النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
٥٦ - باب: في فضل الجوع وخشونة العيش
و((الْحَلُوبُ)) ذَاتُ اللَّبَنِ وَالسُّؤالُ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ سُؤالُ تَعْدِيدِ النِّعَمِ لَا سُؤالُ تَوْبِيخِ
وَتَعْذِيبٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذَا الأَنْصَارِيُّ الَّذِي أَتَوهُ هُوَ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ. كَذَا جَاءَ
مُبََّاً فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ:
التأنيث. وقالوا: هو مذكر وربما أنث في الشعر على معنى الشفرة وأنشد الفراء:
بسكين مؤنفة النصاب
ولذا قال الزجاج: السكين مذكر وربما أنث بالهاء لكنه شاذ غير مختار (والحلوب)
بفتح الحاء المهملة وضم اللام (ذات اللبن) قال في المصباح: فإن جعلتها اسماً أتيت بالهاء
فقلت هذه حلوبة فلان مثل الركوب والركوبة (والسؤال عن هذا النعيم) المؤكد بالقسم
واللام، وذلك لاستبعادهم له فإنه من حاجة جافة، لا من شهوة وحظ نفس (سؤال تعداد
النعم) والامتنان بها وإظهار الكرامة بإساغتها زاد في الشمائل ظل بارد ورطب وماء بارد (لا
سؤال توبيخ) وفي المصباح: وبخته توبيخاً لمته على سوء فعله وعنفته وعتبت عليه كلها
بمعنى وقال الفارابي: عيرته. وقال الجوهري: التوبيخ التهديد أي: لعدم القيام بشكرها
(وتعذیب) أي : يتسبب عن كفرانها وعدم شكرها؛ لأن ذلك غير كائن للصاحبين فيما تناولاه
حينئذ. قال ابن القيم: كل أحد يسأل عن تنعمه الذي كان فيه هل ناله من حل أو لا وإذا
خلص من ذلك يسأل هل قام بواجب الشكر فاستعان به على الطاعة أو لا والأول سؤال عن
سبب استخراجه والثاني عن محل صرفه اهـ. وإنما ذكر المصطفى وغير ذلك إرشاداً للأكلين
والشاربين في حفظ أنفسهم في الشبع عن الغفلة باشتغال أحدهم بحظ نفسه ونعمتها عن
تذكر الآخرة (وهذا الأنصاري الذي أتوه هو أبو الهيثم) بهاء مفتوحة وسكون التحتية وفتح
المثلثة كنية مالك (ابن التيهان) بفتح الفوقية وتشديد التحتية الأنصاري الأوسي، أحد النقباء
(كذا جاء مبيناً في رواية الترمذي) من حديث أبي هريرة نفسه رواه كذلك في جامعه وفي
الشمائل، وورد في رواية أخرجها الحافظ ابن حجر العسقلاني في تخرج أحاديث الأذكار
من حديث ابن عباس أنهم انطلقوا إلى دار أبي أيوب الأنصاري وساق القصة بنحوه وفي
آخره ((إذا أصبتم مثل هذا فضربتم بأيديكم فقولوا بسم الله وببركة الله، وإذا شبعتم فقولوا
الحمد الله الذي أشبعنا وأروانا وأنعم علينا وأفضل فإن هذا كفاف هذا)) وذكر بقية الحديث،
وحسن الحافظ الحديث وقال: وفيه غرابة من وجهين ذكر أبي أيوب والمشهور في هذا قصة
أبي الهيثم، والثاني ما في آخره من التسمية والحمد اهـ. وفي أشرف الوسائل في رواية عند
الطبراني وابن حبان أنهم جاءوا إلى أبي أيوب، ولا مانع من أنهما قصتان اتفقتا لهم مع كل
٢٠٠

٤٤٢
كتاب: دليل الفالحين
وَغَيْرِهِ(١).
٤٩٧ - وَعَنْ خَالِد بْنِ عُمَرَ الْعَذَويَّ، قَالَ: خَطَبَنَا عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ وَكَانَ أَمِيراً عَلَى
واحد منهما، ورواية مسلم رجلاً من الأنصار محتملة لهما اهـ. وكان المصنف جزم بكونه
أبا الهيثم لكون رواية الترمذي عن الصحابي الذي رواه عنه مسلم والله أعلم (وغيره) كابن
ماجه، فعنده أيضاً اذهبوا إلى بيت أبي الهيثم بن التيهان وكابن أبي عاصم في كتاب الأطعمة
والحاكم كما أشار إليه الحافظ في تخريجه لأحاديث الأذكار في أماليه عليها.
٤٩٧ - (وعن خالد بن عمر) بضم العين وفتح الميم والراء كذا وقفت عليه في نسخ متعددة
من الرياض وهو من تحريف الكتاب إنما هو ((عمير)) بالتصغير (العدوي) بفتح المهملتين
وهي نسبة إلى عدي بفتح فكسر، والمنسوب إليه كذلك متعدد في المهاجرين وفي الأنصار
وفي غيرهم كما في لب اللباب للأصفهاني، وخالد هذا بصري. قال الحافظ العسقلاني في
التقريب: مقبول من كبار التابعين، يقال: إنه مخضرم، وهم من ذكره في الصحابة، روى
عنه مسلم والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجه اهـ. ((قلت)): قضيته أن الترمذي لم
يرو عنه في الجامع لكن في الأطراف للحافظ المزي أن حديث الباب رواه الترمذي في صفة
جهنم من جامعه وفي شمائله وأشار بقوله وهم الخ إلى الحافظ ابن عبد البر فإنه ذكره في
الاستيعاب (قال: خطبنا عتبة) بضم المهملة وسكون الفوقية بعدها موحدة فهاء تأنيث (ابن
غزوان) بفتح الغين المعجمة وسكون الزاي ابن وهب بن نسيب بن زيد بن مالك بن
الحارث بن عوف بن مارن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس عيلان أبو عبد الله.
ويقال أبو غزوان، قال الحاكم قال الواقدي: كان عتبة طولاً جميلاً قديم الإِسلام هاجر إلى
الحبشة وكان من الرماة المذكورين روي له عن رسول الله وهي أربعة أحاديث هذا أشهرها،
وليس له في الكتب الستة سواه. وروى له الحاكم أن النبي ◌َّه قال يوما لقريش: ((هل فيكم
أحد غيركم قالوا ابن أختنا عتبة بن غزوان قال النبي ◌َّ: ابن أخت القوم منهم)) ثم قال
غريب جداً قال في تلخيص المستدرك: إسناده مظلم. قال الشيخ أبو العباس القرطبي عتبة
مازني حليف لبني نوفل قديم الإِسلام هاجر وشهد مع رسول الله _ بدراً والمشاهد كلها
أمره عمر على جيش فتوجه إلى العراق وفتح الأيلة والبصرة بموضع يقال له معدن بني سليم،
قاله ابن سعد ويقال: إنه مات بالربذه قاله ابن المدائني كذا في الديباجة للدميري (وكان
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الأشربة، باب: جواز استتباعه غيره ... (الحديث: ١٤٠).
وأخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: ما جاء في معيشة أصحاب النبى ﴾ (الحديث: ٢٣٦٩).

٤٤٣
٥٦ - باب: في فضل الجوع وخشونة العيش
الْبَصْرَةِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ بِصُرْمٍ وَوَلَّتْ
حَذَّاءَ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّ صُبابَةٌ كَصُبابَةِ الإِنَاءِ يَتَصأبّها ◌َاحِبُهَا، وَإِنَّكُمْ مُنْتَقِلونَ مِنْها إِلَى دَارٍ
لَ زَوَالَ لَهَا فَانْتَقِلُوا بِخَيْرِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ
-١٠
أميراً على البصرة) بتثليث الموحدة كما حكاه الأزهري وأفصحهن الفتح وهو المشهور،
ويقال لها البصيرة بالتصغير والمؤتفكة؛ لأنها انتفكت بأهلها في أول الدهر أي: انقلبت. قال
صاحب المطالع قال أبو سعيد السمعاني: يقال للبصرة قبة الإِسلام وخزانة العرب، بناها
عتبة بن غزوان في خلافة عمر سنة سبع عشرة وسكنها الناس سنة ثماني عشرة، ولم يعبد
الصنم قط على أرضها اهـ. وهذا (١) يصح كونها من جملة مقول القول والمحكي بالقول
مجموع الجمل، ويحتمل كونها في محل الحال من فاعل خطب بإضمار قد (فحمد الله)
أي: أثنى عليه بالأوصاف الأزلية الثبوتية (وأثنى عليه) بسلب ما لا يليق به سبحانه عنه ويصح
كونهما بمعنى وعطفهما مع كونهما كذلك لاختلافهما لفظاً إيماء إلى أنه أطنب في الثناء على
مولاه سبحانه كما يدل عليه قوله: (ثم قال) والأول أولى؛ لأن التأسيس خير من التأكيد،
والفاء في قوله فخطب كالفاء في نحو توضأ زيد فغسل وجهه إلخ للترتيب الذكري لا للترتيب
في الزمان، فإن غسل الأعضاء المذكورة سابق على الوضوء، ويصح كونها للترتيب الزماني
بأن يراد أراد الخطبة وأراد الوضوء والإرادة سابقة على فعله والله أعلم (أما بعد) أتى بها
اقتداء به خير فقد كان يأتي بها في خطبه، وذكر الحافظ في الفتح أن الرهاوي أخرجها من
أربعين طريقاً عنه و ﴿ (فإن الدنيا قد آذنت بصرم) لتحول أحوالها الدال على حدوثها، وكل
ما ثبت حدوثه وجب قبوله للعدم قال الشاعر:
وإن افتقادي واحداً بعد واحد
دليل على ألا يدوم خليل
(وولت حذاء) أي: منقطعة ومنه قيل للقطة حذاء، أي: منقطعة الذنب قصيرته. ويقال
حمار أحذ إذا كان قصير الذنب، حكاه أبو عبيدة وهذا مثل فكأنه قال: إن الدنيا قد انقطعت
مسرعة (ولم يبق منها إلا صبابة)؛ لأنه مَ لي قال: ((بعثت أنا والساعة كهاتين)) وأشار بإصبعيه
الوسطى والمسبحة (كصبابة الإِناء يتصابها صاحبها وإنكم منتقلون عنها) إذ هي دار ارتحال
وانتقال (إلى دار لا زوال لها) ولا ارتحال عنها (فانتقلوا) أي: من الدنيا (بخير ما بحضرتكم) أي :
بكسب صالح الأعمال وادخار الحسنات عند المولى سبحانه: جعل الخير المتمكن منه في
الحياة كالحاضر المحتاج إليه في المال، فصاحب الحزم يدخر منه حاجته لينتفع به عند
(١)لعلها ((وهذه»ع

٤٤٤
كتاب: دليل الفالحين
فَإِنَّهُ قَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْحَجَرَ يُلْقَى مِنْ شَغِيرٍ جَهَنَّمَ فَيَهْوِي فِيها سَبْعِينَ عَاماً
لَا يُدْرِكَ لَهَا قَعْراً وَاللَّهِ لَتُمْلَنَّ أَفَعَجِبْتُمْ؟ وَلَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ
احتياجه إليه. وهذا كما قال ابن عمر رضي الله عنهما: وخذ من صحتك لمرضك ومن
حياتك لموتك، وبين الداعي لاستعداد الزاد وادخاره ليوم المعاد بما ورد من الترهيب
والترغيب فقال على سبيل الاستئناف البيانى (فإنه قد ذكر لنا) ببناء ذكر للمجهول، وحذف
الفاعل للعلم به أنه المصطفى وير؛ لأن الصحابي الذي لم يخالط كتب أهل الكتاب لا سبيل
له إلى معرفة ذلك إلا من قبله وسي*، وقد ذكر علماء الأثر أن من الموقوف لفظاً المرفوع حكماً
قول الصحابي: أمرنا بكذا ونهينا عن كذا بالبناء للمجهول فيهما، وجوز في الديباجة أن ذلك
ذكر له عن النبي 18َّ ولم يسمعه هو منه بَّه وسكت عن رفعه إما نسياناً أو لأمر اقتضاه ومراده
الرفع لفظاً لما ذكرناه، قال: ويحتمل أن يكون سمعه منه ﴿ وسكت عن رفعه للعلم به
اهـ. (أن الحجر) أل فيه للجنس، والحجر معروف قال ابن النحوي في لغات المنهاج: جمعه
في أدنى العدد أحجار، وفي الكثرة حجار، والحجارة نادر وهو كقولنا: حمل وحمالة وذكر
وذكارة، كذا قال ابن فارس والجوهري. ورد عليهما القرطبي بأن في القرآن ((فهي
كالحجارة، وإن من الحجارة، كونوا حجارة، ترميهم بحجارة، وأمطرنا عليهم حجارة))
فكيف يكون نادراً إلا أن يريد أنه نادر في القياس كثير في الاستعمال فيصح اهـ. وذلك؛
لأن ما كان كذلك وعكسه يقع في الفصيح بخلاف ما خالفهما معاً فمردود (يلقى من) ابتدائية
(شفير جهنم) أي: حرفها. وشفير كل شيء حرفه أيضاً كالبئر والنهر كذا في المصباح وفي
الديباجة حرفها الأعلى وحرف كل شيء أعلاه وشفيره، ومنه شفير العين، وجهنم قيل: اسم
أعجمي، وقيل: عربي مأخوذ من قولهم: بئرجهنام إذا كانت بعيدة القعر، وعلى كل فهي
ممنوعة الصرف للعجمة أو التأنيث المعنوي مع العلمية وهو اسم لنار الآخرة، نسأل الله
العافية منها ومن كل بلاء (فيهوي) بكسر الواو، أي: ينزل (فيها سبعين) منصوب على
الظرفية الزمانية أي: في قدر سبعين (عاماً لا يدرك) بالبناء للفاعل أي: لا يصل والإِسناد فيه
مجازي والحقيقي لا يوصله الله (لها قعراً) بفتح القاف وسكون العين وهو كما في المصباح
أسفل الشيء وجمعه قعور اهـ. (والله لتملأن) بالبناء للمجهول للعلم بالفاعل سبحانه
أكد بالقسم وباللام دفعاً لما قد يقصر العقل عن إدراكه من ملء مالا يقطع مدى الوصول إلى
قعره سبعين عاماً فما بالك بعرضه وكمال سعته أي: وإذا كانت كذلك وتمتلىء عن آخرها
فاحذروا من مخالفته سبحانه لئلا توبقكم المخالفة وتوقعكم فيها المعصية، غفر الله لنا ذنوبنا
وستر عيوبنا بمنه وكرمه. ولما كان ما ذكره أمراً عظيماً جداً قال على وجه التقدير: (أفعجبتم)
أي: من هذا الأمر الدال على عظم قدرة الله سبحانه وكمال جلاله وقوة انتقامه، وتقدم أن في

٤٤٥
٥٦ - باب: في فضل الجوع وخشونة العيش
مَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ عَامً وَلِيَأْتِيَنَّ عَلَيْها يَوْمٌ وَهُوَ كَظِيظُ مِنْ
الزَّحَامِ وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ
ذلك قولين: أحدهما أن التقدير أسمعتم فعجبتم فالفاء عاطفة على مقدر بعد الألف، والثاني
أن ألف الاستفهام من جملة المعطوف وقدمت لصدارتها لتضمنها الاستفهام، ولما حصل
عند الحاضرين من مزيد الرهبة وعظيم الخوف مما سمعوه حتى كادوا أن يظنوا عمهم
العذاب لجميعهم، أراد رفع ذلك عنهم وإدخالهم في ميدان الرجاء إعلاماً بسعة رحمة الله
تعالى وكمال فضله، فأكد ذلك بالقسم المقدر الدال عليه اللام في قوله: (ولقد ذكر لنا أن ما
بين المصراعين) بكسر الميم تثنية مصراع، ومصراع الباب ما بين عضادتيه وهو ما يسده
الغلق كذا في المفهم للقرطبي. وفي المصباح: المصراع من الباب الشطر وهما مصراعان
(من مصاريع الجنة مسيرة أربعين عاماً) برفع مسيرة خبر أن، وإذا كان هذا سعة الباب
وأبوابها ثمانية وبين كل بابين خمسمائة عام كما تقدم في حديث ((يدخل الفقراء الجنة قبل
الأغنياء بخمسمائة عام)) فما بالك بسعة باطنها ويكفيك في ذلك قوله تعالى: ﴿وجنة عرضها
السموات والأرض﴾(١) والعادة جارية أن الطول أزيد من العرض، فسبحان المنعم المتفضل
(وليأتين عليها) أي: الجنة (يوم) هو وقت دخولها (وهو) أي: المصراع أو محله من الباب
(كظيظ من الزحام) وذلك يدل على كثرة الداخلين بعموم الرحمة ومزيد الفضل. ففي
الحديث إيماء إلى أن المكلف ينبغي له أن يكون عنده حال الصحة خوف من مولاه سبحانه
ورجاء لفضله وإحسانه بقبول ما يعمله من صالح العمل. والزحام بكسر الزاي مصدر زاحمه
أي: دافعه (ولقد رأيتني) قال في أشرف الوسائل: هي بصرية، وقوله: (سابع سبعة) حال
أي: واحداً من سبعة قال: لكن قضية قوله يعني في رواية الترمذي ((فقسمتها بيني وبين سبعة))
أنه ثامن، لكن قوله: أولئك السبعة يدل للأول وأن المراد بقوله سبعة أي: بقية سبعة اهـ.
ولا يشكل على كونها بصرية اتحاد ضمير فاعلها ومفعولها وذلك من خصائص أفعال
القلوب، وعبارة الكافية لابن الحاجب، ومنها أي : خصائص أفعال القلوب أنه يجوز أن يكون
فاعلها ومفعولها ضميرين لشيء واحد مثل علمتني منطلقاً، قال شراحها: والعبارة للمحقق
الجامي، ولا يجوز ذلك في سائر الأفعال فلا يقال: ضربتني ولا شتمتني بل يقال: ضربت نفسي،
وذلك؛ لأن أصل الفاعل أن يكون مؤثراً والمفعول به متأثراً، وأصل المتأثر أن يغاير المؤثر،
فإن اتحدا معنى كره اتحادهما لفظاً فقصد مع اتحادهما معنى تغايرهما لفظاً بقدر الإمكان،
فمن ثم قالوا: ضربت نفسي ولم يقولوا: ضربتني، فإن الفاعل والمفعول فيه ليسا بمتغايرين
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٣٣.

٤٤٦
كتاب: دليل الفالحين
مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَ﴿ مَا لَنَا طَعَامٌ إلَّ وَرَقُ الشَّجَرِ حَتَّى قَرِحَتْ أَشْدَاقُنا فَالتَّقَطْتُ
بُرْدَةً فَشَقَقْتُهَا بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ فَاتَّزَرْتُ بِنِصْفِها وَاتَّزَرَ
سَعْدٌ بِنِصْفِها فَمَا أَصْبَحَ الْيَوْمَ مِنَّا أَحَدٌ إِلَّ أَصْبَحَ أَمِيراً عَلَى مِصْرٍ مِنَ الأَمْصَارِ، وَإِنِّي
بقدر الإمكان لاتفاقهما من حيث إن(١) كل واحد منهما ضميراً متصلاً بخلاف ضربت نفسي
فإن النفس بإضافتها إلى ضمير المتكلم صارت كأنها غيره لغلبة مغايرة المضاف إليه فصار الفاعل
والمفعول فيه متغايرين بقدر الإمكان، وأما أفعال القلوب فإن المفعول به ليس المفعول
الأول في الحقيقة بل مضمون الجملة، فجاز اتفاقهما لفظاً؛ لأنهما ليسا في الحقيقة فاعلاً
ومفعولاً به اهـ. لكن ألحق بأفعال القلوب في ذلك رأي البصرية، قال الشاعر:
ولقد أراني للرماح ذرية
والحلمية كقوله تعالى: ﴿إِني أراني أعصر خمراً﴾(٢) وقوله: (مع رسول الله ێ) حال
من فاعل رأى، ويصح كونها لغواً متعلقاً برأى، وقوله: (ما لنا طعام إلا ورق الشجر) يحتمل
أن تكون في محل الحال من فاعل رأى وأن تكون مستأنفة استئنافاً بيانياً جواباً لكيف كنتم
معه ◌َّة، وقوله: (حتى قرحت أشداقنا) غاية لمقدر أي: فأكلناه إلى أن قرحت جوانب
أشداقنا جمع شدق بكسر الشين المعجمة كحمل وأحمال، ويقال: شدق بفتح المعجمة
وجمعه شدوق كفلس وفلوس (فالتقطت بردة) أي: عثرت عليها من غير قصد وطلب، وهي
شملة مخططة وقيل: كساء أسود مربع. وقال القرطبي: البردة الشملة، والعرب تسمي
الكساء الذي يلتحف به بردة، والبرد بغير تاء نوع من ثياب اليمن (فشققتها بيني وبين
سعد بن مالك) هو ابن أبي وقاص أحد العشرة المبشرين بالجنة (فاتزرت) بتشديد الفوقية
(بنصفها واتزر سعد بنصفها) وفي الترمذي: فشققتها بيني وبين سعد كما تقدم، ثم
مبادرته بشقها عقب التقاطها كما تؤذن به الفاء، إمّا لعلمه برضى صاحبها، وإما
بإعراضه عنها لسقوطها وتمزقها، أو لمعرفته بمالكها فإنه یرضی بذلك، أو كان قبل وجوب
تعريف اللقطة (فما أصبح) أي: صار (اليوم منا أحد ) اسم أصبح والظرف قبله حال منه
وكان صفة له فقدم عليه فصار حالاً (إلا أصبح أميراً على مصر من الأمصار) أشار به إلى
اتساع الحال عليهم بعد ضيقه أولاً، زاد في آخر الحديث: وسيخربون الأمراء بعدنا أي:
ليسوا مثلنا من جهة العدالة والديانة والإعراض عن الدنيا وكان الأمر على ذلك، وأشاروا إلى
الفرق بأنهم رأوا معه ﴿ ما كان سبباً لرياضتهم وتقللهم من الدنيا فمضوا على ذلك وغيرهم
ممن بعدهم ليس كذلك، فلا يكون إلا على قضية طبعه المجبول على الخلق القبيح (وإني
(١) لعلها ((كان)) ع.
(٢) سورة يوسف، الآية: ٣٦.

٤٤٧
٥٦ - باب: في فضل الجوع وخشونة العيش
أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ فِي نَفْسي عَظِيماً وَعِنْدَ اللَّهِ صَغِيراً)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَوْلُهُ ((آذَنَتْ))
هُوَ بِمَدِّ الأَلِفِ: أَيْ أَعْلَمَتْ، وَقَوْلُهُ ((بِصُرْم)) أَيْ بِانْقِطَاعِهَا وَفَائِها. وَقَولُهُ ((وَوَلَّتْ حَذَّاء))
هُوَ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ ذَالٍ مُعْجَمَةٍ مُشَدَّدَةٍ، ثُمَّ أَلِفٍ مَمْدُودَةٍ أَيْ سَرِيعَةً
و((الصُبابَةُ)) هُوَ بِضَمِّ الصَّادِ المُهْمَلَةِ: وَهِيَ البَقِيَّةُ الْيَسِيرَةُ، وَقَوْلُهُ ((يَتَصَابُهَ)) هُوَ بِتَشْدِيدٍ
الباءِ قَبْلَ الهاءِ: أَيْ يَجْمَعُهَا، و((الْكَظيظُ)) الْكَثِيرُ الْمُمْتَلِىءُ، وَقَوْلُهُ ((قَرِحَتْ)) هُوَ بِفَتْحِ
أعوذ) أي: أعتصم (بالله) من (أن أكون في نفسي عظيماً) بأن يوهمني ذلك الشيطان والنفس
(وعند الله صغيراً) لا يقبل علي بالفضل والإِحسان، ولا ينصب لعملي وزن إذا نصب
الميزان قال : ((يجاء يوم القيامة بالرجل العظيم لا يزن عند الله جناح بعوضة، اقرءوا إن
شئتم: فلا نقيم لهم يوم القيمة وزناً)) أو كما قال: (رواه مسلم) أواخر صحيحه، ورواه
الترمذي في جامعه وفي شمائله إلا أنه لم يسق منه فيها إلا من قوله: ((لقد رأيتني سابع
سبعة)) الخ، وأشار إلى باقي الحديث، ورواه النسائي في الرقاق ورواه ابن ماجه في الزهد
مختصراً (قوله آذنت هو بمد الهمزة) أي: وبالذال المعجمة المفتوحة، (أي: أعلمت) عبارة
القرطبي أي: أشعرت وأعلمت وحذف المصنف الأول لإِغناء الثاني عنه. (وقوله: بصرم
بضم الصاد) أي: المهملة وسكون الراء (أي: بانقطاعها وفنائها) الأولى بانقطاع وفناء كما
عبر به القرطبي وتبعه في الديباجة، لأن المفسر غير مضاف إليها وإن كان الكلام فيها.
(وقوله: وولت حذاء، هو بحاء مهملة مفتوحة ثم ذال معجمة مشددة ثم ألف ممدودة أي:
سريعة) هذا تفسير للحذاء لا لمجموع المحكي كما قد توهمه عبارته، ولو قال أي: أدبرت
سريعة أو قال: حذاء أي: سريعة لسلم من ذلك الإِيهام إلا أن يسامح زيادة في الإِيضاح كما
هي عادته من بذل النصيحة جزاه الله خيراً وفي المصباح: الأحد المقطوع الذنب، وقال
الخليل: الأحذ الأملس الذي ليس مستمسكاً لشي يتعلق به والأنثى حذاء (والصبابة بضم
الصاد المهملة) وبموحدتين خفيفتين بينهما ألف (وهي البقية اليسيرة) كذا في الأصول
بإثبات الواو على أن الخبر الظرف السابق على الجملة وهي معطوفة عليه، ثم قوله: البقية غير
مقيدة بشيء هو ما قاله غيره ومنهم القرطبي والدميري، وبه يعلم أن قول المصباح: الصبابة
بالضم بقية الماء مراده به التمثيل لا التقييد، قال القرطبي: والصبابة بالفتح : رقة الشوق
ولطيف المحبة اهـ. (وقوله: يتصابها) بفتح التحتية والفوقية (هو بتشديد الموحدة) من باب
التفاعل فأدغمت الموحدة في مثلها (قبل الهاء أي: يجمعها) قال القرطبي أي: يروم صبها
على قلة الماء أي: مثلاً وضعفه (والكظيظ) بفتح الكاف وكسر الظاء المعجمة الأولى
وسكون التحتية بينهما (الكثير) بالمثلثة (الممتلىء) يقال: كظه الشر فهو كظيظ، وفي النهاية

٤٤٨
كتاب : دليل الفالحين
الْقَافِ وَكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ صَارَتْ فِيَها قُرُوحٌ(١).
٤٩٨ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: أَخْرَجَتْ لَنَا عائِشَةُ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهَا كِسَاءً وَإِزَاراً غَلِيظاً، قَالَتْ: قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ وَ ﴿ فِي هَذَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(٢).
حديث عتبة في باب الجنة وليأتين عليه يوم وهو كظيظ أي: ممتلىء، والكظيظ: الزحام
اهـ. ومثله في مجمع البحار نقلاً عنها، وكأنه أشار بذلك إلى أنه مشترك بين الممتلىء
والزحام أي: ذي الزحام؛ لأنه تفسير الوصف، والله أعلم. (وقوله: قرحت هو بفتح القاف
وكسر الراء) وبالحاء المهملة (أي: صار فيها قروح) بضمتين جمع قرح بفتح القاف
وضمها، وفي النهاية: قيل بالفتح المصدر وبالضم اسم مصدر وبضم أوليه أيضاً، ولم يذكر
المصنف في تحريره سوى فتح القاف وضمها وقال: إنه الجرح، وقال غيره: إنه كالجدري
وفي مفردات الراغب: القرح الأثر من الجراحة من شيء يصيبه من خارج، والقرح أثرها من
داخل كالبثرة ونحوها، ونقل ابن عطية في تفسيره قرح بفتح القاف وضمها وإسكان الراء، ثم
قال: قال أبو علي: هما لغتان كالضعف والضعف، والفتح أولى؛ لأنه لغة أهل الحجاز وقال
الأخفش: هما مصدران بمعنى واحد، ومن قال: القرح بالفتح الجراحة بعينها وبالضم ألمها
قبل منه إذا أتى برواية؛ لأن هذا مما يعلم(٣) بقياس. وقرأ ابن السميقع بفتح القاف والراء،
قال الزمخشري : كالطرد، والطرد قال أبو البقاء: وبضمها على الاتباع كاليسر واليسرا هـ. من لغات
المنهاج لا بن النحوي .
٤٩٨ - (وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: أخرجت لنا عائشة كساء) بكسر
الكاف وبالسين المهملة والألف الممدودة، زاد البخاري ملبداً وعندهما بلفظ كساء من التي
يسمونها الملبدة (وإزاراً) بكسر الهمزة وبالزاي ثم الراء بينهما ألفة اسم لما يستر أسافل
البدن (غليظاً) أي: ثخيناً. وفي رواية لمسلم ((أخرجت إلينا عائشة كساء وإزاراً ملبداً))
وإخراجها ذلك لتبين إعراضه وتغيير عن الدنيا إلى مفارقته لها ونقلته لحضرة مولانا سبحانه
وتهييجاً للمقتدين به المتبعين سبيله على ذلك، ولذا (قالت: قبض رسول الله وَّ ر في هذين)
زاد مسلم في رواية له أنثويين (متفق عليه) رواه البخاري في الخمس وفي اللباس ومسلم في
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الزهد والرقائق (الحديث: ١٤).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: ما ذكر من درع النبي رَّهُ وعصاه وسيفه، واللباس، باب:
الأكسية والخمائص (٢٣٥/١٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: اللباس والزينة، باب: التواضع في اللباس ... (الحديث: ٣٤).
(٣) لعله (مما لا يعلم). ع

٤٤٩
٥٦ - باب: في فضل الجوع وخشونة العيش
٤٩٩ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: إِنِّي لَأَوَّلُ الْعَرَبِ رَمَّى
بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَقَدْ كُنَّا نَغْزِو مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَهِ مَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّ وَرَقُ الْحُبْلَةِ
وَهَذَا السَّمُرُ حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاهُ مَالَهُ خِلْطٌ.
اللباس، ورواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح. والنسائي كلهم في اللباس من
سننهم، ثم الذي في الكتب المذكورة أن الحديث عن أبي بردة بن أبي موسى قال:
أخرجت إلينا عائشة، ولا ذكر فيها لأبي موسى. والذي وقفت عليه من نسخ الرياض عن أبي
موسى كما شرحته، وهو إن لم يكن من تحريف الكتاب سبق قلم من الشيخ بلا ارتياب.
٤٩٩ - (وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: إني لأول العرب ممن رمى بسهم في
سبيل الله) وذلك في بعث حمزة وعبيدة بن الحارث، وهي ثاني سرية في الإِسلام. وقيل:
بل هي أول سرية فيه، وجرى عليه السيوطي في أوائله، وقد جزم به الحافظ في الفتح،
وفيها كما روى ابن إسحاق وغيره ما لفظه ولم يكن بينهم يعني المسلمين والكفار قتال إلا أن سعد بن
أبي وقاص قدرمى يومئذٍ بسهم فكان أول سهم رمي به في الإِسلام، وفي أوائل السيوطي ((أول من
أراق دماً في سبيل الله سعد بن أبي وقاص)) أسنده العسكري، وهو أول من رمی بسهم في سبيل الله،
أ عرجه ابن سعد وابن أبي شيبةعنه، وأنه قال في ذلك:
حميت صحابتي بصدور نبل
ألا هل أتى رسول الله أنى
بكل حزونة وبكل سهل
أذود بها عدوهم ذياداً
بسهم قبل رسول الله قبلي(١)
فما يعتمد رام من معد
(ولقد كنا نغزو مع رسول الله و سير ما لنا طعام إلا ورق الحبلة) جملة النفي في محل
الحال من فاعل نغزو (هذا السمر) قال القرطبي: عند عامة الرواة بحذف الواو أي: على أنه
بيان ورق الحبلة، وعند الطبراني والتميمي: وهذا السمر بواو. ووقع عند
البخاري إلا الحبلة وورق السمر، وكذا ذكره أبو عبيد، ورواية البخاري أحسنها؛ لأنه بين
فيها أنهم كانوا يأكلون ثمر العضاه وورق شجر السمر (حتى) غاية لكون طعامهم ذلك (إن)
مخففة من الثقيلة (كان أحدنا ليضع) كناية عن الغائط، وفي بعض طرق يبعر (كما تصنع
الشاة) أي: من البعر ليبسه وعدم ألفة المعدة له، وهذا كان سنة ثمان في غزوة الحبط
وأميرهم أبو عبيدة، وسيأتي في الأصل إن شاء الله تعالى، وعليه فالمراد بالمعية التبعية
حكماً. ويحتمل أن تكون المعية على ظاهرها، وأن ذلك في غزوة أخرى غزاها سعد مع
النبي ﴿ لما في الصحيحين ((بينانغزو مع رسول الله وسير وما لنا طعام إلا الحبلة)) ذكره في
(١) (هل أتى) بفتح اللام وحذف الهمزة والشطر الأخير غير متزن فليراجع. ع.

٤٥٠
كتاب : دليل الفالحين
مُتَّفَقْ عَلَيْهِ. ((الْحُبْلَةُ)) بِضَمِّ الحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ المُوحَّدَةِ: وَهِيَ وَالسَّمُرُ نَوْعَانِ
مَعْرُوفَانٍ مِنْ شَجَرِ البادِيَةِ(١).
٥٠٠- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَهِ: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْ
رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتاً) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ وَالْغَريبِ: مَعْنَى ((قُوتاً) أَيْ
أشرف الوسائل (ما خلط) بكسر الخاء المعجمة أي: لا يختلط بعضه ببعض من شدة جفافه
ويبسه، وهذا باعتبار ما كانوا عليه من الضيق أول الإِسلام، وامتحاناً ليظهر صدق ثباتهم.
ما كان يعرف طيب نشر العود
لولا اشتعال النار في جزل الغضا
(متفق عليه) رواه البخاري في فضل سعد في الأطعمة، وفي الرقائق ومسلم في أواخر
كتابه، ورواه الترمذي في الزهد وقال: حسن غريب، والنسائي في المناقب وابن ماجه في
السنة، كذا في الأطراف للمزي (الحبلة بضم الحاء المهملة وإسكان الباء الموحدة، وهي
والسمر) بفتح فضم، قال في المصباح: شجر الطلح، وهو نوع من العضاه الواحدة سمرة
اهـ. (نوعان معروفان من شجر البادية) قال القرطبي: الحبلة شجر العضاه. وقال ابن
الأعرابي: ثمر السمرشبه اللوبيا، وذكرهما في النهاية مقدماً الثاني فيهما من غير عزو لابن
الأعرابي حاكياً الأول بقيل.
٥٠٠ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ويلشير: اللهم اجعل رزق) بكسر
الراء مصدر بمعنى المفعول أي: ما ينتفعون به مأكلاً ومشرباً وملبساً (آل محمد) جاء عند
بعض رواته زيادة في الدنيا بل قضية كلام الجامع الصغير أنه كذلك عند مسلم، ولم أره
كذلك عند مسلم إنما الحديث فيه بحذفه. قال الثعالبي في تفسير الجواهر الحسان: وعندي
أن المراد بآل محمد هنا متبعوه و له (قوتاً. متفق عليه) أي: بالمعنى وإلا فاللفظ لمسلم في
إحدى رواياته، ولفظ البخاري وهو عند مسلم أيضاً ((اللهم ارزق آل محمد قوتً) قال الحافظ
في الفتح: بعد ذكر لفظ مسلم المذكور في المتن: وهو المعتمد(٢) كون اللفظ الأول
صالحاً؛ لأن يكون دعاء بطلب القوت في ذلك اليوم، وأن يكون طلبه لهم دائماً، بخلاف
لفظ مسلم فإنه يعين الاحتمال الثاني وهو الدال على الكفاف. والحديث رواه الترمذي
وقال: حسن صحيح والنسائي وابن ماجه كما في الأطراف (قال أهل اللغة) هم الحاكون
(١) أخرجه البخاري في كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب سعد بن أبي وقاص وفي الأطعمة، باب: ما
كان النبي _ وأصحابه يأكلون وفي الرقاق، باب: كيف كان عيش النبي محمد (٢٤٦/١١، ٢٤٧)
وأخرجه مسلم في كتاب: الزهد والرقائق (الحديث : ١٢)
(٢) كذا بالأصول. ع

٤٥١
٥٦ - باب: في فضل الجوع وخشونة العيش
مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ(١).
٥٠١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: وَاللَّهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلَّ هُوَ إِنْ كُنْتُ
لَأَعْتَمِدُ بِكَبِدِي عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْجُوعِ، وَإِنِّي كُنْتُ لَأَشُدُّ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِي مِنْ
الْجُوعِ ، وَلَقَدْ قَعَدْتُ يَوْمَاً عَلَى طَرِيقِهِمُ
لمعاني المفردات عن العرب (والغريب) هم المتكلمون على مفردات الكتاب والسنة (معنى
قوتاً أي: ما يسد الرمق) في المصباح: القوت ما يؤكل ليمسك الرمق وقال القرطبي : معنى
الحديث طلب الكفاف، فإن القوت ما يقوت البدن ويكف عن الحاجة، ولم يظهر وجه
إدخال أي: بين المفسر والمفسر، وفي هذه الحالة سلامة من آفات الغنى والفقر جميعاً.
٥٠١ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: والله الذي لا إله إلا هو) أتى به لتأكيد ما بعده
في ذهن سامعه (إن) مخففة إني (كنت لأعتمد بكبدي) بفتح الكاف وكسر الموحدة أفصح
من فتح الكاف وكسرها مع سكون الموحدة (على الأرض) أي: ألصق بطني بها (من
الجوع) من فيه تعليلية، وكأنه كان يستفيد بذلك ما يستفيده من شده الحجر على بطنه،
ويحتمل أن يكون كناية عن سقوطه إلى الأرض مغشياً عليه كما سيأتي في الحديث عنه عقب
هذا ((لقد رأيتني وإني لأخر فيما بين منبر رسول الله وَ طلقه إلى حجرة عائشة مغشياً علي))
الحديث (وإني كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع) كعادة العرب وأهل الرياضة، أو
أهل المدينة كانوا يفعلون ذلك إذا خلت أجوافهم لئلا تسترخي أمعاؤهم فتثقل عليهم
الحركة. وبربط الحجر تشتد البطن والظهر فتسهل عليهم الحركة حينئذ. وقيل: حكمة شده
أنه يسكن بعض ألم الجوع؛ لأن حرارة المعدة الغريزية ما دامت مشغولة بالطعام فتلك
الحرارة به، فإذا نفد اشتعلت برطوبات الجسم وجوهره فيحصل التألم حينئذ ويزداد ما لم
يضم على المعدة الأحشاء والجلد، فإن نارها حينئذ تخمد بعض الخمود فيقل الألم. وقيل:
يفعل ذلك؛ لأن البطن إذا خلا ضعف صاحبه عن القيام لتقوس ظهره، فاحتيج لربط الحجر
ليشده ويقيم صلبه (ولقد قعدت على طريقهم) قال في المصباح: ويذكر في لغة نجد وبه
جاء قوله تعالى: ﴿فاضرب لهم طريقاً في البحر يبسأ﴾(٢) ويؤنث في لغة الحجاز. ((قلت)):
وعدم تأنيث ييس لكونه مصدراً وصف به كما ذكر البيضاوي في التفسير، قال في المصباح:
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: كيف كان عيش النبي ◌َط﴾ (٢٥١/١١).
وأخرجه مسلم في كتاب: الزهد والرقائق (الحديث: ١٩).
(٢) سورة طه، الآية: ٧٧.

٤٥٢
كتاب : دليل الفالحين
الَّذِي يَخْرُجِونَ مِنْهُ فَمَرَّ بِي النَّبِيُّ بِّهَ فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآنِي وَعَرَفَ مَا فِي
وَجْهِي وَمَا فِي نَفْسِي ثُمَّ قَالَ: ((أَبَا هِرَّ) قُلْتُ: لَبِّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ،
قَالَ: ((إِلْحَقْ)) وَمَضَى فَاتَّبَعْتُهُ، فَدَخَلَ فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لِي فَدَخَلْتُ فَوَجَدَ لَبَناً
وجمعه طرق، وقد يجمع على لغة التذكير على أطرقة والضمير يرجع إلى المارة المدلول
عليه بالمضاف (الذي يخرجون منه) أي: إلى مطالبهم، وذلك لئلا يفوتوه (فمر بي
النبي 18َّ) قبله في البخاري مرور أبي بكر وعمر، وأنه سأل كلاً منهما (١) آية وقصد بالسؤال
التعرض للنوال فلم يقع، وسكت عنه المصنف لعدم تعلق غرض الباب به، إذ غرضه
التحريض على الزهد في الدنيا والإِعراض عما تدعو إليه الضرورة بالمرة، وهذا الخبر وأمثاله
يدل عليه، إذ لو كان حاله وَيّر بخلاف ذلك لما بلغ حال أصحابه في العقد إلى ما ذكر في
الخبر لما علم من كمال كرمه وإيثاره على نفسه وسير (فتبسم حين رآني وعرف ما في وجهي)
أي: مما يدل على ما في نفسي (وما في نفسي) أي: من الاحتياج إلى ما يسد الرمق. ووقع
عند بعض رواة البخاري بأو التي للشك بدل الواو في قوله: ((وما)) قال في الفتح : استدل أبو
هريرة تبسمه على أنه عرف ما به؛ لأن التبسم يكون لما يعجب وتارة يكون لمن تبسم
إليه ولم تكن تلك الحالة معجبة فقوي الحمل على الثاني (ثم قال يا أبا هر) بتشديد الراء،
قال في الفتح: وهو إما رداً لاسم المؤنث إلى المذكر أو المصغر إلى المكبر، فإن كنيته في
الأصل أبو هريرة تصغير هرة مؤنثاً. وأبو هريرة مذكر. وذكر بعضهم أنه يجوز فيه تخفيف
الراء مطلقاً فعلى هذا فيسكن (قلت: لبيك يا رسول الله) هذه رواية علي بن مسهر بإثبات
حرف النداء، وعند باقي الرواة له بحذفه أي: إجابة بعد إجابة (قال الحق) بهمزة وصل وفتح
الحاء المهملة (٢) أي: اتبع (ومضى) أي: إلى سبيل بينه (فاتبعته) بتشديد الفوقية، زاد في
رواية علي بن مسهر، فلحقته، وفي تفسير البغوي تبع بقطع الهمزة معناه أدرك وألحق ، واتبع
بتشديد التاء معناه سار، يقال: ما زلت أتبعه حتى اتبعته أي: ما زلت أسير خلفه حتى أدركته
ولحقته (فدخل) زاد علي بن مسهر إلى أهله (فاستأذن) قال في الفتح: بهمزة بعد التاء
والنون مضمومة فعل المتكلم(٣)، وعبر عنه بذلك مبالغة في التحقق؛ لأنه حكاية حال
ماضية، ففيه الإِشارة لكمال استحضاره لها حتى كأنه يخبر عن حاضر عنده وفي رواية ابن
مسهر: فاستأذنت بضمير المتكلم (وأذن لي) يحتمل أن يقرأ بالبناء للفاعل أي: النبي ◌َّته،
(١) أي: عن تفسيرها. ش.
(٢) ضبطت في نسخ المتن بهمزة قطع وكسر الحاء ومعناهما واحد.
(٣) فهو مضارع.

٤٥٣
٥٦ - باب: في فضل الجوع وخشونة العيش
فِي قَدَحٍ ، فَقَالَ: ((مِنْ أَيْنَ هَذَا الَّبَنُ؟)) قَالُوا: أَهْدَاهُ لَكَ فُلانٌ - أَوْ فُلَانَةٌ ــ قَالَ:
(أَبَا هِرَّ) قُلْتُ: لَبِّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((إِلْحَقْ إِلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ لِي)) قَالَ:
وَأَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيافُ الإِسْلَامِ لَ يَأْوونَ عَلَى أَهْلٍ وَلَ مَالٍ وَلَ عَلَى أَحَدٍ، وَكَانَ إِذَا أَنْهُ
صَدَقَةٌ بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهَا شَيْئاً، وَإِذَا أَتْهُ هَدِيَّةٌ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ وَأَصَابَ مِنْها
وَأَشْرَكَهُمْ فِيهَا، فَسَاءَنِي ذَلِكَ فَقُلْتُ: وَمَا هَذَا اللَّبْنُ في أَهْلِ الصُّفَّةِ: كُنْتُ أَحَقُّ أَنْ
وأن يقرأ بالبناء للمفعول ما لم تكن رواية فيوقف عندها (فدخل) (١) قال في الفتح: كذا فيه
وهو إما تكرار لهذه اللفظة لوجود الفصل أو التفات (فوجد لبناً في قدح فقال: من أين هذا
اللبن؟) وفي رواية ابن مسهر ((من أين لكم؟)) (قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة) كذا بالشك،
قال في الفتح: ولم أقف على اسم من أهداه، وفي رواية روح ((أهداه لنا فلان أو آل فلان))
وفي رواية أهداه لنا فلان (قال: أبا هر قلت: لبيك يا رسول الله) بإثبات حرف النداء عند
جميع رواه البخاري (قال: الحق إلى أهل الصفة) ضمن الحق معنى انطلق فلذا عداه بإلى،
وقد وقع في رواية روح بدله: انطلق (فادعهم لي، قال:) أي: أبو هريرة وسقط من رواية
روح ولا بد منها فإن قوله: (وأهل الصفة أضياف الإِسلام لا يأوون على أهل ولا مال ولا على
أحد) إلى آخر ما يأتي من بيان شأنهم من كلام أبي هريرة شرح به حال أهل الصفة والسبب
الداعي لدعائهم، وأنه * كان يخصهم بالصدق ويشركهم فيما يأتيه من الهدية. ووقع في
رواية يونس ما يشعر بأن أبا هريرة كان منهم، وقد عده فيهم السخاوي في مؤلفه في أهل
الصفة. والصفة بناء في مؤخر المسجد منزل فقراء المهاجرين مما لا مال له ولا معارف
بالمدينة، وقد تقدم فيهم بيان قبل هذا في باب فضل الزهد في الدنيا، ووقع هكذا في
الرواية: لا يأوون على أهل، والكثير إلى بدل على وقوله: ولا على أحد تعميم بعد
تخصيص فيشمل الأقارب والأصدقاء وغيرهم، وجملة ولا يأوون في محل الحال (وكان إذا
أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول) وفي رواية روح: ولم يصب (منها شيئاً) أي: لنفسه. وزاد
روح ولم يشركهم فيها لحرمة الصدقة عليه لعلو مقامه (وإذا أتته هدية أرسل إليهم) أي :
ببعضها كما يدل عليه قوله: (وأصاب منها وأشركهم فيها) وهذه الجملة الأخيرة كالإطناب،
فيها إيماء إلى أنه يجعل لهم منها حظاً وافراً، وأما هو في نصيبه منها فلا يستكثر إيثاراً،
والجملة الشرطية وما عطف عليها مستأنفة فيها بيان معاملته بَالر معهم واعتنائه بأمرهم، وما ذكر
من بعث الصدقة وبعث الهدية لأهل الصفة هو أحد أحواله بة معهم، وتارة كان إذا أتاه شيء
(١) في بعض نسخ المتن فدخلت. ع

٤٥٤
كتاب: دليل الفالحين
أُصيبَ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ شَرْبَةً أَتَقَوَّى بِها فَإِذَا جَاؤُوا أَمَرَنِي فَكُنْتُ أَنَا أُعْطِيهِمْ وَمَا عَسَى أَنْ
يَبْلُغَنِي مِنْ هَذَا الَّبَنِ؟ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ وَ بُدُّ فَأَتْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ فَأَقْبَلُوا
وقيل له: إنه صدقة أمر من عنده بأكله ولم يأكل منه، وإن قيل: إنه هدية ضرب بيده وأکل
منه، وحمل على أن هذا كان قبل بناء الصفة وكان يقسم الصدقة فيمن يستحقها ويأكل
الهدیة فیمن حضر من أصحابه، ويحتمل أن یکون باختلاف حالین فیحمل حديث الباب
على ما إذا لم يحضره أحد فإنه يرسل ببعض الهدية إلى أهل الصفة أو يدعوهم كما في قصة
الباب، وإن حضره أحد شركه في الهدية، وإن كان هناك فضل أرسل به إلى أهل الصفة أو
دعاهم. ووقع في حديث أحمد عن طلحة بن عمر: نزلت في الصفة مع رجل كان بيني وبينه
كل يوم مد من تمر وهو محمول على اختلاف الأحوال، كان أولاً ينزل إلى أهل الصفة مما
حضره أو يدعوهم أو يفرقه على من حضر إن لم يحضر ما يكفيهم، فلما فتحت فدك وغيرها
صار يجري عليهم من التمر في كل يوم ما ذكر اهـ. ملخصاً من الفتح (فساءني) بالمد أي:
أحزنني (ذلك) أي: قوله ادعهم لي لمزيد ضرورتي وشدة فاقتي ظن أن ذلك اللبن لا يزيد
عن حاجته كما هو مقتضى العادة فيه فلذا قال: (فقلت: وما هذا اللبن) والواو عاطفة على
محذوف والإِشارة للتحقير (في أهل الصفة) وهم عدد كثير وفي رواية ((وأين يقع هذا اللبن
في أهل الصفة)) (كنت أحق) أي: أولى به (أن أصيب) وحذف المفضل عليه مجروراً بمن
لدلالة السياق عليه أي: أولى منهم إصابة (من هذا اللبن شربة أتقوى بها) أي: أصير ذا قوة
من ضعف الجوع بسببها يقال: تحجر الطين أي: صار حجراً، ويجوز أن يكون بمعنى
المجرد أي: أقوى بها بعد الضعف (فإذا جاء) قال الحافظ في الفتح: كذا فيه بالإِفراد أي :
من أمرني بطلبه والأكثر جاءوا بصيغة الجمع. اهـ. والموجود في بعض نسخ الرياض الوجه
الثاني (أمرني) أي: النبي ◌َّير (فكنت أنا أعطيهم) وكأنه عرف ذلك بالعادة؛ لأنه كان يلازم
النبي 18َّ ويخدمه (وما عسى أن يبلغني) أي: يصل إليّ (من هذا اللبن) بعد أن يكتفوا منه
وقال الكرماني: لفظ عسى زائد، ووقع في رواية يونس بن بكير: فيأمرني أن أديره عليهم وما
عسى أن يصيبني منه، وقد كنت أرجو أن أصيب منه ما يقيتني أي: من جوع ذلك اليوم (ولم
يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بد) أي: محيد. قال في المصباح: لا بد من كذا أي: لا
محيد عنه، ولا يعرف استعماله إلا مقروناً بالنفي اهـ، وذلك؛ لأن شكر المنعم سبحانه
واجب شرعاً وطاعة الرسول وَلقر طاعة له سبحانه، قال تعالى: ﴿من يطع الرسول فقد
أطاع الله﴾(١) (فأتيتهم) أي: عقب الأمر لي بدعوتهم وإن كان على خلاف هواي (فدعوتهم)
(١) سورة النساء، الآية: ٨٠

٥٦ - باب: في فضل الجوع وخشونة العيش
٤٥٥
وَاسْتَأْذَنُوا فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ مِنَ الْبَيْتِ، قَالَ: ((يَا أَبَا هِرِّ) قُلْتُ: لَبَيْكَ
يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((خُذْ فَأَعْطِهِمْ)) فَأَخَذْتُ الْقَدَحَ فَجَعَلْتُ أُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى
يَرْوى ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ فَأُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوي، ثُمَّ يَردُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ، حَتَّى
قال الكرماني: وظاهر قوله ((فأتيتهم)) أن الإِتيان والدعوة وقعا بعد الإِعطاء وليس كذلك، ثم
أجاب أن معنى قوله: فكنت أنا أعطيهم عطف على جواب فإذا جاءوا، فهي بمعنى
الاستقبال، قال في الفتح: وهو ظاهر من السياق (فأقبلوا فاستأذنوا) أي: سألوا الإِذن في
الدخول (فأذن لهم) بالبناء للفاعل كذا في النسخ أي: النبي ◌َّ ه ولو قرىء بالبناء للمفعول
لجاز؛ لأن المدار على وجود الإذن من أي كان، قال تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا
بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم﴾(١) (فأخذوا مجالسهم) أي: فقعد كل منهم في المجلس
اللائق به (من البيت) أي: بيت النبي وص له وقد أمر يوليه بإنزال الناس منازلهم كما رواه مسلم
في أول صحيحه عن عائشة معلقاً، قال الحافظ في الفتح: ولم أقف على عددهم إذ ذاك،
قال أبو نعيم: عدد أهل الصفة يختلف بحسب الحال، فربما اجتمعوا فكثروا وربما تفرقوا
إما لغزو أو سفر أو استغناء فقلوا. ووقع في عوارف المعارف أنهم كانوا أربعمائة وفي
المصباح: المجلس أي: بفتح أوله وثالثه: مكان الجلوس والجمع مجالس. وقد يطلق على
أهله مجازاً تسمية للحال باسم المحل اهـ. (قال: يا أبا هر. قلت: لبيك يا رسول الله قال:
خذ) أي: قدح اللبن المدلول عليه بالسياق والسباق (فأعطهم، فأخذت القدح فجعلت)
أي: شرعت (أعطيه الرجل) والإِتيان به حكاية للحال الماضية إشارة لكمال استحضار
القصة، ولولا ذلك لقال: فأعطيته الرجل، وأل في الرجل للجنس (فيشرب حتى يروي ثم)
فيه إيماء إلى طول شرب الرجل منهم، وذلك لمزيد الجوع وتمام الفاقة (يرد) بالبناء للفاعل
(علي القدح فأعطيه) أي: عقب رده (الآخر) أي: الذي إلى جنبه، هذه رواية يونس، وفي
رواية علي بن مسهر ((فجعلت أناول الإِناء رجلا رجلاً، فإذا روى أخذته فناولته الآخر حتى
روى القوم جميعاً)) ووقع في بعض نسخ البخاري: فأعطيه الرجل، وعليها شرح الحافظ
كالكرماني فقال أي: الذي إلى جنبه، وهذا فيه أن المعرفة إذا أعيدت معرفة لا تكون عين
الأول. قال: والتحقيق أن ذلك لا يطرد بل الأصل أن تكون عينه إلا أن يكون هناك قرينة.
قال الحافظ: بعد ذكر اختلاف الروايات كما ذكرنا: وعليه فاللفظ المذكور من تصرف
الرواة، فلا حاجة فيه لخرم القاعدة (فيشرب حتى يروي ثم يرد علي القدح) وقوله: (حتى
(١) سورة الأحزاب، الآية: ٥٣.

٤٥٦
كتاب : دليل الفالحين
أَنْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ﴿ وَقَدْ رَوِيَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ، فَأَخَذَ الْقَدَحَ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ فَظَرَ إِلَيَّ
فَتَسِّمَ، فَقَالَ: ((أَبَا هِرَّ)، قُلْتُ: لَبِّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((بَقِيتُ أَنَا وَأَنْتَ)) قُلْتُ:
صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((اقْعُدْ فَاشْرَبْ)) فَقَعَدْتُ فَشَرِبْتُ، فَقَالَ اشْرَبْ،
فَشَرِبْتُ، فَمَا زَالَ يَقُولُ: اشْرَبْ حَتَّى قُلْتُ: لَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَجِدُ لَهُ
مَسْلَكاً، قَالَ: ((فَأَرِنِ)) فَأَعْطَيْتُهُ الْقَدْحَ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَسَمَّى وَشَرِبَ الفَضْلَةَ .
انتهيت إلى النبي (9) أي: فأعطيه غاية لمقدر أي: عممتهم أجمعين حتى انتهيت إليه وَيّ
(وقد روى القوم كلهم) جملة في محل الحال، وقد للتحقيق إيماء إلى أنه تحقق لهم الري
المطلوب، وأكد القوم بكلهم دفعاً لتوهم أن المراد ري بعضهم (فأخذ القدح) أي: وقد
بقيت فيه فضلة من اللبن كما في رواية روح (فوضعه على يده فنظر إلي فتبسم) قال الحافظ
في الفتح: كأنه يَّ تفرس في أبي هريرة ما كان وقع في توهمه أنه لا يفضل له شيء من
اللبن فلذا تبسم. ((قلت)): ويجوز أن يكون قد اطلع على ذلك ككثير من المغيبات (فقال أبا
هر:) كذا في رواية، وفي رواية ابن مسهر هنا وفيما ذكر أوله أبو هر بالواو وهو على تقدير
الاستفهام أي: أنه أبو هريرة وعلى لغة من لا يعرب الكنية (فقلت: لبيك يا رسول الله قال:
بقيت أنا وأنت) كأنه بالنسبة لمن حضر من أهل الصفة، وأما من كان في البيت من أهل
النبي وَّر فلم يتعرض لذكرهم، ويحتمل أن البيت إذ ذاك ما كان فيه أحد منهم، أو أخذوا
كفايتهم والذي في القدح نصيبه وهل﴿ (قلت: صدقت يا رسول الله) وهذه الجملة والتي قبلها
من باب لازم الخبر (قال: اقعد فاشرب) فيه أن اللبن كغيره من المشروبات في استحباب
الجلوس عند شربه، بخلاف المص للمشروب فإنه يستحب فيما عدا اللبن، أما هو فيعبه
عباً؛ لأن ما شرع له المص من خوف الشرقة به مفقود في اللبن لقوله تعالى: ﴿سائغاً
للشاربين﴾(١) قال الحافظ السيوطي: لم يشرق باللبن أحد أصلاً (فقعدت فشربت، فما زال
يقول لي: اشرب) أي: لما علم من مزيد حاجته وشدة فاقته؛ ولأنه ربما يترك بعض حاجته
ليبقي بعضه للنبي * فأمره بذلك ليستوفي إربه، وظاهر أنه كرر ذلك مراراً. والمذكور في
أدب الضيافة أن المضيف يقول: نحو ذلك للضيف إلى ثلاثة لا يجاوزها (حتى قلت: لا)
المنفي محذوف أي: لا أشرب. ثم علل ذلك على وجه الاستئناف البياني مؤكداً بالقسم
بقوله: (والذي بعثك) أي: أرسلك ملتبساً (بالحق لا أجد له مسلكاً) بفتح أوله وثالثه
وسكون ثانيه المهمل بينهما أي: مكاناً يسلك فيه مني (قال: فأرني) وفي رواية روح فقال:
(١) سورة النحل، الآية: ٦٦.

٤٥٧
٥٦ - باب: في فضل الجوع وخشونة العيش
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١).
٥٠٢ - وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرَينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُني
ناولني القدح (فأعطيته القدح فحمد الله تعالى) أي: على ما من به من البركة في اللبن
المذكور مع قلته حتى روي القوم كلهم وأفضلوا (وسعى) في ابتداء الشرب (وشرب
الفضلة) أي: البقية، وفي رواية روح: فشرب من الفضلة. وفيه إشعار بأنه بقي بعضه، فإن
كانت محفوظة فلعله أعدها لمن بقي بالبيت إن کان (رواه البخاري) في الرقاق من صحيحه،
ووقع في الأطراف أنه رواه في الاستئذان وهو وهم، إلا إن أراد أنه رواه كذلك مختصراً
بنحوه في الباب المذكور كما نبهت عليه في حاشية كتاب الأطراف، ورواه الترمذي في الزهد
من جامعه، والنسائي في الرقاق من سننه. وفي الحديث من الفوائد من علامات النبوة تكثير
الطعام والشراب ببركته ◌ّله وفيه جواز الشبع ولو بلغ أقصى غايته أخذاً من قول أبي هريرة لا
أجد له مسلكاً، وتقرير النبي سه على جوازه خلافاً لمن قال: بتحريمه. والجمع بين ذلك
وبين الأحاديث الواردة بالزجر عن الشبع بحمل الزجر على متخذ الشبع عادة لما يترتب عليه
من الكسل عن العبادة وغيرها، وحمل الجواز على من وقع له ذلك نادراً، لا سيما بعد شدة
جوع واستبعاد حصول شيء بعده عن قرب. تنبيه: قال في الفتح: وقع لأبي هريرة قصة
أخرى في تكثير الطعام مع أهل الصفة. أخرج ابن حبان عن أبي هريرة قال: ((أتت علي
ثلاثة أيام لم أطعم، فجئت أريد الصفة فجعلت أسقط، فجعل الصبيان يقولون: جن أبو
هريرة حتى انتهيت إلى الصفة، فوافقت رسول الله ويتر أتى بقصعة من ثريد فدعا عليها أهل
الصفة وهم يأكلون منها فجعلت أتطاول لكي يدعوني حتى قاموا وليس في القصعة إلا شيء
في نواحيها، فجمعه ﴿ فصار لقمة فوضعها على أصابعه فقال لي: كل باسم الله، فوالذي
نفسي بيده ما زلت آكل منها حتى شبعت. اهـ.
٥٠٢ - (وعن محمد بن سيرين) بكسر المهملة وسكون التحتية وبالراء ثم تحتية ثم نون
غير منصرف للعلمية والعجمة، وابن سيرين تابعي يكنى أبا بكر، بصري ثقة ثبت، عابد
كبير القدر من أوساط التابعين، مات سنة عشر ومائة، روى عنه الستة كذا في تقريب الحافظ
(عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لقد رأيتني) أي: أبصرتني وهذا طرف من أواخر حديثه،
وأوله ((كنا عند أبي هريرة وعليه ثوبان ممشقان من كتان، فتمخط فقال: بخ بخ أبو هريرة
يتمخط في الكتان، ولقد رأيتني)) وكان على المصنف ذكر الواو لينبه على أن ما ذكر بعض
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: كيف كان عيش النبي ◌َ﴿ وأصحابه (٢٤٠/١١، ٢٤٦).

٤٥٨
كتاب: دليل الفالحين
وَإِّي لَأَخِرُ فِيمَا بَيْنَ مِنْرِ رَسُولِ اللَّهِ وَهَ إِلَى حُجْرَةٍ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَغْشِيًّا عَلَيَّ،
فَيَجِيءُ الْجَائِي فَيَضَعُ رِجْلَهُ عَلَى عُنُقِي وَيَرَى أَنِّي مَجْنُونٌ وَمَا بِي مِنْ جُنونٍ، مَا بي
إِلَّ الْجُوعُ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١).
٥٠٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ وَدِرْعُهُ مَرْهُونٌ عِنْدَ
حديث معطوف على شيء تقدمه (وإني لأخرّ) بكسر الخاء المعجمة أي: لأسقط والجملة
حال من فاعل رأيتني أو مفعوله (فيما) أي: في المكان الذي أو مكان (بين منبر) بكسر
فسكون ففتح، من النبر بالنون فالموحدة: الارتفاع (رسول الله وَلقر إلى حجرة عائشة
رضي الله عنها) القياس وحجرة عائشة؛ لأن بين لا تضاف إلا إلى متعدد، وكذا رأيته عزاه
الحافظ في باب الرقاق من الفتح إلى باب الاعتصام، لكن في باب الاعتصام من الصحيح بلفظ
إلى، وفي كتب النحو فيما اختصت به الواو العاطفة عن باقي العواطف عطف ما لا يستغني
عنه كجلست بين زيد وعمرو، ولذا كان الأصمعي يقول: الصواب: بين الدخول وحومل،
لا فحومل. ((وأجيب)) بأن التقدير بين نواحي الدخول فهو كقولك: دخلت بين الزيدين، أو أن
الدخول مشتمل على أماكن ذكره في مغني اللبيب، والجواب الأول ممكن هنا أي: ما بين
ساحات المنبر إلى حجرة عائشة وما بين المنبر وحجرة عائشة، أي: بيتها، وهي
مدفنه وَالي(٢) الروضة طولاً (مغشياً علي) هذا محط الفائدة ومقصد الأخبار أي: مغمى علي،
والإِغماء زوال الشعور مع فتور في الأعضاء (فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي ويرى
أني مجنون) أي: وتلك عادتهم بالمجنون حتى يفيق وجملة يرى محتملة للحالية والاستئناف
البياني (وما بي من) مزيدة لتنصيص على العموم الظاهر فيه (جنون) لكونه نكرة في سياق
النفي، وهو مبتدأ والظرف قبله خبر قدم عليه اهتماماً واعتناء (وما بي) الباء فيه سببية أي:
ليس سبب إغمائي (إلا الجوع. رواه البخاري) في باب الاعتصام، ورواه الترمذي في
الزهد من جامعه وقال: حسن صحيح غريب، ورواه في الشمائل بنحوه.
٥٠٣ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: توفي رسول الله (صلير ودرعه) بكسر الدال
المهملة: ما يلبس في الحرب، زاد البخاري في أول البيوع عنها: ورهنه درعاً من حديد
(مرهونة عند يهودي) هو أبو الشحم، قال الحافظ في الفتح: كما بينه الشافعي ثم البيهقي
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الاعتصام، باب: ما ذكر النبي ﴿ وحض على اتفاق أهل العلم وما أجمع
عليه الحرمان، (١٣ /٢٥٨).
(٢) لعله (حد) ع.

٤٥٩
٥٦ - باب: في فضل الجوع وخشونة العيش
يُهُودِيٍّ في ثَلاثِينَ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ،
من طريق جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي وَّل رهن درعاً له عند أبي الشحم اليهودي رجل
من بني ظفر في شعير وأبو الشحم اسمه كنيته، وظفر بفتح الظاء والفاء: بطن من الأوس، وكان
حليفاً لهم وتصحف على بعضهم فضبطه بمد الهمزة وكسر الموحدة اسم فاعل من الأباء. قال
العلماء: الحكمة في عدوله وَلّ عن معاملة مياسير الصحابة إلى معاملة اليهود، إما لبيان
الجواز، أو؛ لأنهم لم يكن عندهم إذ ذاك طعام فاضل عن حاجة من عندهم، أو خشي أنهم
لا يأخذون ثمناً أو عرضاً فلم يرد التضييق عليهم، فإنه لا يبعد أن يكون فيهم إذ ذاك من يقدر
منه على ذلك أو أكثر منه، فلعله لم يطلعهم على ذلك وإنما اطلع عليه من لم يكن موسراً به
ممن نقل ذلك اهـ. (في ثلاثين صاعاً) وقيل: في عشرين، وقيل: في أربعين، وقيل: وسقاً
بدل الصاع كما ورد كل منها قاله الشيخ زكريا في تحفة القارىء، وجمع في الفتح بين
روايتي عشرين وثلاثين بأنه لعله كان ناقصاً عن الثلاثين فجبر بذلك الكسر وألغى أخرى.
قال: ووقع لابن حبان عن أنس أن قيمة الطعام كانت ديناراً (من شعير) قال الشيخ زكريا في
شرح البهجة قيل: افتكه # قبل موته لخبر ((نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى)) وهو وثيقة
منزه عن ذلك، والأصح خلافه لقول ابن عباس رضي الله عنهما ((توفي رسول الله وَلطائر ودرعه
مرهونة عند يهودي)) أي: ولحديث الباب، والحديث الأول محمول على من لم يخلف وفاء
قال السبكي: مع أنه لو ليس من الخبر؛ لأن دينه ليس لمصلحة نفسه؛ لأنه غني بالله،
وإنما أخذ الشعير لأهله وهو متصرف عليهم بالولاية العامة فلا يتعلق الدين به بل بهم، ولم
يثبت أنه كان عليه ديون، وإن ثبت فهو لمصلحة المسلمين، وإذا استدان الإِمام لمصالحهم
كان عليهم لا عليه. ((فإن قيل)): هذا فيما استدانه للجهات العامة دون ما استدانه لأهله،
فإنه وكيل عليهم والوكيل تتعلق به العهدة. ((والجواب)): أنه ور أولى بالمؤمنين، فهو
يتصرف عليهم بهذه الولاية التي ليست لغيره من الأئمة ولا يخفى ما فيه اهـ. كلام الشيخ
زكريا. ((أقول)): يمكن أن يجاب بأن المختار عند الأصوليين عدم دخول المتكلم في عموم
كلامه، فذاك في حق من سواه، أما هو فلا يحبس عن علي مقامه تشريفاً له والله أعلم. وفي
فتح الباري: فيه أي: في حديث ((توفي رسول الله وَل ودرعه مرهونة)) دليل على أن المراد
بقوله 18َّ في حديث أبي هريرة: ((نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه)) وهو حديث
صححه ابن حبان وغيره من لم يترك عند صاحب الدين ما يحصل به الوفاء وإليه جنح
الماوردي. وذكر ابن الطلاع في الأقضية النبوية أن أبا بكر افتك الدرع بعد النبي ◌ّ. لكن
روى ابن سعد أن أبا بكر قضى عدات النبي مشر وأن علياً قضى ديونه. وروى إسحاق بن
راهويه في مسنده عن الشعبي مرسلاً أن أبا بكر افتكها وسلمها لعلي. وأما من أجاب بأنه وَله

٤٦٠
كتاب: دليل الفالحين
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
٥٠٤ - وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: رَهَنَ النَِّيُّ ◌َ دِرْعَهُ بِشَعِيرِ، وَمَشَيْتُ إِلَى
النَّبِيِّ ◌ََّ بِخُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((مَا أَصْبَحَ لِإِلِ مُحَمَّدٍ إِلَّ صَاعٌ
افتكها قبل موته بثلاثة أيام فمعارض بحديث عائشة اهـ. (متفق عليه) رواه البخاري في
أبواب من صحيحه بعضها باللفظ المذكور وبعضها بنحوه، رواه مسلم في البيوع، ورواه
النسائي وابن ماجه.
٥٠٤ _ (وعن أنس رضي الله عنه قال: رهن النبي (وَ لّ درعه) لفظ البخاري: درعاً له. فيه
أنه من أدراعه لا الذي كان يعتاد لبسه (بشعير) أي: مقابلة بثمن الشعير الذي شراه وَ لتر
نسيئة، ففي الحديث مضاف مقدر والباء فيه للمقابلة، ويصح كونها باء السببية ولا مضاف
أي: بسبب الشعير الذي شراء نسيئة (ومشيت إلى النبي صلّ بخبز شعير) قال الحافظ في
كتاب الرهن من الفتح: ووقع لأحمد عن أنس لقد دعا نبي الله ثمّ ذات يوم على خبز
شعير وإهالة منخة، فكان اليهودي دعا النبي # على لسان أنس، فلذا قال:
مشيت إليه بخلاف ما يقتضيه ظاهره (وإهالة سنخة) بالسين المهملة، قال الشيخ زكريا:
ويروى زنخة بالزاي بدلها والباقي سواء، ففيه إعراضه ولاعن المشتهيات واجتزؤه بما يسد
الحاجة من القوت حتى حمل إليه مثل ذلك (ولقد سمعته) ظاهره أن هذا من كلام أنس،
ومرجع الضمير البارز للنبي ﴾ أي: قال أنس: سمعت النبي وَّ، وهو ما فهمه الحافظ ابن
حجر، ورد على الكرماني قوله وهو كلام قتادة، والضمير المنصوب فيه لأنس. قال الحافظ:
ويرد عليه أنه أخرجه أحمد وابن ماجه عن أنس بلفظ ((ولقد سمعت رسول الله صل﴿ (يقول):
والذي نفس محمد بيده)) فذكر الحديث بلفظ ابن ماجه وساقه أحمد بتمامه يقول: مسلياً
لأولي الفقر والحاجة من أمته (ما أصبح لآل محمد) أي: عندهم كقوله تعالى: ﴿أقم الصلاة
لدلوك الشمس﴾(٢) أي: عنده كما يدل عليه لفظ البخاري في أوائل البيوع ((ما أمسى عند آل
محمد صاع بر)) الحديث قال في تحفة القارىء: وآل مقحم. ((قلت)): ويجوز إبقاؤه على
ظاهره خصوصاً ومذهب البصريين وهو المختار منع زيادة الأسماء، ويؤيده عود الضمير إليه
من قوله: وإنهم لتسعة أبيات (إلا صاع) أي: مكيلة من الطعام لكن في باب شراء النبي وَّة
نسيئة أوائل البيوع من صحيح البخاري في حديث الباب عن أنس ((ولقد سمعته يقول: ما
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: ما قيل في درع النبي ثمي والمغازي (٧٢/٦، ٧٣).
وأخرجه مسلم في كتاب: المساقاة، باب: الرهن وجوازه ... (الحديث: ١٢٥).
(٢) سورة الإسراء، الآية: ٧٨.