمفعولية له وجهين
متقابلين محمول على المعنى، والتقدير: لم يعط الشيء إلا ابتغاء وجهه سبحانه،
والابتغاء: الطلب أي: إلا لطلب التوجه إلى ربه الأعلى (ولسوف يرضى) من ربه حين
يدخله في رحمته. وعن كثير من السلف أن هذه السورة في الصديق وهو الأتقى فيكون
الحصر ادعائياً لا حقيقياً، كأن غير هذا الأتقى غير مجتنب بالكلية كذا في تفسير السيد معين
الدين الصفوي. وفي تفسير ابن عطية لم يختلف أهل التأويل أن المراد بالأتقى إلى آخر
السورة أبو بكر ثم هي تتناول كل من دخل في هذه الصفات وقال ابن كثير في تفسيره: قد
ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآي نزلت في أبي بكر رضي الله عنه حتى أن بعضهم
حكى الإِجماع عن المفسرين على ذلك، ولا شك أنه داخل فيها وأولى الناس بعمومها، وأن
لفظها لفظ العموم وهو قوله: ﴿وسيجنبها الأتقى﴾ (٢) إلخ ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في
جميع هذه الأوصاف الحميدة: فإنه كان صديقاً تقياً كريماً جواداً بذالاً لأمواله في طاعة مولاه
ونظر رسوله وَّله، وفي تفسير الكواشي: والمراد بالأتقى أبو بكر الصديق قالوا: بإجماع
المفسرين، وما ذكره ابن عطية وابن كثير من أن الآية تشمل من دخل في تلك الصفات تعقبه
الحافظ السيوطي في الإِتقان فقال بعد أن مهد قاعدة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص
السبب. ((تنبيه)): قد علمت أن فرض المسألة في لفظ عموم إما آية نزلت في معين ولا عموم
في لفظها فإنها تقصر عليه قطعاً كقوله تعالى: ﴿وسيجنبها الأتقى﴾(٣) إلخ فإنها نزلت في
الصديق إجماعاً وقد استدل بها الفخر الرازي مع قوله: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾(٤) على أنه
(١) سورة الليل، الآيات: ١٧ - ٢١. (٢) و(٣) سورة الليل، الآية: ١٧. (٤) سورة الحجرات، الآية: ١٣.

٥٦٣
٦٤ - باب: في فضل الغني الشاكر
وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمًا هِيَ وَإِنْ تُخْفوهَا وَتُؤْتوَهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ
لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيَِّاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى(٢): ﴿لَنْ تَلُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُتْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهُ
بِهِ عَلِيمٌ﴾.
والآياتُ فِي فَضْلِ الإِنْفَاقِ فِي الطَّاعاتِ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ .
٥٧٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ: ((لاَ حَسَدَ
أفضل الناس بعد رسول الله وَعليه، ووهم من ظن أن الآية عامة في كل من عمل عمله إجراء
له على القاعدة وهذا غلط، فإن هذه الآية ليس فيها صيغة عموم، إذ أل إنما تفيد العموم إذا
كانت موصولة أو معرفة في جمع زاد قوم أو مفرد بشرط أن لا يكون هناك عهد. واللام في
الأتقى ليست موصولة؛ لأنها لا توصل بأفعل التفضيل إجماعاً والأتقى ليس جمعاً بل مفرد،
والعهد موجود خصوصاً ما يفيد صيغة أفعل من التمييز وقطع المشاركة، فبطل القول بالعموم
وتعيين القطع بالخصوص والقصر على من نزلت فيه رضي الله عنه اهـ. (وقال تعالى: إن
تبدوا الصدقات فنعما هي) أي: إن أظهرتموها فنعم شيئاً ابدؤا (وإن تخفوها وتؤتوها
الفقراء) أي: تعطوها مع إخفاء (فهو) أي: إخفاؤها (خير لكم) والآية عامة في كل صدقة،
لكن عن ابن عباس: السر في التطوع أفضل من العلانية يقال بسبعين ضعفاً، وصدقة
الفريضة علانيتها أفضل بخمسة وعشرين ضعفاً (ويكفر عنكم) أي: الله أو الإِخفاء ففيه
إسناد مجازي، ومن قرأ مجزوماً فهو عطف على محل جواب الشرط (من سيئاتكم) من
للتبعيض أو لبيان الجنس أي: شيئاً هو السيئات (والله بما تعلمون خبير) ترغيب في الإِخفاء.
(وقال تعالى: لن تنالوا البر) الجنة: أو التقوى، أو كمال الخير (حتى تنفقوا مما تحبون)
أي: بعضه، والمراد منه أداء الزكاة أو صدقة السنة، ويدل على الثاني أن كثيراً من الصحابة
تصدقوا بأراضيهم وأعتقوا جواريهم، حين أنزلت، والمعنى: لن تنالوا البر حتى تنفقوا وأنتم
أصحاء أشحاء (وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم) فيجازي بحسبه (والآيات) الكائنة أو
كائنة (في فضل الإِنفاق في الطاعات) هي ما تقرب بها إلى المولى (كثيرة معلومة) وفيما ذكر
كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد.
٥٧٠ - (وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّل: لا حسد) أي:
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٧١ .
(٢) سورة آل عمران، الآية: ٩٢.

٥٦٤
كتاب : دليل الفالحين
إِلَّ فِي اثْنَيْنِ: رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مَالا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتَه فِي الْحَقِّ، وَرَجُلِ آَتَهُ حِكْمَةً
فَهُوَ يَقْضِي بِها وَيُعَلَّمُها) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ قَرِيباً(١).
٥٧١ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ◌َ، قَالَ: ((لَا حَسَدَ إِلاّ في
اثْنَيْنِ: رَجُلٍ آتاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآناءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً
لأغبطة محمودة (إلا في اثنتين) من الخصال أو في ذي اثنتين منها فعلى الأولى يقدر مضاف
نحو خصلة قبل قوله: رجل وهو في الأصول مرفوع خبر محذوف أي: هما خصلتان رجل
ورجل فحذف المضاف وأقيم رجل مقامه فارتفع (رجل آتاه) أي: أعطاه (الله مالاً) أي:
بطريق لا تبعة فيه كما يومىء إليه إسناد الإِعطاء إلى الله سبحانه، وإلا فالتصدق بالسحت لا
غبطة فيه (فسلطه على هلكته) أي: إتلاف عينه بإبقائه عند الله بإنفاقه لوجهه ومرضاته (في
الحق) متعلق بالمصدر قبله (ورجل آتاه الله حكمة) أي: علماً، ويجوز أن يراد بها القرآن
لورود كل منهما في رواية، ويجوز أن يراد بها السنة والأول أقرب (فهو يقضي بها) أي: عند
التحاكم إليه (ويعلمها) ففيه أن شكر المال إنفاقه في وجوه الطاعات ابتغاء مرضاة الله تعالى
وأن شكر العلم العمل به وتعليمه (متفق عليه) (وتقدم شرحه) أي : تبيان المراد من قوله: لا
حسد (قريباً) نصبه على أنه صفة مصدر أي: تقدما قريباً، أو على الظرفية أي: في مكان
قريب من الكتاب وهو باب فضل الكرم والجود.
٥٧١ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ◌َّ قال: لا حسد) أي: لا ينبغي أن
يحسد أي: يغبط (إلا في اثنتين) ثوابهما بحسن التصرف من فاعلهما (رجل آتاه الله القرآن)
قدم هنا على المال من باب التدلي من الشريف إلى المشروف وعكس في الحديث قبله من
باب الترقي، أو؛ لأن ذلك سبق للحض على الاشتغال بالقرآن فقدم في كل ما سيق له
الحديث وذكر الآخر بالتبع، أو أن ذلك على وجه التفنن في التعبير، وعبر هنا بالقرآن الذي
هو منبع العلوم ومعدنها وأصلها ومكمنها، قال تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيءٍ﴾ (٢)
وقال تعالى: ﴿والكتاب المبين﴾(٣) أي: لكل شيء محتاج إليه كما يؤذن به حذف
(١) أخرجه البخاري في كتاب: العلم، باب: الاغتباط في العلم والحكمة والزكاة وغيرهما (١٥٢/١
و ١٣٥).
وأخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه ...
(الحديث: ٢٦٦) وانظر رقم (الحديث: ٥٤٣).
(٢) سورة الأنعام، الآية: ٣٨.
(٣) سورة الدخان، الآية: ٢ .

٥٦٥
٦٤ - باب: في فضل الغني الشاكر
فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. ((الآنَاءُ)) السَّاعاتُ(١).
٥٧٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ وَهِ،
فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ. فَقَالَ: ((وَمَا ذَاكَ؟)) فَقَالُوا:
يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي،
المعمول؛ لأنه الأصل، وثم بالحكمة مراداً بها العلم الشرعي على قول لعموم حاجة الناس
في معاشهم ومعادهم إليه (فهو يقوم به) أي: في صلاته (آناء الليل وآناء النهار) منصوب
على الظرفية وأعاد المضاف دفعاً لتوهم أن المراد آناء مجموعهما لاكل على الانفراد،
ويحتمل أن يراد من القيام المداومة على تلاوته لا بخصوص كونه في صلاة (ورجل آتاه الله
مالاً) التنكير فيه للتعظيم كما يدل عليه قوله: (فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار) ويحتمل أن
يكون للشبوع فيشمل الجليل منه والحقير، قال تعالى: ﴿لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر
عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها﴾ (٢) (متفق عليه) تقدم ذكر من
خرجه من حديث ابن عمر في باب فضل الكرم المذكور (الآناء) بالفتح ومد الهمزة قبل
النون (الساعات) جمع واحده أنى بالكسر والقصر، وأناء بالمد والفتح، وإني بوزن قنو،
وأنو بوزن دلو، ذكرها الواحدي في تفسيره.
٥٧٢ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن) بالفتح ويجوز كسر الهمزة بتقدير قول قبلها
(فقراء المهاجرين) من إضافة الصفة لموصوفها أي: المهاجرين الفقراء (قالوا) على وجه
الغبطة والتأسف على عدم تمكنهم من ذلك (يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالدرجات) الباء
فيه للتعدية وفيها معنى المصاحبة (العلا) أي: الرفيعة. قال ابن عطية في التفسير الدرجات
العلى هي القرب من الله تعالى (والنعيم المقيم) وهو نعيم الجنة الذي لا ينقضي أبداً
(فقال: وما ذاك) استفهام عن الذي لأجله قيل: فيهم أنهم فازوا بذلك دنيا وعقبى ولم يتركوا
منه للفقراء شيئاً كما يومىء إليه السياق، وأتى باسم الإِشارة الموضوع للبعيد فيه مع قربه
لفخامة شأنه كقوله تعالى: ﴿تلك آيات الكتاب المبين﴾(٣) بناء على أن المشار إليه هو
الحروف المقطعة أول السور (فقالوا يصلون كما نصلي) لفظ ما كافة مهيأة للدخول على
(١) أخرجه البخاري في كتاب: التوحيد وفي فضائل القرآن، باب: اغتباط صاحب القرآن (٦٥/٩).
وأخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: فضل من يقوم بالقرآن ... (الحديث:
٢٦٦).
(٢) سورة الطلاق، الآية: ٧.
(٣) سورة الشعراء، الآية: ٢

٥٦٦
كتاب: دليل الفالحين
وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلاَ نَتَصَدَّقُ، وَيَعْتِقُونَ وَلَ نَعْتِقُ. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: أَفَلَا أُعَلَّمُكُمْ شَيْئاً تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ
بَعْدَكُمْ، وَلاَ يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَّ مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟)) قَالُوا: بَلَى
يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ((تُسَبِّحونَ، وَتُكَبِّرُونَ، وَتَحْمِدُونَ دُبُرَ كُلَّ صَلَةٍ ثَلَاثَاً وَثَلَائِينَ مَرَّةً)»
فَرَجْعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ، فَقَالُوا: سَمِعَ إِخْوَاتْنَا أَهْلُ الأَمْوالِ
بِمَا فَعَلْنَا فَفَعَلُوا مِثْلَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَهِ: ((ذَلِكَ فَضَْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ)) مُتَّفَقٌ
الجملة الفعلية، وتفيد تشبيه مضمون الجملة بالجملة أو مصدرية أي: مثل صلاتنا، أو
موصولة أي: مثل الذي نصليه (ويصومون كما نصوم) أي: هم في العبادات البدنية مماثلون
لنا مساوون فيها وزائدون علينا بالعبادات المالية المدلول عليها بقولهم: (ويتصدقون ولا
نتصدق) كذا في النسخ بإظهار الفوقية وتخفيف المهملة الأولى فيها (ويعتقون) بفتح التحتية
وكسر الفوقية فيهما (ولا نعتق) أي: فهم يرجحون علينا بذلك، إذ لا مال لنا نصل به إلى
مثل ذلك (فقال رسول الله (صلير: أفلا أعلمكم) أي: أترككم تعاباً من ذلك فلا أعلمكم
(شيئاً) أي: عظيماً بقرينة وصفه بقوله: (تدركون به من سبقكم) أي: إلى المنازل العلى أو
من سبقكم من مؤمني الأمم (وتسبقون) بكسر الموحدة (به من بعدكم) أي: في الرتبة أي :
دونكم أو في الزمن (ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم) الاستثناء فيه
منقطع أي: لكن من صنع مثل ما صنعتم فلا تسبقونه ولا يفضل عليه أحد كما لا يفضل
عليكم (قالوا: بلى يا رسول الله) أي: تعليم ذلك مرادفاً لنلحق به من سبق ونحوز به على
من بعد فضل السبق، وفي قولهم: يا رسول الله تحريض على الإعلام أي: إن الله رحم بك
العباد وتعليم ذلك منها فجد به (قال: تسبحون وتكبرون) بتضعيف الفعلين اعتباراً بتكرير
الفعل (وتحمدون) بفتح الفوقية والميم (دبر) أي: خلف (كل صلاة) أي: من المكتوبات
كما جاء كذلك في رواية، ودبر ظرف تنازعه الأفعال قبله وكذا تنازعت (ثلاثاً وثلاثين) وهو
منصوب على المفعولية المطلقة للعامل فيه منها (فرجع) العطف على محذوف دل عليه
السياق أي: فذهب فقراء المهاجرين بما علمهم رسول الله فير فعملوا فعلمه الأغنياء فعملوا
به وشاركوهم فيه كغيره من العبادات البدنية فرجع (فقراء المهاجرين إلى رسول الله وَلا) إذ
فاتهم ما استأثروا به عن الأغنياء ليلحقوهم في فضل عملهم المالي بمشاركتهم فيه (فقالوا:
سمع إخواننا أهل الأموال) هذا تفسير منهم للدثور المذكور عنهم أول الحديث (بما فعلنا)
أي: مما ذكرت وما فيه من عظيم الفضل (ففعلوا مثله) فساوونا فيه وزادوا عليه بالعمل
المالي فرجع الأمر بالآخرة إلى ما اشتكوا منه أولاً (فقال رسول الله وَلي: ذلك فضل الله) أي:

٥٦٧
٦٤ - باب: في فضل الغني الشاكر
عَلَيْهِ. وَهَذَا لَفْظُ رِوَايَةٍ مُسْلِمٍ. ((الدُّثُورُ)): الأَمْوالُ الْكَثِيرَةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (١).
ثوابه (يؤتيه) أي: يعطيه (من يشاء) من فقير وغني، والمشار إليه يحتمل أن يكون السبق إلى
المنازل العلى المذكور أول الخبر أي: أنالهم الله ذلك وقصره عليهم، فلا سبيل لمشاركتهم
فيه من غيرهم، ويحتمل أن يكون الثواب المرتب على هذا المذكور أنه فضل الله إن شاء
خص به الفقراء، أفلا يلزم من إتيان الأغنياء به مساواة الفقراء فيه أي: فلا عليكم من
مشاركتهم في ذلك صورة، والأول قال به: من مال إلى تفضيل الغني الشاكر، والثاني قال
به: من قال بتفضيل الفقير الصابر (متفق عليه) رواه البخاري في الدعوات ومسلم (وهذا
لفظ رواية مسلم) في كتاب الصلاة، وليس في رواية البخاري وصف الدرجات بالعلا، وفيها
أن كلاً من التكبير والتسبيح والتحميد عشراً عشراً وليس عنده من قوله: فرجع فقراء
المهاجرين إلى الآخر، وسبق في باب بيان طرق الخيرات أن حديث أبي ذر عند مسلم بنحو
حديث الباب، وأن كلاً من التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر صدقة، وفيه زيادة على ما في حديث الباب ونقص عنه (الدثور) بضم المهملة
والمثلثة (الأموال الكثيرة) كما في النهاية. وبه يعلم ما في اقتصار الكازروني شارح الأربعين
على قوله: الدثر المال ولم يقیده بالكثير، وفي باب بيان طرق الخيرات الدثور واحدها دثر،
فأفاد ثمة بيان مفرده وهنا بيان معناه. وفي النهاية: الدثور جمع دثر أي: كفلس يقع على
الواحد والاثنين والجمع اهـ.
بعونه تعالى
تم الجزء الرابع ويليه الجزء الخامس
وأوله باب: ذكر الموت
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الدعوات، باب: الدعاء بعد الصلاة (٢٧٠/٢ و٢٧٢) و (١١٣/١٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب الذكر بعد الصلاة ...
(الحديث: ١٤٢).

الفهَس

٥٧١
فهرس الموضوعات
فهرس
الجزء الثالث
٢٧ - باب: في تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم
٥
٢٨ - باب: في في ستر عورات المسلمين والنهي عن إشاعتها لغير ضرورة
٣٢
٢٩ - باب: في قضاء حوائج المسلمين
٣٦
٣٠ - باب: في الشفاعة .
٣١ - باب: في الإِصلاح بین الناس
٧٤
٣٢ - باب: في فضل ضعفة المسلمين
٣٣ - باب: في ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفة والمساكين
٥٥
والمنكسرين والإِحسان إليهم
٣٤ - باب: في الوصية بالنساء
٩٤
٣٥ - باب: في حق الزوج على المرأة
٣٦ - باب: في النفقة على العيال
٣٧ - باب: في الإنفاق مما يحب ومن الجيد
١٢٣
١٢٨
٤٠ - باب: في بر الوالدين وصلة الأرحام
١٧٧
٤١ - باب: في تحريم العقوق وقطيعة الرحم
٤٢ - باب: في فضل بر أصدقاء الأب والأم والأقارب والزوجة وسائر
١٨٧
٤٣ - باب: في إكرام أهل بيت رسول الله وَ لّر وبيان فضلهم
١٩٦
٤٤ - باب: في توقير العلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم على
٢٠٣
٤٥ - باب: في زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم وطلب
٢١٩
٤٦ - باب: في فضل الحب في الله والحث عليه وإعلام الرجل م يحب أنه
٢٤٣
١٠٨
١١٦
٣٨ - باب: في وجوب أمره أهله وأولاده المميزين وسائر من فى رعيته بطاعة الله تعالى
١٣٤
٣٩ - باب: في حق الجار والوصية به
١٤٢
٤١
٤٤

٥٧٢
فهرس الموضوعات
٤٧ - باب: في علامات حب الله تعالى للعبد والحث على التخلق بها
٢٦٠
٤٨ - باب: في التحذير من إيذاء الصالحين والضعفة المساكين
٢٦٦
٢٦٩
٤٩ - باب: في إجراء أحكام الناس على الظاهر، وسرائرهم إلى الله تعالى

فهرس الموضوعات
٥٧٣
فهرس
الجزء الرابع
٥٠ - باب: في الخوف
٢٨٣
٥١ - باب: في الرجاء
٣٠٥
٥٢ - باب: في فضل الرجاء
٣٥٢
٥٣ - باب: في الجمع بين الخوف والرجاء
٣٥٦
٣٦٠
٥٤ - باب: في فضل البكاء من خشية الله تعالى، وشوقاً إليه
٣٧٤
٥٥ - باب: في فضل الزهد في الدنيا، والحث على التقلل منها، وفضل الفقر
٤٢٦
٥٦ - باب: في فضل الجوع وخشونة العيش، والاقتصار على القليل
٥٧ - باب: في القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة
٤٩٨
٥٨ - باب: في جواز الأخذ من غير مسألة
٥٢١
٥٩ - باب: في الحث على الأكل من عمل يده، والتعفف به عن السؤال.
٥٢٣
٦٠ - باب: في الكرم والجود والإِنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى.
٥٢٦
٦١ - باب: في النهي عن البخل والشح
٥٤٨
٦٢ - باب: في الإِيثار والمواساة
٥٥٠
٦٣ - باب: في التنافس في أمور الآخرة والاستكثار مما يتبرك به
٥٥٨
ـير
٦٤ - باب: في فضل الغني الشاکر وهو من أخذ المال من وجهه
٥٦١