النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١ ٦٠ - باب: في الكرم والجود والإنفاق وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمَاً فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَلاَ يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيْهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَخْبَثِ المَنَازِلِ، وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ مَالَا وَلَا عِلْمَاً فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِيَ مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلانٍ فَهُوَنِيَّتُهُ فَوِزْرُهُمَا سَواءٌ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيْثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(١). ٥٥٧ _ وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا أَنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((مَا بَقِيَ مِنْهَا؟)) قَالَتْ: مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلَّ كَتِفُهَا. قَالَ: ((بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا)) رَوَاهُ التِّرِمِذِيُّ، وَقَالَ: التصرف المأذون فيها شرعاً والممنوع منها كذلك (فهو يخبط) بكسر الموحدة (في مال الله بغير علم) وقوله: (لا يتقي فيه ربه) بترك إتلافه في المحارم ويبذله في المآثم (ولا يصل فيه رحمه) وفي الإِتيان بفي هنا وفيما قبله تجريد كقوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (٢) لأن المال نفس الصلة لا أنها فيه، كما أنه وملل نفس القدوة لا أنها فيه (ولا يعلم الله فيه حقاً) لجهله به فلا يؤدي حق المال واجباً كان أو مندوباً لجهله وحرصه على جمعه وإتلافه في مستلذات نفسه (فهذا بأخبث المنازل) لما له من المآثم التي ارتكبها بماله الذي أتلفه مع جهله وعدم علمه (وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً فهو) أي: العبد الفاقد لهما لجهله (يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان) أي: بصرفه في الملابس الفاخرة واستماع الملاهي وأكل المستلذات المحرمة وغير ذلك (فهو نيته) إعرابه كما تقدم أي: فيجد إثم نيته قصد الفساد (فوزرهما سواء) باعتبار العزم على المحرم وإن زاد الفاعل بإثم الفعل (رواه الترمذي) في أبواب الزهد من جامعه (وقال: حديث حسن صحيح). ٥٥٧ - (وعن عائشة رضي الله عنهما أنهم) أي: ذوي عائشة أو أهل بيت النبي ◌َّو (ذبحوا شاة) أي: فتصدقوا بها ما عدا كتفها (فقال النبي ◌َّة) بعد أن عاد لمنزلها لداع دعا للسؤال عما بقي من لحمها وقد علم أنهم تصدقوا ببعضها (ما بقي منها) أي: عندك (قالت ما بقي) أي: عندنا (إلا كتفها) بفتح الكاف وكسر الفوقية على الأفصح أي: أنفقنا الجميع وتصدقنا به ما عدا ذلك (قال: بقي كلها) أي: ثواب كلها؛ لأنه تصدق به تقرباً إلى الله تعالى فهو يخلفه ويجزي علیه (غیر کتفها) أي: فإنه یفتي بأكله. ومثله لا ثواب فيه إن لم يقارنه قصد صحيح، وهذا تحريض على الصدقة والاهتمام بها، وأن لا يستكثر المرء ما أنفقه فيها، فإنه (١) أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: ما جاء مثل الدنيا مثل أربعة نفر (الحديث: ٢٣٢٥). (٢) سورة الأحزاب، الآية: ٢١. ٥٤٢ كتاب : دليل الفالحين حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وَمَعْنَاهُ: تَصَدَّقُوا بِهَا إِلَّ كَتِفَهَا فَقَالَ: بَقِيَتْ لَنَا فِي الآخِرَةِ إِلَّ كَتِفَهَا (١). ٥٥٨ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أبي بَكْرِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِوَّهِ: لَا تُوكِي فَيُوكِيَ الله عَلَيْكِ)) وَفِي رِوَايَةٍ ((أَنْفقي أوْ انْفَحي أو انْضِحي، وَلَ تُخْصِي فَيُحْصِيَ الله عَلَيْكِ، وَلَا تُوعِي فَيُوعِيَ الله عَلَيْكِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. و((انْفَحي)) بِالحاءِ وإن فني صورة فهو باق حقيقة لصاحبه عند الله یری ثوابه مضاعفاً عند حاجته ومزيد فاقته، ففيه أعظم تحريض عليها من كل ما يأكله الإِنسان، لأن من استحضر أن ما يأكله لا ثواب له فيه حيث لا غرض صحيح معه، وإن ما يتصدق به بقي له عند مولاه حمله ذلك على التصدق منه ولو بلقمة (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح ومعناه) أي: الحديث من حيث الجملة (تصدقوا بها إلا كتفها فقال: بقي كلها إلا كتفها) وذلك؛ لأن ما بقي منها يفنى بأكله وما تصدق به باقياً عند الله سبحانه. ٥٥٨ - (وعن أسماء) بسكون المهملة بعدها ميم وألف ممدودة (بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما) تقدمت ترجمتها في باب بر الوالدين (قالت: قال لي رسول الله مطار: لا توكي) قال في النهاية أي: لا تدخري وتشدي ما عندك وتمنعي ما في يدك (فيوكي) بالنصب أي: فيقطع (الله عليك) مادة الرزق، والجزاء من جنس العمل وهذا مفهوم قوله تعالى: ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه﴾ (٢) (وفي رواية) هي لمسلم في الزكاة من صحيحه (أنفقي) (أو) شك من الراوي (انفحي أو انضحي) قال المصنف بكسر الضاد المعجمة، والمعنى: أعطي النضح والنفح العطاء، ويطلق النضح على الصب فلعله المراد هنا ويكون أبلغ من النفح (ولا تحصي) أي: تمسكي المال وتدخريه من غير إنفاق ومنه (فيحصى) كذا هو في نسخ الرياض بالمبني للمجهول وفي الزكاة من البخاري ومسلم فيحصي الله (عليك) بذكر الفاعل ولعل حذفه من نسخ الرياض إن لم يكن من سبق القلم من المصنف من تحريف الكتاب أي: يمسك عنك مادة الرزق والبركة فيه ويناقشك الحساب في الموقف، إذ أصل الإِحصاء الإِحاطة بالشيء جملةً وتفصيلاً وهذا فيه تلف أي: تلف، فيكون مطابقاً لأعط كل ممسك تلفاً وستفاد منه أن الممسك يعاقب بتلف ما عنده وحبس مادة رزقه والبركة فيه ومناقشة الحساب، وقد قال ◌َ: ((من نوقش الحساب عذب)) وهذا أبلغ وأليق بمقام التنفير والتغليظ (ولا توعي) أي: تمنعني ما فضل عنك عمن هو محتاج إليه (فيوعي) (١) أخرجه الترمذي في كتاب: صفة القيامة [باب: ٣٣]، (الحديث: ٢٤٧٠). (٢) سورة سبأ، الآية: ٣٩. ٥٤٣ ٦٠ - باب: في الكرم والجود والإنفاق المُهمِلةِ وَهُوَ بِمَعْنَى: ((أَنْفقي) وَكَذَلِكَ ((انْضَحي))(١). ٥٥٩ _ وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَيَقُولُ: ((مَثَلُ البَخِيْلِ والمُنفقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُنْتَانِ مِنْ حَدِيْدٍ مِنْ تُدِيِّهِما إلى تَراقِيهِمَا. فَأَمَّا المُنفِقُ فَلَا يُنْفِقُ إِلَّ سَبَغَتْ بالنصب (الله عليك) أي: يصيبك على أعمالك بالتشديد عليك في الحساب أو يمنع عنك فضله وجوده، وبهذا يعلم أن هذه بمعنى ما قبلها وأن القصد مزيد التأكيد والحث على الإِنفاق (متفق عليه) رواه مسلم بجملته وإن اقتصر المصنف على عزو قوله: وفي رواية إلیه، والبخاري روى عنها في حديث أن النبي شهر قال لها: ((لا توکی فیوکی علیك» وعند بعض رواته وقال: ((لا تحصي فيحصي الله عليك)) وفي حديث آخر عنها أن النبي ◌َّ قال لها: ((لا توعي فيوعي الله عليك انضحي ما استطعت)» (وانفحي) بسكون النون وفتح الفاء و (بالحاء المهملة وهو بمعنى أنفقي وكذلك) أي: ككون انفحي بمعنى أنفقي (انضحي) فانفحي المشار إليه مشبه به وانضحي مشبه، قال في شرح مسلم: معنى انفحي وانضحي: أعطي النفح، والنضح: العطاء. ٥٥٩ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله وسلم يقول: مثل) بفتح أوليه أي: صفة (البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان) بالموحدة أو النون كما قاله غير واحد، وقول بعضهم: إنه لا شك ولا خلاف أنه بالنون رده بعض المحققين أنه بالنون تصحيف، قيل: ومما يرجح النون أن الدرع لا يسمى جبة بالباء بل بالنون (من حديد) حكمة إيثاره الإعلام بأن القبض والشح من جبلة الإِنسان، ولذا أضيف إليه في ﴿ومن يوق شح نفسه﴾(٢) وأن السخاوة من عطاء الله وتوفيقه يمنحها من شاء من عباده وإيثار الجنة على الغل؛ لأنه يتأنى فيه الانقباض والانبساط المشار بهما إلى ما يأتي (من ثديهما) قال المصنف بضم الثاء المثلثة أي: وكسر الدال وتشديد التحتية على الجمع، كذا في معظم نسخ مسلم جمع ثدي بوزن فلس، وفيه رد على من قال إنه خاص بالمرأة، ويقال في مثله من الرجل ((تندوه)) بضم الفوقية والدال المهملة وسكون النون بينهما ومن فيه ابتدائية (إلى تراقيهما) جمع ترقوة بضم الفوقية والقاف وسكون الراء وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق من الجانبين. قال بعضهم: ولا يكون لغير الإِنسان من باقي الحيوان (فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت) أي: (١) أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: التحريض على الصدقة (٢٣٨/٣) و(١٦٠/٥). وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: الحث على الانفاق ... (الحديث: ٨٨). (٢) سورة الحشر، الآية: ٩. ٥٤٤ كتاب : دليل الفالحين أو وَفَرَتْ عَلى جِلْدِهِ حَتَّى تُخِفِيَ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَأَمَّا الْبَخِيلُ فَلَا يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئاً إلَّا لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا فَهُوَ يُوَسِّعُها فَلَا تَتَسِعُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. و((الْجُنَّةُ)): امتدت وکملت (أو) شك من الراوي (وفرت) بتخفيف الفاء (على جلده حتى تخفي بنانه) مفاصل الإصبع بالموحدة ونونين، ومن قاله بالمثلثة والتحتية والموحدة فقد صحف (وتعفو أثره) أي: تغطي أثره حتى لا يبدو، وتعفو منصوب عطفاً على تخفي وكلاهما مسند إلى ضمير الجنة أو الجبة، وعفا يستعمل لازماً ومتعدياً، تقول عفت الديار إذا درست وعفاها الريح إذا طمسها، وهو في الحديث متعد. قال الحافظ في الفتح: والمعنى أن الصدقة تستر خطاياه كما يغطي الثوب الذي يجر على الأرض أثر صاحبه إذا مشى بمرور الذيل عليه وسيأتي فيه مزيد (وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئاً إلا لزقت) في رواية لمسلم انقبضت، وفي رواية لهما عضت (كل حلقة) بسكون اللام (مكانها) والمفاد واحد إلا أن الأولى نظر فيها إلى صورة الضيق والأخرى إلى سببه (فهو يوسعها) أي: يريد توسيعها بالبذل فتشح نفسه ولا تطاوعه (فلا تتسع) وفي هذا وعد المتصدق بالبركة وستر العورة والصيانة من البلاء فإن جبة الحديث لا تعد للستر فقط بل له وللصون من الآفات، وهذا كما ورد أن الصدقة تدفع البلاء وفي البخيل على الضد فهي معدة لهتك عورته وكونه هدفاً لسهام البلاء والعياذ بالله تعالى كذا في مصابيح الجامع. قال الخطابي وغيره: هذا مثل ضربه النبي ◌َّ للبخيل والمتصدق، فشبههما برجلين أراد كل واحد منهما لبس درع يستتر به من سلاح عدوه فصبها على رأسه ليلبسها، والدرع: أول ما يقع على الرأس إلى الثديين إلى أن يدخل الإِنسان يديه في كميها فجعل المنفق کمن لبس درعاً سابغة فاسترسلت عليه حتى سترت جميع بدنه، وجعل البخيل كمثل رجل غلت يداه إلى عنقه فكلما أراد لبسها اجتمعت في عنقه فلزمت ترقوته، وهو معنى قلصت أي: تضامت واجتمعت، والمراد أن الجواد إذا هم بالصدقة انفسح لها صدره وطابت نفسه وتوسعت في الإِنفاق، والبخيل إذا حدثها بها شحت بها فضاق صدره وانقبضت يداه ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾(١) وقال المهلب: المراد أن الله يستر المنفق في الدارين، بخلاف البخيل فإنه يفضحه، ومعنى يعفو أثره يمحو خطاياه. وتعقبه عياض بأن الخبر جاء على التمثيل لا على الإخبار عن كائن. وقيل: هو تمثيل لنماء المال بالصدقة، والبخيل بضده اهـ. (متفق عليه) واللفظ للبخاري في كتاب الزكاة وهو عند مسلم بنحوه فيها من طرق (والجنة) في النسخ بالنون وهو ما صوبه في شرح مسلم، وقال: لوروده كذلك في رواية بلا شك، وتقدم تعقب بعض المحققين له في ذلك (١) سورة الحشر، الآية: ٩ ٥٤٥ ٦٠ - باب: في الكرم والجود والإنفاق الدِّرْعُ. وَمَعْنَاهُ: أَنَّ المُنفِقَ كُلَّمَا أَنْفَقَ سَبَغَتْ وَطَالَتْ حَتَّى تَجُرَّ وَرَاءَهُ وَتُخْفِيَ رِجْلَيْهِ وَأَثَرَ مَشْيِهِ وَخُطُوَاتِهِ(١). ٥٦٠ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: ((مَنْ تَصَلَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ، مِنْ كَسْبِ طَيِّب - وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّ الطَّيّبَ - فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرِبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ((الْفَلُ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَضَمِّ (الدرع) بكسر الدال وبالراء والعين المهملات، وهي الثوب المنسوج من الحديد وهي مؤنثة في الأكثر (ومعناه: أن المنفق كلما أنفق سبغت وطالت حتى تجر وراءه وتخفي رجليه وأثر مشيه وخطواته) أي: كما هو شأن الثوب الرافل، هذا بيان لمعاد الضمائر باعتبار ظاهر اللفظ، أما المعنى المراد فسكت عن بيانه هنا. ٥٦٠ - (وعنه قال: قال رسول الله له: من تصدق بعدل تمرة) قال الحافظ في الفتح أي: بقيمتها؛ لأنه بالفتح: المثل، وبالكسر الحمل بكسر المهملة هذا قول الجمهور. وقال الفراء بالفتح: المثل من غير جنسه، وبالكسر من جنسه، وقيل: بالفتح مثله في القيمة وبالكسر. الشطر وأنكر البصريون هذه التفرقة، وقال الكشاف: هما بمعنى، كما أن لفظ المثل لا يختلف، وضبط في هذه الرواية الأكثر بالفتح والتمرة بالمثناة، ولفظ مسلم ((ما تصدق أحد بصدقة)) (من كسب طيب) أي: حلال خال عن الغش والخديعة، وقوله: (ولا يقبل الله إلا الطيب) جملة معترضة بين الشرط والجزاء لتقرير ما قبله، وفي رواية سليمان بن بلال الذي أشار إليها البخاري ((ولا يصعد إلى الله إلا الطيب)) قال القرطبي: وإنما لم يقبل الله الصدقة بالحرام؛ لأنه غير مملوك للمتصدق وهو ممنوع من التصرف فيه والتصدق به تصرف فيه فلو قبل لزم أن يكون الشيء مأموراً ومنهياً من وجه واحد وهو محال (فإن الله يقبلها بيمينه) وفي رواية لمسلم ((إلا أخذها الله بيمينه)) وعند مسلم أيضاً في رواية ((إلا أخذها الرحمن)) قال الحافظ في الفتح: وفي رواية لمسلم ((فيقبضها)) وفي حديث عائشة عند البزار ((فتلقاه الرحمن بيده)) (ثم يربيها) في مسلم فيربيها (كما يربي أحدكم فلوه) جاء في رواية ((كما يربي أحدكم مهره)) وفي أخرى عند البزار: مهره أو وصيفه أو فصيله (حتى تكون) أي : المتصدق به القليل بالتنمية (مثل الجبل) وفي رواية عند الترمذي ((حتى أن اللقمة لتصير مثل أحد)) قال الحافظ: والظاهر أن المراد بعظمها أن عينها تعظم لتنقل في الميزان، ويحتمل أن يكون ذلك معبراً به عن ثوابها، ومثله في كلام المصنف في شرح مسلم نقلاً عن عياض (١) أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: مثل البخيل والمتصدق واللفظ له (٢٤١/٣، ٢٤٢). وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: مثل المنفق والبخيل (الحديث: ٧٥) ٥٤٦ كتاب: دليل الفالحين اللامِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ. وَيُقَالُ أَيْضاً بِكَسْرِ الْفَاءِ وَإِسْكانِ اللَّمِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ وَهُوَ: الْمُهْرُ(١). ٥٦١ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَهَ قَالَ: ((بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي بِفَلَةٍ مِنَ الْأَرْضِ وسيأتي حكمة ضرب المثل بالفلو. قال المازري: وهذا الحديث وشبهه إنما عبر به على ما اعتادوا في خطابهم ليفهموا عنه، فكني عن قبول الصدقة باليمين وعن تضعيف أجرها بالتربية. وقال عياض: لما كان الشيء الذي يرتضى يتلقى باليمين ويؤخذ استعمل في مثل هذا واستعير اليمين للقبول، وليس المراد به الجارحة، وقيل: عبر باليمين عن جهة القبول إذ الشمال بضده، وقيل: المراد بعين الدافع إليه الصدقة وإضافتها إلى الله تعالى إضافة ملك واختصاص لوضع هذه الصدقة في يمين الآخذ لله تعالى، وقيل: المراد سرعة القبول وقيل: حسنة. وقال الزين بن المنير: الكناية عن الترضي والقبول بالتلقي باليمين، لتثبيت المعاني المعقولة في الأذهان وتحقيقها في النفوس تحقيق المحسوسات أي: لا تشكك في القبول كما لا يتشكك من عاين التلقي للشيء باليمين لا أن أتناول كالتناول المعهود ولا أن المتناول به جارحة. وقال الترمذي في جامعه: قال أهل العلم من أهل السنة والجماعة: نؤمن بهذه الأحاديث ولا نتوهم فيها تشبيهاً، ولا نقول كيف هكذا روي عن مالك وابن عيينة وابن المبارك وغيرهم. وأنكرت الجهمية هذه الروايات اهـ. (متفق عليه) روياه في الزكاة من صحيحيهما واللفظ للبخاري (الفلو) فيه لغتان أفصحهما وأشهرهما (بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو) وثانيهما أشار إليه بقوله: (ويقال: بكسر الفاء وإسكان اللام وتخفيف الواو وهو المهر) قال أبو زيد: إذا فتحت الفاء شددت الواو وإذا کسرتها سکنت اللام کجريء، وقال في شرح مسلم: سمي به؛ لأنه فلى عن أمه أي: فصل وعزل، وقال الحافظ: وقيل هو كل فطيم من ذات حافر وضرب به المثل؛ لأنه يزيد زيادة بينة؛ ولأن الصدقة نتاج العمل وأحوج مايكون النتاج إلى التربية إذا كان فطيماً، وإذا أحسن العناية به انتهى إلى حد الكمال، وكذا عمل ابن آدم لا سيما الصدقة، فإن العبد إذا تصدق من كسب طيب لا يزال نظر الله يكسبها الكمال حتى تنتهي بالتضعيف إلى نصاب تقع المناسبة بينه وبين ما قدم نسبة ما بين التمرة إلى الجبل. ٥٦١ - (وعنه رضي الله عنه عن النبي ◌َّ قال: بينما) ما مزيدة لكف بين عن الإِضافة فالجملة بعده مستأنفة (رجل بفلاة) هي الأرض التي لا ماء فيها وجمعها فلا مثل حصاة (١) أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة باب: الصدقة من كسب طيب (٢٢١/٣، ٢٢٢). وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: قبول الصدقة من الكسب ... (الحديث: ٦٣، ٦٤). ٥٤٧ ٦٠ - باب: في الكرم والجود والإنفاق فَسَمِعَ صَوْتاً فِي سَحَابَةً: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ. فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأَفْرَغَ مَاءَهُ في حَرَّةٍ، فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ، فَتَبَّعَ الْمَاءَ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ. فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ، لِلاسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ. فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ وحصى وجمع الجمع أفلاءكسبب وأسباب كذا في المصباح، ويؤخذ منه أن قوله: (من الأرض) تصريح بما فهم مما قبله (فسمع صوتاً) لعله صوت الملك الموكل بالسحاب وهو الرعد (في سحابة) واحدة السحاب سمي به لإِنسحابه في الهواء وجمع السحاب سحب بضمتين (اسق حديقة فلان) لم أقف على من سماه. والحديقة البستان يكون عليه حائط فعيلة بمعنى مفعولة؛ لأن الحائط أحدق بها أي: أحاط ثم توسعوا حتى أطلقوا الحديقة على البستان وإن كان بغير حائط والجمع حوائط (فتنحى ذلك السحاب) أتى بما يشار به للبعيد مع أن المشار إليه قريب إما تعظيماً له فيكون كقوله تعالى: ﴿ذلك الكتاب﴾ وإما؛ لأنه لما كان اللفظ عرضاً لا يوجد التالي له إلا بعد انعدام ما قبله صار ما قبل كالبعيد فيشار إليه بما يشار به إليه، وهذا محتمل لكون السحاب أوتي فهماً فامتثل ما أمر؛ ولأن يكون باقياً على جماديته، وقوله اسق أمر تكويني وقوله: فتنحى بيان لترتب أثر الأمر الإِلَهي عليه حالاً من غير توان ولا تراخ، قال تعالى: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾(١) وعلى الثاني فيكون في قوله: (فافرغ) أي: صب (ماءه) أي: الذي فيه والإِضافة لأدنى ملابسة (في حرة) إسناده مجازي إن كان الفعل للمعلوم وفاعله ضمير يعود إلى السحاب كما هو كذلك في أصل مصحح وإن كانت الرواية ببنائه للمجهول فلا (فإذا شرجة من تلك الشراج) أي: مسيل من تلك المسايل (قد استوعبت ذلك الماء كله فتتبع) أي: الرجل السامع الصوت (الماء، فإذا رجلٍ قائم في حديقته) الظرف خبر بعد خبر، ويصح كونه حالاً من ضمير الخبر فيكون مستقراً، ويجوز أن يكون لغواً متعلقاً بقائم (يحول الماء بمسحاته فقال له: يا عبد الله) ناداه بالوصف القائم حقيقة بكل إنسان ﴿إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً﴾(٢) (ما اسمك) أي: العلم عليك ويحتمل أن يراد مطلق ما يعرف به من علم أو صفة أو غيره (قال فلان:) خبر لمحذوف دل عليه ذكره في السؤال وفلان كما تقدم كناية عن المبهم من الإِنسان (للاسم) في محل الحال من فلان أي: موافقاً للاسم (الذي سمع) العائد محذوف أي: سمعه (في السحابة فقال:) أي: بعد بيان اسمه له (يا عبد الله ولم تسألني) الواو عاطفة على مقدر أي: أجبتك عن مسألتك وأسألك (عن) سبب سؤالك عن (١) سورة النحل، الآية: ٤٠. (٢) سورة مريم، الآية : ٩٣. ٥٤٨ كتاب: دليل الفالحين اسْمِي؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتاً فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ: اسْقٍ حَدِيقَةَ فُلانٍ لِإِسْمِكَ فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا؟ فَقَالَ: أَمَّا إِذْ قُلْتَ هَذَا فَبِإِنِّي أَنْظُرُ إلى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وأَكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثَاً، وَأَرُدُّ فِيهَا تُلُثَهُ)) رَوَاهُ مُسْلِمْ. ((الْخَرَّةُ»: الْأَرْضُ الْمُلَبَّسَةُ حِجَارَةً سُوداً. وَ ((الشَّرْجَةُ)) بِفَتْحِ الِّينِ الْمعجَمَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وبَالْجِيمِ هِيَ: مَسِيلُ الْمَاءِ (١). (اسمي) واللام جارة لما الاستفهامية حذفت ألفها كقوله تعالى: ﴿عم يتساءلون﴾(٢) وقوله: ﴿بم يرجع المرسلون﴾(٣) (فقال إني سمعت صوتاً في السحاب) أل فيه للعهد الذهني بقرينة قوله: (الذي هذا ماؤه) ويحتمل كونها للجنس (يقول) جملة في محل الحال من الصوت على حذف مضاف أي: ذا صوت قائلاً: (اسق) بوصل الهمزة في الأصح ويجوز قطعها يقال: سقاه وأسقاه بمعنى (حديقة فلان وقوله: فما تصنع فيها؟) استفهام عن بيان ما أنتج له من العناية الإلهية حسن هذه الثمرة بالتخصيص (فقال: أما) بفتح الهمزة وتشديد الميم حرف للتأكيد متضمن معنى الشرط (إذ قلت هذا) أي: أخبرت بما سمعت مما دعاك للسؤال (فإني) أبين لك عملي الذي نتج عنه بفضل الله سبحانه ذلك وهو أني (انظر إلى ما يخرج منها) أي: من الأرض من حب أو تمر (فأتصدق بثلثه) بضم أوليه في الأفصح، ويجوز تسكين ثانيه تخفيفاً زيادة في التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وإلا فالواجب في شريعتنا في النصاب من ذلك العشر تارة ونصفه أخرى (وآكل أنا وعيالي) أي: أعولهم من أهل وولد وزوجة وخادم وغير ذلك (ثلثاً وأرد فيها ثلثه) أي: ثلث الخارج (رواه مسلم) في صحيحه في أبواب الزهد (الحرة) بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء وبالتاء (الأرض الملبسة حجارة سوداً) أي: التي علاها ذلك وغلب عليها فكأنها لبست، وقال في المصباح: والجمع حرار ككلبة وكلاب (والشرجة بفتح الشين) المعجمة (وإسكان الراء وبالجيم) وسكت المصنف عن التاء آخره، قال في المصباح: وبعضهم يحذف فيقول: شرح هي (مسيل الماء) وجمعها شراح ككلية وكلاب باب النهي عن البخل والشح قال في المصباح: بخل بخلاً أي: بفتح أوليه، وبخلاً أي: بضم فسكون من بابي (١) أخرجه مسلم في كتاب: الزهد والرقائق، باب: الصدقة في المساكين (الحديث: ٤٥). (٣) سورة النمل، الآية: ٣٥. (٢) سورة النبأ، الآية: ١. X-00 ٥٤٩ ٦١ - باب: في النهي عن البخل والشح ٦١ - باب: في النهي عن البُخل والشحّ قَالَ اللَّهُ تَعَالى (١): ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنْيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى* وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ وقال تعالى (٢): ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وَأَمَّ الْأَحَادِيثُ فَتَقَدَّمَتْ جُمْلَةٌ مِنْهَا فِي الْبَابِ السَّابِقِ. تعب وقرب والاسم البخل، وزان فلس. والبخل في الشرع: منع الواجب، وعند العرب: منع السائل مما يفضل عنده، وفيه أيضاً الشح البخل، وفي شرح مسلم للمصنف قال جماعة: الشح أشد البخل وأبلغ في المنع منه، فقيل: هو البخل مع حرص، وقيل: البخل في أفراد الأمور، والشح عام. وقيل: البخل بالأموال خاصة والشح بالمال والمعروف. وقيل: الشح الحرص على ما ليس عنده، والبخل بما عنده اهـ. وأصله في النهاية وزاد شح يشح شحاً فهو شحيح، والاسم الشح، وترجمة المصنف تمشي على هذا، فإن الأصل في العطف التغاير، وعلى ما في المصباح يكون من عطف الرديف اكتفاء بتغاير اللفظ كهو في قوله تعالى: ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾(٣) (قال الله تعالى: وأما من بخل) أي: بالإِنفاق في الخيرات (واستغنى) أي: بالدنيا عن العقبى (وكذب بالحسنى فسنيسره) في الدنيا (للعسرى) للخلة المؤدية إلى الشدة في الآخرة وهي الأعمال السيئة ولهذا قالوا: من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن جزاء السيئة السيئة بعدها (وما يغني عنه ماله إذا تردى) أي: هلك وسقط وتردى في جهنم. (وقال تعالى: ومن يوق شح نفسه) أي: ومن سلم من الحرص الشديد الذي يحمله على ارتكاب المحارم تمنع أداء ما وجب عليه أداؤه، وفي تفسير ابن عطية: شح النفس فقر لا يذهبه غنى المال بل يزيده وينصب به. وقال ابن زيد وابن جبير وجماعة: من لم يأخذ شيئاً نهاه الله عنه ولم يمنع الزكاة المفروضة فقد برىء من شح النفس. وقال ابن مسعود: شح النفس أكل مال الناس بالباطل، أما منع الإِنسان ماله فبخل وهو قبيح ولكن ليس بشح (فأولئك هم المفلحون) الفائزون ببغيتهم (وأما الأحاديث) أي: النبوية (فتقدم جملة منها في الباب السابق) كقوله: ((وأن تمسكه شر لك)) وقوله: ((وأعط كل ممسك تلفاً، ولا توكي فيوكي الله عليك)) وباقي أحاديث ذلك الباب تدل بمفهومها على ما عقد له هذا الباب؛ لأن الثناء على الكرم والأمر به ذم بضده ونهي عنه (١) سورة الليل، الآيات: ٨، ٩، ١٠، ١١. (٢) سورة التغابن، الآية: ١٦ (٣) سورة يوسف، الآية: ٨٦. ٥٥٠ كتاب : دليل الفالحين ٥٦٢ - وَعَنْ جَابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَالَ: ((اتّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١). ٦٢ - باب: في الإيثار والمواساة قَالَ الله تَعَالَى (٢): ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ ٠ ٥٦٢ - (وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله وَل﴿ قال: اتقوا الظلم) أي: اتخذوا لكم وقاية منه بالقسط. والظلم التصرف في حق الغير بغير طريق شرعي، وقيل: وضع الشيء في غير موضعه (فإن الظلم) أي: في الدنيا (ظلمات) بضم اللام وبإسكانها تخفيفاً وبالفتح (يوم القيامة) يحتمل كما تقدم أنه على حقيقته وظاهره أنه يصير ظلمة في الآخرة، ويحتمل كونها كناية عن شدائد ذلك اليوم وما يلقاه من الأهوال (واتقوا الشح) بالضم على الأفصح من لغات ثلاث في أوله (فإن الشح) أتى بالظاهر فيه وفيما قبله(٣) تقبيحاً له وتنفيراً منه ونعتاً(٤) بقبحه بالنداء عليه بالاسم الدال على ذلك (أهلك من كان قبلكم) أي: من بني إسرائيل (حملهم على أن سفكوا) بفتح الفاء أي: أراقوا (دماءهم) أي: قتل بعضهم بعضاً فهو كقوله تعالى: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم﴾(٥) قال المفسرون أي: لا يقتل بعضكم بعضاً (واستحلوا محارمهم) أي: ما حرم عليهم من الشحوم فباعوه، واحتالوا لولوج السمك إلى ما حفروه يوم السبت ليدخل في حوزهم فيبيعوه بعد فيوقعهم في ذلك الشح (رواه مسلم) وقد تقدم مع شرحه في باب تحريم الظلم. باب الإِيثار بكسر الهمزة وسكون التحتية بعدها مثلثة مصدر آثر يؤثر (والمواساة) مفاعلة من التواسي قال في القاموس: آساه بماله مواساة: أناله منه وجعله فيه أسوة ولا يكون ذلك إلا من كفاف، فإن كان من فضل فليس بمواساة. اهـ. وقال في محل آخر منه: واساه مواساة أي: بالواو بدل الهمزة لغة رديئة اهـ. (قال تعالى ويؤثرون) أي: يقدمون يعني الأنصار (١) أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم الظلم، (الحديث: ٥٦). (٢) سورة الحشر، الآية: ٩. (٣) أي قوله فإن الظلم. (٤) كذا، ولعله ((نعياً). ع. (٥) سورة البقرة، الآية: ٨٤. ٥٥١ ٦٢ - باب: في الإيثار والمواساة وَقَالَ تَعَالَى: (١): ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾ . ٥٦٣ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلى النَّبِّوَّهِ فَقَالَ: إِنِّي مَجْهُودٌ، فَأَرْسَلَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ فَقَالَتْ: والَّذِي بِعَثَكَ بِالحَقِّ مَا عِنْدِي إِلا ماءٌ، والمهاجرون (على أنفسهم) فيما عندهم من الأموال (ولو كان بهم خصاصة) أي: حاجة إلى ما عندهم، ونزلت في قصة الأنصاري الآتية أول الأحاديث. (وقال تعالى: ويطعمون الطعام على حبه) الأولى أن يكون الضمير للطعام ليكون موافقاً لقوله تعالى: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾(٢)؛ ولأن فيما بعده وهو لوجه الله غنية عن أن يكون التقدير على حب الله (مسكيناً ويتيماً وأسيراً) وإن كان من أهل الشرك أمر يتعلق بإكرام الأسراء يوم بدر والمراد المسجونون من المسلمين ﴿إنما نطعمكم لوجه الله﴾(٣) أي: قائلين ذلك بلسان الحال أو المقال لتعريف الفقير أنها صدقة لا تطلب جزاء، وقوله: لوجه أي: إطعاماً خالصاً غير مشوب ﴿لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً﴾(٣) مصدر كالقعود والجملة حالية من فاعل نطعم ﴿إنا نخاف من ربنا﴾ (٤) جملة مستأنفة كالتعليل ﴿يوماً﴾(٤) أي: عذابه فهو مفعول به ﴿عبوساً﴾ (٤) شديد العبوس مجازاً أي: عبوساً فيه أهله أو كالأسد العبوس في الضرر والشدة ﴿قمطريراً﴾ (٤) شديد العبوس. عن عكرمة وغيره يعبس الكافر حتى يسيل من عينيه عرق كالقطران. وعن ابن عباس: العبوس: الضيق، والقمطرير: الطويل ﴿فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة﴾(٥) بدل عبوس الكفار ﴿وسروراً﴾(٥) بدل حزنهم ﴿وجزاهم بما صبروا﴾(٦) بدل صبرهم على ترك الشهوات وأداء الواجبات ﴿جنة وحريراً﴾(٦) يلبسونه وهذا مراد الشيخ رحمه الله بقوله: (الآيات) فإن فيها بيان مثوبة الإِيثار والمواساة من الله سبحانه. ٥٦٣ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل) قال الشيخ زكريا في تحفة القارىء: هو أبو هريرة، وفي تفسير ابن عطية: أنه مهاجري ولم يسمه فلعله هو (إلى النبي وَه فقال: إني مجهود ) أي: أصابني الجهد وهو المشقة والحاجة وسوء العيش، والجوع (فأرسل لي بعض نسائه) يحتمل بدؤه بها لتجويزه وجود شيء عندها مما يسد حاجة الرجل أو لقرب منزلها منه وتأخير الباقيات لبعد منزلهن بالنسبة إلى الأولى (فقالت) أي: المرسل إليها منهن (والذي بعثك بالحق) أي: محقاً أو متلبساً به (ما عندي إلا ماء) ومرادها (١) سورةالإِنسان، الآية: ٨. (٢) سورة آل عمران، الآية: ٩٢. (٣) سورة الإِنسان، الآية: ٩. (٤) سورة الإِنسان، الآية: ١٠. (٥) سورة الإِنسان، الآية: ١١. (٦) سورة الإِنسان، الآية: ١٢. ٥٥٢ كتاب: دليل الفالحين ثُمَّ أَرْسَلَ إِلى أُخرَى فقالت مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى قُلْنَ كُلَّهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا عِنْدِي إِلا ماءً، فقالَ النّبِيُّ ◌َ: مَنْ يُضِيفُ هذَا الَّيْلَةَ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَانْطَلَقَ بِهِ إلى رَحْلِهِ فَقَالَ لإِمْرَأَتِهِ: أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولٍ اللّهِ وَ﴿ه. وفِي رِوايَةٍ قَالَ لِإِمْرَأَتِهِ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ قالت: لا إِلا قُوتُ صِبْيَانِ. ما عندي من جنس ما يطعم شيء من الأشياء إلا الماء بقرينة السياق. فالاستثناء مفرغ من أعم الأشياء (ثم أرسل إلى أخرى) أي: منهن (فقالت: مثل ذلك) هذا من باب الرواية بالمعنى والمشار إليه قول السابقة والذي بعثك إلخ أي: فقالت الثانية ذلك المقال وهكذا (حتى قلن كلهن) توكيد للضمير قبله لا فاعل للفعل قبله إلا على لغة أكلوني البراغيث (مثل ذلك) هو من باب الرواية بالمعنى ولذا فسره ببيان قول كل واحدة (لا) نافية لجملة بعدها أي: لا أجد له ما طلبت، وقولها (والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء) جملة قسمية لتأكيد الأمر وإن ليس عندها ما يطعمه ذلك الضيف سوى الماء (فقال: من يضيف) بضم أوله (هذا) أي: الرجل المجهود (الليلة) بالنصب على الظرفية (فقال رجل من الأنصار) زاد مسلم: يقال له أبو طلحة، وقيل: هو ثابت بن قيس بن شماس، وقيل: عبد الله بن رواحة ذكره السيوطي في التوشيح، وفي تفسير ابن عطية قال أبو هريرة في كتاب مكي: هذا الرجل هو أبو طلحة وقال المتوكل: هو ثابت بن قيس، وخلط المهدوي في ذكر هذا الرجل اهـ. عزوه كونه أبا طلحة إلى ما ذكره مع أنه في صحيح مسلم عجيب منه مع أنه من حفاظ الإِسلام (أنا) يحتمل أن يكون مبتدأ حذف خبره لدلالة وجوده في السؤال أي: أنا أضيفه. ويحتمل كونه فاعلاً لمحذوف أي: أضيفه فحذف الفعل اكتفاء بدلالة وجوده في السؤال عليه وانفصل الضمير (يا رسول الله، فانطلق به إلى رحله) بفتح الراء وسكون المهملة أي: منزله قال في المصباح: رحل الشخص مأواه في الحضر ثم أطلق على أمتعة المسافر؛ لأنها هناك مأواه (فقال لامرأته:) إن كان أبا طلحة فامرأته أم سليم (أكرمي ضيف رسول الله وَيد) أي: فإنه نزل عليه وغير ولم يكن في بيوته ما يضيفه به، وفيه أن إكرامه الضيف كرامة مضيفه (وفي رواية) هي لمسلم (قال:) في مسلم: فقال بفاء عاطفة على فانطلق في قوله: قبله فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحله فقال: (هل عندك شيء) وهذا في هذه الرواية عوض قوله في الرواية السابقة: أكرمي إلخ، ولعله سألها أولاً بما في رواية مسلم فلما أخبرته بما عندها كما قال: (قالت لا) بعدها جملة مقدرة لدلالة ما قبلها عليها أي: لا شيء عندي وقولها: (إلا قوت صبياني) استثناء من ذلك المقدر قال لها: ٥٥٣ ٦٢ - باب: في الإيثار والمواساة. قال: فَعَلَّلِيهِمْ بِشَيْءٍ، وَإِذَا أَرَادُوا العَشَاءَ فَنَوِّمِيهِمْ، وَإِذا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأَطْفِئِي السِّراجَ وأَرِيهِ أَنَّا نَأْكُلُ، فَقَعَدُوا وَأَكَلَ الضَّيفُ وبَاتا طاوِبَيْنِ فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدا عَلى النّبِيِّ ◌َِل فَقالَ: (لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). ٥٦٤ - وَعَنْهُ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((طَعَامُ الاثْنَيْنِ كَافِي الثَلَاثَةِ، وَطَعَامُ الثَلاثَةِ كَافِي أكرمي إلخ (قال: فعلليهم بشيء) محمول على أن الصبيان لم يكونوا محتاجين للأكل وإنما تطلبه أنفسهم على عادة الصبيان من غير جوع يضر، إذ لو كانوا بتلك الحال بحيث يضرهم ترك الأكل لكان إطعامهم واجباً مقدماً على الضيافة وقد أثنى الله عليه وعلى أمرأته فدل على أنهما لم يتركا واجباً بل أحسنا وأجملا، قاله المصنف. ((قلت)): وحينئذ فيراد بقولها: ((قوت صبياني)) أي: ما يعتادون الاقتيات به على عادتهم من الولع بالطعام من غير حاجة حافة إليه فيكون فيه مجاز (وإذا أرادوا العشاء فنوميهم) وذلك لئلا يضيقوا الطعام على الضيف فلا يبلغ حاجته منه (وإذا دخل ضيفنا) أي: منزلنا (فأطفئي السراج) بقطع همزة اطفئي (وأريه أنا تأكل) أي: أظهري له فهو كناية عن تداول أيديهما على الطعام وتحريك الفم والمضغ كفعل الأكل، وليس ذلك من باب الشبع بما ليس للإِنسان بل هو باب المروءة والإِيثار للضيف ليأنس ويأخذ حاجته (فقعدوا) أي: الضيف وهما (وأكل الضيف وباتا طاويين) أي: خاليين بطنهما جائعين لم يأكلا، والجملة محتملة للعطف والحالية (فلما أصبح) أي: دخل الصباح (غدا) أي: جاء صباحاً عارضاً نفسه (على النبي وَلقر فقال: لقد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة) قال القاضي عياض: المراد بالعجب من الله رضاه ذلك الشيء وقيل: مجازاته عليه بالثواب، وقيل: تعظيمه ذلك قال: وقد يكون المراد عجبت ملائكة الله وأضافه إليه سبحانه تشريفاً (متفق عليه) واللفظ من قوله وفي رواية إلخ لمسلم وللبخاري بنحوه، أخرج البخاري في فضائل الأنصار وفي التفسير، وأخرجه مسلم في أواخر الأطعمة ورواه الترمذي بنحوه في التفسير من جامعه وقال: حسن صحيح، ورواه النسائي في التفسير أيضاً من سننه. ٥٦٤ - (وعنه قال: قال رسول الله وعليه: طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي (١) أخرجه البخاري في كتاب: المناقب، باب: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ... ) الآية، وفي فضائل الأنصار وفي التفسير (٩٠/٧و٩١) و(٤٨٤/٨). وأخرجه مسلم في كتاب : الأشربة، باب: اكرام الضيف وفضل إيثاره (الحديث: ١٧٢). ٥٥٤ كتاب: دليل الفالحين الْأَرْبَعَةِ)) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ الله عَنْهُ عَنِ النَّبِّ ◌َقَالَ: ((طَعَامُ الوَاحِدِ يَكْفِي الأَثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الاثْنَيْنِ يَكْفِي الأَرْبَعَةَ وَطَعَامُ الَأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمانِيَةَ))(١). ٥٦٥ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ الله عَنْه قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ الأربعة) قال المهلب: المراد بهذا الحديث وما بعده الحض على المكارم والتقنع بالكفاية : يعني وليس المراد الحصر في مقدار الكفاية، وإنما المراد المؤاساة وأنه ينبغي للاثنين إدخال ثالث لطعامهما وإدخال رابع أيضاً بحسب من يحضر. ووقع عند الطبراني ما يرشد إلى العلة في ذلك وأوله ((كلوا جميعاً ولا تفرقوا، فإن طعام الواحد يكفي الاثنين)) الحديث، فيؤخذ منه أن الكفاية تنشأ عن بركة الاجتماع، وأن الجمع كلما زاد زادت البركة. وقال ابن المنذر: يؤخذ من الحديث استحباب الاجتماع على الطعام وألا يأكل المرء وحده، وفيه أيضاً الإِشارة إلى أن المواساة إذا حصلت حصل معها البركة فتعم الحاضرين، وفيه أيضاً أنه ينبغي للمرء ألا يستحقر ما عنده فيمتنع من تقديمه فإن القليل قد يحصل به الاكتفاء بمعنى سد الرمق وإقامة البنية لا حقيقة الشبع اهـ. ملخصاً. وفي أمالي العزبن عبد السلام قوله: طعام الاثنين الخ هو خبر بمعنى الأمر أي: أطعموا طعام الاثنين بين الثلاثة، أو أنه للتنبيه على أن طعامهما يقوت الثلاثة وأخبر بذلك ليذهب الجزع، قال: والأول أرجح؛ لأن الثاني معلوم (متفق عليه) ورواه الترمذي أيضاً من حديث أبي هريرة، ورواه أحمد ومسلم والترمذي والنسائي من حديث جابر مرفوعاً بلفظ ((طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية)) كذا في الجامع الصغير. (وفي رواية لمسلم) ورواها أيضاً أحمد والترمذي والنسائي (عن جابر رضي الله عنه عن النبي ◌َّ قال: طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية) لايقال يؤخذ منه أن طعام الواحد يكفي الثمانية بإسقاط المكرر فينتج ما ذكر من الشكل، لفقد شرط انتاجه من كلية الکبری. ٥٦٥ - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما نحن في سفر مع النبي (وقاية) يجوز أن يكون الظرفان خبراً بعد خبر ويجوز أن يكون أحدهما خبراً والثاني حالاً (إذ جاء (١) أخرجه البخاري في كتاب: الأطعمة، باب: طعام الواحد يكفي الاثنين (٤٦٧/٩). وأخرجه مسلم في كتاب: الأشربة، باب: فضل المواساة في الطعام ... (الحديث: ١٧٩). ٥٥٥ ٦٢ - باب: في الإيثار والمواساة النَّبِّ ◌َ﴿ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينَأً وَشِمَالاً. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿: ((مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرِ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَ ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَ زَادَلَهُ)) فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ المَالِ مَا ذَكَرَ حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِإِحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١). ٥٦٦ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ الله عَنْهُ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إَلَى النَّبِيِّي وَهَ بِبُرْدَةٍ رجل على راحلة) هي المركب من الإِبل ذكراً كان أو أنثى، وبعضهم يقول: هي الناقة التي تصلح أن ترحل والظرف في محل الصفة للفاعل، وقوله: (له) في محل الصفة للراحلة (فجعل) من أفعال الشروع (يصرف) أي: يحول (بصره يميناً وشمالاً) ينظر من يجود عليه بما يسد خلته (فقال رسول الله يلر: من كان معه فضل ظهر) أي: مركوب فاضل عن حاجته فهو من إضافة الصفة للموصوف (فليعد) أي: يتصدق (به على) المحتاج إليه (من لا ظهر) أي: مركوب (له) كافياً لحاجته بذلاً لما فضل عن الحاجة في مرضاة الله فيبقى له بعد أن كان فانياً (ومن كان معه فضل) أي: فاضل عن حاجته (من زاد) في المصباح: زاد المسافر هو الطعام المستعد لسفره (فليعد به على من لا زاد له، فذكر من أصناف المال ما ذكر) جمع صنف. قال ابن فارس: هو فيما ذكر عن الخليل الطائفة من كل شيء وقال الجوهري : الصنف هو النوع والصرب وهو بكسر الصاد وفتحها لغة، حكاه ابن السكيت وجماعة وجمع المكسور أصناف كحمل وأحمال والمفتوح صنوف كفلس وفلوس، قاله في المصباح أي : ذكر أنواع المال وأمر ببذل الفاضل عن الحاجة من كل للمحتاج إليه من باب المواساة، وهذا الحدیث کحديث «إنك يا ابن آدم إن تبذل الفضل من مالك خير لك وإن تمسكه شر لك)» وقد تقدم قريباً (حتى) غاية لمقدر أي: أمر بالعود بما فضل عن الحاجة للمحتاج إلى أن (رأينا) من الرأي أو بمعنى العلم (أنه لا حق لأحد منا) أي: معشر بني آدم، أو معشر الصحابة المخاطبين بذلك وحكم غيرهم من باقي الأمة حكمهم (في فضل) أي: في فاضل عن حاجته إلحاقه (رواه مسلم). ٥٦٦ - (وعن سهل بن سعد) الأنصاري الساعدي (رضي الله عنه: أن امرأة) قال الحافظ في الفتح: لم أقف على اسمها (جاءت إلى النبي ◌َّر ببردة) قال في النهاية: البرد نوع من الثياب معروف الجمع أبراد وبرود، والبردة: الشملة المخططة، وقيل: هي كساء أسود مربع (١) أخرجه مسلم في كتاب: اللقطة، باب: استحباب المواساة بفضول المال (الحديث: ١٨). ٥٥٦ كتاب: دليل الفالحين مَنْسُوجَةٍ فَقَالَتْ: نَسَجْتُهَا بِيَدِي لِأْسُوكَهَا. فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ◌َهِ مُحْتَاجَاً إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ، فَقَالَ فُلَانٌ: اْسُنِيهاَ مَا أَحْسَنَهَا فَقَالَ: (نَعَمْ)) فَجَلَسَ النَّبِيُّ ◌َّهِ فِي المَجْلِسِ ثُمَّ رَجَعَ فَطَوَاهَا، ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ القَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ! لَبِسَهَا النَّبِيُّ وَِّ مُحْتاجاً إِلَيْهَا، ثُمَّ سَأَلْتَهُ وَعَلِمَتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ سَائِلًا. فَقَالَ: إِنِّي واللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ فيه صفر تلبسه الأعراب وجمعها برد اهـ. وقد روى البخاري في باب حسن الخلق والسخاء من كتاب الأدب من صحيحه تفسير البرد عن سهل ولفظه ((وقال سهل للقوم: أتدرون ما البرد؟ فقال: هي شملة، فقال سهل: هي شملة منسوجة فيها حاشيتها)). اهـ. وهذا أولى ما قيل فيه؛ لأنه بيان الراوي المشاهد للقصة (منسوجة) صفة بردة (فقالت: نسجتها بيدي لأكسوكها، فأخذها النبي وَلـ) جبراً لخاطرها بتلقي هديتها بالقبول، ففيه استحباب المبادرة لأخذ الهدية لجبر خاطر مهديها وأنها وقعت منه موقعاً، وقوله: (محتاجاً إليها) حال من الفاعل وكأنهم عرفوا ذلك بقرينة الحال أو بتصريح سابق منه بذلك، ومع ذلك فليس الباعث على أخذها الحاجة بل التشريع بما ذكرنا (فخرج إلينا وإنها إزاره) بسكر الهمزة وجمعه أزر: وهو ما يلبس في أسفل البدن لستر العورة والجملة حال من ضمير خرج (فقال: فلان) هو كما أفاد المحب الطبري في الأحكام له عبد الرحمن بن عوف وعزاه للطبراني فقال الحافظ: لم أره في المعجم الكبير لا في مسند سهل ولا في مسند ابن عوف، ونقل ابن النحوي عن المحب في شرح العمدة وكذا قال لنا شيخنا الحافظ أبو الحسن الهيثمي أنه وقف عليه لكن لم يستحضر مكانه، ووقع لشيخنا ابن النحوي في شرح التنبيه أنه سهل بن سعد وهو غلط كأنه تلبس عليه الراوي، نعم أخرج الطبراني الحديث المذكور من طريق قتيبة بن سعيد عن سهل بن سعد وقال في آخره قال قتيبة: هو سعد بن أبي وقاص اهـ. وقد أخرجه البخاري في اللباس والنسائي في الزينة عن قتيبة ولم يذكرا عنه ذلك، وجاء من طريق زمعة بن صالح أن السائل المذكور كان أعرابياً، قال الحافظ: فلو لم يكن زمعة ضعيفاً لانتفى أن يكون هو عبد الرحمن أو سعد، ويقال: تعددت القصة (اكسنيها ما أحسنها) بنصب النون وما تعجبية (فقال: نعم) هذا وعد بأن يكسوه (فجلس النبي ◌َّر في المجلس) الذي وقع فيه السؤال (ثم رجع) إلى منزله (فطواها ثم أرسل بها إليه، فقال له: القوم) ووقع في تفسير المعاتب له من الصحابة أنه سهل الراوي، قال سهل: فقلت: للرجل لم سألته وقد رأيت حاجته إليه؟ قال: رأيت ما رأيتم، ولكني أردت أن أخبأها حتى أكفن فيها (ما أحسنت) ما نافية (لبسها النبي واَية. محتاجاً إليها) جملة استئنافية تعليل لنفي الإِحسان عنه (ثم سألته وعلمت) جملة حالية بتقدير قد أي: وقد علمت (أنه لا يرد) قال في الفتح في كتاب الجنائز: كذا وقع هنا بحذف ٦٢ - باب: في الإيثار والمواساة ٥٥٧ لِلْبَسَهَا، إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي. قَأْلَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١) ٥٦٧ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِي رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((إنَّ الَأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الغَزْوِ أَو قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ جَمَعُوْا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ اقَتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إناءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. المفعول، وثبت في رواية ابن ماجه بلفظ: لا يرد سائلاً ونحوه، وفي رواية يعقوب في البيوع وفي رواية ابن غسان في الأدب: لا يسأل ول شيئاً فيمنعه اهـ. ويستفاد منه أن (سائلاً) الذي أورده المصنف هنا إنما هو لابن ماجه، ولعله من تغيير الكتاب أو أنه التبس على المصنف لورود معناه به عند البخاري في البيوع فتوهمه فرواه والله أعلم (فقال: إني والله ما سألته لألبسها إنما سألته لتكون كفني) في رواية أبي داود: ((فقال: رجوت بركتها حين لبسها النبي و9َّ)) (قال سهل: فكانت كفنه. رواه البخاري) في الجنائز من صحيحه بهذا اللفظ، ورواه ابن ماجه في اللباس من سننه. وفي الحديث التبرك بآثار الصالحين، وجواز إعداد الشيء قبل الحاجة إليه، لكن لا يندب عند الشافعية إعداد الكفن لنفسه لئلا يحاسب على ادخاره کما یحاسب على اكتسابه، إلا أن يقطع بحله أو یکون من أثر ذي صلاح، وفيه حسن خلق النبي وَّر وسعة جوده وقبول الهدية. ٥٦٧ - (وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: إن الأشعريين) نسبة للأشعر، وهو ثبت ابن أدد بن يشحب بن يعرب بن قحطان (إذا أرملوا) أي: فني أزوادهم، وأصله من الرمل كأنهم لصقوا بالرمل من القلة كما في ذا متربة (في الغزو) أي : الخروج لقتال العدو (أو) يحتمل أن تكون للشك من الراوي أقال ما تقدم أو قال: (إذ قل طعامهم في المدينة) أي: محل إقامتهم، ويحتمل أن تكون للتنويع، أي: إنهم يفعلون ذلك في السفر والحضر، ولفظ البخاري ((أو قل طعام عيالهم)) (جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية) على قدر الحاجة (فهم مني) قريبون خلقاً وهدياً (وأنا منهم) قال المصنف: هذا معناه المبالغة في اتحاد طريقتهما واتفاقهما في طاعة الله تعالى. وقال الحافظ في الفتح: معناه هم متصلون بي وتسمى ((من)) هذه الاتصالية. قال الشيخ زكريا: ومثله ((لا أنا من الدو ولا الدو مني)) وقيل: المراد فعلهم فعلي (متفق عليه) أخرجه البخاري في الشركة ومسلم في الفضائل، ورواه النسائي في السير. قال (١) أخرجه البخاري في كتاب: الجنائز، باب: من استعد الكفن في زمن النبي ◌َّ فلم ينكر عليه وفي البيوع واللباس والأدب، (١١٣/٣، ١١٤) و(٢٦٨/٤) و(٢٣٤/١٠). ٥٥٨ كتاب : دليل الفالحين (أَرْمَلُوا)): فَرَغَ زَادُهُمْ، أَوْ قَارَبَ الفَرَاغُ(١). ٦٣ - باب: في التنافس في أمور الآخرة والاستكثار مما يتبرك به قَالَ اللَّهُ تَعَالَى(٢): ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتْنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾. ٥٦٨ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلامُ وَعَنْ يَسَارِهِ الأَشْيَاغُ، فَقَالَ لِلْغُلامِ: ((أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هُؤُلاءِ؟)) المصنف: في الحديث فضيلة الأشعريين وفضيلة الإِيثار والمواساة وفضيلة خلط الأزواد في السفر وفضيلة جمعها في شيء عند قلتها ثم قسمها، وليس المراد من القسمة هنا المعروفة في كتب الفقه بشروطها ومنعها في الربويات واشتراط المساواة وغيرها، بل المراد إباحة بعضهم بعضاً ومواساتهم بالموجود (أرملوا: فرغ أزوادهم) هو ما اقتصر عليه في شرح مسلم (أو قارب الفراغ) وكأن الأول بيان موضوع اللفظ لغة. والثاني بيان المراد هنا؛ لأن القسمة إنما تكون في الموجود لا في الذاهب رأساً، والله أعلم. باب التنافس في أمور الآخرة والاستكثار مما يتبرك به أي: طلب ذلك لما جاء فيه. وفي النهاية: التنافس من المنافسة وهي الرغبة في الشيء والانفراد به، وهو من الشيء النفيس الجيد في نوعه اهـ. والاستكثار طلب الكثرة وقوله: مما يتبرك متعلق به، والتبرك بالشيء لأسباب كأن كان فيه أثر صالح أو ظهر فيه آية أو كان قريب عهد بتكوين من الله سبحانه. (قال الله تعالى: وفي ذلك فليتنافس) فليرتقب (٣) (المتنافسون) المرتقبون: وقال ابن عطية: التنافس في الشيء المغالاة فيه وأن يتبعه كل واحد نفسه فكأن نفسهما تتباريان فيه، وقيل: هو من قولك: شيء نفيس فكأن هذا يعظمه ثم يعظه الآخر ویستبقان إليه. ٥٦٨ - (وعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي ويأتي بشراب) وهو كما في المصباح ما يشرب من المائعات، وكان ذلك كما قال الحافظ في بيت ميمونة أم المؤمنين (فشرب منه) فيه استحباب شرب البعض إذا كان ثمة غيره (وعن يمينه غلام) هو كما سيأتي في الأصل (١) أخرجه البخاري في كتاب: الشركة، باب: الشركة في الطعام وغيره (٩٣/٥). وأخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل الأشعريين رضي الله عنهم (الحديث: ١٦٧). (٢) سورة المطففين، الآية: ٢٦ . (٣) لعله فليرغب الراغبون كما في الجلالين. ٥٥٩ ٦٣ - باب: في التنافس في أمور الآخرة فَقَالَ الْغُلَامُ: لَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَ أُوْثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَداً. فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ فِي يَدِهِ. مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. (تَلَّهُ) بِالنَّاءِ المثناةِ فَوْقُ: أَبْ وَضَعَهُ. وَهَذَا الْغُلَامُ هُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١). عبد الله بن عباس، وقيل: هو الفضل أخوه حكاه ابن بطال. قال الحافظ: والصواب الأول (وعن يساره الأشياخ) جمع شيخ من شاخ في السن إذا طعن فيها، وذلك من الخمسين سنة ففوق. ويطلق الشيخ لغة على من مهر في العلوم وإن لم يكن في السن كذلك فيقال للغلام، ويصلح كما قال الحافظ أن يعد من جملة الأشیاخ خالد. قال: وقد روى ابن أبي حازم عن أبيه في حديث سهل بن سعد ذكر أبي بكر الصديق فيمن كان على يساره وَّر، ذكره ابن عبد البر وخطأه (فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء) جاء في رواية الترمذي عن ابن عباس ((فقال لي: الشربة لك، فإن شئت آثرت بها خالداً)) الحديث. قال الحافظ: قال ابن الجوزي: وإنما استأذن الغلام دون الأعرابي المذكور في حديث أنس من شربه وَلّ للبن وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر الحديث؛ لأن الأعرابي لم يكن له علم بالشريعة فاستألفه بترك استئذانه بخلاف الغلام (فقال الغلام: والله يا رسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحداً) أكد بالقسم وتوسيط ندائه وله بوصف الرسالة إيماء إلى أن العلة في عدم الإِيثار ليس كونه شراباً، فإن الاهتمام بأمر المطاعم شأن البهائم، إنما هو لحلول أثر بركته عليه لكونه سؤره وفضله وذلك يفزع إليه أرباب الأفهام ويتنافس فيه أولو الأحلام، فلذا عبر بقوله: بنصيبي منك أي: من أثر بركتك وفيضك أحداً، والتنكير فيه للتعميم ليعم القريب والبعيد والمشرف والشريف. وفيه مزيد نباهة ابن عباس وجودة فكره إذ نظر إلى الأشياء في مكانتها ولذا قال بقوله عمر عند استجلاء أفكاره فيما يدلهم عليه من الأمور ((غص يا غواص)) (فتله رسول الله ◌َ﴿ في يده. متفق عليه) رواه البخاري بهذا اللفظ في كتاب المظالم والغصب وفي كتاب الشرب وزاد بعد أحد قوله يا رسول الله، وقال: بدل قوله فتله فأعطاه إياه في يده، ورواه مسلم في الأشربة، وأخرجه النسائي في الأشربة من سننه (تله بالتاء المثناة فوق) أي وتشديد اللام (أي: وضعه) في تحفة القارىء أي: وضعه بقوة. وفي النهاية: قيل: التل الصب فاستعير للإلقاء يقال: تل يتل: إذ صب، وتل يتل: إذا سقط، الأول بالضم والثاني بالكسر في المضارع (وهذا الغلام) كما حكاه الحافظ عن ابن التين، وجاء كذلك في رواية الترمذي من حديث ابن عباس نفسه (هو ابن عباس) أي: عبد الله بن عباس (رضي الله (١) أخرجه البخاري في كتاب: المظالم، باب: إذا أذن له أو حلله وفي أول الشرب وأبواب أخرى منه (٧٦/١٠). وأخرجه مسلم في كتاب: الأشربة، باب: استحباب إدارة الماء ... (الحديث: ١٢٧). ٥٦٠ كتاب : دليل الفالحين ٥٦٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَهِ، قَالَ: ((بَيْنَا أَيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَغْتَسِلُ عُرْيَاناً فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أَيُّبُ يَحْثِي فِي ثَوْبِهِ. فَنَادَاهُ رَبّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا أَيُوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَتُكَ عَمَّا تَرَى؟! قَالَ: بَلَى وَعِزَّتِكَ وَلَكِنْ لَ غِنَى لِي عَنْ عنهما) فإن هذا علم عليه بالغلبة كابن عمر وابن مسعود على عبد الله. ٥٦٩ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي وَ لخير قال: بينما أيوب عليه السلام) قال العراقي في شرح التقريب: يقال: هو أيوب بنِ رزاح بن روم بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم (يغتسل عرياناً) فيه جواز الاغتسال عرياناً في الخلوة مع إمكان التستر، وهو مذهب الجمهور (فخر) بالخاء المعجمة أي: سقط (عليه جراد من ذهب) هذا ظاهر في سقوطه عليه من علو وهو إكرام من الله تعالى له وهو معجزة في حقه، وهل كان جراداً حقيقة ذا روح إلا أن جسمه من ذهب، أو كان على شكل الجراد ولا روح فيه؟ الأظهر الثاني. قال الجوهري: وليس المراد ذكر الجراد وإنما هو اسم جنس كبقر وبقرة [فَحَقُّ مُذَكَّرِهِ](١) أن لا يكون [مؤنثه من](٢) لفظه لئلا يلتبس الواحد [المُذَكَّر](٣) بالجمع (فجعل) شرع (أيوب يحثي في ثوبه) استكثاراً من البركة لكونه قريب عهد بتكوين من الله سبحانه (فناداه ربه عز وجل) لا يخفى ما في التعبير من الرب المؤذن بالتربية والإِيصال إلى الكمال في هذا المقام وهذا النداء الله أعلم أنه كان بواسطة الملك؛ لأن المخصوص بالسماع من حضرة الحق سبحانه من الأنبياء والمرسلين نبينا وموسى في18، ثم رأيت العراقي أشار إلى ما ذكرته وزاد احتمال كونه إلهاماً، قال: ويجوز كونه كفاحاً كما وقع لموسى، وفيه نقد ولعل وجهه ما ذكرنا، وقوله: (ألم أكن أغنيتك عما ترى) محكى لقول مقدر أو للنداء لما فيه من معنى القول، والقول محتمل؛ لأن يراد منه غنى القلب، أو غنى المال، وفيه على الثاني أن أيوب كان غنياً شاكراً، ولا ينافيه قوله تعالى: ﴿إنا وجدناه صابراً﴾(٤) لأن المراد صبره على البلاء أو على الفقر معه. والذي يظهر أن الله تعالى جمع لأيوب مقامي الصبر على الفقر والشكر على الغنى باعتبار حالتيه، فكان في نفس البلاء فقيراً صابراً وقبله وبعده غنياً شاكراً، ولذا قال تعالى: ﴿إنا وجدناه صابراً﴾(٥) ثم قال: ﴿نعم العبد﴾ ففيه الإيماء إلى أنه غني شاكر كما قال في حق سليمان ﴿نعم العبد إنه أواب﴾ مع أنه كان غنياً شاكراً (قال: بلى) واستدرك من مفهوم ذلك قوله: (ولكن لا (١) في الأصل: نحو منذكره، والتصويب من الصحاح للجوهري (٢) في الأصل: عن، والتصويب من الصحاح للجوهري (٣) في الأصل: المذكور، والتصويب من الصحاح للجوهري (٤)و (٥)سورةص، الآية: ٤٤