النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ ٥٥ - باب: في فضل الزهد في الدنيا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: ((أَبْشِروا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللَّهِ مَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا أن يكون للتحقير لحقارة الدنيا في جانب ما أعد الله للمؤمنين في الدار الآخرة (من البحرين) يحتمل أن يكون مستقراً صفة لشيء ويحتمل أن يكون لغواً متعلقاً بالفعل (فقالوا: أجل) هو في المعنى مثل نعم لكن نعم يحسن أن تقال جواب الاستفهام، وأجل أحسن من نعم في التصديق (يا رسول الله) وأتوا به تلذذاً بالخطاب وإلا فقد حصل بقولهم أجل الجواب (فقال: أبشروا) أمر معناه الإِخبار بحصول المقصود (وأملوا) قال في تحفة القارىء: بفتح الهمزة وتشديد الميم (فوالله ما الفقر) بالنصب مفعول مقدم لقوله (أخشى عليكم) وتقدم المفعول إهتماماً بنفي خشية الفقر عليهم عكس الآباء مع أولادهم، فإن الوالد الشفيق يخشى على ولده الضيعة بعده، والنبي ◌َّ لهم مثل الوالد ولم يخش عليهم الفقر، قال الطيبي: لأن الأب الدنيوي يخشى على ولده الفقر الدنيوي. والأب الديني يخشى على ولده الفقر الديني، قال الحافظ في الفتح: يجوز رفع الفقر بتقدير ضمير أي: ما الفقر أخشاه عليكم، والأول هو الراجح، وخص بعضهم جواز ذلك بالشعر اهـ. وأصله للزركشي وتعقبه فيه الدماميني بأن ضعف ذلك مذهب كوفي، قال في التسهيل، ولا يختص بالشعر خلافاً الكوفيين. ((فإن قلت)): تقديم المفعول هذا يؤذن بأن الكلام في المفعول لا في الفعل كقولك ما زيداً ضربت فلا يصح أن يعقب المنفي بإثبات ضده، فيقول: ولكن أكثر منه؛ لأن المقام في المفعول هل هو زيد أو عمرو مثلاً، لا في الفعل هل هو إكرام أو إهانة. والحديث قد وقع فيه استدراك بإثبات ضد الفعل المنفي فقال: ولكن أخشى إلخ فكيف يأتي هذا؟ ((قلت)): المنظور إليه في الاستدراك هو المنافسة في الدنيا عند بسطها عليهم، فكأنه قال: ما الفقر أخشى عليهم ولكن المنافسة في الدنيا فلم يقع الاستدراك إلا في المفعول كقولك ما ضربت زيداً ولكن عمراً ضربت ثم لا يضر؛ لأنه في الحقيقة استدراك بالنسبة إلى المفعول لا إلى الفعل اهـ. (ولكن أخشى أن تبسط) أي: توسع (الدنيا عليكم) هو ما فتحه الله عليهم من الدنيا بعده حتى أن أحدهم لا يجد للمال موضعاً يحطه فيه (كما بسطت على من كان قبلكم) ما موصول اسمي أو نكرة موصوفة أي: دنيا يعود الضمير النائب عن الفعل المستتر في بسطت عليه على من كان قبلكم أي: من الأمم وسقطت كان من بعض نسخ البخاري (فتنافسوها كما تنافسوها) الأول مضارع حذفت إحدى تائيه تخفيفاً والأصل فتتنافسوها، وفي بعض نسخ البخاري حذف الضمير المنصوب من الفعل الثاني، قال المصنف: والتنافس المسابقة إلى الشيء وكراهة أخذ الغير له، وهو أول ٣٨٢ كتاب : دليل الفالحين فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ)) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ(١). ٤٥٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: جَلَسَ رَسُولُ اللّهِ وَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، فَقَالَ: ((إِنَّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِها)» درجات الحسد اهـ. وبمعناه ما في تحفة القارىء من أنه الرغبة في الشيء والانفراد به (فتهلككم) أي: في الدين (كما أهلكتهم) في ذلك وإسناد الإِهلاك إليها مجاز عقلي من باب الإِسناد إلى السبب إذ التنافس فيها سبب قد يجر لفساد الدين وهلاكه، قال الحافظ في الفتح؛ لأن المال مرغوب فيه فترتاح النفس لطلبه فتمتنع منه فتقع العداوة المقتضية للمقاتلة المفضية إلى الهلاك اهـ. وقد وقع عند مسلم من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً ((تتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون ثم تتباغضون)) أو نحو ذلك. قال في الفتح: وفي الحديث إشارة إلى أن كل خصلة من المذكورات مسببة عما قبلها، وفي الحديث: ((واتقوا الشح فإنه أهلك كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم)). قال ابن بطال. فيه إن زهرة الدنيا ينبغي لمن فتحت عليه أن يحذر من سوء عاقبتها وشر فتنتها عنه. وفي تفسير البيضاوي والخازن: أي: زينتها وبهجتها أي: فلا يطمئن إلى زخرفها ولا ينافس بها أيضاً اهـ. (متفق عليه) رواه البخاري واللفظ له في الجزية، وفي المغازي من صحيحه ورواه مسلم في آخر صحيحه في باب تحريم الظلم السابق، ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه أيضاً، فرواه الأول في باب الزهد والثالث في الفتن، ومدار الحديث عندهم على الزهري. ٤٥٧ - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جلس رسول الله وَ ر على المنبر) بكسر الميم وسكون النون وفتح الباء الموحدة، قال في الصحاح: نبرت الشيء أنبره نبراً: رفعته، ومنه سمي المنبر (وجلسنا حوله) لسماع أقواله وتلقى مواعظه، وحول منصوب على الظرفية. قال في الصحاح: يقال: قعدوا حوله وحواله وحواليه، ولا يقل: حواليه بكسر اللام، وقعد حياله وبحياله بالكسر أي: بإزائه وأصله الواو اهـ. (فقال: إن مما أخاف عليكم بعدي) أي: بعد موتي وقدمه اهتماماً بأمره على الاسم وهو قوله: (ما يفتح) بالبناء للمفعول (عليكم من زهرة الدنيا) قال في المصباح: زهرة بوزن تمرة لا غير أي: لا يجوز (١) أخرجه البخاري في كتاب: فرض الخمس، باب: الجزية والموادعة (والجزية والمغازي والرقاق واللفظ له) (٢٠٨/١١). وأخرجه مسلم في كتاب: الزهد والرقائق، باب: كتاب الزهد والرقائق (الحديث: ٦). ٥٥ - باب: في فضل الزهد في الدنيا ٣٨٣ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). ٤٥٨ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، قَالَ: ((إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ؟ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا، وَاتَّقُوا النِّساء)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(٢). فتحها بخلاف واحدة الزهر ففيها ذلك أيضاً. ويرده ما في تفسير البيضاوي من قوله: وقرأ يعقوب زهرة بالفتح، وهي لغة في الزهرة اهـ. ومثله في تفسير النهر إلا أنه لم يعين اسم القارىء وعبارته ((وقرىء زهرة بفتح الهاء وسكونها نحو زهر ونهر)). ((قلت)): إن ثبت ما في المصباح من منع الفتح في لغة فيحمل على أنه جمع زاهر كما جوزه البيضاوي فيها أيضاً قال: وهي متاعها وزينتها. وفي تفسير البيضاوي والخازن أي: زينتها وبهجتها فلا يطمئن إلى زخرفها ولا يتأنس بها اهـ. ((قلت)): وعليه فعطف قوله: (وزينتها) على الزهرة من عطف الخاص على العام وخشيته وَ لهر من ذلك لئلا يتعلق حبه بالقلب ويأخذ بهجته بالبصر فيوقع في الأسباب المؤدية إلى فساد الدين مما تقدم في الحديث قبله (متفق عليه) ورواه البخاري في الصلاة، وفي الجهاد، وفي الزكاة وغيرها، ومسلم في باب(٣) ورواه النسائي في الجهاد. ٤٥٨ - (وعنه) أي: أبي سعيد الخدري (أن رسول الله وَلقر قال: إن الدنيا خضرة) بفتح المعجمة الأولى وكسر الثانية (حلوة) أي: جامعة بين الوصفين المحبوبين للبصر والذوق فهي كالفاكهة التي راق منظرها وحلا مذاقها (وإن الله مستخلفكم فيها) بكسر اللام أي: بمنزلة الخلفاء عنه في التصرف فيها أي: فلا تتصرفوا بما لم يأذن لكم به (فينظر كيف تعملون) فيجازيكم على ما يبدو منكم من حسن وضده في عالم الشهادة الذي ظهر كما سبق في علم الغيب الأزلي (فاتقوا الله) أي: من ميلكم إلى زهرتها وحلاوتها وخضرتها عما يطلب منكم من الوقوف عند ما أبيح لكم دون ما حظر عليكم، والفاء فيه فصيحة أي: إذا علمتم أن ما تعملون فيه بمرأى من الله تعالى فاتقوه في ذلك (واتقوا النساء) أي: احذروهن أن يحملكم الافتتان بهن على ترك ما طلب منكم من التكاليف أو أن يخدعنكم بكيدهن فتقعوا في شيء من أغراضهن الممنوع منها شرعاً (رواه مسلم) في آخر الدعوات، ورواه النسائي أيضاً في (١) أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: الصدقة على اليتامى (٢٥٨/٣). وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: تخوّف ما يخرج من زهرة الدنيا (الحديث: ١٢٣). (٢) أخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: أكثر أهل الجنة ... (الحديث: ٩٩). (٣) بياض في جميع النسخ. ع ٣٨٤ كتاب: دليل الفالحين ٤٥٩ - وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيِّ ◌َ، قَالَ: ((اللَّهُمَّ لَ عَيْشَ إِلَّ عَيْشُ الآَخِرَةِ) مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ(١). ٤٦٠ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ هِ، قَالَ: ((يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةُ: أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ؛ فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى وَاحِدٌ: يَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ، وَيَبْقَى عَمَلُهُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(٢). عشرة النساء، والحديث قدمه المصنف في باب التقوى وتقدم شرحه ثمة بأبسط مما هنا. ٤٥٩ - (وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله وَ ل﴿ل قال:) في أشد أحواله لما رأى تعب أصحابه لحفر الخندق (اللهم) أي: ياالله (إن العيش) الحياة الدائمة (عيش الآخرة) فلا يحزن الإِنسان لما يصيبه في هذه الدار فإنه منقض وأجره باق دائم. وقاله: في أسر الأحوال أيضاً لما رأى كثرة المؤمنين في يوم عرفة في حجة الوداع لبيك أن العيش عيش الآخرة أي: شأن العاقل أن لا يفرح بما يسره من الدنيا لانقضائها وأن يكون اهتمامه بما يفرح به في آخرته؛ لأن حياتها الدائمة الأبدية (متفق عليه) وقد تقدم هذا الحديث مع شرحه. ٤٦٠ - (وعنه) أي: عن أنس (عن رسول الله وَل ل قال: يتبع الميت) من منزله إلى مدفنه في الغالب (ثلاث) من الأشياء، وحذف التاء منه لحذف المعدود، وأبدل من ثلاث بدل مفصل من مجمل قوله (أهله وماله) أي: الذي كان ما له قبل موته أي: بعضه كعبيده وما یصحب مع أهله للنفقة على مؤن دفنه (وعمله) أي : جميع ما عمله في الدنيا كما يومىء إليه إضافة المفرد، ويحتمل أن يراد ما عمله مما يتعلق به جزاء دون ما كفر لنحو توبة أو عمل صالح أو فضل إلهي فيكون عاماً أريد به خاص (فيرجع اثنان ويبقى واحد) ذكره مجملاً ثم مفصلاً؛ لیکون أوقع في النفس وأقر فيها فقال: (یرجع أهله) بعد دفنه (وماله) كذلك أو ما بقي مما هيىء لمؤن الدفن بعد تمامه (ويبقى عمله) معه مرتهناً هو به، قال تعالى: ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾(٣) اللهم وفقنا لمرضاتك بمنك وكرمك، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم (متفق عليه) أخرجه البخاري في الرقاق، ومسلم في الزهد، وكذا رواه الترمذي في الزهد من جامعه، وقال: حسن صحيح، والنسائي في ذلك من سننه (١) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق والجهاد، باب: التحريض على القتال ومناقب الأنصار والمغازي (٣٠٢/٧، ٣٠٣). وأخرجه مسلم في كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة الأحزاب وهي الخندق (الحديث: ١٢٨). (٢) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: سكرات الموت (٣١٥/١١) وأخرجه مسلم في كتاب: الزهد والرقائق، باب: كتاب الزهد والرقائق (الحديث: ٥). (٣) سورة المدثر، الآية: ٣٨. ٣٨٥ ٥٥ - باب: في فضل الزهد في الدنيا ٤٦١ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرَاً قَطُ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَ وَاللَّهِ يَا رَبِّ! وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْساً فِي الدُّنْيا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، ومداره عند الجميع على سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري عن أنس كذا يؤخذ من الأطراف. ٤٦١ - (وعنه قال: قال رسول الله وَ ل: يؤتى) بالبناء للمفعول ونائب الفاعل الظرف بعده والفاعل إما الله تعالى؛ لأنه الموجد للجميع، وإما الملائكة؛ لأنهم المنتصبون في ذلك بأمره (بأنعم أهل الدنيا) أي: بأكثرهم نعمة فيها من لذات الدنيا وزهراتها (من أهل النار) في محل الحال نائب الفاعل، وفيه إيماء إلى أن من أنعم الله عليه في الدنيا بالنعم في ظاهره من أهل الإِيمان وصالح الأعمال ليسوا كذلك (يوم القيامة) ظرف للفعل أي: بعد فصل القضاء والحكم بين العباد (فيصبغ) أي: يغمس (في النار صبغة) بفتح الصاد أي: غمسة ولعل التنوين فيه للتقليل فيكون أبلغ فالتعقيب بالنسبة للإتيان كذلك هنا وفي قرينه (ثم) لعل الإِتيان بها إيماء إلى أنه يهان بإهماله كذلك مدة و(يقال) له بعدها تبكيتاً والقائل إن كان خزنة جهنم فالأمر ظاهر، وإن كان الحق سبحانه بلا واسطة فلا دلالة فيه على شرف لهم، لأن خطابه تعالى لهم على سبيل الإهانة والإِذلال، ثم رأيت حديث النسائي مصرح بالشق الثاني (هل مر بك نعيم قط) بفتح القاف وتشديد الطاء المهملة ظرف للزمان الماضي (فيقول: ) عقب السؤال بلا تراخ كما تؤذن به الفاء (لا والله) الجواب مقدم بعد لا، أغنى عن التصريح به دلالة ما قبله عليه والقسم بعد لتأكيد نفي ذلك، وكأن ذلك منه لغلبة العذاب علیه حتى يذهل عما مضى له في الدنيا من النعيم فيقول ذلك، وإلا فالآخرة لا يقع فيها الكذب من أحد، ويحتمل أنهم عدوا جميع ما ذاقوه من النعيم في جنب ما أصابهم من أقل العذاب كالعدم فصيروه في حكم المعدوم فقالوا: ذلك وقوله: (يا رب) بحذف الياء اكتفاء بدلالة الكسرة عليها أتى به للتعطف والترحم (ويؤتى بأشد الناس بؤساً) بالهمز أي: شدة قاله المصنف قال في المصباح: ويجوز التخفيف أي: لغة (في الدنيا) يحتمل أن يكون ظرفاً مستقراً صفة لبؤس وأن يكون لغواً متعلقاً به وقوله (من أهل الجنة) في محل النصب بيان لأشد وهو المؤمن ولو عاصياً (فيصبغ) أي: يغمس (صبغة في الجنة) وسمى ماذكر صبغة لظهور أثره عليهم ظهور أثر المصبوغ. قال تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة * ووجوه يومئذ ٣٨٦ كتاب: دليل الفالحين فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْساً قَطُ، هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَ وَاللَّهِ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلاَ رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ (١) ٤٦٢ - وَعَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((مَا الدُّنْيا باسرة * تظن أن يفعل بها فاقرة﴾(٢) ثم قوله: فيصبغ إلخ ثابت في صحيح مسلم ساقط فيما وقفت عليه من نسخ الرياض ولعله من قلم الناسخ سهواً ولعل حكمة تقديم شأن أهل النار لكونه من باب الإنذار وهو كالتخلية على ما يتعلق بأهل الجنة الذي هو من باب البشارة لكونه كالتحلية بالمهملة، والظاهر أن تقديم المفعول المطلق هنا على نائب الفاعل وتأخيره ثمة للتفنن في التعبير (فيقال له: ) أي: عقب إذاقته لأول ما يلقاه من النعيم الذي هو جزء يسير مما أعد له من النعيم كما تؤذن الفاء، والمبادرة بذلك للتشريف (هل رأيت؟) أي: وجدت (بؤساً) أي: شدة (قط هل مر بك بؤس قط؟) يحتمل أن يكون بمعنى ما قبله وكرر تأكيداً وإطناباً لزيادة التذكير بالنعمة التي آل إليه أمرها حتى هان عليه ما لاقاه في الدنيا في جانبها يقال ما يأتي: ويحتمل أن لا يكون كذلك بأن المسؤل عنه أولاً ما وجد مشقته وشدته وثانياً ما نزل به مما لم يكن كذلك لما عارضه من خفي لطف إلّهي (فيقول: لا والله) وصرح بالمحذوف بعد لا النافية الدال عليه سياق الكلام بقوله: (ما مر بي بؤس) أي: شدة (قط ولا رأيت شدة قط)، لأن المقام للإِطناب شكراً لما أبيح من تلك المنة التي يقصر عن بيان أدناها البيان (رواه مسلم) في التوبة من صحيحه وكذا رواه النسائي في الجهاد من سننه كذا قال الحافظ المزي في الأطراف: وتعقبه الحافظ ابن حجر في النكت الظراف عليه بأنهما حديثان، وكأن عليهما إفرادهما وذلك بين من سياقهما ولفظ حديث مسلم عن يزيد عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس ما ذكر، ولفظ حديث النسائي عن بهز عن حماد ((يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول الله عز وجل يا ابن آدم كيف وجدت منزلك فيقول: ربي خير منزل، فيقول عز وجل: سل وتمنى فيقول: أسألك أن تردني إلى الدنيا فأقتل في سبيلك عشر مرات لما رأى من فضل الشهادة، ويؤتى بالرجل من أهل النار فيقول تبارك وتعالى : يا ابن آدم كيف منزلك الحديث)). فهذان حديثان مختلفان في السياق والمعنى وإن اتحد إسنادهما وقد أخرج الثاني الحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط مسلم اهـ. ٤٦٢ - (وعن المستورد) هو بضم الميم وسكون السين المهملة وفتح الفوقية وكسر الراء (١) أخرجه مسلم في كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم، باب: صبغ أنعم أهل الدنيا ... (الحديث: ٥٥) (٢) سورة القيامة، الآيات: ٢٢ - ٢٥. ٣٨٧ ٥٥ - باب: في فضل الزهد في الدنيا فِي الآخِرَةِ إِلَّ مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ فِي الْيَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ!)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ٤٦٣ - وَعَنْ جَابِرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِوَ مَرَّ بِالسُّوقِ وَالنَّاسُ كَنَفَتَيْهِ، فَمَرَّ بِجَدْيٍ آخره دال مهملة (ابن شداد) بفتح المعجمة وتشديد المهملة الأولى، ابن عمرو بن حنبل بن الأحب بن حبيب بن عمرو بن شبان بن محارب بن فهر القرشي الفهري (رضي الله عنه) وأمه دعد بنت جابر بن حنبل بن الأحب أخت كرز بن جابر، ولما قبض النبي ◌َسير كان غلاماً قاله الواقدي، وقال غيره؛ إنه سمع من النبي ◌ّل# سماعاً وأتقنه، سكن الكوفة ثم مصر، روى عنه أهل الكوفة وأهل مصر كذا في أسد الغابة، قال ابن الجوزي: روي له عن النبي وَّ سبعة أحاديث، قال البرقي: في هذه السبعة التي جاءت عنه منها أربعة لأهل مصر، وحديثان لأهل الكوفة، وحديث لأهل الشام. اهـ. روى عنه مسلم هذا الحديث وأخرج عنه حديثاً آخر ولم يرو له البخاري (قال: قال رسول الله وَّر: ما الدنيا) أي: ما مثلها أو نعيمها أو زمانها (في الآخرة) أي: في جانبها أو بالنظر إليها (إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه) قال في المصباح: فيه عشر لغات تثليث الهمزة مع تثليث الموحدة، والعاشرة أصبوع كعصفور والمشهور من لغاتها كسر الهمزة وفتح الباء، وهي التي ارتضاها الفصحاء وقد نظمتها بقولي : وباء له والعاشر أصبوع فاعلم وفي أصبع عشر بتثليث همزة (في اليم) بفتح التحتية وتشديد الميم: البحر (فلينظر) أي: أحدكم (بم) أصله بما حذفت الألف أي: بأي شيء (يرجع) بالتحتية والضمير راجع لأحد أي: بما يرجع أحدكم إصبعه لا لإصبع؛ لأنها مؤنثة كما في المصباح، ثم قال: وفي كلام ابن فارس ما يدل على تذكير الإصبع، وقال الصغاني: يذكر ويؤنث والغالب التأنيث، قال في المفاتيح: يجوز في مثل أن يقرأ بالرفع والفتح على أنه مبني ؛ لأن ما في ما تجعل مصدرية يعني نسبة ما ذكر من نعيم الدنيا وزمانها إلى نعيم الآخرة، ليس الأمثل نسبة الماء اللاصق بإصبع أحدكم إذا غمسها في اليم أي: البحر (رواه مسلم) في صفة الدنيا والآخرة من صحيحه ورواه الترمذي في الزهد، وقال: حسن صحيح، ورواه النسائي في الزهد. ٤٦٣ - (وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله وَّر مر بالسوق) داخلاً من بعض طرق العالية كما في صحيح مسلم، وحذفه المصنف اختصاراً لعدم تعلق غرضه، قال في (١) أخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: فناء الدنيا ... (الحديث: ٥٥) ٣٨٨ كتاب : دليل الفالحين أَسَكَّ مَيِّتٍ فَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَهُ بِأُذُنِهِ ثُمَّ قَالَ: ((أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمِ ؟)) فَقَالُوا: مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ، وَمَا نَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: ((أَتْحِبُونَ أَنَّهُ لَكُمْ؟)) قَالُوا: واللَّهِ لَوْ كَانَ حَيَّا كَانَ عَيْباً أَنَّهُ المصباح: يذكر ويؤنث، وقال أبو إسحاق: مؤنثة وهي أفصح وأوضح وتصغيرها سويقة والتذكير خطأ؛ لأنه قيل بسوق نافقة ولم يقل نافق بغير هاء ا هـ. سميت بذلك لسوق الناس بضائعهم إليها أو؛ لأنهم يقومون فيها على سوقهم أو لتصاكك السوق فيها من الازدحام (والناس كنفيه) جملة في محل الحال من ضمير مر، وفي شرح مسلم للمصنف قوله: والناس كنفيه، وفي بعض النسخ كنفتيه، معنى الأول جانبه والثاني جانبيه اهـ. ولم يظهر وجه تفسير ما حذفت الياء (١) منه بالمفرد وما أثبت فيه ياء بالمثنى، وفي النهاية أنهما كذلك بمعنى والله أعلم، وفي المصباح: الكنف بفتحتين الجانب وجمعه أكناف كسبب وأسباب (فمر بجدي) هو ولد المعز كذا في المفاتيح. وفي المصباح قال ابن الأنباري: هو الذكر من أولاد المعز والأنثى عناق، وقيده بعضهم في السنة الأولى والجمع أجد وأجداء كدلو وأدلاء، والجدي بالكسر لغة رديئة اهـ. (أسك) أي: صغير الأذن من السكك بفتحتين وهو صغيرها كذا في المفاتيح، ويأتي مثله في الأصل. وقال العاقولي: الأسك مصطلم الأذنين مقطوعهما (ميت فتناوله) فيه دليل على أن لمس النجس إذا لم تكن رطوبة من أحد الجانبين لا ينجس (فأخذ بأذنه) كأن الأخذ بها لمزيد الحقارة، والأذن بضمتين ويجوز تخفيفها بتسكين الثانية (ثم قال:) كان الإِتيان بثم؛ لبيان أنه عرض بين الأخذ والتكلم ما تأخر بسببه التكلم، ويحتمل أن تكون استعيرت في موضع الفاء وعدل إليها تفنناً ودفعاً لثقل التكرار في الجملة (أيكم يحب أن هذه له بدرهم؟) أحد الطرفين في محل الخبر والآخر في محل الحال والأولى إعراب الأول خبراً والثاني حالاً كما يومىء إليه ما بعده، قال العاقولي: هو استفهام إرشاد وتنبيه ليلقوا السمع لما يوجهه إليهم من الخطاب الخطير في ضمن التمثيل بهذا المعنى الحقير (فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء) أي: من الأشياء التي هي أقل من الدرهم فضلاً عنه (وما نصنع به) وهو نجس لموته قد انقطعت الأطماع بذلك عن الانتفاع به (قال: ) تأكيداً للمقام (تحبون) أي: أتحبون (أنه لكم) أي: من غير شيء (قالوا: والله لو كان حياً كان عيباً) أي: معيباً أو ذا عيب ويجوز إبقاؤه على ظاهره من غير تأويل ولا تقدير، ويكون في الجمل مبالغة أنه لكمال قيام العيب به ولصوقه صار كأنه عيب وحذفت اللام من جملة لو، حملاً على جواب أن كما أثبتت اللام في جواب أن حملاً على جواب لو في قولهم وإلا لكان كذا أي: لو كان حياً لترك مع رجاء الانتفاع به لكونه معيباً وقوله: (إنه أسك) تفسير (١) هكذا بالنسخ التي بأيدينا ولعل الصواب التاء بدل الياء وبالمثنى بدل المثنى. ٣٨٩ ٥٥ - باب: في فضل الزهد في الدنيا أَسَكُّ فَكَيْفَ وَهُوَ مَيِّتْ! فَقَالَ: ((فَوَاللَّهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَوْلُهُ((كَفَتَيْهِ)): أَيْ عَنْ جَانِبَيْهِ. و((الأسَكُ)) الصَّغِيرُ الْأُذُنِ(١) ٤٦٤ - وَعَن أَبِي ذَرِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ◌َّهِ فِي حَرَّةٍ، العيب (فكيف وهو ميت؟) لا ينتفع به (فقال: والله للدنيا) بفتح اللام صدر بها جملة جواب القسم المركبة من مبتدأ هو الدنيا وخبر هو قوله: (أهون على الله من هذا عليكم) وأهون أفعل من الهون بضم الهاء وسكون الواو، قال في المصباح: هان يهون هوناً بالضم وهواناً: ذل وحقر، وفي التنزيل ﴿أيمسكه على هون﴾(٢) قال أبو زيد: والكلابيون يقولون: على هوان ولم يعرفوا الهون وفيه مهانة أي: ذلك وضعف، والمعنى أن الدنيا عند الله أذل وأحقر من هذا عندكم فعلى بمعنى عند. قال في المصباح: تأتي على بمعنى عند قال الشاعر: غدت من عليه بعد ما تم ظمؤها قال الأصمعي: معناه من عنده، ثم قال العلماء: الأنبياء والأصفياء والكتب الإِلَهية والعبادات في الدنيا وليست منها فلا تدخل في الهوان (رواه مسلم) في الزهد من صحيحه، ورواه أبو داود في الطهارة من سننه (قوله: كنفيه أي: عن جانبيه) تقدم في المصباح الكنف الجانب وكأن التأنيث باعتبار معنى الجهة (والأسك الصغير الأذن) قال في المصباح: السكك أي: بفتحتين مصدر من باب تعب، وهو صغر الأذنين وبه يتأيد ما تقدم عن المفاتيح ويحمل قوله: ((مصطلمهما)) أن ذلك خلقي لا أن ذلك طارىء بقطعهما كما يعطيه لفظ الاصطلام إذ معناه كما في الصحاح أيضاً القطع. ثم رأيت الصحاح قال: السكك بالتحريك صغر الأذن، يقال: كل سكاء تبيض وكل شرقاء تلد فالسكاء التي لا أذن لها والشرقاء التي لها أذن وإن كانت مشقوقة، ويقال: سكه يسكه إذا اصطلم أذنيه اهـ. ومنه يعلم أن العاقولي اشتبهت عليه مادة بمادة فحمل الأسك على أنه من باب المضاعف المضموم العين المفسر بالاصطلام وإنما هو من باب علم كما تقدم في المصباح وغيره فهو الصغير الأذن كما قاله المصنف وغيره. ٤٦٤ - (وعن أبي ذر) بفتح المعجمة وتشديد الراء كنية جندب بن جنادة (رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع النبي (وَّة) فيه كمال تواضعه وتلير مع أصحابه وعدم ترفعه على أحد منهم (في حرة) بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء: هي أرض ذات حجارة سود والجمع (١) أخرجه مسلم في كتاب: الزهد والرقائق، باب: كتاب الزهد والرقائق (الحديث: ٢). (٢) سورة النحل، الآية: ٥٩. ٣٩٠ كتاب: دليل الفالحين بِالمَدِينَةِ فَاسْتَقْبَلَنَا أُحُدٌ، فَقَالَ: ((يَا أَبَا ذَرٍّ) قُلْتُ: لَبِّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((مَا يَسُرُّني أَنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ هَذَا ذَهَباً، تَمْضِي عَلَيَّ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينارٌ إِلَّ شَيْءٌ أَرْصُدُهُ لِدَيْنِ إِلَّ أَنْ أَقُولَ بِهِ فِي عِبادِ اللَّهِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا)) عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ حرار بكسر أوله (بالمدينة) علم بالغلبة على دار هجرته وي ليه (فاستقبلنا أحداً) بضمتين: الجبل المعروف بالمدينة (فقال: يا أبا ذر) فيه تكنية العالم تلميذه وتابعه تأنيساً وتكريماً وهو من كمال فضله وحسن خلقه 18 (قلت): في نسخ البخاري المصححة فقلت بالفاء أوله (لبيك يا رسول الله) فيه الجواب بذلك زيادة في الأدب (قال: ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا) والإِتيان به للتعظيم كقوله تعالى: ﴿ذلك الكتاب﴾(١) وقوله: (ذهباً) تمييز لمثل وجاء في رواية البخاري في باب الاستئذان من صحيحه ((فلما أبصر أحداً قال: ما أحب أن يحول لي ذهباً)) قال الحافظ بعد ذكر اختلاف ألفاظ رواياته: وقد اختلفت ألفاظ هذا الحديث ومخرجه متحد فهو من تصرف الرواة ويمكن الجمع بين قوله: مثل أحد وبين قوله: يحول أحد بحمل المثلية على شيء يكون وزنه من الذهب وزن أحد، والتحويل على أنه إن انقلب ذهباً كان على قدر وزنه أيضاً، وذهباً على تلك الرواية الثانية جعله ابن مالك مفعولاً ثانياً لحول ومفعوله الأول ضمير أحد. واستدل به على مجيء حول بمعنى صير وعمله عملها وهو استعمال كثير يخفى على أكثر النحاة، ورده الحافظ بقوله بعد أن ذكر أن اختلاف ألفاظه من تصرف الرواة ما لفظه فلا يكون حجة في اللغة (تمضي عليّ ثالثة) أي: ليلة ثالثة وإنما قيد بالثلاث، لأنه لا يتهيأ تفريق قدر من الذهب في أقل منها غالباً لكن يعكر عليه رواية يوم وليلة، فالأولى أن يقال: الثلاث أقصى ما يحتاج إليه في تفريق مثل ذلك والليلة الواحدة أقله (وعندي منه دينار) جملة حالية (إلا شيء) كذا هو فيما وقفت عليه من نسخ الرياض بالرفع وقد ذكر الحافظ في الفتح: أن فيه روايتين: الرفع والنصب، قال: وهما جائزان؛ لأن المستثنى منه مطلق عام والمستثنى مقيد خاص فاتجه النصب، وتوجيه الرفع أن المستثنى منه في سياق النفي والشيء فسر في رواية بالدينار ووقع في رواية غير أبي ذر (وعندي منه دينار أو نصف دينار)) وفي رواية أخرى ((وأدع منه قيراطاً، قال: قلت: قنطاراً، قال: قيراطً)) وفيه ((ثم قال: يا أبا ذر إنما أقول الذي هو أقل)) (أرصده لدين) قال الدماميني: بفتح الهمزة والصاد مضمومة أو مكسورة(٢) أي: أعده وأحفظه وهذا الإِرصاد أعم من أن يكون لصاحب (١) سورة البقرة، الآية: ٢. (٢) الذي في القاموس وغيره أن الذي بمعنى أعد هو أرصد الرباني فيكون قوله أرصده بضم الهمزة وكسر الصاد. ع ٣٩١ ٥٥ - باب: في فضل الزهد في الدنيا خَلْفِهِ، ثُمَّ سَارَ، فَقَالَ: ((إِنَّ الْأَكْثَرِينَ هُمُ الْأَقُلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّ مَنْ قَالَ: هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا)) عَنْ يَمِينِهِ وَعِنْ شِمَالِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، ((وَقَليلٌ مَا هُمْ)) دين غائب حتى يحضر أو لأجل وفاء دين مؤجل حتى يحل فيوفي (إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه) هو استثناء بعد استثناء فيفيد الإِثبات فيؤخذ منه أن نفي محبة المال مقيدة بعدم الإِنفاق فيلزم محبة وجوده مع الإِنفاق فما دام الإِنفاق في سبيل الله موجوداً لا يكره وجود المال وإذا انتفى الإنفاق ثبتت كراهية وجود المال ولا يلزم من ذلك كراهية حصول شيء آخر ولو قدر أحد أو أكبر مع استمرار الإِنفاق، وقوله عن يمينه إلخ هكذا اقتصر على ثلاث وحمل على المبالغة؛ لأن العطية لمن بين يديه هي الأصل. قال في الفتح: والذي يظهر لي أن ذلك من تصرف الرواة وأن أصل الحديث مشتمل على الجهات الأربع، ثم ذكر أنه وجده كذلك في رواية بإثبات الأربع قال: وقد أخرجه في الاستئذان فاقتصر على اثنتين وعدى إلى الأولين بحرف المجاوزة؛ لأن المنفق منهما كالمنحرف عن المنفق المار على عرضه، ونظيره جلست عن يمينه وعدى الثالث بحرف الابتداء إيماء إلى كمال المبالغة في الكرم حتى كأنه ابتدأ به من جهة الخلف بعد أن أتمه من جهة الأمام وجاوز به من عن جانبيه، وقال الحافظ: قوله من خلفه بيان للإشارة وخص عن باليمين والشمال؛ لأن الغالب في الإِعطاء صدوره باليدين اهـ. وما قلناه أظهر فتدبر (ثم سار فقال:) في رواية للبخاري: ثم قال: وبها يتبين أن أحد العاطفين استعير في محل الثاني (ألا) أداة استفتاح يؤتى بها لتنبيه السامع لما بعدها اهتماماً به (إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة) هكذا عند البخاري الأقلون بالهمزة في الاستقراض والاستئذان من صحيحه ووقع عنده في الرقاق منه المقلون بالميم محل الهمز، قال الحافظ: والمراد الإِكثار من المال والإِقلال من ثواب الآخرة، وهذا في حق من لم يتصف بما دل عليه الاستثناء بعد من الإِنفاق بقوله: (إلا من قال: هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه) في رواية عند أحمد إلا من قال: هكذا وهكذا هکذا فحثی عن یمینه ومن بين يديه وعن يساره فاشتملت الروايتان على الجهات الأربع وإن كان كل اقتصر على ثلاث منها، وقد جمعها عبد العزيز بن رفيعٍ في روايته ولفظه إلا من أعطاه الله خيراً أي: مالاً فنفح بنون وفاء ومهملة أي: أعطى كثيراً بلا تكلف يميناً وشمالاً وبين يديه ووراءه وبقي من الجهات فوق وأسفل والإِعطاء من قبل كل منهما ممكن لكن حذف لندوره، وقد فسر بعضهم الإِنفاق من وراء بالوصية وليس قيداً فيه بل قد يقصد الصحيح الإِخفاء فيدفع لمن وراء ما لم يدر به من أمامه، وقوله: هكذا صفة المصدر محذوف أي: لمن أشار إشارة مثل هذه الإشارة (وقليل ما هم) ما صلة مزيدة؛ ٣٩٢ كتاب : دليل الفالحين ثُمَّ قَالَ لِي: ((مَكَانَكَ لَا تَّبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ)) ثُمَّ انْطَلَقَ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ حَتَّى تَوَارَى، فَسَمِعْتُ صَوْتاً قَدِ ارْتَفَعَ فَتَخَوَّفْتُ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ قَدْ عَرَضَ لِلنَِّّ نَّهِ فَأَرَدْتُ أَنْ آتِيَهُ فَذَكَرْتُ قَولَهُ (لَا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ)) فَلَمْ أَبْرَحْ حَتَّى أَتَانِي. فَقُلْتُ: لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَأَ تَخَوَّفْتُ مِنْهُ فَذَكَرْتُ لَهُ. فَقَالَ: ((وَهَلْ سَمِعْتَهُ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ((ذَاكَ جِبْرِيلُ أَتَانِي فَقَالَ: مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ لتأكيد القلة، ويحتمل أن تكون موصوفة ولفظ قليل هو الخبر وهم المبتدأ والتقدير وهم قليل وقدم الخبر اهتماماً بمضمونه كما يؤذن به تأكيده ففيه التحريض على الإِنفاق لأصحاب الأموال ليندرج في القليل الذي هو الجليل، والله الموفق (ثم قال لي: مكانك) بالنصب أي: الزمه وقوله: (لا تبرح) تأكيد له ودفع لتوهم أن الأمر بلزوم المكان ليس عاماً في الأزمنة (حتى آتيك) غاية للزوم المكان المذكور (ثم انطلق في سواد الليل حتى توارى) فيه إشعار بأن القمر كان قد غاب حتى توارى أي: غاب شخصه. ((قلت)): ويحتمل أن يكون التواري بسبب زيادة البعد حتى خفي عن البصر سيما ونور القمر يغيب فيه الشخص عن العين في بعد لا يتوارى عنها في مثله في الشمس لضعف ضوئه (فسمعت صوتاً قد ارتفع) في رواية لغطاً وهو اختلاط الأصوات (فتخوفت أن يكون) أي: من أن يكون (أحد قد عرض) أي: تعرض بسوء (للنبي ﴿ فأردت أن آتيه) أي: أتوجه إليه كما جاء في رواية أن أذهب أي: إليه ولم يرد أن يتوجه لحال سبيله بدليل رواية الباب (فذكرت قوله: لا تبرح فلم أبرح حتى أتاني) في رواية: فانتظرته حتى جاء، وفي الحديث الوقوف عند أمره ون يل ولزوم طاعته قال في الفتح: ففيه أن امتثال أمر الكبير والوقوف عنده أولى من ارتكاب ما يخالفه بالرأي ولو كان فيما يقتضيه الرأي توهم دفع مفسدة حتى يتحقق ذلك فيكون دفعها أولى اهـ. (فقلت): جاء في رواية للبخاري زيادة: يا رسول الله (لقد سمعت صوتاً تخوفت منه) اللام هي المؤذنة بالقسم المقدر الداعي إليه تأكيد مقام الأخبار (فذكرت له) المفعول محذوف أي: ما سمعت وقد جاء مصرحاً به في بعض رواياته بلفظ فذكرت له الذي سمعت (فقال: وهل سمعته) المعطوف عليه محذوف أي: أتذكر ذلك وهل سمعته؟ ومفعول سمع محذوف لدلالة ما قبله أي: وهل سمعت صوتاً؟ وظاهر أن الاستفهام للتثبت والتقرير لتقدم إخباره بالسماع فجوز أن يكون التبس عليه صوت نحوريح حينئذ بصوت متكلم فقال: ذلك لذلك (قلت: نعم) أي : من غير تردد (قال: ذلك) أي: الذي كنت أخاطبه (جبريل) أو ذلك الصوت الذي سمعته صوت جبريل، ففيه على الثاني مضاف مقدر (أتاني فقال: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً) ٣٩٣ ٥٥ - باب: في فضل الزهد في الدنيا شَيْئاً دَخَلَ الْجَنَّةَ)) قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: ((وَإِنْ زَنَّى وَإِنْ سَرَقَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ(١). ٤٦٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ ◌ِ، قَالَ: ((لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ . أي: من الشرك الجلي، أما الخفي وهو نحو الرياء فغير مانع من دخول الجنة (دخل الجنة) فقيل: المراد إما ابتداء أو بعد المجازاة على المعصية، وقيل المراد دخلها ابتداء. وقد حمله كذلك البخاري على من تاب عند الموت وهذا ما فهمه أبو ذر، والأول أولى للجمع بين الأدلة، جواب الشرط، رتب دخول الجنة على الموت بغير إشراك بالله، فقد ثبت الوعيد بدخول النار لمن عمل بعض الكبائر، وبعدم دخول الجنة لمن عملها ولذا وقع الاستفهام بقول أبي ذر: (قلت: وإن زنى وإن سرق) بتقدير همزة الاستفهام قبله. قال ابن مالك: حرف الاستفهام مقدر أول هذا الكلام ولا بد من تقديره (قال: وإن زنى وإن سرق) أي : يدخلها وإن زنى وإن سرق، إن وصلية والواو الداخلة عليها قيل: عاطفة على مقدر، وقيل: حالية واقتصر على ذكر هذين؛ لأن أحدهما متعلق بحق الله سبحانه، والآخر بحق العباد فكأنه يقول: إن من مات على التوحيد دخلها وإن تلبس بمعصية متعلقة بحق الله تعالى أو بحق عباده وزيادة شرب الخمر في رواية للإشارة إلى فحش تلك الكبيرة؛ لأنها تؤدي إلى خلل في العقل الذي به شرف الإِنسان على البهائم، وبوقوع الخلل فيه قد يزول التوقي الذي يحجز عن ارتكاب بقية الكبائر، وأسقط المصنف تكرار استفهام أبي ذر لذلك وجوابه وَّ ر عن ذلك مرتين أخريين زاد في الثالثة ((وإن رغم أنف أبي ذر)) لعدم تعلق غرض الترجمة به (متفق عليه، وهذا لفظ البخاري) في الرقاق من صحيحه، وقد أخرجه في مواضع أخرى منه، وأخرجه مسلم في الزكاة، ورواه الترمذي في الإِيمان من جامعه، وأخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة، ومداره عندهم على زيد بن وهب عن أبي ذر، كذا يؤخذ من الأطراف للمزي . ٤٦٥ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله (وَ لاير قال: لو كان لي) أي: وجد، فهي تامة فاعلها (مثل أحد) والظرف حال منه، ويجوز أن تكون ناقصة والظرف خبراً مقدماً (١) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: المكثرون وهم المقلون، باب: أحب أن لي مثل أحد ذهباً والاستقراض والاستئذان (٢٢٤/١١ و ٢٢٧). وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: الترغيب في الصدقة (الحديث: ٣٢). ٣٩٤ كتاب : دليل الفالحين ذَهَباً لَسَرَّنِي أَنْ لَا تَمُرَّ عَلَيَّ ثَلَاثُ لَيَالٍ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّ شَيْءٌ أَرْصُدُهُ لِدَيْنِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). ٤٦٦ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((انْظُرُوا إِلَى مُنْ هُوَ أَسْفَلَ (ذهباً) تمييز مثل (لسرني ألا تمر علي ثلاث ليال وعندي منه شيء إلا شيء) بالرفع مستثنى من شيء ورفع لكونه مستثنى من كلام منزل منزلة المنفي، وهو أنه في حيز جواب لو إذ هو في تقدير النفي كما أشار إليه الحافظ في الفتح (أرصده) في محل الصفة للمستثنى أي أعده (لدين) أي: لأدائه عند مجيء الدائن، أو عند حلول أجل الدين كما تقدمت الإِشارة لذلك. وفي الحديث الحث على الإِنفاق في وجوه الخير والحض على ذلك في الحياة وفي الصحة، وترجيحه على إنفاقه عند الموت، وقد تقدم منه حديث ((أن تصدق وأنت صحيح شحيح)) وأنه سي كان في أعلى درجات الزهد في الدنيا بحيث إنه لا يحب أن يبقى بيده شيء منها لإِنفاقه فيمن يستحقه أو(٢) لإِرصاده لمن له حق، وإما لتعذر من يقبل ذلك منه لتقييده في رواية عند البخاري بقوله: أجد من يقبله. وفيه تقديم وفاء الدين على صدقة التطوع وفيه الحث على وفاء لادين وأداء الأمانة وجواز استعمال لو عند تمني الخير، وتخصيص الحديث الوارد بالنهي عن استعمال ما يكون في أمر غير محمود شرعاً، وفيه غير ذلك (متفق عليه) أخرجه البخاري مع الحدیث قبله في باب واحد. ٤٦٦ - (وعنه) أي: أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَله: انظروا إلى من) الأقرب أنه موصول، ويجوز أن تكون نكرة موصوفة (أسفل) بالنصب على أنه ظرف مستقر صلة للموصول أو صفة له، وإعرابه خبراً لضمير محذوف هو العائد لمن يأباه إن شرط حذف العائد ألا يصلح ما بقي لكونه صلة، وما هنا صالح له، وإن شرطه أن يكون مبتدأ مخبراً عنه بمفرد وذلك خاص بصلة أي: لاستطالتها بالإِضافة، وقراءة على الذي أحسن برفع أحسن على أن التقدير الذي هو أحسن شاذ، وفي بعض نسخ مسلم إثبات هو قبل أسفل هو العائد وهو مبتدأ والظرف مستقر في محل الخبر والجملة صلة، والمراد أسفل في أمور الدنيا كما يبينه الحديث بعده ويدل عليه فهو أجدر إلخ، أما في أمور الدين فينظر الإنسان لمن هو أعلى منه فيها جداً أو استقامة ليدأب كذلك، وفي الحديث رحم الله عبداً نظر في دنياه لمن هو دونه فحمد الله وشكره، وفي دينه لمن هو فوقه فحمد(٣) واجتهد قال في الفتح: وقد وقع في (١) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: المكثرون هم المقلون وغيره (٢٢٨/١١). وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة (الحديث: ٣١). (٢) (قوله أو الإِرصاده الخ) كذا، ولعله ((إلا لإِرصاده لمن له حق أو لتعذر الخ ) . ع (٣) لعله فجد. ٣٩٥ ٥٥ - باب: في فضل الزهد في الدنيا مِنْكُمْ وَلاَ تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . نسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكراً صابراً: من نظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضله به، ومن نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به، وأما من نظر في دنياه إلى من هو فوقه وأسف على ما فاته فإنه لا يكتب شاكراً ولا صابراً اهـ. (ولا تنظروا إلى من) أي: الذي أو شخص (هو فوقكم) أي: في ذلك على سبيل استعظام ما ناله واستكثاره (فهو) أي: قصر النظر عمن فوقه أو هو مع ما قبله (أجدر) أي: أحق (ألا تزدروا) أي: بألا تحقروا وتستصغروا افتعال من الإِزدراء قلبت فاؤه (١) دالاً لتجانس الزاي في الجهر (نعمة الله عليكم) ثم ما أذن به أفعل من التفضيل المؤذن بثبوت أصله عند النظر المذكور باعتبار ما ركز في الطباع السالمة من الآفة من شكر نعم الله وإن قلت: وعدم احتقارها. قال ابن جرير وغيره: هذا الحديث جامع لأنواع الخير وذلك؛ لأن الإِنسان إذا رأى من فضل عليه في الدنيا طلبت نفسه من ذلك واستصغر ما عنده من نعمة الله وحرص على الازدياد ليلحق من فضل عليه فيها أو يقاربه، هذا هو الموجود في غالب الناس قال بعض السلف: صاحبت الأغنياء فكنت لا أزال في حزن أرى داراً واسعةً ودابةً فارهةً ولا عندي شيء من ذلك، فصحبت الفقراء فاسترحت. وفي معناه ما أخرجه الحاكم من حديث عبد الله بن الشخير رفعه أقلوا الدخول على الأغنياء فإنه أحرى أن لا تزدروا نعمة الله أورده في الفتح، وأما إذا نظر في الدنيا إلى من هو دونه ظهر له نعمة الله عليه فشكرها وتواضع وفعل ما فيه الخير وكذا إذا نظر إلى من هو فوقه في الدين ظهر له تقصيره فيما أتى به فحمله ذلك على الخضوع لمولاه، وألا ينظر لعمله ولا يعجب به ويزداد في الجهد في العمل والدأب فيه، والله الموفق، وسيأتي له مزيد إن شاء الله تعالى (متفق عليه) أي: في الجملة، وإلا فالحديث المذكور رواه مسلم في الزهد من صحيحه من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، وكذا رواه الترمذي وابن ماجه في الزهد من جامعه وقال الترمذي: صحيح، وحديث البخاري باللفظ الآتي بعده هو الذي اتفقا عليه فرواه مسلم عقب هذا الحديث عن يحيى بن يحيى وقتيبة قال: حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن عن. أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة والبخاري في أواخر الرقاق من صحيحه عن إسماعيل عن مالك عن أبي الزناد به فالحديث الآتي هو المتفق عليه، أما الأول فانفرد به مسلم عن البخاري، وقد صنع كذلك المزي في الأطراف فرمز على حديث الباب برمز مسلم دون رمز (١) الصواب تاؤه بدل فاؤه. ع ٢٠٢ ٣٩٦ كتاب: دليل الفالحين وهُذا لَفْظُ مُسْلِمٍ . وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: ((إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ))(١). ٤٦٧ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ الَّبِيِّ ◌َ، قَالَ: ((تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ! البخاري، ورمز على الحديث الثاني برمز البخاري دون مسلم، وكأن المصنف اعتمد آخر كلامه فقال: (وهذا لفظ مسلم. وفي رواية البخاري) الظاهر في اختصاص البخاري باللفظ الثاني بل إنه عند مسلم أيضاً عقب الحديث الذي قبله من غير فاصل، ولكن سبحان من لا يسهو، وقد حرر السيوطي في الجامع الصغير ذلك، فرمز في الحديث الأول لمسلم فقط وفي الثاني للمتفق عليه (إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه) بضم الفاء وبالمعجمة مبني للمجهول (في المال والخلق) بفتح الخاء المعجمة أي: الصور المدركة بحاسة البصر. قال في الفتح: ويحتمل أن يدخل في ذلك الأولاد والأتباع وكل ما يتعلق بزينة الحياة الدنيا، قال: ورأيته في نسخة معتمدة من الغرائب للدارقطني بضم الخاء واللام. ((قلت)): إن ثبتت تلك الرواية فتحمل على أن المراد الأخلاق الدنيوية؛ لأنها المأمور فيها بما يأتي (فلينظر إلى من هو أسفل منه) أي: في ذلك، قال ابن بطال: هذا الحديث جامع لمعاني الخير؛ لأن المرء لا يكون بحال تتعلق بالدين من عبادة ربه مجتهداً فيها إلا وجد من هو فوقه، فإذا طلبت نفسه اللحاق به فيكون أبداً في زيادة تقربه من ربه ولا يكون على حال خسيسة من الدنيا إلا وجد من أهلها من هو أخس حالاً منه، فإذا تفكر في ذلك علم أن نعمة الله وصلت إليه دون من فضل هو عليه بذلك من غير أمر أوجبه فيلزم نفسه الشكر فيعظم اغتباطه بذلك في معاده. وقال غيره: في هذا الحديث دواء كل داء؛ لأن الشخص إذا نظر إلى من هو فوقه لم يأمن من أن يؤثر فيه الحسد، ودواؤه أن ينظر إلى من هو أسفل منه ليكون ذلك باعثاً له على الشكر. ٤٦٧ - (وعنه) أي: عن أبي هريرة (رضي الله عنه عن النبي ◌َّ قال: تعس) بكسر العين المهملة، ويجوز الفتح أي: خر لوجهه، والمراد هنا هلك. قال ابن الأنباري: التعس الشر، وقيل البعد (عبد الدينار والدرهم والقطيفة) بالقاف والطاء المهملة والتحتية والفاء بوزن صحيفة هي الثوب الذي له خمل (والخميصة) بالخاء المعجمة وبالميم والصاد المهملة (١) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: من ينظر إلى من هو أسفل منه (٢٧٦/١١). وأخرجه مسلم في كتاب: الزهد والرقائق في فاتحته (الحديث: ٩). ٣٩٧ ٥٥ - باب: في فضل الزهد في الدنيا إِنْ أُعْطِيَ رَضِي، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). ٤٦٨ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الصُّقَّةِ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ رِدَاءٌ: إِمَّا إِزَارٌ وَإِمَّ كِسَاءُ، قَدْ رَبَطُوا فِي أَعْنَاقِهِمْ، فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ نِصْفَ السَّاقَيْنِ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الْكَعْبَيْنِ، فَيَجْمَعُهُ بِيَدِهِ كَرَاهِيَةً أَنْ تَبْدُوَ عَوْرَتُهُ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(٢). بالوزن المذكور هي الكساء المربع أي: عبد كل مما ذكر. وقد جاء التصريح بالمضاف مع كل في رواية للبخاري بلفظ تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد القطيفة وعبد الخميصة رواه كذلك في كتاب الجهاد أي طالب ما ذكر الحريص على جمعه القائم على حفظه فكأنه لذلك خادمه وعبده، قال: خص العبد بالذكر ليؤذن بانغماسه في محبة الدنيا كالأسير الذي لا يجد مخلصاً، ولم يقل مالك ولا جامع الدنيا؛ لأن المذموم من الملك والجمع الزيادة على الحاجة. وقال غيره: جعله عبداً لها لشغفه وحرصه، فمن كان عبداً لهواه لم يصدق في حقه إياك نعبد وإياك نستعين فلا يكون من اتصف بذلك صديقاً قاله في الفتح: (أن أعطي) بالبناء للمفعول مما ذكر (رضي، وإن لم يعط لم يرض) هذان الشرطان وجوابهما مسوقان لبيان سبب شدة حرصه على ذلك (رواه البخاري) في الرقاق من صحيحه. ٤٦٨ - (وعنه قال: لقد رأيت) أي: أبصرت (سبعين من أهل الصفة) يشعر بأنهم كانوا أكثر من سبعين، وهؤلاء الذين رآهم غير السبعين الذين استشهدوا ببئر معونة، وكانوا من أهل الصفة أيضاً لكنهم استشهدوا قبل إسلامه (ما منهم رجل) جاز الابتداء به مع نكارته لتقدم الخبر الظرفي عليه أو لكونه في سياق النفي أو لوصفه بجملة (عليه رداء) ولا مانع من تعدد المسوغات؛ لأنها معرفات لا مؤثرات، والرداء ما يستر أعالي البدن فقط، وقوله: (إما إزار وإما كساء) أي: إما إزار وهو ما يستر أسافل البدن فقط، وإما كساء وهو بالمد معروف، وقوله: (قد ربطوا في أعناقهم) جملة في محل الصفة لكساء (فمنها) أي: الأكسية المدلول عليها بقوله: وإما كساء (ما يبلغ نصف الساقين) لقصره (ومنها ما يبلغ الكعبين) لطوله، والكعب العظم الناتىء، عند مفصل الساق والقدم سمي به لنتوئه (فيجمعه) أي: ما ذكر من الكساء بقسميه (بيده) ليستر العورة (كراهية) مفعولٍ له (أن تبدو) بالواو أي: تظهر (عورته) من صغر الكساء وقصره، واقتصارهم على ذلك زهداً في زهرات الدنيا وإقبالاً على العبادة وعمارة الدار الآخرة (رواه البخاري) في المساجد من صحيحه. قال السخاوي في مؤلفه في (١) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: الحراسة وفي الرقاق (٢١٦/١١). (٢) أخرجه البخاري في كتاب: المساجد، باب: نوم الرجال في المسجد. (٤٤٧/١). ٣٩٨ كتاب: دليل الفالحين ٤٦٩ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((الدُّنْيا سِجْنُ الْمُؤمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١). أهل الصفة، وفي لفظ أبي نعيم عنه رأيت سبعين منهم يصلون في ثوب، فمنهم من يبلغ ركبتيه، ومنهم من هو أسفل من ذلك، فإذا ركع أحدهم قبض عليه مخافة أن تبدو عورته وبعضه عند الحاكم عنه ولفظه لقد كان أصحاب الصفة سبعين رجلاً ما لهم أردية وقال: صحيح على شرطهما، والمراد أن ذلك قدر ما رآه كما تقدم. قال أبو نعيم: الظاهر من أحوالهم والشاهد من أخبارهم غلبة الفقر عليهم وإيثارهم القلة واختيارهم لها فلم يجتمع لهم ثوبان ولا حضرهم من الطعام لونان اهـ. وقد ألف في أهل الصفة الحافظ أبو نعيم كما نقله الحافظ في الفتح في أبواب المساجد والسخاوي وغيرهما. ٤٦٩ - (وعنه) أي: أبي هريرة (قال: قال رسول الله صلجر: الدنيا سجن المؤمن) أي: بالنسبة لما أعد له من النعيم (وجنة الكافر) أي: بالنسبة لما أعد له من العذاب، أو يقال: المؤمن ممنوع من شهواتها المحرمة فكأنه في السجن، والكافر عكسه فهي كالجنة له قاله الشيخ أكمل الدين، وأشار إلى أنه من التشبيه البليغ أي: حذفت أداته وحمل المشبه على المشبه به مبالغة وادعاء أنه من أفراده، لا استعارة؛ لأن شرطها طي ذكر المشبه أو المشبه به، وأشار بعضهم إلى أنه على حقيقته وأن المؤمن لما عليه في الدنيا من التكاليف وتوالي المحن والمكابدات الهموم والغموم والأسقام وغير ذلك في سجن وأي سجن أعظم من ذلك، ثم هو في السجن لا يدري بماذا يختم له من عمل كيف وهو يتوقع أمراً لا شيء أعظم منه ويخاف هلاكاً لا هلاك فوقه، فلولا أنه يرتجي الخلاص من هذا السجن لهلك حالاً، ولكن لطف الله به بما وعده على صبره وبما كشف له من حميد عاقبة أمره، والكافر منفك عن تلك التكاليف آمن من تلك المخاوف مقبل على لذته منهمك في شهوته فهو كالأنعام، وعن قريب يستيقظ من هذه الأحلام، ويحصل في السجن الذي لا يرام، نسأل الله العافية. اهـ. وفي الحديث تحريض للمؤمن على الإِعراض عنها وعدم النظر لها نظر محبة؛ لأن ذلك شأن السجن (رواه مسلم) في أواخر صحيحه. قال السيوطي في الجامع الصغير: رواه أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة، والطبراني والحاكم في المستدرك(٢) عن ابن عمر، وأخرجه أحمد والطبراني وأبو نعيم في الحلية والحاكم في المستدرك عن ابن (١) أخرجه مسلم في كتاب: الزهد والرقائق، باب: كتاب الزهد والرقائق (الحديث: ١). (٢) هنا سقط يعلم بمراجعة الجامع الصغير والأصل هكذا ((في المستدرك عن سليمان والبزار عن ابن عمر» . ع. ٣٩٩ ٥٥ - باب: في فضل الزهد في الدنيا ٤٧٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ بِلَهُ بِمَنْكِبَيَّ، فَقَالَ: (كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ)) وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّباحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَساءَ، عمر(١) بلفظ الدنيا سجن المؤمن وسنته فإذا فارق الدنيا فارق السجن والسنة. اهـ. ((لطيفة)) حكى القرطبي في كتاب جمع الحرس بالقناعة عن سهل (٢) الصعلوكي الفقيه الخراساني، وكان ممن جمع رياسة الدين والدنيا أنه كان في بعض مواكبه ذات يوم إذ خرج عليه يهودي من إيوان حمام وهو بثياب دنسة وصفة نجسة فقال: ألستم تزعمون أن نبيكم سار قال: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر؟ وأنا عبد كافر وترى حالي. وأنت مؤمن وترى حالك، فقال له على الفور: إذا صرت غداً إلى عذاب الله كانت هذه الجنة لك، وإذا صرت أنا إلى النعيم ورضوان الله صار هذا سجني، فعجب الخلق من فهمه وسرعة جوابه اهـ. ٤٧٠ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله (وَله بمنكبي) بتشديد التحتية إحداهما ياء التثنية ويروى بتخفيف الياء على الإِفراد، والمنكب بوزن مسجد مجتمع رأس العضد والكتف؛ لأنه يعتمد عليه كذا في المصباح، وأخذه وَلّر بمنكبيه ليقبل بقلبه على ما يلقيه إليه ويستيقظ إن كان في غفلة لذلك عما هو فيه مع ما فيه من التأنيس والتنبيه والتذكير، إذ محال عادة أن ينسى من فعل معه هذا ما يقال له، وهذا لا يفعل غالباً إلا مع من يميل إليه الفاعل دليل على محبته وص 98، ونظير هذا قول ابن مسعود: علمني رسول الله وَّ وكفي بين كفيه (فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) زاد الترمذي ((وعد نفسك من أهل القبور)) ورواه أحمد والنسائي أوله ((اعبد الله كأنك تراه وكن في الدينا)) الخ (وكان ابن عمر) راوي الخبر (يقول): أي: عقب روايته له كما يؤذن به سياق المصنف وهو كالرديف لما قبله، قال الأعمش راويه عن مجاهد عن ابن عمر وقال: قال لي ابن عمر، وفي لفظ آخر عنه قال مجاهد: ثم قال لي ابن عمر: وكذا جاء في رواية غير الأعمش (إذا أمسيت) أي: دخلت في المساء، وهو لغة من الزوال إلى نصف الليل (فلا تنتظر) أي: بأعمال المساء (الصباح، وإذا أصبحت) أي: دخلت في الصباح فالفعلان تامان، والصباح من نصف الليل إلى الزوال كما ذكره السيوطي (فلا تنتظر) أي: بأعمال النهار (المساء) وذلك أن لكل منهما عملا يخصه فإذا أخر عنه فات ولم يستدرك كماله وإن شرع قضاؤه فطلبت المبادرة بعمل كل (١) صوابه عن ابن عمروكما في الجامع الصغير. ع (٢) لعلہ أتی سھل. ع ٤٠٠ كتاب : دليل الفالحين وخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، قَالوا في شَرْحِ هَذَا الحَدِيثِ مَعْنَاهُ: لَا تَرْكَنْ إِلَى الدُّنْيَا، وَلاَ تَتَّخِذْهَا وَطَناً، وَلَ وقت في وقته، أو المراد إذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالبقاء إلى الصباح وكذا عكسه بل. انتظر الموت كل وقت واجعله نصب عينيك، وعقب به المصنف ما قبله؛ لأن الحديث للحض على ترك الدنيا والزهد فيها كما سيأتي بيانه في الأصل، وهذا الحض على تقصير الأمل فذاك متوقف على هذا؛ لأنه المصلح للعمل والمنجي من آفات التراخي والكسل، فإن من طال أمله ساء عمله، فعلم أن هذا سبب للزهد في الدنيا، وقولهم: إنه هو مرادهم أن بينهما تلازما صيرهما كالشىء الواحد فهو مجاز وإلا فالحقيقة ما قلنا، فمن قصر أمله زهد، ومن طال أمله رغب وترك الطاعة وتكاسل عن التوبة وقسا قلبه لنسيان الآخرة ومقدماتها من الموت وما بعده من الأهوال (وخذ من صحتك) أي: أعمالاً صالحة نستعين في تحصيلها بها مبتدأة منها منتهية أو مدخرة (لمرضك) أي: لمدته التي تشتغل عنها في المرض أي: فلا تغفل عنها في زمن تمكنت فيه منها، وهو زمن الصحة لئلا تغبن في صفقتك (و) خذ (من حياتك لموتك) يحتمل أن يكون أعم مما قبله بأن يراد الإكثار منها ولو في زمن المرض المتمكن فيه منها فيكون فيه ترق وزيادة في التحريض على اغتنام الطاعة وعدم التواني فيها مع إمكانها ولو شقت وصعبت على النفوس لمرض أو غيره ويحتمل أن يكون بمعنى ما قبله أي: من زمن صحتك مدة حياتك فيكون تأكيداً لما قبله واهتماماً به وزيادة تحريض عليه، وبالجملة فرأس مال المؤمن صحته وحياته وأيام حياته زمن تجارته فلا ينبغي له أن يفرط فيها مع التمكن منها ليحصل له من ربح التجارة ونفعها ما يدوم نفعه عليه عند حاجته إليه لنحو مرض، وفي الحديث إذا مرض العبد أو سافر يقول الله لملائكته: اكتبوا ما كان يعمله صحيحاً مقيماً وهذا فيه توسل لدوام فضل المولى سبحانه بحسن العمل، وفي الحديث: تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة وقلت في هذا المعنى : من منامك وغفلة قبل فوتك أيها السالك المريد تنبه ومن الوقت قبل فوت لموتك خذ لسقم من الشباب وبادر (رواه البخاري) في الرقاق من صحيحه، ورواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن حبان في صحيحه، وقد صرح الأعمش فيه بتحديث مجاهد له في الصحيح بخلاف رواية ابن حبان، ولذ قال: مكثت مدة أتوهم أن الأعمش سمع هذا الحديث من ليث ودلسه حتى رأيت ابن المديني رواه عن الطفاوي فصرح بقول الأعمش سمعت مجاهداً، ذكره السخاوي في تخريج الأربعين الحديث التي جمعها المصنف، ثم نقل أنه أنكر الاتصال وقال: إنما رواه الأعمش بالعنعنة، وكذا رواه عنه